اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم صابرين



37- جار متحرش
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
اغمضت عينيها بتعب تستمع لحديث العميد في استحالة نقلها من هنا خاصةً في فترة الاختبارات هذه، وقد قص عليها نفس ما قصه العميد الآخر على عائشة، لا يهمها كل هذا الهراء فهى تريد أن تخرج من هذه الكلية بأي طريقة ممكنة
فارقت بين جفنيها عندما استمعت إلى صوت عاصم يناديها إذ كان موجود معهم في مكتب العميد :
-شروق انتي كويسة؟؟
وضعت الأخرى رأسها بين كفيها تشعر بالتخبط الشديد :
-لأ انا مش كويسة ومش هقدر امتحن بكرة حاسة إني نسيت المنهج كله، انا حتى معرفش علينا ايه بكرة
شعر عاصم بالأسى عليها وقد اشفق عليها العميد فقال :
-شروق انتي اتكلمتي مع حد عن اللي حصل، مع والدك أو والدتك أو حتى دكتور نفسي
-محدش يعرف إني شوفت واحدة بتتدبح قدامي لا بابا ولا ماما، قولتلهم إني أتحبست في الحمام كذا ساعة من غير ما حد يفتحلي
اعترض عاصم على هذا الكذب إذ صاح محاولًا خمد عصبيته :
-انتي كده بتعقدي الأمور وعمرك ما هتعرفي تتخطي ده لوحدك
انخفضت نبرته قليلًا فأصبحت هادئة يكسوها الحنو :
-انا عارف ان اللي شوفتيه مكنش سهل ومش سهل علي أي حد يتخطاه، انا عايزك تتكلمي تخرجي المشاعر اللي جواكي مهما كانت هى ايه
ادمعت عيني شروق وقد استحكمت حلقها غصة مريرة :
-انا مش عارفة اطلع من اللي انا فيه، مش عارفة أكل ولا أنام من الكوابيس ولا حتى اتكلم مع حد
تقدم عاصم قليلًا للأمام إذ كان يجلس في المقعد المقابل لها يفصلهما طاولة صغيرة، ليقول بتركيز شديد يريدها أن تنفتح له، يريد أن يساعدها :
-بتشوفي ايه في كوابيسك؟!
-نفس الحمام اللي اتحبست فيه والدم بيدخل من تحت الباب، انا دلوقتي بخاف من أي حاجة لونها أحمر حتى الأماكن المقفولة الضيقة، انا خوفت ادخل حمام القطر علشان ضيق ومقفول حسيت نفسي ضاق قوي
استنتج عاصم أنها قد تعاني لاحقًا من فوبيا الأماكن الضيقة وفوبيا من الدماء، لكن عليه ألا يستبق الأمور لذا تنفس بهدوء وقد سألها سؤالًا آخر :
-ليه مقولتيش لوالدك ووالدتك عن الحقيقة وكدبتي
علت ابتسامة جانبية ساخرة على طرف شفتيها ثم قالت :
-علشان الناس قالوا إني اتلبست وحللوا من دماغهم خوفت أقولهم إني شوفت واحدة بتتقتل قدامي يطلعوا إشاعة تاني
-وليه تهتمي لكلام الناس ما طول عمرهم بيتكلموا ويطلعوا الإشاعات على هواهم، الناس هتشيل الهم معاكي؟؟ الناس هتحس بوجعك؟؟ الناس هيساعدوكي تتخطى اللي شوفيه؟! اللي يهتم بكلام الناس عمره ما هيقدر يعيش بسلام، وطبعًا خوفتي تروحي لدكتور نفسي علشان الناس؟؟
نفت الأخرى رأسها ثم أجابته بوهن وقد كانت هذه أطول محادثة تفعلها من وقت وقوع الحادث :
-لأ، انا مش عارفة اتكلم مع حد
-بس انتي بتتكلمي أهو يا شروق
نطق بها العميد متابعًا الحوار منذ البداية فأكمل عاصم مبتسمًا بهدوء :
-انتي محتاجة تتكلمي أكتر، علشان تخرجي من الحالة دي قبل ما تبقى انتكاسة، لازم تخرجي وتنسي اللي شوفتيه وتتعايشي من جديد، على سبيل المثال ايه رأيك تتمشي شوية على البحر في الصبح مرة وفي الليل مرة، تشتري حاجات، تتكلم مع حد انتي بترتاحي في الكلام معاه، ابعدي على قد ما تقدري عن الأماكن المغلقة على الأقل الفترة دي
-طب والامتحان اللي بكرة ده، انا محتاجة اذاكر ومعنديش طاقة
أخرج عاصم هاتفه وأعطاه لها ثم قال :
-اكتبي رقمك وانا هتصل عليكي النهاردة المغرب فيديو كول واشرحلك كل حاجة انتي مش فهماها، وعايزك متتغطيش على نفسك في المذاكرة وفي نفس الوقت متفكريش في اللي حصل، كل ما تلاقي نفسك هتبتدي تفتكري في الموضوع اشغلي نفسك في أي حاجة، تاكلي، تذاكري، تخرجي، تتكلمي في أي مواضيع تانية مع أي حد
نظرت الأخرى إلى هاتفه القابع بين يديها ثم نظرت إلى العميد وكأنها تسأله ماذا تفعل فقال الآخر بنبرة جادة :
-وافقي على إنه يشرحلك انتي محتاجة لدافع يساعدك على المذاكرة وتبعدي عن التفكير، اعتبريه درس خصوصي بس أون لاين وهو في الآخر الدكتور بتاعك كأنك بتحضري سيكشن طويل، دي فرصة مش بتتكرر على فكرة
تنهدت شروق ولا تدري أهذا صائب أم لا ولكنها بالفعل بحاجة ماسة للمساعدة على الدراسة وعلى تخطي ما رأته في ذلك اليوم لربما تعود حياتها كما كانت وتتخلص من هذا الظلام الذي يود ابتلاعها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلفوا إلى شقتهم بعد يوم عائلي لطيف في منزل عمها محفوظ، وما إن دلفت رقية إلى المنزل حتى صاحت قائلة وهى تهم بخلع حذائها، متذكرة ما قالته لها نور :
-يوسف ابقى اتصل على براءة
انتبه الآخر لما قالت ليعود بسرعة بعدما كان يهم بالدخول إلى غرفته :
-ليه مالها؟!
اعتدلت رقية بعدما خلعت الحذاء ثم أجابته مبتسمة بتهكم :
-قبل ما أقولك مالها هو انت معاك رقمها أصلًا
آماء يوسف بهدوء ثم قال :
-معايا رقمها بس بصراحة متصلتش عليها لحد دلوقتي مش مجهز حاجة اقولها ومكسوف اتكلم معاها فأتلخبط في الكلام
حدقت به رقية ببلاهة شديدة بينما علىٰ صوت ضحكات يونس في المكان حتى أنه كاد يسقط أرضًا أثناء خلعه لحذائه :
-مكسوف تكلم خطيبتك يا يوسف أومال بعد ما تتجوز هتخلف منها ازاي بالبلوتوث
كتمت رقية ضحكتها على ملامح يوسف المتشنجة، وقد اتسعت أعين عبلة من جرأة ابنها فيما قال فلكمته في كتفه صائحة :
-ايه اللي بتقوله لأخوك ده عيب، ما تشوفي ابنك يا محمد
-لأ انا رأيي بصراحة نشوف التاني أهم دلوقتي ليعرنا بعدين
نطق بها محمد بمزاح ثم نظر إلى يوسف وقد أضاف :
-مكسوف تكلمها ليه يا يوسف؟! ده انت قربت تكمل سنة معاها في المستشفى، ست ساعات متواصلين يوميًا وتقولي مكسوف؟!
حمحم الآخر بحرج منسحب من البهو إلى غرفته دون أن يجيب بينما صاح يونس خلفه قائلًا :
-متبقاش خام كده يا يوسف البنات تحب الواد اللي يعرف يتكلم، هبقي أخلي حمزة يديك دروس
وضعت عبلة يدها على فمها حتى لا تضحك، لا تصدق أن يوسف لم يتصل على خطيبته حتى الآن، وعلى الأرجح هو خجِل بالفعل فابنها منذ صغره خجول ولا يحب الاختلاط مع النساء، وإن أجبر على التحدث معهن يقتصر كلامه على جملة أو اثنتين وبحدود :
-عيب يا أولاد كسفتوا أخوكم
ارتفع طرق الباب فتحرك يونس حتى يفتحه وقد أبصر الطارق سفيان، ظن أن هناك جديد في القضية لكن وجود عمر وجدته معه وباقة الزهور هذه جعلته يدرك أن الأمر أبعد ما يكون عن القضية :
-خير يا ابن فياض باشا ايه اللي جابك عندنا
نطق بها مقلدًا إياه عندما أتى له واستقبله بكل فظاظة، والآخر ابتسم له ابتسامة متهكمة رافعًا أمامه علبة شوكولاتة ثم قال :
-جايين ومعانا ورد وشوكولاتة هنكون جايين نعمل ايه عندكم؟ نصلح السخان علشان مش بينزل مياه سخنة؟!
اقترب محمد من الباب ودفع ابنه جانبًا وقد دعاهم للدخول بلباقة، بينما تحرك يونس نحو ممر الغرف حيث كانت تقف رقية مع والدته التي أشارت له بأن يأتي متسائلة :
-مين على الباب يا يونس
-سفيان وأخوه وجدته، وجايبين معاهم شوكولاتة وورد
بهت وجه رقية فجأة بينما قالت عبلة بتعجب :
-جايين دلوقتي من غير ما يدونا خبر؟! ده انا معنديش حلويات أقدمها
ازدردت رقية لعابها بصعوبة فقال يونس بشك متعجبًا ارتباكها هذا والذي أبعد ما يكون عن خجل الفتيات في مثل هذه الظروف :
-مالك يا بنت مش مظبوطة كده ليه!؟
رمشت الأخرى بأهدابها ثم قالت :
-أصل عمر قالي امبارح إنهم جايين النهاردة الساعة سبعة بس هو قالي بالليل قبل ما أنام ولما صحيت كنت فاكرة إن ده حلم فمقولتش لبابا
رفع يونس يده وود لو يهبط بها على رأسها الأحمق هذا فسارعت عبلة بإبعاده صائحة بخفوت :
-انت بتعمل ايه هو ده وقته، اتصل على البواب بسرعة يجيب جاتوه وحاجة ساقعة للضيوف
نظرت إلى رقية بتهكم ثم دفعتها من أمامها قائلة :
-وانتي ادخلي البسي حاجة حلوة وظبطي نفسك كده، الحمد لله إني نضفت البيت قبل ما نمشي وإلا كنت اتحطيت دلوقتي في موقف يكسف من وراء نسيانك يا رقية
أما عند يوسف لم يستمع لما يحدث في الخارج وهذا بسبب جلوسه في الشرفة، يقبع بين كفيه هاتفه على رقم براءة، وقد حصل على الرقم من إدارة العاملين بالمشفى ولكنه شعر بتردد في الإتصال بها
طوال حياته التسعة والعشرون لم يحادث فتاة بأريحية ولا حتى في فترة الجامعة، الفترة التي يرتبط بها أغلب الشبان والفتيات ولكنه لم يكن يميل لمثل هذه الأمور رغم إعجاب بعض الفتيات به، فهو يمتلك ملامح وسيمة وخصلات سوداء غزيرة وبشرة بيضاء ولحية مُدرجة، جسد طويل وكتفين عريضين
كل هذا كان يجذب أنظار الفتيات له ولكنه لم يبالي يومًا بهن بل كان يهتم بدراسته أكثر، وفي العطلة يلتصق بوالده في مركزه الطبي حتى يكتسب خبرة، لم يكرس الوقت أبدًا لمثل تلك الأمور، ففوق أنه محرم إلىٰ أنه كان يرى أيضًا أنه من السخيف أن تصادق فتاة وتتحدثان بالساعات ويولد بينكما إعجاب ثم حب ثم تنقلب الأمور لضجر وفتور ثم تجاهل
وفي النهاية سينسحب إحدى الطرفين وينكسر قلب الآخر
وكل هذا جعله غير مدرك لكيفية التحدث لفتاة دون أن يظهر كأبله أمامها فلا يجيد حقًا الكلام المعسول، يبدو أنه سيحتاج بالفعل لبعض الدروس من حمزة
تنهد بحيرة وهو يفتح الهاتف مجددا، محدقًا في رقمها، هو الآن لا يصادق فتاة بل هذه خطيبته والفتاة التي ستكون بإذن الله زوجته، يجب أن يتحدث معها حتى يتعرف عليها أكثر ولأنه الرجل يجب أن يُقدم هو على الخطوة الأولى
اتصل عليها ولا يدري كيف سيبدأ الحديث ولكنه سيتعامل بعفوية دون محاولة إخفاء أي شئ، أتاه الرد بصوت ناعس كسول فقال يوسف متسائلًا :
-هو انتي نايمة؟؟
علمت صوته على الفور وكيف لا وهى تستمع لهذا النبرة منذ أشهر، تنفست ببطء وهى تخرج من المطبخ حيث كانت تعد كوبان شاي لوالديها ثم نادت على شقيقتها الصغيرة بأن تكمله وقد اختلت هى في المنضرة
نادى يوسف عليها عندما شعر أن صوتها انقطع ليأتيه الرد بعد ثواني بنفس النبرة الناعسة ولكن اتضحت له بأنها متعبة وكأن براءة تعاني من زكام :
-الو يا يوسف
اتسعت البسمة على وجهه كالأبله فهذه أول مرة تتخلى عن لقب "دكتور" وتناديه باسمه هكذا دون ألقاب :
-صوتك تعبان انتي عندك برد؟؟
همهمت بأجل ثم تساءلت وهى تحدق في رقمه الغريب :
-هو ده رقمك؟؟
-آه هو رقمي، سجليه عندك بقى
صمت وصمتت هى أيضًا لا يدري كلاهما ماذا يقال، فهذه أول مرة لها تُخطب لرجل، وهو أول مرة يحادث فتاة على الهاتف، وبعفوية منه قال :
-بصي انا مش عارف ايه يتقال في المواقف دي بس انا هكون عفوي واتمنى برضو إنك تبقي عفوية معايا
آماءت الأخرى وكأنها يراها ثم قالت :
-نور قالتلك إني مش هقدر ارجع إسكندرية اليومين دول علشان اخدت دور برد؟؟
-ألف سلامة عليكي يا براءة هفتقد وجودك حواليا في المستشفى
-آه ما انا كنت كتكوت بيجري وراء أمه في كل حتة شوية
خرجت منها هذه الجملة بعفوية منها جعلت الآخر يقهقه بقوة لهذا التشبيه، حكت الأخرى فروة شعرها بتوتر تسمعه يقول :
-يا براءة ما تخلي الفرح بعد ما سنة الإمتياز تخلص
-لأ بابا قال نطول شوية لازم نعرف بعض أكتر
ارتسمت بسمة جانبية على ثغره متسائلًا :
-طب انتي بقالك تسع شهور معايا لسه متعرفنيش؟!
-اللي أعرفه عنك من خلال الشهور دي إنك بني آدم بتراعي ضميرك في شغلك وانا بحترم النقطة دي، اللي بيراعي ربنا في شغله أكيد هيراعي ربنا في زوجته صح؟!
ختمت حديثها وكأنها تسأله ليطرح الآخر السؤال على نفسه، هل إن تزوج سيراعي الله في زوجته؟؟ وبشكل تلقائي وجد نفسه يتذكر معاملة والده لوالدته، ربما يمران بالمشاكل وهذا لأن الزواج لا يخلو بالطبع من المشاكل، ووالده في مثل هذه الحالات يصمت ويحدق بوالدته بأعين حانقة دون إضافة كلمة ثم يقول لهم
"الستات تحب الكلام، لو سكت الراجل هيفضلوا يتكلموا مع نفسهم لحد ما يتعبوا ويسكتوا"
وينتهي الأمر في النهاية بكوب شاي معًا في الشرفة يتعاتبان فيما بينهم، هو يشبه والده كثيرًا في شخصيته، نفس الهدوء، الرزانة، والتصرف بعقلانية، حتى حب مهنة الطب والعمل بها بشغف ودقة
إذًا سيكون مثل والده مستقبلًا سيتعامل مع زوجته بهدوء وعقل ناضج
وعلى أي حال معظم الأبناء ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم ويتذكرون معاملتهم لبعضهم السيئة قبل الجيدة، في المشاكل والفرح والحزن، ومستقبلًا الأبناء سيقلدون هذا، إن كان صالحًا أو طالحًا لذا يحذر الآباء والأمهات من خلق المشاكل أمام أطفالهم حتى لا يتأثروا بها
ابتسم وقد أجاب براءة بعد فترة وجيزة من الصمت :
-انا على قد ما أقدر هحاول اخليكي سعيدة، مش طالب أكتر من زوجة تفهمني وتربي أولادي صح
تنفست براءة على الجهة الأخرى ثم اعتدلت في جلستها هاتفة بجدية :
-طب بص علشان نكون على بينة ونور انا شخصيتي مش كسولة للدرجة اللي انت فاكرها انا عندي فقر دم ومن وقتها وانا مش بحب الحركة الكتير علشان انا بتعب مش علشان كسولة ماشي
آماء يوسف بإيجاب وقد أعجبه أنها بدأت حوار جديد وهذا يعني أنها تقبل الكلام معه وتريد أن تسمعه ويسمعها :
-تمام
-حاجة تانية لو مكتوب لينا نكمل مع بعض فأنا شخصية مش بتحب حد يفرض رأي أو فعل عليها، صدقني ببقى شخصية لا تطاق لو حاولت تفرض رأيك علىّ يا ابن الحلال علشان انا خلقي ضيق
-آه عارفها دي، أول مرة جيتي المستشفى مع عمي محفوظ كان شكلك شبه القنبلة الموقوتة منتظرة حد يلمسك علشان تنفجري، ولما سألت عمي قالي إنك جاية إسكندرية غصب عنك علشان كده مش طايقة نفسك
تعجبت الأخرى تذكره لمثل هذا الموقف، هى نفسها نسيت، بينما أكمل يوسف وعلى وجهه بسمة عريضة :
-وفاكر موقف تاني لما كنتي في يوم تحت تدريب رئيسية التمريض المس شريهان علشان انا كنت برا المستشفى وعملتي حاجة عصبتها فكانت بتخليكي تشتغلي أكتر من باقي الممرضات، روحتي في نص فترة العمل اخدتي بعضك ومشيتي من المستشفى وده طبعًا ما قولتي ليها إنها ست مفترية وظالمة ومش هتدخلي المستشفى غير لما الدكتور اللي بتشتغلي معاه يرجع، إن شاء الله حتى متجيش تاني وتسقطي في سنة الإمتياز
برمت براءة شفتيها متذكرة هذا الموقف بالطبع ولكن من أين له أن يعلمه وهو لم يأتي للمشفى يومها :
-ده انت مركز معايا بقى من زمان
-مؤخرًا لاحظت إني بركز أوي في تفاصيلك، بس علفكرة حركة غلط وجريئة اللي عملتيها مع المس كان ممكن تقولي للمدير مش تسيبي المستشفى وتمشي
صاحت الأخرى على الناحية الأخرى بغضب فاتسعت البسمة على وجه يوسف أكثر :
-الحمد لله إني مشيت علشان أقسم بالله لو كانت طلبت مني حاجة تانية يومها لكنت فتحت رأسها بجهاز الضغط، اليوم كله تطلب مني شغل في الأقسام كلها وباقي الممرضات قاعدين على الكراسي لا شغلة ولا مشغلة، بتستعندني فسيبتلها الجمل بما حمل هى ناقصة قرف من بنت القرعة دي
علت ضحكات يوسف بقوة فتراجعت براءة مدركة أنها نطقت بعدة كلمات لا تخرج من فتاة مهذبة، الآن سيظنها سرسجية حقيرة
جذبت ضحكات يوسف يونس إذ دخل إلى الغرفة ووجد أخيه يضحك في الهاتف فقال بتعجب :
-انت بتضحك هنا وعندنا ضيوف برا
استغلت براءة تدخل صوت غريب من الناحية الأخرى فقالت متهربة حتى تجلد ذاتها على كلمات الباعة المتجولين في الأسواق الشعبية التي خرجت منها بكل غباء :
-طب انا قفل دلوقتي سلام
أغلقت بسرعة فترك يوسف الهاتف ولا تزال آثار الضحكات على وجهه، فقال يونس مبتسمًا بعدما أبصر هوية الرقم الذي كان يحادثه :
-الله يسهله يا عم، ضحكك وصل آخر ميامي وتقولي محرج أكلمها أومال لو مش محرج
خفتت ضحكات الآخر ولا يزال محتفظًا ببسمته، لم يعتقد أن شخصيتها عفوية هكذا فكل ما كان يظنه من خلال تعامله معها خلال الأشهر السابقة أنها عنيدة وباردة وكسولة بالطبع، ولكنها الآن تفاجئه :
-ضيوف مين اللي عندنا؟؟
-عمر وأخوه وجدته وطبعًا جايين علشان رقية اللي هتتجوز وتسيبنا، وانت هتتجوز كمان وتسيبوني لوحدي يا كلاب
نطق بها متذمرًا وهو يعود مجدد لداخل الغرفة، شعر به يوسف فمن سيشعر به أكثر من نصفه الآخر الذي شاركة نفس الرحم ونفس الفراش ونفس الحليب، حتى أحرف اسميهما متشابه
دلف خلفه وقد عانق كتفه يخفف عنه حتى لا يشعر أنه سيكون وحيد في يوم من الأيام بعد رحيل رقية حين تتزوج وإبتعاده هو عنه، حتى إن كانا سيسكنان نفس البناية لكن ستكون هناك حياة خاصة لكلًا منهما ستبعدهما بالتدريج عن بعضهما، وللأسف هذه الحياة :
-متزعلش يا يونس ما انت في الآخر برضو هتتجوز انت كمان ولا ناوي تبقى راهب؟؟
-آه ناوي ابقى راهب علشان جربت موضوع الجواز ده واخدت خازوق محترم ومش مستعد اخد واحد تاني وانا لسه متعافتش كليًا من الأولاني
خرجت منه هذه الكلمات بصراحة مفرطة جعلت الآخر يقهقه بقوة فدلف محمد على أصواتهم مردفًا بغضب رغم انخفاض نبرته :
-انتوا قاعدين تضحكوا هنا وسايبين الضيوف برا؟! اطلعوا اقعدوا معاهم بدال ما انا قاعد لوحدي مش انتوا أخوات العروسة في الآخر
خرجا الاثنين خلفه نحو غرفة الضيوف بينما طرق محمد بخفة على باب غرفة رقية قائلًا :
-يلا يا رقية انجزي يا حبيبتي
أما بالداخل كانت الغرفة أشبه بسوق لبيع الملابس المستعملة، إذ كانت الملابس أكوام على الفراش، وعلى الأرض، وأسفل السراحة، بينما رقية تجلس في منتصف الخزانة تخرج جميع ما تمتلكه من الملابس الصيفية والشتوية ولكنها تعجز عن إيجاد شئ مناسب ترتديه
أخرجت فستان أسود ولكنها ألقته خلفها دون إهتمام فهى ليست ذاهبة لعزاء، وآخر أبيض منطفئ قليلًا ولكنه لم يعجبها فهذا ليس يوم الزفاف، أخرجت جيب وكنزة ولكنهم أيضًا لم يعجبوها فهذه المناسبة تحتاج لفستان
دلفت والدتها حتى تستعجلها ولكنها شعرت أنها فتحت بابًا لإحدى الأسواق وليست غرفة ابنتها، صاحت بها بصوت حاولت خفضه حتى لا يصل إلى الضيوف إذ قالت :
-انتي قالبة أوضتك وملبستيش لحد دلوقتي ليه؟؟
-علشان معنديش حاجة ألبسها
نطقت بها بنبرة مختنقة وكأنها على وشك البكاء فأشارت عبلة إلى أكوام الملابس قائلة بإنفعال :
-ده كله ومعندكيش حاجة تلبسيها؟! يا شيخة اتقي الله
أخرجت لها من بين أكوام الملابس كنزة قطنية بيضاء وجيب متسع بطبقات من خامة الشيفون باللون الأسود :
-البسي دول وظبطي شعرك وحطي حاجة بسيطة ميكاب، انا هخرج وأرجعلك بعد عشر دقايق انجزي فيها
خرجت عبلة واتجهت للمطبخ حتى تعد عصير طبيعي وهذا بعد أن تذكرت أنها تحتفظ بثمرتين مانجا في المثلج، وضعت العصير داخل اكواب مزخرفة لا تخرج أبدًا من الخزانة الزجاجية إلا للضيوف بل والضيوف من هذا النوع فقط
اتجهت إلى غرفة الضيوف التي يجلسون بها وقد وجدت الأجواء عادية بغض النظر عن بعض النظرات المريبة بين سفيان ويونس، فالاثنان يتقمصان دور والدة العريس ووالدة العروس
قدمت لهم العصير ثم جلست بجانب زوجها هاتفة برقي :
- اتفضلوا يا جماعة العصير
ابتسم يونس لسفيان بتهكم قائلًا :
-اشرب عصير مانجا يا سفيان إما عزمت عليا حتى بكوباية مياه لما جيتلك
رد له الآخر البسمة بأخرى باردة ثم أجاب وهو يتناول كوب العصير من فوق المنضدة الصغيرة التي تتوسط الغرفة :
-قولتلك المياه كانت قاطعة
نكزت ونس حفيدها ذو اللسان السليط حتى يتوقف وقد بدأت هى الحوار :
-أومال فين رقية؟؟
أجابتها عبلة وهى تقف من مكانها حتى تأتي بابنتها :
-هى بتجهز نفسها، انا هجيبها وآجى
نظر عمر نحو أخيه حتى يبدأ الحديث فترك الآخر الكوب على المنضدة ملبيًا نظرات شقيقه الصغير :
-طب ندخل في الموضوع إحنا وللمرة التانية جايين نطلب ايد بنت حضرتك يا دكتور محمد، وانا وانت سبق واتكلمنا في الموضوع في المستشفى
عدل محمد من وضعية نظارته ثم قال :
-إحنا اتكلمنا فعلًا وافتكر إنك قولت إنك هتيجي انت وجدتك وعمر بعد ما القضية اللي شغال عليها انت ويونس ما تخلص، مظبوط؟؟
-مظبوط بس السفاح مختفي من أكتر من خمس أيام تقريبًا وملوش أي أثر ومش عارف بصراحة القضية هتطول أكتر من كده ولا لأ وانا مش عايز عمر يستنى خاصةً وإنه جاهز والشقة جاهزة من كذا سنة، ولو عايزين نشتري الشبكة من بكرة إحنا موافقين
شبك يونس كفيه مستندًا بذراعيه على فخذيه لا تعجبه هذه السرعة فقال :
-بس أخوك لسه مفتكرش اختي يا سفيان ودي أهم حاجة
ابتسم عمر مجيبًا هذه المرة وقد خرج عن صمته :
-انا باخد علاج جديد وهو فعلًا بيجيب مفعول يعني على سبيل المثال انا لما دخلت الأوضة افتكرت حاجات وعن إني جيت الشقة دي قبل كده، حتى بالأمارة فاكر ان الخطوبة اتعملت هنا مش في قاعة
اتسعت البسمة على وجه سفيان، سعادةً لأن أخيه بدأ في التحسن، ليته استمع له منذ البداية وذهب معه لطبيب بعد عودته إلى مصر، ولكن لا بأس رب ضارةٍ نافعة
آماء محمد متفهمًا هذا الكلام فقال وهو ينظر إلى ابنيّه وقد بدا العبوس واضحًا في عينيهما :
-انا معنديش مانع نبدأ في الترتيبات من دلوقتي لو رقية وافقت، وأخواتها وافقوا طبعًا
ختم حديثه ناظرًا إلى ابنيه حتى يتشاركا أطراف الحديث، يعلم أنهما يشعران بالغيرة على شقيقتهما الآن، هذا الطبع بهما منذ ولدت رقية فيتعاملان معها وكأنها أميرة لا يحق لأحد النظر إليها
ولكن آن الأوان للأميرة بأن تتزوج من أمير وترحل عن هذا المنزل، هو أيضًا سيحزن على رحيل مدللته الصغيرة وللأسف هذه سنة الحياة، فحتى الطيور تغادر عشها عندما يطول ريشها وتستعد لصنع عشها الخاص
دلفت عبلة إلى الغرفة وخلفها رقية ولم ترتدي ما قالته والدتها بل ارتدت ما هو أفضل من وجهة نظرها، فستان باللون الزهري الغامق يصل إلى ما فوق كاحلها بقليل، يتناسب مع لون بشرتها البيضاء، وقد عكصت شعرها الأسود للخلف وتركت بعض الخصلات تتدلى على وجهها الجميل الذي زينته ببعض مستحضرات التجميل، واللون الوردي الغامق الذي زينت به شفتيها كان يجعل وجهها يضئ مع مساعدة إضاءة الغرفة العالية
ابتسم عمر بإتساع لرؤيتها بهذه الصورة الجميلة، وليكن صادقًا ربما هذه أول مرة يراها ترتدي فستانًا رقيقًا كهذا، فـفي العادة ترتدي ملابس شبابية تساعدها على الحركة المفرطة التي يمتاز بها الصحافيون
ألقت رقية التحية بخفوت وخجل فطري يلازم الفتيات في مثل هذه المناسبة ثم جلست بين والديها تستمع لثناء ونس عليها ببسمة خجولة، مال يوسف قليلًا على شقيقه هامسًا :
-أول مرة أسمع صوت رقية واطي كده، انا مكنتش أعرف إن عندها الدرجة دي من كتر ما صوتها عالي في العادي
وأجابه الآخر بنفس النبرة الهامسة وهذه المرة يملؤها التهكم والسخرية :
-ما هما البنات كده، لما يتقدملهم عريس صوتهم بيبقى زي الهامستر وفي الطبيعي صوتهم زي العرسة ليل ونهار، اصبر بس هتشوفي مارلين مونورو دلوقتي مش رقية أم لسانين
بدأ الحوار في الأمور المعتادة لمثل هذه المناسبة عن الشقة والوظيفة والدخل كما أن عمر قرر مؤخرًا أن يبدأ العمل في إحدى الشركات التي تحتاج إلى مهندسين برمجة ويحاول الآن الإبتعاد عن عمله الخاص على الإنترنت كما طلب منه سفيان في الوقت الراهن بالذات، حتى لا يُدخل نفسه في مشاكل هو في غنى عنها
انتهى الأمر بقراءة الفاتحة والاتفاق على شراء خاتم الخطوبة غدًا، وستكون الخطوبة آخر الأسبوع بينما عقد القرآن في آخر الشهر، أطلقت ونس زغروطة قوية
وودت عبلة أن تقلدها لكنها لا تستطيع أن تفعلها بنفس الشكل الذي تفعله ونس والتي بدت كخبيرة في هذه الأمور وهى بالفعل كذلك، فـعلى مدار أعوامها الخمسٌ والثمانون حضرت عشرات مناسبات الزفاف وخطوبة، والآن زاد الرحمن في عمرها لتحضر زفاف حفيدها الثاني، وتدعو ربها أن يرزق الأول بزوجة أصلح من زوجته الأولى
نظرت إلى سفيان وربتت على كتفه هاتفة بصدق خرج من قلب أمومي :
-عقبالك يا سفيان، شد حيلك بقى قبل ما عمرك يجري
تبسم لها سفيان مقدمًا المشيئة وود لو يخبرها أنه وجد بالفعل زوجة له، جميلة رقيقة، بقلبٍ صافٍ، شعر قلبه بالألفة والسكينة معها، وود أن توافق على طلب زواجه منها حين عرضه عليها هذا الصباح، ولكنها طلبت منه أن يمهلها وقت حتى تجمع شتات نفسها، فلم يمر الكثير على خروجها من تجربة بشعة دامت لسنوات وتركت لها ندوب وجراح تريد أن تداويها قبل أن تخوض في تجربة علاقة أخرى
هو قدر لها هذا خاصةً مع حديثها المرتبك والمتلعثم وكأنها تحاول تجميع جمل مناسبة، كانت خجلة بشدة وكأنها عذراء تختبر لأول مرة شعور أن يطلب شاب يدها للزواج، لا يدري اتصنعت هذا أم لا ولكن حدسه الخبير أخبره أنها لا تتصنع مشاعرها
"انا مش.... مش عارفة مش هقدر أدخل علاقة دلوقتي.... انا لسه مشوشة ومش مستعدة.... أكيد مش هفضل كده طول حياتي بس اديني وقت أفكر، ووقت أجمع نفسي فيه ونفسيتي ترتاح من اللي عيشته.... انا حاسة اني مدمرة من جوا ومش هقدر أدخل في علاقة في الوقت الحالي... مش هقدر صدقني "
راعي طلبها واخبرها أنه سينتظرها لحين أن تتهيأ نفسيتها مرة أخرى، ومن يدري لربما يكون كلًا منهما دواءً للآخر، كلاهما عانيا في حياتهما أمَا آن الوقت ليجدا الراحة وتتبسم لهما الحياة ولو قليلًا
استقام من مكانه مغلقًا زر سترته الرمادية ثم قال بلباقة لا يتحدث بها في العادة، ولكن من أجل إرضاء أخيه هو مستعد لفعل أي شئ :
-طب نستأذن إحنا دلوقتي وبكرة على الساعة عشرة الصبح هآجي انا وجدتي وعمر علشان تنقي العروسة شبكتها
اعترض يوسف على هذا الموعد المبكر بشدة قائلًا :
-مش بدري أوي عشرة الصبح؟ مين هيكون فاتح؟!
-انا اتفقت مع صايغ علشان عندنا مشاوير كتير بكرة انا ويونس مش كده
لم يفهم الآخر ما الذي يقصده ولكنه فهم أن هناك ما حدث وسوف يخبره به غدًا على الأرجح وليس أمام مسمع الجميع، رحل سفيان وأخيه وجدته وقد أوصلهم يوسف ومحمد إلى باب الشقة كنوع من الذوق
تبسمت عبلة بإتساع وعانقت ابنتها بقوة قائلة :
-مبروك يا حبيبتي ربنا يتمم المرة دي على خير يارب
حمحم يونس وقد قرر أن يبدأ هو الصلح فقال وهو يسحب خصلات رقية بمزاح :
-مبارك يا روكا
حدقت الأخرى بها بأعين ضيقة ثم قالت وهى تفرك رأسها :
-حساها مش من قلبك كأنك مجبور تقولها
لوى يونس شفتيه بتبرم ملقيًا عليها وسادة الاريكة ثم صاح قائلًا :
-انا غلطان أصلًا روحي إلهي ما ترجعي وابقي شوفي مين هيشيل خشبتك لما تموتي
أبعدت الأخرى الوسادة عنها ثم قالت بسرعة وهى تلحق به للخارج :
-يونس متتأخرش علشان تنام بدري علشان انت اللي هتيجي معايا
-وانا مالي خدي ابوكي وأمك
ابتسمت رقية بإتساع متمسكة بكتفه بقوة مزعجة بالنسبة إليه :
-لأ ما انا هاروح انا وانت وماما، وعلفكرة انت لسه مصالحتنيش على القلم هتروح إجباري
وضع الآخر يده على خدها متسائلًا :
-ايدي كانت تقيلة صح؟؟
برمت الأخرى شفتيها بطريقة لطيفة مدللة ثم آماءت لأعلى أسفل عدة مرات لتتفاجئ به يصفعها على نفس الخد بمزاح قائلًا :
-أحسن تستاهلي
وضعت يدها على خدها متسعة العينين، فارغة الفاه ولم تستوعب ما حدث إلا عندما وجدته يهم بالخروج من الشقة فصرخت به بغيظ قائلة :
-والله انت حيوان يا يونس
وأجابها الآخر ببسمة متسعة وقد لمعت عينيه بحنو واضح، مستديرًا لها نصف إستدارة ثم قال :
-والله هتوحشيني يا رقية مش هاين عليا اخليهم ياخدوكي، يارب تحصل مصيبة تاني وتقرفينا كام سنة كمان
خرج يونس من الشقة ليجد والده ويوسف على وشك الدخول وقد سأله والده إلى أين هو ذاهب في هذه الأجواء الباردة :
-رايح فين يا يونس في الجو ده؟؟
-هتمشى شوية وجاي، الساعة لسه تمانية
نطق بها بإختصار شديد ورحل بعدما أخبره والده ألا يتأخر في الخارج، استخدم الدرج عوضًا عن المصعد وقد لاحظ عند هبوطه وقوف أحد الجيران أمام المصعد رغم أنه مفتوح وقد كانت عينه على الدرج وأخرى على المصعد، لا يفهم ما الذي يفعله فبدا وكأنه ينتظر أحد، ولم يبالي بالأمر كثيرًا
أكمل طريقه للأسفل وعندما وصل للطابق الأرضي وجد شروق تقف أمام المصعد ومعها كريم ويبدو عليها القلق والإرتباك، عقد حاجبيه ثم وقف أمامهما متعجبًا من وقفوهما معًا في هذا الوقت :
-فيه حاجة ولا ايه؟!
أجابه كريم وقد بدا الغضب على ملامحه ونبرته :
-الحيوان اللي في الدور التاني بيضايقها مش عارفة تطلع منه
ولتوه تذكر ذلك الجار الأربعيني الغني، العاطل أيضًا وللحق منذ سكن وهو مريب، يسكن وحده، نظراته مريبة بشدة رغم عدم ثبوت أي شئ عليه
نظر إلى شروق المرتبكة وقد توقع أنها كانت تشتري شيئًا من الخارج نظرًا للأكياس البلاستيكية التي تحملها :
-ضايقك ازاي؟؟
لم تكن نبرته هادئة بل حادة، غاضبًا من فكرة أن ذلك الحقير الذي بالأعلى تحرش بها، آماءت الأخرى برأسها سريعًا وقد انمحى ارتباكها وحل مكانه الغضب وكأنها استقوت بهما :
-من ساعة ما رجعت من الصعيد وهو بيضايقني يفضل مستني الاسانسير ينزل عنده علشان يدخل ويقعد يبصبص، والصبح وانا نازلة انا وعائشة ونور على السلم ومرضناش ننزلوا بالاسانسير بسببه قعد يتكلم كلام زبالة زيه، جرتنا نورهان لتحت وقتها علشان ننزلوا وقالت بلاش مشاكل خليه يتكلم كأننا مش سامعينه
نظرت إليهما ثم صاحت بغضب قائلة :
-انتوا مسكنينه ليه في العمارة ده حيوان مش محترم حتى شيبته
لم يجبها يونس بلسانه بل ضغط على زر المصعد حتى يهبط ثم دلف به مشيرًا إليها بأن تدلف هاتفًا بنبرة جامدة :
-ادخلي
دلفت به وكذلك كريم والذي أتته ذكرى البارحة حين ايقظته رحمة صباحًا من نومه حتى يوصلها للمدرسة، ولأول مرة تطلب طلبًا كهذا، وهذا يعني أن أحدهم يزعجها ولا يستبعد أن ذلك الوغد هو من يزعجها، ولكن لما تلك الغبية لا تقول لأحد على شئٍ كهذا
توقف المصعد أمام الطابق الثاني وقد كان ذلك الرجل على نفس وقفته ولكن عندما رآه هو وكريم تغير ماء وجهه هاتفًا بهدوء اصطنعه :
-مساء الخير
ورد عليه يونس السلام بقبضته التي اصطدمت في وجه الآخر المفلطح اسقطته أرضًا، اعتلاه يونس قابضًا على تلابيب ثيابه ثم همس له بشر :
-تاخد نفسك وتسيب العمارة دلوقتي خلال عشر دقايق، عشر دقايق وتلات ثواني هضربك بالنار، يــــلا
نفضه من يديه بعنف فاصطدم الآخر في الأرضية السيراميكية تزامنًا مع قول شروق :
-انت هتمشيه من غير ما آخذ حقي؟؟ ده انا ملطوعة تحت ساعة في البرد مش عارفة اطلع منه؟!
نطقت بها بغيظ شديد غُلف بالقهر فابتسم كريم بمزاح سوداوي، مطالعًا الرجل الذي بدا مشوشًا من لكمة يونس :
-تعالي يا بنتي طلعي فيه كل الكبت والهم، الضرب حلال في الأشكال
ترددت شروق في فعل هذا ولكن شجعها يونس إذ وقف خلفه الرجل ورفعه لها من ملابسه من الخلف قائلًا :
-تعالي خدي حقك بس بضمير ها
وكأن الأخرى وجدت منفذ اخيرًا لتخرج به الطاقة السلبية التي تخزنت بداخلها منذ وقع حادث فريال، تركت الأكياس جانبًا ثم وبكل قوتها صفعته على وجهه ولم تكتفي بصفعة بل هبطت عليه بالضربات والصفعات في أي مكان تطوله يديها تشعر بالقهر الشديد من كل شئ حولها
من السفاح الذي قتل فريال وحاول قتلها بعدها، زوجة عمها التي أخرجت إشاعات عنها أنها أصبحت ممسوسة، هذا الحقير الذي يود التحرش بها وكأن المصائب قليلة في حياتها، الضغط العصبي الذي تمر به والكوابيس والاختبارات والناس وكل شئ
أخرجت منها كل الطاقة السلبية في هذا الجار المتحرش الأربعيني ولم تعي ما تفعله أو تعي بما حوله، أو بالدموع التي اخذت تسيل على خديها، يديها اللتان بدأتا تؤلمانها، ونفسها بدأ يضيق فهى حين تبكي أو تغضب تنقطع أنفاسها
ألقى يونس بالرجل أرض حتى يبعد شروق التي لم تكتفي بعد، قد كان يظن أنها ستصفعه مرة واحدة وينتهي الأمر، ولكنها لا تزال مستمرة في ضربه حتى بعد أن سقط، والرجل لا يستطيع أن يقاوم أو يلتقط أنفاسه من سرعتها
صاح كريم في يونس بأن يبعدها قبل أن تتسبب للرجل في عاهة مستديمة قد تسجن عليها، فهذا الحقير غني وله معارف وإلا ما كان ليسكن في منطقة كهذه، جذبها يونس بعيدًا عنه وعلى ثغره اتسعت بسمة واسعة كادت أن تشق وجهه لنصفين، فإن سألته ما أكثر ما يثير إعجابه سيقول لك المرأة الشرسة القوية التي لا تُكسر بسهولة وتأتي بحقها بنفسها
خرجت المرأة التي تسكن في الشقة المقابلة على الأصوات المرتفعة فقال كريم بسرعة حتى لا تفهم السيدة الأمر بشكل خاطئ وتظن أنهم يتعدون عليه، خاصةً أن الآخر مفترش الأرض يسعل بقوة :
-مدام شيري متفهميش الموضوع بشكل غلط ده راجل حيوان وبنربيه
وبرد غير متوقع للثلاثة قالت المدعوة شيري بسخط وتشفي واضحان :
-أحسن يستاهل راجل زبالة ومش محترم، مش عارفة الأشكال دي اللي مقعدها في الأماكن النضيفة اللي زي دي
عقد كريم حاجبيه من سخطها عليه متسائلًا :
-هو ضايق حضرتك انتي كمان!؟
-بقولك راجل زبالة ومريض كمان وانا عاملة فيه محضر عدم تعدي وعلفكرة انا شوفته من يومين بيضايق اختك الصغيرة ولولا إني لحقتها منه الله أعلم كان عمل فيها ايه، وانا قولتلها تقولكم علشان تطردوه من هنا، بس حبيبتي البنت صغيرة وشكلها خافت
احتدت أعين كريم بشدة وقد ارتفعت عينيه نحو الطابق الأعلى حيث شقتهم ثم عاد ببصره لذلك المدد أرضًا ولو كانت النظرات تحرق لخر الرجل صريعًا
تقدم منه بسرعة غاضبة وبكل قوته ركله في منطقته العضوية مسببًا له ألمًا لا يطاق، أمسك به يونس بسرعة قبل أن يقدم كريم على عمل يجازى عليه :
-كريم متضيعش مستقبلك علشان كلب زي ده
أبعد كريم يده عنه صائحًا بثورة غاضبة :
-ده انا هدبحه مريض البيدفوليا ده، بيتحرش بأختي وهى بنت صاحب العمارة اللي هو ساكن فيها، ايه الفجور ده!؟
ركله مرة أخرى في نفس المنطقة وبقوة أكبر فدفعه يونس للخلف صائحًا به أن يتوقف، وعلى أثر هذه الأصوات هبط حمزة وعثمان بينما وقفت ناهد تشاهد من أعلى الدرج وبجانبها عائشة ونور اللتان خرجتا على الأصوات أيضًا
تنفس يونس بضيق عندما سمع حمزة يستفسر عما حدث، ربي لا يقدر على كريم وهو مثل الثور في غضبه الآن، والآن أتى من ينافسه غضبًا :
-فيه ايه بتزعق ليه يا كريم؟ وماله الأستاذ رفعت بيصرخ كده ليه؟!
انسحبت شروق للأعلى بسرعة فأستوقفتها ناهد متسائلة عن الأمر :
-فيه ايه يا شروق؟؟
وأجابتها الأخرى بخفوت وهى تنظر إلى رحمة التي تقف على باب شقتهم تستمع لما يحدث بفضول :
-الراجل ده مش كويس وبيضايقنا بقاله كذا يوم والست اللي ساكنة قباله قالت إنه حاول يتحرش برحمة بنتك وهى لحقتها منه
شهقة عائشة غاضبة لما سمعت فمال بال الراجل أصبحوا كالخنازير، أمَا عاد هناك رجل يخاف ربه ويراعي الله في حرمة النساء فحتى الأطفال والمراهقين باتوا يتعرضون للتحرش
نظرت ناهد لأبنتها بذهول وضيق لكونها أخفت عنها، وهى من اتفقت معها أن تقول لها بسرعة إن حدث شيئًا كهذا معها مرة أخرى خاصةً بعد ما فعله سليم ذلك الحقير، والذي أصرت على أن ينتقل من المدرسة رغم كونهم آنذاك الوقت في نصف الترم ولكنها لم تسمح له بالبقاء بها وقد وافق أخيه على هذا ونقله لمدرسة أخرى من خلال معارفه، فعائلته من أغنياء الإسكندرية
قلقت رحمة من نظر والدتها لها بهذه الطريقة وقد استمعت لما قيل، وقبل أن تبرح ناهد مكانها كان كريم يتخطاها بخطوات سريعة مناديًا على رحمة بصوت مرتفع غاضب، فخافت الأخرى بل ارتعبت، راكضة إلى غرفتها وقد أغلقت الباب عليها من الداخل
ولم يأتي على بالها إلا شئ واحد، وهو أن كريم آتٍ للتشاجر معها، سبب خوفها من التحدث سواءً عندما تحرش بها سليم أو ذلك الجار البغيض هو أن لديها صديقة سبق وأن تحرش بها سليم، وعندما قالت لوالدها ثار عليها ذلك المخبول وأتهم ابنته أنها من أغرته بل وقام بضربها وصفعها على ذنب ليس بذنبها
دائمًا ما تكون الضحية هى المذنبة أما الرجل فلا شئ يعيبه بل المرأة هى المخطئة، هى من أغرته، لن يفعل هذا من فراغ فلما لم تحافظ على نفسها، لما خرجت من منزلها دون أن ترتدي ما يسترها كاملة
والله إن ارتدت المرأة خيمة تغطيها من رأسها لأخمص قدميها سينظرون إليها أصحاب النفوس المريضة
طرق كريم الباب بقوة فصرخت الأخرى من الداخل مرتعبة ولم يأتي على بالها غير أن كريم يريد تعنيفها كما عنف والد صديقتها واتهمها بأنها المذنبة :
-افتحي يا رحمة انتي خايفة كده ليه؟!
-مش هفتح انت هتضربني وانا معملتش حاجة والله
اتسعت أعين الآخر مذهولًا من قولها هذا فصاح قائلًا :
-انتي متخلفة يا بت!؟ وانا هضربك ليه؟؟
وقف حمزة أمام الباب دافعًا كريم على جنب ثم قال بهدوء اصطنعه حتى لا تخاف مدركًا أن أخته مرت بشئ يجعلها تخاف هكذا، لقد قرأ الكثير عن كتب التوعية عن التحرش ومشاعر الضحية المتخبطة في هذه اللحظات واخته خائفة منهم، وعليهم طمأنتها :
-رحمة يا حبيبتي إحنا مش هنضربك ولا هنزعق حتى، مين قالك إننا هنعمل كده؟؟ ده إحنا ضهرك وسندك ولو حد ضايقك إحنا اللي نجيبلك حقك
وأجابته رحمة من الداخل موصدة الباب عليها وتجلس أرضًا بجانبه بخوف :
-صاحبتي أبوها ضربها ونقلها من المدرسة علشان قالتله واحد اتحرش بيها، مصدقهاش وقالها إنك انتي اللي غلطانة، انا والله معملتش حاجة كنت نازلة السلم وانا في حالي ومكنتش لابسة حاجة وحشة
صاح كريم من الخارج لا يصدق عقلية ذلك الرجل العقيمة فكيف يتهم ابنته أنها المخطئة وهى الضحية :
-ده راجل حيوان وجبان ومتخلف، ده مش راجل أصلًا وعار على الرجالة
وقف عثمان أمام الباب قابضًا على المقبض ثم قال :
-افتحي يا رحمة أنا هجيبلك حقك من الحيوان ده واخليه عبرة، كان لازم تقوليلي أو حتى تقولي لأخواتك أو لماما مينفعش تسكتي على حاجة زي دي ولا تسكتي لحد يلمسك بطريقة مش كويسة ليه تخافي كده؟؟
شعرت رحمة بالطمأنينة من كلامهم بالفعل فوقفت من مكانها تزامنًا مع طرق حمزة على الباب ثم قال بمزاح حتى يزيد من الطمأنينة في قلبها :
-افتحي الباب يلا وبعد كده هبقى اخدك معايا الجيم تلعبي ملاكمة مع الواد لؤي علشان اللي يضايقك بعد كده تكسريله دراعه
فتحت الباب بوجه أحمر باكي فجذبها عثمان وعانقها بحنو قائلًا :
-ادخلي غيري هدومك وألبسي حاجة تقيلة علشان هتخرجي
-ليه؟؟
همست بها متسائلة فقال حمزة هابطًا قليلًا لمستواها وقد التمع الخبث والشر في عينيه :
-هنحبس الكلب اللي تحت ده وغلاوتك يا رحمة لأمرمطه وأقول ليونس يخلي المساجين في الحجز يعدموه العافية لحد ما يعترف إنه ست


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close