رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم صابرين
38-لا تثق بقاتل وإن كان أخاك
بما إني نزلت الفصل فعايزة رشوة، كومنتات كتير بقى انا بنزل الفصل وانا متحمسة اشوف تعليقات الفصل اللي قبله لا تبخلوا 

صلي على من قال أمتي أمتي 
هبط بسيارته إلى إحدى مواقف السيارات التي تكون أسفل الأرض، وقد كان يعود هذا الموقف لشركتهم، توقف بالسيارة بشكل مفاجئ عندما أبصر رجلًا ملثمًا يقف أمام السيارة وكأنه لا يخشى الدهس
سحب سلاحه من تابلوه السيارة تحسبًا لهوية هذا الملثم لكن ما إن رفع الآخر رأسه وعلم هويته حتى أعاد السلاح كما كان مشيرًا إليه بالدخول دون أن يخرج من السيارة
دلف إلى السيارة وأغلق الباب عليهما ثم نزع قبعته مبتسمًا بسمة واسعة ليس وكأنه مجرم هارب البلاد مقلوبة عليه :
-ازيك يا عادل والله وحشتني ووحشني برودك ده
حدق الآخر به لا يعلم كيف يتحدث بكل هذه البساطة ومن أين أتى بهدوء البال هذا، ولكن لما يتعجب وهو يعلم أن أخيه مجنون، ابتسم الآخر باحثًا عن أي شئ صالح للأكل هنا لكن لم يجد شئ بل كانت السيارة شديدة النظافة مثل عادتها
نظر إلى أخيه والذي كأن يرمقه بملامح جامدة وأعين متعجبة فقال بتهكم :
-هتفضل متنح كده كتير أطلع على أي مطعم انا مكلتش من إمبارح
ضغط عادل على فكه بقوة من البساطة التي يتحدث بها كاظم ولولا هروبه لأسبوع لظن أنه لا يعلم أن البلاد مقلوبة عليه :
-تاكل ايه!؟ انت كنت فين وانا مش عارف أوصلك
عقد الآخر ذراعيه أمام صدره قائلًا :
-كنت في الصحراء المكان الوحيد اللي مش هيوصلي حد فيه، صحيح ازاي لسه فيه بدو عايشين في خيم؟! انا كنت فاكرهم انقرضوا أو انا تقريبًا اللي دخلت جوا الصحراء أوي
-ووصلت ازاي هنا من غير ما البوليس يعرف وكل الدوريات ولجان التفتيش عارفة اسمك وشكلك؟؟
-عيب عليك هو انا هاوي
التمعت عينيه بنظرات غامضة، مخيفة، مضيفًا :
-صحيح تعرف البنت اللي بلغت عني؟! اللي شافتني وانا بقتل فريال؟؟
مسح عادل وجهه ولم يتحرك بالسيارة بعد ثم قال :
-ويهمك في ايه دلوقتي!!
-عايز أعرف هى مين
-اسمها شروق حسين صفوان طالبة مغتربة ولسه في سنة تانية
-معاك صورتها
نظر إليه عادل بغضب، يعلم جيدًا ما يفكر فيه أخيه المجنون لذا قال :
-وهو ده وقته؟!
-اخلص يا عادل معاك صورتها؟؟
أخرج هاتفه حتى يأتي بصورتها فقد جمع الكثير من المعلومات عن الطالبة التي شهدت على أخيه وهى السبب الرئيسي في أن تعلم الشرطة هوية السفاح، حدق كاظم في صورة شروق بأعين غريبة، مريضة قائلًا :
-عادية جدًا، أكيد البنت عانت صدمة من اللي شافته وباين على ملامحها علفكرة
رفع نظره إلى عادل الذي كان يرمقه بنظرات غريبة جعلته يشك به، فلا تثق بقاتل وإن كان أخاك، لذا قال بنبرة ساخرة :
-ايه بتفكر تقتلني ولا تسلمني
وأجابه الآخر بسخرية أشد من سخريته :
-لأ بفكر حل لمصيبتك بدال ما تجرني معاك
-ملهاش حل غير إن اطلع برا البلد
طرق الآخر على عجلة القيادة أمامه صائحًا بصوت حاول أن يجعله منخفضًا قدر المستطاع :
-تطلع ازاي وكل الطرق مقفولة عليك، بحري وبري وجوي
ابتسم كاظم بسمة مخيفة وقد لمعت في عينيه نظرة مختلة قائلًا :
-أتصرف يا عادل وإلا هتكون النتيجة مش في صالح حد فينا يمكن انا هدخل مستشفى الأمراض العقلية لما يعرفوا تاريخي الأسود في المصحات لكن أنت
أشار إلى عنقه بمعنى الموت فقال عادل بهدوء مخيف :
-انت بتهددني!؟
-انا بقولك على اللي هيحصل يا عادل وانت عارف إن الأفضل إن أطلع برا البلد
-ورفضت مساعدة الناس اللي وراك ليه طالما عايز تخرج
-انت هتهزر ولا ايه، دول كانوا عايزين يصفوني مش يهربوني
ختم حديثه وعاد يحدق في صورة الفتاة التي أسقطت سفاح إسكندرية
في البداية اعرفكم على تاريخ السفاح هو مجنون ويعلم هذا، قتل حبيبته الأولى الاسبانية بعدما خانته مع أحد زملائهم فقتله وقتلها ثم جُن بعدها، فظل شبحها يلاحقه ويراه في كل مكان حتى اليوم
حجزه والده في عدد كبير من المصحات ولكنه لا يكمل بها شهرًا، تارة يقتل الممرض، تارة يذبح الطبيب، وصنفه الجميع على أنه سيكوباتي وهذا لأنه يعشق رؤية الدماء ويستلذ برؤية روح الضحية تغادر جسدها
يأس منه والده لذا أعاده إلى مصر مرة أخرى بعدما كان يتعلم في أسبانيا ومنذ ذلك الحين بدأ في مشواره في متعته المحببة ألا وهى رؤية الدماء تتدفق أمامه، كان يقتل بشكل عشوائي ولكن بطرق احترافية دون أن يعلم أحد، ويخفي الضحية بشكل مدروس
ولكن في إحدى الليالي قد كشفه أحد السياسين بعدما قتل له ابنة أخيه التي كان يواعدها، وللعجب طلب منه أغرب طلب يمكنه أن يطلبه أحد من شخص قتل ابنة أخيه ومر على التخلص من جثتها ساعة واحدة
"تشتغل تحت ايدي وهديك فلوس عمرك ما حلمت بيها بس تقتل اللي اقولك عليه بس"
لم يوافق من أجل الأموال بل لإشباع غريزته في سفك الدماء، ومنذ ذلك الوقت وأصبح سفاح إسكندرية المسبب رعب لجميع سكانها، وأصحاب الطبقة المخملية بالأخص
وفي يوم علم أخيه بالأمر وللحق خاف أن يبلغ عنه ولكنه لم يفعل ولم يبالي وبعدها بعدة سنوات طلب منه أن يشاركه في القتل، تعجب من هذا الطلب ولكنه لم يمانع على الأقل سيشاركه جرائمه لذا لن يبلغ عنه في يوم من الأيام فقد أصبح متورط مثله
بعد ذلك خطب فريال لأنها تشبه حبيبته السابقة تمامًا حتى أنه كاد ينسى الأولى ويبدأ من جديد معها، بالله إن كانت طلبت منه أن يتعالج كان ليفعل ولكنها قررت تركه والذهاب لآخر فعلم أنها تحب رجل آخر وأهلها هم من اجبروها على الخطبة منه من أجل المصالح لا أكثر وهى لم تتحمل فكرة الزواج منه لذا أنهت خطوبتهما
لم يتحمل فكرة الخسارة لمرتين وفي يوم من الأيام كان هو مسكورًا، في العادة هو لا يحتسي أي نوع من الخمور حين يقتل حتى يكون في كامل تركيزه ولكن كانت تلك المرة هى الغلطة التي أسقطت سفاح إسكندرية
ذهب إلى جامعتها فهى كانت في السنة الرابعة لكلية الآداب قسم علم النفس، تربص بها ثم نحرها في المرحاض ثم أخذ ينوح ويبكي عليها كما ناح على حبيبته الأولى "أولى ضحاياه" كان في حالة بين الوعي واللاوعي لذا لم ينتبه أن هناك أحد في المرحاض غيرهما ولم يكن لينتبه لولا أنها أصدرت صوت
حاول أن يقتلها يومها ولكن إن كان بقى في ذلك المكان لدقيقة أخرى ما كان لينجو لذا قفز من نافذة المرحاض وألتوى كاحله إلتواء بسيط، وها هو مطارد من الشرطة بعدما كشفت الشاهدة هويته، لا يعلم كيف فعلتها فهو لا يتذكر الكثير بسبب ثمالته ولكنه انكشف في النهاية على يديها
يالا السخرية لأشهر وسنوات لم يستطع أحد أن يمسك عليه دليل واحد يدينه، لتأتي هذه الفتاة العادية وتفعل ما فشلت به الشرطة والمخابرات وقوات أمن الدولة؟!
تحدث عادل بنبرة تحذيرية بعدما طال تحديق كاظم لصورة شروق :
-كاظم انسى اللي بتفكر فيه، انت مش هتقتل البنت، انت لازم تخرج برا البلد دلوقتي
-وماله اقتلها وبعدين اطلع برا البلد سهلة اهي
شعر الآخر بالثوران من برود الآخر فلا يستطيع أحد أن يخرجه عن طور بروده غير جنون كاظم الانتحاري هذا :
-وانت هتستفاد ايه ما خلاص شهدت عليك وخلص الموضوع، ولو روحت ليها هتتمسك بسهولة وانا مش هسمحلك تضيع نفسك وتضيعني علشان جنان في دماغك
نظر إليه كاظم بطرف عينيه لا تعجبه هذه النبرة البتة، لقد قتل والده لأنه كان يستخدم معه أسلوب الأمر والإجبار فمن هو ليأمره :
-عادل بلاش النبرة دي مش انا اللي اتأمر ومش هعمل حاجة غصب عني، والبنت دي هقتلها يعني هقتلها، عيب في تاريخي اسيب البنت اللي كشفتني حية ترزق وانا أهرب من غير ما أديها تحية سلام حتى
تنفس عادل ببطء يخرج سلاحه من جيبه موجهًا إياه نحو كاظم ثم قال ببرود شديد :
-وانا مش همشي وراء جنانك ده علشان ألاقي نفسي في السجن، خليني اساعدك يا كاظم علشان منغرقش كلنا
رفع كاظم عينيه من على السلاح إلى وجه عادل ببطء، مبتسمًا له ابتسامة شديدة البرود وقد لمعت في عينيه نظرة استهزاء :
-تعرف يا عادل فيه مقولة حلوة اوي انا سمعتها ولحد دلوقتي انا حياتي ماشية بالمقولة دي
عاد للخلف قليلًا أمام أعين عادل الموجسة ثم قال :
-متثقش في قاتل حتى لو كان أخوك
وما إن ختم آخر كلمة حتى ضرب رأسه برأس عادل بقوة جعلت الآخر يشعر بتشوش حاد، ولم يعطيه فرصة لإستعاب ما يحدث مستخدمًا أسلوب السرعة والمباغتة فهو قاتل محترف أكثر من عادل، عشر سنين خبرة لا يقارنوا بأربع سنوات، إذ اختطف من يده السلاح البارودي، هابطًا به على رأسه مرة واثنين وثلاث إلىٰ أن افقده الوعي
ترك السلاح على جنب ثم أمال الكرسي الذي يجلس على عادل ملقيًا بجسده أسفل المقعد الخلفي ثم جلس هو على مقعده بعد أن أعاده كما كان، قابضًا على عجلة القيادة، مبتسمًا بإتساع بسمة بدت مختلة وعينيه على صورة شروق التي تعلو شاشة هاتف أخيه الفاقد للوعي بالخلف :
-شروق حسين صفوان تقريبًا أمك دعت عليكي في ليلة مستجابة علشان يبقى ليكي الشرف اني أختم مسيرتي في مصر بيكي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مر من أمام شقة عمه ببال شارد من أحداث البارحة، ليتفاجأ بخروج حمزة هاجمًا عليه بعناق قوي على حين غرة لدرجة جعلته يتراجع للخلف ولولا الجدار لسقطا أرضًا، حسنًا حمزة لا يحب العناق وما يحدث الآن مثيرًا للريبة، لكن ما قاله حمزة جعله يطالعه بحنق :
-ابن عمي الغالي اللي أخواته هيتجوزوا وهو هيفضل كلب عازب وحيد
دفعه يونس عنه صائحًا بحنق دون أن ينتبه أن حمزة أعاد يده خلف ظهره ومسح ما بها :
-والله ما حد كلب هنا غيرك اوعى كده خنقتني
اعتدل في وقفته ثم أضاف بنفس النبرة الحانقة :
-ثم انت بتعمل ايه في البيت معندكش شغل نهائي، ٢٤ ساعة قاعد في البيت
-فين أربعة وعشرين ساعة ده انا كل يوم نازل المحكمة ومعظم شغلي والقضايا بفضل اشتغل عليهم في هدوء مش في المكتب
آماء يونس دون أن يهتم كثيرًا لما قال مكملًا الصعود لأعلى وقد لحق به حمزة صاعدًا معه مما آثار تعجبه فقال :
-طالع عندنا ليه يا حمزة؟!
-بابا وماما وعمك محفوظ وأبوك فوق بيتكلموا عن خطوبة رقية واللي حصل أول إمبارح لرحمة، وانا أصلًا كنت فوق بس نزلت اتطمن على رحمة علشان بتذاكر لوحدها واديني طالع تاني، صحيح ايه حكاية بياتك برا كتير اليومين دول؟! انت متجوز من ورانا يلاه؟؟
ختم حديثه بمزاح جعل يونس يبتسم رغمًا عنه ثم قال وهو يلج للشقة فقد كان الباب مواربًا على أي حال :
-والله ما فايق للهزار ده
ألقى التحية على الموجدين فقد كان يجتمع في منزلهم عمه محفوظ وعمه عثمان وزوجته، ووالديه، رد الموجدين عليه التحية منهم يوسف الذي هتف مسرعًا وهو يرتدي سترته :
-كويس إنك جيت هات مفتاح العربية علشان خارج
-رايح فين؟؟
نطق بها بتساؤل وهو يخرج له المفتاح، ملاحظًا أن رقية هى ايضًا جاهزة للخروج، فأجابه الآخر بإختصار وهو يرتدي حذائه :
-براءة جاية من الصعيد هاروح اجيبها من المحطة، يلا يا رقية
لا يعلم لما شعر بغيرة قليلًا من براءة فلا يستوعب بعد أن توأمه سيكون له حياة خاصة بعيدة عنه، وأن رقية شقيقته الصغيرة سيكون له أيضًا حياة خاصة ويبقى هو وحيد كما قال حمزة
رحل يوسف ورقية بعدما ودعهم وقد صاح حمزة في رحيلهما بنبرة مازحة :
-الله يسهلك يا يــوســف وعقبالي بقى، لأحسن شكلي هعنس
ختم حديثه وهو يرمق والده بنظراتٍ ذات مغزى فهمها الآخر بسهولة فقال وهو يرفع كوب الشاي إلى فمه :
-متبصليش كده عندك عمك محفوظ أهو اسأله اتأخر نسيبه في الرد على طلبنا ليه
جلس يونس بجانب كريم مستمعًا لهذا الحوار، ربي حتى حمزة أيضًا سيتركهم وتكون له حياته الخاصة، يعترف أنه سيشتاق لتجمعاتهم التي بالطبع ستقل بشكل ملحوظ عما سبق
نظر حمزة لعمه منتظرًا إجابة فقال الآخر لا يود أن يقول كلامًا يزعج حمزة وعثمان، لذا حاول أن يخفف من الأمر وعدم اخبارهم برفض علي شقيق زوجته الآن أمام جميع العائلة :
-لسه مردش يا حمزة
-طب اتصل عليه دلوقتي
رفع الآخر إحدى حاجبيه بتعجب لا يدري لما هو متلهف على الأمر هكذا، ولهفته هذه تقول أن نور ليست مجرد فتاة أُعجب بأخلاقها فأراد خطبتها، وفي الواقع هذا سيصعب الأمر أكثر :
-دلوقتي هيكون في شغله ومش هيرد على تليفونه استنى آخر النهار كده
آماء حمزة مستسلمًا، لا يعلم لما يستغرق والدها يومين للتفكير في الأمر، تحدث محفوظ ليغير الموضوع هذا فقال :
-صحيح المحضر اللي عملتوه للراجل وصل النيابة ولا لسه
-بعد يومين وهو خرج بكفالة وأعتقد هنحتاج شروق ونور وعائشة وكمان مدام شيري علشان يشهدوا إن الراجل ده ضايقهم قبل كده
-بلاش شروق والبنات طلعهم من الموضوع، حصلت مشاكل كتير معاهم وانا مش هعرف اخبي أكتر لما علي وحسين يسألوني بناتهم عاملين ايه، كفاية مشاكل لحد كده
لم يعجب حمزة هذا الحديث فشهادة الفتيات مطلوبة حتى تثبت التهمة أكثر على ذلك المتحرش الحقير، تحدث محمد مغيرًا مجرى الحديث بعد أن شعر أن التوتر سوف يسود المكان :
-يونس عامل ايه في القضية، اتصلت عليا إمبارح وقولت إنك مش هتعرف ترجع غير الصبح
مسح يونس وجهه بإرهاق ولم يفصح عن الكثير بل قال بإختصار :
-السفاح ظهر ليلة إمبارح وصلت معلومات إن في حد ركب من الصحراوي في اتوبيس سياحي شبه السفاح، السواق قال إنه كان عايز توصيلة علشان كده ركب معاهم ونزل إسكندرية، وانا وسفيان الليل كله بنسمع الشهود والسواق ونراجع الخطوط اللي مشي عليها الاتوبيس
توقف عن الحديث فجأةً، ناظرًا حوله بطريقة مريبة ثم تساءل :
-هى رقية فين؟؟
عقدت عبلة حاجبيها بتعجب، ألا يتذكر يونس أن رقية خرجت أمامه مع يوسف :
-مشيت مع يوسف قدامك، هو انت خايف منها؟؟
-اومال بنتك دي أسرع من الإنترنت، تاخد الخبر من هنا وينتشر من هنا وتعملنا قلق في البلد
رن جرس الباب فوقفت عبلة حتى ترى من الطارق وبعد ثواني قد نادت على ناهد من أجل أن تأتي فهناك من يريدها
حرك يونس رقبته في حركة اعتادها من أجل فك تشنج رقبته ليلاحظ أن الجميع بدأ ينظر إليه بتركيز وبنظراتٍ غريبة، وقبل أن ينبس بكلمة يستفهم بها، قال عثمان وهو يحادث أخيه :
-محمد هو ابنك على رقبته روج ولا دي كدمة
وضع كريم يده على عنق يونس ماسحًا ما عليها وقد طبق لون أحمر مخملي على أصابعه فصاح بذهول قائلًا :
-ده روج، لأ وشبه روج الرقاصات
ابتسم حمزة بتشفي، مدعيًا الذهول وهو يرمق يونس الذي بدت عليه الصدمة أكثر من الموجدين :
-هو انت كده بتدور على السفاح يا يونس ولا كنت بتروي جفافك العاطفي علشان يوسف ورقية هيتجوزوا وانت لسه عازب
وقف محمد من مكانه متفحصًا عنق يونس بنفسه وقد تأكد أن هذا طلاء شفاه بالفعل فقال بغضب امتزج بالذهول من أن فعلًا كهذا يخرج من ابنه :
-منين الروج ده يونس!؟ انت كنت مع مين قبل ما تيجي؟؟
وقف الآخر من مكانه بفزع يمسح هذا الطلاء من على عنقه، يحاول عصر عقله لفهم كيف وصل الطلاء إليه :
-والله ما أعرف ولا روحت مكان، حتى اتصل على سفيان اسأله هيقولك الليل كله كنت معاه
وبين تبريرات يونس نظر عثمان إلى ابنه يلاحظ هذه النظرات المتشفية البادية على ملامحه بوضوح، يعلم أن يونس هو من قص شعر حمزة كما يعلم تمام العلم أن ابنه لن يترك له فعلة كهذه دون ردها فحمزة من صغره يعشق المقالب كما عشقه للقراءة
رفع يده ممسكًا بكف حمزة بعدما أثر لون أحمر مخملي يظهر على أصابعه، وها هو الدليل على كيفية وصول الطلاء الأحمر على عنق يونس :
-وانت ايه اللي جاب الروج على صوابعك يا حمزة
وبعد هذه الجملة هدأ المكان هدوء مريب يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة قطعه تذمر حمزة من كشف والده للأمر بهذه السرعة :
-حرام عليك كنت استنيت شوية، على الأقل كان عمي اداه علقة اشمت فيه بيها
وعلى بُعد خطوات من هذا الموقع كانت تقف نور أمام الباب تتحدث مع ناهد في وجود عبلة التي دعت نور للدخول ولكنها رفضت بحرجها المعتاد، ثم قالت بنبرة محرجة :
-مس ناهد سألت عليكي تحت فقالتلي رحمة إنك هنا، طبعًا بكرة آخر امتحان لسنة تانية إعدادي وبعده هتبدأ امتحانات سنة تالتة ومدرسين المدرسة كلهم بيروحوا مدرسة تانية علشان المراقبة وسمعت اسم المدرسة اللي هنروحها وانا معرفش حاجة هنا، ومستحيل اركب تاكسي بعد اللي كان هيحصلي آخر مرة فينفع لما تروحي تاخديني معاكي علشان متوهش، معلش لو هتعبك
وافقت ناهد بالطبع مبتسمة لها بإتساع، تشعر بالسعادة حقًا عندما تفكر في أن هذه الفتاة الخجولة المهذبة ستكون زوجة ابنها، فقط لو تقلل من حدة عصبيتها :
-اكيد يا نور نروح سوا وماله، بس بقولك ايه بلاش مشاكل هناك علشان هتبقى مدرسة غريبة، فإيه بقى نخف عصبية
آماءت نور وقد علت على شفتيها بسمة محرجة جعلت ناهد تسأل نفسها، كيف لفتاة خجولة كهذه أن تكون مخيفة حادة الطباع أثناء موجة غضبها؟! صدق المثل الذي قال "اتقي شر الحليم إذا غضب"
ارتفعت الأصوات بالداخل وكأن مشاجرة قد اندلعت فتحركت عبلة من مكانها حتى ترى ماذا يحدث بداخل البهو، وعوضًا عن هذا تراجعت بسرعة ملتصقة بالجدار عندما وجدت حمزة يركض نحوهم بسرعة مخيفة، ضاحكًا بصوت مرتفع وخلفه ظهر يونس صارخًا بتوعد له وبدا كثورٍ هائج
ابتعدت ناهد بسرعة من أمام الباب فكان الأمر أشبه بهجوم ثيران، ولم يتسنى الوقت لنور كي تفهم ماذا يحدث إذ وجدت حمزة أمامها على وشك الخروج فأبتعدت من أمامه مستندة على الباب بيدها
جذب يونس حمزة من ملابسه من الخلف قبل أن يخرج، صافعًا الباب بقوة حتى يمنعه من الخروج قبل أن يحطم عظامه ويسمع صوت تحطيمها أسفل يديه
وتلىٰ هذا صرخة صدرت من نور بعد أن أنغلق الباب على أصابعها وكأن الإسكندرية وسكانها أبوّ أن ترحل من هنا دون أن يتركوا لها جروح وذكريات سيئة
تسأل نفسها أهي منحوسة لهذه الدرجة؟؟ أم أن هذه المدينة المصائب بها كثيرة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أراح عنقه قليلًا حتى يفك تشنجها بعد أن استمر في الجلوس طويلًا على هذه الوضعية الغير مريحة بالمرة، بالله لا يحب أن يكون موظف في إحدى الشركات هكذا بل يحب العمل حرًا كما كان سابقًا فلما يجب أن يُربط بوظيفة ثابتة حتى يتم الزواج
لم يحصل على العمل هنا بواسطة بل لأن لديه خبرة واسعة في مجال البرمجيات نظرًا لتوسعه في المجال حين كان في إنجلترا، وكل هذا كُتب في ملفه مما مكن له القدرة على الحصول على وظيفة مهندس برمجي في شركة الإلكترونيات والبرمجة هذه
سحب هاتفه حتى يبعث رسالة لرقية يرى إن كانت استيقظت أم لا، اعتلت البسمة على وجهه بعد أن رأى رسالة منها قد أرسلتها في وقت متأخر بالليل وقد كانت الرسالة عبارة عن صورة لفستان الخطبة التي ستقام آخر الأسبوع
قد كان الفستان من خامة ثقيلة نظرًا لهذه الأجواء الباردة، به الكثير من البريق مثل فستانين هذه الأيام ولونه كان الجملي الغامق تزخرفه نقوش من اللون الجملي الفاتح على الأكمام وفي منطقة الخصر
كان جميلًا وأجمل ما به أنه ساتر فلا يُظهر أي شئ من جسد التي ترتديه، لقد نفذت طلبه فهو طلب منها ألا تشتري شيئًا قصيرًا أو مفتوحًا، يبدو أن رقية مطيعة أو مثل باقي الفتيات، أخبرها أنه سيغار ولا يريد أن يرى أحد شيئًا منها لذا نفذت الأمر، بقى فقط أمر الحجاب وبالحديث اللين معها قد توافق على الأمر
فصدق المثل الذي قال أن الطريق لقلب المرأة هى أذنها، اسمِّعها أجمل الكلام وستمتلك قلبها وتفكيرها بسهولة
أرسل إليها رسالة مختصرة يعبر بها عن إعجابه بالفستان
"حلو أوي بس ناقص حاجة"
كانت متصلة الآن بالإنترنت لذا أجابت سريعًا فور أن سمعت الرسالة
"ناقص ايه؟؟"
"الطرحة يا رقية"
قرأت الأخرى الرسالة وذمت شفتيها، لا تعلم لما لا تريد أن ترتدي الحجاب ليست مقتنعة كفاية لتأخذ خطوة كهذه، أغلقت الهاتف ولم ترد على رسالته ثم نظرت إلى يمينها حيث نافذة السيارة التي تطل على الشوارع الصاخبة كالمعتاد في هذا الصباح
رن هاتفها برسالة أخرى منه ففتحت الهاتف لتقرأ محتواها
"معجبكيش الكلام؟!"
"بفكر فيه"
تحدثت يوسف بجانبها وقد علم أن من تحادثه عمر نظرًا للأسم المكتوب
انتي بتكلمي عمر؟!
-آه
-يا أدي عمر
نطقت بها بضيق وهو ينظر إلى الطريق أمامه فقالت رقية متعجبة ضيقه هو ويونس كلما رأوها تحادث عمر، وفي الواقع لا يعجبها الأمر فلما هما ضائقان هكذا؟؟ وهل السبب يعود لأنها كانت تقابل عمر دون علمهم، ألا يزالان حانقان على الأمر حتى بعد إعتذارها والاعتراف بأنها مخطئة :
-هو انت ويونس ليه مش طايقين عمر؟؟ ليه كل ما تشوفوني بكلمه بتضايقوا؟!
ولو سألت هذا السؤال ليونس لراوغ عن الإجابة الحقيقة بإستفزازه المعتاد، ولكنه رجل مباشر لا يحب المراوغة لذا قال بصراحة مفرطة :
-علشان هو هياخدك مننا طبيعي نبقى مضايقين منه، حتى بابا مضايق بس بيخبي
رمشت رقية بأهدابها عدة مرات تستوعب ما نطق به، ولم تلبث لثوانٍ إلا وعلت صوت ضحكاتها في السيارة، فنظر لها يوسف بطرف عينيه متهكمًا من ضحكاتها ثم قال :
-ايه اللي يضحك معلش؟!
-إنكم غيرانين عليا من عمر، علشان كده وإحنا بنختار الشبكة كان يونس ضارب بوز، ولما عمر يتصل عليا تقلبوا وشكم انتوا الاتنين
أماء يوسف بهدوء معترفًا بحقيقة أنهما يشعران بالغيرة على شقيقتهما الصغيرة، فكرة أن هناك رجل سيأخدها من المنزل غير متقبلة بعد وتزعجهم بشدة، نظر إلى رقية التي كانت تطالعه ببسمة تكاد تشق وجهها إلى نصفين وباتت القلوب الحمراء تتطاير من عينيه فقال متعجبًا هذا الوجه :
-فيه ايه؟!
-أول مرة أشوفك انت ويونس باللطافة دي
هجمت عليه بعناق قوي على أثره تمسك يوسف بالعجلة حتى لا تنحرف السيارة منه صائحًا بهذه المجنونة التي تعانقه أثناء القيادة :
-يخربيتك هنعمل حادثة اوعي
قهقهت رقية ومر على خيالها تخيل ليوم الزفاف وهى تودع والديها واخويها، وهذا التخيل البسيط جعل ضحكاتها تنخفض تدريجيًا، مبتعدة عن يوسف وقد شردت وجمدت ملامحها من المشاعر المختلطة التي أصابتها
لم تتخيل يومًا كيف سيكون يوم الوداع هذا وفي الواقع أصابتها رهبة من الموقف وهو بالفعل يستحق هذه الرهبة، أن تودع أهلك وأحبائك والمكان الذي قضيت به طفولتك ومراهقتك لكي تبدأ من جديد مع أشخاص جدد وفي منزل جديد لست معتاد عليه، إنه لأمر صعب ويخيف بشدة
وعلى أثر تخيلاتها هذه أدمعت عينيها فجأة وحالة من الرفض انتابتها، لهما الحق اخويها بأن يشعروا بالضيق فهى أيضًا شعرت بضيق شديد في صدرها من فكرة رحيلها عن المنزل، وأن تفتح صفحة جديدة في كتابها تبدأ بها من الصفر
توقف يوسف بسيارته على جنب، محدقًا في الدموع التي بدأت تتجمع داخل مقلتي شقيقته :
-بتعطي ليه دلوقتي؟؟ علشان انا ويونس غيرانين من عمر؟!
نفت رقية برأسها بهزة بسيطة ثم قالت بما يدور في خلدها :
-الفرح آخر الشهر يعني بعد تلات أسابيع، يعني همشي واسيب البيت، يعني مش هرجع من الشغل ألاقي ماما عاملة الغداء، يعني مش هستنى يونس يرجع من الشغل علشان ارخم عليه، انا لو تعبت مش هلاقيك معايا انتي وبابا علشان تدوني الدواء، انا هسيب البيت وامشي يا يوسف، انا مش مستعدة لده
تفاجأ يوسف ببكاءها الغير متوقع، ألم تكن تضحك منذ ثواني فلما هذا الانقلاب المفاجئ؟؟
ربت على كتفها بحنو ثم قال ممازحًا إياها حتى تكف عن هذا البكاء :
-بس يا هبلة بتعيطي علشان هتسيبي البيت وتمشي، يعني انتي مثلًا مهاجرة دي كلها ساعة بالعربية ونبقى عندك
سحبت رقية عدة مناديل من العلبة الموضوعة في السيارة ثم قالت :
-لأ ساعة كتير انا هقول لعمر يجي يسكن هنا في ميامي علشان ابقى جنبكم وكل يوم تيجوا تزوروني وانا هنطلكم كل يوم
تبسم يوسف عليها فما تقوله لن يحدث مهما وعدت وقالت، فبعد الزواج ستنشغل بزوجها وأبنائها وحياتها ولن يروها إلا كل أسبوع مرة أو أقل من هذا، وهكذا هى الحياة ولن تتغير :
-هتيجي تزورينا ونيجي نزورك آه بس مش كل يوم، انتي شوفتي حمزة وكريم بيزوروا غادة كل يوم أو ماما نفسها كانت بتروح بيت جدي الله يرحمه كل يوم؟!
نفت مرة أخرى وعادت الدموع تتجمع في عينيها ثانيةً عندما أضاف :
-ومش هينفع عمر يجي هنا علشان شقته جاهزة متقدريش تحكمي عليه يسيب شقته الجاهزة ويشتري شقة تاني هنا، ثم إنه يشتري شقة هنا صعب جدًا وانتي عارفة، هتتعودي على الوضع الجديد متخافيش، أكيد كل البنات كانت كده اتعودت فخوفك من اليوم ده طبيعي جدًا، وبعدين بصي على الإيجابيات على الأقل هتبقى جنبنا في إسكندرية مش هتتغربي في محافظة تانية
وجمت ملامح رقية بشدة فضحك يوسف عليها بخفة ثم خرج من السيارة حتى يأتي بشئ بعد ملاحظته أنه يقف بجانب سوبر ماركت، فتحت هاتفها بعد أن راسلها عمر بعدة رسائل وهي لم ترد
كادت أن تحادثه في الموضوع ولكنها تراجعت فيوسف محق فيما قال، لا تستطيع أن تطلب منه أن يبيع شقته الجاهزة ويشتري أخرى في ميامي فالشقق هنا باهظة الثمن قد لا يقدر عليها
وعليها بالفعل أن تنظر إلى الإيجابيات هى ستسكن في نفس المحافظة وسيأتوا كثيرًا لزيارتها وليس مثل زوجة عمها أسماء التي تركت الصعيد وتزوجت في الإسكندرية ويأتي اخوتها كل عام أو اثنين مرة لزيارتها، بينما هى لا تذهب إلى الصعيد إلا في المناسبات الخاصة أو كل ثلاث أعوام مرة
عاد يوسف وفي يده كيس أبيض به عدد من أنواع الشوكولاتة والبسكويت، ابتسمت رقية بشدة عندما أعطاه لها فشكرته بحرارة قائلة :
-ده كله ليا؟!
أغلق يوسف الباب ثم شغل السيارة مجددًا معدلًا على كلامها :
-لأ نصهم ليكي والنص التاني لبراءة
اعتلىٰ الخبث على وجهها ناكزة أخيها الرومانسي اللطيف ولتوها تكتشف به هذه الصفة، هنيئًا لبراءة على زوجٍ كهذا :
-ايوه يا عم بقى وجايبلها شوكولاتة ديري ميلك، وكيت كات، ده ايه البزخ اللي انت فيه ده؟؟ إما عمرك جبتلي حاجة زي كده؟!
نطقت بتعجب حقيقي ليقول الآخر بسخط عليها :
-بطلي كذب اومال اللي في إيدك ده يبقى ايه؟! ثم انا معرفش ايه النوع اللي بتحبه فجبتلها أحسن حاجة موجودة، تفتكري الشوكولاتة هتعجبها أصلًا؟؟
قسمت رقية بالعدل وتركت نصيب براءة داخل الكيس وهى أخذت تأكل من نصيبها تزامنًا مع الإجابة عليه :
-سبق وقالتلي إنها دايسة في كل حاجة ثم دي شوكولاتة يا بابا ومفيش بنت مش بتحب الشوكولاتة، حتى لو ملهاش فيها أوي تعتبر الشوكولاتة أفضل هدية تقدمها لبنت وبصراحة ذوقك حلو في الاختيار
ضحكت بشكل مفاجئ وهى تقطم من الشوكولاتة في يدها ثم قالت :
-انا بشفق على اللي هيتجوزها يونس مستقبلًا علشان هو ملوش أبدًا في الحاجات دي ولا بيعرف يجيب هدية ولا يقول كلام حلو وكمان عصبي، سبحان اللي خالقكم توأم في الشكل بس شتات في الشخصية
ابتسم يوسف بسمة جانبية ظهرت على جانب ثغره ثم صمت صمت غريب فقالت رقية متسائلة :
-سكت كده ليه؟؟
تنهد الآخر ثم قال :
-يونس مخنوق ومتضايق بقاله كذا يوم، انتي هتتجوزي وانا برضو هتجوز ويونس هيبقى لوحده، انا حتى لو هبقى فوقه بكام دور برضو هيحس إنه لوحده
همهمت رقية بتفهم فيونس مزاجه متغير هذه الأيام لهذا السبب :
-فعلًا معاك حق لازم نشوفله عروسة، بس تفتكر هيوافق بجوازة الصالونات؟؟
-هو مش هيوافق بالجواز على الوجه العام علشان لسه معملش موف أون من العلاقة الأولى
أخرجت رقية صوتًا ساخرًا من فمها ثم قالت :
-ست سنين ومعملش موف أون وخلاص داخل على التلاتين هيستنى الأربعين ولا ايه؟!
توقف يوسف بسيارته أمام المحطة ثم قال :
-أهو أمك كل ما تكلمه في الموضوع ده يقول لسه بدري وبابا اتجوز وهو عنده تلاتة وتلاتين سنة
نظرت رقية للخارج نحو المحطة وقد غيرت مجرى الحديث إذ قالت :
-هى براءة تعرف إنك جاي توصلها
-آه اتصلت على عمك محفوظ علشان يجي ياخدها من نص ساعة وقالت إنها في القطر وعلى وصول
نطق بها بهدوء وهو يأتي برقم براءة حتى يعلم أين وصلت فقالت رقية غامزة له :
-وانت طلعت في النص وقولت أروح انا اجيبها، خبيث يلاه!! بس ما كنت روحت وحدك اخدتني معاك ليه؟؟
وأجابها الآخر وهو يرن على براءة والتي لا تجيب على الهاتف وعلى الأرجح لا تسمعه من صوت القطار :
-شرط عمك إن مروحش اجيبها وحدي وكده فقولتلك تعالي معايا
خرجت رقية من السيارة ثم ولجت إلى المحطة مبصرة براءة تقف في انتظار وصول زوج عمتها ولكنها وجدت رقية تظهر أمامها من اللامكان مبتسمة لها بإتساع نفس ابتسامتها المعتادة :
-حمد الله على السلامة يا براءة، إسكندرية نورت
ابتسمت لها الأخرى بمجاملة ثم ردت عليها :
-الله يسلمك، هو انتي جيتي انتي ويوسف بعتلي رسالة وقالي إنه جاي
تقدمت رقية أمامها مبتسمة بمكر ثم قالت :
-لأ يوسف مجاش بس جيت انا ويونس
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب وشئٍ من التذمر، لقد راسلها منذ نصف ساعة وقال أنه سيأتي ليأخذها فلما أرسل شقيقه؟!
ابتسم يوسف بإتساع وتوقف قبل أن يلج للمحطة، مبصرًا شقيقته تعود وخلفها براءة، وقبل أن ينبس بكلمة قالت براءة بهدوء دون النظر إليه ملقية عليه التحية، ولكن بطريقة اصطناعية وكأنها مجاملة ولم تتحدث معه من قبل بهذه النبرة وكأنه غريب عنها :
-صباح الخير
شعر يوسف بأن هناك خطأ ما خاصةً أن شقيقته تنظر بحماس وترقب لهذه المحادثة العادية من وجهة نظره :
-حمد الله على السلامة يا براءة عاملة ايه النهاردة، بقيتي كويسة من دور البرد صح؟؟
تعجبت براءة كثرة الأسئلة هذه منه، هى لم تتعامل كثيرًا مع يونس بل لم تتعامل معه من الأساس فتقتصر عدد مقابلاتها معه على التجمعات التي كان هو بها، وبما أنها أصبحت خطيبة شقيقه فمن العادي أن يسأل عن أحوالها كمجاملة، ولكن ليس بهذه النبرة الحانية الهادئة وكأنه يخاطب حبيبته
تعجب يوسف نظراته لها وكأنه أخطأ في شئ وهنا لم تعد تتحمل رقية الصمت أكثر وضم ضحكاتها، لتضحك بملئ فاهها على هذا المشهد اللطيف فيبدو أن براءة ستعاني مستقبلًا في التفرقة بين يونس ويوسف
حدق بها الاثنين بدهشة تزامنًا مع قولها :
-براءة انتي تعرفي مين ده؟!
-مين ازاي!؟ مش قولتي جوا إنك جيتي مع يونس!!
نطقت بها بإستفهام فقالت رقية بعدما خفتت ضحكها :
-وانتي بقالك تسع شهور مع يوسف متعرفيش تفرقي بينه وبين يونس!؟
ولم يصدر أي رد فعل من براءة غير أنها رفعت اصبعها تشير إلى يوسف الذي كان يبتسم هذه البسمة الهادئة الجذابة خاصته :
-يعني ده يوسف؟!
اقترب يوسف من السيارة قاطعًا هذا الحوار :
-آه انا يوسف اللي معاكي بقاله شهور ومش عارفة فرق بينه وبين أخوه بس ملومكيش بصراحة، إحنا فعلًا شبه بعض أوي
فتح باب السيارة لها حتى تدلف لتخالفه الأخرى وفتحت باب السيارة الخلفي وجلست بالخلف وليس بجانبه قائلة بحرج :
-معلش بس انا هقعد وراء
شعر يوسف بأنها أحرجته ورغم هذا امتثل لها وجلس أمام عجلة القيادة، مخرجًا الشوكولاتة من الكيس وقدمها لها في الخلف، هاتفًا ببسمة :
-اتفضلي هدية رجوعك لإسكندرية
التقطتها منه براءة مبتسمًا بإندهاش فلم يسبق أن أحضر شابًا لها هدية، وايضًا هذه الشوكولاتة باهظة لا تراها إلا في ذكرى ميلادها، شغل يوسف السيارة بعد أن صعدت رقية مستفسرًا عن رأيها :
-عجبتك؟؟
همهمت براءة بإعجاب حقيقي وهى تخرج هاتفها وحمد لله أنه لا يزال محتفظًا بالبعض من البطارية حتى تلتقط صورة لأول هدية من يوسف :
-شكرًا كلفت نفسك والله
تعجب الآخر أنها تصور الشوكولاتة فسألها بفضول لما تفعل هذا لتجيب الأخرى بألطف جملة سمعها منها :
-علشان احتفظ بذكرى أول هدية جبتها ليا، يعني لو هيبقى لينا نصيب نكمل مع بعض هتبقى ذكرى حلوة
اتسعت البسمة على وجه يوسف بشدة لتقوم رقية بوضع السماعات في أذنها، مستندة برأسها على النافذة ونظرها للخارج حتى تترك لهما مساحة شخصية للتحدث دون أن تكون عازل بينهما، ابتسم على فطنة شقيقته، ناظرًا في المرآة الأمامية إلى براءة في الخلف والتي كانت توثق هذه الذكرى فقال :
-فطرتي ولا نروح مكان تفطري فيه
-لأ مفطرتش بس عايزة أروح علشان الليل كله في القطر والنومة مكنتش مريحة يعني فعايزة أنام
آماء يوسف بتفهم يراها تضع الشوكولاتة في حقيبتها حتى تتناولها لاحقًا، فكر كثيرًا فيما سيقوله فالطريق لا يزال طويلًا ورقية أعطت له فرصة حتى يتحدث معها بحرية إذًا فلما لا يجد أي كلام، نادى على براءة ناطقًا بما يدور في خلده وبكل عفوية :
-براءة
همهمت الأخرى رافعة رأسها له وهى تمسح نظارتها من الغبار قبل أن تتورد وجنتيها خجلًا مما قاله لاحقًا، مصحوبًا ببسمته الهادئة :
-وحشتيني علفكرة
وفي هذه اللحظة لم تعلم ماذا تقول براءة، أجل تعلم ما الكلمة التي تلي هذه في العادة ولكن إن قطعها إربًا لن تقولها، ابتسم يوسف مراعيًا خجلها الواضح ولم يضغط عليها في الإجابة بل غير الموضوع قائلًا :
-انا ويونس شبه بعض جدًا في الشكل يكاد يكون مفيش فرق بينا بس شخصيتنا مختلفة عن بعض وهتلاحظي ده مع الوقت بس أقولك على حاجة تعرفي بيها تفرقي بسهولة
آماءت براءة بصمت رغم تركيزها فيما يقول فقال يوسف وهو ينظر إلى عينيها في المرآة الأمامية :
-لو كنت انا ويونس قدامك ولقيتي واحد فينا عينيه في عينيكي زي واحد بيبص لحبيبته اعرفي إنه انا علشان يونس مش هيبصلك زي ما انا هبصلك يا براءة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرجت من المدرج بعد أن أنهت اختبارها وعلى ثغرها بسمة راضية أنها قد أجابت عن الأسئلة، ربما ليست جميع الإجابات صحيحة ولكنها على الأقل أجابت، وكل هذا يعود إلى المعيد عاصم والذي يساندها في إعادة شرح الدروس التي تقف معها بل ويساندها نفسيًا أيضًا
تكن الكثير لهذا الرجل فهو يساعدها على تخطي مرحلة الاكتئاب هذه وهى بالفعل بدأت تشعر بتحسن ملحوظ منذ أن افرغت طاقتها المكبوتة في ذلك الجار المتحرش منذ يومين، وتحدث عاصم معها طوال هذان اليومين عن محاولة التفكير في شئ إيجابي يساعدها بالإبتعاد عن التفكير فيما حدث
اتجهت إلى مكتب المعيدين حيث طلب منها عاصم الحضور بعد الإختبار وهى لم تمانع، وهذا لسببين أنها لا تجلس معه في مكان منغلق عليهما بل في مكان به أكثر من شخص فهو ليس مكتبه بمفرده بل مكتب لباقي المعيدين، إذًا لن تكون خلوة
والسبب الثاني هو أنها تذهب له من أجل مراجعة الإمتحان ولجلسة نفسية مجانية منه تتحدث معه بها عن مشاعرها، هذا الرجل حقًا مثالي وطيب القلب ولطيف بشدة، لا تعلم كيف هو مطلق فمن الحمقاء التي تترك رجلًا كهذا
طرقت الباب ثم تلقت دعوة بالدخول من عاصم والذي كان يجلس رفقة زميلين آخرين له وهذا ما جعلها تدلف مرتاحة البال، ابتسم عاصم بشدة لرؤيتها حتى أنه ترك ما بيده مواليًا تركيزه لها :
-صباح الخير عملتي ايه في الإمتحان؟!
جلست شروق في المقعد المقابل للمكتب الذي يجلس عليه عاصم قائلة :
-الحمد لله يا دكتور حليت اللي قدرت عليه
-بصي انا اتمنى إنك تجيبي إمتياز بس لو درجاتك كانت أقل من كده انا مش عايزك تزعلي أو تتضايقي لأن اللي حصلك مش سهل ووجودك هنا بعد أسبوع بس من الحادثة إنجاز كبير، انتي قوية يا شروق
تبسمت له الأخرى بإمتنان حقيقي شاكرة إياه بصدقٍ إذ قالت :
-شكرًا يا دكتور، بس هو انت طلبتني ليه؟!
اعتدل عاصم في جلسته ثم نظر حوله إلى الموجدين إذ رحل زميله من أجل اللجنة التي ستبدأ بينما زميلته الأخرى كانت تجلس وعلى رأسها سماعة أي لا تنتبه لهما من الأساس
وقف منتقلًا من خلف المكتب وقد سحب مقعد حتى يجلس مقابلتها، توجست شروق محتفظة بمساحة مناسبة ثم انتبهت لما يقول عاصم إذ بعد أن جلس قال بشئٍ من الارتباك :
-شروق هو انا ينفع اخد رقم والدك
ولتكن صريحة لم تفهم لما يريد الرقم فلم يأتي على بالها ولو لجزءٍ من الثانية أن عاصم يفكر بها بطريقة أبعد ما يكون عن معيد وطالبته، لذا سألته مستفهمة عن السبب :
-ليه يا دكتور؟؟
تنفس الآخر بهدوء يهئ نفسه لما يقول متوقع الرفض منها ولكن عليه أن يفعل هذا حتى لا يشعر بتأنيب ضمير لاحقًا :
-انا عايز الرقم علشان انا عايز اتقدملك
ظنت شروق أنها أخطأت السمع لذا أعادت سؤاله مرة أخرى عن السبب مدعية أنها لم تسمع ما قاله :
-انت قولت عايزه ليه؟؟
تنهد عاصم بتوتر يعلم أنها سمعته لكن ما قاله يبدو عجيبًا عليها لذا سألته مرة أخرى :
-انا عايز اتقدملك يا شروق علشان كده عايز رقم والدك
ازدردت لعابها الذي جف من الصدمة، تحرك أهدابها بتوتر شديد، لقد حطم جميع توقعاتها بل وحطم صورته أمامها، فكيف معيد في منتصف الثلاثينات أن يطلب الزواج من طالبته التي لم تبدأ العشرين من عمرها بعد، يبدو أنه متأثر بالأفلام والمسلسلات التركية فما يقوله بعيد عن الواقع
تنفست بعمق تحاول أن تهدئ نفسها مدعية الجدية الشديدة :
-دكتور انت عارف انا عندي كام سنة؟؟
-عشرين؟!
نطق بها مخمنًا عمرها لتقول الأخرى بحدة حاولت أن تخفضها قليلًا فـفي النهاية هى تتكلم مع أستاذها :
-انا لسه عندي ١٩ سنة وحضرتك اتجوزت وخلفت وطلقت زي ما اللي في الكلية عارفين وانا لسه مبدأتش حياتي حتى، مش شايف إن الموضوع ده فيه ظلم ليا؟؟
ابتأس عاصم من قولها، توقع منها الرفض ولكن شعور داخل قلبه كان يتوقع ولو حتى بنسبة ١٪ أن تقبل الأمر، لن يهين رجولته وكرامته أكثر من هذا فقالتها صراحةً أنها ترفض، لذا وقف من مكانه ملتقطًا جاهز الحاسوب الخاص به ثم قال :
-اعتبري نفسك مسمعتيش حاجة انا آسف
رحل عن المكتب وتركها بينما ظلت شروق في مكانها تحدق في أثره بعدم تصديق لما حدث الآن، تقسم أنها لم تراه سوى أستاذ لها ولم تتعامل معه بأريحية من قبل بل كانت تراعي الحدود بينهما وبين أي شاب آخر في الجامعة، فكيف له أن يفكر بها هكذا والفرق بينهما ليس أقل من ١٥ عام وهذا الفرق ليس بقليل حتى تقبل بظلم كهذا لها
كان عليه أن يفكر مستقبلًا، أجل هو الآن في شبابه وهى لم تبدأ شبابها بعد ولكن بعد عشر سنوات سيكون هو في منتصف الأربعينات بينما هى لا تزال في ريعان شبابها، هذه المعادلة غير موزونة وإن حدث زواج سيكون هناك ظلم للمرأة فالزواج لا يقتصر على رجل وامرأة فقط
ربما الأمر ليس محرم ولكنها لا ترى أنه طبيعي أو مقبول، على الأقل بالنسبة إليها
وقفت من مكانها حتى تعود للمنزل وقد ارتدت حقيبتها بالتزامن مع ولوج شاب متخفي أسفل قبعة، لا تكذب إن قالت أنها لم تهتم له فمنذ الحادث الأخير والقبعات من هذا النوع تستدعي انتباهها لأن السفاح كان يتخفى أسفل واحدة مثلها
ولم يكن حدسها يكذب هذه المرة إذ ما إن رفع الآخر رأسه لها وقابلت هذه الأعين الزرقاء حتى صرخت بفزع حقيقي متراجعة للخلف
انتبهت المعيدة التي تجلس على صوت صراخها لتنزع عنها السماعات هاتفة بإندهاش لرعب شروق الواضح وكأنها تبصر أمامها عفريتًا :
-فيه ايه يا بنتي بتصرُخي كده ليه؟!
-معلش خايفة مني
نطق بها كاظم بهدوء شديد وهو يخرج سلاحه من جيبه وقد سبق وأن وضع به كاتم للصوت، فزعت المعيدة لما تراه وقد رفعت سماعة الهاتف التي أمامها تتصل على أمن الكلية، ولم تخرج من فمها سوى كلمة "الو" وبعدها سقط جسدها أرضًا، تتوسط جبينها رصاصة
لم يبالي كاظم بها كثيرًا أو بالدماء التي أخذت تزحف أرضًا بعدما سقطت كجثة هامدة، أخذ يبحث عنها بعينيه ولكنها لم يجدها، تقدم للأمام يبحث عنها أسفل المكاتب وقد سهى عن إغلاق الباب أو ربما هذا من رحمة الله على شروق إذ أخذت تزحف أرضًا نحو الباب وغريزة البقاء على قيد الحياة هى ما كانت تزيد الادرينالين داخل دمها
خرجت من المكتب زحفًا كما هى حتى لا يراها، وما إن أصبحت بالممر حتى كادت أن تصرخ بعلو صوتها حتى ينجدها أحد ولكن لم يكن هناك أي شخص من الأساس فالكلية بأكملها لا يوجد بها سوى أعداد قليلة من الطلبة لأنها فترة اختبارات، والآن هم بداخل المدرجات من أجل الإختبار
إذًا هى هالكة
فتحت أقرب باب لها حتى تختبئ خلفه تزامنًا مع خروج كاظم من المكتب بعد أن علم أنها خرجت من الباب المفتوح، نظرًا يمينًا ويسارًا ولم يجد أحدًا، وخبرته في هذا المجال أخبرته أنها لم تبتعد فالمكتب يقع في منتصف الممر أي إن كانت ركضت في أي إتجاه كان ليراها أو حتى يسمع وقع خطواتها
اقترب من الأبواب الموجودة وأخذ يفتحها واحدً تل والآخر، بينما داخل الغرفة الصغيرة التي اختبأت بها شروق بحثت عن شئ ثقيل تسد به الباب ولكنها لم تجد سوى أدوات النظافة، أخرجت هاتفها ووضعته على الوضع الصامت حين وجدت أن يونس يتصل عليها لأول مرة
أجابته بسرعة وحاولت قدر الإمكان أن تخفض نبرتها حين استمعت إلى صوته على الناحية الأخرى يقول بنبرة بدت لها ملهوفة :
-شروق انتي فين؟؟
-انا في الكلية الحقني ده رجع وعايز يقتلني، ده قتل المعيدة
نطقت بها بنبرة مرتعبة متقطعة فقال الآخر بعد ثواني :
-انتي فين بالظبط متبقيش لوحدك حاولي تبقي في تجمع.... ألو
سالت الدموع من عينيها برعب حقيقي تجربه لثاني مرة في حياتها ترى المقبض يتحرك ثم أطل منه كاظم حتى يرى إن كانت بالداخل أم لا
توقف الوقت، وتوقفت حواسها، وتوقف تنفسها تراه ينظر إليها بهذه الأعين الزرقاء المخيفة وهذه البسمة المنتصرة وكأنه يخبرها بها أن لا مفر بعد أن وجدها فهى الآن هالكة
الشئ الوحيد الذي لم يتوقف هى دموعها التي زادت في الهطول، وصوت يونس على الهاتف....
(الفصول اللي فاتت كانت فراشات وضحك وأجواء مرحة، ندخل على المصايب بقلب تقيل بقى)
