اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل السابع والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

استمعت إلى صوت ارتطام جسدٍ وهي تصعد إلى الأعلى، فأسرعت من خُطّاها حتى بلّغت طابق شقة أخيها، شهقت بذعرٍ عندما وجدت والدتها مُلقاه على الأرض، هرّعت إليها وهي تُردد بهلعٍ:
_ ماما، ماما ردي عليا

وبعد محاولاتٍ لم تُجيبها هناء، فهرولت نحو الباب وقامت بالطرق عليه بعنفٍ حتى فتح لها والدها واستنكر أسلوبها الغير أخلاقي وقبل أن يَلُومها سقط بصره على تلك المُلقاه وهتف بصدمةٍ:
_ أمك مالها؟

_ مش عارفة، أنا كنت طالعة وسمعت صوت وبعدها لقيتها واقعة على الأرض كدا..
قالتها خلود بنبرةٍ مهزوزة تخشى حدوث مكروه لوالدتها، بينما أسرع محمد إلى زوجته وجسّى على رُكبتيه ثم عمِل على إعادة رشدها بندائه وضربه الخفيف على وجهها.

وعندما فشل في إيفاقتها رفع رأسه وأمّر ابنته بتوجسٍ ولهفة:
_ ادخلي هاتي إزازة برفان من جوا بسرعة...

امتثلت خلود أمره وولجت البيت بخُطواتٍ غير مستقيمة مهرولة إلى غرفة ليلى، وقفت أمام الجميع بوجهٍ شاحب اختفت منه الدموية، ومن بين أنفاسها اللاهثة هتفت بتعلثمٍ:
_ ماما.. عايزة برفان.. أصلها مش بترد..

قطبوا الآخرين جبينهم بغرابةٍ فلم يفهموا ما ترمي إليه، بينما وجهت ليلى حديثها إلى خلود متسائلة باهتمامٍ:
_ اهدي يا خلود إحنا مش فاهمين حاجة، في إيه؟

شهيقًا وزفيرًا فعّلت خلود قبل أن تُجيبها قائلة وهي تُشير إلى الخارج:
_ ماما واقعة برا، عايزة برفان يفوقها..

تفاجئوا بما سمعوه، ثم هتفت ليلى وهي تُشير بيدها إلى مِنضدة الزينة وهتفت:
_ خدي اللي أنتِ عايزاه من هناك..

فتوجهت خلود نحوها والتقطت أحد القنانِي التي تعلوها وعاودت بأدراجِها حيث والدها، ناولته إياها ووقفت تشاهد ما يفعله بخوفٍ بالغ خشية عدم استيقاظ والدتها.

في الداخل؛ نظرت ليلى إلى شقيقتها برجاء، فاستشفت الأخرى ما تريد قبل أن تطلبه وصاحت مُبدية رفضها:
_ لأ، متطلبيش مني أساعد الست الحرباية دي، أهون عليا تموت ولا إني أساعدها!!

تلك الأثناء تدخل والدهن بوضعه ذراعه على ظهر سمر قبل أن يحثها على المساعدة:
_ روحي يا بنتي لو تقدري تعملي حاجة اعمليها، اعتبريه شغل، معلش..

تناوبت سمر بنظراتها بينهما والغيظ يترنج في عينيها؛ ثم خرجت من الغرفة على مضضٍ حتى بلغت مكان تواجُد الآخرين، فقالت بصوتٍ حاد:
_ بعد إذنك يا عمي سيبني أشوفها..

_ تعالي يا بنتي كتر خيرك، والله كنت ناسي إنك ممرضة...
هتفها محمد مُمتنًا، ثم تنحى جانبًا فأخذت سمر تتفقدها وتحاول إيفاقتها ببعض الطُرق حتى نجحت، وما أن وجدتها سمر تستعيد وعيّها حتى انصرفت سريعًا فلم تحب أن تتقابل أعينهن معًا بينما أسرعت خلود إلى والدتها وهتفت متسائلة:
_ أنتِ كويسة يا ماما؟

رفعت هناء رأسها وتفقدت المكان من حولها قبل أن تتساءل بتيِه:
_ هو إيه اللي حصل؟

_ وقعتي، وسمر أخت ليلى اللي خليتك تفوقي..
أجابتها بلهفةٍ ثم استمعن كلتاهن إلى حديث محمد الصارم:
_ قومي يا خلود نزلي والدتك تحت..

تفقدت هناء ملامحه التي يكسُوها غمامة من الجفاء، وعينيه التي تحملان عتابًا ثقيلًا لم تفصح عنها شفاه، فكان يتحاشى النظر عنها، فتيقنت هناء أن هناك فجوة عميقة في قلبه وستكون حاجزًا بينهما في الأيام المُقبلة.

نهضت هناء برفقة خلود، ثم ترجلت درجات السُلم وعينيها تختلس نظرةً بين الحين والآخر على زوجها الذي لا يهتم لها، فشعّرت بغصّة مريرة في حلقها وتأكدت أنها افتعّلت أمرًا فادحًا حتى تتلقى ذلك التجاهل الخاص منه.

بينما أعادت سمر قنينة العطر وهي تردد بمقتٍ:
_ خسارة الشوية اللي اترشوا عليها والله..

استنكر والدها حديثها وعاتبها بقدر محبته لها:
_ عيب كدا يا سمر، مش بنتشفى في المرض يا بنتي.. المهم كان مالها؟

رفعت كِلتى كتفيها قبل أن ترد باقتضاب:
_ معرفش، أنا فوقتها وبس..

أماء أسعد بتفهمٍ قبل أن يُوجه نظراته إلى ليلى التي انكمّشت في نفسها خجلًا منه، هربت بأنظارها عنه فلم تتحلّى بالجُرأة التي تُواجهه بها بعد أن فُضح أمرها ومعرفته بمجيِئها إلى هنا دون عِلمه..

بينما لم ينطق الآخر بحرفٍ فلقد خذّلته لكنه لم يرضى توجيه أيّ عتابٍ لها في مثل حالتها تلك، يكفي ما عاشته من خلفه أفعال زوجها التي لا تُحتمل.

في الطابق الأول؛ حيث غرفة هناء، جلست على الفراش وقد استندت برأسها على الوسادة التي وضعتها لها خلود خلف ظهرها، فكانت متعبة وتشعر بالدماء تفر من رأسها، ثم انتبهت على دخول زوجها فانسحبت خلود إلى الخارج بينما تابع هو تبديل ملابسه حتى يذهب إلى عملِه.

لم ترفع عينيها عنه البتّة، بل كانت تُتابع حركته بقلبٍ حزين لعدم تحدّثُه معها، ابتلعت ريقها وبصوتٍ مُتعب تساءلت:
_ أنت زعلان مني؟

_ وأزعل منك ليه؟ عملتي حاجة غلط مثلًا؟ ولا يعني لغيتي وجودي قدام الناس ورديتي على أبو ليلى وأنا كنت واقف بتفرج زيي زي شُرابة الخُرج بينكم؟ ولا مثلًا مثلًا فضحتي مرات ابنك اللي هي المفروض في مقام بنتك؟!
أزعل على أنهي واحدة بالتحديد؟
أردفهم بخشونة وأسلوبٍ حاد، بينما حاولت هناء تبرير وضعها:
_ أنا بس كنت..

قاطعها محمد باستنكارٍ شديد وصاح بحُنقٍ:
_ أنتِ طبعًا مكنتيش عايزة تشغليني فقولتي تلغي وجودي خالص وتطلعيني مليش ستين لازمة، مش كدا!!

استدار بجسده ورمقها بنظراتٍ مُشتعلة قبل أن يُعاود الحديث باندفاعٍ بالغ:
_ تصدقي بالله لولا إن العيال هيزعلوا لو مشيتك من بيتك وشكلهم هيكون وحش قدام اللي معاهم مكنتش اترددت لحظة بعد عمايلك دي، بس أنا هعمل بحكم ربنا " واهجروهن في الْمَضَاجِعِ "
ومن هنا ورايح أنا في أوضة وأنتِ في أوضة وملكيش عندي غير إلتزمات البيت وبس..

أنهى جملته مع انتهاء ارتدائه آخر قطعة من ملابسه، ثم توجه إلى الخارج دون إضافة المزيد تحت نظراتها المصدومة تاركًا إياها تتخبط بين إعادة أفعالها وندّمِها على عدم حِرصها.

***

كانت تمر بين الغرف تتقفد مرضاها المُصابين في الحادث الأخير، ولجت آخر غرفة مُصاب، وقد لاحظت ضجّة مُريبة هدأت تدريجيًا فور دخولها، ابتسمت في وجوه عائلة المريض وقالت بعملية:
_ حمد لله على سلامته، أنا دكتورة صبا جاية أتابع وضعه..

_ اتفضلي يا دكتور..
قالتها إمرأة خمنت صبا أنها والدته بسبب مُجاورتها له وخوفها الظاهر؛ بدأت صبا تتفحص الشاب بينما هلل والده من خلفهم مُتمتمًا بضياع وغضبٍ عارم:
_ مش عارف أعمل إيه بس..

فتشنجت تقاسيم زوجته وهتفت بغيظ حاولت كظمه:
_ إهدى بقى يا مجدي مش كدا، حصل اللي حصل المهم إن ابننا كويس..

وكأن كلماتها كانت وقودًا سقط على نيران غضبه الخامدة فأشعلها، حيث تفاجئت صبا بصياحه الذي أخافها لوهلةٍ:
_ ابننا كويس!! الحمد لله إنه كويس، بس أنا بقى أعمل إيه في الناس اللي عمالة تلومني على إصابات ولادها دي؟ ولا أعمل إيه في العربيات اللي اتدشدشت في السباق اللي ابنك كان مشرف عليه!!
السباقات اللي أنا قولت عليها قبل كدا ١٠٠ مرة لأ عشان عارف إن دي نهايتها؟
قوليلي أغطي تكاليف المستشفى والمركز اللي هيصلح العربيات كل دا إزاي؟ دي خسارة كبيرة أوي..

ردّ عليه ابنه المُصاب بوقاحة:
_ أنت برده غلطت لما اتحملت تكاليف كل دا لوحدك، هو أنا يعني اللي أجبرتهم يدخلوا السباق؟ ماهم داخلين بمزاجهم!!

خرج والده عن طوره تلك المرة وصرخ بغضبٍ شهده من حوله برعبٍ اثره:
_ أنت كمان ليك حق تتكلم؟ يا بجاحتك يا أخي، أنت عايزني أخسر الناس اللي كل شغلي معاهم بسبب استهتار شوية عيال!
أنت تخرس خالص ومش عايز أسمع لك صوت.. خليني أشوف هلاقي فين مركز ياخد كل العربيات دي وبسعر معقول..

تلك اللحظة انتبهت صبا من فحص الشاب، ثم نظرت إلى والدته وتحدثت بصوتٍ منخفض خشية أن تنال غضب ذلك الرجل:
_ ابن حضرتك بخير الحمدلله، بس ضروري عدم الحركة بدون داعي عشان فقراته متتأثرش أكتر..

شكرتها والدته ثم هتفت بخجلٍ صريح وهي تُشير بعينيها على زوجها الغاضب:
_ إحنا آسفين، اعذرينا..

ابتسمت صبا في وجهها لتمحي الحرج منها وقالت:
_ ولا يهمك، ربنا يعينكم.. حمد لله على سلامته

ثم أولتهم ظهرها وقد راودهها فكرةً ترددت كثيرًا في طرحها؛ ابتلعت ريقها واستدارت بجسدها ثم صوّبت بصرها على والده وحاولت رفع صوتها حتى يستمع إليها:
_ لو سمحت، أنا ممكن أساعد حضرتك لو تسمح لي..

انتبه عليها الرجل وقال بحاجبان معقودين:
_ تساعديني إزاي، اتفضلي..

تقوس ثغر صبا ببسمةٍ هادئة قبل أن تخبره عن كيفية مساعدته تحت نظرات الجميع المهتمة.

***

وقف عبدالله يتفقد المكان أمام المركز خاصته؛ فكان المكان مليئًا بالقمامة المُتناثرة، فتحرك إلى الباب وقام بفتحه، فتفاجئ بالكركبة الحادثة في المكان،
توجه ناحية المخزن الذي يضم بعض الأدوات، ثم أخذ أدوات التنظيف وبدأ يُعيد ترتيب وتنظيف المكان.

مر أكثر من ستون دقيقة حتى فرغ، لفت انتباهه ذلك الحذاء الوردي الذي يعلوه الأتربة والغبار، فقام بالإنحناء بجسده وأخذه، ثم نفض عنه الأتربة فظهر شكله الجميل، نظر إليه بآسى قبل أن ينتبه على ذلك الصوت من خلفه:
_ هاته..

رفع رأسه وإذا به زكريا، فقام بالإعتدال في وقوفه ثم ناوله إياه، فأخذه الآخر وقام بالدخول إلى المكان، بينما تساءل عبدالله بريبة:
_ أنت بتعمل إيه هنا؟

_ عبدالله، أنا مش حابب أتكلم...
قالها زكريا بصوتٍ متعب فاقد لجميع الأحاسيس؛ فلم يصّر عبدالله على معرفة سبب مجيئه وفضّل أن يتركه فترةً بمفرده، فأخذ زكريا يحدق بالحذاء حتى انسدلت عبراته بندمٍ شديد، كيف كان قاسٍ وعديم القلب يرفض رزقًا رائع كهذا؟!
وضع الحذاء أمامه على الطاولة ووضع عليه لمساته حتى شعر برجفة قوية في جسده، فردد هامسًا من بين بكائه الصامت:
_ أنا آسف..

كان عبدالله مُتابعًا له من على بُعد بآسى بالغ لحالته، أخرج تنهيدة مُحمّلة بالهموم ولم يكاد يفعل حتى تفاجئ بسيارة نقل ضخمة تقف أمام المركز، فتوجه عبدالله إليها بدهشةٍ عندما وقع بصره على هذا الكم الهائل من السيارات الخَرِبة، ترجل السائق برفقة رجلًا عظيم الهيئة، توجه ناحية عبدالله وبنبرةٍ شامخة حدّثه:
_ ازيك بيك يا أستاذ عبدالله، معاك مجدي الخيام صاحب شركة الخيام لاستيراد العربيات..

نظر إليه عبدالله مشدوهًا وهو في حيرة من أمر ذلك الرجل الذي يعرفه خير معرفة، خرج من حالة شروده وردّ بصوتٍ أجش:
_ أهلًا بحضرتك يا أستاذ مجدي، اتفضل..

أشار مجدي بيده خلفه باتجاه سيارة النقل وأوضح سبب مجيئه:
_ ابني كان مشرف على سباق عربيات، والأولاد اشتركت من غير علم أهاليهم، وللأسف عربية العجل بتاعها فرقع واتسبب في حادثة جامدة، طبعًا مش محتاج أقولك يكفي منظر العربيات دي.. سمعت عن المركز بتاعك قد إيه كبير ويقدر يستقبل الكم دا من العربيات فجيت من غير تردد عليك على طول..

ابتسم عبدالله في وجهه؛ بعد أن وضح له جزء من الرؤى، أخذ نفسًا قبل أن يردف بِترحَاب:
_ حمد لله على سلامة ابن حضرتك، وإن شاء الله نكون عند حُسن ظنك، بس متأخذنيش في السؤال، حضرتك سمعت عن المركز فين؟ مين اللي قالك عليه؟

هرب الرجل بعينيه قبل أن يعاود النظر إليه وقال بجدية:
_ بصراحة اللي قالي محبش إني أذكر اسمه، وأنا احترمت رغبته، ومفتكرش الإسم هيفرق في حاجة يعني، كدا كدا إن شاءالله هنتفق ومش هنختلف..

_ أكيد طبعًا..
هتفها عبدالله بجدية ثم أضاف بترحيب:
_ اتفضل حضرتك اشرب حاجة على لما الونش ينزّل العربيات ويدخلها جوا..

أسبق عبدالله بُخُطاه إلى الداخل، فمرّ على زكريا الشارِد، فقام بجذب انتباهه بندائه المُتكرِر:
_ زكريا، يا زكريا..

فانتبه الآخر لندائه وقام بإستدارة رأسه فتفاجئ بوجود رجلًا برفقته، ثم قام عبدالله بتعريف بعضهما البعض:
_ زكريا شريكي في المكان، أستاذ مجدي صاحب شركة استيراد العربيات..

_ أهلًا بحضرتك
رحب به زكريا دون أن يعي من يكون، ثم انتبه على إنزال الرافعة للسيارات الخَرِبة فتساءل بجبين مقتضب:
_ إيه كل العربيات دي؟

_ تبع أستاذ مجدي، إبنه عمل حادثة في سباق..
لم يُكمل عبدالله كلمته بعد حتى صاح زكريا باندهاش:
_ ابن حضرتك كسر دول؟

ضحك مجدي وأوضح له ما يجهله:
_ مش بالظبط كدا، بس يعتبر هو السبب أيوا..

ثم أخذوا يتحدثون عن كل ما يخُص تصليح السيارات وإعادة تأهيلها من جديد بحماسة شديدة قد سكنت في جوف عبدالله لتلك البداية المُبشرة بالخير.

***

مساءًا، حل سريعًا على أحلام، وقد حانت اللحظة لإخبار أبنائها بمرضها التي لم يتقبله عقلها بعد، عاد عبدالله إلى البيت، فوجد أحلام تجلس برفقة قاسم في الحديقة، تضع رأسها على كتفه فعلّق مُشاكسًا كليهما:
_ عصفورين كناري ياولاد..

اقترب منهما وغمز أبيه قبل أن يُضيف مازحًا:
_ طلعت مش سهل يا قسومة، مبتضعيش وقت أنت أبدًا

بإبتسامةٍ لم تتعدى شفاه ردّ:
_ إحسِدنا بقى..

لاحظ عبدالله شُرود والدته والتي لم تُشاركهما الحديث، على غير عادتها فحتمًا كانت تنهره الآن لتعدّيه حدوده في الكلام معهما، فحمحم وأراد مُشاركتها:
_ إيه يا لولو مالك مش بتتكلمي ليه؟

تجمّدت تعابير قاسم بينما لم تقع كلمات عبدالله على آذان أحلام، فقطب الآخر جبينه بغرابةٍ وقد سكّن القلق قلبه وأعاد سؤاله:
_ مالك يا أحلام سرحانة في إيه كدا؟

لم تجيبه أيضًا، فتدخل قاسم وقام بتحريك كتفه التي تستند عليه وقال بصوتٍ أجش:
_ أحلام، عبدالله بيكلمك..

انتبهت على كلماته ثم نظرت باحثة عن عبدالله، وتفاجئت بوجوده، اعتدلت في جلستها وتساءلت بتيِه:
_ ها، كنت بتقول إيه؟

تعجب عبدالله من حالتها، وهتف كلماته بريبة:
_ بقول سرحانة في إيه بالشكل دا؟

نظرت أحلام إلى قاسم تستمد منه القوة، فرمش هو بأهدابه يبُث فيها الطمأنينة، بينما عاودت أحلام النظر إلى عبدالله وقالت:
_ أنا كويسة يا حبيبي، طمني أنت عليك وعلى صبا، أمورك معاها كويسة؟

اندهش عبدالله مما وقع على مسامِعه؛ وانعقد حاجبيه تلقائيًا وهو يُردد بعدم فهم:
_ قصدك إيه بأموري معاها؟

لم يترك قاسم الرد لأحلام بل أوضح لعبدالله بدلًا عنها:
_ أحلام قصدها تسأل عنكم بشكل مُنفصل بس اختلط عليها الأمر ودخلتكم مع بعض.. مش كدا يا أحلام؟

أماءت أحلام وهي لا تفهم ما أمر رد قاسم المبهم بالنسبة لها، بينما لم يقتنع عبدالله بتبرير والده المُختلق، تناوب النظر بينهما ولم يكاد يُجيب سؤال والدته حتى جاءت زينب وقالت:
_ كويس إنك جيت يا عبدالله يلا العشا جاهز..

نهض قاسم ومدّ يده إلى أحلام التي أطالت النظر به فحثها هو على النهوض، فلم تطيل واحتضنت يده ثم ولجا البيت تحت نظرات عبدالله المُتابعة لهما بقلقٍ مُضاعف، نهض ولحق بهم، ثم جلس على الطاولة وأردف مُوجهًا حديثه إلى والده:
_ مش أنا يا بابا طلبت منك متساعدنيش، وتسيب اللي بعد كدا عليا؟ إيه بقى اللي بعته النهاردة دا؟

قطب قاسم جبينه بغرابةٍ فلم يعي ما وراء سؤاله وسأله مستفسرًا بعدم فهم:
_ بعت مين؟ مش فاهم حاجة

ضاق عبدالله بنظره وهو يُطالعه، قبل أن يُخبره بما حدث اليوم:
_ جالي واحد اسمه مجدي الخيام صاحب شركة استيراد عربيات، ابنه عامل حادثة في سباق مع شوية شباب وهو اتكفل بتصليح كل العربيات اللي باظت، وجاي لي بالإسم وكمان عارف شكلي وقالي اللي باعته مش حابب يقول إسمه..

قال آخر جُملته بعيون ضائقة فاستشف قاسم ما يرمي إليه وهلل:
_ متبُصلِيش كدا، أنا مبعتش حد..

أطال عبدالله النظر به فعاود قاسم تأكيد حديثه:
_ والله مبعتش حد..

أخذ عبدالله ثوانٍ يرمق والده دون حديث؛ يُفكر فيمن أرسل ذلك الرجل إليه إن لم يكن والده؟ اقتحم صوت قاسم أفكاره فجذبه إلى الواقع:
_ مين ممكن يكون بعت الراجل ليك؟

رفع عبدالله كتفيه للأعلى مُبديًا عدم معرفته بالشخص قبل أن يُردد ما يُفكر به بصوتٍ عالٍ:
_ مش عارف، أصل الراجل شكله حد مهم وصاحب شركة فأنا معرفش غيرك يعرف الفئة دي من الناس يعني، عشان كدا فكرت فيك وخصوصًا لما قالي اللي وصله بيا مش عايزني أعرف هو مين، فربطت دي بيك برده لأني طلبت منك متساعدنيش..

صمتَّ لبُرهة قبل أن يُعاود ترديد:
_ بصراحة بقى مش عارف، دماغي مش جايبة حد معين، بس أكيد هعرف، يا خبر بفلوس..

ثم تنهد ووجه عينيه على والدته الشارِدة وصاح:
_ ماما أنتِ كويسة؟

فتدخلت زينب مُجيبة سؤال عبدالله وعينيه مُصوّبة على والدتها:
_ دي من الصبح وهي كدا، وكل ما اسألها مالك تقول مفيش وترجع تسرح تاني كأنها مش معانا

_ أنا عندي زهايمر!!
صدّح صوتها فجأةً دون سابق إنذار، فخفق قلب عبدالله بعنفٍ بينما لم يهضم عقل زينب ما سمعته أذنيها وحدقت بها دون استيعاب.

حمحم عبدالله ثم ابتسم مُحاولًا محيّ ذلك الشعور السيء داخله وهتف مازحًا بصوتٍ مهزوز:
_ إيه الهزار التقيل دا يا أحلام، متقوليش كدا تاني..

_ دا مش هزار يا عبدالله، والدتك مريضة فعلاً
أردفها قاسم مؤكدًا وجود مرض أحلام، فتضاعف وخز قلب عبدالله، كما ضاق صدره وعلت وتيرة أنفاسه وهو يَجُوب بنظره الجالسين حوله، بينما وضعت زينب يدها على فمها مانعة شهقاتها المصدومة من الخروج، تجمّعت الدّمُوع في عينيها وهي تتطلع بوالدتها التي تنظر إليهما بشجنٍ.

ساد الصمت حتى قطعُه عبدالله بترديده المصدوم:
_ يعني إيه؟ الكلام دا بجد؟

أغمض عينيه لبُرهة قبل أن يُعاود فتحهما واسترسل مواصلًا بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ يعني أنا مش فاهم المفروض أقول إيه دلوقتي؟

تفقد ملامح والدته وقال:
_ أقول إيه يا أحلام؟

فانتاب أحلام لحظتها نوبة بكاء مُفاجئة، وحاولت السّيطرة عليها قدر الإمكان، بينما نهض قاسم ووقف خلفها وقام بالإنحناء عليها ليضُمها وهي جالسة، فاحتضنت أحلام يديه الموضوعة على كتفيها تستمد منه القوة كعادتها، وقالت:
_ لو سمحت أقعد يا قاسم..

عاد قاسم إلى كُرسيه، فنهضت هي وأخذت تجُوب بِخُطاها في المكان بِضع دقائق تُحاول جمع كلماتٍ؛ ثم توقفت ونظرت إلى ثلاثتهم وأردفت بقوة تلبّست ثوبها:
_ إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه؛ الإبتلاء بيرفع درجة العبد عند ربنا وبيكفّر عن سيئاته، يمكن أنا عشت طول حياتي بحاول اتجنب كل حاجة تغضب ربنا، وبحاول أعمل اللي يرضيه، بس يمكن ربنا عايزني أروح له وأنا خالية من الذنوب تمامًا..
أكيد ربنا له حكمة في مرضي دا، يمكن عايز يشوف قدرتي وتحملي وصبري على الإبتلاء دا
هو أكيد امتحان..

رفعت رأسها إلى الأعلى وقد انسدلت بعض العبّرات من عينيها وهي تُضيف بصوتٍ مُتحشرج:
_وأنا راضية يارب، عياطي دا مش قلة إيمان أبدًا حاشا لله، بس يعز عليا إني أنسى أغلى الغاليين على قلبي..

عاودت النظر في وجوه الجالسين أمامها المفطورين من البكاء، ثم توجهت إلى قاسم وقامت بتقبيل رأسه بحنانٍ، ثم استندت برأسها على رأسه وهتفت:
_ يعلم ربنا يا قاسم إني على قد ظلمي اللي عيشته زمان قلبي محبش غيرك!

قاطعها قاسم من بين بكائه بصوتٍ متهدّج:
_ كفاية يا أحلام بالله عليكي..

أصرّت أحلام على البوح بما يكمُن داخلها تجاههم فأردفت:
_ سيبني أكمل، الله أعلم هعرف أقول الكلام دا تاني ولا لأ..

فتركها قاسم تبوح بما تريد فأضافت بنبرة أهلكها البكاء:
_ ولادي أمانة عندك يا قاسم، عارفة إنك مش هتقصر معاهم، بس زيادة حِرص، دول أغلى حاجة عندي، عبدالله اهتم بيه وبقلبه وخليه يتجوز اللي بيحبها، وزينب متسلمهاش لواحد غير لما تكون متأكد إنه هيصونها ويحافظ عليها..

قاطعها قاسم بتقبيله ليدها وهتف رافضًا سماع المزيد:
_ محدش هيعمل كدا غيرك يا أحلام، أنتِ اللي هتوصلي كل واحد فيهم لحياته وتطمني عليهم بنفسك..

_ يارب يا قاسم، بس برده اوعدني عشان قلبي يرتاح
أردفتها مُصرة لأخذ منه وعدًا فهتف قاسم:
_ دول في عنيا، كل اللي أنتِ عايزاه هيحصل..

مسحت أحلام دموعها براحة يدها ثم ابتسمت في وجهه ببشاشة وتوجهت إلى عبدالله، أخذت يده بين يديها فنظر الآخر إليها كطفلاٍ يهرب إلى ملجأه، فابتسمت له وقالت وهي تُمسد بيدها على وجهه:
_ أنت كنت عوضي يا عبدالله، كنت الهوى اللي بتنفسه في أوقات ضيقتي وخنقتي، افتكر إنك لو مكنتش موجود مكانتش الأيام عدت بسهولة، كل حاجة كانت بتهُون بنظرة منك، ضحكتك كانت حياة بالنسبة لي.. أنا آسفة يا حبيبي إني خليتك تعيش حياة صعبة، آسفة إني مريحتكش وأصّريت إنك تعيش مع أبوك ويشيل عنك، آسفة إني كنت مخلية شيلتك تقيلة، بس أنا كنت فاكرة إني بكدا ببني فيك راجل!

هب عبدالله واقفًا وقام بضمها إلى صدره وهتف ببكاءٍ مرير:
_ أنتِ أحلى حاجة في حياتي ياما، بالله عليكي بلاش الكلام اللي يوجع القلب دا..

تراجعت أحلام للخلف وأجبرته ينظُر إليها، ثم مسحت بيدها دموعه وأردفت:
_ إوعدني قلبك يفضل نضيف ومفيش حاجة في الدنيا دي تأثر عليه أبدًا

_ وعد ياما وعد، أنا تربيتك وعُمر ما حاجة تأثر فيا أبدًا أنتِ ربيتي راجل!
أردفها بثقةٍ ليبُث فيها الطمأنينة، فربتت أحلام على ذراعه وقالت:
_ ربنا يجعلك جميل ونضيف طول العمر، ويكتب لقلبك الخير يارب..

ثم انسحبت بهدوءٍ وتوجهت إلى زينب الواقفة خلفه، وما أن اقتربت منها أحلام حتى انفجرت زينب باكية ثم ألقت بنفسها بين أحضان والدتها التي مسّدت على خُصلاتها بحنانٍ وقالت بعد أن تراجعت للخلف لتتطلع في عينيها:
_ مهما كبرتي يا زينب هتفضلي بنوتي ودلوعتي والجانب الخفيف اللي في حياتي، وصيتي ليكي إنك تكوني عقلانية أكتر من كدا، بلاش تتعاملي بمشاعرك وعواطفك، وازني الأمور وخلي عقلك اللي يقرر مش قلبك، وخصوصًا لو كان الموضوع يخص راجل..

بكت زينب بشدة وهتفت متوسلة إياها بأن تتوقف:
_ والنبي يا ماما متقوليش كدا، بلاش الكلام دا..

عبست ملامح أحلام ولامتها بلطفٍ:
_ بلاش نحلف بغير ربنا يا زوزو..

_ مش مركزة يا ماما أنا بقول إيه..
قالتها زينب مُتعجبة من أمر تعليقها، فهتفت أحلام نصحيتها:
_ ركزي من هنا ورايح في اللي أنا علِمته ليكي عشان تنجحي في حياتك ومتعمليش حاجة تغضب ربنا..

انتهت من حديثها ثم نظرت إلى الجميع وأردفت بتعبٍ:
_ أنا عارفة إن الصدمة كبيرة عليكم، بس لازم تتقبلوها، مش عايزة كل ما أشوفكم أحس إنكم زعلانين، يمكن أنا مش هفتكر سبب زعلكم إيه، بس هكون شايفة وشوشكم كويس وهحس بالزعل المرسوم عليها وأكيد هزعل ويمكن معرفش أعبر وقتها، عشان كدا حاولوا تتقبلوا الموضوع وبلاش تزعلوا.. لا مفر من شيءٍ قد كتبه الله لنا.. خير أكيد، صبروا قلوبكم بكدا..

ابتلعت أحلام ريقها ثم زفرت أنفاسها قبل أن تُضيف آخر ما لديها:
_ أنا محتاجة أنام، تصبحوا على خير يا حبايبي..

توجهت إلى الخارج بِخُطوات عرجاء فلحق بها قاسم، لكنها التفت إليه وعارضت طريقه:
_ لو سمحت يا قاسم خليك مع الولاد..

ألقت نظرة عليهما، قبل أن تُضيف بآسى لحزنهما الظاهر:
_ حاول تهون عليهم..

ثم استدارت وتابعت صعودها حتى وصلت إلى غرفتها، أغلقت بابها ووقفت خلفه تَجُوب معالم الغرفة بعينيها مُحاولة تذكُر بعض الذكريات القديمة لهما هنا، فمنها من عرضتها عليها ذاكرتها ومنها لم تتذكرها البتّة، فخارت حينها قوتها على الصمُود وبكت بشدة حزنًا على ما أصابها.

في الطابق السفلي؛ وقف قاسم غير قادر على لملمة جِراحهم التي فُتحت للتو، فكيف يفعل وهو يفشل في تضميد جراحه، أطال النظر عليهما ولم يملُك حينها سوى عناقًا قد قدمه لهما بفرده ذراعيه على مصرعهما فركضا نحوه وضموه وكان ثلاثتهم في حالة يرثى لها، مُحاولين تَقبُل ذلك المرض المفاجئ الذي قلب حياتهم رأسًا على عقب.

***

أشرقت الشمس؛ بعد ليلٍ طويل مرّ بصعوبة على صبا التي شعرت بضوء الشمس باهتًا، كان الصباح مُثقلًا بالتوجس، تبدوا ساكنة لكنها تحمل ارتباكٍ غير مرئي داخل قلبها، وجهها مُتجهمٍ بقلق مكتوم،
تشعر بِثقل أنفاسها، داخلها رهبة صامتة تخشى مشاركة هذا التوتر مع أحدٍ.

انتهت من ارتداء ملابسها التي تجهل معالمها، فلم تهتم كثيرًا لمعرفة أي قطعةً قد ارتدت، خرجت من الغرفة فتقابلت مع عاصم الذي هلل عاليًا مُبديًا تفاجئه بها:
_ دكتورة صبا بنفسها!

تجهمت تعابير وجهه وأضاف بصوتٍ يكسوه الضيق:
_ دا أنا نسيت إني عايش معايا واحدة في البيت!
بتخرجي وترجعي من غير ما أعرف ولا أشوفك حتى، هو دا طبيعي؟

بتيِه شديد ردت بإيجازٍ:
_ عاصم، أنا مش في المود خالص..

قالتها ثم ترجلت إلى الطابق السُفلي وتوجهت باتجاه الباب فتَبِعها عاصم مُرددًا كلماته بغضبٍ:
_ يعني إيه مش في المود؟ اقفي هنا ردي عليا..

أمسك عاصم ذراعها مجبرًا إياها على التوقف قبل أن تُدير مقبض الباب، فالتفتت إليه وصاحت:
_ أنت بتعمل إيه؟ سيب ايدي؟

ثم سحبت يدها بقوة، فهدر الآخر بحنقٍ:
_ هو إحنا هنفضل في الوضع دا لغاية امتى؟ لا مننا متجوزين صح، ولا مفهوم لينا وضع، أنا تعبت..

_ والله العظيم وأنا تعبت، بس صدقني لو فيه طريقة تانية قدامي كنت لجأت ليها..
هتفتها صبا بصوتٍ انطفأ حيويته، فلم يتأثر عاصم بحالتها وهتف:
_ وأنا المفروض أفضل قابل على نفسي وضع زي دا لغاية امتى؟ أنتِ مش حاسة بيا خالص، مش حاسة قد إيه أنا هموت عليكي وأنتِ ولا هنا..

تساقط دمعها وهي تراه مُنفعلًا يَلُومها، فأسرعت في مسح عبراتها ورددت:
_ عاصم أنا بجد مش قادرة اتكلم، أنا عندي ميعاد مخليني متوترة..

رفعت يديها أمام وجهه فتفاجئ عاصم برجفة يديها الملحوظة ثم انتبه على كلماتها:
_ بص حتى ايدي، هخلص المشوار اللي عندي ونقعد مع بعض نحط النقط على الحروف..

عمِل عاصم على إخماد غضبه الجامح، ثم زفر أنفاسه ليضبُط نبرته فخرجت أهدأ قليلًا:
_ ايدك بتترعش كدا ليه؟ وميعاد إيه اللي بتتكلمي عنه؟

ابتلعت ريقها وهربت من سؤاله قائلة:
_ ميعاد يخص القضية..

_ أيوا إيه هو اللي مخليكي في الحالة دي؟
تساءل باهتمامٍ فترددت صبا في إخباره في البداية، بينما أصرَّ عاصم على معرفة السبب:
_ صبا.. قولي في إيه؟

أخفضت رأسها في حياء فلم تقدر على مواجهة عينيه وقالت:
_ هعمل فحص طبي، الحيوان حمادة طلبه عشان يثبت إنه ملمسنيش...

رفعت رأسها بعد أن أنهت جُملتها وأضافت بخذيٍ واضح:
_ على فكرة محتاجة شهادتك إن جوازنا على الورق بس، زيادة تأكيد مع تقرير الفحص

علامات الصدمة تشكلت على وجه عاصم الذي أخذ وقتًا يحاول فيه استيعاب طلبها؛ قبل أن يُبدي استيائه بهدوءٍ بالغ:
_ أنتِ عايزاني أقف قدام الناس أقول إني...

صمت عاصم وزم شفتيه قبل أن يُواصل:
_ أقول إني ملمستكيش!! أنتِ شايفة إنه يليق بيا أقول كدا؟

_ الجلسة هتكون سرية يا عاصم..
لم تكاد تُكملها حتى خرج عاصم عن طوره وصاح:
_ وهي الجلسة دي مش هيكون فيها عيلتك وجيرانك اللي هيكونوا شهود، عايزاني أقف قدامهم وأقول كدا؟ ليه شيفاني مش راجل!!

تفاجئت صبا برده، أطالت به النظر عندما اجتاحها مشاعر متناقضة حينها، لم تود تصعيد الأمور والمجادلة معه الآن، وقررت الإنسحاب فقالت وهي توليه ظهرها:
_ لا مش هينفع نتكلم وأنت كدا، لما أرجع نكمل كلامنا...

أنهت جُملتها وهي تُدير مِقبض الباب حتى تفاجأ كليهما بوقوف نهال والدة عاصم، شعرت صبا بغصّة في حلقها خشية سماعها ما دار بينهما، وكذلك عاصم لم يكن أقل خوفًا منها، بينما تحلّت صبا بالثبات أمامها وشكلت ابتسامة لم تتعدى شفاها ورحبت لها:
_ أهلاً بحضرتك، اتفضلي..

دلفت نهال فتابعت صبا معتذرة منها:
_ أنا آسفة إني هسيب حضرتك بس عندي شغل ضروري، عن إذنك..

لم تجد ردًا منها، بل كانت ساكنة للغاية تتطلع بها فقط، فأخبرها حدسها أنها استمعت لحوراهما، لكنها لم تكُن متأكدة، فانسحبت سريعًا قبل أن تتلقى مواجهةً حارة ليست في أتم استعداد لها.

أغلقت صبا الباب خلفها، فحاول عاصم جذب انتباه والدته الشارِدة في الباب التي اختفت خلفه صبا بترديده:
_ شكلي واحشتك، وجاية تشوفيني..

التفتت نهال إليه وبنظرات جامدة ونبرة مصدومة هتفت:
_ إيه اللي أنا سمعته دا؟

خفق قلب عاصم مُتوجسًا خيفة في نفسه، إزدرد وبصعوبة بالغة سألها بإقتضابٍ:
_ سمعتي إيه؟

بملامح حادة ونبرة صارمة يشوبها الإندهاش أجابته:
_ سمعت كل حاجة!!

وقعت كلماتها كالصاعقة التي صعقته، وألجمت لسانه أفقدته النُطق، كان آخر ما يريده عاصم عِلم والدته، حتمًا ستفعل ما في وِسعها لتُغير مصيره لطالما انتظر تغيّرِه بفروغ صبر، كان كلاهما ينظران إلى بعض بصدمة كبيرة أظهرتها العيون حتى أصرّت نهال على معرفة الأمر كاملًا، فجلس عاصم تحت إصرارٍ كبير وبدأ يُخبرها بالحقيقة.

***

وصلت صبا إلى المستشفى الخاصة بالشرطة؛ فوجدت جلال ينتظرها أمام الباب، توجه ناحيتها وقال:
_ اتاخرتي ليه؟ الظابط هنا بقاله فترة..

اختلست صبا نظرةً إلى الداخل بخوف وقالت:
_ أنا جيت..

_ طب يلا ندخل
أردفها جلال وهو يُمسك بيدها يحثها على الدخول؛ فرجف جسدها خوفًا مما هي مُقبلة عليه، استحث أخيها خوفها التي تعيشه وحاول تشجيعها:
_ يلا يا حبيبتي، يلا عشان نحبس حمادة في أقرب فرصة!!

تقابلت أعينهما فبعث فيها جلال الطمأنينة، ثم خطت أولى خُطواتها برفقة جلال الذي لم يتركها قط، وحاول تشتيت ذِهنها ليُذِهب عنها الخوف بقوله:
_ على فكرة بابا وماما كانوا مُصممين يجوا معايا، بس أنا محبتش أوترك أكتر، وقولت لهم إني هجيبك عندهم بعد الفحص تريحي أعصابك شوية..

_ بس أنا مش...
حاولت رفض اقتراحه لكنه أصرَّ على اصطحابها معه:
_ لا يا صبا بلاش مقاوحة، أبوكي وضعه صعب أوي والله عمري ما شوفته بالحال دا، دا معتش بيفارق اوضته خالص، مش عارف لو مكنتش موجود كانوا عملوا إيه وهما لوحدهم..

تشدقت صبا بتهكمٍ ورددت:
_ دا حتى محاولش يكلمني من آخر مرة جالس فيها اللي أنا مش فاكرة كانت امتى أساسًا..

_ أبوكي خايف يجي لك تاني ترفضيه يا صبا، مش هتقوم له قومة وقتها، بالمناسبة دا كلام أمك!
هتفها جلال موضحًا موقف أبيه، بينما تأثرت صبا لما أخبرها عنه، لكن كان هناك حاجزًا داخلها يمنعها من توطيد علاقتهما ثانيةً.

طردت أفكارها فليست في محلها الأن، عاود الخوف من جديد عندما وقفت عند غرفة الفحص، أكدت على الضابط هويتها ثم دلفت واختفت خلف باب الغرفة.

كان يُتابعها من على بُعدٍ حارصًا على عدم إظهار نفسه، يدعوا داخله بأن يمُر الأمر مِرار الكِرام ولا يمسّها سوء فيَمسُه أضعافه، اهتز رنين هاتفه فسحبه وابتعد عن المكان ثم أجاب:
_ نعم يا زينب؟

بصوتٍ متوتر أردفت متسائلة:
_ أنت فين يا عبدالله؟ إحنا رايحين المحكمة..

أخذ عبدالله شهيقًا عميق ثم زفره على مهلٍ وردَّ:
_ على ما توصلوا هكون هناك إن شاء الله..

_ تمام، متتأخرش
أنهت زينب الإتصال على الفور بعد قولها، فعاود عبدالله الوقوف في زوايةٍ لا يراه أحدًا بها، مرّت فترة لا بأس بها حتى فُتح الباب فقُبض قلبه خشية أن يراها على وضعٍ غير مرغوب له، ولا يستطيع فيه ضمها ليطيب شعورها.

خرجت صبا بوجهٍ شاحب، وملامحٍ مهزوزة من شدّة الخوف، عيناها مُحمرّتان غارقتان في دموع لم تجف بعد، وجفونها متورّمة من كثرة البكاء، وشفتاها ترتعشان.

ناهيك عن أنفاسها المتقطّعة كأن صدرها يئنّ من الداخل، في ملامحها انكسارٍ واضح، وذبول كأن الحياة انسحبت من وجهها، يكسوها ضعف شديد وحالٍ يرثى لها.

اهتز داخل عبدالله ودمعت عيناه؛ ارتفع صدره وهبط بصورة عنيفة، كم ابتغى وصوله إليها وضمّها إلى صدره بدلًا عن شقيقها، لكن كيف؟

انسحب مُسرعًا إلى الخارج عندما فشل في السيطرة على مشاعره، فحضوره لم يُضيف له سوى مضاعفة آلامه، ركب سيارته وتوجه بها إلى المحكمة بعيون حمراوتين، يزداد داخله كُره لذلك الخسيس النذل، ود لو أن يفتك بأعضائه كاملة ربما يُطفئ غليله.

في الداخل؛ لم تنبس صبا بحرفٍ منذ خروجها وتحركت بجوار أخيها كآلةٍ خالية من الروح، كانت شاردة طيلة الوقت فاستغل جلال حالتها واصطحبها إلى بيت والداها فهي بحاجة إلى أيادي مُحبِيها لتضميد ما عاشته.

***

وصل عبدالله بأنفاسٍ مُتقطعة بسبب ركضه للحاق بالجلسة، دلف من الباب فوجد القاضي يبدأ لتوه، جلس بجوار عائلته يلتقط أنفاسه الهاربة ثم انتبه الجميع على نُطق القاضي بآذان صاغية وتوترٍ مسحُوب بالخوف الشديد من سماع ما لا يسُر أنفسهم.

القاضي بصوت جهوري:

_ بسم الله الحق العدل، وبعد الإطّلاع على أوراق الدعوى وما استقر في يقين المحكمة من أدلةٍ وبراهين، وبعد الإستماع إلى أقوال المجني عليها وما ثبت من تقارير الطب الشرعي، وإذ تبيّن للمحكمة بما لا يدع مجالًا للشك أنّ المتهم حمادة عبد العال زوج المجني عليها زينب إبراهيم، قد ارتكب فِعلًا شنيعًا اعتدى فيه على زوجته اعتداءً جسيمًا، أفضى إلى إجهاض جنينها، وخلّف أذى بالغًا في جسدها ونفسِها.

وعليه، فقد حكمت المحكمة:
بإيقاع الطلاق البائن بينوتة كبرى على المدعوة ( زينب ابراهيم) من زوجها المدعو (حمادة عبد العال)، رفعًا للضرر وصونًا لكرامتها.

ثانيًا بسجن المتهم عشر سنوات مع الشغل والنفاذ جزاءً لاعتدائه الآثم على زوجته، وما نتج عنه من إجهاض جنينها ليكون عبرة لغيره وزجرًا لكل من تسول له نفسه الإعتداء وإهدار حقها في الأمان

هذا حكم الله وحكم القانون، صدر وأعلن في الجلسة العلنية والله وليّ التوفيق

رُفعت الجلسة..

***

الفصل النهاردة خطير اعتقد يستاهل تصويت ونسيب رأينا من غير ما نقرأ ونجري.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close