اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الثامن والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

عمّت الفرحة قلوب الجميع؛ نهضت زينب فجأة ثم نظرت إلى عائلتها وقالت بإبتسامةٍ عريضة:
_ أنا اتطلقت!! وأخيرًا

نظرت إلى الأعلى وشكرت ربها على لُطفه:
_ شكرًا يارب

نهضت أحلام وقامت باحتضانها مباركة لها على تحررها من سجن ذلك الوغد:
_ مبروك يا حبيبتي، ربنا يعوضك خير يارب

ثم انتبهت زينب على يد قاسم التي ربتت على ذراعها فرفعت عينيها عليه فإذا به يبتسم لها ببشاشة فشكرته زينب بلغة عينيها قبل أن تُبدي امتنانها الكبير إليه:
_ شكرًا يا عمي، أنا من غيرك مكنتش عرفت أخد حقي منه، مهما اتكلمت مش هوفيك حقك...

_ أنتِ بنتي يا زينب، ودا واجب الأب تجاه بنته ولا إيه؟
هتف آخر جملته وهو يغمزها، فازدادت ابتسامتها بهجة، بينما جاء دور عبدالله الذي جاهد لإخفاء حزنه وقام بضمها مباركًا لها:
_ مبروك يا حبيبتي..

_ الله يبارك فيك يا حبيبي..
أردفتها وهي تُبادله العناق؛ ثم انسحب الجميع خارج القاعة، فمرَّ حمادة امامهم مُكبل الأيدي، يسير بين عسكريان يمسكانه بعناية، فوقفت زينب ترمقه بنظراتٍ ذات بريق يتلذذ في الإنتقام، كما تقوس ثغرها للجانبٍ ساخرة على وضعه الذي أصبح عليه، بينما لم يتقبل حماد تلك الهزيمة بعد وظل يردد عاليًا:
_ والله ما هرحمك يا زينب، هتشوفي أنا هعمل فيكي إيه

لحظتها أنقض عليه عبدالله فاقترب منه جميع من حوله ليمنعوه من الإقتراب منه، لكنه صاح عاليًا:
_ هكلمه عادي... سيبوني

ثم اقترب من أذنه وهمس أمامها من بين أسنانه المتلاحمة وهو يضبط له ياقته:
_ لما تخرج الأول تبقى تهدد، عشر سنين من قضية طلاق عادية، أومال هتاخد كام في قضية الاغتصاب؟! دا أنت هتتعفن هنا زي الفيران

بشرٍ هدر حمادة:
_ لما يتثبت الأول إني اللي عملتها يا عُبد!

تراجع عبدالله للخلف قليلًا ليكون ظاهرًا لحمادة، ثم إلتوى ثغره ببسمةٍ متشفية قبل أن يردد:
_ مسكين!

ثم عاود الإقتراب منه ثانيةً وهمس أمام أذنه:
_ لو فاكر بِحتة الكشف الطبي اللي طلبته دا هيحسن موقفك فأحب أقلق قلبك وأعيشك في أيام أسود من قرن الخروب واقولك إن صبا ملمسهاش غير واحد حيوان قذر هياخد جزاءه قريب أوي..

تراجع عبدالله مرة أخرى ليستشف تعابير وجه حمادة قبل أن يُضيف بنبرة قوية:
_ أصل جوازها دا كان كُبري!
عارف يعني إيه كُبري يا حمودة؟ ولا تحب أشرح لك؟
هشرح لك، مش هستخسر فيك أي معلمومة تعيشك في رعب..

دنا منه قبل أن يسترسل موضحًا بخفوت:
_ يعني جواز على الورق بس!!

عاود عبدالله الإبتعاد عنه ثم غمزه كما إلتوت ابتسامته للجانب بشكلٍ أكبر، فاتسعت حدقتي حمادة بصدمةٍ، تلك الأثناء دفعاه العسكريين للامام وهتف أحدهما:
_ كفاية كدا، يلا قدامي

كان حمادة في حالة يرثى لها، غير مصدق ما وقع على أذنيه، إذًا قد دابت آخر حبال كان متعلقًا بها، لم يقبل، ولن يصمت، تجمدت أقدامه فجأة ثم التفت ونظر إلى عبدالله بعد محاولاتٍ من العسكريين في إيقافه، لكنه استطاع النظر إليه قبل أن يبوح بشرٍ:
_ أنا مش هلبس الموضوع لوحدي يا عبدالله، أخوك هيلبسه معايا!!

صعقة قد صعقت عقولهم؛ تحجرت وجوههم كأنها تجمدت، يتبادلون النظرات المصدومة بشفاه تتحرك دون حديث، فكانوا عاجزون عن النطق.

لم يتقبل قاسم اتهام ذلك الوغد وأسرع بِخُطاه نحوه وقام بمسك تلابيب قميصه تحت محاولاتٍ من العسكريين في إبعاده لكن هيهات لقوة إرادته في معرفة الحقيقة على الرغم من استنكاره التام لتلك الكلمات التي تفوه بها لتوه.

_ انطق يالا وقول آدم ابني ماله ومال الكلام دا؟
هتفها قاسم بانفعالٍ بالغ؛ فأجابه حمادة وهو يلهث بسبب خنق قاسم له:
_ البيه ابنك هو اللي وزني أعمل كدا في الدكتورة!!

_ أنت كداب
صرخ بها قاسم بعقلاٍ لا يصدق ثم انسدل على وجهه بصفعةٍ عنيفة فبصق حمادة بِكُرهٍ على وجه قاسم قبل أن يردد:
_ معايا تسجيلات ليه وهو بيتفق معايا، والله ما هرحمه عشان هو اللي ورطني التورطية دي.. وطلاما هتحاسب يبقى كله يتحاسب معايا...

تلك اللحظة نجح العسكريين في إبعاد قاسم عن حمادة ثم تحركا به مُبتعدين عن الجميع، تحت صدمةً من قاسم الذي وقف يحدق بالفراغ أمامه بعقلاٍ سيجن، خرج من حالته على ركوض عبدالله خارجًا من المحكمة.

نظر خلفه حيث صادق وأمره من بين أنفاسه اللاهثة:
_ وصل أحلام وزينب البيت يا صادق..

ثم هرول مسرعًا خلفه، لكنه لم يلحق به فلقد ذهب الآخر بسيارته، فركب قاسم السيارة ليحلق به قبل أن يُحدِث كارثة لن تكون في صالح أيًا منهما.

***

كانت جالسة على طرف الأريكة مستندة بمرفقيها على فخذيها واضعة راحتي يدها على فمها محاولة استيعاب ما أخبره عنه ولدها، زفرت أنفاسها ثم اعتدلت في جلستها حيث أصبحت أمامه وأردفت بهدوءٍ لم يتوقعه:
_ بحاول استوعب أن ابني العاقل اللي بقول لاخواته ياخدوه قدوة يعمل كل دا!

كان عاصم مُنكس الرأس لا يستطع مواجهتها؛ بينما أضافت نهال والصدمة ما زال أثرها لم يتبخر:
_ أنت بجد عملت كدا ليه وإزاي؟ ليه تقبل على نفسك واحدة لا هي شكلك ولا من مستواك التفكيري ولا المادي ولا المكاني؟ وياريت مثلًا فيه قصة حب بينكم كنت قولت مرايا الحب عامية زي ما بيقولوا، بس حتى دا كمان مش موجود!!

هبت نهال واقفة وجابت المكان من حولها ذهابًا وجيئا وهي تلومه بنبرةٍ مندفعة:
_ واحدة شوفتها مرة واعجبت بيها، فجأة كدا تتجوزها.. أنا من الأول كنت متأكدة إن فيه حاجة غلط

توقفت عن السير فتطلع بها عاصم، بينما تابعت حديثها وهي تُشير نحو قلبها:
_ والله كان قلبي بيقولي إن فيه حاجة مش مظبوطة، أصل مش طبيعي ابني اللي بيفكر في الحاجة قبل ما يعملها أكتر من مرة ولازم يكون دارسها كويس يجي فجأة ويغير الـ line اللي ماشي عليه..

اقتربت منه نهال ووقفت أمامه وقالت بحنقٍ:
_ أنا بحاول ألاقي لك مبرر واحد لإنك مكمل في الجوازة دي مش لاقية، طب هقول ابني كان gentleman وحب يقف جنب البنت، لكن أسمع إنها رفضاك وإن كل دا جوازكم على الورق بس!
يعني أنت وقفت جنبها وساعدتها متتفضحش، وهي في المقابل مش قابلاك أصلًا، طيب لما هي الهانم مش من عايزاك، مكمل معاها ليه؟
قابل الوضع دا على رجولتك إزاي؟
إيه اللي كنت متوقعه يحصل يعني؟

تطلع بها عاصم لبرهة قبل أن يُعطيها إجابة مُختصرة:
_ كنت متوقع تحبني زي ما بحبها!

إجابته سببت وخزة قلبية لنهال التي ضربت جبينها بيدها وأخذت وقتًا مغمضة العينين ثم أزاحت يدها عن وجهها وهتفت مستاءة:
_ مش مصدقة يا عاصم اللي بسمعه، مش مصدقة أن ابني عاصم عز الإبن البكري لعز سليمان اللي متربي نص عمره في أمريكا ولافف دول العالم يكون بالسذاجة دي!!

أخفض عاصم رأسه سريعًا عندما فشل في مواجهة عينيها؛ فحاولت هي أن تُهدئ من انفعالها، فسحبت شهيقًا وزفرته ثم توجهت إليه وجلست إلى جواره، وأرغمته على النظر إليها برفعها رأسه بإصبعها.

ثم أردفت بحكمة:
_ بص يا حبيبي، أنا متفهمة إن قلبك جميل وحاولت تساعدها بجوازك منها، لكن البنت مش حباك، مفيش حاجة اسمها متوقع تحبني..

ملست نهال على وجهه وعاودت مسترسلة:
_ حبيبي أنت شاب والفرص قدامك كتيرة، وهي مش آخر واحدة هتحبها، لازم يكون فيه توافق فكري واجتماعي وبعده نبص على الحب.. أنت جميل وتستاهل تتحب، تتساهل علاقة الطرفين فيها سويين بياخدوا ويدوا لكن علاقتك دي أنت بتستنزف فيها طاقتك وروحك وكرامتك ورجولتك كمان..
أنت لازم تنهي العلاقة دي وفورًا وإلا صدقني موقفي مش هيكون كويس لا معاك ولا معاها..

هب عاصم واقفًا ولم يتقبل تهديدها وصاح:
_ أنا مش عيل يا ماما قدامك عشان تهدديني، لو سمحتي متدخليش في الموضوع دا وأنا عارف كويس أنا هعمل إيه

انتفضت نهال من مكانها ثم صاحت بحنقٍ بالغ:
_ لا يا عاصم، مش هسيب لك القرار المرة دي أبدًا، أنت من ورانا وروحت اتحملت دور مش دورك، وياريتها عايشة معاك كزوج..

هدّأت من نبرتها وهي تخطو بقُربه وأضافت بتأثرٍ:
_ صعب عليا وأنا بسمعك بتتحايل عليها تحبك وهي رافضة، أنا اللي سمعته واجع لي قلبي بشكل أنت مش متخيلة، يا حبيبي أنت مش قليل ولا ناقصك حاجة عشان تكمل في علاقة مؤذية زي دي..

ابتلعت نهال ريقها قبل أن تُضيف بجرأة:
_ يا بني أنا ست وفاهمة كويس احتياجات الزوج لزوجته، وطلاما هي مش بتقضي احتياجاتك يبقى وجودها في حياتك ملوش داعي طلاما مش بتضيف لك ولا حتى بتحبك، أنت بتعذب نفسك يا عاصم، أفهم بقى، العلاقة دي لازم تنتهي حالًا..

_ أنا برده اللي أقرر امتى تنتهي، لو سمحتي يا ماما متدخليش في الموضوع دا بعد إذنك..
هتفها عاصم بنفاذ صبر، فبلغت الأخرى ذروة تحملها وصاحت عاليًا محذرة:
_ أنت طول عمرك شايف الوش الهادي الرزين، مشوفتش لما بقلب جد بكون شرانية إزاي وايه اللي ممكن اعمله!

زفرت أنفاسها قبل أن تضيف آخر ما لديها:
_ أنا أي حاجة تإذي ولادي أو تأثر على مكانتهم قدام الناس مش بكون عقلانية أبدًا، خُد كلامي على محمل الجد يا عاصم عشان مترجعش تزعل بعدين...

نظرت نهال خلفها حيث موضع حقيبتها ثم توجهت نحوها وقامت بالتقاطها وهتفت قبل أن تُغادر:
_ انا همشي عشان اسيبك تقنع عقلك بكلامي، مش عشان تاخد قرار تاني من نفسك، اللي أنا قولته هو اللي هيتنفذ يا عاصم

كانت نبرتها جادة ناهيك عن نظراتها القوية التي أثبتت لعاصم أنها لا تمزح بحديثها، غادرته نهال بينما وقف هو يتطلع بطيفها الذي اختفى خلف الباب بعقلاٍ مشتت، شعر لوهلة بعدم قُدرته على أخذ قرارٍ فجلس على الأريكة بإهمالٍ وأخذ يضبط أنفاسه المضطربة بصوتٍ مسموع وهمومٍ متضاعفة.

***

عادت صبا برفقة أخيها إلى بيت أبويها اللذان استأجراه بعد سفرها مباشرةً؛ تفاجئت إجلال بقدوم صبا وهللت بفرحة وعيون دامعة:
_ يا قلب أمك، وحشتني طلتك يا صبا.. وحشني كل حاجة فيكي يا حبيبتي

قالتها ثم قامت بضم صبا إلى صدرها، فبادلتها الأخرى عِناقًا حار، وقد انسدلت بعض العبرات من عيني صبا على كتف والدتها، كيف ابتعدا كهذا؟ متى بُنيت تلك الحواجز؟

خرج محمود من غرفته يتفقد الأصوات الحادثة في الخارج، فتفاجئ بوجود صبا، خفق قلبه بقوة وتمنى الذهاب إليها لكنه تريث فخشى أن ترفضه، بينما ربط جلال على ظهر صبا فنظرت إليه بعيون متسائلة، منتبهة على إشارات عيني جلال التي تؤدي إلى مكانٍ، عندما تفقدته وجدت والدها واقفًا يتطلع بها.

خفق قلب كليهما في آنٍ واحد لحظتها؛ طالت النظرات ولم يُبادر أي منهما الحديث، حتى توجه جلال إلى أبيه وأردف بصوتٍ أجش:
_ صبا جت لك أهي يا حاج، خُدها في حضنك وقولها كل اللي جواك عشان تشيلوا الحواجز اللي بينكم...

رمقه محمود بطرف عينيه ثم عاود النظر إلى صبا من جديد، رفع أقدامه عن الأرض بصعوبة ثم توجه نحوها فشعرت الأخرى بأن قلبها سيخترق قلبها من شدة تدفق الدماء به، ابتلعت ريقها مرارًا محاولة أن تبدوا طبيعية، وقف محمود أمامها وهتف نادمًا على ما بدر منه:
_ سامحيني يا بنتي، سامحيني عشان أنا معتش عارف أعيش وأنا شايل ذنبك، ضميري مبيخلنيش أنام، كل ليلة بتعدي عليا بتكون كابوس وحش أوي على ما يطلع النهار، فكرت كتير أجي واستسمحك بس خوفت ترفضيني تاني، وأنا وقتها مكنتش هقدر استحمل ويا عالم من هيجرالي إيه!

رفع محمود يده على وجنتها اليُمنى وتحسّسها بلطفٍ قبل أن يُعاود مواصلة استرساله برجاء:
_ سامحي أبوكي يا صبا..

تبخرت محاولات صبا على التماسك؛ وأجهشت في البكاء وهي تلقي بجسدها بين ذراعيه، فتفاجئ محمود بتصرفها وابتسم بسعادة دقت طُبول قلبه، ربت على ظهرها بمزيجٍ من المشاعر المختلفة.

فتأثر الجميع بوضعهما ودمعت أعينهم؛ تراجعت صبا إلى الخلف ثم أخفضت نظرها بحرجٍ وهتفت بصوت هزمه ما تعرضت إليه قبل مجيئها:
_ أنا تعبانة، محتاجة أرتاح..

فأقبلت عليها إجلال وقالت وهي تُشير إلى أحد الغرف:
_ تعالى يا حبيبتي ارتاحي هنا..

ذهبت معها صبا حتى دلفت الغرفة، جلست على طرف الفراش فتحدثت والدتها بحنانٍ:
_ أنا هروح أحضر لك كل الأكل اللي أنتِ بتحبيه يا حبيبتي، عايزة حاجة معينة؟

اكتفت صبا بهز رأسها نافية، فأسرعت إجلال على الخروج من الغرفة لتطهي لها كل مالذ وطاب فرحًا بعودتها، بينما انتبهت صبا على رنة هاتفها الذي يؤكد وجود اتصالًا غير الإنترنت، فسحبت هاتفها سريعًا متفقدة المتصل ثم أجابت على الفور:
_ Hello, Doctor

فعاودت الطبيبة الحديث بعملية:
_ Welcome, Saba. How are you? How is the progress of the case?
( اهلا بكِ يا صبا، كيف حالكِ؟ كيف يسير تقدم القضية؟ )

ردت صبا بايجازٍ:
_ so far, good
( إلى الآن، جيد )

فقالت الطبيبة وهي ترفع بعض الأوراق لتظهرها أمام صبا:
_ "How come you didn’t ask me for the hospital reports I requested from you at the beginning of our sessions? They are conclusive evidence of the violation of your body. They will surely bring the case to an end
( كيف لم تطلبي مني تقارير المستشفى التي طلبتها منكِ في بداية جلساتنا؟ إنها دليل قاطع على انتهاك جسدك. سوف تنهي القضية حتمًا)

اتسعت حدقتي صبا بذهولٍ، نهضت فجأة وعينيها مُثبتة على التقارير دون استيعاب، أخذت وقتًا حتى ابتلعت ما فاجئتها به الطبيبة ثم قالت بتلعثمٍ:
_ "I forgot, I completely forgot، They are definitely very important.
( نسيت، لقد نسيتها تمامًا، إنها بالتأكيد مهمة جدًا )

ابتسمت الطبيبة وأردفت:
_ I will take a photo of it and send it to you.
( سوف أقوم بتصويره وإرساله إليكِ )

بسعادة عارمة طغت على وجه ونبرة صبا التي تحولت إلى الحيوية هتفت:
_ "Thank you, thank you so much.

( شكرًا، شكرًا للغاية)

ثم أنهت الإتصال وقامت باحتضان الهاتف بشعورٍ لا يوصف، حتمًا تلك التقارير ستنقل القضية نقلة كبيرة لصالحها، ارتجف جسد صبا بذُعرٍ عندما اهتز الهاتف في يديها، نظرت إلى الهاتف وابتسمت لذعرها المبالغ ثم أجابت بمزاجٍ سوي:
_ نقول مبروك؟

_ الحمدلله، اتطلقت وأخد عشر سنين!!
قالتها زينب بفرحة عارمة؛ بينما هللت صبا في سعادة بالغة:
_ الحمد لله يا حبيبتي..

_ العُقبى لكم
هتفتها زينب بنبرة مازحة، ثم تحولت نبرتها فجأة إلى الضيق وهي تقول:
_ صبا، فيه حاجة حصلت لازم تعرفيها..

استشعرت صبا القلق الذي يغلف صوتها، وتساءلت بتوجسٍ يشوبه الريبة:
_ حصل إيه؟

زفرت زينب أنفاسها بِثقل، وأخذت تُخبرها باعتراف حمادة الأخير فجحظت عيني صبا بصدمةٍ حلت على وجهها الذي أسود لونه وشحب، بينما لم تجد زينب من الكلمات ما تُخفف به عن صبا، حتمًا الصدمة ثقيلة، ولم يتقبلها عقله بعد.

أغمضت صبا عينيها محاولة هضم ذلك الخبر، ورددت بذهولٍ عندما فشلت في استيعابه:
_ يعني إيه؟ يعني الوحيد اللي حبيته هو أكبر سبب أذى ليا!! عبداالله آذاني بِحُبه يا زينب!
الكُره والحقد اللي جواهم ليه آذاني أنا، أنا اللي بدفع تمن انتقامهم منه!

تساقط دمعها بغزارة تحسُرًا على حُبٍ لم يأتيها من خلفه سوى الأذى النفسي والجسدي، تعيش أسوء أيامها بسببه! لم تشعر سوى وهي تنهي الإتصال على الفور، ثم خرجت من الغرفة ونظرت إلى أخيها وأبيها قبل أن تُردف:
_ أنا عايزة أوكل محامي تاني في أقرب وقت!

***

رفع يده ليرتشف القليل من قهوته وهو يتفحص التقرير الطبي الخاص بصبا، فشرق بصدمةٍ وهو يقرأ النتيجة المكتوبة أمامه، اهتزت يده فسقطت القهوة على بنطاله، هب آدم واقفًا وهو ما زال مُمسكًا بالورقة يُعيد قراءة التقرير على أمل إنه قد فهم خطأ.

أبعد عينيه بصعوبة عنه ونظر إلى الفراغ أمامه بصدمةٍ ألجمت عقله ولسانه، سحب مفتاح سيارته وتوجه إلى الخارج سريعًا فلقى نظراتٍ عليه بسبب بنطاله المتسخ.

خرج من المركز واستقل سيارته ثم تحرك بها بعد مسافةٍ ليست طويلة حتى فوجئ بوقوف سيارة عبدالله أمامه، ترجلا كليهما من السيارات فظهر قاسم الذي أوقف سيارته خلف عبدالله.

_ في إيه؟
تساءل آدم بتوجسٍ، بينما هجم عبدالله عليه كأسدٍ ينقض على فريسته، قام بتعلق ذراعيه في تلابيب قميص آدم الذي هلل دون فهم:
_ إيه اللي بتعمله دا؟ نزل إيدك!

_ ليه؟ ليه عملت كدا؟ عملت لك إيه عشان كل الحقد اللي جواك ليا دا؟ حقدك وصلك إنك تحرض الكلب حمادة على اغتصاب صبا عشان يقهرني؟؟
هتفها عبدالله بصوتٍ غاضب منفعل كادت عروق عنقه تنفجر إثرها، بينما خفق قلب آدم ودب الرعب قلبه، قابله بعيون لامعة ثم ابتلع ريقه وحاول نفي التهمة من عليه:
_ إيه اللي أنت بتقوله؟ أنا مش...

قاطعه عبدالله بتلك اللكمة من رأسه التي فاجئ بها آدم فأسقطه أرضًا أثرها، فأسرع قاسم نحوهما وشكّل حاجزًا بينهما، ثم التفت بجسده وأخفض نظره إلى مستوى آدم وسأله بتوجسٍ لتأكيده ما يخشاه:
_ أنت فعلًا قولت لحمادة يعمل كدا؟

أطال آدم النظر في عيني والده، كان في موقفٍ يصعُب عليه الكذب به، فسقطت دمعة من عينيه وهو يُجيبه بصوتٍ مهزوز متحشرج:
_ والله العظيم مقولتلوش يروح يعمل كدا، أنا قولتله ضايق عبدالله، شوف مين المهم عنده وضايقه فيه لكن عمري ما أحرض على قذارة زي دي أبدًا!!

بعد اعترافه؛ جن جنون عبدالله وسار كالطور الهائج الذي لا يقدر عليه أحد، دفع بوالده بعيدًا عنه، واقترب من آدم ثم إنهال عليه ببعض اللكمات العنيفة في وجهه بعقلاٍ لا يصدق وصاح بنبرةٍ مكلومة:
_ يعني كل اللي بعيشه دا بسببك أنت!! يا أخي دا أنا أخوك، أخوك من دمك تعمل فيا أنا كدا؟
أخوك اللي خطيبتك لما جت واعترفت لي بحبها ليا، أنا صديتها عشانك!!
قولت لها عمري ما أعمل في أخويا كدا أبدًا!!
وأنت تكون سبب كل المصايب اللي في حياتي؟
بس مبقاش عبدالله لو مخلتكش تتعفن في السجون!

تدخل قاسم محاولًا إبعاد عبدالله عن آدم، لكن هيهات لغضب عبدالله تلك الأثناء، فلم تُساعده قواه على إبعاده، بينما كان آدم مصدومًا بتصريح عبدالله وبعد أن كان يقاوم ضرباته استسلم له وكأنه ينال عِقابه على ما فعله.

توقف عبدالله فجأة، عندما شعر بدُوار مُفاجئ، تفقد المكان من حوله شاعرًا بنبضات قلبه التي تسارعت ناهيك عن حبات عرقه التي تجمعت على جبينه وتساقطت على وجهه بغزارة، وفجأة ودون سابق إنذار قد خر واقعًا.

ارتجف وجه قاسم وقلبه الذي خشى ضياعه، هرول نحوه بأقدام لا تقدر على حمله، لكنه جاهد نفسه حتى يطمئن على عبدالله بينما استقام آدم في جلسته وتراجع للخلف وهو يتطلع في أخيه الغافي.

_ عبدالله، فوق يابني متوجعش قلبي عليك...
هتفها وهو يضرب وجهه بخفة على أمل أن يفيق، وبعد فترةً؛ بدأ عبدالله يستعيد وعيّه فوجّه قاسم عينيه إلى آدم دون النظر إليه بنبرةً حادة يُغلفها الخذي والعار من فِعلته:
_ قوم امشي، مش عايزه يفوق ويشوفك قدامه..

كان يطالعه الآخر بتأثرٍ وندم شديد، وما آلم قلبه عدم مواجهة عيني والده له، نهض ونفض عنه الأتربة ثم استقل سيارته وغادر، بينما استفاق عبدالله ونظر حوله بِتيِه:
_ إيه اللي حصل؟

قوم يا عبدالله نمشي من هنا..
قالها قاسم وساعده على الوقوف ثم أوصله إلى السيارة الخاصة به فهلل عبدالله:
_ عربيتي..

_ هبعت حد ياخدها، اركب أنت بس
قالها قاسم على أمل عدم مراوغته، فلم يجد منه سوى الإستسلام، استقلا كليهما السيارة ثم تحرك قاسم تحت كلمات عبدالله المذهولة:
_ أنا عملت له إيه عشان يرد عليا بالحِقد والكُره دا، أنا آذيته في إيه عشان يإذيني كدا؟
أنا حياتي ادمرت بسببه! والمشكلة إنه اخويا!
هو إزاي مفكرش للحظة باللي بيربطنا ببعض قبل ما يحرض حمادة على حاجة زي دي؟
إزاي واحد في مركزه يفكر يإذي الناس اللي المفروض بيجيب لهم حقهم؟
والله ما هسيب حقي وحق صبا أبدًا..

تركه قاسم يبوح بما يدور داخله، ربما يهدأ قليلًا، بينما كان يزداد قاسم قلقًا ورعبًا يسكن قلبه مع سماع كلمات عبدالله، يخشى على والديه من الأذى الذي سيصيبهم من خلف بعض.
كيف سيكون شاهدًا على ما هم مُقبلون عليه؟
إلى صف من سيقف؟
المخطئ أم الذي أصابه الأذى؟
كليهما فلذة كبده، حتى وإن أخطأ أحدهما كيف يقوم بالوقوف إلى جانب واحد فقط؟

_ الله يسامحك يا آدم..
رددها قاسم بخفوت بقلبٍ يعتصر حزنًا وعقلًا ينتج المئات من السيناريوهات المُحتملة فيضيق صدره حتى شعر بأنفاسه باتت ثقيلة وكل ما يدور حوله ثقيل.

***

_ كويس إنك صحيتي، تعالي دخليني الحمام بسرعة
هتفتها ليلى وهي تتلوى ألمًا من جانبيها، فأسرعت سمر نحوها محاولة مساعدتها على الوقوف، وقفت ليلى بصعوبة قابلتها من خلف آلام جسدها التي تتضاعف كلما تحركت، أحاطت سمر خصرِها بذراعيها وحاولت السير بتهملٍ.

أطلقت ليلى بعض الشهقات الموجوعة كلما خطّت بقدمها إلى الأمام، حتى تخطّت مسافة قصيرة وشعرت بحاجتها للبكاء، فلم تعد تستطيع السير على قدم واحدة ناهيك عما تشعر به في ثائر جسدها وهللت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ معتش قادرة اتحرك، أنا تعبانة أوي، كل حاجة بتوجعني..

وما أن أنهت جُملتها حتى انفجرت باكية، فتأثرت سمر لوضعها وحاولت التفكير في حلٍ سريع:
_ موبايلي في جيبي هكلم بابا يحاول يجي من شغله بسرعة يساعدني..

_ يعني أنا هفضل واقفة كدا لغاية ما يجي، فكرة مش حلوة..
هتفتها ليلى مستاءة، ثم حاولت السير بنفسها وقالت:
_ هاجي على نفسي شوية لغاية ما أوصل، ساعديني معلش..

جاهدت ليلى نفسها حتى وصلت إلى المرحاض وبعد أن قضت حاجتها بمساعدة شقيقتها، خرجت من المرحاض فصدح رنين هاتف سمر فقامت سحبه من جيبها بتلقائية دون الإنتباه لما سيترتب على إبعاد ذراعها عن ليلى التي خارت قواها وسقطت أرضًا عندما لم تجد يد تُسند ظهرها.

شهقت سمر بصدمة، ونعتت نفسها، بينما صرخت ليلى بألمٍ وبكت، فهتفت سمر بندمٍ شديد:
_ أنا آسفة، آسفة والله معرفش مفكرتش إزاي قبل ما أشيل ايدي..

حاولت مساعدتها على الوقوف لكنها لم تستطع الإتكاء على قدمٍ واحدة كل تلك المسافة، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تردد من بين بكائها:
_ اطلبي زكريا خليه يجي..

حدجتها سمر بغرابةٍ لكنها لم تعلق، فذلك ليس وقته، ثم نظرت في شاشة هاتفها باحثة عن رقم زكريا لتقوم بالإتصال به.

على جانب آخر؛ لم ينم زكريا تلك الليلة، بل قضاها في إصلاح بعض السيارات التي جاءت البارحة دون كللٍ كأنه يعاقب ذاته على تصرفه المشين، وأيضًا يُشغل عقله عن التفكير الذي لا يضيف له سوى ضيق صدره.

انتبه على رنين هاتفه، فسحبه من جيب بنطاله بفتورٍ تحول إلى لهفةٍ عندما قرأ الإسم المُدوّن على الشاشة، وقام بالرد دون تردد:
_ الو..

بنبرةٍ جامدة حدثته:
_ ليلى واقعة على الأرض ومش عارفة أقومها لوحدي لو...

قاطعها زكريا قبل مواصلة حديثها بترديده:
_ أنا جاي على طول..

وسرعان ما أنهى الإتصال وقامت بخلع زِيّ العمل وقام بالخروج من المكان فتقابل مع وليد الذي تفاجئ بوجوده وسأله:
_ أنت هنا بتعمل إيه؟

لم يجيبه الآخر بل هتف وهو يبتعد عنه:
_ كويس إنك جيت، عشان حد فينا يكون موجود، أنا راجع البيت

وقف وليد يُتابع حركته دون فهم لما يحدث معه، ثم ولج المركز عندما اختفى زكريا عن مرآى عينيه، بينما أوقف زكريا سيارة أجرة وأمرها بالإسراع إلى منطقته.

بعد فترة ليست طويلة ة؛ وصل زكريا إلى المنطقة خاصته وصعد درجات السُلم سريعًا دون الإلتفات لتحذيرات والده بعدم دخول المنزل ثانيةً، كاد يفتح الباب لكنه تفاجئ بنسيانه في الداخل فقام بقرع الجرس.

لم تمر ثانية حتى فتحت له سمر بوجهٍ متجهم فلم يعطيها زكريا اهتمام، وتساءل بلهفةٍ وهو يدلف بِخُطاه إلى الداخل:
_ فين ليلى؟

وما أن أنهى سؤاله حتى وجدها أمامه على بُعد مسافةٍ قريبة تجلس أرضًا وتنسدل عبراتها في صمتٍ، أقبل نحوها وهو يُردد:
_ إيه اللي وقعك هنا بس؟!

لم تُجيبه بل تحاشت النظر عنه، فلم يُعقب وقام بحمّلها بحذرٍ كي لا يؤذيها، تمسّكت ليلى في قميصه تلقائيًا خشية أن تقع مرةً أخرى، فشعر زكريا بقشعريرة قوية في جسده، توجه بها إلى غرفتهما ونزل بجسده واضعًا إياها على الفراش.

تفقد معالم وجهها جيدًا قبل أن يسألها:
_ وشك لونه شاحب كدا ليه؟ أنتِ مأكلتيش حاجة؟

بهجومٍ عنفته:
_ بلاش الأسئلة دي أصل أتأثر!

تشدقت ساخرة وواصلت بازدراء:
_ متفكرش إني اتغاضيت عن كل حاجة عشان طلبتك تساعدني، بس للأسف مفيش غيرك..

ازدادت نبرتها بُغضًا وهي تواصل:
_ بكرهك عشان وصلتني إني أحتاج لك في أكتر وقت مش طايقة فيه أبص في وشك!

كانت كلماتها ثقيلة؛ آلمت قلب زكريا وأشعرته بضئل حجمه، رفت عينيه لثانية جاهد نفسه على التماسك أمامها وعدم فقد سيطرته، زفر أنفاسه ثم أولاها ظهره فهتفت ليلى من خلفه:
_ هنطلق يا زكريا، هخلص من اللي أنا فيه دا وهنطلق..

استمع إلى كلماتها دون أن يلتفت إليها، خرج من الغرفة باحثًا عن سمر التي وجدها تتحدث في الهاتف منفعلة:
_ بقولك هو مش هنا، وأنا مش هقدر أسيب ليلى في وضعها دا، وزكريا مش راضي ينزلها من البيت، يعني مضطرة أقعد هنا.. ياريت شوية تفهُم للوضع اللي أنا فيه!

وقعت كلماتها على آذان زكريا الذي انتظرها لحين انتهت من المكالمة، ثم استدارت سمر بجسدها فتفاجئت بوقوف زكريا أمامها، لم يُعطي لها فرصة التحدث وأردف:
_ إرجعي لجوزك وعيالك يا سمر، أنا موجود مش هخليها محتاجة لحاجة..

كادت تُبدي اعتراضها لكنه لم يدعها تتحدث وتابع هو بإصرارٍ:
_ بيتهيقلي محدش عارف يتعامل مع ليلى في وضعها دا غيري.. إرجعي لجوزك بلاش تخربي البيت، كفاية بيت واحد اتخرب!

قالها وسرعان ما نكس رأسه عندما فشل في مواجهة عينيها، أشفقت سمر على حاله وغمرها الآسى لما وصلا إليه، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقترب منه وتردد:
_ ليلى محبتش غيرك، ولسه بتحبك على فكرة، متفكرش المقاوحة دي كُره، هي بس لسه متخطتش اللي أنت عملته

أخرجت تنهيدة حارة وواصلت:
_ ليلى مكانتش تستاهل منك كدا أبدًا يا زكريا، ولا حتى كانت تستاهل الفضيحة اللي والدتك عملتها، ليلى طيبة وبتعرف تحب وتضحي وأنتوا للأسف استغليتوا طيبتها وجيتوا عليها أكتر من اللازم..

دنت منه خطوة أخرى وأردفت:
_ أنا عمري ما أتمنى لأختي الخراب، وخصوصًا إن نص عمرها كانت وحيدة، أنا نفسي تصلح علاقتك معاها، حاول تبعد عن أي طُرق غلط وإحمد ربنا على نعمته وافتح صفحة جديدة مع نفسك ومع ليلى، بس الطريق هيكون طويل على ما تتغاضى عن اللي عاشته لأنه مكانش سهل خالص

ويا ابن الحلال لو مش مستعد تمشي لها خطوة واحدة متعشمهاش ومتخلنيش أمشي وأسيبها معاك عشان أنا وقت ما هيحصل حاجة منك تاني مش هسامح نفسي ولا هقدر اسكت لك المرة الجاية!!

_ مستعد أمشي لها عمري والله، بس هي تسامحني.. أنا والله ندمان ومعرفش أنا عملت كدا إزاي!
هتفها زكريا بشجنٍ وخِزي من نفسه، بينما ابتسمت سمر في وجهه وقالت:
_ ربنا يهدّي سركم، أنا هقضي النهاردة مع ليلى أحاول أجهز لها أكلات وأعينها في الفريرز تكون جاهزة على الطبيخ على طول..

بادلها زكريا الإبتسام مُمتنًا لها ثم انسحبت سمر من أمامه ودلفت المطبخ بينما وقف زكريا يُعيد ترتيب أفكاره، وبعض الأمور الذي سيسير عليها الأيام المُقبلة.

***

صف آدم سيارته أمام الفيلا، ترجل منها والغضب مُشكل على تقاسيمه، قرع رنين الجرس بعدم احترام، وماهي إلا ثوانٍ حتى فتحت له الخادمة واستقبلته بِترحاب على الرغم من تعجبها لتصرفه المُريب:
_ Welcome, Mr. Adam
( مرحبًا، أستاذ آدم )

بنبرة هجومية سألها وعينيه لا يتوقفان عن البحث خلفها:
_ Where's valia?
( أين ڤاليا )

أجابته الخادمة بعملية
_ She is sitting in the backyard garden
( إنها جالسة في الحديقة الخلفية )

دون استئذان دلف آدم بوجهٍ لا يبشر بالخير مُتجهًا إلى باب الحديقة الخلفية، نادته الخادمة مِرارًا لكنه لم يآبى لها وتابع سيره حتى ظهرت ڤاليا أمام عينيه، فاقترب منها تحت تعجبٍ شديد من وجوده، نهضت وهي تُردد بغرابةٍ:
_ آدم!!

وقف أمامها بعيون مُحمرة من فرط غضبه وصاح بانفعالٍ شديد يُخالطه الغيرة:
_ أنتِ قولتي لعبدالله إنك بتحبيه وأنتِ معايا؟

فوجئت ڤاليا بسؤاله الذي خفق قلبها رعبًا أثره، ابتلعت ريقها في محاولة كسب الوقت لإيجاد الكلمات، فخرج آدم عن طوره وأمسك ذراعها وظل يدفعها بعنفٍ وهو يصرخ عاليًا:
_ متسكتيش، ردي عليا، ردي وقولي إن الكلام دا غلط!

توجست ڤاليا خيفة من هجومه المرعب، وصاحت وهي تحاول سحب ذراعها من بين قبضته:
_ أنت بتعمل إيه؟ سيب ايدي، يا دادي

نادت والدها الذي جاء على الفور عند إخبار الخادمة له بحضور آدم، هرول مسرعًا باتجاهه وقام بإبعاده عنها وهتف بحنقٍ مستنكرًا تصرفه:
_ إيه اللي أنت بتعمله دا؟ إزاي تسمح لنفسك تتعامل كدا مع بنتي؟ امشي اطلع برا بدل ما تكلم قاسم واحكي له اللي عملته..

_ مش ماشي من هنا قبل ما أسمع من بنتك الرد على سؤالي..
قالها وعينيه يشعان منهما إصرارًا واضحًا على عدم ذهابه قبل أخذ ما يريد، فهتف عز سؤاله بازدراء:
_ رد إيه وسؤال إيه؟

_ هي فعلًا قالت لعبدالله إنها بتحبه ولا لأ؟
أردفها فاستاء عز من سؤاله الذي سيجلب المشاكل، وتولى الرد بدلًا عن إبنته:
_ مفيش الكلام دا، امشي يا بني اطلع برا وياريت تاني مرة متدخلش بيتي بالشكل الهمجي دا، أنا لولا والدك كان ليا تصرف تاني معاك..

بتمردٍ صريح صاح آدم:
_ مش همشي غير لما أسمع منها هي..

تأفف عز وكاد يطلب له رجال الأمن لكن ڤاليا قد أجابته قائلة:
_ أيوا قولت له كدا، خلاص سمعت مني، اتفضل امشي بقى..

أغمض عز عينيه لبرهة لاعنًا زلة لسان إبنته، فإن حدث شيئًا غير مستحب من آدم الآن ستكون هي المُتسببة الأولى، عاود فتح عينيه وقام بسحب هاتفه محذرًا آدم:
_ هتصل بقاسم يا آدم لو مخرجتش حالًا!

تدخلت ڤاليا لاحقة بوالدها قبل أن يتصل بقاسم وقالت وهي تتخطاه:
_ لحظة يا دادي لو سمحت..

دنت من آدم فتساءل عز مستفسرًا:
_ أنتِ بتعملي إيه؟

أدارت ڤاليا رأسها ناظرة إلى والدها وأجابته:
_ فيه سوء فهم لازم يتوضح..

ثم عاودت النظر إلى آدم بنظراتٍ مُشفقة لما جعلته يشعر به، وحاولت توضيح بعض الأمور له:
_ أنا فعلًا قولت لعبدالله كدا، بس أنا كنت غلطانة، مش هنكر إني كنت فاكرة إني بحبه بس الحقيقة إني كنت مشدودة لشخصيته عشان أول مرة اتعامل مع حد كدا، دايما طلباتي بتتنفذ والكل بيجاملني حتى لو حساب نفسه، هو معملش كدا ودا خلاني أفكر إني بحبه، بس الفترة اللي فاتت دي أكدت لي إنه مكنش حب، أنا مزعلتش إنه رفضني ولا حتى فكرت للحظة واحدة إني أحاول معاه تاني، الحاجة الوحيدة اللي فرقت معايا وكانت طول الوقت شاغلة بالي كنت أنت يا آدم!

اتسعت مقلتي آدم بذهولٍ، وهو يستمع إلى كلماتها بآذان صاغية فتابعت هي بنبرة رقيقة:
_ كان ضميري بيأنبني من نحيتك جدًا، وبلوم نفسي إني مفهمتش حقيقة مشاعري غير متأخر، كان عقلي مشغول بأسئلة كتيرة، أهمها يا ترى أنت عامل إيه بعد انفصالنا، يا ترى وجعت قلبك أوي ولا لأ، كنت غلطانة في تعاملي معاك طول فترة ما كنا مع بعض ولا لأ، أسئلة كتيرة مكانتش بتفارقني ومكنتش بلاقي ليها رد، وأنت كويس إنك هنا النهاردة عشان حابة أقولك I'm sorry على أي شعور وحش حسستك بيه قبل كدا..

نظرت إليه بشفقة، فكان الآخر واقفًا أمامها بضعف حيلة، يشعر أنه بحاجة للبكاء وإلقاء نفسه بين ذراعيها، يا ليت ما نعيشه يكون في سهولة تقديم الإعتذار.

لم يُبعد آدم عينيه عن ڤاليا، الي أحست بشيءٍ يود قوله من خلف شفتيه التي تتحرك دون حديث، كادت تسأله عما يريد قوله لكن تَدخُل والدها قد منعها، حيث جاورها ووجه حديثه الحاد إلى آدم:
_ أظن يا آدم كفاية لغاية كدا اتفضل امشي..

أشاح آدم عينيه بصعوبة ووجهها على عز ثم أردف بخفوت:
_ أنا آسف..

ثم أولاهما ظهره وغادر الفيلا سريعًا عائدًا إلى بيته، وصل في غضون دقائق، لم يتفاجئ عندما وجد والده في إنتظاره، بل ترجل بهدوءٍ وتوجه إليه وهو مُنكس الرأس لا يقدر على مواجهة عينيه.

وما أن وصل إليه حتى وقعت صفعة عنيفة على وجه آدم الذي اهتز جسده بشدة إثر قوة الصفعة، كان قاسم غير مصدقًا لفعتله الشنعاء فصاح عاليًا بغضبٍ لم يتحدث به من قبل:
_ خسارة فيك إسمي اللي مكتوب في بطاقتك، أنت بقيت مؤذي كدا امتى؟ ولا أنت طول الوقت كدا وأنا اللي كنت أعمى، أنا شوفت تصرفاتك تجاه عبدالله وقولت غيرة ومن وقت ما نزلت البلد دي وأنا بحاول أملا عندك النقص دا عشان ميكنش عندك ذرة كُره لاخوك أو لغيره، مكنتش حابب يكون عندك لو صفة واحدة وحشة، بس أنت تخطيت كل التوقعات، الظاهر تحقيقاتك مع المجرمين خلو عندك فضول تكون زيهم!

_ يا بابا...
نطقها آدم فصاح قاسم بهجومٍ حانق:
_ بابا إيه، أنت خليت فيها بابا؟ دا أنا لا عملت قيمة ولا معنى للكلمة دي، ولا حتى عمت اعتبار لاخوك وروحت بكل جحود وزّيِت المجرم اللي اسمه حمادة يعتدي على البنت عشان بس ترضي نفسك يا حضرة الظابط!
مش مصدق إني بقول كدا لواحد حلف اليمين إنه يحافظ على حماية الناس وهو نفسه اللي أذى شخص فيها وياريته غريب دا أخوك!!

خرج آدم عن هدوئه بصراخه حتى يستمع إليه قاسم:
_ احلف لك بإيه إني مكنش في نيتي أبدًا اللي حصل دا، والله العظيم ما خرج من لساني لفظ يخلي الحيوان حمادة يعمل عملته، مش هنكر إني كنت متضايق وغيران من عبدالله، وعايز أضايقه زي ماهو نقطة سودة في حياتي بس مش لدرجة الأذى دا!!

حدجه قاسم شزرًا وصاح عاليًا كادت عروقه تنفجر من شدة إنفعاله:
_ حمادة لو مكنش خد كلمة منك واطمن مكنش اتجرأ وعمل اللي عمله أبدًا، كِلمتك يا بيه فتحت له طريق قذر زي أفكاره وخلاه يعمل عملته بناءً على الأمان اللي أخده منك!
متحاولش تبرر خالص وتحاول تكون طرف غلبان مكنش يقصد يا حرام، وبعدين يا أخي فيه حد يقول عايز يضايق أخوه!!
دا إيه السواد دا؟
في الأول قولت زرعة أمك بس بعد اللي حصل دا أكد لي إن السواد دا منك أنت، أمك كانت مجرد تمهيد مش أكتر!

جاءت حورية تلك اللحظة وهتفت بنفاذ صبر:
_ كل حاجة على حورية حورية، كأن مفيش مصيبة في الدنيا دي بتحصل غير وأنا السبب فيها!
ها يا تري حصل إيه المرة دي؟

التفت إليها قاسم بوجهٍ محتقن تفور فيه الدماء وهدر بها:
_ أنتِ تخرسي خالص، أنتِ طالق يا حورية، طالق

تجمدت حورية مكانها، كما فغرت فاها ورمقته بعيون واسعة لا يستوعب عقلها ذلك الطلاق الذي وقع للتو، ثم انتبهت على متابعته للحديث الساخر:
_ أنا كنت سايبك على أساس ابني يكون سوي يتربى بين أم وأب، بس طلاما سواد قلبه ظهر وطفح على غيره يبقى ملوش لزوم تبقي على ذمتي، أنتِ ترجعي البلد تقعدي تحت رجلين البقر تحلبيه، دا أخرك يا بنت عمي، لكن المكانة اللي أنا اديتهالك دي أكبر منك بكتير أوي..

أنهى قاسم جُملته ثم استدار بجسده وتوجه إلى آدم الذي كان يتابع بعيون جاحظة لا يصدق ما وقع أمامه من خلف فعلته، لقد خرب كل شيء، غرز قاسم أظافره في ذراع آدم ثم أجبره على السير إلى الداخل، دفعه بكل قوته فوقع آدم بإهمالٍ على الأريكة.

ثم قام قاسم بعمل اتصالاٍ بصوتٍ خشن مُندفع:
_ أيوا يا صادق، تعالالي حالًا، تعالى لما نشوف المصيبة اللي البيه وقع نفسه فيها دي هتجيب له كام سنة!!

أنهى الإتصال دون أن يوضح له ماهو الأمر، بينما قابله آدم بنظراتٍ مصدومة متفاجئة مما قاله، فاستشف قاسم ما يدور في عقله واندفع به بهجومٍ:
_ بتبص لي كدا ليه؟
تكنش فاكر إني ههربك برا البلد؟
لا يا حبيبي، تبقى غلطان
بيقولك إيه، اللي بيشيل قِربة مخرومة بتخر على دماغه
دا غلطك ومفيش غلط من غير عقاب يا آدم باشا!

كان الآخر مذهولًا بتلك الشخصية التي يتعامل معها للمرة الأولى، شعر لوهلة بأنه يتعرف على شخصٍ آخر غير أبيه الذي اعتاده، دمعت عينيه لكنه جاهد على التماسك، فلم يعتاد البكاء يومًا.

***

حل المساء؛ عادت صبا إلى البيت برفقة جلال الذي حرص على مرافقتها حتى يضمن سلامتها، ودعته عندما رفض الدخول، بينما تفاجئت هي بفتح عاصم للباب قبل أن تقرع الجرس.

استقبلها للداخل، فتفاجئت صبا بتلك الطاولة الذي أعدًها لها خصيصًا، كانت مليئة بالأطعمة ويتوسط بين كل طبقٍ والآخر ورود حمراء وغيرها بيضاء، استدارت بجسدها ورمقته مُعاتبة إياه في نظراتها قبل أن تميل برأسها قليلًا وقد انعكس تأثرها بما تجعله يعيشه على وجهها.

أخرجت تنهيدة قبل أن تتساءل:
_ ليه عملت كل دا؟

_ عشانك!
هتفها وهو يقترب منها فخفق قلبها رعبًا لكنها تحلت بالقوة الكاذبة أمامه، وقف عاصم أمامها وقام بسحب حقيبتها الموضوعة أعلى كتفها ثم وضعها جانبًا وعاد إليها فقالت صبا وهي تتحاشى النظر عنه:
_ بتصعب الموضوع بينا ليه يا عاصم؟ اللي بتعمله دا بيوجعني، بيخليني أحس إني معنديش قلب لأني مش قادرة...

قاطعها عاصم بوضع إصبعه على فمها مرددًا بخفوت:
_ ششش، مش عايز كلام النهاردة، خلينا ناكل ونسيب أي حاجة على جنب دلوقتي..

_ بس..
حاولت أن تعترض لكنه أصر على تناول العشاء سويًا:
_ لو ليا خاطر عندك، اعتبريه عشا عمل، صحوبية، زمالة أي حاجة بس اقعدي..

ألقت صبا نظرةً على ما قام بإحضاره ثم نظرت إليه قبل أن تتوجه إلى الطاولة وتترأس أحد الكراسي، بينما تَبِعها عاصم وجلس هو أيضًا وبدأ كليهما يتناولان الطعام حتى انتهوا ثم نهض ومد يده لها قائلًا:
_ تسمحي لي برقصة؟

حدجته صبا بطرف عينيها وعلقت مستاءة:
_ ودي برده على سبيل الزمالة؟

غمزها ثم قال بابتسامةٍ عذبة:
_ أيوا، مش بتشوفي أفلام ابيض وأسود ولا إيه؟

نهضت صبا فجأةً مستنكرة السخافة الحادثة وهتفت بنفاذ صبر:
_ عاصم هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟

_ لو رقصتي معايا، هفهمك على كل حاجة..
قالها فأطالت صبا النظر بيده الممدودة ثانيةً بتناقضٍ شديد، فهي ترفض الرضوخ إليه حتى لا تخلق داخله مشاعرًا وآمالًا جديدة، وأخرى تود معرفة ما يوجد خلف تلك الليلة المُبهمة بالنسبة لها، قطع عليها عاصم حِبال أفكارها بقوله:
_ متخافيش، مفيش أي حاجة من اللي في دماغك هتحصل، دي مجرد رقصة، هاتي ايدك يلا..

حثّها على مد يدها بعينيه فأخذت صبا وقتًا حتى قبلت وقامت بمسك يده بنفور شديد غير مُتقبلة لمسته، بدأ عاصم رقصته معها بعد أن أحضر موسيقى هادئة مُخصصة لتلك الرقصة، مرَّ الوقت دون حديث، بدأ صبرها ينفذ، وخصيصًا اقترابه منها الزائد، وقررت إنهاء ما يحدث على الفور قبل حدوث مالا يُحمد عُقباه.

توقفت قدميها وحاولت الإبتعاد لكنه شد على خصرها وقام بالإنحناء على أذنها وهمس:
_ أنا أخدت ميعاد من المأذون عشان نتطلق!!

دُهِشت صبا مما وقع على مسامعها، ورمقته بوجهٍ مرسوم على تقاسميه الذهول، فقهقه عاصم ساخرًا وهو يتفقد ملامح وجهها:
_ لا متحسسنيش إنك زعلانة؟

خرجت صبا من حالتها وقامت بتوضيح الأمور له:
_ لأ، بس متفاجئة، إيه اللي حصل فجأة كدا، أنت كنت لسه الصبح...

قاطعها عاصم عندما لم يتحمل سماع ما أحدثه صباحًا وقال وهو يهرب بعينيه:
_ كفاية كدا يا صبا، كفاية إهدار طاقة على الفاضي.. على العموم المأذون مسافر وهيرجع كمان اسبوعين، اعتقد فترة كويسة تكون قضيتك اتحلت، وأكون أنا كدا عملت اللي عليا ووفيت بوعدي واتفاقي معاكي.. جواز على الورق لغاية آخر نفس فيه..

أشفقت صبا على حاله، نظرت إليه بآسى وحزن شديدين وهتفت بندمٍ:
_ أنا آسفة يا عاصم، آسفة بجد إني لخبط لك حياتك و..

_ أنتِ فعلًا لخبطيها، بس مش هنكر إني كنت مستمتع.. كل وقت جنبك كان مُتعة بالنسبة لي، أنا مش زعلان ولا ندمان على مواقفتي بجوازنا.. بالعكس، تجربة أضافت لي، وأنا كعاصم بحب أتعلم من تجاربي..
أنا تمام، متشليش همي، الأيام بتنسي..

اجتاح صبا بعض الراحة؛ تقوس ثغرها ببسمةٍ بشوشة وهتفت مُمتنة:
_ أنت جميل يا عاصم وأنا قولتلك الكلام دا قبل كدا، بس فعلًا أنا مش لاقية كلام أقوله غير شكرًا لوقوفك جنبي
لولاك مكنتش قدرت أقف على رجلي ولا أكون بالقوة اللي تخليني أخد حقي لوحدي، أتمنى تلاقي واحدة شبهك ونفس طيبة قلبك عشان أنت تستاهل كل خير..

اكتفى عاصم بإبتسامة قد تشكلت على محياه ثم انسحبت صبا إلى الأعلى عندما لم تجد هناك داعٍ لوجودها أكثر من ذلك، بينما وقف عاصم يُتابع طيفها بشوقٍ حار قد شعر به من الآن، إذًا ماذا سيحدث به إن مرًت فترة بدونها؟

***

بعد مرور فترة؛ صباح يوم المحكمة، حالة من التوتر تُسيطر على الجميع، لم ينم البعض تلك الليلة، كانوا في حالة تأهُّب طيلة الوقت، عقولهم مُنشغلة بما سيدور في الجلسة، وقلوبهم تخشى حدوث عكس ما تمنوه.

كانت صبا جاهزةً منذ وقتٍ باكر، تجوب غرفتها بالذهاب والإياب تارة وأخرى تقف في شُرفتها تتفقد الخارج وكأنها تستمد القوة من ذلك الهواء البارد الذي يضرب وجهها، فتعود من جديد داخل الغرفة لِيُهاجمها القلق مُجددًا، صدح رنين هاتفها فأسرعت نحوه مُجيبة على إتصال المحامي التي وكلته حديثًا للدفاع عنها في القضية:
_ أستاذ عادل..

_ صباح الخير يا دكتورة، أنتِ جاهزة؟
تساءل عادل بعملية واهتمامٍ فأجابت الأخرى قائلة:
_ أيوا جاهزة من فترة، أتحرك؟

_ يكون أفضل عشان منتأخرش على الجلسة..
هتفها عادل فتمتمت صبا وهي تلقُف حقيبتها:
_ تمام..

ثم أنهت الإتصال ووقفت تدُور حول نفسها بتوترٍ بائن؛ تجهل ماذا تريد وماذا ينقُصها، فتوقفت فجأة وأغمضت عينيها ثم أخذت شهيقًا عميق وزفرته بتمهلٍ، أعادت تكرار فِعلتها حتى شعرت حالها أفضل ففتحت عينيها وقامت بالخروج بعد أن تأكدت بعدم نِسيانها أحد الاشياء.

تقابلت مع عاصم الذي خرج من غرفته فور سماعه غلق بابها، نظرت إليه نظرة مطولة قبل أن تُغادره دون نطق كلمة، فشعر عاصم بوخزة في صدره لفشله في تلبية حاجتها له للشهادة، نزل السُلم خلفها حتى تجاوزت صبا باب البيت فتلاها عاصم بشفاه تتحرك دون حديث، حتى فوجئ بوقوف عبدالله مع عائلته استعدادًا للذهاب، حتمًا ذاهبون جميعًا إلى المحكمة.

فلم يشعر بيديه التي أحاطت ذِراع صبا وأعادتها إليه هاتفًا سؤاله بغيظٍ:
_ عبدالله جاي معاكوا ليه؟

ألقت صبا نظرةً على يده المُحاوطة لذراعها قبل أن ترفع عينيها عليه وترد:
_ أعتقد مش هيفرق معاك في حاجة، إحنا اتجوزنا باتفاق وخلتص هننهي الجواز فياريت يكون على نفس الإتفاق للآخر..

خرج عاصم عن طوّره وصاح بحنقٍ:
_ فيه فرق إني أحترم اتفاقنا وإني أكون مغفل يا صبا!

_ بس أنت مش مغفل يا عاصم، بعد إذنك عشان متأخرش على ميعاد الجلسة..
قالتها ثم زفرت أنفاسها قبل أن تهتف باقتضاب:
_ متتأخرش أنت على ميعاد المأذون..

أنهت جملتها ثم سحبت يدها من بين قبضته وأولته ظهرها متوجهة إلى الخارج حيث السيارة الواقفة التي تضم عائلتها الذين حرصوا على وجودهم بجانبها ربما يستطيعون توطيد العلاقة بينهم مرةً أخرى.

على جانب آخر استقل قاسم سيارته برفقة أحلام وزينب بينما استقل عبدالله سيارته بمفرده ثم تحركوا مبتعدون عن البيت تحت نظرات عاصم الذي كان يصر أسنانه بغيّرة وغيظ شديدان حتى كاد ينفجر من فرط ما يشعر به، ثم قرر البحث بنفسه عن شيءٍ يدلّه إن كان هناك علاقةّ بينهما أم لا.

عاود إلى البيت وصعد الدرّج مُسرعًا، حتى بلغ غرفة صبا ودلفها، وقع في تناقضٍ من أمره، لإكماله للبحث بين أشيائها وبين تراجعه حتى لا يكون عيبًا، لكن هيهات لرجولته التي حركته وجعلته كالمجنون يبحث في جميع الأرجاء ربما يُستدل على شيءٍ.

لم يكن هناك الكثير في الغرفة، فلقد لملمت صبا أشيائها في حقيبة كبيرة، وعندما لم يجد شيء في الغرفة قرر البحث في الحقيبة دون ترددٍ، جلس عاصم القُرفصاء وبدأ يفتح سّحَاب الحقيبة الجانبية أولًا حتى عثر على إحدى القلادات.

كاد يُعيدها إلى مكانها إلا أنه تريث وتفقدها جيدًا، فوجدها قلب مقسوم نصفه والنصف الآخر غير موجود، فانتابه ذِكرى يوم حفلة خِطبة ڤاليا أثناء جلوسهم في المطعم ورؤيته لقلادة عبدالله، إنها ذاتها!!

أخذ عاصم يتذكر كلماته حينها ووصفه عن الحبيبة الذي فارقها، مع اتخاذه تصرفاته مع صبا في عين الإعتبار، فربط أنها حتمًا حبيبته!!

خفق قلبه بعنفٍ، كانت نبضاته تنبض بالغضب وليس نبضًا عاديًا؛ شد بقبضته على القلادة حتى كاد يفتك بعروق يده التي برزت من شدة غضبه ثم هب واقفًا وهرول خارج البيت وهو لا يرى أمامه.

***

وصلا الجميع إلى المحكمة؛ ولجوا إلى القاعة وأخذ الجميع أماكنهم، كانت صبا تجلس برفقة عائلتها، بينما جلس عبدالله بجوار عائلته لكنه لم يغيب نظره عن صبا التي تختلس نظرةً عليه من آن لآخر.

بعد مدة؛ دخلا حمادة وآدم قفص الإتهام، ثم بدأت الجلسة بنداء المنادي لأسماء المجني عليها والجُناة، ثم أخذ محامي صبا يلقي خِطابه بصرامة:

_ سيدي القاضي، حضرات المستشارين..
أقف اليوم مدافعًا عن شرفٍ انتهك، وحريةٍ دُست بالأقدام، وكرامةٍ إنسانيةٍ لم تُراعَ، أقف لأحمل أمانة الدفاع عن المجني عليها الدكتورة صبا محمود، التي لم يكن لها من ذنب سوى أنها وُجدت في طريق متهمٍ نزعت من قلبه الرحمة، وآخرَ استغل سلطته ونفوذه ليحرضه على الجريمة.
سيدي الرئيس،
إن أركان جريمة الاغتصاب قد توافرت كاملة في حق المتهم الأول، ثبوتًا يقينيًا بالأدلة القطعية، بدءًا من أقوال المجني عليها الثابتة التي لم تتزعزع في أي مرحلة من مراحل التحقيق، ومرورًا بالتقرير الطبي الشرعي الذي أثبت الإعتداء عليها وما خلفه من إصابات، وانتهاءً بشهادة الشهود وتحريات المباحث المؤكدة للواقعة.

أما المتهم الثاني رئيس المباحث آدم القاضي، فقد ارتكب فعلًا لا يقل جسامة عن الجريمة ذاتها، إذ أنه حرض وحث وأغرى المتهم الأول على ارتكاب جريمته، مستغلًا ما يتمتع به من سلطة ونفوذ
سيدي الرئيس،
إننا أمام جريمة مزدوجة الأركان ،جريمة اغتصاب مكتملة العناصر ارتكبها الجاني الأول
وجريمة التحريض يعاقب عليها القانون بذات عقوبة الفاعل الأصلي، ارتكبها الضابط آدم القاضي المتهم الثاني فإننا نلتمس من عدالة المحكمة،

توقيع أقصى العقوبة على المتهم الأول باعتباره الفاعل الأصلي

ومعاقبة المتهم الثاني، بالعقوبة ذاتها بوصفه محرضًا..
وختامًا
أضع بين يدي عدالتكم هذه الدعوى، وأنتم خير من يحمي الأعراض والأنفس، وأنتم أهل لإقامة العدل وإنصاف المظلوم

عاد المحامي إلى مكانه ثم طلب القاضي سماع الشهود، فأخذ جميع من كان هناك تلك الليلة قد قص عليه شرحًا تفصيليًا عما عاشوه مع صبا، بدايةً من عبدالله إلى آخر من تعاملت معه صبا وهي الطبيبة النفسية خاصتها والتي تحدثت مع القاضي عبر الإنترنت لتدلي بإفادتها وبعد الإنتهاء من سماع الشهود، استمع القاضي إلى تقارير النيابة ثم طلب من الدفاع الخاص بآدم أن يتفضل، فنهض صادق تلقائيًا وبنبرة جادة حازمة بدأ خِطابه:
_ سيدي القاضي، حضرات المستشارين،
أقف أمامكم اليوم لأدافع عن موكلي، آدم القاضي والذي وُجهت إليه تهمة التحريض العام على ارتكاب جريمة، وهي تهمة تنطوي على سوء تفسير للأقوال والتصرفات

إن موكلي، خلال تأدية مهامه، كان ملتزمًا بالقانون والنظام، وأي تصريحات أو أفعال صدرت منه كانت في إطار ممارسة سلطته الرسمية ومهمته في حفظ الأمن، وليست تحريضًا على ارتكاب أي فعل مخالف للقانون.

التحريض يتطلب وجود قصد جنائي واضح ومباشر، وهو ما ينفيه موكلي جملةً وتفصيلًا، الأقوال التي أُسيء تفسيرها أو تأويلها، لم تتضمن دعوة محددة أو نداء لارتكاب فعل جرمى.

أرجو من عدالتكم التمييز بين ممارسة السلطة القانونية وبين التحريض الجنائي، مع مراعاة سجل موكلي المهني وأمانته في أداء الواجب.

لذلك، أطلب من عدالتكم الحكم ببراءة موكلي من التهمة الموجهة إليه، حفاظًا على العدالة وحقه في الدفاع عن سمعته ووظيفته.
شكرًا لعدالتكم.

عاود صادق الجلوس من جديد، بينما وجه القاضي حديثه الجاد إلى محامي حمادة:
_ الدفاع عنده حاجة يضيفها؟

نهض المحامي للدفاع عن حمادة، فلم يجد كلماتٍ يقولها، فكان في موقفٍ يصعُب عليه الإتيان بثغرةٍ لإخراجه، جميع الأدلة والإثبتات ضده، فحمحم قبل يُردف مختصرًا:
_ لا سيدي القاضي مش عايز أضيف غير أن تلتمس عدالتكم الرأفة والرحمة في تقدير العقوبة، شكرًا لكم..

ثم عاود الجلوس وعينيه لا تجرأن على النظر إلى حمادة الذي يكسوه الرعب ويتوعد لذلك المحامي الذي لم يترافع للدافع عنه سوى قول كلمتان كان بإمكانه قولهما.

بينما نهض محامي صبا وأستئذن من القاضي بأن يلقي آخر كلماته فسمح له ثم أردف قائلًا:
_ سيدي القاضي بعد أن استمعت هيئتكم الموقّرة إلى أقوال الشهود، وتبيّن للمحكمة أن الأدلة قد جاءت كاملة وواضحة لا يداخلها شك، وبعد أن عُرضت جميع المستندات والتقارير التي أودعتها النيابة أمام عدالتكم…
فإننا نرى أن الدعوى قد اكتملت أركانها، وأن الدفاع والنيابة قد أدليا بما لديهما، ولم يعد ثَمة ما يستوجب إرجاء الفصل فيها أو تأجيل إصدار الحكم.

وعليه، فإننا نلتمس من عدالتكم الموقّرة أن تفصلوا في القضية في هذه الجلسة ذاتها، وأن تُصدروا حكمكم العادل الذي يحقق سيادة القانون ويعيد الطمأنينة إلى نفوس الأطراف كافة

تشاور القاضي مع المستشارين لثوانٍ قبل أن يهتف بنبرة جهورية:
_ الحكم بعد المداولة، رُفعت الجلسة...

وقف الجميع في آنٍ واحد؛ وعلى الرغم من الزِحام الذي كان في القاعة إلا أن نظرات عبدالله وصبا لم يمنعها وقوف أحد، فكانت قوية صريحة، يتطلعان في بعضهما البعض بمشاعرٍ مختلفة، كانت صبا تُحدق به بحدةٍ كعيون الصقر، بينما كان يبادلها هو نظراتٍ تخشى نهاية تلك الجلسة، حتمًا ستكون مأسوية لقلبه!

اقترب كليهما من بعض بِحُكم سيرهما في المكان ذاته حتى يخرجا من القاعة، تلك اللحظة تفاجئت صبا بحضور عاصم إلى الجلسة والذي كان جالسًا في نهاية القاعة يرمقها بنظراتٍ مشتعلة فتجمدت مكانها وهي تراه يقترب منها، وقف عاصم أمام كليهما وتناوب بنظره بينهما والحقد والغيرة يترنحان في عينيه، ثم ثبّت بصره على صبا ورفع يده أمام وجهها فظهرت القلادة المُمِسك بها وتساءل من أسنانه المتلاحمة:
_ طلعتي أنتِ الحبيبة اللي كان عبدالله مرتبط بيها!!


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close