رواية في مدينة الاسكندرية الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم صابرين
39- في صباح يوم مقتل السفاح
اتمنى ليكم قراءة ممتعة 
صلي على من قال أمتي أمتي 
تابع بعينيه ما يحدث أمامه وهو يشعر بالسوء الشديد عليها، ذلك الوغد يونس أغلق الباب بقوة على أصابعها لدرجة جعلت أصابعها تنقلب للون الأزرق وعمه الآن يفحصها حتى يتأكد أن أصابعها لم تنكسر
وهذا بالطبع بعد أن تلقى هو ويونس _قبل أن يرحل_ الكثير من السباب والترقيح من والديه وعمه محمد وزوجة عمه عبلة وحتى عمه محفوظ شارك في الأمر، ربما لم يبقى أحد موجود هنا لم يصرخ به لأنه من بدأ المزاح الثقيل هذا
تحدث معتدلًا في مكانه بقلق عندما تأوهت نور بصوت مرتفع وهى تحاول تحريك أصابعها بصعوبة بعد أن طلب منها محمد هذا :
-عمي انا رأيي ناخدها المستشفى ممكن تكون صوابعها اتكسرت
رمقه الآخر بحنق قائلًا :
-ما انا دكتور قدامك ولا وانت هتاخدها هناك لمهندس بترول
-بس هيكون هناك إشاعات، هنا مفيش حد غير حضرتك
صاح عثمان بضيق مصمتًا ابنه حتى يركز محمد فيما يفعل ويرى هذه الفتاة المسكينة :
-ما تسكت يا حمزة أقولك روح إنزل، خد أخوك وانزل
صمت الآخر مجبرًا وأخذ يتابع نور بأسف وتركيز إذ حركت أصابعها عدة مرات بصعوبة ولكن على الأقل حركتها، ليقول محمد وهو يجذب مرهم طبي قد سبق وأحضرته زوجته من الداخل :
-الحمد مفيش كسور حطي من المرهم دي وهى هتخف بإذن الله
وضع القليل على يدها فأخذت الأخرى توزعه على يدها المصابة وملامح الألم تعلو وجهها كما أن بعض الدموع لا تزال عالقة في جفنيها، فبالطبع بعد أن أغلق يونس الباب على يدها بكت وصرخت بشدة خاصة أن الأجواء شديد البرودة
فإن اصطدمت يدك في قطعة خشب في هذا البرد القارس تود القفز من الألم، فما بالك لو أنغلق الباب بعنف على يدك
تحدث محمد متأسفًا نيابة عن ابنه البغل للمرة الثالثة :
-معلش انا آسف ليكي والله بس ولادنا حمير في الهزار مش بني ادمين
ختم حديثه محدقًا في حمزة بغضب فقال الآخر بتذمر :
-شكرًا يا عمي على كمية الشتايم اللي أخدناها وعلفكرة ابنك اللي قفل الباب على ايدها انا مالي انا دلوقتي؟!
-وانت حد قالك تعمل فيه مقلب؟؟
أشار الآخر إلى خصلات شعره المقصوصة صائحًا بتهكم :
-وهو حد قاله يقص شعري؟؟
-وطي صوتك يا إما تروح تنزل
نطق بها عثمان بتحذير أخير له فوقف الآخر مقتربًا من نور التي كانت تطالعه بنظرات نارية حتى ظن أنه لولا الجالسين لقطعته إربًا، جلس على الطاولة أمامها محتفظًا بمسافة مناسبة ثم أردف بصدق :
-انا آسف ليكي والله لولا إن يونس مشي لكنت اديته علقة بس نفد بقى بعد ما اتصلوا عليه في الشغل، إلهي ياخد طلقة البعيد وريحنا منه
صاحت عبلة به بألا يقول هذا على ابنها بينما تمتمت نور بينها وبين نفسها بجملة "حسبي الله ونعم الوكيل"
أمال حمزة رأسه قليلًا متابعًا حركة أصابعها لتوزع المرهم على يدها، ورؤية الأمر من قرب جعله يدرك كم هو سئ وهذا ما جعله يشعر بالسوء أكثر عليها لذا قال بندم حقيقي :
-انا آسف بجد حقك عليا
رفعت له الأخرى عينيها له وقد استحلت اللون الأخضر الباهت وكانت أهدابها ملتصقة ببعضها تعطي سحرًا آخر لعينيها، لا يعلم لما تغير لون عيونها فهو عسلي فاتح مختلط باللون الأخضر في معظم الأوقات فلما تغيرت الآن
ليس الآن الوقت المناسب لأن تبهره بلون عينيها وبما أنه ذو طابع رومانسي لم يستطع أن يجعل الأمر يمر دون أن يضعه لمسته الخاصة فقال :
-ما على الحسناء البهية من داعٍ لكظم الغيظ فالغيظ على الحسناوات ليس بالحسنِ، فإما تخرجي ما في جعبتكِ أو تريني بسمتكِ.... اضحكي يلا
حدقت به متفاجئة من هذا الرد ولولا أنها مولعة بقراءة الكتب ما كانت لتفهم ما يقول، وللحق حاولت جاهدة ألا تبتسم أو تضحك لكنها فشلت في التحكم في تعابير وجهها أو حتى مشاعرها لينتهي الأمر بقهقه ناعمة خرجت منها
لم يتوقع حمزة منها سوى التهكم، ولكن عندما ضحكت ضحك هو أيضًا بشكل تلقائي مستمعًا لحديثها المذهول :
-انت مش طبيعي علفكرة
"عيناكِ هى الغير طبيعية" جملة كادت أن تنفلت من بين شفتيه ولكنه ضمها داخل صدره إلى وقتٍ لاحق، ربما عندما تكون حلاله
قاطع فقاعته الوردية هذه صوت عمه محفوظ وهو يقول بصوت ساخر، محدقًا به بتهكم :
-ايه يا حمزة مش خلاص اعتذرت ارجع مكانك بقى، هتفضل مبلحق كده كتير!؟
-عمي محفوظ ابقى استعجل نسيبك ماشي لأن التأخير مش في الصالح
نطق بها حمزة وعينيه لا تحيد عن عيني نور، وهناك رغبة بداخله تلح عليه أن يسألها لما تغيرت عينيها هكذا، تنحنحت نور ووقفت من مكانها متجهة نحو الباب لتهرب من حصار حمزة فهو لا ينظر إلا لها وكأن لا أحد موجود في المكان سواها، ولم تهتم لما قال ولم ترهق نفسها في التفكير به بل قالت بإختصار :
-مس ناهد ابقي قولي للمدير إن حصل ظرف معايا ومش هقدر اقعد في إسكندرية علشان انا هسافر النهاردة، كفاية مصايب كده لو قعدت كمان شوية مش هطلع حية
مرت من الباب بالفعل فوقف حمزة بسرعة بعد أن ترجم عقله كلماتها قائلًا بنبرة متلهفة :
-لأ استني تمشي ليه ده البلد دي أحسن من غيرها
لحق بها بسرعة دون مبالاة بنظرات باقي العائلة له ليقول كريم مندهشًا :
-مشوفتش حمزة ملهوف على بنت بالشكل ده!! يستحسن تستعجل مع نسيبك يا عمي فعلًا لأحسن منضمش الواد حمزة انا عارفة متهور
استقام محفوظ من مكانه لا يعجبه تصرفات حمزة المتسرعة ولحسن الحظ أن علي ليس موجود ولم يسمع ما يقوله حمزة لابنته :
-لم ابنك يا عثمان مينفعش كده مفيش حاجة حصلت لسه علشان يتكلم معاها بأريحية كده
برم عثمان شفتيه لا يرى أن ابنه ومدلله أخطأ في شئ، فالجميع معتاد على شخصية حمزة وعلى تغزله في أي شئ يعجبه، وهو يعلم أن نور تعجبه كما أنه لم يتمادى في الحديث معها بل اقتصر على عدة كلمات بالفصحى :
-ايه الجديد ما حمزة متعود يقول غزل وشعر من أيام الثانوية ده ممكن يتغزل في الأكل عادي، ثم انا رأيي إنك تستعجل في رد علي
زفر محفوظ لاحقًا بحمزة المجنون هذا والذي سيشفق عليه حين ينكسر خاطره برفض علي على هذه الزيجة
أما في الخارج وبعد أن لحق حمزة بنور أستوقفها بصوته قبل أن تصل إلى الدرج قائلًا :
-نورهان انتي هتسافري الليلة دي بجد؟!
ورغم تعجبها من سؤاله إلى أنها اجابته بكل بساطة قائلة :
-هحاول امشي فعلًا ولو ملقتش النهاردة هسافر بكرة الصبح
نفي الآخر برأسه مقتربًا منها عدة خطوات حتى أنه تعدى المسافة المناسبة :
-انتي هتمشي علشان اللي حصل دلوقتي؟! انا اعتذرتلك حتى يونس اعتذر قبل ما يمشي
أوقفته نور بصوتها بسرعة قبل أن يتعدى مساحتها الشخصية فالآخر لا يتوقف عن التقدم وهى خلفها الدرج، فهل ينتوي على إسقاطها من عليه أم ماذا :
-بس اقف عِندك هتقربي تاني أكتر من كده ايه؟؟
-حــــمـزة
نادى محفوظ على ابن أخيه وقد استغلت نورهان استدارته له وهمت بالنزول ولكنها توقفت على صوته عندما قال :
-نور خليكي متسافريش
نظرت إليه لعدة ثواني معدودة مندهشة من طلبه، فماله ومالها هذا الرجل؟؟ عادت وأكملت الدرج نزولًا للأسفل وهناك بسمة صغيرة بدأت تتسلل إلى شفتيها، وقد بدأت تتسع رويدًا إلىٰ أن أظهرت أسنانها وكادت تتحول لضحكة خجولة مع الكثير من الفراشات التي بدأت تداعب معدتها فهى فتاة في النهاية
حاولت نهر نفسها كثيرًا ولكنها فشلت في هذا، ذلك الخبيث يريد إسقاطها في شباكه وهى شبه سقطت ولكن نهاية هذا لن تعجبها فأين هو واين هى؟! بينهما محافظات وبلاد ربما هو لا يرى هذا ولكنها ترى هذا واضحًا
كما أنه بقى معها أسبوع فقط وبعدها لن تراه مرة ثانية وربما لن تخطو مجددًا إلى هذه المدينة، وهذا ثاني سبب كان يجعلها تصده بإستمرار أنها هنا لفترة مؤقتة ثم لن ترى أيًا ممن قابلتهم هنا مرة أخرى وهو من ضمنهم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من سيارة الأجرة أمام مبنى قطاع الأمن الوطني الذي غادره منذ ساعتين فقط، وها هو يظهر سفيان بسيارته في الأفق فهو أيضًا غادر معه بعدما أصابهما التعب في التحقيق الليل كله لذا طلب منه سفيان أن يستريح لساعتين ثم يعودا للتحقيق مرة أخرى
ولكن هذا الأخرق طلب منه المجئ حتى قبل أن يغير ثيابه ويبدو أنه ليس بأحسن حال منه، توقف بسيارته أمامه مباشرةً فصعد إلى جانبه ثم تحرك سفيان إلى داخل القطاع تزامنًا مع قول يونس بنبرة متهكمة :
-ايه بقى الأمر الخارق اللي حصل، انا ملحقتش اخد دش حتى
لم يبالي سفيان كثيرًا بما قال بل تحدث في صلب الموضوع قائلًا :
-فيه اخبار جديدة عن كاظم وهو حاليًا مع أخوه عادل
-ومين بلغكم بالخبر ده ممكن يكون تضليلي مش أكيد
هبط سفيان من سيارته دالفًا إلى المبنى بخطى واسعة يرد التحية بيده على الجميع بالتزامن مع إجابته :
-فيه أجهزة تصنت موجودة في كل عربيات عيلة كاظم، اخواته، أمه، حتى أزواج اخواته وفي الفيلا في كل حتة، أمين قالي إن صوت كاظم ظهر في عربية عادل وهو معاه دلوقتي وقالي لازم اجي حالًا علشان اسمع هو قال ايه
تعجب يونس بشدة من أنهم استطاعوا أن ينفذوا خطوة كهذه وبالطبع استعانوا بأحد من عائلة الدخيلي أو ربما الخدم فتساءل :
-وانتوا ازاي عرفتوا تحطوا الأجهزة دي؟!
-من خلال حد من عيلتهم
ابتسم يونس متوقعًا بسهولة من الذي يساعدهم إذ قال :
-مرات أبوه أكيد، البنت اللي جات غلط هنا، عجباك البنت دي صح؟!
توقف سفيان متفاجئًا من توقعه لشئ كهذا إذ قال بعدما تخطاه يونس :
-وانت مين قالك إنها عجباني بتفتي من دماغك
ختم حديثه وهو يسير إلى جانبه فقال الآخر بهدوء :
-أمين ده بيحب يتكلم عنك كتير بس للشهادة شخص مُسلي
ضغط سفيان على فكه متوعدًا لمساعده الثرثار، اتجه إلى اليمين حيث تقبع غرفة منعزلة بعيدًا عن الضجيج، وقد سبق وأن تم الإتصال بالأجهزة التي وضعتها هاجر بحرص في السيارات وفي أركان الفيلا حتى تساعدهم في حالة إن تواصل أحد من العائلة مع كاظم
لحق به يونس فهو لا يعلم الاتجاهات، تزامنًا مع سؤاله الجريئ بالنسبة لسفيان :
-هى عجباك فعلًا ولا انت ماشي معاها علشان تساعدك في المهمة وخلاص بما أنها واحدة من عيلة السفاح
وأجابه الآخر بحدة لكلمة "ماشي معاها" لا يعجبه لفظ هذه الكلمة فهو رجل صريح مباشر لا يرافق النساء، وهذا الأسلوب ليس من شيمه، كما أن هذه الكلمة تسئ لهاجر حتى إن كان يونس لا يقصد سوءًا :
-مش مضطر أجاوبك على حاجة تخص مشاعري بس انا مستخدمش أبدًا واحدة ست علشان أوصل لهدف معين ثم هى اللي أصرت رغم رفضي لتدخلها في الموضوع
وقف يونس خلفه حين توقف الآخر أمام إحدى الغرف ممسكًا بمقبض الباب ثم قال بهدوء شديد يُحسد عليه :
-مش ضروري تشرح مشاعرك خلاص وصلت، طالما اتحمقت كده يبقى البنت عششت في دماغك
نظر له بملامح مستنكرة لهذه الألفاظ فقال الآخر على نفس النبرة تزامنًا مع دخوله إلى الغرفة :
-متبصش كده؟! ميفهمش الراجل إلا راجل زيه
زفر سفيان ودلف خلفه فوقف الموجدين ملقين التحية لسفيان فهو صاحب رتبة عالية، اقترب من أمين متحدثًا بجدية شديدة وهو يحدق في الأجهزة أمامه :
-ها يا أمين ايه اللي حصل؟!
ودون أن يكثر الآخر في الكلام بدأ تشغيل التسجيل الذي سمعوه منذ ساعة حتى يسمعه سفيان ويونس والذي انتهى بجملة كاظم الأخيرة :
-انت مقولتش ليه الكلام ده في التليفون!؟ مأخدتش ليه إجراء يا أمين ده رايح يقتل الشاهدة
صاح بها سفيان بحدة فقال الآخر مبررًا :
-سفيان باشا مقدرش آخد إجراء من غير ما أرجع لحضرتك والكلام ده كله مكنتش أقدر اقوله في التليفون
أخرج يونس هاتفه بسرعة يبحث عن رقم شروق بين الأرقام وهو يقول بجدية شديدة :
-سفيان لازم نتحرك دلوقتي أطلب دعم الواد ده مش بيهزر هيقتلها، حياتها كده في خطر واتمنى تكون دلوقتي مش في الكلية علشان هناك هيصطادها بسهولة
لم ينتظر سفيان طلبه هذا فبالفعل أمسك بالهاتف الأرضي الموجود في الغرفة طالبًا الدعم من القوات المجهزة لمثل هذه الحالات، بالتزامن مع رد شروق على الهاتف فقال يونس بصوت خرج منه متلهفًا :
-شروق انتي فين؟؟
لم يحتج للكثير من الوقت حتى يعلم ماذا بها فمن صوتها الخائف الباكي علم أن كاظم قد وصل لها :
-انا في الكلية الحقني ده رجع وعايز يقتلني، ده قتل المعيدة
انتبه سفيان لمحادثة يونس فالآخر رفع صوت السماعة عندما ردت عليه :
-يونس قولها تكون في تجمع تحاول تستخبى في أي زحمة مش هيعرف يجيبها بسهولة من وسطهم
آماء الآخر ونطق بما نطق به سفيان ولكن صوتها اختفى فجأة ولولا أن المكالمة لا تزال مستمرة لظن أن الخط انقطع :
-شروق انتي فين بالظبط متبقيش لوحدك حاولي تبقي في تجمع، الو
لم يصل صوتها له ولم يغلق هو المكالمة بل استمع جيدًا للصوت الذي ظهر واضحًا له :
-معلش يا أستاذ صاحبة الرقم ده مش فاضية تكلمك علشان هتموت دلوقتي سلام
وأُختتم الحديث بإنغلاق الخط فجأة فأنتفض قلب يونس بين أضلعه انتفاضه لم يسبق وأن شعر بها من قبل وكأن صاعقة كهربية قد ضربته، وعشرات المشاهد تقافزت في عقله عن الذي سيحدث لها على يدي ذلك السفاح
وعلى الناحية الأخرى حطم كاظم هاتف شروق التي شعرت بتوقف في أعصابها وكم تمنت لو يكون هذا مجرد كابوس من الكوابيس التي تحلم بها عن يوم الحادث، خاصةً وأن هذه الغرفة الضيقة تشبه نفس الغرفة التي تراودها في أحلامها
هبط يونس أمام شروق الجالسة أرضًا في حالة من التيبس فقال وكأنه يملك الوقت كله للتحدث وهو بالفعل يملك، مستلذًا برعبها الواضح فمن الذي سيوقفه، فحتى عادل ملقى داخل سيارته وهو ينزف الدماء من رأسه
لم يقتله وليس شفقةً منه أو لأنه أخيه، بل لم يفعل هذا لأن عادل هو القادر على إخراجه من البلاد بعد أن كُشفت هويته
أمال رأسه قليلًا محدقًا في ملامحها العادية ليسحب نظارتها من على وجهها ببطء مميت ثم قال متسائلًا :
-نظر دي ولا عيرة
اهتز جسد شروق للبكاء الهستيري الذي أصابها فقال كاظم وكأنه مندهش لبكائها هذا :
-هو ليه الكل بيعيط قبل ما يموت؟! ما انتوا كده كده هتموتوا، دي الحقيقة الوحيدة في حياة البنى آدم، ليه العياط بقى؟؟
هزت شروق رأسها ترجوه ألا يقتلها لاتزال هناك الكثير من الأحلام لم تحققها بعد، لم تتخرج ولم تعمل كما تريد، لم تتزوج ولم تنجب أطفالًا حتى تسميهم الأسماء التي تحبها
هى تعلم أن الموت آتٍ وهو الحقيقة الوحيدة في حياة الإنسان بالفعل ولكنها لا تريد الموت الآن ولا تريد الموت مقتولة، لم تتخيل هذا المِيتة قبلًا :
-خلـ... خليني امشي.... انا عايزة امشي
برم الآخر شفتيه لا يعجبه ما قالت :
-اخليكي تمشي ازاي وانا جايلك مخصوص ده انا ضربت اخويا فتحتله رأسه ويا عالم مات ولا لسه حي، وبحثت عن جدول الإمتحانات علشان أعرف انتي موجودة في الكلية النهاردة ولا لأ، وسرقت كارنية من واحد علشان أعرف ادخل الجامعة وفضلت مستنيكي تخرجي من المدرج وفي الآخر تقولي اسيبك تمشي؟!
ارتفع نحيب الأخرى بشدة فابتسم لها كاظم ابتسامة متسعة متابعًا نحيبها بأعين سادية :
-انا عارف إن الموضوع مؤلم وعلشان كده هسيبك تختاري الموتة اللي انتي عايزاها شوفي انا كريم معاكي ازاي، وعلفكرة عمري ما عملتها بس علشان انتي مميزة، ده انتي اللي كشفتي هوية السفاح اللي كان مجنن إسكندرية كلها
جلس أمامها بشكل تربيعي حيث جلس عاكسًا قدميه عكس بعضهما ثم قال وهو يعد أمامها على أصابعه :
-تحبي تموتي موتة سريعة ولا بطيئة يعني مدبوحة ولا برصاصة ولا اخنقك بإيديا ولـ
لم يكمل حديثه إلا وقامت شروق بضربه على رأسه بدلو يستخدمه العمال لمسح الأرضية، انتفضت من مكانها حتى تهرب من هنا بعد أن كسرت الدلو فوق رأسه
ولكن هذه الضربة لم تفقده الوعي بل أصابته بتشوش لثواني سمح لها بالوصول إلى الباب، ولكن هيهات بينها وبين النجاة فلم تمسك بالقبض حتى إلا وقام بجرها من قدميها مما تسبب في سقوطها أرضًا على وجهها
صرخت بكل قوتها لعل أحدًا ينجدها مثل المرة السابقة بالتزامن مع ركلها له في وجهه وقد زحفت بسرعة نحو ذراع المكنسة حتى تضربه بها على رأسه مرة أخرى، ولكن بين ثانية والأخرى وجدته يعتليها قابضًا على عنقها بعنف
حركت قدميها وذراعيها لعلها تصل إلى وجهه وتمزقه بأظافرها ولكن يديها لم تصل له فكان يجلس ركبة على الأرض وأخرى على معدتها وذراعيه الطويلتين ممتدتان إلى عنقها وعينيه المسعورة تنظر إلى عينيها الجاحظة وهو يقول بنبرة مختلة :
-انا هريحك من الدنيا علشان وحشة أوي يا شروق روحيله نضيفة أحسن ما الدنيا توسخك بسوادها، بس أمانة عليكي لو روحتي جهنم قولي لأبويا هناك كاظم مش مسامحك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قفز إلى سيارة سفيان الذي قادها على سرعة عالية، خلفهم فرقة كاملة من القوات الخاصة مجهزة لمثل هذه الحالات، متجهين جميعًا إلى كلية الآداب
وجميع من كان يبصر كل هذه السيارت المسلحة على الطريق يقولون أن هناك تفجير إرهابي على الأرجح، ولكن لا يعلمون أن كل هذا من أجل رجل واحد أصابه الجنون ويريد قتل فتاة لم تكمل العشرين من عمرها في منتصف الكلية وأمام الجميع دون أي ذرة خوف
لا يعلم يونس من أين له بكل هذه الجرأة والشجاعة، وإن دل هذا على شئ فيدل على أن كاظم شخص غير طبيعي أبدًا
اخذ يبحث في هاتفه على رقم عايدة الموجود في سجل المكالمات منذ كانت حقيبتها مسروقة، نادمًا على أنه ألغى الحماية على شروق معتقدًا أن السفاح لن يصل إليها بعد اختفائه لأسبوع كامل، ليفاجأه الآخر بأنه سيقتلها الآن
أجابت الأخرى بصوتها الهادئ هذا فصاح يونس بها دون مقدمات :
-هاتي رقم عاصم حالًا
نظرت الأخرى لهاتفها وقد علمت من صاحب الصوت لكن ما لم تعلمه هو لما يريد رقم عاصم ولما يصرخ هكذا :
-يونس عـ
ولم يسمح الآخر لها بأن تكمل فلا وقت للحديث الآن فهناك فتاة على شفا جرفٍ من الموت :
-انتي لسه هترغي قولي الـرقـــم
املته عايدة الرقم دون أن تفهم ماذا يحدث فيكفي نبرته التي تدل على أن كارثة على وشك النشوب أو هى قد نشبت بالفعل، اتصل يونس على الرقم بسرعة صارخًا في سفيان بجانبه، يشعر لأول مرة بالخوف على امرأة غير شقيقته ووالدته :
-سوق بسرعة يا سفيان الطريق لسه طويل
وصرخ به الآخر بنفس الطريق فالموقف لا ينقصه توتر أكثر :
-أكتر من كده هنتقلب
استمع يونس لصوت الجرس ولم يرد من المرة الأولى ولا الثانية فسبه بصوت مرتفع فلما لا يرد عليه، حاول مرة ثالثة فليس له أمل في إنقاذ شروق غير عاصم الآن
أجاب الآخر بضيق على هذا الرقم الغريب المزعج قائلًا :
-الو مين معايا؟؟
وأجابه يونس بلهفة ولم يكن يتوقع أن يأتي يوم ويطلب طلب منه أو أن يجمعهما موقف من الأساس :
-عاصم انا يونس، ألحق شروق عندك السفاح هيقتلها
قرع قلب عاصم برعب راكضًا في الممر لكي يعود إلى مكتب المعيدين حيث تركها هناك، ولكنه لم يجدها بل وجد بركة دماء على الأرض أصابته بالصم عما حوله
اقترب بخطوات عاجزة، مترددة، ليجد أن صاحبة الدماء هى زميلته وقد كانت مقتولة برصاصة في منتصف جبينها، اغمض عينيه بقوة من هذا المنظر البشع فهذه أول مرة يقف أمام جثة مقتولة وقد شعر بإنقلاب في معدته
استمع لصياح يونس على الهاتف فخرج من المكتب مجيبًا عليه :
-ملقيتهاش بس لقيت واحدة غيرها مقتولة
ترك يونس يتحدث واخفض الهاتف مستمعًا بتركيز لصراخات مكتومة قادمة من الغرفة المجاورة وهى غرفة خاصة بأدوات النظافة للعمال، فتح الباب ببطء شديد تحسبًا لما قد يراه، فأبصر رجل غريب يعتلي فتاة كاتمًا فمها يتحدث معها بطريقة أشبه بحديث المجانين، والأخرى تصرخ أسفله وتعافر بقدميها بشكل هستيري وكأنها تصارع الموت
لم يحتج للكثير من الوقت للتعرف على أن هذا هو السفاح والتي تحتضر أسفله هى شروق
اقترب منه بخطوات واسعة وبكل قوته دفعه بقدمه بعيدًا عنها فالتقطت الأخرى أنفاسها المسلوبة بصعوبة وهى تزحف أرضًا دون أن ترى حتى من الذي انقذها من بين يدي ذلك المجنون
وما إن وصلت إلى الباب حتى استدارت لترى ماذا حدث خلفها وليتها هربت دون الإستدارة إذ أبصرت كاظم يرفع سلاحه وعاصم أرضًا على ركبتبه ويده على جانبه الأيسر والدماء تخرج من بين أصابعه وتقطر أرضًا
شعرت بالخرس فجأة خاصةً عندما ارتفع صوت كاظم الساخر وهو يقف من على الأرض :
-كده يا شروق؟! ده تاني واحد يموت بسببك
صاح عاصم بها حتى تهرب رغم الألم الذي بدأ ينخر جانبه بعدما استقرت الطلقة به :
-اهربي يا شروق يونس جاي في الطريق
وكأنه أعطى لها الإشارة بالتحرك وأن تلوذ بالفرار إذ ارتفع هرمون الادرينالين في جسدها ووجدت قدميها تركض في الممر وصوتها المرتفع يعلو بجنون تُعلم الجميع أن هناك سفاح طليق في هذه الكلية
وقف كاظم لثانيتين يتحسس خلف ظهره حيث أحضر جميع الأسلحة التي وجدها مخبأة في سيارة أخيه تِبعًا إن احتاجها، ويبدو أنه سيحتاجها بالفعل فلن يخرج من هذه الكلية إلا بعد قتل تلك الفتاة، ربما لا يوجد دافع منطقي لقتلها ولكن هناك وسواس داخلي يدفعه لفعل هذا
خرج الطلاب والمعلمين على أصوات صراخ شروق الحاد وقد ظنوا أنها جُنت أو ما شابه ولكن كل هذا تحول إلى فزع هستيري تفشى بين الجميع عندما علىٰ صوت طلقات نارية من شاب مجنون يركض خلف فتاة ويريد قتلها في منتصف الكلية دون خوف أو رهبة
لا تعلم كيف كانت تركض بهذه الطريقة ومنذ دقائق كان جسدها متيبس من الرعب ولكن غريزة البقاء على قيد الحياة هى ما كانت تدفعها للركض والصراخ، هرولت على الدرج حتى تخرج من المبنى بالتزامن مع إرتفاع الطلقات النارية من سلاح كاظم يحاول أن يصيبها ولكن سرعتها تعاكسه
هبط خلفها وأصبح الجميع يركض في الممرات هربًا من سفاح مجنون طليق، واندفاع الجميع للخارج هو ما ساعد شروق على التخفي بينهم، ونظرًا لأن كاظم يحمل سلاحًا لم يحاول أحد إيقافه خوفًا من أن تصيبهم رصاصة فهو يضرب بشكل عشوائي
توقف كاظم أمام المبنى محدقًا في الجميع ولم يستطع أن يرى شروق بينهم فسحب أحد الفتيات اللواتي كن يركضن، واضعًا السلاح فوق رأسها بعد أن ضرب طلقتين في الهواء ثم صدح صوته المرتفع في المكان :
-اللي هيتحرك هضربه بالنار، شروق حسين صفوان لو مجيتيش هنا البنت دي هتبقى تالت حد يموت بسببك
توقف الجميع عن الحركة بالفعل محدقين في هذا المختل والفتاة التي تنتفض أسفل يديه، نظرت شروق إليهما مرتعبة فإن سلمته نفسها سيقتلها وإن لم تفعل سيقتل الفتاة كما فعل مع المعيدة وعاصم
ما الذنب الذي ارتكبته حتى تمر بهذه الأحداث التي لم ترى مثلها إلا في الأفلام حتى ظنت انها غير حقيقية وغير موجودة بالواقع
خمس ثواني مرت في هدوء وضغط أعصاب وقلوب تقرع كالطبول، ثم اقتحمت الشرطة المكان بسيارات القوات الخاصة وسيارة سفيان التي تتقدمهم يرتدي هو ويونس سترة حماية مثل باقي أفراد القوة التي أتت معهم
حدث اختلال للهدوء الذي حل وعلت الأصوات بقدوم الشرطة، فحتى كاظم تراجع بعد أن شعر أن الأمور قد انقلبت وعليه أن يلوذ بالفرار الآن، ولكن مهلًا شروق تركض أمامه الآن فها هى قد ظهرت من مخبئها
رفع سلاحه في إستعداد تام لإصابتها والأخرى كانت تركض في إتجاه يونس حين أبصرته وكأنها أبصرت جزيرة يابسة ترسو عليها بعد أن لطمتها الأمواج دون رحمة
ركض نحوها يونس بسرعة مخيفة صارخًا بها أن تتوقف فهى قد أظهرت نفسها لكاظم بكل غباء، والأخرى عقلها متوقف بالفعل تركض فقط له بخطوات متعثرة وأعين ضبابية من الدموع، كل ما تريده الآن أن تحتمى به هو
علىٰ صوت طلقة جعلتها تسقط أرضًا برعب ولا تعلم أقد أصابتها أم لا، ثم ارتفع الصوت مرة أخرى تزامنًا مع إلقاء يونس بجسده عليها حتى يحميها من الطلقات فجسدها هو المكان المطلوبة لإستقرار الطلقات النارية، ثم ارتفع الصوت مرة ثالثة والثلاث طلقات استقررن في أماكنهن
الأولى استقرت في جذع الشجرة، والثانية في سترة الحماية التي يرتديها يونس، والثالثة خرجت من سلاح سفيان واستقرت في ذراع كاظم
هرول عدد من أفراد القوة نحو سفيان يقفون في ظهره، وعدد آخر نحو يونس الذي ضم شروق بذراعه ورفعها من على الأرض يشعر أن إحدى الطلقات قد أصابته والأخرى تشبثت به بقوة صارخة بذعر هستيري عندما جذبها أحد العساكر حتى تكون بأمان معهم، ولكن عقلها لم يعد يترجم أي شئ فقد توقف تمامًا
صرخ بها يونس حتى تذهب معهم وتتركه هو يساند سفيان وعندما لم يتلقى منها أي رد فعل غير التشبث به والصراخ حملها هو بنفسه وأخذها إلى سيارة سفيان حتى يضعها بها
أصابت طلقة سفيان ذراع كاظم فترك الفتاة وتراجع هو خلف الجدار صارخًا بألم وجنون فقد وصلت الشرطة والهروب من هنا وهو مصاب أصبح مستحيلًا، تنفس بقوة يفكر في حل ولكن لا وقت للتفكير الآن فإما يسلم نفسه أو يقتل نفسه
تقدم سفيان دون خوف فقد أعتاد على هذه المهام وما أخطر منها :
-كاظم سلم نفسك مفيش فرصة ليك إنك تهرب
أشار إلى العساكر بعدة إشارات مدروسة فتحركوا محيطين بالمبنى من كل الإتجاهات حتى يضمنوا كل المخارج التي قد يهرب منها كاظم
تقدم يونس بجانب سفيان، رافعًا سلاحه إلى الأمام في إستعداد وتأهب لأي شئ قد يصدر من كاظم، ولحظة سكون حلت على المكان حين علىٰ صوت طلقة من داخل المبنى ثم خيم الصمت على المكان بشكل مخيف
لحق يونس بسفيان والذي تقدم بحذر وإستعداد وقد زاد في خطواته عندما أبصر دماءً تسيل ببطء من ناحية الجدار الذي يختبئ خلفه كاظم لتكون مفاجأة لكليهما عندما أبصرا كاظم أرضًا جاحظ العينين والدماء تتدفق منه بغزارة، وهناك طلقتين واحدة في ذراعه والأخرى في جانب رأسه
هبط يونس لمستواه متحسسًا نبض عرقه الأساسي والذي توقف تمامًا فرفع رأسه إلى سفيان مندهشًا أن كاظم قد انتحر
أخفض سفيان سلاحه محدقًا في جثة كاظم بجمود ثم قال متذكرًا كل كلمة سمعها في التسجيل :
-يمكن هو خلصت حياته بس القضية لسه مخلصتش، وشريكه عادل الدخيلي لسه حي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هرول في ممرات المشفى والرعب يأكله ببطء من الداخل بعد أن وصل له خبر من إحدى زملائه أيام الدراسة أن توأمه في المشفى الآن، وخلفه كانت تهرول رقية بقلق وحماس في آنٍ واحد لسببين منقسمين لا تدري من منهما يطغي على الآخر
السبب الأول الذي يثير قلقها هو إصابة يونس، أما الذي يثير حماسها هو أن قضية السفاح قد انتهت بموته وهى الصحافية الوحيدة التي استطاعت الدخول من الكم المهيب الذي يقف أمام باب المشفى تمنعهم الشرطة من الولوج، فقد انتشر خبر مقتل السفاح أثناء محاولته لقتل الشاهدة بسرعة مخيفة
توقف يوسف أمام غرفة واسعة يجلس بها المصابون بينما من توفوا تم نقلهم إلى المشرحة مع جثة كاظم التي هى تحت حماية مشددة الآن
كانت الغرفة ممتلئة بالناس فقد أصيب طالب ورجل أمن ويونس الذي أصابته الرصاصة بجرح ليس بخطير فمهمة سترة الحماية هى تعطيل الرصاصة ولولاها لاخترقت الرصاصة جسده
وكانت ضمن المصابين شروق التي أصيبت بإنهيار حاد وعاصم الذي لا يزال في غرفة العمليات ولم يخرجوا الرصاصة منه بعد
أشار حمزة ليوسف ورقية بالإقتراب فاقترب يوسف بلهفة من أخيه متفحصًا جسده فصاح الآخر متألمًا عندما ضغط على صدره مكان الجرح :
-براحة يا يــوســـف
كشف يوسف عن الجرح بخبرة طبيب فقال حمزة بنبرة هادئة حتى يهدئ من روع الآخر :
-اهدى يا يوسف ده جرح ومش عميق ولا فيه حاجة، كان لابس فيزت حماية
ستر يونس جسده نظرًا لأن نور وبراءة يجلسن على الفراش القابعة فوقه شروق وقد أبعدن أنظارهن عنه بحرج، نظر إلى رقية ويوسف بتعجب لأنهما هنا فكيف وصل لهما الخبر وهو وصى حمزة ألا يخبر أحدًا وألا يقلقهم فالأمر بسيط ولا يحتاج لضجة :
-مين قالكم باللي حصل انا قولت لحمزة ميقولش لحد
وأجابته رقية وهى تشير إلى الموجدين حولهم :
-هو بغض النظر عن إن البلد كلها عرفت إن السفاح مات بس إحنا عرفنا عنوان المستشفى من زميل يوسف شغال هنا وشافك فبلغه، بعدين تقول لحمزة ومتقولتش لأخواتك؟!
نظر يونس إلى حمزة الذي كان يتكئ على المقعد مستمعًا لهذا المشهد الأخوي بهدوء شديد :
-انا مقولتش لحد غير لبراءة ونور علشان يجوا لشروق ومعرفش ايه اللي جاب ده معاهم
اتسعت أعين حمزة بذهول لإطلاق عليه كلمة "ده" بهذه النبرة الغير مبالية، اعتدل في جلسته مطالعًا الآخر بحنق ثم صاح :
-تصدق وتآمن بالله انا غلطان إني جيت لواحد حيوان صلعوق زيك ميستاهلش، مش عارف ليه الرصاصة جات في الفيزت ومجاتش في دماغك يمكن كنا ارتاحنا منك وقتها
واكتفى يونس بالإشارة إليه، محدثًا أخيه بضيق واضح :
-يوسف خرج البنى آدم ده برا عامل إزعاج من وقت ما جه، وأديك شايف الأوضة فيها مرضى
انتفض حمزة من مكانه وهم بضربه دون الإهتمام بكونه مريض فأي مريض هذا يتوقاح على من كلفوا أنفسهم واتوا من منازلهم من أجل زيارته وهو حقير لا يستحق
أوقفه يوسف بسرعة وحال بينه وبين يونس الذي لم يتحرك ولو لمقدار مليمتر فلم ينسى بالطبع ما فعله هذا الوغد صباحًا معه، بالله يكاد يجزم أن لولا الموجودين وقتها لصفعه والده بعد أن أبصر طلاء شفاه على عنقه :
-بالله عليك يا حمزة اتخانقوا بعدين ده تعبان
-تعبان مين انت كمان، حد تعبان يطول لسانه على اللي جايين يزوروا
نظر إلى يونس من خلف ذراع يوسف ثم استرسل بنبرة متهكمة :
-انا دعيت عليك الصبح وقولت يارب السفاح يضربوا بالنار، لو كنت أعرف إن دعائي هيستجاب كنت قولت يارب يقتله
أبتسم يونس له تلك البسمة التي تزيد من حنقه أكثر وأكثر :
-خلاص طلعت كل اللي جواك؟؟ خد نفسك كده وأنزل الكافتيريا هاتلى حاجة أكلها علشان جعان
أفرغ الآخر فاهه بذهول شديد، وقبل أن يصرخ حمزة بجنون عن كم كونه وقح جذبه هو ناحيته قليلًا ثم قال هامسًا :
-نور طلعت من شوية قبل ما تقوم فيا زي الحمار علشان تجيب أكل لشروق، عيب يا حضرت المحامي تسيبها تروح كده لوحدها وأمة لا إله إلا الله موجودة تحت
نظر له حمزة بطرف عينه ولتوه لاحظ أن نور بالفعل غير موجودة، ثم قال :
-بجح ودبش ولا تطاق بس للأسف أحيانًا بتقول كلام مفيد
تحرك من مكانه نحو الخارج يلحقه صوت يونس المرتفع :
-اوعى تنسى تجيبلي أكل يا حمزة ويا ريت يكون حاجة دسمة أنا لسه طالع من مهمة واخد فيها رصاصة
استقرت أعينه على شروق الممدة على الفراش كجثة هامدة دون حركة على ظهر كفها إبرة محلول متصلة بخرطوم شفافي طويل آخره في علبة شافة معلقة بجانب الفراش، كانت تحدق في سقف الغرفة بدون تركيز أو إنتباه لما يجري حولها وبراءة تضع يدها على رأسها تتمتم ببعض الآيات القرآنية، وهى على هذا الحال منذ آفاقت
لقد مرت بأحداث مرعبة مخيفة لم يكن على فتاة في مثلها أن تمر بها، في الأسبوع الماضي رأت فتاة تُذبح أمام أعينها، وفي هذا الأسبوع كانت على وشك أن تُقتل، ستحتاج للكثير من الوقت حتى تتخطى كل هذا، والأهم تحتاج لمن يدعمها ويحفزها على استكمال حياتها
جذب يوسف قليلًا حتى يحدثه في الأمر إذ قال بنبرة منخفضة :
-يوسف هو انت ليك حد معرفة يبقى دكتور نفسي؟؟
آماء الآخر بإيجاب متعجبًا سؤاله :
-آه الدكتور اللي اتصل عليا من شوية يبقى دكتور أمراض نفسية وعصبية
-يعني ينفع يتكلم مع شروق، انا حاسس إنها هتدخل في دوامة مش هتعرف تخرج منها، لازم تتكلم مع دكتور نفسي
تعجب يوسف نبرة الإهتمام التي يتحدث بها أخيه عن شروق، ورغم هذا آماء بهدوء وقد تحرك من مكانه حتى يأتي بصديقه هذا فأستوقفته براءة تسأله إلى أين هو ذاهب فأجاب الآخر بنبرته الهادئة :
-زميلي يبقى دكتور نفسي هطلب منه يتكلم مع شروق شوية، وعامةً لازم ده يحصل علشان يطمن عليها
لم تعترض براءة بل وافقته ولكن أتى الإعتراض من شروق نفسها والتي تحركت لأول مرة منذ أفاقت هامسة بصوت متحشرج، رافضة أن تتحدث مع أحد :
-انا مش هتكلم مع دكتور نفسي ولا عايزة أشوف حد
رفض يونس رفضها هذا هاتفًا بسخط :
-بلاش عناد الدكتور نفسه قال لازم تتواصلي مع دكتور نفسي، انتي كان فيه واحد هيقتلك أكيد مش هتعدي ده بالساهل
رفضت شروق حديثهم هذا وقد شعرت بضيق شديد بداخلها، تود أن تفصح عما تشعر به وفي نفس الوقت لا تريد التحدث مع أي أحد، تود الصراخ وفي نفس الوقت تود أن تبقى في صمت
هى في حالة من النكران لكل ما حدث، تشعر أن جميع الأحداث التي مرت بها عبارة عن كابوس طويل تريد محوه من عقلها :
-انا مش هروح لدكتور نفسي ومش هقعد هنا، انا عايزة امشي من المستشفى، مشوني من هنا
نظرت إلى شقيقتها برجاء وأعين دامعة، متمسكة في ذراعها بضعف :
-انا عايزة امشي من هنا يا براءة
اقتربت منها رقية تشعر بالأسى الشديد عليها :
-شروق مينفعش تمشي انتي تعبانة
-لأ انا عايزة امـــشـي
صرخت بآخر جملة بشئ من الإنهيار فقال يونس بنبرة آمرة :
-يوسف شيل المحلول وخدها هى وبراءة ونور ورجعهم البيت
حدق به الآخر بتعجب فكيف يطلب منه طلبًا كهذا :
-مينفعش تمشي هى فعلًا لسه تعبانة
لم تنتظر شروق أن ينزع عنها إبرة المحلول لذا نزعتها هى بنفسها مسببة نزيف في شريانها فانتفضت براءة من جانبها قابضة على كف شقيقتها تكتم الدماء، من ثم صاحت بها :
-يخربيتك هو انتي ناقصة
جذبت علبة المناديل خاصتها وضغطت على الشريان حتى تكتم تدفق الدماء فاستقام يونس من مكانه ببطء ثم قال بجدية :
-يوسف اسمع الكلام وخدها وامشي بس متخليش حد يشوفها علشان الصحافة اللي تحت هيضايقوها، وامشوا دلوقتي قبل ما النيابة تيجي وتحقق معاها هى والموجدين هنا وانا هعرف أبرر خروجها من المستشفى
أمتثل يوسف لكلامه فساعدت براءة شقيقتها على النهوض نظرًا لأن الأخرى تشعر بالوهن من الأدوية التي كانت بالمحلول، نظرت شروق إلى يونس قبل أن تذهب بنظرة طويلة لم يفهمها يونس لذا ظل ينظر إليها بتعجب، ولم يقطع هذا التواصل البصري سوى براءة التي جذبتها وخرجوا
خرج يونس خلفهم ببطء وظل ينظر إلى شروق وهى ترحل يسأل نفسه لما نظرت له هكذا، لم يفهم مغزى نظرتها فبدت وكأنها تطلب منه أن يأتي معها، تحدثت رقية مقاطعة تفكيره إذ قالت بنبرة متعجبة :
-ايه يا يونس بتبص ليها كده ليه؟!
-صعبانة عليا أوي مشوفتيهاش وهى بتجري عليا، ولا وهى بتقع على الأرض خايفة من ضرب النار
كان يتحدث بنبرة شاردة متذكرًا الأحداث التي عاشها معها، خوفها وذعرها، تمسكها به وصراخها بألا يتركها، انهيارها بين يديه، لم يسبق له وأن عاش أحداث كهذه رغم خدمته في الشرطة لست سنوات وتوليه الكثير من القضايا والمهام
الأمر لا يتعلق بالقضية بل بشروق نفسها، لا يعلم أهو يشعر نحوها بشفقة كما قال أم لا، ولكنه يعلم أن هذا اليوم لن ينساه أبدًا كما أن شروق أيضًا لن تنساه...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقفت في منتصف الممر واعتلت على وجهها بسمة متسعة لم تكن أبدًا بسعيدة بل كانت شامتة، تبصر صراخ سعاد الذي رج المشفى بأكمله ترثي وتبكي بجنون أمام المشرحة، تريد أن ترى جثة ابنها ولكن العساكر يمنعوها من الولوج
وحولها بناتها وأزواجهم فقد تلقوا الخبر دفعة واحدة من الأخبار التي احتلت المراكز الأولى في عصر الإنترنت، عن مقتل سفاح الإسكندرية أثناء محاولته لقتل الشاهدة في منتصف الكلية
عجبًا كانت تريد أن يُقبض عليه ويعدم حتى تذوق مرارة الفقد ولكن يشاء السميع العليم الذي يعلم ما في قلبها من ألم وأوجاع بسبب تلك السيدة أن يقتل ابنها مثلما قتلت هى أجنَّتها بل وممنوعة من أن تراه وتودعه بنظرة أخيرة
سبحانه يرد الحقوق فوق الأرض وسنتظر القصاص منها يوم العرض
تقدمت للأمام حتى تشمت بها أكثر، تريد أن تشفي غليلها منها فموت ابنها، وحرمانها من الميراث، وفضيحتها أمام أبنائها بأنها ابنة زنا، كل هذا لم يشفي غيظها بعد
أبصرت سفيان يقف معهم آمرًا العساكر بألا يدخل أحد للمشرحة غير الطبيب المسؤول فقط، ليراها قادمة كم بعيد فاتجه إليها بخطوات واسعة وعلى الأرجح يعلم ما تنتويه، وقبل أن تنبس بكلمة دفعها أمامه نحو الممر الجانبي بعيدًا عن صراخ سعاد وبناتها فقالت متعجبة طريقته هذه :
-فيه ايه؟ انا عايز أروح هناك
وقف سفيان أمامها محدقًا بها بأعين حادة رغم برود نبرته :
-وعايزة تروحي تعملي ايه؟؟
وبصراحة مطلقة أجابته وبنبرة غاضبة ظهر الحقد بين طياتها وهذا لم يعجب سفيان البتة :
-هشمت فيها واقولها دوقي من اللي دوقته
-وبعد الشماتة ها هتعملي ايه؟! أو تفتكري هى في حالتها دي ممكن تعمل فيكي ايه؟
كانت نبرته باردة آثارت سخطها بشدة فاسترسل سفيان بجدية شديدة لا يريدها أن تصل إلى درجة الحقارة فالإنتقام يعمي صاحبه عما يفعل :
-فضحتيها بين عيالها وحرمتيها من الورث رغم إن ده يعتبر تزوير في أوراق رسمية، ربك انتقملك وأخد منها ابنها وهو كبير عكسك انتي اللي مكنتيش شوفتيهم ولا اتعلقتي بيهم، هى مش هتعرف تجيب غيره وانتي لسه قدامك فرص تخلفي تاني، عايزة ايه أكتر من كده؟!
هزت رأسها بعنف ترفض أن تكتفي بهذه فوالله تنتوي إلقائها في مشفى للأمراض العقلية بعد أن تصيبها بالجنون فحينها فقط سترتاح :
-مش كفاية يا سفيان انت متعرفش الست دي عملت فيا ايه لسنين، دي كانت بتحطلي دواء في الأكل خليتني مجنونة، ضرب وإهانة وذل حتى سم سممتني، انا اقسم بالله ما كنت بعرف أنام بسببها، كرهتني في عيشتي وحاولت اقتل نفسي أكتر من مرة بسببها، لسه مش كفاية عليها ده، انا جوايا نار كانت هى يتقيد فيها لسنين وانا مش عارفة اطفيها، انا لو أطول أروح أدبحها واقطعها حتت والله هعمل كده
ضغط سفيان على كتفيها حتى تجلس على المقعد خلفها، وتهدئ من غضبها وصياحها ثم قال :
-انا مش شايف قدامي البنت اللي دخلت قلبي شايف واحدة الحقد والغل عمو عينيها، متنزليش نفسك ليها وتعملي زيها، هى ست واطية بنت ستين كلب انتي لأ، اخدتي حقك خلاص وكفاية سيبي الباقي لربك، أقسم بالله هتلف الأيام وحقك هيرجعلك وإلا مكنش قال البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت، فكن كما شئت كما تدين تدان، بلاش تبقي وحشة زيهم خلاص انسي وعيشي حياتك ده ربك خلق النسيان علشان كده
أعادت هاجر رأسها للخلف ذرافة دموع الحسرة تشعر بالقهر الشديد بداخلها والشيطان يوسوس لها بأن تكمل فهذا لا يكفي بعد، جلس سفيان أمامها على ركبتيه، رامقًا عينيها البنية الدامعة بحنو :
-ارجعي زي ما كنتي في أول مرة شوفتك فيها وسيبي بيتهم والعيلة دي خالص
ابتسم لها ابتسامة مازحة حتى يخرجها مما هى به إذ قال :
-سيبيهم واتجوزيني، وعارفة لو قولتي لأ هروح أقدم فيكي محضر إنك اتفقتي مع المحامي وزورتوا الوصية بتاعت الراجل فإما تتجوزيني براضاكِ أو غصب
حدقت به الأخرى بسخط صائحة :
-لأ انا مش هعمل حاجة تاني غصب عني انا كل حاجة عملتها وبعملها كانت غصب عني، حتى الأكل اللي كنت بتطفحوا كل ليلة ده كنت بعمله غصب عني
رمقها سفيان بإندهاش لصياحها له فقال وهو يرتفع من على الأرض :
-انتي بتزعقي فيا يا بت؟! ثم أكل ايه اللي كنتي بتعمليه ليا كل ليلة انتي كنتي بتحلمي ولا ايه؟؟ ده كان طبق مكرونة وطبق كبدة
صمتت هاجر عاقدة ذراعيها بضيق فجلس سفيان بجانبها مع حفظ مسافة هاتفًا بمشاكسة وهو يضع قدمًا فوق الأخرى :
-بس للحق أكلك حلو، أحلى من أكل جدتي ذات نفسها، شكل وزني هيزيد بعد الجواز
عقدت الأخرى حاجبيها محدقة به بتذمر لكثرة حديثه عن الزواج فهى لم تفكر بعد في الأمر :
-انا لسه موافقتش عليك أصلًا، وبعدين لسه عدتي مخلصتش مش المفروض عدة الأرملة أربع شهور وعشر أيام؟!
-لوزة العدة دي علشان الحمل واختلاط الأنساب علشان كده اتعلمت العدة، وانتي حملتي وسقطتي كده عدتك خلصت، لو اتجوزتك دلوقتي مفتي الأزهر نفسه ميقدرش يقول حاجة، وبطلي تقل بقى علشان قدامك أسبوعين تفكري فيهم وترتاحي نفسيًا من اللي مريتي به، أسبوعين ويوم هحبسك بتهمة التزوير، فيا الجواز يا الحبس قرري مع نفسك بقى
أدارت هاجر رأسها الناحية الأخرى مبتسمة الثغر، وقد ضمت ضحكة كادت أن تنفلت من بين شفتيها، مد سفيان رأسه لكي ينظر إلى وجهها مبتسمًا بخبث :
-بتضحكي صح؟!
تنحنحت الأخرى مدعية الجدية ثم قالت وهى تستقيم من مكانها :
-لأ مش بضحك، سلام
-لوزة
استدارت إليه نصف إستدارة فأكمل الآخر بنبرة غامضة :
-مترجعيش فيلا عيلة الدخيلي تاني علشان لسه القضية مخلصتش وانا خايف يطولك أذى
-مخلصتش ازاي وكاظم مات؟! ثم انا مالي بالقضية يطولني أذى ليه؟؟
لم يرحها سفيان بل وقف من مكانه مهندمًا من ملابسه ثم قال :
-اسمعي كلامي انا أعرف حاجات انتي متعرفيهاش، وبلاش ترجعي الشقة اللي كنتي قاعدة فيها شوفي اي مكان تاني وخلي بالك من نفسك كويس، لو حصل أي حاجة أو وصلتلك أي رسالة أو إتصال من عادل الدخيلي بالذات أو حد غريب اتصلي عليا علطول، وابقي بلغيني بعنوان المكان اللي هتقعدي فيه
ورغم تعجبها المتزايد من كثرة الاحتياطات التي يأكدها عليها بل وعن أي شئ يخص عادل بالذات، إلىٰ أنها آماءت بهدوء ثم أدارت ظهرها وابتعدت عنه تسأل نفسها لما قال عادل ولم يقل سعاد فما علاقة عادل بالأمر؟؟
وهل تخبره أن عادل مصاب الآن في الشقة التي كانت تجلس بها في سيدي بشر، بل وكانت معه منذ قليل بعد أن طلبت له الطبيب ليعالجه....
