رواية علي دروب الهوي الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل التاسع والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
تجمّدت تعابير صبا فجأة، تسارعت وتيرة أنفاسها بصورة عنيفة وهي تُجابه عينيه الذي ينطق منهما الشر، كز عاصم أسنانه هادِرًا وهو يُمسك ذراعها:
_ إمشي نتكلم برا..
تفقدت صبا المكان حولها بنظرات مُستاءة خَجِلة من تصرُفه ثم عاودت النظر إليه ورددت بخفوت:
_ متعملش كدا يا عاصم، إحنا مش لوحدنا..
_ إمشي قدامي يا صبا عشان أنا معتش فيا عقل..
أنهاها ثم أرغمها على السيّر فلم يقبل عبدالله ما يحدث وتدخل، وضع يده على ذِراع عاصم الذي يجبُر به صبا على السيّر، وحذره بوعيدٍ:
_ إبعد إيدك عنها..
أدار عاصم رأسه حيث يقف عبدالله وحدجه بعينين واسعتين يشع منهما الغضب، ثم أزاح يد عبدالله وهدر به شزرًا وهو يشد على يد صبا التي بين قبضته:
_ بتدخل بين واحدة وجوزها ليه؟
_ على الورق، جوزها على الورق!
هتفها عبدالله في مرمى عاصم بحقدٍ ونظرة ثابتة، فقابله الآخر بملامح جامدة، حك أنفه بإصبعه ثم قام بجذب عبدالله من تلابيب قميصه وهمس بجوار أذنه:
_ قسمًا بالله لو ما بعدت ما هعمل اعتبار لأي مخلوق هنا..
تلك الأثناء شاهد قاسم ما يحدث، ووجب عليه التدخل لفض الإشتباك، حيث شكل حاجزًا بينهما وصاح مُنفعلًا وهو يتناوب بينهما بنظره:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ اعملوا اعتبار للمكان اللي واقفين فيه حتى!
وجه إليه عاصم الحديث بنبرةً حادة وعينيه مُصوبتان على عبدالله بشرٍ:
_ قول لابنك ميدخلش بيني وبين مراتي!
وما أن قالها حتى قام بجذب صبا إليه بعنفٍ مُجبرًا قدميها على التحرّك من مكانهما، مُتوجهًا خارج القاعة فكاد يلحق بهما عبدالله لكن يد والده وصوته الحذِر قد أوقفه:
_ خليك أنت، إيه؟ خلاص اتجننت، معتش عارف تفرق بين الصح والغلط؟
معتش قادر تشوف إنها معدتش تِخُصك وإنها على ذمة واحد تاني؟
فوق كدا واعقل، وشوف إحنا في إيه...
أطال عبدالله النظر فيه، ثم لم يتقبل ذهاب صبا مع عاصم وغادره دون الإلتفات لتحذيرات والده، بينما أغمض قاسم عينيه بضيقٍ وعاود الجلوس وعينيه تختلسان نظرةً على آدم الذي لم يرفع بصره عن والده ثانية.
فكان ينتظر منه مُحادثةً تُطمئن قلبه بينما لم يكن قاسم بتلك الشجاعة حتى يذهب إليه، فما افتعله آدم ليس خطأً يغتفر بسهولة.
في الخارج؛ استطاعت صبا سحب يدها وهدرت بنبرة متشنجة:
_ مش فاهمة إيه اللي أنت بتعمله دا بجد؟
أشار عاصم على نفسه وصاح عاليًا:
_ قولتلك مش عايز أطلع مغفل وطلعت مغفل في الآخر، كنتي عمالة تحبي في البيه وأنتِ معايا!!
_ شششش، اسكت
هتفتها صبا وهي تضع إصبعها أمام فمه ثم صاحت:
_ رغم إن مش من حقك تحاسبني عشان من أول يوم كنت واضحة وصريحة معاك، وأنت بنفسك وافقت على إن جوازنا دا مجرد وسيلة لهروبي من اللي حصلي، إلا أنا كنت مِحترمة وجودك وعمري ما تعديت حدودي مع أي حد بكلامي أو حتى نظراتي!
تشدق عاصم ساخرًا ثم هتف كلماته بنبرة مُتهكمة:
_ وأنا المفروض أصدق الكلام دا بعد اللي سمعته جوا في الجلسة؟
أصدق إنك كنتي وفيًا لجوازة على الورق، وأنا بسمع منه إنه شالك بين إيديه بعد اللي حصل وراح بيكي على بيته؟!
تساقطت عبرات صبا بغزارة، فلقد دعس على جرحًا لم يلتئم بعد، اقتربت منه مُسرعة وقامت بوضع يدها أمام فمه مانعة إياه من الكلام وصاحت بنبرة موجوعة:
_ مش من حقك تحاسبني على حاجة حصلت قبل ما ادخل في حياتك، مش من حقك توجعني بكلامك، مش من حقك تتكلم عليا بالشكل دا!
أزاحت يدها عنه وأضافت بوجهٍ مشدود:
_ إحنا خلاص كلها كام ساعة ومش هنكون في حياة بعض تاني، ولو على كرامتك اللي وجعتك عشان عرفت بعلاقتي بعبدالله، فأنا من وقت اللي حصل وأنا نهيت كل اللي بينا، ووجوده جنبنا طول الوقت دا خارج إرادتي، ومفتكرش إني اتعديت حدودي معاه في وجودك..
دنا منها عاصم مُصدرًا صريرًا قويًا إثر احتكاك أسنانه، وصاح بانفعالٍ:
_ ولما كنتي بتروحي تطمني عليه بِحجة إنك دكتورة دا مكنش تعدي حدود؟
أغمض عاصم عينيه وهو يهز رأسه بعنفٍ غير مُصدقًا لما أعادته عليه ذاكرته وعاود مُتابعًا بنبرة لا تصدق ما عاشه:
_ طول الوقت مستغفلاني، طول الوقت بينكم نظرات وهمسات غريبة، أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط، كنت حاسس والله، طلعت أكبر مغفل بينكم! عقلي مش قادر يستوعب!
دنا منها وقام بهزها بعنفٍ مُرددًا بنبرة حانقة:
_ أنا عمر ما حد اتجرأ يعمل معايا اللي عملتيه دا، أنا..
لم يُكمل حديثه حتى تفاجئ بيد عبدالله التي أبعدته عنها مُحذرًا إياه:
_ قولتلك نزل إيدك عنها، مش هكررها تاني
فقد عاصم السيّطرة على حاله؛ ولم يشعر بيده التي انسدلت على وجه عبدالله بلكمة قوية أفقدته توازنه وهو يُهلل بغضبٍ عارم:
_ وأنا قولتلك متدخلش بيني وبين مراتي!
شعر عبدالله بألمٍ في فمه فتفقد شفاه، وقد وجد آثار الدماء على أصابعه، فتدفقت الدماء في عروقه وتحوّلت ملامحه إلى الشر ثم عاد إلى عاصم وقبل أن يقوم الآخر بحماية وجهه كان قد لكمه عبدالله برأسه فترنح عاصم يمينًا ويسارًا اثر ضربته القوية.
فارتفع صراخ صبا من الخلف مُحاولة فض الإشتباك بينهما:
_ بس بقى، أنتوا بتعملوا إيه؟ كفاية حرام عليكم، ياريتني كنت رميت نفسي يوم اللي حصل، ولا كنت خرجت الرصاصة من المسدس ونهيت حياتي..
كانت كلماتها محض انتباه الآخرين؛ فتابعت هي عويلها بنبرة بلغت ذروة تحملها على ما تعيشه:
_ تعبت والله تعبت...
قالتها ثم هاجمها دُوارًا مفاجئ جعل رؤيتها مشوشة، فنظرت إلى الأعلى مُتفقدة كل ما هو حولها وهمست من بين أنفاسها المُتعالية:
_ حرام عليكم..
رددتها ثم سقطت فاقدة الوعي فجأة، فتوقف الزمن من حولها، لم يستوعبا ما حدث للتو، وبصعُوبة تحرك عاصم أولًا وتلاه عبدالله الذي نال نصيبًا من نظرات عاصم التي كانت تحذيرًا قطعيًا لعدم الإقتراب منها وصاح:
_ إياك تلمسها!
ثم حاول إيفاقة صبا ببعض الطُرق الذي يتقنها، بينما وقف عبدالله يُتابع تقاسيم وجهها على أمل تحرك أي ثغرةً بها بقلبٍ ينبض خوفًا خشية أن يُصيبها سوء.
تلك اللحظة جاءت زينب رفقة قاسم وأحلام، ركضت نحو صبا مُتسائلة بِذُعرٍ:
_ مالها، حصل لها إيه؟
أجابها عاصم وهو يضرب وجه صبا بِخفة، فقامت زينب بفتح حقيبتها وأخرجت منها قنينة عِطر وقامت برش بعضًا منها على يدها وسرعان ما وضعتها أمام أنف صبا، التي استجابت لها ونفرت منها فأبعدت زينب يدها في الحال.
استعادت صبا وعيها وتفقدت من هم أمامها، ثم وجهت حديثها إلى زينب بتعبٍ:
_ ساعديني أقوم يا زينب..
نهض عاصم ومد يده محاولًا مساعدتها على الوقوف فلم ترضى مساعدته؛ بل اتكأت بجسدها على يد زينب حتى استطاعت النهوض، ثم سحبت يدها فأسرعت زينب في ترديد:
_ خليني ادخلك جوا..
رفضت ذلك بحركة من رأسها وهمست قبل ذهابها:
_ أنا هدخل لوحدي..
قالتها ثم عاودت الدخول دون أن تلتفت، بينما انسحب عبدالله على الفور مُبتعدًا عن البقية، وكذلك ذهب الجميع كلًا إلى جِهة بينما لم تبرح زينب مكانها، بل كانت مرافقة لعاصم بشفقةٍ شديدة لحالته.
اقتربت منه وهتفت بآسى وهي ترى عينيه لا تُرفعان عن صبا:
_ للأسف مش كل اللي بنتمناه بناخده، الحياة كدا يا باشمهندس، هون على قلبك..
انتبه عاصم على كلماتها؛ رمقها بطرف عينيه ثم زفر بعض الأنفاس المُحملة بالحزن وأردف:
_ أحيانًا الأمل مش بيضيف لصاحبه غير وجع القلب، تقريبًا لازم نستسلم من أول مرة محاولة فشلنا فيها..
أخرج تنهيدة قبل أن يُضيف بنبرةٍ مهزوزة:
_ أنا ماشي..
وكأن شيء قد رفض ذهابه داخل زينب، شعرت بحاجتها للوقوف أمامه أكثر وقتٍ ممكن، لم تريده أن يذهب في تلك الحالة المُذرية، تمنت لقلبه السعادة ولعقله التأقلم على ما يعيشه.
شعرت بالغرابة من حالها، لماذا تكترث كل ذلك الحد له، ابتلعت ريقها وقررت أن تُناديه وهي تراه يبتعد بِضع خُطوات عنها:
_ يا باشمهندس..
التفت عاصم برأسه ناظِرًا إليها، فترددت زينب في التصريح بما تريد قوله، لكنها تحلت بالقوة وقالت بصوت أنثوي رقيق:
_ حضرتك رايح فين؟
زم عاصم شفاه مُبديًا عدم عِلمه بوجهته قبل أن يُجيبها وهو يرفع كتفيه للأعلى:
_ مش عارف..
سقطت عيني زينب على الحديقة الخلفية للمحكمة فاقترحت برحبٍ:
_ لو تسمح نقعد هناك في الجنينة دي..
ضاق عاصم عينيه ببعض الشعور بالغرابة، فاستشفت زينب ما يدور في عقله وحاولت إصلاح الأمر، فازدردت ثم اختلقت كذبة:
_ نتكلم في الشغل، ولا حضرتك صرفت نظر؟
كانوا يتبادلون النظرات بأحاسيسٍ مختلفة، فلقد لعنت زينب كذبتها المختلقة، فليس بآنٍ يُمكنهما التحدث فيه عن العمل، بينما كان عاصم متفاجئًا فلم يتوقع الحديث عن العمل في ذلك الوقت، ولكن ربما عليه تشتيت ذهنه عن صبا قليلًا ليسترد رونقه من جديد.
فأماء بالقبول وقال:
_ لا أبدًا، اتفضلي نتكلم..
ابتهجت زينب فانعكست ابتسامة مُمتنة على شفتيها ثم توجهت إليه وسارت إلى جواره حارصة على ترك مسافةً لا بأس بها، وتوجها إلى الحديقة وكليهما شاردان في شيئان مختلفان.
في الداخل؛ وبعد مرور مدة، بدأت الجلسة الثانية، عاد الجميع إلى أماكنه، وكذلك عبدالله الذي عاد للتو من الخارج، وفضّل الجلوس بمفرده في آخر مِقعد حتى لا يشعر أحدهم بوجوده.
حمحم القاضي وبنبرة حازمة هتف:
_ بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الإطلاع على أوراق الدعوى، وسماع المرافعات، وثبوت الأدلة القاطعة، حكمت المحكمة حضورياً
أولًا، بمعاقبة المتهم الأول حمادة عبد العال وقد ثبت في حقه جريمة اغتصاب المجني عليها بالسجن المشدد مدة خمسة عشر عامًا، جزاءً وفاقًا لما اقترفت يداه.
ثانيًا، بمعاقبة المتهم الثاني، رئيس المباحث المدعو آدم القاضي، والذي ثبت أنه قد حرض المتهم الأول تحريضًا عامًا دون أن يُحدد له جريمة بعينها، بالسجن لمدة سنة واحدة مع عزله من وظيفته، لما بدر منه من سلوك يخلُّ بواجباته ويزعزع الثقة في جهاز العدالة ليكون عبرةً لغيره ممن يستهينون بالأمانة الموكلة إليهم.
وذلك تنفيذًا للعدالة، وصونًا للحقوق، وحمايةً لأعراض الناس وأمن المجتمع.
رُفِعت الجلسة.
وقفت صبا فجأة، تتنفس بعُمق كأنها استردت الحياة من جديد، تسابقت دموعها في النزول، كانت دموع فرِحة وليست قهر تلك المرة، وضعت راحتي يدها أمام وجهها وظلت تُردد:
_ الحمدلله يارب..
ثم وقفت بشموخٍ ورفعت رأسها كأنها تضع تاجًا على رأسها تتلقى المُباركات من عائلتها، حتى وقعت عينيها على ذلك الشارِد بها في آخر مِقعد عِند الباب، كان يُرسل إليها التهنِيئات من خلال عينيه، كان جوفه قد اجتاحه الراحة وقلبه سكنه الإطمئنان بعد نيل الجُناة عقابهم.
والآن حان دروهما، هل سيعودان من جديد؟ هل هناك فُرصًا أخرى لهما، هل مُقدر إليه لقائها بعد فراقه عنها دام لأشهرٍ قد كُتِب فيهم العذاب لقلبه؟
الكثير من هل، ودَّ لو تُجيبه الآن عليهم، لكن عينيها كانت تقول عكس ذلك، كان بها مزيجٍ من اللهفة واللوم، كانت تُخبره بحاجتها الماسة إلى العودة إليه، لكن ما حدث قد كتب لهم الفراق الأبدي.
تألم كلًا منهما على ما يشعُران به من خلال نظراتها الفاضحة، فلقد كشفت عن مشاعرٍ مؤلمة لم تضيف لقلبهما سوى الألم.
تحركت صبا وخلفها عائلتها مُتجهة إلى الخارج دون أن تطلع بعبدالله، لم تتحلى بالقوة لمواجهته وهي بذلك الضعف، بينما صرَّ الآخر أسنانه وهو ينظر أمامه بعد أن تخطّته صبا دون إعطائه أهمية، وعلم بأن تلك النهاية.
أغمض عينيه شاعرًا ببرودة قد تسللت داخله، ناهيك عن وخزة صدره التي ضاعفت ألم جرحه، تشنجت تعابير وجهه عندما لم يشعر أنه في حالٍ أفضل.
شعر بلمسة أنثوية قد وُضعت على ذِراعه ففتح عينيه مُتفقدًا صاحب اللمسة، فوجدها والدته، ومن تكون غيرها من تُأزِره فيما يعيشه؟
دون مجهودٍ قام بإسدال رأسه على كتفها وهمس بنبرة موجوعة:
_ شوفتي بيحصل في ضناكي إيه ياما؟
تألم قلب أحلام لحظتها، وتمنت لو لم يُصيب قلبه الحزن أبدًا، رفعت يدها وقامت بالربت على ظهره هاتفة بحنانٍ تخفي خلفه حزنها على حاله:
_ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ...
في الخلف؛ لم يتجرأ قاسم على الإقتراب من آدم الذي يُحادث والدته من خلال القبضان، كان قلبه ينزف دمًا لرؤيته خلف قضبان حديدية تمنعه من الوصول إليه، بينما لم يُخفض آدم عينيه اللامعة عن والده، كان في انتظار رد فعل يُبرد قلبه لكنه لم يجد، فهو يعاقبه العقاب الاسوء على الإطلاق، ألا وهو الصمت.
جاءا العسكريين وقاموا بتكبيل يدي آدم تحت صُراخ حورية على فلذة كبدها الذي يأخذونه أمام عينيها، بينما لم يبرح قاسم مكانه، فلم يقدر على السيّر وهو على دراية بما هو مُقبِل عليه، كان قلبه يخفق دموعًا حزنًا على ما أوصل آدم إليه نفسه.
لكن ما باليد حيلة، لقد أخطأ وعليه تحمُل عِقاب خطأه حتى وإن لم يتحمل قاسم ما يعيشه ولده، فذلك عدل الله وحدودًا لم يكن عليه تعديها، توجه قاسم حيث عبدالله وأحلام وقال بمزاجٍ غير سوي:
_ يلا نمشي من هنا..
أماءت أحلام بالقبول، ثم خرج الثلاثة من المحكمة، فألقى عبدالله نظرة أخيرة على صبا قبل أن يُردد:
_ أنا ماشي..
لم يُعارضاه والديه، وتركا له مساحة كافية ليكون على ما يُرام إن استطاع تخطي تلك الأحداث، فأسبق عبدالله بِخُطاه نحو سيارته ثم استقل خلف المقُود، وتحرك مُبتعدًا عن الجميع، شعر بصدره يضيق كلما مرَّ الوقت، فقام بفتح النافذة ليستنشق بعض الهواء ربما يُشعِره بالتحسُن.
لكن دون جدوى، فلقد تملّكت منه الخنقة رويدًا رويدا حتى شعر بانسحاب روحه من جسده، فصف السيارة على جانب الطريق وترجل مُسرعًا منها، يستنشق بعض الهواء، وهو يستند براحتي يده على رُكبتيه.
أعاد انتصاب وقوفه ثم قام بغلق سيارته من خلال مفتاحها وقرر السيّر على الأقدام بعض المسافة ربما يسترد صوابه، مشى جاهلٍا أين وِجهته، لكنه واصل سيّره واضعًا يديه في جيبه، فهاجمته ذكرياته مع صبا فأخذ يضحك تارة وتتدمع عينيه تارة أخرى.
***
_ أنت كويس يا باشمهندس؟
تساءلت زينب باهتمامٍ وقلقٍ من خلف صمته الذي لم تجد غيره منذ جلوسهما سويًا، فانتبه عليها عاصم والتفت برأسه ناظرًا إليها بتِيه قبل أن يُردف بإيجاز:
_ كويس..
حمحم ثم نظر حوله محاولًا استيعاب أين يجلس، وعندما استعاد رشده قال بخجلٍ:
_ أنا آسف، إحنا متكلمناش في أي حاجة، بس أنا فعلًا مش مُهيَّا للكلام في الشغل حاليًا، اعذريني..
ابتسمت زينب لتمحي الحرج منه وصرّحت بسبب طلبها للجلوس معه ببعض التردد:
_ بصراحة أنا مطلبتش نقعد عشان الشغل، أنا مش قليلة الذوق للدرجة دي، بس بصراحة أوقات كتيرة كنت بتمنى حد يمد لي إيده لما بكون زي حضرتك كدا ويبعدني عن اللي بيضايقني حتى لو مش هنعمل حاجة غير إننا نسكت وبس!
ارتسم على فمه انحناءة باهتة توحي بالعجز، ثم ردد وهو يتطلع أمامه بنظرة ثابتة:
_ مش هقولك القُعاد هنا فادني أوي..
عاود النظر إليها وأضاف مُمتنًا لـ لطفها:
_ بس شكرًا إنك فكرتي فيا..
ثم سحب من جيب سُترته بطاقته الخاصة وناولها إياها وهو يُوضح ماهي:
_ دا الكارت بتاعي، فيه عنوان الشركة تعالي في أي وقت وهتبدأي على طول..
تفاجئت زينب بما قدَّمه لها على طبقٍ من ذهب، وأخذت منه البطاقة وهي تتساءل بعدم فهم:
_ يعني إيه هبدأ على طول؟ مش المفروض يكون في تدريب، أنا مشتغلتش قبل كدا..
نهض عاصم فجأة وردَّ وعينيه يتفقدان باب المحكمة التي تقف أمامه صبا وعائلتها:
_ مفيش مشكلة، هتكون معاكي نادية سكرتيرتي، هتعلمك كل حاجة..
وقفت زينب أمامه وشكرته ببالغ الإمتنان:
_ شكرًا يا باشمهندس، دي فرصة مكنتش أحلم بيها..
اكتفى عاصم بابتسامة لم تتعدى شفاه، ثم استأذن منها:
_ بعد اذنك..
وسرعان ما ذهب من أمامها على الفور ليلحق بصبا، لم تخفض زينب نظرها عنه وهي تتمنى داخلها بأن تُقابل رجلًا ذو شهامة مِثله يومًا.
وصل عاصم في اللحظات الأخيرة قبل ذهاب صبا؛ وقام بفتح باب السيارة التي استقلت مقعدها الخلفي، انحنى بجسده وهتف من بين أنفاسه المتقطعة:
_ انزلي يا صبا اركبي معايا..
برفضٍ تام قالت:
_ مش هنزل..
_ إحنا كدا كدا طريقنا واحد فا ليه نروح بعربيتين؟
هتفها على أمل قُبُولها، فأبت الأخرى وأبدت انزعاجها:
_ طريقنا آخره مأذون هنروح عنده ونخلص كل اللي بينا، كفاية لغاية كدا..
أطال عاصم النظر بها بملامحٍ جامدة، ثم انتصب في وقفته واكتفى بترديد:
_ تمام..
أولاها ظهره وتوجه ناحية سيارته، فأغمضت صبا عينيها مُستاءة من أسلوبها الفظ، فهو لا يستحق ذلك بعد أن قدمه لها، بهدوءٍ وبدون تفكير قد ترجلت من السيارة ونظرت حيث عائلتها وقالت:
_ اسبقوني أنتوا وأنا هروح مع عاصم..
_ ما بلاش يا صبا، بلاش تُحطي البنزين جنب النار..
أردفها جلال بخوفٍ أظهره، فابتسمت صبا وبثقةً قالت:
_ متخافش، عاصم عمره ما يإذيني..
أنهتها ثم توجهت مُسرعة إليه قبل تحركه؛ فتحت باب السيارة وركبت بجواره، تحت نظراته المُتعجبة من أمر عودتها، فهتفت صبا موضحة:
_ أعتقد إنك تستحق توضيح لكل حاجة قبل انفصالنا..
زفر الآخر أنفاسه ثم أشعل مُحرك السيارة وابتعد عن المكان، فبدأت صبا توضح له بعض الأمور الذي عليه معرفتها:
_ أنا فاهمة كويس أنت بتفكر في إيه دلوقتي، بس والله العظيم أنا كنت صاينة عهدنا وجوازنا حتى لو مكنش حقيقي، أنا كنت بعامل ربنا قبل ما اعاملك..
أنا وعبدالله كنا مرتبطين وافتكر إني مخبتش عنك، أنا قولتلك قبل كدا لو تفتكر لما اعترفت لي إنك معجب بيا، وقتها قولتلك إني مرتبطة ولظروف خاصة جدًا أحب احتفظ بيها لنفسي افترقنا، وبقيت معاك أنت
عاصم والله أنا كنت مِحترماك جدًا ومقدرة وقوفك جنبي وشهامتك معايا، أنا كنت بموت ١٠٠ مرة وأنا بجاهد نفسي إني مفكرش في عبدالله وأنا معاك عشان مرودش على جدعنتك معايا بقلة أصل..
أنت فاكر إني كنت مستغفلاك بس دا محصلش، صدقني..
لم يلتفت لها عاصم، بل كان مُكتفيًا بسماعها فقط، فترددت صبا قبل أخذ تلك الخُطوة، لكنها فعلتها فقط لتنهي أي خلاف بينهما، شهيقًا وزفيرًا فعّلت ثم التقطت يده وتوسلته:
_ عشان خاطر أي لحظة حلوة بينا بلاش ننهيها كدا..
تفاجئ عاصم من تصرُفها، وقام بالنظر إلى يده التي تحتضنها يدها ليتأكد من حدسه، ثم رفع بصره عليها فهتفت هي:
_ متصعبهاش، بالله عليك أنا مش عايزة العلاقة تنتهي وأنت زعلان أو فاهم غلط.. عايزة العلاقة تنتهي وإحنا راضين، أو على الأقل مُتفاهمين، مش عايزة أقدم وجع قلب لشخص ساعدني..
تشدق عاصم ساخرًا وعاود النظر إلى يده المُمسِكة بها وعلق بتهكمٍ:
_ متوقعتش المرة الوحيدة اللي تمسكي فيها ايدي يكون بعدها طلاقنا!
خفق قلب صبا بحزنٍ ودمعت عينيها تأثرًا بكلماته القاسية التي هزمت تماسُكها وسببت الألم لقلبها، ترقرقت العبرات من عينيها وهتفت:
_ عشان خاطري متصعبهاش... أنا آسفة، آسفة إني مفكرتش إن بقربي منك بدمرك، بخرب لك حياتك، مش عارفة ممكن آسفي يعمل لك إيه بس مش عندي غيره..
إزداد نحيب صبا وهي تهتف بنبرة متحشرجة إثر البُكاء:
_ مش عندي يا عاصم غيره!
أسرع الآخر في إدارة رأسه للجانب الآخر مُغمضًا عينيه يمنع حالته أن تسوء أكثر، بالكاد استطاع منع دموعه التي هاجمته بقوة، أغلق فمه كاتمًا آنين صدره من الخروج، فازداد اختناقًا.
ارتجفت شفتيه في محاولاته على التماسُك، مرّت فترة حتى نجح في إخفاء ما يشعر به، وعندما شعر حالهُ أفضل عاود النظر إليها، وأخرج كلماته الحبيسة التي خرجت مهزوزة مُتلعثمة:
_ مفيش.. مفيش حاجة يا صبا، الأيام هتنسي..
_ يعني مِسامِحني؟
تساءلت بلهفةٍ لسماع إجابته فردَّ الآخر بايجاز:
_ إزاي ما أسامحكيش؟
تبادلا النظرات المُتأثرة، بقلوبٍ تعتصر ألمًا، لم يُرد عاصم الإطالة، يكفي ذلك الوجع الذي يعيشانه من خلف ذلك الحب اللعين، ودعس على البنزين فتحركت السيارة بسرعة كبيرة حتى يصل إلى وِجهتهم المقصودة في أسرع وقت.
***
قَلِقت ذلك الصباح، فلم يكن النوم مُريحًا لها بسبب عدم استطاعتها للتقلب بأريحية، فتحت عيونها ببطءٍ فوجدت الغرفة فارغة، تعجبت من عدم وجود شقيقتها برفقتها وكادت تُناديها إلا أنها تريَّثت عندما وجدت رأسًا مُستندة على الفراش.
فتحققت منها بصعوبة، فإذا به زكريا نائمًا يجلس بنصف جسده على الأرضية مُستندًا برأسه على الفراش، لقد تألمت ليلى لوضعه، وافقت عليه لكن سُرعان ما اختفى ذلك الشعور فجأة عندما راودها أفعاله الأخيرة.
حاولت أن تنهض بمفردها فلم تنجح، فصدر عنها آنينًا خافت قد أيقظ زكريا رغم انخفاضه، تفقدها زكريا وعندما وجدها مستيقظة هب واقفًا متسائلًا بلهفة:
_ محتاجة حاجة، عايزة تقومي؟
رمقته ليلى بطرف عينيها، فهي لا تُود إعطائه اهتمامًا، ولا تريد التحدث معه البتَّة، لكن ما باليد حيلة، هي مُجبرة على ذلك حتى تستطع المشي بمفردها.
لكنها لم تكن مُتساهلة وقررت تجنُبه، فنادت بصوتٍ عالٍ مُستغيثة بشقيقتها:
_ سمر، يا سمر.. أنتِ فين؟
فتدخل زكريا مُعلقًا:
_ أنا موجود يا ليلى، قولي أنتِ محتاجة إيه وأنا هعمله..
_ مش عايزة منك حاجة
قالتها على مضضٍ، ثم عاودت تِكرار النداء مرةً أخرى، فتأفف زكريا والتزم الصمت حتى يفهم ما الأمر، ثوانٍ قليلة وظهرت سمر من خلف الباب بعد أن استأذنت قبل ولوجها، فهي على علم بوجود زكريا في الداخل.
اقتربت من ليلى بإبتسامة مُشرقة رافعة يديها المُتسخة للأعلى ثم قالت:
_ صباح الخير يا لولو، بتنادي من زمان؟
نفت ليلى بحركة من رأسها؛ ثم لفت انتباهها يديها المرفوعتين فتساءلت بفضول:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
ردّت موضحة ماذا تفعل بالضبط:
_ زكريا جايب أكل وأنا بجهزه وأحطه في الفريزر عشان يبقى سهل يتطبخ على طول..
_ طب روحي اغسلي ايدك وتعالي ساعديني ادخل الحمام..
هتفتها ليلى مُستاءة، فاختلست سمر نظرة على زكريا الذي غمزها، فعاودت النظر إلى ليلى وقالت:
_ ونعيد اللي حصل امبارح وتقعي؟ ما زكريا موجود...
لم تدعها ليلى تُكمل وصاحت بحنقٍ غير مُتقبلة اقتراحها:
_ أوف خلاص مش عايزة منك حاجة.. أنا هقوم لوحدي
ثم حاولت النهوض ثانيةً وهي تُود الصُراخ لذلك الألم الذي يزداد كلما تحركت بمفردها، تشنجت تقاسيم وجهها فلاحظاها الآخرين، ودون ترددٍ مال زكريا عليها وحاول حملها فرفضت قُربه هاتفة:
_ إبعد عني، متلمسنيش...
تلك الأثناء انسحبت سمر إلى الخارج، فلا يجب وجودها وقتما ترمي شقيقتها بالكلمات، بينما ثبت زكريا رأسه أمام وجهها فكان قريبًا للغاية منها، وأردف برجاء:
_ بطلي تعاندي.. وسبيني أشيلك
بأنفاسٍ مُضطربة همست أمام شفتيه:
_ مش عايزة منك حاجة، إبعد إيدك دي..
أطال زكريا النظر في عينيها مُعاتبًا إياها ببعض الكلمات:
_ متبعدنيش عنك يا ليلى، إديني فرصة أصلح غلطتي..
_ غلطتك!!
هتفتها بتهكمٍ ثم تشدقت ساخرة وهي ترميه بالحديث اللاذع:
_ تقصد غلطاتك، تحب أعدهم لك؟
أغمض عينيه خجلًا من عينيها وقال:
_ عارفهم يا ليلى..
عاود النظر إليها وبرجاءٍ تحدث:
_ إديني فرصة تانية تشوفي فيها إني اتغيرت بجد، وإني استحقك..
أشاحت ليلى النظر عنه عندما شعرت بتأثرها لتوسلاته، وحدّت من نبرتها رافضة إعطائه فرصة آخرى:
_ مش قادرة، مش هعرف، كل ما هبص لشكلي واحتياجي ليك هفتكر إنك كنت السبب، إنك أنت اللي وصلتني لكدا..
ترقرقت الدموع من عينيها وهي تُتابع بألم انعكس في نبرتها:
_ هفتكر إنك كنت سبب إني أخسر بنتي، والله العظيم كنت موافقة إنها تكون معايا وأنت اعمل أي حاجة عايزها، هي كانت هتهوّن عليا..
قاطعها زكريا لعدم تحمله سماع كلماتها:
_ كفاية يا ليلى، والله ما تعرفي كلامك دا بيعمل فيا إيه؟!
صرّت أسنانها ثم أردفت بكُرهٍ:
_ وأنا عايزاك تعيش اللي بعيشه، تتوجع زيي، ولا أنت تكون السبب والوجع ليا أنا بس!!
تراجع زكريا للخلف واستقام بطوله فظهرت هيئته المُرعبة وهو يبوح بما يشعر به بصوتٍ به مزيج من الألم وتأنيب الضمير:
_ ومين قالك إني مش حاسس زيك، وأضعاف ما أنتِ حاسة كمان!
ذنب كل دا عليا أنا، أنا خِسرتك وخِسرت بنتي اللي عرفت قيمتها بعد ما راحت، كل ما بشوفك في وضعك دا بلوم نفسي مليون مرة، أنا بموت بالبطيء يا ليلى، ربنا رفع ستره عني والكل عرف إني واحد قذر
أنا لا بقيت لاقي أهلي ولا صحابي ولا حتى أنتِ، أنا فجأة كل حاجة راحت من بين ايديا بسبب شيطان نفسي اللي عمالي عيوني وحسسني إن كل مُتع الحياة انتهت، مكنتش شايف إنها بتبدأ لسه...
صمت ليلتقط أنفاسه الهاربة ثم مال بنصف جسده وأضاف بتوسلاٍ:
_ أنا مش فارق لي في كل اللي قولته دا غيرك، أنا آذيتك وعايز أصلح اللي عملته معاكي، مش مهم أي حد وأي حاجة تاني، عشان خاطر أي لحظة حلوة عشتيها معايا سامحيني وخلينا نبدأ من جديد..
_ صعب أوي، صعب أسامحك وأنا لسه متعافتش لا نفسيًا ولا جسديًا، صعب أحدد أصلًا أنا هقدر أنسى واسامح ولا لأ، متطلبش مني حاجة فوق مقدرتي..
قالتها بهدوءٍ وهي تتحاشى النظر عنه، فزم زكريا شفاه وأخذ ينظر إليها بعيونه قليلًا قبل أن يزفر أنفاسه ويُردد:
_ تمام، خُدي وقتك، بس من هنا لوقت ما تاخدي قرار أنا المسئول عنك، فمتحاوليش تمنعيني ولا تعاندي معايا لما أقرب منك.. تمام
رفعت ليلى عينيها عليه، ولم تُعقب، فانحنى زكريا بجسده حاملًا إياها لتذهب إلى المرحاض، فنظرت إلى يديه التي تقترب منها فشعرت بالنفور ولم تستطع إمساك سؤالها الذي أظهر غيّرتها:
_ وايدك دي اللي لمستها ولا التانية؟
تفاجئ زكريا بسؤالها، ولم يتراجع بل تابع قُربه منها حتى أصبح وجهه أمام وجهها لا يفصلهما سوى بعض الهواء المار، وهمس أمام شفتيها:
_ والله العظيم ايدي ملمستش واحدة غيرك.. أنا مش بالقذارة دي يا ليلى..
أنا قبل ما بعاملك بعامل ربنا، بغلط بس مش لدرجة الإنحطاط دا..
جحظت عيني ليلى بصدمةٍ وصاحت مُنفعلة:
_ دا أنا سمعتك محدش قالي، سمعتك وأنت بتقولها أوقفي كويس بدل ما اخدك على البيت!! أينعم أنا قاطعتك وقتها بس دا الرد الوحيد اللي كان هيتقال!
دي وصلت للبيت، أنت بتقول إيه بس!!
رفع زكريا يده وتحسَّس وجهها فنفرت ليلى من لمساته وحاولت تحريك وجهها لتبتعد عن يده لكنه لم يرفعها عنها وحاول إثبات حبه لها:
_ دا كان كلام، مكالماتي معاها متعدتش التعارف، واتفاجئت إنها جاية تبارك لي على الإفتتاح، مكنتش متفق معاها على أي مقابلات ولا حتى كان في نيتي اني أوصل معاها للمرحلة دي..
أقسم بالله ما يحلى لي لمس غيرك، أنا بحبك بجد يا ليلى، اعتبريني عيل وغلط، عاقبيه الفترة اللي تحبيها، بس متسبنيش...
أغمضت ليلى عينيها لحظتها، كانت تهرب منه هكذا، فهي لا تُود التأثر به إطلاقًا، كانت أنفاسه الحارة تضرب وجهها فأشعرتها بمشاعرٍ لا تريدها، فقاومت شعورها برفعها ليدها ووضعها على صدره مُحاوِلة إبعاده:
_ أنا عايزة أقوم.. هتساعدني ولا أنادي سمر؟
تنفس بعض زكريا الهواء قبل يُردد مازحًا:
_ وعلى إيه تنادي سمر، بدل ما توقعك زي إمبارح..
غمزها وهو يبتسم مواصلًا مُزاحه:
_ صحيح هي وقعتك إزاي؟
تجهم وجه ليلى ورددت بتزمجرٍ:
_ زكريا!!
_ خلاص خلاص
رددها ثم قام بحملِها برفق فتعلقت ليلى تلقائيًا بذراعيها حول عُنقه، فتقوس ثغر ليلى ببسمةٍ على دُعابته، لكن سُرعان ما لامت نفسها وأخفتها، خرج بها زكريا من الغرفة وقام بإدخالها المرحاض فهتفت:
_ اخرج..
_ خليني عشان لو احتجتي لـ...
لم يكاد يُواصل جُملته حتى أبدت ليلى رفضها التام:
_ اخرج يا زكريا..
تبادل معها النظرات لبرهة ثم أولاها ظهره وقام بالخروج، لكنه لم يبتعد عن الباب حتى يكون بالقُرب، بعد فترة؛ نادته فولج إليها كاد يحملها إلا أنها رفضت قائلة:
_ أنا عايزة أمشي عادي..
لم يعترض زكريا بل ترك لها الحرية، وقام بإحاطة ظهرها بذراعه وساعدها على السيّر، خرجت سمر من المطبخ ونظرت إلى شقيقتها وقالت:
_ متدخليش الأوضة، اقعدي برا أنا حضرت لك فطار..
_ مش جعانة..
هتفتها ليلى فعلَّق زكريا مُستاءً:
_ مفيش حاجة اسمها مش جعانة، لازم تاكلي عشان العلاج اللي أنتِ بتاخديه..
قالها ثم التفت إلى سمر وأردف:
_ هاتي الأكل وأنا هأكلها..
حاولت ليلى النظر إليه لكنها لم تستطع، فانحنى هو برأسه ناظرًا إليها ثم تساءل:
_ عايزة تقولي حاجة يا لولا؟
_ متقوليش لولا دي تاني، متنطقش إسمي أصلًا.. أنت يدوب وسيلة مساعدة مش أكتر..
أردفتها باندفاعٍ وبغضٍ، ثم قالت:
_ وبعدين أنت وقفت ليه، وصلني عشان مش قادرة أقف
_ هو فيه وسيلة مساعدة بتتحرك من غير أمر؟
تساءل بجدية مُصطنعة فتأففت الأخرى وعلقت بفتورٍ:
_ هو أنا كل كلمة هقولها هتعلق عليها؟ اتفضل وصلني..
_ أمرك يا هانم...
قالها وبسلاسة قام بحملِها فشهقت ليلى مذعورة، نظرت في عينيه وعاتبته بهجومٍ:
_ أنا قولت عايزة أمشي على فكرة..
_ وأنا عاجبني الوضع دا على فكرة..
قالها مُقلدًا نبرتها فنفخت ليلى مُبدية انزعاجها، فتحرك بها زكريا مُتجهًا إلى الأريكة ثم وضعها أعلاها برفق، تلك الأثناء قرع جرس الباب فتوجه زكريا مباشرةً لفتحه.
فتفاجئ بحضور والدته؛ تجهم وجهه وارتسم عليه علامات الضيق، أولاها زكريا ظهره وعاد للداخل ثم جاور ليلى مُصطنعًا انشغاله بالهاتف، بينما اجتاح هناء الشعور بالخزي من حالها، وتملَّك منها الخجل.
خطت بعض الخُطوات للداخل على استحياء شديد، وقفت أمام ليلى التي حدجتها بنظرات جامدة خالية من المشاعر، بينما تساءلت هناء بحرجٍ:
_ عاملة إيه النهاردة يا ليلى؟
بإقتضابٍ ردّت:
_ الحمد لله
حمحمت وحاولت إذابة الثلوج بينهن بمد يد العون لها فقالت:
_ محتاجة حاجة، أعملـ...
قاطعها زكريا بردِه الصارم:
_ ليلى مش محتاجة حاجة، أنا موجود..
إزداد حرج هناء من أسلوبه الصارم؛ واكتفت بترديد:
_ ربنا يخليكم لبعض و..
قاطعها زكريا للمرة الثانية مُردفًا بحدةٍ:
_ شكرًا
كانت هناء تود أن تنشق الأرض وتبتلعها، فلم يكن لديها وجه للوقوف بعد، لكنها تريثت قليلًا ربما عليها فعل شيءٍ لهما قبل ذهابها، تلك الأثناء جاءت سمر حامِلة الصينية التي تحوي فطورًا شهيًا قامت بإعداده خِصيصًا لإغراء عيني شقيقتها وتتناوله دون إبداء رفضٍ.
تفاجئت بوجود هناء، لكنها لم تُعطيها وجهًا، وضعت الصينية على الطاولة وتصنعت نِسيانها شيئًا حتى لا تبقى معها في مكانٍ واحد:
_ نسيت حاجة، هجيبها وأرجع
سحب زكريا الصينية وقام بأخذ لُقيمات صغيرة وأقربها من فم ليلى التي لم تُعارضه في وجود هناء، تناولت منه الطعام فأعاد زكريا تِكرار فِعلته دون اكتراثٍ لوجود والدته التي انسحبت بهدوءٍ لكنها هتفت قبل ذهابها:
_ أنا موجودة تحت لو احتجتوا لحاجة..
وسُرعان ما انصرفت من أمامهما، فشعر زكريا بالضيق من نفسه لتعامله معها بتلك الطريقة لكنه مُجبرًا على جعلها تشعر بذنبها حتى لا تعاود تِكرار خطأها مُجددًا.
وما أن غادرت هناء حتى رفضت ليلى أخذ لُقمة أخرى من يده وقالت بإقتضابٍ:
_ أنا هاكل أنا..
ترك لها زكريا حُرية التصرف؛ فأخذت ليلى تتناول على حد معرفتها، ثم انضمت إليهما سمر عندما تأكدت من ذهاب هناء، وجلسوا ثلاثتهم يتناولون الفطور في أجواء هادئة.
***
جلس الإثنين مُقابل بعضهما البعض، يتوسط كليهما المأذون، الذي تفقد حالتهما بنظراته أولاً قبل أن يُردف:
_ إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، راجعوا نفسكوا يا جماعة، لو حابين تقعدوا مع بعض على انفراد خمس دقايق أنا معنديش مانع..
أطال عاصم النظر بصبا، كم ودَّ لو تُخبره بأنها تتراجع عن الإنفصال عنه، لكنها لم تفعل، إذًا فعليه الإسراع في ذلك القرار بِناءً على اتفاقهما، ابتلع ريقه ثم نظر إلى المأذون وبثباتٍ قال:
_ إحنا متأكدين يا مولانا، مفيش حاجة تانية نتكلم فيها، توكل على الله
بآسى شديد رمقه الماذون ثم ردد بحزنٍ واضح:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله..
أخذ نفسًا عميقًا وأضاف بجدية:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي شرع الزواج والطلاق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
يا أستاذ عاصم سليمان، هل أنت حاضر بكامل قواك العقلية ونيّتك الخالصة لتطليق زوجتك؟
تحاشى عاصم النظر عن الجميع، أخفض بصره وهو يُجيبه بصوتٍ بالكاد سمعوه من هم حوله:
_ أيوا..
فتحدث المأذون ليتابع مراسم الإنفصال:
_ قول ورايا، أُطلِّق زوجتي صبا محمود النجيري على ما شرع الله تعالى ورسوله
شعر عاصم بوخزة في قلبه، رفع رأسه وتفقد صبا متشبثًا بآخر أمل لديه، أبت الكلمات الخروج من حنجرجته، وترنحت الدموع في عينيه مُهددة بالسقوط، ابتلع ريقه مِرارًا مُحاولًا السيّطرة على حاله، فأبعد عينيه عنها ليسهُل عليه قول تلك الكلمات التي يبغضها قلبه، تطلع في المأذون وقال بنبرةٍ مهزوزة:
_ أطلَّق زوجتي...
تحشرج صوته وهو ينطق حروف إسمها:
_ صبا محمود النجيري على ما شرع الله تعالى ورسوله..
وما أن أنهاها حتى أخذ نفسًا عميقًا زفره بقوة، غير مُصدق ما نطقه للتو، لم يدري كيف تحمل لسانه حمل تلك الكلمات وإخراجها.. لم يرفع عينيه عن صبا التي تتهرب من عينيه، تخشى النظر فيه فيغلبها ألم قلبها لجعله يعيش موقفٍ مأسوي كالذي يعيشه الآن.
ثم انتبهت على توجيه المأذون حديثه إليها بوقارٍ:
_ هل توافقين يا مدام صبا على هذا الطلاق؟
لم تُجيبه على الفور، حتى لا تتسبب في مضاعفة الألم داخل عاصم، تريثت قليلًا حتى لا تجرح مشاعره وبعد مرور بعض الوقت أجابته:
_ أيوا موافقة..
فأخذ الماذون يتلو بقية صيغة الإنفصال:
_ إذًا قد وقع الطلاق، وأُثبت بمحضر الطلاق، أسأل الله أن يوفقكما ويكتب لكما الخير أينما كنتما.
انسحبت صبا إلى الخارج فوجدت عائلتها في انتظارها، كان جلال أول من ألقت بنفسها بين ذراعيه ثم أجشهت باكية وتمتمت بندمٍ شديد:
_ مكنتش عايزة دا يحصل، مكنتش أتمنى إني أذي حد بالشكل دا..
ربتَ جلال على ظهرها محاولًا التخفيف من حُزنها:
_ نصيب يا حبيبتي، وبعدين متفكريش إن دي النهاية، عاصم بكرة يتخطى الطلاق ويقابل واحدة تعوضه، هوني على نفسك..
تلك الأثناء خرج عاصم يجر أذيال خيبته خلفه، وقف أمام الجميع بقلبٍ يبكي دمًا، حاول الثبات قدر استطاعته وإخفاء ما يمُر به، مالت شفتيه بانحناءة راسمًا بسمة زائفة وقال:
_ أشوف وشكم بخير يا جماعة..
_ ربنا يكتب لك الخير يابني في حياتك الجاية
دعاها محمود بامتنانٍ بالغ، بينما أضافت إجلال شاكرة لُطفه وشهامته:
_ أنت إنسان جميل وقلبك نضيف، ربنا يعوضك خيرًا من بنتي يا باشمهندس، ربنا يعوضك باللي شبهك وتستاهلك..
لِيُضيف جلال الذي دنا منه وربت على ذراعه:
_ مهما قولنا مش هنوفي حقك يا باشمهندس، أنت ونعمة الرجولة والشهامة، إحنا صحاب وأخوات ومفيش أي حاجة بينا مش كدا؟
_ أكيد
اكتفى عاصم بقولها، ثم وجه بصره على صبا المُنكسة رأسها لا تقدر على مواجهته، اقترب منها ومد يده مُردفًا بصوتٍ رخيم:
_ أشوفك على خير يا دكتورة..
بصعوبة بالغة قابلتها صبا في رفع عينيها عليه، نظرت إليه بعيون مُحمرة وكأن أحد العروق قد انفجر بها، مدت يدها تصافحه فشعرت بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله فور لمسِها ليده.
قابلها الآخر بنظراتٍ تخفي خلفها الكثير من المشاعر الذي يود الإفصاح عنها، لكنها لم تعُد من حقه امتلاكها، فهما الآن غريبان عن بعضهما البعض، تقوس ثغره ببسمةٍ وقال:
_ خلصت الحكاية يا دكتورة!
فردّت صبا بصوتٍ مُفعم بالحُزن:
_ خلصت الحكاية يا باشمهندس
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
تجمّدت تعابير صبا فجأة، تسارعت وتيرة أنفاسها بصورة عنيفة وهي تُجابه عينيه الذي ينطق منهما الشر، كز عاصم أسنانه هادِرًا وهو يُمسك ذراعها:
_ إمشي نتكلم برا..
تفقدت صبا المكان حولها بنظرات مُستاءة خَجِلة من تصرُفه ثم عاودت النظر إليه ورددت بخفوت:
_ متعملش كدا يا عاصم، إحنا مش لوحدنا..
_ إمشي قدامي يا صبا عشان أنا معتش فيا عقل..
أنهاها ثم أرغمها على السيّر فلم يقبل عبدالله ما يحدث وتدخل، وضع يده على ذِراع عاصم الذي يجبُر به صبا على السيّر، وحذره بوعيدٍ:
_ إبعد إيدك عنها..
أدار عاصم رأسه حيث يقف عبدالله وحدجه بعينين واسعتين يشع منهما الغضب، ثم أزاح يد عبدالله وهدر به شزرًا وهو يشد على يد صبا التي بين قبضته:
_ بتدخل بين واحدة وجوزها ليه؟
_ على الورق، جوزها على الورق!
هتفها عبدالله في مرمى عاصم بحقدٍ ونظرة ثابتة، فقابله الآخر بملامح جامدة، حك أنفه بإصبعه ثم قام بجذب عبدالله من تلابيب قميصه وهمس بجوار أذنه:
_ قسمًا بالله لو ما بعدت ما هعمل اعتبار لأي مخلوق هنا..
تلك الأثناء شاهد قاسم ما يحدث، ووجب عليه التدخل لفض الإشتباك، حيث شكل حاجزًا بينهما وصاح مُنفعلًا وهو يتناوب بينهما بنظره:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ اعملوا اعتبار للمكان اللي واقفين فيه حتى!
وجه إليه عاصم الحديث بنبرةً حادة وعينيه مُصوبتان على عبدالله بشرٍ:
_ قول لابنك ميدخلش بيني وبين مراتي!
وما أن قالها حتى قام بجذب صبا إليه بعنفٍ مُجبرًا قدميها على التحرّك من مكانهما، مُتوجهًا خارج القاعة فكاد يلحق بهما عبدالله لكن يد والده وصوته الحذِر قد أوقفه:
_ خليك أنت، إيه؟ خلاص اتجننت، معتش عارف تفرق بين الصح والغلط؟
معتش قادر تشوف إنها معدتش تِخُصك وإنها على ذمة واحد تاني؟
فوق كدا واعقل، وشوف إحنا في إيه...
أطال عبدالله النظر فيه، ثم لم يتقبل ذهاب صبا مع عاصم وغادره دون الإلتفات لتحذيرات والده، بينما أغمض قاسم عينيه بضيقٍ وعاود الجلوس وعينيه تختلسان نظرةً على آدم الذي لم يرفع بصره عن والده ثانية.
فكان ينتظر منه مُحادثةً تُطمئن قلبه بينما لم يكن قاسم بتلك الشجاعة حتى يذهب إليه، فما افتعله آدم ليس خطأً يغتفر بسهولة.
في الخارج؛ استطاعت صبا سحب يدها وهدرت بنبرة متشنجة:
_ مش فاهمة إيه اللي أنت بتعمله دا بجد؟
أشار عاصم على نفسه وصاح عاليًا:
_ قولتلك مش عايز أطلع مغفل وطلعت مغفل في الآخر، كنتي عمالة تحبي في البيه وأنتِ معايا!!
_ شششش، اسكت
هتفتها صبا وهي تضع إصبعها أمام فمه ثم صاحت:
_ رغم إن مش من حقك تحاسبني عشان من أول يوم كنت واضحة وصريحة معاك، وأنت بنفسك وافقت على إن جوازنا دا مجرد وسيلة لهروبي من اللي حصلي، إلا أنا كنت مِحترمة وجودك وعمري ما تعديت حدودي مع أي حد بكلامي أو حتى نظراتي!
تشدق عاصم ساخرًا ثم هتف كلماته بنبرة مُتهكمة:
_ وأنا المفروض أصدق الكلام دا بعد اللي سمعته جوا في الجلسة؟
أصدق إنك كنتي وفيًا لجوازة على الورق، وأنا بسمع منه إنه شالك بين إيديه بعد اللي حصل وراح بيكي على بيته؟!
تساقطت عبرات صبا بغزارة، فلقد دعس على جرحًا لم يلتئم بعد، اقتربت منه مُسرعة وقامت بوضع يدها أمام فمه مانعة إياه من الكلام وصاحت بنبرة موجوعة:
_ مش من حقك تحاسبني على حاجة حصلت قبل ما ادخل في حياتك، مش من حقك توجعني بكلامك، مش من حقك تتكلم عليا بالشكل دا!
أزاحت يدها عنه وأضافت بوجهٍ مشدود:
_ إحنا خلاص كلها كام ساعة ومش هنكون في حياة بعض تاني، ولو على كرامتك اللي وجعتك عشان عرفت بعلاقتي بعبدالله، فأنا من وقت اللي حصل وأنا نهيت كل اللي بينا، ووجوده جنبنا طول الوقت دا خارج إرادتي، ومفتكرش إني اتعديت حدودي معاه في وجودك..
دنا منها عاصم مُصدرًا صريرًا قويًا إثر احتكاك أسنانه، وصاح بانفعالٍ:
_ ولما كنتي بتروحي تطمني عليه بِحجة إنك دكتورة دا مكنش تعدي حدود؟
أغمض عاصم عينيه وهو يهز رأسه بعنفٍ غير مُصدقًا لما أعادته عليه ذاكرته وعاود مُتابعًا بنبرة لا تصدق ما عاشه:
_ طول الوقت مستغفلاني، طول الوقت بينكم نظرات وهمسات غريبة، أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط، كنت حاسس والله، طلعت أكبر مغفل بينكم! عقلي مش قادر يستوعب!
دنا منها وقام بهزها بعنفٍ مُرددًا بنبرة حانقة:
_ أنا عمر ما حد اتجرأ يعمل معايا اللي عملتيه دا، أنا..
لم يُكمل حديثه حتى تفاجئ بيد عبدالله التي أبعدته عنها مُحذرًا إياه:
_ قولتلك نزل إيدك عنها، مش هكررها تاني
فقد عاصم السيّطرة على حاله؛ ولم يشعر بيده التي انسدلت على وجه عبدالله بلكمة قوية أفقدته توازنه وهو يُهلل بغضبٍ عارم:
_ وأنا قولتلك متدخلش بيني وبين مراتي!
شعر عبدالله بألمٍ في فمه فتفقد شفاه، وقد وجد آثار الدماء على أصابعه، فتدفقت الدماء في عروقه وتحوّلت ملامحه إلى الشر ثم عاد إلى عاصم وقبل أن يقوم الآخر بحماية وجهه كان قد لكمه عبدالله برأسه فترنح عاصم يمينًا ويسارًا اثر ضربته القوية.
فارتفع صراخ صبا من الخلف مُحاولة فض الإشتباك بينهما:
_ بس بقى، أنتوا بتعملوا إيه؟ كفاية حرام عليكم، ياريتني كنت رميت نفسي يوم اللي حصل، ولا كنت خرجت الرصاصة من المسدس ونهيت حياتي..
كانت كلماتها محض انتباه الآخرين؛ فتابعت هي عويلها بنبرة بلغت ذروة تحملها على ما تعيشه:
_ تعبت والله تعبت...
قالتها ثم هاجمها دُوارًا مفاجئ جعل رؤيتها مشوشة، فنظرت إلى الأعلى مُتفقدة كل ما هو حولها وهمست من بين أنفاسها المُتعالية:
_ حرام عليكم..
رددتها ثم سقطت فاقدة الوعي فجأة، فتوقف الزمن من حولها، لم يستوعبا ما حدث للتو، وبصعُوبة تحرك عاصم أولًا وتلاه عبدالله الذي نال نصيبًا من نظرات عاصم التي كانت تحذيرًا قطعيًا لعدم الإقتراب منها وصاح:
_ إياك تلمسها!
ثم حاول إيفاقة صبا ببعض الطُرق الذي يتقنها، بينما وقف عبدالله يُتابع تقاسيم وجهها على أمل تحرك أي ثغرةً بها بقلبٍ ينبض خوفًا خشية أن يُصيبها سوء.
تلك اللحظة جاءت زينب رفقة قاسم وأحلام، ركضت نحو صبا مُتسائلة بِذُعرٍ:
_ مالها، حصل لها إيه؟
أجابها عاصم وهو يضرب وجه صبا بِخفة، فقامت زينب بفتح حقيبتها وأخرجت منها قنينة عِطر وقامت برش بعضًا منها على يدها وسرعان ما وضعتها أمام أنف صبا، التي استجابت لها ونفرت منها فأبعدت زينب يدها في الحال.
استعادت صبا وعيها وتفقدت من هم أمامها، ثم وجهت حديثها إلى زينب بتعبٍ:
_ ساعديني أقوم يا زينب..
نهض عاصم ومد يده محاولًا مساعدتها على الوقوف فلم ترضى مساعدته؛ بل اتكأت بجسدها على يد زينب حتى استطاعت النهوض، ثم سحبت يدها فأسرعت زينب في ترديد:
_ خليني ادخلك جوا..
رفضت ذلك بحركة من رأسها وهمست قبل ذهابها:
_ أنا هدخل لوحدي..
قالتها ثم عاودت الدخول دون أن تلتفت، بينما انسحب عبدالله على الفور مُبتعدًا عن البقية، وكذلك ذهب الجميع كلًا إلى جِهة بينما لم تبرح زينب مكانها، بل كانت مرافقة لعاصم بشفقةٍ شديدة لحالته.
اقتربت منه وهتفت بآسى وهي ترى عينيه لا تُرفعان عن صبا:
_ للأسف مش كل اللي بنتمناه بناخده، الحياة كدا يا باشمهندس، هون على قلبك..
انتبه عاصم على كلماتها؛ رمقها بطرف عينيه ثم زفر بعض الأنفاس المُحملة بالحزن وأردف:
_ أحيانًا الأمل مش بيضيف لصاحبه غير وجع القلب، تقريبًا لازم نستسلم من أول مرة محاولة فشلنا فيها..
أخرج تنهيدة قبل أن يُضيف بنبرةٍ مهزوزة:
_ أنا ماشي..
وكأن شيء قد رفض ذهابه داخل زينب، شعرت بحاجتها للوقوف أمامه أكثر وقتٍ ممكن، لم تريده أن يذهب في تلك الحالة المُذرية، تمنت لقلبه السعادة ولعقله التأقلم على ما يعيشه.
شعرت بالغرابة من حالها، لماذا تكترث كل ذلك الحد له، ابتلعت ريقها وقررت أن تُناديه وهي تراه يبتعد بِضع خُطوات عنها:
_ يا باشمهندس..
التفت عاصم برأسه ناظِرًا إليها، فترددت زينب في التصريح بما تريد قوله، لكنها تحلت بالقوة وقالت بصوت أنثوي رقيق:
_ حضرتك رايح فين؟
زم عاصم شفاه مُبديًا عدم عِلمه بوجهته قبل أن يُجيبها وهو يرفع كتفيه للأعلى:
_ مش عارف..
سقطت عيني زينب على الحديقة الخلفية للمحكمة فاقترحت برحبٍ:
_ لو تسمح نقعد هناك في الجنينة دي..
ضاق عاصم عينيه ببعض الشعور بالغرابة، فاستشفت زينب ما يدور في عقله وحاولت إصلاح الأمر، فازدردت ثم اختلقت كذبة:
_ نتكلم في الشغل، ولا حضرتك صرفت نظر؟
كانوا يتبادلون النظرات بأحاسيسٍ مختلفة، فلقد لعنت زينب كذبتها المختلقة، فليس بآنٍ يُمكنهما التحدث فيه عن العمل، بينما كان عاصم متفاجئًا فلم يتوقع الحديث عن العمل في ذلك الوقت، ولكن ربما عليه تشتيت ذهنه عن صبا قليلًا ليسترد رونقه من جديد.
فأماء بالقبول وقال:
_ لا أبدًا، اتفضلي نتكلم..
ابتهجت زينب فانعكست ابتسامة مُمتنة على شفتيها ثم توجهت إليه وسارت إلى جواره حارصة على ترك مسافةً لا بأس بها، وتوجها إلى الحديقة وكليهما شاردان في شيئان مختلفان.
في الداخل؛ وبعد مرور مدة، بدأت الجلسة الثانية، عاد الجميع إلى أماكنه، وكذلك عبدالله الذي عاد للتو من الخارج، وفضّل الجلوس بمفرده في آخر مِقعد حتى لا يشعر أحدهم بوجوده.
حمحم القاضي وبنبرة حازمة هتف:
_ بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الإطلاع على أوراق الدعوى، وسماع المرافعات، وثبوت الأدلة القاطعة، حكمت المحكمة حضورياً
أولًا، بمعاقبة المتهم الأول حمادة عبد العال وقد ثبت في حقه جريمة اغتصاب المجني عليها بالسجن المشدد مدة خمسة عشر عامًا، جزاءً وفاقًا لما اقترفت يداه.
ثانيًا، بمعاقبة المتهم الثاني، رئيس المباحث المدعو آدم القاضي، والذي ثبت أنه قد حرض المتهم الأول تحريضًا عامًا دون أن يُحدد له جريمة بعينها، بالسجن لمدة سنة واحدة مع عزله من وظيفته، لما بدر منه من سلوك يخلُّ بواجباته ويزعزع الثقة في جهاز العدالة ليكون عبرةً لغيره ممن يستهينون بالأمانة الموكلة إليهم.
وذلك تنفيذًا للعدالة، وصونًا للحقوق، وحمايةً لأعراض الناس وأمن المجتمع.
رُفِعت الجلسة.
وقفت صبا فجأة، تتنفس بعُمق كأنها استردت الحياة من جديد، تسابقت دموعها في النزول، كانت دموع فرِحة وليست قهر تلك المرة، وضعت راحتي يدها أمام وجهها وظلت تُردد:
_ الحمدلله يارب..
ثم وقفت بشموخٍ ورفعت رأسها كأنها تضع تاجًا على رأسها تتلقى المُباركات من عائلتها، حتى وقعت عينيها على ذلك الشارِد بها في آخر مِقعد عِند الباب، كان يُرسل إليها التهنِيئات من خلال عينيه، كان جوفه قد اجتاحه الراحة وقلبه سكنه الإطمئنان بعد نيل الجُناة عقابهم.
والآن حان دروهما، هل سيعودان من جديد؟ هل هناك فُرصًا أخرى لهما، هل مُقدر إليه لقائها بعد فراقه عنها دام لأشهرٍ قد كُتِب فيهم العذاب لقلبه؟
الكثير من هل، ودَّ لو تُجيبه الآن عليهم، لكن عينيها كانت تقول عكس ذلك، كان بها مزيجٍ من اللهفة واللوم، كانت تُخبره بحاجتها الماسة إلى العودة إليه، لكن ما حدث قد كتب لهم الفراق الأبدي.
تألم كلًا منهما على ما يشعُران به من خلال نظراتها الفاضحة، فلقد كشفت عن مشاعرٍ مؤلمة لم تضيف لقلبهما سوى الألم.
تحركت صبا وخلفها عائلتها مُتجهة إلى الخارج دون أن تطلع بعبدالله، لم تتحلى بالقوة لمواجهته وهي بذلك الضعف، بينما صرَّ الآخر أسنانه وهو ينظر أمامه بعد أن تخطّته صبا دون إعطائه أهمية، وعلم بأن تلك النهاية.
أغمض عينيه شاعرًا ببرودة قد تسللت داخله، ناهيك عن وخزة صدره التي ضاعفت ألم جرحه، تشنجت تعابير وجهه عندما لم يشعر أنه في حالٍ أفضل.
شعر بلمسة أنثوية قد وُضعت على ذِراعه ففتح عينيه مُتفقدًا صاحب اللمسة، فوجدها والدته، ومن تكون غيرها من تُأزِره فيما يعيشه؟
دون مجهودٍ قام بإسدال رأسه على كتفها وهمس بنبرة موجوعة:
_ شوفتي بيحصل في ضناكي إيه ياما؟
تألم قلب أحلام لحظتها، وتمنت لو لم يُصيب قلبه الحزن أبدًا، رفعت يدها وقامت بالربت على ظهره هاتفة بحنانٍ تخفي خلفه حزنها على حاله:
_ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ...
في الخلف؛ لم يتجرأ قاسم على الإقتراب من آدم الذي يُحادث والدته من خلال القبضان، كان قلبه ينزف دمًا لرؤيته خلف قضبان حديدية تمنعه من الوصول إليه، بينما لم يُخفض آدم عينيه اللامعة عن والده، كان في انتظار رد فعل يُبرد قلبه لكنه لم يجد، فهو يعاقبه العقاب الاسوء على الإطلاق، ألا وهو الصمت.
جاءا العسكريين وقاموا بتكبيل يدي آدم تحت صُراخ حورية على فلذة كبدها الذي يأخذونه أمام عينيها، بينما لم يبرح قاسم مكانه، فلم يقدر على السيّر وهو على دراية بما هو مُقبِل عليه، كان قلبه يخفق دموعًا حزنًا على ما أوصل آدم إليه نفسه.
لكن ما باليد حيلة، لقد أخطأ وعليه تحمُل عِقاب خطأه حتى وإن لم يتحمل قاسم ما يعيشه ولده، فذلك عدل الله وحدودًا لم يكن عليه تعديها، توجه قاسم حيث عبدالله وأحلام وقال بمزاجٍ غير سوي:
_ يلا نمشي من هنا..
أماءت أحلام بالقبول، ثم خرج الثلاثة من المحكمة، فألقى عبدالله نظرة أخيرة على صبا قبل أن يُردد:
_ أنا ماشي..
لم يُعارضاه والديه، وتركا له مساحة كافية ليكون على ما يُرام إن استطاع تخطي تلك الأحداث، فأسبق عبدالله بِخُطاه نحو سيارته ثم استقل خلف المقُود، وتحرك مُبتعدًا عن الجميع، شعر بصدره يضيق كلما مرَّ الوقت، فقام بفتح النافذة ليستنشق بعض الهواء ربما يُشعِره بالتحسُن.
لكن دون جدوى، فلقد تملّكت منه الخنقة رويدًا رويدا حتى شعر بانسحاب روحه من جسده، فصف السيارة على جانب الطريق وترجل مُسرعًا منها، يستنشق بعض الهواء، وهو يستند براحتي يده على رُكبتيه.
أعاد انتصاب وقوفه ثم قام بغلق سيارته من خلال مفتاحها وقرر السيّر على الأقدام بعض المسافة ربما يسترد صوابه، مشى جاهلٍا أين وِجهته، لكنه واصل سيّره واضعًا يديه في جيبه، فهاجمته ذكرياته مع صبا فأخذ يضحك تارة وتتدمع عينيه تارة أخرى.
***
_ أنت كويس يا باشمهندس؟
تساءلت زينب باهتمامٍ وقلقٍ من خلف صمته الذي لم تجد غيره منذ جلوسهما سويًا، فانتبه عليها عاصم والتفت برأسه ناظرًا إليها بتِيه قبل أن يُردف بإيجاز:
_ كويس..
حمحم ثم نظر حوله محاولًا استيعاب أين يجلس، وعندما استعاد رشده قال بخجلٍ:
_ أنا آسف، إحنا متكلمناش في أي حاجة، بس أنا فعلًا مش مُهيَّا للكلام في الشغل حاليًا، اعذريني..
ابتسمت زينب لتمحي الحرج منه وصرّحت بسبب طلبها للجلوس معه ببعض التردد:
_ بصراحة أنا مطلبتش نقعد عشان الشغل، أنا مش قليلة الذوق للدرجة دي، بس بصراحة أوقات كتيرة كنت بتمنى حد يمد لي إيده لما بكون زي حضرتك كدا ويبعدني عن اللي بيضايقني حتى لو مش هنعمل حاجة غير إننا نسكت وبس!
ارتسم على فمه انحناءة باهتة توحي بالعجز، ثم ردد وهو يتطلع أمامه بنظرة ثابتة:
_ مش هقولك القُعاد هنا فادني أوي..
عاود النظر إليها وأضاف مُمتنًا لـ لطفها:
_ بس شكرًا إنك فكرتي فيا..
ثم سحب من جيب سُترته بطاقته الخاصة وناولها إياها وهو يُوضح ماهي:
_ دا الكارت بتاعي، فيه عنوان الشركة تعالي في أي وقت وهتبدأي على طول..
تفاجئت زينب بما قدَّمه لها على طبقٍ من ذهب، وأخذت منه البطاقة وهي تتساءل بعدم فهم:
_ يعني إيه هبدأ على طول؟ مش المفروض يكون في تدريب، أنا مشتغلتش قبل كدا..
نهض عاصم فجأة وردَّ وعينيه يتفقدان باب المحكمة التي تقف أمامه صبا وعائلتها:
_ مفيش مشكلة، هتكون معاكي نادية سكرتيرتي، هتعلمك كل حاجة..
وقفت زينب أمامه وشكرته ببالغ الإمتنان:
_ شكرًا يا باشمهندس، دي فرصة مكنتش أحلم بيها..
اكتفى عاصم بابتسامة لم تتعدى شفاه، ثم استأذن منها:
_ بعد اذنك..
وسرعان ما ذهب من أمامها على الفور ليلحق بصبا، لم تخفض زينب نظرها عنه وهي تتمنى داخلها بأن تُقابل رجلًا ذو شهامة مِثله يومًا.
وصل عاصم في اللحظات الأخيرة قبل ذهاب صبا؛ وقام بفتح باب السيارة التي استقلت مقعدها الخلفي، انحنى بجسده وهتف من بين أنفاسه المتقطعة:
_ انزلي يا صبا اركبي معايا..
برفضٍ تام قالت:
_ مش هنزل..
_ إحنا كدا كدا طريقنا واحد فا ليه نروح بعربيتين؟
هتفها على أمل قُبُولها، فأبت الأخرى وأبدت انزعاجها:
_ طريقنا آخره مأذون هنروح عنده ونخلص كل اللي بينا، كفاية لغاية كدا..
أطال عاصم النظر بها بملامحٍ جامدة، ثم انتصب في وقفته واكتفى بترديد:
_ تمام..
أولاها ظهره وتوجه ناحية سيارته، فأغمضت صبا عينيها مُستاءة من أسلوبها الفظ، فهو لا يستحق ذلك بعد أن قدمه لها، بهدوءٍ وبدون تفكير قد ترجلت من السيارة ونظرت حيث عائلتها وقالت:
_ اسبقوني أنتوا وأنا هروح مع عاصم..
_ ما بلاش يا صبا، بلاش تُحطي البنزين جنب النار..
أردفها جلال بخوفٍ أظهره، فابتسمت صبا وبثقةً قالت:
_ متخافش، عاصم عمره ما يإذيني..
أنهتها ثم توجهت مُسرعة إليه قبل تحركه؛ فتحت باب السيارة وركبت بجواره، تحت نظراته المُتعجبة من أمر عودتها، فهتفت صبا موضحة:
_ أعتقد إنك تستحق توضيح لكل حاجة قبل انفصالنا..
زفر الآخر أنفاسه ثم أشعل مُحرك السيارة وابتعد عن المكان، فبدأت صبا توضح له بعض الأمور الذي عليه معرفتها:
_ أنا فاهمة كويس أنت بتفكر في إيه دلوقتي، بس والله العظيم أنا كنت صاينة عهدنا وجوازنا حتى لو مكنش حقيقي، أنا كنت بعامل ربنا قبل ما اعاملك..
أنا وعبدالله كنا مرتبطين وافتكر إني مخبتش عنك، أنا قولتلك قبل كدا لو تفتكر لما اعترفت لي إنك معجب بيا، وقتها قولتلك إني مرتبطة ولظروف خاصة جدًا أحب احتفظ بيها لنفسي افترقنا، وبقيت معاك أنت
عاصم والله أنا كنت مِحترماك جدًا ومقدرة وقوفك جنبي وشهامتك معايا، أنا كنت بموت ١٠٠ مرة وأنا بجاهد نفسي إني مفكرش في عبدالله وأنا معاك عشان مرودش على جدعنتك معايا بقلة أصل..
أنت فاكر إني كنت مستغفلاك بس دا محصلش، صدقني..
لم يلتفت لها عاصم، بل كان مُكتفيًا بسماعها فقط، فترددت صبا قبل أخذ تلك الخُطوة، لكنها فعلتها فقط لتنهي أي خلاف بينهما، شهيقًا وزفيرًا فعّلت ثم التقطت يده وتوسلته:
_ عشان خاطر أي لحظة حلوة بينا بلاش ننهيها كدا..
تفاجئ عاصم من تصرُفها، وقام بالنظر إلى يده التي تحتضنها يدها ليتأكد من حدسه، ثم رفع بصره عليها فهتفت هي:
_ متصعبهاش، بالله عليك أنا مش عايزة العلاقة تنتهي وأنت زعلان أو فاهم غلط.. عايزة العلاقة تنتهي وإحنا راضين، أو على الأقل مُتفاهمين، مش عايزة أقدم وجع قلب لشخص ساعدني..
تشدق عاصم ساخرًا وعاود النظر إلى يده المُمسِكة بها وعلق بتهكمٍ:
_ متوقعتش المرة الوحيدة اللي تمسكي فيها ايدي يكون بعدها طلاقنا!
خفق قلب صبا بحزنٍ ودمعت عينيها تأثرًا بكلماته القاسية التي هزمت تماسُكها وسببت الألم لقلبها، ترقرقت العبرات من عينيها وهتفت:
_ عشان خاطري متصعبهاش... أنا آسفة، آسفة إني مفكرتش إن بقربي منك بدمرك، بخرب لك حياتك، مش عارفة ممكن آسفي يعمل لك إيه بس مش عندي غيره..
إزداد نحيب صبا وهي تهتف بنبرة متحشرجة إثر البُكاء:
_ مش عندي يا عاصم غيره!
أسرع الآخر في إدارة رأسه للجانب الآخر مُغمضًا عينيه يمنع حالته أن تسوء أكثر، بالكاد استطاع منع دموعه التي هاجمته بقوة، أغلق فمه كاتمًا آنين صدره من الخروج، فازداد اختناقًا.
ارتجفت شفتيه في محاولاته على التماسُك، مرّت فترة حتى نجح في إخفاء ما يشعر به، وعندما شعر حالهُ أفضل عاود النظر إليها، وأخرج كلماته الحبيسة التي خرجت مهزوزة مُتلعثمة:
_ مفيش.. مفيش حاجة يا صبا، الأيام هتنسي..
_ يعني مِسامِحني؟
تساءلت بلهفةٍ لسماع إجابته فردَّ الآخر بايجاز:
_ إزاي ما أسامحكيش؟
تبادلا النظرات المُتأثرة، بقلوبٍ تعتصر ألمًا، لم يُرد عاصم الإطالة، يكفي ذلك الوجع الذي يعيشانه من خلف ذلك الحب اللعين، ودعس على البنزين فتحركت السيارة بسرعة كبيرة حتى يصل إلى وِجهتهم المقصودة في أسرع وقت.
***
قَلِقت ذلك الصباح، فلم يكن النوم مُريحًا لها بسبب عدم استطاعتها للتقلب بأريحية، فتحت عيونها ببطءٍ فوجدت الغرفة فارغة، تعجبت من عدم وجود شقيقتها برفقتها وكادت تُناديها إلا أنها تريَّثت عندما وجدت رأسًا مُستندة على الفراش.
فتحققت منها بصعوبة، فإذا به زكريا نائمًا يجلس بنصف جسده على الأرضية مُستندًا برأسه على الفراش، لقد تألمت ليلى لوضعه، وافقت عليه لكن سُرعان ما اختفى ذلك الشعور فجأة عندما راودها أفعاله الأخيرة.
حاولت أن تنهض بمفردها فلم تنجح، فصدر عنها آنينًا خافت قد أيقظ زكريا رغم انخفاضه، تفقدها زكريا وعندما وجدها مستيقظة هب واقفًا متسائلًا بلهفة:
_ محتاجة حاجة، عايزة تقومي؟
رمقته ليلى بطرف عينيها، فهي لا تُود إعطائه اهتمامًا، ولا تريد التحدث معه البتَّة، لكن ما باليد حيلة، هي مُجبرة على ذلك حتى تستطع المشي بمفردها.
لكنها لم تكن مُتساهلة وقررت تجنُبه، فنادت بصوتٍ عالٍ مُستغيثة بشقيقتها:
_ سمر، يا سمر.. أنتِ فين؟
فتدخل زكريا مُعلقًا:
_ أنا موجود يا ليلى، قولي أنتِ محتاجة إيه وأنا هعمله..
_ مش عايزة منك حاجة
قالتها على مضضٍ، ثم عاودت تِكرار النداء مرةً أخرى، فتأفف زكريا والتزم الصمت حتى يفهم ما الأمر، ثوانٍ قليلة وظهرت سمر من خلف الباب بعد أن استأذنت قبل ولوجها، فهي على علم بوجود زكريا في الداخل.
اقتربت من ليلى بإبتسامة مُشرقة رافعة يديها المُتسخة للأعلى ثم قالت:
_ صباح الخير يا لولو، بتنادي من زمان؟
نفت ليلى بحركة من رأسها؛ ثم لفت انتباهها يديها المرفوعتين فتساءلت بفضول:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
ردّت موضحة ماذا تفعل بالضبط:
_ زكريا جايب أكل وأنا بجهزه وأحطه في الفريزر عشان يبقى سهل يتطبخ على طول..
_ طب روحي اغسلي ايدك وتعالي ساعديني ادخل الحمام..
هتفتها ليلى مُستاءة، فاختلست سمر نظرة على زكريا الذي غمزها، فعاودت النظر إلى ليلى وقالت:
_ ونعيد اللي حصل امبارح وتقعي؟ ما زكريا موجود...
لم تدعها ليلى تُكمل وصاحت بحنقٍ غير مُتقبلة اقتراحها:
_ أوف خلاص مش عايزة منك حاجة.. أنا هقوم لوحدي
ثم حاولت النهوض ثانيةً وهي تُود الصُراخ لذلك الألم الذي يزداد كلما تحركت بمفردها، تشنجت تقاسيم وجهها فلاحظاها الآخرين، ودون ترددٍ مال زكريا عليها وحاول حملها فرفضت قُربه هاتفة:
_ إبعد عني، متلمسنيش...
تلك الأثناء انسحبت سمر إلى الخارج، فلا يجب وجودها وقتما ترمي شقيقتها بالكلمات، بينما ثبت زكريا رأسه أمام وجهها فكان قريبًا للغاية منها، وأردف برجاء:
_ بطلي تعاندي.. وسبيني أشيلك
بأنفاسٍ مُضطربة همست أمام شفتيه:
_ مش عايزة منك حاجة، إبعد إيدك دي..
أطال زكريا النظر في عينيها مُعاتبًا إياها ببعض الكلمات:
_ متبعدنيش عنك يا ليلى، إديني فرصة أصلح غلطتي..
_ غلطتك!!
هتفتها بتهكمٍ ثم تشدقت ساخرة وهي ترميه بالحديث اللاذع:
_ تقصد غلطاتك، تحب أعدهم لك؟
أغمض عينيه خجلًا من عينيها وقال:
_ عارفهم يا ليلى..
عاود النظر إليها وبرجاءٍ تحدث:
_ إديني فرصة تانية تشوفي فيها إني اتغيرت بجد، وإني استحقك..
أشاحت ليلى النظر عنه عندما شعرت بتأثرها لتوسلاته، وحدّت من نبرتها رافضة إعطائه فرصة آخرى:
_ مش قادرة، مش هعرف، كل ما هبص لشكلي واحتياجي ليك هفتكر إنك كنت السبب، إنك أنت اللي وصلتني لكدا..
ترقرقت الدموع من عينيها وهي تُتابع بألم انعكس في نبرتها:
_ هفتكر إنك كنت سبب إني أخسر بنتي، والله العظيم كنت موافقة إنها تكون معايا وأنت اعمل أي حاجة عايزها، هي كانت هتهوّن عليا..
قاطعها زكريا لعدم تحمله سماع كلماتها:
_ كفاية يا ليلى، والله ما تعرفي كلامك دا بيعمل فيا إيه؟!
صرّت أسنانها ثم أردفت بكُرهٍ:
_ وأنا عايزاك تعيش اللي بعيشه، تتوجع زيي، ولا أنت تكون السبب والوجع ليا أنا بس!!
تراجع زكريا للخلف واستقام بطوله فظهرت هيئته المُرعبة وهو يبوح بما يشعر به بصوتٍ به مزيج من الألم وتأنيب الضمير:
_ ومين قالك إني مش حاسس زيك، وأضعاف ما أنتِ حاسة كمان!
ذنب كل دا عليا أنا، أنا خِسرتك وخِسرت بنتي اللي عرفت قيمتها بعد ما راحت، كل ما بشوفك في وضعك دا بلوم نفسي مليون مرة، أنا بموت بالبطيء يا ليلى، ربنا رفع ستره عني والكل عرف إني واحد قذر
أنا لا بقيت لاقي أهلي ولا صحابي ولا حتى أنتِ، أنا فجأة كل حاجة راحت من بين ايديا بسبب شيطان نفسي اللي عمالي عيوني وحسسني إن كل مُتع الحياة انتهت، مكنتش شايف إنها بتبدأ لسه...
صمت ليلتقط أنفاسه الهاربة ثم مال بنصف جسده وأضاف بتوسلاٍ:
_ أنا مش فارق لي في كل اللي قولته دا غيرك، أنا آذيتك وعايز أصلح اللي عملته معاكي، مش مهم أي حد وأي حاجة تاني، عشان خاطر أي لحظة حلوة عشتيها معايا سامحيني وخلينا نبدأ من جديد..
_ صعب أوي، صعب أسامحك وأنا لسه متعافتش لا نفسيًا ولا جسديًا، صعب أحدد أصلًا أنا هقدر أنسى واسامح ولا لأ، متطلبش مني حاجة فوق مقدرتي..
قالتها بهدوءٍ وهي تتحاشى النظر عنه، فزم زكريا شفاه وأخذ ينظر إليها بعيونه قليلًا قبل أن يزفر أنفاسه ويُردد:
_ تمام، خُدي وقتك، بس من هنا لوقت ما تاخدي قرار أنا المسئول عنك، فمتحاوليش تمنعيني ولا تعاندي معايا لما أقرب منك.. تمام
رفعت ليلى عينيها عليه، ولم تُعقب، فانحنى زكريا بجسده حاملًا إياها لتذهب إلى المرحاض، فنظرت إلى يديه التي تقترب منها فشعرت بالنفور ولم تستطع إمساك سؤالها الذي أظهر غيّرتها:
_ وايدك دي اللي لمستها ولا التانية؟
تفاجئ زكريا بسؤالها، ولم يتراجع بل تابع قُربه منها حتى أصبح وجهه أمام وجهها لا يفصلهما سوى بعض الهواء المار، وهمس أمام شفتيها:
_ والله العظيم ايدي ملمستش واحدة غيرك.. أنا مش بالقذارة دي يا ليلى..
أنا قبل ما بعاملك بعامل ربنا، بغلط بس مش لدرجة الإنحطاط دا..
جحظت عيني ليلى بصدمةٍ وصاحت مُنفعلة:
_ دا أنا سمعتك محدش قالي، سمعتك وأنت بتقولها أوقفي كويس بدل ما اخدك على البيت!! أينعم أنا قاطعتك وقتها بس دا الرد الوحيد اللي كان هيتقال!
دي وصلت للبيت، أنت بتقول إيه بس!!
رفع زكريا يده وتحسَّس وجهها فنفرت ليلى من لمساته وحاولت تحريك وجهها لتبتعد عن يده لكنه لم يرفعها عنها وحاول إثبات حبه لها:
_ دا كان كلام، مكالماتي معاها متعدتش التعارف، واتفاجئت إنها جاية تبارك لي على الإفتتاح، مكنتش متفق معاها على أي مقابلات ولا حتى كان في نيتي اني أوصل معاها للمرحلة دي..
أقسم بالله ما يحلى لي لمس غيرك، أنا بحبك بجد يا ليلى، اعتبريني عيل وغلط، عاقبيه الفترة اللي تحبيها، بس متسبنيش...
أغمضت ليلى عينيها لحظتها، كانت تهرب منه هكذا، فهي لا تُود التأثر به إطلاقًا، كانت أنفاسه الحارة تضرب وجهها فأشعرتها بمشاعرٍ لا تريدها، فقاومت شعورها برفعها ليدها ووضعها على صدره مُحاوِلة إبعاده:
_ أنا عايزة أقوم.. هتساعدني ولا أنادي سمر؟
تنفس بعض زكريا الهواء قبل يُردد مازحًا:
_ وعلى إيه تنادي سمر، بدل ما توقعك زي إمبارح..
غمزها وهو يبتسم مواصلًا مُزاحه:
_ صحيح هي وقعتك إزاي؟
تجهم وجه ليلى ورددت بتزمجرٍ:
_ زكريا!!
_ خلاص خلاص
رددها ثم قام بحملِها برفق فتعلقت ليلى تلقائيًا بذراعيها حول عُنقه، فتقوس ثغر ليلى ببسمةٍ على دُعابته، لكن سُرعان ما لامت نفسها وأخفتها، خرج بها زكريا من الغرفة وقام بإدخالها المرحاض فهتفت:
_ اخرج..
_ خليني عشان لو احتجتي لـ...
لم يكاد يُواصل جُملته حتى أبدت ليلى رفضها التام:
_ اخرج يا زكريا..
تبادل معها النظرات لبرهة ثم أولاها ظهره وقام بالخروج، لكنه لم يبتعد عن الباب حتى يكون بالقُرب، بعد فترة؛ نادته فولج إليها كاد يحملها إلا أنها رفضت قائلة:
_ أنا عايزة أمشي عادي..
لم يعترض زكريا بل ترك لها الحرية، وقام بإحاطة ظهرها بذراعه وساعدها على السيّر، خرجت سمر من المطبخ ونظرت إلى شقيقتها وقالت:
_ متدخليش الأوضة، اقعدي برا أنا حضرت لك فطار..
_ مش جعانة..
هتفتها ليلى فعلَّق زكريا مُستاءً:
_ مفيش حاجة اسمها مش جعانة، لازم تاكلي عشان العلاج اللي أنتِ بتاخديه..
قالها ثم التفت إلى سمر وأردف:
_ هاتي الأكل وأنا هأكلها..
حاولت ليلى النظر إليه لكنها لم تستطع، فانحنى هو برأسه ناظرًا إليها ثم تساءل:
_ عايزة تقولي حاجة يا لولا؟
_ متقوليش لولا دي تاني، متنطقش إسمي أصلًا.. أنت يدوب وسيلة مساعدة مش أكتر..
أردفتها باندفاعٍ وبغضٍ، ثم قالت:
_ وبعدين أنت وقفت ليه، وصلني عشان مش قادرة أقف
_ هو فيه وسيلة مساعدة بتتحرك من غير أمر؟
تساءل بجدية مُصطنعة فتأففت الأخرى وعلقت بفتورٍ:
_ هو أنا كل كلمة هقولها هتعلق عليها؟ اتفضل وصلني..
_ أمرك يا هانم...
قالها وبسلاسة قام بحملِها فشهقت ليلى مذعورة، نظرت في عينيه وعاتبته بهجومٍ:
_ أنا قولت عايزة أمشي على فكرة..
_ وأنا عاجبني الوضع دا على فكرة..
قالها مُقلدًا نبرتها فنفخت ليلى مُبدية انزعاجها، فتحرك بها زكريا مُتجهًا إلى الأريكة ثم وضعها أعلاها برفق، تلك الأثناء قرع جرس الباب فتوجه زكريا مباشرةً لفتحه.
فتفاجئ بحضور والدته؛ تجهم وجهه وارتسم عليه علامات الضيق، أولاها زكريا ظهره وعاد للداخل ثم جاور ليلى مُصطنعًا انشغاله بالهاتف، بينما اجتاح هناء الشعور بالخزي من حالها، وتملَّك منها الخجل.
خطت بعض الخُطوات للداخل على استحياء شديد، وقفت أمام ليلى التي حدجتها بنظرات جامدة خالية من المشاعر، بينما تساءلت هناء بحرجٍ:
_ عاملة إيه النهاردة يا ليلى؟
بإقتضابٍ ردّت:
_ الحمد لله
حمحمت وحاولت إذابة الثلوج بينهن بمد يد العون لها فقالت:
_ محتاجة حاجة، أعملـ...
قاطعها زكريا بردِه الصارم:
_ ليلى مش محتاجة حاجة، أنا موجود..
إزداد حرج هناء من أسلوبه الصارم؛ واكتفت بترديد:
_ ربنا يخليكم لبعض و..
قاطعها زكريا للمرة الثانية مُردفًا بحدةٍ:
_ شكرًا
كانت هناء تود أن تنشق الأرض وتبتلعها، فلم يكن لديها وجه للوقوف بعد، لكنها تريثت قليلًا ربما عليها فعل شيءٍ لهما قبل ذهابها، تلك الأثناء جاءت سمر حامِلة الصينية التي تحوي فطورًا شهيًا قامت بإعداده خِصيصًا لإغراء عيني شقيقتها وتتناوله دون إبداء رفضٍ.
تفاجئت بوجود هناء، لكنها لم تُعطيها وجهًا، وضعت الصينية على الطاولة وتصنعت نِسيانها شيئًا حتى لا تبقى معها في مكانٍ واحد:
_ نسيت حاجة، هجيبها وأرجع
سحب زكريا الصينية وقام بأخذ لُقيمات صغيرة وأقربها من فم ليلى التي لم تُعارضه في وجود هناء، تناولت منه الطعام فأعاد زكريا تِكرار فِعلته دون اكتراثٍ لوجود والدته التي انسحبت بهدوءٍ لكنها هتفت قبل ذهابها:
_ أنا موجودة تحت لو احتجتوا لحاجة..
وسُرعان ما انصرفت من أمامهما، فشعر زكريا بالضيق من نفسه لتعامله معها بتلك الطريقة لكنه مُجبرًا على جعلها تشعر بذنبها حتى لا تعاود تِكرار خطأها مُجددًا.
وما أن غادرت هناء حتى رفضت ليلى أخذ لُقمة أخرى من يده وقالت بإقتضابٍ:
_ أنا هاكل أنا..
ترك لها زكريا حُرية التصرف؛ فأخذت ليلى تتناول على حد معرفتها، ثم انضمت إليهما سمر عندما تأكدت من ذهاب هناء، وجلسوا ثلاثتهم يتناولون الفطور في أجواء هادئة.
***
جلس الإثنين مُقابل بعضهما البعض، يتوسط كليهما المأذون، الذي تفقد حالتهما بنظراته أولاً قبل أن يُردف:
_ إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، راجعوا نفسكوا يا جماعة، لو حابين تقعدوا مع بعض على انفراد خمس دقايق أنا معنديش مانع..
أطال عاصم النظر بصبا، كم ودَّ لو تُخبره بأنها تتراجع عن الإنفصال عنه، لكنها لم تفعل، إذًا فعليه الإسراع في ذلك القرار بِناءً على اتفاقهما، ابتلع ريقه ثم نظر إلى المأذون وبثباتٍ قال:
_ إحنا متأكدين يا مولانا، مفيش حاجة تانية نتكلم فيها، توكل على الله
بآسى شديد رمقه الماذون ثم ردد بحزنٍ واضح:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله..
أخذ نفسًا عميقًا وأضاف بجدية:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي شرع الزواج والطلاق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
يا أستاذ عاصم سليمان، هل أنت حاضر بكامل قواك العقلية ونيّتك الخالصة لتطليق زوجتك؟
تحاشى عاصم النظر عن الجميع، أخفض بصره وهو يُجيبه بصوتٍ بالكاد سمعوه من هم حوله:
_ أيوا..
فتحدث المأذون ليتابع مراسم الإنفصال:
_ قول ورايا، أُطلِّق زوجتي صبا محمود النجيري على ما شرع الله تعالى ورسوله
شعر عاصم بوخزة في قلبه، رفع رأسه وتفقد صبا متشبثًا بآخر أمل لديه، أبت الكلمات الخروج من حنجرجته، وترنحت الدموع في عينيه مُهددة بالسقوط، ابتلع ريقه مِرارًا مُحاولًا السيّطرة على حاله، فأبعد عينيه عنها ليسهُل عليه قول تلك الكلمات التي يبغضها قلبه، تطلع في المأذون وقال بنبرةٍ مهزوزة:
_ أطلَّق زوجتي...
تحشرج صوته وهو ينطق حروف إسمها:
_ صبا محمود النجيري على ما شرع الله تعالى ورسوله..
وما أن أنهاها حتى أخذ نفسًا عميقًا زفره بقوة، غير مُصدق ما نطقه للتو، لم يدري كيف تحمل لسانه حمل تلك الكلمات وإخراجها.. لم يرفع عينيه عن صبا التي تتهرب من عينيه، تخشى النظر فيه فيغلبها ألم قلبها لجعله يعيش موقفٍ مأسوي كالذي يعيشه الآن.
ثم انتبهت على توجيه المأذون حديثه إليها بوقارٍ:
_ هل توافقين يا مدام صبا على هذا الطلاق؟
لم تُجيبه على الفور، حتى لا تتسبب في مضاعفة الألم داخل عاصم، تريثت قليلًا حتى لا تجرح مشاعره وبعد مرور بعض الوقت أجابته:
_ أيوا موافقة..
فأخذ الماذون يتلو بقية صيغة الإنفصال:
_ إذًا قد وقع الطلاق، وأُثبت بمحضر الطلاق، أسأل الله أن يوفقكما ويكتب لكما الخير أينما كنتما.
انسحبت صبا إلى الخارج فوجدت عائلتها في انتظارها، كان جلال أول من ألقت بنفسها بين ذراعيه ثم أجشهت باكية وتمتمت بندمٍ شديد:
_ مكنتش عايزة دا يحصل، مكنتش أتمنى إني أذي حد بالشكل دا..
ربتَ جلال على ظهرها محاولًا التخفيف من حُزنها:
_ نصيب يا حبيبتي، وبعدين متفكريش إن دي النهاية، عاصم بكرة يتخطى الطلاق ويقابل واحدة تعوضه، هوني على نفسك..
تلك الأثناء خرج عاصم يجر أذيال خيبته خلفه، وقف أمام الجميع بقلبٍ يبكي دمًا، حاول الثبات قدر استطاعته وإخفاء ما يمُر به، مالت شفتيه بانحناءة راسمًا بسمة زائفة وقال:
_ أشوف وشكم بخير يا جماعة..
_ ربنا يكتب لك الخير يابني في حياتك الجاية
دعاها محمود بامتنانٍ بالغ، بينما أضافت إجلال شاكرة لُطفه وشهامته:
_ أنت إنسان جميل وقلبك نضيف، ربنا يعوضك خيرًا من بنتي يا باشمهندس، ربنا يعوضك باللي شبهك وتستاهلك..
لِيُضيف جلال الذي دنا منه وربت على ذراعه:
_ مهما قولنا مش هنوفي حقك يا باشمهندس، أنت ونعمة الرجولة والشهامة، إحنا صحاب وأخوات ومفيش أي حاجة بينا مش كدا؟
_ أكيد
اكتفى عاصم بقولها، ثم وجه بصره على صبا المُنكسة رأسها لا تقدر على مواجهته، اقترب منها ومد يده مُردفًا بصوتٍ رخيم:
_ أشوفك على خير يا دكتورة..
بصعوبة بالغة قابلتها صبا في رفع عينيها عليه، نظرت إليه بعيون مُحمرة وكأن أحد العروق قد انفجر بها، مدت يدها تصافحه فشعرت بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله فور لمسِها ليده.
قابلها الآخر بنظراتٍ تخفي خلفها الكثير من المشاعر الذي يود الإفصاح عنها، لكنها لم تعُد من حقه امتلاكها، فهما الآن غريبان عن بعضهما البعض، تقوس ثغره ببسمةٍ وقال:
_ خلصت الحكاية يا دكتورة!
فردّت صبا بصوتٍ مُفعم بالحُزن:
_ خلصت الحكاية يا باشمهندس
