رواية سبر اغوار قلبي ولكن الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم نورهان سامي
قصــــة..( سبر أغوار قلبى و لكن ).
37
اتجهت روفيدة بخفي حنين و جلست بخيبة أمل .. فتح مجدى الوصية و بدأ بقراءتها عليهم
الوصية
إنه فى يوم
-------- الموافق --------
أقر انا أحمد عبد الله خليل الطوخى
المقيم : -------
وأنا بكامل قواى العقلية والنفسية والصحية بأن ورثتى المنتظرين منى وهم
1 – تالا أحمد عبد الله خليل الطوخى
2 – أدهم يوسف محمد سينهابى
3 – روفيدة صلاح محمد أبراهيم
وحيث أننى أمتلك : ---------
أوصى بتقسيم التركة كالأتى :
50 % من تركتى تذهب لأبنتى الحبيبة / تالا أحمد عبد الله خليل الطوخى , الــ 50 % المتبقية يذهب منها 25 % لأبنى الذى لم أنجبه ولكن ربطنا رباط الأبوة الروحية و الأمانة و الصداقة و ليس رباط الدم / أدهم يوسف محمد سينهابى , الــ 25 % الأخرى تذهب لطليقتى التى لم أستطع الحفاظ عليها كحبيبة و زوجة لكنها بالتأكيد ستظل أم لأبنتى / روفيدة صلاح محمد ابراهيم
ملحوظة : فى حال وفاة / روفيدة صلاح محمد ابراهيم يذهب حقها فى التركة لأبنتى الحبيبة / تالا أحمد عبد الله خليل
على أن تؤول ملكية ما هو موصى به لكل من الموصى له من تاريخ الوفاة وعليه تسلمه بالحالة التى يكون عليها حينئذ دون أن يحق له الطعن فى هذه الوصية بأى حال من الأحوال
كما أقر بأننى قد أوصيت بتعيين / أدهم يوسف محمد سينهابى
منفذاً لهذه الوصية ويكون له ما لمصفى التركة من اختصاصات وحقوق والتزامات .
وهذه وصية منى بذلك
أحمد عبد الله خليل الطوخى
كان كل واحد من المذكور أسمه فى الوصية يشعر بشعور مختلف كلياً عن الأخر .. تالا سمحت لدموعها أن تنزل بصمت و هى تشعر باللامبالاة و التبلد لما كُتب فى الوصية لأنها كعادتها لم تحصل على شئ من والدها سوي تلك الأموال الطائلة الذى ظن طوال عمره و حتى بعد مماته أنها ستكفر عن بعده عنها و إهماله لها .. تلك الأموال التى ظل يجمعها طوال عمره و لم يأخذ منها أى شئ غير تعاسته و تفكك أسرته .. كانت الدهشة مسيطرة علي أدهم فلم يتوقع أبداً أن يذكر أسمه فى الوصية و غير هذا يذكر كوريث ! لم يعر اهتماماً لكل هذا فكل ما يشغل باله فى تلك اللحظة تلك النظرة التى تلقاها منها عندما سمعت أسمه من المذكورين فى الوصية و من بعدها وصية أحمد التى تنص بأن له جزء من الورث .. نظرة سخرية ممزوجة بالإتهام .. ماذا تظن تلك الحمقاء !
روفيدة .. صُدمت عندما سمعت وصيته .. كيف يكتب لها جزء من تركته بعد هذا الشرخ الذى حدث بينهما ! لقد خانته مع صديقه و هى معترفة بذلك .. كيف بعد كل ما حدث يكون أسمها ضمن الورثة .. كيف !
انتشلهم من شعورهم و تفكيرهم صوت المحامى و هو يقول بجدية : بكده تبقى الوصية خلصت .. قامت تالا و قالت بعدم اهتمام : عن أذنكوا أعتقد كده أن وجودى ملوش لازمة دلوقتى .. الوصية اتفتحت و الحمد لله بوجودنا كلنا .. نفذوها بقى .. نظرت لأمها نظرة أخيرة تحتضن فيها ملامح و تقاسيم وجهها التى اشتاقت لها طوال الفترة الماضية ثم دخلت بخطواتها المتعرجة و تركتهم .. دخلت إلى الغرفة لتجد أسيل جالسة بإنتظارها .. ذهبت تالا بإتجاهها و ارتمت بحضنها قائلة بدموع : سيبيلى فلوس كالعادة يا أسيل .. أنا عمرى ما أحتجت لفلوسه قد ما كنت محتاجاه .. أردفت قائلة : و هى بتقوللى وحشتينى بس أنا ماقدرتش أقولها إنها هى كمان وحشتنى .. ماقدرتش .. كان نفسى أترمى فى حضنها و أعوض السنين اللى فاتت بس ماقدرتش يا أسيل
ضمتها أسيل لها و ظلت تربت عليها بحنان و هى تقول : بليز يا تالا ماتعيطيش .. كفاية عياط
ابتعدت تالا عنها نسبياً و قالت برجاء : أسيل لو سمحتى هاتى الدواء بتاعى
اؤمأت أسيل برأسها على الفور و قامت .. أحضرت لها الدواء و كأس ماء .. لتأخذهما تالا و تستلقى على السرير .. أغلقت عيونها و ذهبت فى النوم سريعاً تحت تأثير الدواء التى أخذته منذ ثوانى .. ظلت أسيل جالسة بجانبها تتأملها بعيون حزينة .. أخرجها من تأملها صوت أدهم و هو يقول بتساؤل : هى نامت ؟
اؤمأت أسيل برأسها ليقول أدهم بجدية : طب خلى بالك منها عقبال ما أوصل طنط روفيدة و أرجع
قامت أسيل و قالت برجاء : أدهم تالا كده كده مش هتصحى دلوقتى فممكن أروح البيت ساعة بس و أرجع تانى أقعد معاها
تنهد تنهيدة طويلة و قال بجدية : أسيل أنتِ عارفة أن ماما راحت لسارة الصبح عشان تعبت فتالا كده هتبقى لوحدها
جلست مجدداً و قالت بعدم اهتمام : خلاص مش مشكلة أبقى أروح لما تيجى
ابتسم أدهم لها بامتنان و قال بجدية : خلى بالك منها و أنا مش هتأخر
اؤمأت أسيل برأسها ليغادر أدهم .
أوصلها إلى منزلها .. لتنزل هى و تقول بامتنان : شكراً يا أدهم و أسفة لو كنت عملتلكوا أى إزعاج خصوصاً لتالا بالزيارة ديه
أبتسم لها و قال بجدية : أنا اللى أسف عشان طريقة تالا معاكِ
أبتسمت بحزن و قائلة بجدية : ماتتأسفش يا حبيبى أنت مالكش ذنب و بعدين أنا كنت
متوقعة المعاملة ديه منها .. أردفت قائلة : على العموم خلى بالك منها و ماتزعلهاش .. عن أذنك
تركته و صعدت إلى منزلها .. جلست على أقرب كرسي قابلها و تركت لدموعها العنان فأبنتها الوحيدة عاملتها كغريبة .. سمعت بعد دقائق ليست بقليلة دقات على الباب .. قامت بتثاقل و فتحت الباب لتجد أدهم واقفاً أمامها و هو يحمل أكياس متنوعة من الأطعمة بيده .. ابتسم لها أدهم و قال : تسمحيلى أدخل
أفسحت له روفيدة الطريق بإستغراب .. ليدخل هو و يضع الأكياس على منضدة موجودة بركن جانب الحائط .. اقتربت منه روفيدة و قالت بدهشة : ايه يا أدهم الحاجات ديه !
أدهم بجدية : ديه حاجة بسيطة أتمنى تقبليها من أبنك
قاطتعه روفيدة قائلة باعتراض : أسفة يا أدهم بس مش هاينفع
ابتسم أدهم لها و قال برجاء : هتكسفينى من أول طلب أطلبه منك
ابتسمت روفيدة ابتسامة صغيرة و قالت بجدية : أنا أسفة جداً بس صدقينى مش هاينفع .. أنا الحمد لله ربنا سترها
ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة و تخطاها قائلاً : أنا عرفت تالا دماغها ناشفة لمين .. أردف قائلاً بجدية : حضرتك من دلوقتى ملزومة منى بالظبط زى تالا أى حاجة حضرتك عايزاها تليفونى مع حضرتك كلمينى علطول من غير تردد .. كاد أن يغادر لكنه عاد لها مجدداً و قال بجدية : هخلص كل إجراءات الورث و أبلغك
نظرت له قائلة بجدية : ربنا معاك و يقويك على الحمل اللى سابه أحمد على أكتافك
ابتسم أدهم و قال بجدية : يا رب .. تركها و أغلق الباب وراءه .. استقل سيارته و وصل للفيلا .. دخل ليجد أسيل مازلت جالسة بجانب تالا النائمة .. تنهد و قال بصوت منخفض خوفاً من أن تستيقظ : قومى يا أسيل روحى يلا
قامت أسيل و كادت أن تغادر الغرفة لكن أوقفها أدهم قائلاً بجدية : خدى عربيتى بدل ما تركبى تاكسى
نظرت له بدهشة و قالت باستغراب : مش خايف عليها !
أدهم باستغراب : و أخاف عليها ليه ؟ مديها لعيلة
ابتسمت أسيل و قالت بتلقائية : تعرف لو كان أسر صاحبك .. كان مات و مايدنيش عربيته
ظل يتفرسها لبعض الوقت بعدما أتت بسيرة أسر فى كلامهم العادى .. هل لعب برأسها أم ماذا ! .. مد يده لها بمفاتيح سيارته و قال بجدية : أسيل روحى يلا عشان تلحقى ترجعى و ماتتأخريش
أخذت المفاتيح منه و ابتسمت له ابتسامة شكر ثم غادرت الغرفة بهدوء .. تنهد بضيق و جلس على السرير بجانبها يتأملها و هى نائمة .. أسند رأسه على السرير و ظل يتفرسها و عقله يدور بدائرة لا بداية لها و لا نهاية .. كبس عليه سلطان النوم فاستسلم له كلياً و نام .. نام و هو يتمنى أن تهدأ أفكاره و تخرج من تلك الدائرة و تمشى بخط مستقيم أخره الراحة و السلام !
فتحت لها الخادمة لتقول بابتسامة واسعة : إزيك يا فتحية ؟
ابتسمت فتحية و قالت بفرحة : يا مرحبا يا أسيل هانم .. كل ديه غيبة .. أسبوع بحاله مانشوفش حضرتك .. أردفت بضيق قائلة : كل أما حضرتك بتغيبى عن البيت كل أما بحس أنى مليش لزمة فى البيت ده .. ببقى زى الكرسى اللى قاعدة عليه
ابتسمت أسيل و قالت بجدية : و أدينى جيت أهو .. روحى أعمليلى أى حاجة تتاكل على ذوقك
ابتسمت فتحية و قالت بابتسامة : بس كده من عنيا الإتنين يا أسيل هانم
كادت فتحية أن تذهب لكن أوقفتها أسيل قائلة بتساؤل : بابى فين ؟
فتحية بجدية : فى أوضة المكتب يا أسيل هانم
ذهبت أسيل لمكتب والدها .. دقت الباب و دخلت لتجده منغمساً بين أوراقه التى لا تنتهى حتى أنه لم يشعر بوجودها .. اقتربت منه و احتضنته ثم طبعت قبلة على خده .. ترك الأوراق من يده و ابتسم لها قائلاً : جيتى أمتى يا حبيبتى ؟
أسيل بابتسامة : لسة جاية حالاً
عبد العزيز بتساؤل : صاحبتك بقت كويسة ؟
أسيل بحزن : حالتها بتسوء يوم بعد يوم .. جلست على ركبتها بجانب الكرسى الذى يجلس عليه و وضعت رأسها على مسند الكرسى قائلة : بابى عارف بابا تالا كان بيعمل زيك كده بالظبط .. كان بيفضل يجمع فلوس فلوس و يعمل صفقات و مناقصات و يكسبها .. رفعت نظرها له و قالت و الدموع بتلمع بعيونها العسلية : لكن عمره ما قدر يكسب بنته .. عارف بقى يا بابى مات بس لما مات ماخدش أى حاجة معاه و هو بيموت من اللى بناها و قضى سنين عمره يعمل فيها لدرجة أنه نسى مراته و بنته .. سابلها فلوسه و كل ممتلكاته بس عارف بقى هى مش مبسوطة و زعلانة أوى و حالتها ساءت أكتر .. الفلوس
ماعملتلهاش حاجة يا بابى ولا عملتله حاجة غير أنه خسر بنته و مراته .. ماستكفاش باللى عنده و كان عايز يزوده أكتر .. حكت رأسها بأناملها و قالت بحيرة : فى مثل مش فاكراه أوى بس بيقول باين أن الطمع أقل ما أتلم أو أتجمع حاجة زى كده .. عارف يا بابى .. ورثت منه فلوس كتيرة أوى بس الفلوس ديه ماقدرتش تخليها تضحك أو تنبسط .. علطول بتعيط .. عارف ليه يا بابى بتعيط عشان هى محتاجة باباها مش فلوسه .. تعرف بقى أنه قبل ما يموت ندم و قالها " عايزك تسامحينى إنى مكنتش الأب اللى تتمنيه " نزلت دموعها و أجهشت بالبكاء .. قامت و احتضنته قائلة : أنا أسفة لو كنت زعلتك أو قولت أى حاجة تزعلك .. أنا عيزاك تسامحنى و ماتزعلش منى أبداً .. أنا مش عايزة أى حاجة من الفلوس ديه .. أنا أهم حاجة إنك تبقى عايش قدامى و أنا شايفاك .. مش لازم تهتم بيا بس أهم حاجة إنك قدامى عايش
احتضنها والدها بشدة و نزلت دموعه تواسى دموعها .. ابتعدت عنه و مسحت دموعها ثم
مسحت دموعه و قالت بجدية : خلاص كفاية عياط .. مابحبش العياط .. تعالى ناكل أنا و أنت يلا
ترك عبد العزيز الأوراق راقدة فى مكانها و قام معها .. تمسكت بيه و شدته وراءها .. جعلته يجلس على رأس السفرة و جلست على الكرسي الموجود بجانبه لكنها قامت فجأة و قالت بابتسامة : ثوانى و جاية .. أوعى تتحرك من مكانك
اؤمأ عبد العزيز برأسه .. لتتجه هى إلى المطبخ .. دخلت لفتحية التى تجهز الطعام و قالت بابتسامة : فتحية حضرى أكل لشخصين غير أكلى
اؤمأت فتحية برأسها قائلة : حاضر يا أسيل هانم .. تركتها أسيل و صعدت السلالم سريعاً إلى أن وصلت لتلك الغرفة .. دقت بابها و دخلت لتجد كريمة جالسة على سريرها تتصفح هاتفها .. اقتربت منها و جلست بجانبها على السرير .. أخذت تفرك يدها بتوتر و كريمة تنظر لها بدهشة و كثير من الأسئلة تدور بذهنها .. أولهم متى أتت من عند صديقتها .. لكن أهمهم ماذا تفعل فى غرفتها ! لم يخاطب لسانها لسان أسيل منذ أخر مرة أخرجت كل واحدة منهما ما تكنه للأخرى .. كانتا تتجاهلان بعضهما البعض فلماذا أتت إلى غرفتها الأن ! أحست بهذا الثقل يرتمى عليها و من ثم سمعت صوتها و هى تقول : أنا أسفة إنى شبهها بس مش ذنبى .. زى بالظبط مش ذنبى أو قصدى إنى أشارك بابى فيكِ .. أنا كل اللى كنت عايزاه إنى أحس بإهتمام بابى بيا زى أى بنت بتحس بالإهتمام من البابى بتاعها .. عمرى ما كنت عايزة أخده منك صدقينى .. كمان و أنا صغيرة مكنش قصدى أبعدك عنى و أعيط عشان أنا ساعتها كنت بيبى مش فاهمة حاجة لكن أنتِ كنت كبيرة و فاهمة .. فكان لازم تعرفى إنى عشان بيبى كنت بعيط و بروح لمامى الحقيقية .. أنتِ كمان ماكنتيش بتدينى فرصة إنى أبقى بنتك .. طريقتك معايا كانت دايماً طريقة هجومية .. صمتت قليلاً و قالت بجدية : أنا أهو فى حضنك و هاديكى فرصة إنك تبقى مامى .. لو أنتِ كمان عايزة تدينى فرصة إنى أبقى بنتك أحضنينى .. ولو محضنتنيش أنا كده هعرف إنك لسة زعلانة منى و بتكرهينى
ظلت لدقائق تنتظر إجابتها على طلبها لكنها لم تبد إى رد فعل .. فهمت إجابتها بكل سهولة .. كادت أن تبتعد عنها لكن كريمة سحبتها لها مجدداً و قالت من بين دموعها : راحة فين يا غبية .. يعنى بعد ما ربنا حققلى حلمى و بقى عندى بنت و حسيت بشعور الأمومة .. عايزة تبعدى عنى و تسلبيه منى .. ضربتها على رأسها بخفة قائلة : و بعدين مافيش بيات عند صاحبتك تالا ديه تانى .. عايزة تروحلها روحلها بس ترجعى تانى تباتى هنا .. كفاية بيات بره بقى
ابتعدت عنها و ضربت يدها برأسها قائلة بغيظ : أنا اللى جبته لنفسى ما كنت بصيع بره وقت ما أحب
كريمة بابتسامة حازمة : مش عايزانى أبقى مامتك يبقى تسمعى كلامى كأم .. أردفت بجدية قائلة : أنا ماقولتلكيش ماتروحيش .. لا روحى و أقعدى معاها بس تعالى باتى هنا .. أوك
ابتسمت أسيل و قالت بعد تفكير : أوك بس لو فى مرة أحتاجتنى أوى إنى أبات معاها أبات .. أوك
كريمة بابتسامة : أوك
أسيل بابتسامة : طب يلا بقى نروح لناكل مع بعض
كريمة بتفكير : ماشى بس أكيد بابى هيبقى مشغول
أسيل بابتسامة : لا أنا أقنعته
قامت كريمة معها لتمسك أسيل يدها و تشدها وراءها .. كريمة بغيظ : أسيل أصبرى أنا مابقتش صغيرة زى الأول
غمزت لها أسيل و قالت بابتسامة : أنتِ لسة شباب
نزلت كريمة معها و ذهبت حيث يجلس عبد العزيز .. عندما رأهما عبد العزيز يمسكان أيدى بعضهما نظر لهما بفم فاغر من الدهشة .. اقتربتا منه لتجلس كريمة بجانبه من طرف أما أسيل فظلت واقفة .. نظرت لكريمة و قالت برجاء : مامى ممكن أقعد جمب بابى من الناحية التانية
لقبتها لأول مرة بمامى و هى تشعر بمعنى الكلمة و سعيدة للغاية إنها تقولها لها بعد مصالحتها و حضنها الدافئ الذى ضمها و أحسسها لأول مرة أنها يمكن أن تكون أمها لو تخلصتا من خلافاتهما معاً !
أما كريمة فلأول مرة بعدما قررت أن تعطى نفسها فرصة أخرى لتصبح أم و سمعت منها " مامى " أمومتها رفرفت عالياً فى سماء السعادة .. ظلت تفكر لبعض الوقت ثم قالت بجدية : ماشى يا حبيبتى
جلست أسيل بجانبه .. ليحول نظره لأسيل تارة و كريمة تارة و فمه مازال فاغراً من الدهشة .. أغلقت كريمة فمه و قالت بابتسامة : ماتتفجأش .. أيوه اتصالحنا .. فكرت فى كلامك اللى قولتهولى قبل كده و كلامها اللى قالته دلوقتى و اتصالحنا .. هى ملهاش ذنب
أتت فتحية و وضعت الطعام على السفرة ليبدأوا بتناوله فى جو أسرى مفعم بالسعادة فلأول مرة يتجمع أهل هذا البيت على سفرة واحدة دون أن يحمل أحد بقلبه ضغينة تجاه الأخر !
استيقظ على صوت ارتطام شئ بالأرض و من ثم سمع صوت توجعها .. انتفض من جلسته ليجدها جالسة على الأرض تمسك كاحلها بألم و تتوجع .. مسح المكان الذى تجلس به بعينه سريعاً ليرسم عقله مشهداً يتخيل فيه ما حدث لها بالتفصيل الممل فى ثوان قليلة .. كرسي بجانب الدولاب و هى ساقطة بجانبه فبالتأكيد كانت فوق هذا الكرسى تجلب شئ من فوق الدولاب و ليس هناك شئ فوقه غير تلك الحقيبة التى كانت تضم ملابسها و طلب من مارى أن تأتى بها من بيتها عندما كان بالمشفى .. لكن ماذا تريد منها لقد طلب من مارى افراغ ملابسها كلها حتى أنه عندما فتح الدولاب ليخرج لها ثياباً لاحظ أن ثيابها بأكملها موضوعة بشكل منمق .. بالتأكيد لا تريد ثياباً منها لأنها بالفعل فارغة .. استغرق تفكيره هذا جزءاً من الدقيقة قبل أن يقوم و يجلس بجانبها على الأرض ليمسك كاحلها الذى يتوجع .. أبعدت يده عن كاحلها بضيق و قالت من بين دموعها التى نزلت من تألمها : ملكش دعوة بيا .. روح كمل نومك
أمسك كاحلها مجدداً و قال بصرامة : هدى الدور و لينى دماغك عشان مادكيش قلم على وشك يلوحك
أبعدت يده مجدداً بخوف بعد كلماته لكنها قالت بعند : ماتقدرش أصلاً
ابتسم بسخرية و قال بنبرة تهديد ليجعلها تكف عن عندها هذا : عملتها قبل كده .. تحبى تجربى تانى و تعرفى إذا كنت أقدر ولا ماقدرش .. زمجر بوجهها قائلاً : أنا مابجيش بالعند ولا بالتحدى .. فخليكِ كويسة و بطلى عند و أنا أبقى معاكِ كويس .. تنهد بضيق و أستعاذ بالله من الشيطان الرجيم عندما أحس بخوفها منه .. لم يرد أخافتها منه كل ما أراده كسر عندها .. أمسك قدمها مجدداً و وضعها على ركبته .. شمر بنطلون بيجامتها قليلاً لتنزله هى مجدداً .. نظر لها بضيق و رفعه مجدداً ثم تحسس كاحلها برفق قائلاً بتساؤل : ديه اللى بتوجعك , صح !
اؤمأت برأسها و دموعها تنزل بصمت .. حرك قدمها برفق إلى أعلى و إلى أسفل , إلى الداخل و إلى الخارج لتشعر هى بتحسن خاصة أنه يتعامل مع قدمها برفق و لين .. قال بجدية و نظره مثبت على قدمها : أنتِ و دماغك الناشفة اللى بيخلونى أتعصب عليكِ و أخوفك منى .. لينى دماغك ديه مش كل موقف فى حياتك تقابليه بالعند .. خلى عنك مرونة فكرية .. رفع نظره لها و أردف قائلاً : فى حكمة مشهورة بتقول " دلائل الغباء ثلاثة العناد , الغرور , و التشبث بالرأى " .. أنزل قدمها على الأرض برفق و قام بتجاه الحمام .. التفت لها و قال بجدية : اللى بياخد العناد مبدأ أولى فى حياته بيخسر كتير .. صدقينى بيخسر كتير
دخل إلى الحمام و عاد لها مجدداً و هو يحمل رباط ضاغط بيده .. اقترب منها و جلس أمامها مجدداً .. أرجع قدمها على ركبته مجدداً و لفها بالرباط الضاغط برفق .. أنتهى من ربط قدمها .. قام و نزل بجسده قليلاً و حملها برفق ليضعها على السرير لكنها قالت بضيق : أنا هقدر أمشى .. نزلنى.. كان يمكنه أن يمشى خطوتين و يصل إلى الجهة القريبة من السرير لكنه وجد نفسه يدور حول السرير و يضعها من الجهة الأخرى .. لا يعلم لما فعل ذلك .. هل ليخبرها أن عندها و رأسها الحجرية لا تتماشى معه أم ليكون قريب منها إلى هذا الحد و هو يشتم عبقها !
عدل الوسادة خلفها ثم أحضر وسادة أخرى و وضعها تحت قدمها و هو يقول بجدية : أعتقد انه إلتواء بسيط بس لو زاد و تاعبك قوليلى عشان أوديكِ للدكتور
اؤمأت برأسها دون أن تنظر له .. ليجلس هو بجانبها على طرف السرير و هو يقول بتساؤل : كنتِ عايزة الشنطة ليه !
رفعت نظرها له بإستغراب .. كيف علم إنها كانت تريد الحقيبة .. لملمت شتات أفكارها و تماسكت ثم قالت بجدية : كنت عايزة ألم هدومى عشان أروح على بيتى و أرجع لحياتى الطبيعية .. أنا تعبت مامتك كتير و بقيت حمل تقيل عليها .. صمتت قليلاً و اكملت قائلة : هروح بيتى بقى كفاية قعاد هنا
تنهد بغيظ فكيف تفكر تلك الفتاة .. يتساءل دائماً ماذا إذا دخل عقلها و سار به مكتشفاً إياه .. ماذا سيجد بداخله .. هل سيجد مخاً طبيعياً مثل باقي البشر أم سيجد مخاً غير إعتيادى تماماً سيتنافس العلماء على حله و فهم من أى شئ هو مركب !
نظر لها بضيق و قال بتساؤل : هو حضرتك فاكرة إنك جاية هنا ضيفة يومين و تمشى !
أردف قائلاً بجدية : حضرتك مراتى و مدام حضرتك مراتى يبقى مكانك هنا مش هناك .. ولا حضرتك ناوية تخالفى وصية عمى و تطلبى الطلاق .. صمت قليلاً و قال بتساؤل : هو عمى ماقلكيش عن الوصية
كلمة " مراتى " التى قالها مرتين .. هزت عرش قلبها و أثرت بها .. أبعدت عينها عن عينيه حتى تتفادى اهتزاز قلبها و إرتجاجه بداخلها .. تنهدت بضيق و قالت بجدية : قالى و أنا مش هاخالف الوصية و مش هتطلق بس هارجع أعيش فى بيتى .. مش لازم أقعد هنا .. أردفت قائلة : اعتبرنى غضبانة فى بيت أهلى و سيبنى قاعدة هناك
اقترب منها إلى أن ألصق وجهه بوجهها حتى إنها شعرت بأنفاسه و قال من بين أسنانه : أنسى .. أنسى حكاية إنك تمشى من البيت ده و ترجعى هناك .. ابتعد عنها و اعتدل فى جلسته قائلاً : كده كده هاريحك منى و مش هاتشوفينى كتير غير كل فين و فين ؟
قربه منها لتلك الدرجة جعل جميع أواصلها ترتعش و قلبها يدق بعنف .. كادت أن تبعده عنها حتى تعيد نسق تنفسها إلى طبيعته لكنه ابتعد قبل أن تبعده و قال لها كلمات لم تفهمها فنظرت له بعيون تنطق بالإستغراب ليقول هو بجدية : أنا هسافر ألمانيا عشان أمشى الشغل فأطمئنى مش هتشوفينى كتير .. أردف بجدية قائلاً : خليكِ قاعدة مع ماما هى بتحبك و أعتقد إنك كمان بتحبيها و هتونسوا بعض بدل ما هى تقعد لوحدها و أنتِ تقعدى لوحدك و أبقى قلقان عليكوا أنتو الإتنين
خانها قلبها و أعطى الأذن لعيونها أن تنزل دموعها بعدما سمعت بسفره .. لماذا سيتركها و يسافر .. هل حقاً ما يقوله أم أنه يقول هذا فقط حتى لا يجعلها تغادر المنزل .. تمنت هذا حقاً لكنه لن يحدث فيبدو على ملامحه الجدية .. لم السفر .. لم سيسافر و يتركها وحيدة دونه .. دون أن تشعر بوجوده بجانبها لتعاند هى معه و تنفذ عكس ما يطلبه .. سيسافر و ستعجز عن المعاندة معه لأنها بكل بساطة ستراه لمرات قليلة فقط !
نظر لها بدهشة لدموعها التى نزلت فجأة و قال بتساؤل : أفهم من دموعك ديه إنى هوحشك لما أسافر !
مسحت دموعها و تجاهلت سؤاله قائلة : هاتسافر أمتى ؟
أدهم بجدية : بكره بليل
اؤمأت برأسها بتفهم قائلة : مدام هتسافر و مش هشوفك كتير فى البيت يبقى أنا هفضل قاعدة هنا مع مامتك
ظل صامتاً لبعض الوقت ثم قال بجدية : ياريت ماحدش يعرف حاجة عن الموضوع اللى أتكلمنا فيه يوم الفرح و أنتِ نفسك تنسيه و ماتتكلميش فيه حتى لو مع نفسك .. قام بعدها حتى لا يعطيها مجالاً للمجادلة و أغلق الأنوار ثم قال بجدية : لو عايزة النور قوليلى عشان أشغله تانى
حركت رأسها نافية و قالت و هى تمنع دموعها من النزول : عايزاك تطلع بره عشان أنام
كاد أن يخرج لكنه عاد لها مجدداً و قال بجدية : على فكرة أنا ماكنتش أعرف حاجة عن الوصية ولا اللى مكتوب جواها
كاد أن يغلق الباب لكنها ندهته .. تنهدت بضيق و قالت بتساؤل : فين أسيل و ماما منال ؟
أدهم بجدية : أسيل روحت و قالت إنها هترجع تانى بس مش عارف اتأخرت ليه و ماما قاعدة مع سارة عشان تعبت الصبح و احتمال تبات معاها
اؤمأت برأسها و نظرت فى إتجاه أخر ليغادر هو الغرفة بعدها .. أتى بعد دقائق ليست بكثيرة و دخل الغرفة و هو يحمل هاتفه بيده .. أقترب منها ليجدها منكمشة بنفسها .. ربت على كتفها قائلاً : كلمى أسيل
حاولت مسح دموعها حتى لا يراها ثم مدت يدها و أخذت الهاتف منه ليغادر هو الغرفة .. وضعته على أذنها لتسمع إعتذار أسيل و هى تخبرها إنها ستأتى لها غداً بالصباح الباكر !
كانت تشعر بالغيرة لأنه حدثها أولاً و غير ذلك رقمها الموجود على هاتفه حتى إنها أنهت معها الإتصال سريعاً .. بعدما أغلقت الخط قلبت فى الهاتف لتعرف من هو المتصل .. وجدت إنه هو من اتصل بها .. أغلقت الهاتف بضيق و ألقته بجانبها بضجر ثم ظلت تبكى على حظها و كل ما يحدث معها .. توقفت عن بكائها فجاءة و أمسكت هاتفه مجدداً و فتحته لتجد ذلك القفل الذى يغضبها .. كان القفل مكوناً من 4 خانات .. قررت أن تسد الخانات باسم من أربعة حروف علها تفلح .. أول أسم خطر على بالها هو أسم أسيل .. أدخلته ليعطيها " رمز خطأ " .. ابتسمت بفرحة رغم ما بها من هموم لأن الرمز لم يكن أسمها .. هى تحبها و تعتبرها بمثابة أختها التى وقفت بجانبها فى أفجع لحظات مرت بها بحياتها لكن عنده يجب أن تتوقف .. ظلت تجرب أسماء عديدة تعرفها مكونة من 4 أحرف مثل توتة .. أدهم .. سارة .. أحمد .. مراد .. كل الأسماء تفشل .. وضعت الهاتف جانباً فيبدو أنها لن تعرف الرمز أبداً كما أنه يمكن أن يكون أرقاماً مختلطة مع حروف .. ظل عقلها يعمل و هو يفكر فى رمز .. أتى ببالها أسم مقرب لها بشدة لكنه من المستحيل أن يكون هو .. أمسكت الهاتف سريعاً .. و بدأت بكتابة حروفه بخطوات بطيئة و هى توقن أن الإجابة ستكون بالنفى .. ضغطت أخر حرف من أسمها لينفتح الهاتف بنفس لحظة دخول أدهم الغرفة .. اقترب منها و قال بتساؤل : خلصتى !
مدت يدها بالهاتف له و هى شاردة ليأخذ هو الهاتف منها و يغادر لغرفة أخرى .. ليتركها غارقة بأفكارها و إندهاشها .. لماذا جعل أسمها رمزاً سرياً .. لا أحد يفعل ذلك إلا إذا كان الشخص عزيزاً عليه و يحبه ! ترى لماذ فعل هذا ؟ هل يكذب على الهاتف أيضاً بشأن حبه لها و أنها شخص عزيز على قلبه !
صباح يوم جديد .. دخل للمطبخ ليشرب بعض المياه و يضع بفمه بعض الطعام .. وجد أمه جالسة بالمطبخ تحضر الفطور .. اقترب منها و قال بتساؤل : ماما حضرتك جيتى أمتى !
نظرت له بضيق و قالت بجدية : من ساعة كده
نظر لها بإستغراب و قال بتساؤل : فى حاجة ! سارة كويسة !
نظرت له بضيق و قالت بعتاب : ينفع اللى بتعمله ده يا أدهم يعنى أنا سبتلك البيت و روحت لأختك و فرحت أن أسيل كمان روحت عشان تبقوا لوحدكوا و تقعدوا مع بعض شوية تتفاهموا و تثبتلها إنك بتحبها أجى ألاقيك نايم فى أوضة و هى فى أوضة
تنهد بضيق و قال بجدية : فى موضوع أهم من ده دلوقتى
منال بدهشة : موضوع ايه ده !
أدهم بجدية : أنا هسافر إنهارده بليل ألمانيا
نظرت له بدهشة و أغرورقت عيناها بالدموع قائلة : يعنى ايه هتسافر ألمانيا .. قولى يعنى ايه الكلام ده ! مش أنت قولت هتتجوز تالا و تستقر هنا و مش هتسافر تانى .. و بعدين هتسيبنى لوحدى تانى بعد ما مليتوا عليا البيت أنت و تالا
أدهم بجدية : تالا هتفضل قاعدة معاكِ
صاحت به منال قائلة : يعنى ايه هتفضل قاعدة معايا و أنت تسافر ؟ ايه الجوازة الغم بتعتكوا ديه .. قولى تفرق ايه أنت عن أبوها لما سابها و سافر عشان تفضل لوحدها
تنهد أدهم بضيق و قال بنافذ صبر : تالا ماينفعش تسافر معايا .. تالا عندها كلية و إمتحانات قريبة لازم تذاكر لها
صاحت منال بوجهه قائلة : ماتسافرش أنت كمان و خليك جمبها و جمبى
أدهم بجدية : ماينفعش يا ماما .. الشركة هتقع لو ماسفرتش .. أردف بحزم قائلاً : أنا كده كده مسافر حجزت طيارة الساعة 6 إنهارده .. كاد أن يغادر لكنه عاد لها مجدداً و قال
بجدية : ماما لو سمحتى أبقى أطمئنى على تالا كل شوية و معلش هتعبك معايا حضرلها
فطار عشان مش هتقدر تقوم .. وقعت أمبارح و رجليها أتلوت .. اؤمأت برأسها بضيق ليغادر المطبخ بعدها لغرفته .. غير ثيابه سريعاً و فتح باب الفيلا ليغادر لكنه وجد أسيل أمامه .. أمدته بمفتاح السيارة قائلة بأسف : أسفة يا أدهم إنى اتأخرت بس عقبال ما صحيت
ابتسم أدهم لها و قال بجدية : ولا يهمك أهم حاجة إنك جبتيها فى وقتها .. ودعها و غادر إلى حيث هو ذاهب .
دخلت أسيل تبحث عن أهل هذا المنزل لتجد منال بالمطبخ .. ابتسمت منال لها و احتضنتها قائلة : تعالى يا حبيبتى أفطرى أنا لسه عاملة الفطار
أسيل بابتسامة : ربنا يخليكِ يا طنط .. أردفت بتساؤل قائلة : هى تالا لسة نايمة ؟
منال بجدية : روحى شوفيها يا حبيبتى و أنا هجيب الفطار و نفطر فى أوضتها
ابتسمت أسيل لها و غادرت لغرفة تالا .. دقت الباب و دخلت لتجد تالا مستيقظة لكنها
نائمة على السرير و تضع قدمها على الوسادة .. اقتربت أسيل منها و جلست بجانبها لتجد أثار الدموع على وجهها .. مسحت أسيل دموعها التى باتت شئ عادى و قالت بتساؤل : أنتِ رابطة رجلك ليه ؟
نظرت لقدمها و هى تتذكر يوم أمس و لمسته الحانية على كاحلها التى كانت لها مفعول سحري خفف ألام قدمها .. تنهدت و قالت بجدية : وقعت أمبارح بس جت خفيفة الحمد لله
أسيل بعتاب : مش تخلى بالك من نفسك .. أردفت بأسف قائلة : أنا أسفة يا تالا إنى سيبتك امبارح بس مامى قالتلى أجيلك عادى بس مابتش
نظرت لها تالا بإستغراب و قالت بدهشة : أنتِ بقتى تكلميها !
اؤمأت أسيل برأسها و أخبرتها أنها تصالحت معها و تناولا الطعام لأول مرة بحياتهما معاً و البسمة مرسومة على وجههما .. أردفت قائلة بخيبة أمل : هى لسة بتغير منى على بابى برده بس مش مشكلة .. أحسن ما نبقى فى بيت واحد ماحدش فيه بيكلم التانى
فرحت تالا لها لأنها فرحة و استطاعت أخيراً أن تتأقلم مع حياتها و قدرها .. صمتت أسيل لبعض الوقت ثم قالت بتساؤل : تالا ممكن أسألك سؤال بس ماتتضايقيش ؟
اؤمأت تالا برأسها لتقول أسيل بتساؤل : أنتِ ليه مش عايزة تسامحى مامتك و تكلميها عادى مع إن لما كنت متخانقة مع بابى و مامى كنتِ دايماً بتقوليلى أصالحهم و أسامحهم مهما عملوا و كمان أن رضا ربنا فى رضا الوالدين .. أردفت قائلة : حتى كنتِ دايماً بتقولى حديث عشان توثقى الكلام بالدين .. حكت يدها برأسها تحاول تذكر الحديث لكنها لم تستطع فقالت بخيبة أمل : أنا مش فاكرة الحديث بس أكيد أنتِ فكراه
ظلت صامتة لبعض الوقت تفكر بكلماتها ثم قالت : أولا ديه ايه مش حديث .. بسم الله الرحمن الرحيم " ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾
[الإسراء:23].
دخلت منال عليهما و هى تحمل صنية الطعام قائلة بابتسامة بشوشة : صدق الله العظيم .. ممكن أشارك فى حديثكوا اللى سمعته بالصدفة و أنا داخلة !
اؤمأت تالا برأسها لتضع منال الصنية من يدها جانباً و تجلس على السرير بجانب أسيل و تالا .. تنهدت تنهيدة طويلة و قالت بتساؤل : تعرفوا وصايا لقمان لأبنه اللى ذكرت فى سورة لقمان !
حركت أسيل رأسها بالنفى لكن تالا ظلت صامتة فهى تعرفها .. ابتسمت منال و قالت بجدية : لقمان الحكيم هو راجل صالح ربنا آتاه الحكمة .. أوصى أبنه فى سورة لقمان بعدة وصايا .. ترتيبها فى القرآن
1– النهى عن الشرك بالله
2 - الإحسان إلى الوالدين
3 – التنبيه على اطلاع الله على كل صغيرة و كبيرة
4 – الحرص على إقامة الصلاة
5 – الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر
6 – الصبر على المصائب
7 – التواضع و عدم التكبر
8 – خفض الصوت عند الكلام
أخذت نفسها ثم أردفت قائلة بجدية : مش هخرج عن موضوعكوا اللى كنتوا بتتكلموا فيه فهتكلم عن الإحسان إلى الوالدين و دى بتكون الوصية التانية من لقمان لأبنه بعد الشرك بالله علطول .. بسم اللهالرحمن الرحيم " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير " صدق الله العظيم .. أوصى لقمان أبنه ببر الوالدين فالوالدين لهم حق على أولادهم و غير كده قرن ربنا تعالى حقه العظيمُ بحق الوالدين و ده بيدل على إنه من أعظم الحقوق .... عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "جاء رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ، قال: (أمك) ، قال ثم من؟ قال: (أمك) ، قال: ثم من؟ قال: (أمك) ، قال: ثم من؟ قال: (أبوك)
حولت نظرها لتالا و قالت بنظرة ذات معنى : شوفتى الرسول صلى الله عليه و سلم قال أمك كام مرة و فى سورة لقمان الآية اللى لسة قيلنها ربنا ذكر حال الأم تحديداً عشان هى فعلاً عظيمة .. حملت فى بطنها جنين تسع شهور .. اتحملت ألم الحمل و الولادة .. الأم ديه هى مفتاح للرحمة فى الدنيا
نزلت دموعها و أجهشت بالبكاء قائلة من بين دموعها : عايزنى أسامحها إزاى و أبرها و هى كانت دايماً بعيدة عنى .. اختارت البعد و راحت اتجوزت صاحب بابا بعد ما كانت بتتكلم معاه و تحكيله عن كل أسرار حياتها .. عارفة لما قابلتنى بعد سنين غياب قالتلى ايه ! قالتلى " وحشتينى " و لما أنا بعدتها على أمل إنها تقرب منى تانى و تقولى أسباب بعدها بعدت ومافتحتش بقها تانى معايا ولا أدتنى أى عذر حتى لو مش مقنع عشان أقتنع بيه .. أسامحها إزاى و هى بعدت عنى فى أقرب وقت كنت محتاجاها فيه لما كنت عايشة لوحدى فى فيلا طويلة عريضة مش لاقيه أى حد يمدلى ايده يساعدنى و يقف جمبى .. أكتر وقت كنت محتاجاها فيه جمبى هى اختارت البعد
ضمتها منال لها و تنهدت ثم أردفت قائلة : بسم الله الرحمن الرحيم " وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيل مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " .. تمعنت بتالا قائلة و هى تربت عليها بحنان : الواجب بر والإحسان للوالدين والطاعة إلا أذا أمراكِ بالشرك والمعصية ساعتها بقى لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، و ده مايمنعش من القيام بحقهما ولو دعوكِ إلى الشرك .. أردفت قائلة بجدية : تفتكرى فى أكتر من أن يبقى الوالدين مشركين و بالرغم كده ربنا قال " وصاحبهما في الدنيا معروفا " .. بعدتها عنها قليلاً و قالت بجدية و هى تنظر لها : ماحدش هيجبرك على إنك تكلميها أو تسامحيها .. أردفت بجدية قائلة : أنا عارفة إنك لما تفكرى فى الكلام اللى قولناه ده أنتِ بنفسك هتسامحيها من غير ما حد يجبرك أو يأثر على رأيك .. صمتت قليلاً و قالت : بس ياريت متتأخريش فى التفكير عشان ماتندميش و لما تقررى تسامحيها تبقى هى مش مودجوة .. أبعدتها عنها كلياً و قامت جلبت صنية الطعام و قالت بابتسامة : يلا ناكل بقى عشان أنتِ كده عماله تخسى و مش هنشوفك بعد كده
مسحت دموعها و قالت بجدية : كلوا أنتوا أنا مش جعانة
منال بعتاب : و تزعلينى منك !
قامت أسيل و جلست على ركبتها قائلة : أنا كمان هزعل لو ماكلتيش .. أردفت قائلة : و بعدين أنتِ عارفة إن نفسى مسدودة علطول و مش باكل غير لما حد يفتح نفسى على الأكل
ضحكت تالا على كلماتها ضحكة صغيرة و قالت بنصف عين : يا بت بقى أنتِ نفسك مسدودة علطول
نظرت للجهة الأخرى و قائلة بحرج : بلاش إحراج قدام طنط يا تالا بقى
ابتسمت منال و أسيل عليها ثم بدؤا بتناول الطعام معاً .. لاحظت منال عدم وجود الدبلة بيدها و هى تأكل فقالت بتساؤل : تالا فين الدبلة ؟ أردفت بدهشة قائلة : أنا أول مرة أخد بالى إنك مش لابساها
نظرت ليدها و فركتها بتوتر قائلة بجدية : أصل أنا كنت قلعاها لما روحت عند بابا البيت و سيبتها على الكمودينو و اللى حصل خلانى أنساها خالص
ابتسمت لها منال و قالت بجدية : طب كملى أكل يلا و نبقى نشوف موضوع الدبلة ده بعدين
اؤمأت تالا برأسها و أكملت تناولها للطعام .. بعدما أنتهوا من تناول الطعام .. قامت منال و حملت الصنية إلى المطبخ لتذهب أسيل وراها و تسألها إذا كانت تحتاج مساعدة .. أما تالا فظلت جالسة تفكر بكلام منال و أسيل و تقلبه برأسها .. قطع تفكيرها دق الباب و من ثم دخول أدهم عليها و هو يحمل حقيبة كبيرة تجهل ما بداخلها .. جلس بجانبها على حافة السرير كعادته و قال بتساؤل : رجلكِ عاملة ايه دلوقتى ؟
قالت دون أن تنظر له : الحمد لله
أدهم بتساؤل : محتاجة أوديكِ لدكتور قبل ما أسافر
هزت رأسها قائلة بجدية : لا
أدهم بتساؤل : متأكدة
اؤمأت برأسها دون أن تتكلم .. فتح الحقيبة و قال بجدية : ديه كل كتبك اللى كانت فى الفيلا .. الإمتحان فاضله 15 يوم بالظبط .. هتذاكرى و تمتحنى ولا نأجل السنة ديه
ظلت صامتة لبعض الوقت تفكر ثم قالت بجدية : مش هأجل
اؤمأ برأسه قائلاً بتفهم : يبقى أحسن برضه .. أخرج بعض الأوراق و قال بجدية : ده ورق متصور من كشكول أشطر بنت فى الدفعة .. ما
