رواية علي دروب الهوي الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل السادس والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
خرجت صبا وتلاها صادق وهو يُردد بثقة:
_ متقلقيش يا دكتورة، إحنا موقفنا قصاده كبير لدرجة إن مفيش مقارنة، هو طبيعي يحاول استخدام أي حيلة تطلعه منها بس إحنا معانا شهود على الواقعة ومعانا تقرير طبي أظن غير الثيرابيست الخاصة بيكي، صدقيني حمادة عمره ما هينجح يخرج منها..
أخذت صبا نفسًا عميقًا قبل أن تهتف بثقة:
_ وأنا مش قلقانة، أنا واثقة في ربنا وفيه حضرتك يا مِتر...
_ حصل إيه جوا؟
تساءل عبدالله الذي كان مُتابعًا لحوارهما، فأجابه صادق بعملية:
_ البيه طالب كشف طبي للدكتورة عشان يثبت إن ملوش علاقة عن الحادثة وإنها بحكم جوازها هيكون التقرير الطبي في صالحه
تلك الأثناء تلونت وجنتي صبا بالحُمرة الصريحة وأخفضت رأسها في حياء شديد، لم تستطع مجابهة عبدالله ذلك الحين، وكذلك هو شعر بالحرج والخذي لما ستعيشه من خلف ذلك الوغد.
ابتلع ريقه ولم يرفع عينيه عليها؛ حتى شعر باتقاد النيران في صدره، فأبعد عينيه عنها ثم قال:
_ لسه فيه حاجة تانية ولا خلاص كدا؟
_ لأ خلاص كدا..
قالها صادق فتحرك الثلاثة إلى الخارج، حتى وقفت صبا ووجهت حديثها الهادئ الحزين إلى صادق:
_ معلش يا مِتر أنا هروح شغلي لوحدي..
رفض صادق مُعللًا:
_ خليني أوصلك يا دكتورة، قاسم بيه موصيني عليكي..
بامتنانٍ قالت:
_ شكرًا يا مِتر بس أنا محتاجة أكون لوحدي، معلش..
لم يريد صادق الإصرار، فانسحب من بينهما، فبات كليهما واقفين ينظران إلى بعضهما دون حديث، حتى قطعت ذلك الصمت صبا بقولها:
_ أنا همشي، شكرًا إنك جيت..
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها لِتُغادر فصاح الآخر قائلًا:
_ مش عايزة توصيلة من بتاعت زمان؟
أدارت صبا رأسها وبعيونٍ تترقرق فيهما العبرات قالت بنبرة مهزومة:
_ مفيش حاجة بقت زي زمان يا عبدالله...
أسرعت في إدارة رأسها خافية دموعها التي انسدلت رغمًا عنها، مسحتهم بيدها وهتفت وهي توجه عينيها نحوه:
_ مش حابة أعطلك معايا، أنا هاخد تاكسي ..
قلب عبدالله عينيه مستاءً ثم توجه إلى سيارة أبيه الذي استعارها دون أن يخبره، وقام بالتحرك بها حتى وقف أمامها ومال برأسه ليراها عبر النافذة قبل أن يردف:
_ اركبي..
أطالت النظر به ثم زفرت أنفاسها وتوجهت نحو السيارة ثم استقلت المقعد بجواره، فتحرك عبدالله متجهًا إلى مكان عملها، لم ينبس أيّ منهما بحرفٍ حتى قطع عبدالله ذلك الصمت قائلًا:
_ متروحيش الكشف الطبي يا صبا..
_ مضطرة..
هتفتها بغصة في حلقها انعكست على صوتها الذي تغير، فقال الآخر:
_ لا مش مضطرة، أنتِ موقفك أحسن منه ١٠٠مرة زي ما قال أستاذ صادق، أنتِ مش محتاجة تعمليه
تفاجئ عبدالله بتساقط عبراتها بغزارة؛ حاولت صبا مسحهما لكن هيهات لهذا الكم الهائل من الدموع الذي لا يتوقف، فأردفت عندما فشلت في استجماع نفسها:
_ كل حاجة صعبة آخرها نهاية مرضية أكيد..
سحب عبدالله بعض المناديل الورقية من أمامه وقام بمد ذراعه فأخذتهم منه ومسحت عبراتها فأسبق هو بالحديث:
_ متعمليش الصعب، كدا كدا نهايته معروفة..
مالت صبا برأسها ونظرت إليه بعيون يميل لونها إلى الإحمرار قبل أن تسأله بجدية:
_ أنت ليه مهتم بالموضوع كدا؟
تفاجئ عبدالله بسؤالها، تلك اللحظة أوقف السيارة جانبًا ونظرا إلى خضراوتيها وهتف بعد تفكيرٍ وتردد ما بين تصريحه بحقيقة ما يشعر به أم يخفي مشاعره وفي النهاية قال بصوتٍ رخيم:
_ مش عايزك تتبهدلي.. الموضوع مش هيكون سهل عليكي
_ أنت لسه بتحبني يا عبدالله؟
كان سؤالها صادمًا بالنسبة لكليهما؛ فهي لم ترتب له سابقًا، وهو لم يتوقع سؤالًا حساس كهذا، ابتلع ريقه وعينيه لا تتحركان من عليها، حتى اجتاح كليهما مشاعرًا وُلدت من ضِلع الفراق أشعرتهما بحاجتهما لبعض كثيرًا.
_ أنا محبتش غيرك! معرفتش الحب غير على إيدك، ومفتكرش إني ممكن أحب تاني زي ما حبيتك!
همس بهم بنبرةٍ مهزوزة مُحملة بالآمال المُتبخرة لفرصهم الضائعة، بينما ارتجف قلبها حين انطلقت كلماته كنسمة دافئة وسط برد طويل، عيناه تومضان بصدقٍ قديم، وصوته متهدّج بالحنين، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، وجدار الصمت الذي فصل بينهما زمنًا انهار فجأة، فغمرت وجهها مسحة ذهول امتزجت بابتسامة مرتعشة، وعينيها تبرقان بدموع فرحٍ خجول.
اشاح عبدالله نظره عنها بصعوبة وتحرك بالسيارة متابعًا قيادته دون أن ينبس كليهما بحرفٍ بعد ذلك الإعتراف الذي أجبر هما على عيش مشاعرًا خُلقت للتو.
****
جلست خلود برفقة وليد في مقهى المستشفى، فعاد هو برأسه للخلف وأغمض عينيه بتعبٍ شديد مطلقًا آه تصف مدى تعب جسده المُنهك:
_ مش قادر، يومين من غير نوم كتير
بشفقة شديدة لوضعه تحدثت خلود:
_ أنت لازم تروح تنام، مينفعش تقعد أكتر من كدا، ممكن يحصلك هبوط..
لما عبدالله يجي همشي أنا عشان عربيته معايا...
هتفها ثم هب واقفًا وهو يُردد عاليًا:
_ لا مش قادر، هطلب قهوة، تشربي إيه؟
حركت خلود رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تُجيبه:
_ لا مش عايزة..
_ انجزي
قالها بنفاذ صبر فقدميه بالكاد تحمله، فأخذت خلود تفكر ثم قالت:
_ عصير أي حاجة...
لم يطيل وليد وتوجه لشراء القهوة وعصيرًا لها، بعد فترة؛ مر شاب بجوارها ووقف أمام الطاولة وتساءل:
_ لو سمحتي هي كافتيريا المستشفى فين؟
رفعت خلود رأسها ثم جابت المكان من حولها قبل أن تُجيبه بجدية:
_ اللي حضرتك واقف فيها دي
نظر الشاب حوله ثم عاد ببصره عليها وتساءل:
_ عندهم مشروبات سخنة ولا ساقعة؟
ضاقت خلود بعينيها عليه وهتفت بتعجبٍ:
_ معرفش، ممكن حضرتك تسألهم..
عاد وليد حاملًا صينية يعلوها القهوة والعصير، استنكر وقوف ذلك الشاب بقُرب خلود، أسرع من خُطاه حتى وصل إلى الطاولة وعينيه يطلقان شرار وبنبرةٍ صارمة تساءل:
_ خير، عايز إيه؟
ظهر التوتر على تقاسيم الشاب وهتف وهو ينسحب مُبتعدًا:
_ مفيش، كنت بسأل الآنسة على حاجة وعرفت خلاص
فلم يتقبل وليد إجابته المُبّهمة، ودنا منه وبعيون ضائقة هتف:
_ بتسأل على إيه يعني؟ قولي وأنا أفيدك
استشعرت خلود التوتر الحادث فنهضت ووجهت حديثها إلى وليد بنيةٍ حسنة:
_ مفيش حاجة يا وليد، الأستاذ كان بيسأل عن الكافتيريا فين؟
رفع وليد حاجبه الأيسر تلقائيًا وصاح بحنقٍ:
_ والله؟ بقى هو بيسأل عن الكافتيريا وهو واقف فيها!!
ثم وجه بصره عليه وقام بمسك ياقة قميصه وجذبه نحوه بعنفٍ فصاح الشاب:
_ في إيه يا أستاذ نزل إيدك دي
_ تعالى وأنا أوريك الكافتيريا فين يا روح أمك
هتفها وليد بانفعالٍ يُخالطه التوعد له ثم أجبره على السير تحت صدمة خلود التي فغرت فاها وتابعت سيرهما بقلبٍ ينبض خوفًا مما قد يحدث.
بينما توجه وليد لنقطة بعيدة عن المارة وقام بدفعه بكل ما أوتي من قوة حتى اختل توازن الشاب وبالكاد استطاع السيطرة على توازن جسده
فهدر به وليد شزرًا وهو يُشير إلى أحد الأقسام خلف الشاب:
_ في هناك قسم للعيون، روح اكشف عشان تشوف كويس بعد كدا
رمقه وليد بنظراتٍ مشتعلة كادت تحرقه فتحرك الشاب دون إضافة الكلمات حتى اختفى من أمام مرأى عينيه، فعاد وليد إلى الطاولة ثم جلس بإهمالٍ وبحنقٍ بالغ تحدث مع حرصه على عدم رفع مستوى صوته:
_ وأنتِ أي د يجي يكلمك كدا تردي عليه؟
استنكرت خلود انفعاله وأسلوبه الحاد، ثم أرادت التبرير:
_ هو سألني عن الكافتيريا وأنا...
قاطعها وليد مستاءًا من سذاجتها المفرطة وصاح:
_ كافتيريا إيه؟ بالعقل كدا هو مش واخد باله إنه واقف فيها؟ دا طريقة شقط يا أستاذة!
اتسعت حدقتي خلود بذهولٍ ورددت ببراءة:
_ والله العظيم أنا رديت بحسن نية، مجمعتش إن دي معاكسة..
زفر وليد أنفاسه بضجرٍ باين ثم قال:
_ بعد كدا مترديش على أي حد أصلًا عشان الراجل التمام مش هيسيب كل رجالة المكان ويسأل واحدة ست
فغرت خلود فاها ورددت ما قاله مستنكرة:
_ أنا بنوتة مش ست!!
تفاجئ وليد بردها، وأطال النظر بها قبل أن تُهاجمه نوبة ضحك فشاركته خلود الضحك وهي تجهل السبب، بينما هتف وليد مازحًا:
_ ماشي يا ست البنوتة، متبقيش تردي على حد، تمام؟
أماءت خلود رأسها بقبول فناولها الآخر كوب العصير وأخذ يرتشف قهوته على أمل أن تجعله مستيقظًا أكبر قدر ممكن.
****
كان شارد الذهن، يسبح بأفكاره فيما أصاب زوجته، يشعرٍ بألمٍ في قلبه كما لم يشعر به من قبل.
لاحظته هي وتعجبت من أمره، فقامت بالتلويح أمام وجهه وهتفت لتجذب انتباهه:
_ يتهنى به اللي واخد عقلك..
انتبه عليه قاسم ورمقها بطرف عينيه، فلم يسمع ما قالته فردد بتِيه:
_ ها، قولتي إيه؟
ضاقت بعينيها عليه وتساءلت بغرابة:
_ مالك، سرحان في إيه من وقت ما جيت، أنت أصلًا كنت فين من بدري كدا؟
أطال قاسم النظر بها، يتفقد ملامح وجهها بعناية، فازدادت غرابتها منه وتضاعف قلقِها وقالت:
_ لا بقى، كدا فيه حاجة؟ طمني أنا قلقت..
زم الآخر شفتيه، ثم حمحم وبدأ حديثه بصوتٍ مهزوز مُتحشرج:
_ أنا كنت عند الدكتور..
انتابه غصة في حلقه ففشل في مواصلة حديثه؛ بينما خفق قلب أحلام برعبٍ، خشية سماع ما لا يسُر نفسها، ازدردت وتساءلت بتوجسٍ:
_ ليه روحت له لوحدك، طب وقالك إيه؟
مال قاسم بجسده إلى الأمام ثم عقد راحتي يده في بعضهما؛ وأخذ وقتًا يتطلع في الفراغ أمامه قبل أن يُخبرها:
_ روحت لوحدي عشان أعرف نتيجة التحاليل والأشعة..
رفع بصره عليها فوجد الخوف مرسوم على تقاسيم وجهها، وبآسى شديد خرجت كلماته بصوتٍ حزين:
_ النتيجة بتقول إن عندك زهايمر!!
سكتت أحلام للحظاتٍ وكأن الكلمات ارتطمت بجدار عقلها ولم تجد طريقًا للخروج، شحب وجهها فجأة وتجمّدت ملامحها، بينما اتسعت عيناها في ذهولٍ صامت، وارتجفت شفتاها دون أن تنطق، وكأن الهواء ثَقُل في صدرها، فشعرت أن قلبها يخفق بعنفٍ لا تحتمله، والدم ينسحب من وجنتيها تاركًا برودة غريبة تجتاح جسدها.
_ زهايمر!!
قالتها لتؤكد لعقلها أن ما سمعته حقيقة، زفرت أنفاسها بِثِقل وتابعت دون تصديق:
_ يعني أنا هنسى كل حاجة؟
اقتربت منه أحلام وملست على وجهه بنعومة ثم تابعت بحزنٍ يسيطر على نبرتها:
_ يعني أنا هنسى الوش دا؟ معتش هعرفك يا قاسم!! طب إزاي؟ إزاي هنسى اللي بحبه؟ إزاي هنسى اللي بطني شالتهم؟ قولي إزاي؟
تساقط دمعها فلم يستطع قاسم تمالك عبراته التي انسدلت كالشلال وأخذ يُقبل وجهها ويديها دون أن ينطق، فلا يوجد كلمات يُمكنها التخفيف من هول الموقف، ضمها إلى صدره بقوة فارتفع صوت نحيبها الذي هز صدر قاسم من شدته.
تراجعت للخلف قليلًا وقالت:
_ ليه دلوقتي؟ أنا ياما اتمنيته زمان عشان أنسى كل اللي مريت بيه، بس يجي وقت ما حياتي تتعدل أنسى؟ اختبار صعب، صعب عليا إني أعرف أنكم هتكونوا قدامي وأنا مش عارفاكم!!
تلك الأثناء عادت زينب من الخارج فأسرعت أحلام في مسح دموعها سريعًا ونظرت إلى قاسم بإشاراتٍ موحية إليه بألا يخبرها شيء، فالتفت قاسم إلى زينب وشكل ابتسامة على شفتيه وقال:
_ أهلًا يا بنتي..
ابتسمت زينب بخجلٍ وقالت:
_ أهلٍا بيك يا عمي..
حمحمت زينب وتساءلت:
_ فطرتوا؟ ولا أحضر لكم الفطار؟
انتهز قاسم تلك الفرصة لِيُخرج أحلام عن حالتها المذرية وقال:
_ إيه رأيكم نفطر كلنا برا النهاردة؟
بحماسة هتفت زينب:
_ حلو أوي..
_ طب يلا روحي إلبسي على لما إحنا كمان نجهز
هتفها قاسم فأسرعت زينب كالطفلة راكضة إلى الأعلى لتُبدل ملابسها بأخرى، بينما التفت قاسم وقد تحولت تقاسيمه إلى الشفقة، وحاول التخفيف من عليها بكلماته الحنونة ولمساته التي تسير على وجهها:
_ مش هنفكر في أي حاجة، هنعيش كل الأوقات الحلوة مع بعض، هنستغل كل الفرص ومش هنضيعها، ماشي يا أحلام، مفيش زعل ولا اعتراض على حكمة ربنا، وهنتابع مع الدكتور وإن شاء الله ربنا قادر يجبر بخاطرنا..
سقطت دمعة شاردة من عينيها وقالت بصوتٍ مهزوز يملأه البكاء:
_ أنا خايفة أضيع، خايفة أتوه ولما تيجو تلحقوني أكون خايفة منكم، ما أنا مش هكون عارفاكم..
وما أن ختمت جُملتها حتى أجهشت بالبكاء، فأسرع قاسم في التقاط يدها وقبّلها بحرارة محاولًا التخفيف من حزنها:
_ وأنا عمري ما هسيبك لحظة، من هنا ورايح أنتِ معايا في كل خطواتي، حتى لو نسيتي وشي..
رفع يده على مكان قلبها وأضاف:
_ قلبك هيفضل مطمن لي، عمره ما هينساني أبدًا..
جذبها إلى حضنه وظل يُمسِد على خُصلاتها حتى هدأت وتراجعت للخلف وقالت وعينيها مصوبتان داخل عينيه:
_ مش عايزة حد من الولاد يعرف!
عبست ملامح قاسم وعارض طلبها مُعللًا:
_ لا يا أحلام دي أنا مش معاكي فيها؛ الولاد لازم يعرفوا، لازم يمهدوا لعقلهم اللي هيحصل، لكن مش فجأة يتصدموا بمرضك... لازم يعرفوا..
أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ قبل أن يُواصل بصوتٍ أجش:
_ بليل وإحنا متجمعين هنقولهم مع بعض، تمام
لم تُبدي رد فعل، بل شردت في عينيه وعقلها ينتج سيناريوهات عديدة لما قد يحدث لها في الفترة القادمة، خرجت من شروها على صوت زينب الفاقد للحيوية:
_ إيه دا أنتوا لسه ملبستوش؟ رجعتوا في كلامكم ولا إيه؟
نهض قاسم ورد عليها بعملية:
_ لا يا حبيبتي ثواني وهنكون جاهزين
ثم مد يده لأحلام التي استوعبته بعد مدة وقامت باحتضان يده ونهضت، فشعرت زينب بثَمة أمرًا بينهما، فلم تتردد في السؤال بنبرة قلقة:
_ هو أنا ليه حاسة إن فيه حاجة؟
قالتها وعينيها تتطلع على والدتها التي في حالٍ مريب؛ بينما هتف قاسم نافيًا وجود شيئًا:
_ مفيش حاجة يا حبيبتي، اطمني
وسرعان ما صعدا كليهما إلى الطابق العلوي، تحت نظرات زينب المرتابة من هدوء والدتها الغير معتاد، لكنها لم تطيل الأمر وخرجت تقف في الحديقة في انتظار عودتهما.
بعد دقائق معدودة؛ جاء قاسم برفقة أحلام لكنه تفاجئ بعدم وجود سيارته فصاح متسائلًا:
_ إيه دا فين عربيتي؟
_ عبدالله أخدها ومشى..
قالتها أحلام مُجيبة سؤاله، وما أن أخبرته حتى انتبهوا على عودة عبدالله من الخارج، ترجل من السيارة وتفقد وقوفهم في المكان وسألهم مستفسرًا:
_ رايحين فين؟
تولى قاسم الرد فأردف بهدوء:
_ رايحين نفطر، تعالى معانا..
أبدى عبدالله رفضه قائلًا:
_ لا أنا لازم أروح المستشفى لزكريا، ممكن توصلني في طريقك بس عشان عربيتي مع وليد..
_ تمام، يلا بينا
هتفها قاسم وتوجه إلى السيارة، ثم ركب ثلاثتهم معه، فأشعل هو المحرك وقاد السيارة مُبتعدًا عن البيت.
***
انتهت صبا من فحص ليلى، ثم ابتسمت وقالت:
_ لا إحنا أحسن النهاردة، وممكن نخرج كمان، بس ضروري راحة تامة وعدم حركة إلا للضرورة عشان الكسر يلم خصوصًا كسر الرقبة.. حمد لله على سلامتك يا لولو
_ الله يسلمك
قالتها ليلى بإيجازٍ فاقتربت منها سمر وقالت:
_ طب لو كدا تعالي لما أجهزك عشان نخرج..
ثم نظرت إلى أبيها وقالت بنبرةً حادة وعينيها مُثبتة على زكريا:
_ بعد إذنك يا بابا تخرج..
_ طبعًا يا بنتي
هتفها أسعد ثم انسحب إلى الخارج مُجبِرًا زكريا على الخروج معه، كذلك انسحبت صبا حتى لا يكون هناك حرج بوجودها، فبدأت سمر في تبديل ملابس ليلى، وقد وجدت صعوبة في الحركة بمفردها، فهتفت ليلى بتعبٍ:
_ مش هينفع لوحدك، صعب عليكي وأنا بتعب لما بضغط على نفسي.. نادي حد
توقفت سمر ووضعت كلتى يديها في منتصف خصرِها وأردفت:
_ مفيش حد هنا.. وصبا مشيت مش عارفة راحت فين؟
_ اخرجي شوفيها، يمكن واقفة لسه برا
قالتها ليلى فتوجهت سمر إلى الخارج متسائلة عنها:
_ هي صبا راحت فين؟
أجابها والدها قائلًا:
_ نادوا عليها، الظاهر في حادثة جامدة، لأن فيه حركة غريبة في المستشفى
تأففت سمر بضجرٍ ورددت بصوتٍ خافت:
_ وبعدين، هعمل إيه؟
لاحظ زكريا حالة التِيه التي كانت عليها سمر فتساءل باهتمامٍ:
_ هو فيه حاجة؟
حدجته سمر بنظراتٍ مشتعلة ثم هتفت باقتضاب وهي تُوليه ظهرها:
_ مفيش..
ثم عاودت الدخول ووقفت في منتصف الغرفة وقالت:
_ مش موجودة، أنادي بابا؟
قابلتها ليلى بنظراتٍ مستاءة قبل أن تردف:
_ لا طبعًا.. مينفعش
فصمتن لبرهة قبل أن تُعاود ليلى حديثها الذي يأباه لسانها:
_ نادي على زكريا
بعيون واسعة هتفت سمر بذهولٍ:
_ زكريا يا ليلى!!
نفخت ليلى بضجرٍ وصاحت بقلة حيلة:
_ هو فيه غيره يعني؟ مضطرين..
تشدقت سمر بتهكمٍ قبل أن تخرج كلماتها المستنكرة:
_ أومال إيه طلقوني طلقوني اللي على لسانك دي؟
أبدت ليلى انزعاجها من تعليقها الساخر وأردفت بحنقٍ:
_ خلاص يا سمر، مش مهم نمشي من هنا..
أسرعت ليلى في إغلاق عينيها رافضة مواصلة الحديث معها، فحركت سمر رأسها في ضيقٍ ثم تحركت باتجاه الباب، أدارت مِقبضه ولم تتخطاه قدميها، رمقت زكريا بنظرات جامدة وحدثته على مضضٍ:
_ تعالى ساعدنا..
تحرك زكريا مسرعًا إلى الداخل؛ ولم ينتظر فَهم ماهي المساعدة التي يُمكنه القيام بها، بل توجه باتجاه ليلى مباشرةً وقال:
_ أعمل إيه؟
تنفست سمر بعض الهواء وزفرته بقوة قبل أن تهدر بنبرةٍ جافة ووجهٍ حاد:
_ حاول تقومها عشان أقدر أغير لها هدومها.. مش عارفة أعمل الإتنين لوحدي
وما أن قالتها حتى أسرع زكريا في مُساندة ليلى لتنهض فتعلقت هي في رقبته حتى تستطيع شقيقتها خلع ملابسها، تلك الأثناء تقابلت أعينهم وقد استشعر زكريا الخذلان التي تعيشه من وراءه، ناهيك المعاناة الجسدية والنفسية اللذان سببهما لها، كانت عينيها تلمع بالدموع منذ فقدانها جنينها، كانت تلومه في كل نظرةٍ تنظر له فيها، تُشاجِره دون حديث.
بعد فترة؛ انتهت أختها مما تفعله وقالت وهي تلتقط أنفاسها:
_ خلصت.. يلا تعالى لما ألبسك الطرحة وكدا يبقى أنتِ جاهزة..
سحبت ليلى يدها بينما أعادها زكريا إلى الفراش وابتعد عنها بصعوبة، لكنه لم يُبعد عينيه عنها، بينما هربت هي بنظراتها بعيدًا عن موضع وقوفه، فتذكر هو شيئًا وقال:
_ هروح أجيب كرسي عشان نخرجها عليه..
تلك الأثناء وصل عبدالله إلى المستشفى، رأى صبا وهي تُهرول راكضة بذُعرٍ فتملكه الخوف وتجمدت قدميه فجأة قبل أن يتساءل:
_ هو فيه إيه يا صبا؟
بأنفاسٍ لاهثة أجابته:
_ فيه مصابين كتير وأنا مش ملاحقة، المهم زكريا هيخرج واليومين اللي قعدوهم هنا بمبلغ كبير وأنا مفتكرش إنه معاه، فقولت أعرفك عشان ميتحرجش..
قالت كلماتها ثم ابتعدت عنه وأضافت:
_ سلام..
فاتجه عبدالله ناحية الإستقبال مباشرةً، وقام بدفع تكاليف المستشفى، ثم ذهب حيث تواجد الآخرين، فلم يجد سوى وليد برفقة أسعد، فألقى السلام عليهما ثم تساءل باهتمامٍ:
_ زكريا فين؟
أشار وليد بعينيه ناحية الغرفة وهو يُجيبه:
_ جوا..
وما كاد يُنهيها حتى فُتح باب الغرفة وخرج منه زكريا وهو يدفع ليلى التى تتوسط الكرسي المتحرك وخلفه سمر حاملة حقيبتها وأخرى تخص ليلى.
_ حمد لله على سلامتك يا ليلى..
قالها وليد أولًا فتلاه عبدالله مرددًا:
_ حمد لله على السلامة..
بإيجازٍ وصوتًا مُتعب بالكاد سمعوه:
_ الله يسلمكم..
فنظر زكريا إلى عبدالله وهتف سؤاله:
_ توصلنا بالعربية؟
حينها أخرج وليد مفتاح السيارة من جيب بنطاله، وقام بإعطاؤه لعبدالله الذي ناوله لزكريا وأردف موضحًا:
_ خد أنت وصلهم، وأنا ووليد هنيجي مواصلات
لم ينطق زكريا بحرفٍ بل قابله بنظراتٍ مُمتنة وتابع تحرُكه إلى الخارج، حتى توقف عند الإستقبال وصاح بضياع:
_ نسيت موضوع الحساب دا!
أغمض عينيه مستاءً من نفسه، فلاحظه عبدالله من الخلف وتوجه نحوه ثم قام بوضع ذراعه على ظهره وهمس أمام أذنه:
_ أنا دفعت الحساب، متحملش همه
إلتمعت نظري زكريا بامتنانٍ بالغ وهتف:
_ شكرًا يا عبدالله، أخرج بس من اللي ما فيه دا وهرجعملك إن شاء الله
لامه عبدالله في نظراته قبل أن يدفعه للأمام بذراعه الموضوع حول ظهره وهلل بتهكم:
_ يلا يا زكريا إمشي، بلاش كلام عبيط..
تقوس ثغر زكريا ببسمةٍ لم تتعدى شفتيه؛ ثم تابع سيره حتى وصل إلى السيارة وقام بحمل ليلى ثم وضعها على الكرسي الأمامي، وفي الخلف جلس والدها وشقيقتها على مضضٍ لكنهما مضطرين.
قاد السيارة وتحرك بها بينما نظرا الشابين لبعضهما فأسبق عبدالله بالسؤال:
_ هتروح فين دلوقتي؟ أنا هروح المركز، من وقت اللي حصل وهو مقفول
زفر وليد أنفاسه بتعبٍ شديد وأخبره عما يريد فعله:
_ أنا هروح البيت أنام اسبوع كامل، جسمي مدغدغ وعيني مش قادر افتحها..
ضحك عبدالله وقال:
_ يبقى طريقنا مش واحد، شاور لتاكسي من جنب وأنا من جنب
وما أن قالها حتى صاح وليد:
_ أول واحد يقف أنا اللي هركب حتى لو وقف لك أنت..
_ ماشي يا عمنا..
هتفها عبدالله مازحًا ثم أخذ كلًا منهما في إيقاف أحد سيارات الأجرة لتقل كل منهما إلى وِجهته.
بعد مرور بعض الوقت؛ صف زكريا السيارة أسفل البناية خاصته، فهتفت ليلى بهجومٍ:
_ أنت وقفت هنا ليه؟ أنا هروح عند بابا
أخذ زكريا نفسًا عميقًا ليكون هناك مُتسع في صدره لتلقي هجوم الجميع على إصراره للبقاء في بيتها:
_ هتقعدي في بيتك يا ليلى، وأنا اللي هاخد بالي منك..
بصوتٍ مُنفعل هتفت بسبب عدم استطاعتها على رؤياه جيدًا:
_ أنت مبتفهمش، أنا بقولك هنتطلق، مفيش حاجة اسمها بيتي وتاخد بالك مني، مكُنتش وصلتني من الأول للوضع دا أحسن لي وأكرم لك..
بهدوءٍ ترجل زكريا وتوجه ناحية بابها وكاد يحملها إلا أنها صرخت بقوة:
_ سيبني يا زكريا، إبعد عني..
لم يكترث لها وتابع حمله لها فتدخل أسعد الذي ترجل من السيارة سريعًا وهدر به شزرًا:
_ بنتي مش هتطلع هنا تاني، أبوها طول مافيه النفس هو أولى بيها، إبعد عنها أنا هتصرف..
_ ربنا يبارك في صحتك يا عم أسعد، بس مراتي أنا أولى بيها..
هتفها زكريا من بين أنفاسه اللاهثة عندما حمل ليلى، وقام بدخول فناء بيتهم، فصاحت سمر من خلفه:
_ يعمل عملته ويتصرف بوداعة كأنه معملش حاجة، أختي في وضعها دا بسببك وبسبب قرفك...
تأفف زكريا قبل أن يرُد عليها:
_ اللي بيغلط من حقه يكفر عن غلطه ولا إيه يا سمر؟
تشدقت سمر بتهكمٍ وصاحت بنبرة حانقة:
_ دا لما يبقى غلطة تتغفر، لكن أنت عامل مصيبة..
خرجت ليلى عن صمتها، وصاحت عاليًا رافضة ما يحدث بنفورٍ شديد منه:
_ رجعني تحت، مش عايزة أطلع معاك في مكان..
تعالت أصواتهم، فخرج محمد من بيته وخلفه هناء وخلود ليتابعن ما يحدث، بينما هتف محمد متسائلًا عندما وجد وجوه الجميع مشحونة بالغضب:
_ هو في إيه يا زكريا؟
_ مفيش حاجة يا بابا
قالها زكريا وتابع صعوده، فعاودت ليلى إلى الصراخ:
_ أوف منك، بقولك مش عايزة أطلع هنا، بقولك مش عايزة أعيش معاك وهتطلقني، رجعني تحت تاني
لم يكف الثلاثة عن توبيخ زكريا مع محاولاتهم في استعادة ليلى، بينما قابلت هناء ما يحدث بعيون واسعة مصدومة من وقاحتهم وهتفت كلماتها الحادة كالسكاكين بغيظٍ:
_ أنا مش عارفة هو ساكت لهم كدا ليه؟ ما يرميها عند أبوها طلاما مش عايزة تقعد هنا ولا هو عافية؟!
حدجها محمد بطرف عينيه حتى كاد يحرقها بنظراته الساخطة وقال:
_ ابنك عمره ما هيطاطي بالمنظر دا إلا لو عامل مصيبة!!
تبادلا النظرات ثم انسحب محمد وصعد إلى الأعلى ربما يستطيع فض النزاع الحادث، وتهدئة الأجواء المشحونة، في الأعلى؛ وضع زكريا ليلى على الفراش بحذر، وأغمض عينيه لبرهة يستجمع فيها قوته على تحمل الكلمات التي يتلقاها ممن حوله.
التفت بجسده ونظر إليهما وهتف:
_ بعد إذن كل اللي قولتوه، أنا اللي ملزوم بمراتي زي ما وصلتها للوضع دا، اللي حابب يقعد معاها يتفضل، لكن خروج من هنا مش هيحصل!
كلماته أسكتت أسعد وسمر، واخذ ثلاثتهم يتبادلون النظرات الصامتة المشحونة، بينما انتبهوا على حضور والد زكريا فانسحب أسعد إلى الخارج لينضم إليه بينما قامت سمر بالإتصال على زوجها وهي تتوجه إلى شرفة الغرفة حتى تبتعد عن آذان الآخرين.
فلم تنتظر إجابته طويلاً فلقد أجاب على الفور وبعد حوارٍ دار بينهم عن الأوضاع، بترددٍ بالغ قالت سمر:
_ أنا كنت عايزة استاذنك إني أفضل أسبوع ولا اتنين مع ليلى..
باستنكرٍ تام هتف:
_ تقعدي اسبوع ولا اتنين في بيت زكريا!! طب لو في بيت باباكي مبلوعة شوية لكن تقعدي أنتِ وزكريا في بيت واحد إزاي يعني؟
بنفاذ صبر هتفت:
_ أعمل إيه بس هو اللي أصّر يقعدها في بيتها، وآل إيه هو اللي ملزوم منها..
قالتها وهي تتشدق بفمها، فرد الآخر مستاءً:
_ خلاص يبقى يقعد هو بيها وأنتِ ارجعي لعيالك أنا مش عارف اتعامل معاهم لوحدي أساسًا..
لم تُصدق ما سمعته منه وهتفت مُستنكرة:
_ يعني إيه يُقعد هو بيها؟ دي أختي يا أشرف وفي وضعها دا ملهاش غيري يهتم بيها، تعالى على نفسك شوية واستحمل العيال حتى أسبوع أكون قدرت ظبط لها الأكل والهدوم وكل اللي تحتاجه..
بانفعالٍ صاح زوجها:
_ والله كان ممكن استحمل شهر مش أسبوع لو كان في بيت أبوكي مش بيت زكريا، ويلا سلام عشان مش فاضي..
أنهى المكالمة فجأة وقد أغلق أمامها جميع السُبل في العناية بشقيقتها، لم ترفع سمر عينيها عن الهاتف بضيقٍ تملك منها من وراء مكالمتها له، زفرت أنفاسها الضجِرة وقامت بالخروج من الشرفة بملامحٍ عابسة حتى وجدت زكريا أمامها فهتفت بحنقٍ:
_ اختي مش هتقعد هنا، هتنزل تروح بيت بابا وأنا اللي هراعيها، خلص الكلام!
بهجوم صاح زكريا:
_ لأ خلص الكلام عندك أنتِ، دا بيتي ودي مراتي وأنا اللي أقول تقعد فين.. أنتِ عايزة تقعدي معاها أهلًا وسهلًا، بس هي مش منقولة من هنا، خلص الكلام
دنا منها زكريا حتى بات قريبًا منها وهمس بخفوت:
_ ياريت يا سمر متصعبيش الوضع عشان أنتِ كدا كدا هترجعي لعيالك، وأبوكي مهما قِدر يُقعد معاها مسيره هينزل لشغله، وليلى في الآخر اللي هتكون لوحدها، لكن هنا، أنا معاها ومش هسيبها لحظة، حتى لو اضطريت في وقت أنزل، فيه بديل عني يقعدوا بيها..
تراجعت سمر للخلف وحدجته بنظراتٍ مشتعلة قبل أن تهدر به بصوتٍ عالٍ مُندفع:
_ لو حكّمِت يا زكريا هاخدها معايا ولا أسيبها معاك بعد عمايلك فيها!!
بغيرة هتف من بين أسنانه المتلاحمة:
_ وأنا مراتي متنامش في بيت راجل غريب!
قاطعته سمر مُندفعة:
_ دا مش بيت راجل غريب، دا بيتي ودا جوزي!
تأفف الآخر بنفاذ صبر فلقد بلغ ذروة تحمله على السخافة الحادثة، وصاح:
_ والله زي ما جوزك رفض تقعدي هنا في بيتي عشان وجودي، فأنا مش لا مؤاخذة مركب أرايل عشان أبعت مراتي عنده في بيته!
تفاجئت سمر بسماعِه ما دار بينها بين زوجها، ولم تستطع إبعاد عينيها عنه بصدمةٍ، فلم يعد لديها كلماتٍ تحاول بها إقناعه فالتزمت الصمت حتى استمعوا إلى صوت هناء الغاضب من الخارج فهرول زكريا راكضًا، بينما هتفت ليلى متسائلة:
_ هي بتزعق كدا ليه دي؟
رفعت سمر كتفيها مُبدية عدم عُلمها بما يحدث، وقررت الخروج ومعرفة حقيقة غضب تلك المرأة، في الخارج؛ كان الجميع واقفًا أمام هناء التي اندفعت في أسعد بتهكمٍ:
_ عايزين تاخدوها من بيتها وهي متجوزة؟ طب كان أولى إنها متدخلوش لوحدها وهي مخطوبة!!
وقعت كلماتها على آذان الجميع كالصاعقة، وخصيصًا أسعد الذي شعر بوخزة شديدة في قلبه، بينما صاح زكريا غير متقبلًا ما قالته وعنفها باندفاعٍ:
_ إيه اللي أنتِ بتقوليه دا، اسكتي بقى اسكتي، لسانك مبيعملش غير مشاكل وبس!!
_ إيه اللي والدتك بتقوله دا يا زكريا؟ ليلى كانت بتيجي قبل الجواز؟
هتفها أسعد بنبرةٍ غير مصدقة، يخشى تأكيد زكريا لسؤاله، بينما التفت الآخر إليه وأجابه:
_ ياعم أسعد بنتك كانت بتيجي هنا تشوف الجديد اللي عملته في الشقة، وهي وقتها كانت مراتي يعني مفيش حرمانية ولا عيب يمنع دخولها بيتها!!
تلك اللحظة تحركت سمر باتجاه هناء فلم تتقبل البتة إهانة كرامة اختها والإساءة إلى أخلاقها، دفعت زكريا بعيدًا عنها ونهرتها بصوتٍ غاضب تثأر لـ ليلى:
_ قبل ما تتكلمي عن أختي نص كلمة شوفي ابنك وعمايله؟ مش عاجبك إن أختي كانت بتيجي بيتها ومع جوزها وشيفاه عيب؟ في حين إن إبنك كان رامي مراته في أوضة وهو نايم في أوضة تانية؟
عارفة ليه؟
هقولك ليه، لأن المحروس ابنك مكنش عايز الحمل يحصل، عشان دماغه قذرة عايز يعيش لنفسه وانبساطه وكيفه، كان بيجبر أختي تاخد حبوب منع حمل وهو شايف قد إيه كان نفسها تحمل!
ومش بس كدا، دا من وقت ما حصل الحمل وهو معاملته محدش يستحملها، وآخرة المتمّة راح كلم واحدة عليها..
ابنك كان بيسيب أختي تعبانة في البيت لوحدها ومعيطة من طريقته وأسلوبه الوحش معاها وقلب مامته كان بيكلم واحدة تانية على مراته اللي يدوب لسه متجوزها من كام شهر، يا حبيبي مبيضعيش وقت أبدًا!!
تجمد محمد وهناء مكانهما، العيون اتسعت بذهولٍ، وجوهيهما شحب لونه حتى باتت باهتة، ارتعشت شفاههم فلم يجدا كلماتٍ تُقال، إلتقت عينيهما بصدمةٍ وقعت على زكريا الذي في موقفٍ لا يُحسد عليه، نكس رأسه خجلًا من نظراتهما التي تُحاصره، كم شعر بضئل حجمه لحظتها.
دنا منه محمد بِضع خُطوات وتساءل بصوتٍ متحشرج مهزوز يخفي خلفه غضبًا عارم:
_ الكلام اللي اتقال دا صح؟
لم يتحلى زكريا بالجُرأة لرفع رأسه والنظر في عيني والده، فخرج الآخر عن هدوئه واندفع فيه بنبرة حانقة:
_ بُص لي ورد عليا، الكلام دا صح؟
بصعوبة قابلها زكريا في مواجهة أبيه نظر في عينيه بعيون يميل لونهما إلى الإحمرار وأجابه هامسًا:
_ صح..
وما كاد يؤكد سؤال والده حتى تلقى منه صفعةً قوية على وجنته، تفاجئ بها زكريا والجميع كذلك، انسحب أسعد مُجبِرًا ابنته على السير حتى بلغا غرفة ليلى وقاموا بغلق الباب تاركين لهم إعادة تأهيله كما ينبغي.
في الخارج؛ لم يكف محمد عن توبيخه بعدم تصديق لفعلته الفادحة:
_ آل وأنا واللي كنت فاكر إني أربي والعيال صغيرة وبعد ما يكبروا هيمشوا على المنهج بقيت عمرهم، طلعوا العيال عايزين تربية حتى وهما قد الباب!! يا خسارة تربيتي فيك، ولا لأ دي عمرها ما كانت تربيتي أبدًا..
امشي اطلع برا البيت.. لما تتربى ابقى ارجع تاني..
قالها محمد وهو يدفعُه خارج البيت؛ فحاول زكريا إيقافه بتبريره:
_ يا بابا خلاص، واللَّه أنا عرفت غلطي، مش هينفع أروح في حتة وأسيب ليلى كدا!!
_ كنت فكر فيها قبل ما تعمل عملتك، أنا قولت برا يعني برا
هتفها محمد بصرامة حاسمًا على طرده، وتابع دفعِه حتى استطاع إخراجه من البيت ثم أغلق الباب في وجهه، ولم يكترث لتوسلات الآخر، ثم استدار محمد ورمق زوجته بنظراتٍ تحمل أطنانًا من الغضب المُشتعل وصاح من بين أسنانه:
_ أقسم بالله العلي العظيم إن ما دخلتي حالًا ورضيتي البت اللي جوا دي وبوستي راسها ليكون آخر يوم ليكي معايا!!
اتسعت حدقتاها بصدمة جلت على وجهها، جعلته أسودًا من فرط الصدمة، كما ارتفعت وتيرة أنفاسها وشعرت بضيق صدرها، ناهيك عن ضغطها الذي ارتفع معدله، لكنها جاهدت بعدم الظهور في هيئة مُتعبة حتى يمضيَّ ما يحدث.
توجه محمد إلى الغرفة وقام بالطرق على بابها، كما لحقت به هناء ووقفت برأسٍ يدور ورؤى مشوشة، فتحت لهما سمر فولج محمد أولًا ونظر حيث تجلس ليلى وبخذيٍ بائن أردف:
_ أنا آسف يا بنتي بالنيابة عن ابني وعمايله، آسف إني فكرت إنه بقى راجل عاقل يُعتمد عليه وينفع يفتح بيت ويراعي بنات الناس، والله مكنتش أعرف إنه كدا..
_ أنت ملكش ذنب يا عمي..
قالتها ليلى بخجلٍ، بينما نظر محمد إلى زوجته وأشار إليها بتلبية أمره، فأسرعت هي مُتجهة إلى ليلى وقامت بتقبيل رأسها قبل أن تعتذر منها:
_ أنا آسفة يا ليلى.. سامحيني
وما أن قالتها حتى انسحبت بهدوءٍ إلى الخارج دون إضافة المزيد،وأغلقت الباب مسرعة وما كادت تفعل حتى ساء وضعها وأظلمت رؤيتها ثم خرت واقعة.
***
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
خرجت صبا وتلاها صادق وهو يُردد بثقة:
_ متقلقيش يا دكتورة، إحنا موقفنا قصاده كبير لدرجة إن مفيش مقارنة، هو طبيعي يحاول استخدام أي حيلة تطلعه منها بس إحنا معانا شهود على الواقعة ومعانا تقرير طبي أظن غير الثيرابيست الخاصة بيكي، صدقيني حمادة عمره ما هينجح يخرج منها..
أخذت صبا نفسًا عميقًا قبل أن تهتف بثقة:
_ وأنا مش قلقانة، أنا واثقة في ربنا وفيه حضرتك يا مِتر...
_ حصل إيه جوا؟
تساءل عبدالله الذي كان مُتابعًا لحوارهما، فأجابه صادق بعملية:
_ البيه طالب كشف طبي للدكتورة عشان يثبت إن ملوش علاقة عن الحادثة وإنها بحكم جوازها هيكون التقرير الطبي في صالحه
تلك الأثناء تلونت وجنتي صبا بالحُمرة الصريحة وأخفضت رأسها في حياء شديد، لم تستطع مجابهة عبدالله ذلك الحين، وكذلك هو شعر بالحرج والخذي لما ستعيشه من خلف ذلك الوغد.
ابتلع ريقه ولم يرفع عينيه عليها؛ حتى شعر باتقاد النيران في صدره، فأبعد عينيه عنها ثم قال:
_ لسه فيه حاجة تانية ولا خلاص كدا؟
_ لأ خلاص كدا..
قالها صادق فتحرك الثلاثة إلى الخارج، حتى وقفت صبا ووجهت حديثها الهادئ الحزين إلى صادق:
_ معلش يا مِتر أنا هروح شغلي لوحدي..
رفض صادق مُعللًا:
_ خليني أوصلك يا دكتورة، قاسم بيه موصيني عليكي..
بامتنانٍ قالت:
_ شكرًا يا مِتر بس أنا محتاجة أكون لوحدي، معلش..
لم يريد صادق الإصرار، فانسحب من بينهما، فبات كليهما واقفين ينظران إلى بعضهما دون حديث، حتى قطعت ذلك الصمت صبا بقولها:
_ أنا همشي، شكرًا إنك جيت..
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها لِتُغادر فصاح الآخر قائلًا:
_ مش عايزة توصيلة من بتاعت زمان؟
أدارت صبا رأسها وبعيونٍ تترقرق فيهما العبرات قالت بنبرة مهزومة:
_ مفيش حاجة بقت زي زمان يا عبدالله...
أسرعت في إدارة رأسها خافية دموعها التي انسدلت رغمًا عنها، مسحتهم بيدها وهتفت وهي توجه عينيها نحوه:
_ مش حابة أعطلك معايا، أنا هاخد تاكسي ..
قلب عبدالله عينيه مستاءً ثم توجه إلى سيارة أبيه الذي استعارها دون أن يخبره، وقام بالتحرك بها حتى وقف أمامها ومال برأسه ليراها عبر النافذة قبل أن يردف:
_ اركبي..
أطالت النظر به ثم زفرت أنفاسها وتوجهت نحو السيارة ثم استقلت المقعد بجواره، فتحرك عبدالله متجهًا إلى مكان عملها، لم ينبس أيّ منهما بحرفٍ حتى قطع عبدالله ذلك الصمت قائلًا:
_ متروحيش الكشف الطبي يا صبا..
_ مضطرة..
هتفتها بغصة في حلقها انعكست على صوتها الذي تغير، فقال الآخر:
_ لا مش مضطرة، أنتِ موقفك أحسن منه ١٠٠مرة زي ما قال أستاذ صادق، أنتِ مش محتاجة تعمليه
تفاجئ عبدالله بتساقط عبراتها بغزارة؛ حاولت صبا مسحهما لكن هيهات لهذا الكم الهائل من الدموع الذي لا يتوقف، فأردفت عندما فشلت في استجماع نفسها:
_ كل حاجة صعبة آخرها نهاية مرضية أكيد..
سحب عبدالله بعض المناديل الورقية من أمامه وقام بمد ذراعه فأخذتهم منه ومسحت عبراتها فأسبق هو بالحديث:
_ متعمليش الصعب، كدا كدا نهايته معروفة..
مالت صبا برأسها ونظرت إليه بعيون يميل لونها إلى الإحمرار قبل أن تسأله بجدية:
_ أنت ليه مهتم بالموضوع كدا؟
تفاجئ عبدالله بسؤالها، تلك اللحظة أوقف السيارة جانبًا ونظرا إلى خضراوتيها وهتف بعد تفكيرٍ وتردد ما بين تصريحه بحقيقة ما يشعر به أم يخفي مشاعره وفي النهاية قال بصوتٍ رخيم:
_ مش عايزك تتبهدلي.. الموضوع مش هيكون سهل عليكي
_ أنت لسه بتحبني يا عبدالله؟
كان سؤالها صادمًا بالنسبة لكليهما؛ فهي لم ترتب له سابقًا، وهو لم يتوقع سؤالًا حساس كهذا، ابتلع ريقه وعينيه لا تتحركان من عليها، حتى اجتاح كليهما مشاعرًا وُلدت من ضِلع الفراق أشعرتهما بحاجتهما لبعض كثيرًا.
_ أنا محبتش غيرك! معرفتش الحب غير على إيدك، ومفتكرش إني ممكن أحب تاني زي ما حبيتك!
همس بهم بنبرةٍ مهزوزة مُحملة بالآمال المُتبخرة لفرصهم الضائعة، بينما ارتجف قلبها حين انطلقت كلماته كنسمة دافئة وسط برد طويل، عيناه تومضان بصدقٍ قديم، وصوته متهدّج بالحنين، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، وجدار الصمت الذي فصل بينهما زمنًا انهار فجأة، فغمرت وجهها مسحة ذهول امتزجت بابتسامة مرتعشة، وعينيها تبرقان بدموع فرحٍ خجول.
اشاح عبدالله نظره عنها بصعوبة وتحرك بالسيارة متابعًا قيادته دون أن ينبس كليهما بحرفٍ بعد ذلك الإعتراف الذي أجبر هما على عيش مشاعرًا خُلقت للتو.
****
جلست خلود برفقة وليد في مقهى المستشفى، فعاد هو برأسه للخلف وأغمض عينيه بتعبٍ شديد مطلقًا آه تصف مدى تعب جسده المُنهك:
_ مش قادر، يومين من غير نوم كتير
بشفقة شديدة لوضعه تحدثت خلود:
_ أنت لازم تروح تنام، مينفعش تقعد أكتر من كدا، ممكن يحصلك هبوط..
لما عبدالله يجي همشي أنا عشان عربيته معايا...
هتفها ثم هب واقفًا وهو يُردد عاليًا:
_ لا مش قادر، هطلب قهوة، تشربي إيه؟
حركت خلود رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تُجيبه:
_ لا مش عايزة..
_ انجزي
قالها بنفاذ صبر فقدميه بالكاد تحمله، فأخذت خلود تفكر ثم قالت:
_ عصير أي حاجة...
لم يطيل وليد وتوجه لشراء القهوة وعصيرًا لها، بعد فترة؛ مر شاب بجوارها ووقف أمام الطاولة وتساءل:
_ لو سمحتي هي كافتيريا المستشفى فين؟
رفعت خلود رأسها ثم جابت المكان من حولها قبل أن تُجيبه بجدية:
_ اللي حضرتك واقف فيها دي
نظر الشاب حوله ثم عاد ببصره عليها وتساءل:
_ عندهم مشروبات سخنة ولا ساقعة؟
ضاقت خلود بعينيها عليه وهتفت بتعجبٍ:
_ معرفش، ممكن حضرتك تسألهم..
عاد وليد حاملًا صينية يعلوها القهوة والعصير، استنكر وقوف ذلك الشاب بقُرب خلود، أسرع من خُطاه حتى وصل إلى الطاولة وعينيه يطلقان شرار وبنبرةٍ صارمة تساءل:
_ خير، عايز إيه؟
ظهر التوتر على تقاسيم الشاب وهتف وهو ينسحب مُبتعدًا:
_ مفيش، كنت بسأل الآنسة على حاجة وعرفت خلاص
فلم يتقبل وليد إجابته المُبّهمة، ودنا منه وبعيون ضائقة هتف:
_ بتسأل على إيه يعني؟ قولي وأنا أفيدك
استشعرت خلود التوتر الحادث فنهضت ووجهت حديثها إلى وليد بنيةٍ حسنة:
_ مفيش حاجة يا وليد، الأستاذ كان بيسأل عن الكافتيريا فين؟
رفع وليد حاجبه الأيسر تلقائيًا وصاح بحنقٍ:
_ والله؟ بقى هو بيسأل عن الكافتيريا وهو واقف فيها!!
ثم وجه بصره عليه وقام بمسك ياقة قميصه وجذبه نحوه بعنفٍ فصاح الشاب:
_ في إيه يا أستاذ نزل إيدك دي
_ تعالى وأنا أوريك الكافتيريا فين يا روح أمك
هتفها وليد بانفعالٍ يُخالطه التوعد له ثم أجبره على السير تحت صدمة خلود التي فغرت فاها وتابعت سيرهما بقلبٍ ينبض خوفًا مما قد يحدث.
بينما توجه وليد لنقطة بعيدة عن المارة وقام بدفعه بكل ما أوتي من قوة حتى اختل توازن الشاب وبالكاد استطاع السيطرة على توازن جسده
فهدر به وليد شزرًا وهو يُشير إلى أحد الأقسام خلف الشاب:
_ في هناك قسم للعيون، روح اكشف عشان تشوف كويس بعد كدا
رمقه وليد بنظراتٍ مشتعلة كادت تحرقه فتحرك الشاب دون إضافة الكلمات حتى اختفى من أمام مرأى عينيه، فعاد وليد إلى الطاولة ثم جلس بإهمالٍ وبحنقٍ بالغ تحدث مع حرصه على عدم رفع مستوى صوته:
_ وأنتِ أي د يجي يكلمك كدا تردي عليه؟
استنكرت خلود انفعاله وأسلوبه الحاد، ثم أرادت التبرير:
_ هو سألني عن الكافتيريا وأنا...
قاطعها وليد مستاءًا من سذاجتها المفرطة وصاح:
_ كافتيريا إيه؟ بالعقل كدا هو مش واخد باله إنه واقف فيها؟ دا طريقة شقط يا أستاذة!
اتسعت حدقتي خلود بذهولٍ ورددت ببراءة:
_ والله العظيم أنا رديت بحسن نية، مجمعتش إن دي معاكسة..
زفر وليد أنفاسه بضجرٍ باين ثم قال:
_ بعد كدا مترديش على أي حد أصلًا عشان الراجل التمام مش هيسيب كل رجالة المكان ويسأل واحدة ست
فغرت خلود فاها ورددت ما قاله مستنكرة:
_ أنا بنوتة مش ست!!
تفاجئ وليد بردها، وأطال النظر بها قبل أن تُهاجمه نوبة ضحك فشاركته خلود الضحك وهي تجهل السبب، بينما هتف وليد مازحًا:
_ ماشي يا ست البنوتة، متبقيش تردي على حد، تمام؟
أماءت خلود رأسها بقبول فناولها الآخر كوب العصير وأخذ يرتشف قهوته على أمل أن تجعله مستيقظًا أكبر قدر ممكن.
****
كان شارد الذهن، يسبح بأفكاره فيما أصاب زوجته، يشعرٍ بألمٍ في قلبه كما لم يشعر به من قبل.
لاحظته هي وتعجبت من أمره، فقامت بالتلويح أمام وجهه وهتفت لتجذب انتباهه:
_ يتهنى به اللي واخد عقلك..
انتبه عليه قاسم ورمقها بطرف عينيه، فلم يسمع ما قالته فردد بتِيه:
_ ها، قولتي إيه؟
ضاقت بعينيها عليه وتساءلت بغرابة:
_ مالك، سرحان في إيه من وقت ما جيت، أنت أصلًا كنت فين من بدري كدا؟
أطال قاسم النظر بها، يتفقد ملامح وجهها بعناية، فازدادت غرابتها منه وتضاعف قلقِها وقالت:
_ لا بقى، كدا فيه حاجة؟ طمني أنا قلقت..
زم الآخر شفتيه، ثم حمحم وبدأ حديثه بصوتٍ مهزوز مُتحشرج:
_ أنا كنت عند الدكتور..
انتابه غصة في حلقه ففشل في مواصلة حديثه؛ بينما خفق قلب أحلام برعبٍ، خشية سماع ما لا يسُر نفسها، ازدردت وتساءلت بتوجسٍ:
_ ليه روحت له لوحدك، طب وقالك إيه؟
مال قاسم بجسده إلى الأمام ثم عقد راحتي يده في بعضهما؛ وأخذ وقتًا يتطلع في الفراغ أمامه قبل أن يُخبرها:
_ روحت لوحدي عشان أعرف نتيجة التحاليل والأشعة..
رفع بصره عليها فوجد الخوف مرسوم على تقاسيم وجهها، وبآسى شديد خرجت كلماته بصوتٍ حزين:
_ النتيجة بتقول إن عندك زهايمر!!
سكتت أحلام للحظاتٍ وكأن الكلمات ارتطمت بجدار عقلها ولم تجد طريقًا للخروج، شحب وجهها فجأة وتجمّدت ملامحها، بينما اتسعت عيناها في ذهولٍ صامت، وارتجفت شفتاها دون أن تنطق، وكأن الهواء ثَقُل في صدرها، فشعرت أن قلبها يخفق بعنفٍ لا تحتمله، والدم ينسحب من وجنتيها تاركًا برودة غريبة تجتاح جسدها.
_ زهايمر!!
قالتها لتؤكد لعقلها أن ما سمعته حقيقة، زفرت أنفاسها بِثِقل وتابعت دون تصديق:
_ يعني أنا هنسى كل حاجة؟
اقتربت منه أحلام وملست على وجهه بنعومة ثم تابعت بحزنٍ يسيطر على نبرتها:
_ يعني أنا هنسى الوش دا؟ معتش هعرفك يا قاسم!! طب إزاي؟ إزاي هنسى اللي بحبه؟ إزاي هنسى اللي بطني شالتهم؟ قولي إزاي؟
تساقط دمعها فلم يستطع قاسم تمالك عبراته التي انسدلت كالشلال وأخذ يُقبل وجهها ويديها دون أن ينطق، فلا يوجد كلمات يُمكنها التخفيف من هول الموقف، ضمها إلى صدره بقوة فارتفع صوت نحيبها الذي هز صدر قاسم من شدته.
تراجعت للخلف قليلًا وقالت:
_ ليه دلوقتي؟ أنا ياما اتمنيته زمان عشان أنسى كل اللي مريت بيه، بس يجي وقت ما حياتي تتعدل أنسى؟ اختبار صعب، صعب عليا إني أعرف أنكم هتكونوا قدامي وأنا مش عارفاكم!!
تلك الأثناء عادت زينب من الخارج فأسرعت أحلام في مسح دموعها سريعًا ونظرت إلى قاسم بإشاراتٍ موحية إليه بألا يخبرها شيء، فالتفت قاسم إلى زينب وشكل ابتسامة على شفتيه وقال:
_ أهلًا يا بنتي..
ابتسمت زينب بخجلٍ وقالت:
_ أهلٍا بيك يا عمي..
حمحمت زينب وتساءلت:
_ فطرتوا؟ ولا أحضر لكم الفطار؟
انتهز قاسم تلك الفرصة لِيُخرج أحلام عن حالتها المذرية وقال:
_ إيه رأيكم نفطر كلنا برا النهاردة؟
بحماسة هتفت زينب:
_ حلو أوي..
_ طب يلا روحي إلبسي على لما إحنا كمان نجهز
هتفها قاسم فأسرعت زينب كالطفلة راكضة إلى الأعلى لتُبدل ملابسها بأخرى، بينما التفت قاسم وقد تحولت تقاسيمه إلى الشفقة، وحاول التخفيف من عليها بكلماته الحنونة ولمساته التي تسير على وجهها:
_ مش هنفكر في أي حاجة، هنعيش كل الأوقات الحلوة مع بعض، هنستغل كل الفرص ومش هنضيعها، ماشي يا أحلام، مفيش زعل ولا اعتراض على حكمة ربنا، وهنتابع مع الدكتور وإن شاء الله ربنا قادر يجبر بخاطرنا..
سقطت دمعة شاردة من عينيها وقالت بصوتٍ مهزوز يملأه البكاء:
_ أنا خايفة أضيع، خايفة أتوه ولما تيجو تلحقوني أكون خايفة منكم، ما أنا مش هكون عارفاكم..
وما أن ختمت جُملتها حتى أجهشت بالبكاء، فأسرع قاسم في التقاط يدها وقبّلها بحرارة محاولًا التخفيف من حزنها:
_ وأنا عمري ما هسيبك لحظة، من هنا ورايح أنتِ معايا في كل خطواتي، حتى لو نسيتي وشي..
رفع يده على مكان قلبها وأضاف:
_ قلبك هيفضل مطمن لي، عمره ما هينساني أبدًا..
جذبها إلى حضنه وظل يُمسِد على خُصلاتها حتى هدأت وتراجعت للخلف وقالت وعينيها مصوبتان داخل عينيه:
_ مش عايزة حد من الولاد يعرف!
عبست ملامح قاسم وعارض طلبها مُعللًا:
_ لا يا أحلام دي أنا مش معاكي فيها؛ الولاد لازم يعرفوا، لازم يمهدوا لعقلهم اللي هيحصل، لكن مش فجأة يتصدموا بمرضك... لازم يعرفوا..
أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ قبل أن يُواصل بصوتٍ أجش:
_ بليل وإحنا متجمعين هنقولهم مع بعض، تمام
لم تُبدي رد فعل، بل شردت في عينيه وعقلها ينتج سيناريوهات عديدة لما قد يحدث لها في الفترة القادمة، خرجت من شروها على صوت زينب الفاقد للحيوية:
_ إيه دا أنتوا لسه ملبستوش؟ رجعتوا في كلامكم ولا إيه؟
نهض قاسم ورد عليها بعملية:
_ لا يا حبيبتي ثواني وهنكون جاهزين
ثم مد يده لأحلام التي استوعبته بعد مدة وقامت باحتضان يده ونهضت، فشعرت زينب بثَمة أمرًا بينهما، فلم تتردد في السؤال بنبرة قلقة:
_ هو أنا ليه حاسة إن فيه حاجة؟
قالتها وعينيها تتطلع على والدتها التي في حالٍ مريب؛ بينما هتف قاسم نافيًا وجود شيئًا:
_ مفيش حاجة يا حبيبتي، اطمني
وسرعان ما صعدا كليهما إلى الطابق العلوي، تحت نظرات زينب المرتابة من هدوء والدتها الغير معتاد، لكنها لم تطيل الأمر وخرجت تقف في الحديقة في انتظار عودتهما.
بعد دقائق معدودة؛ جاء قاسم برفقة أحلام لكنه تفاجئ بعدم وجود سيارته فصاح متسائلًا:
_ إيه دا فين عربيتي؟
_ عبدالله أخدها ومشى..
قالتها أحلام مُجيبة سؤاله، وما أن أخبرته حتى انتبهوا على عودة عبدالله من الخارج، ترجل من السيارة وتفقد وقوفهم في المكان وسألهم مستفسرًا:
_ رايحين فين؟
تولى قاسم الرد فأردف بهدوء:
_ رايحين نفطر، تعالى معانا..
أبدى عبدالله رفضه قائلًا:
_ لا أنا لازم أروح المستشفى لزكريا، ممكن توصلني في طريقك بس عشان عربيتي مع وليد..
_ تمام، يلا بينا
هتفها قاسم وتوجه إلى السيارة، ثم ركب ثلاثتهم معه، فأشعل هو المحرك وقاد السيارة مُبتعدًا عن البيت.
***
انتهت صبا من فحص ليلى، ثم ابتسمت وقالت:
_ لا إحنا أحسن النهاردة، وممكن نخرج كمان، بس ضروري راحة تامة وعدم حركة إلا للضرورة عشان الكسر يلم خصوصًا كسر الرقبة.. حمد لله على سلامتك يا لولو
_ الله يسلمك
قالتها ليلى بإيجازٍ فاقتربت منها سمر وقالت:
_ طب لو كدا تعالي لما أجهزك عشان نخرج..
ثم نظرت إلى أبيها وقالت بنبرةً حادة وعينيها مُثبتة على زكريا:
_ بعد إذنك يا بابا تخرج..
_ طبعًا يا بنتي
هتفها أسعد ثم انسحب إلى الخارج مُجبِرًا زكريا على الخروج معه، كذلك انسحبت صبا حتى لا يكون هناك حرج بوجودها، فبدأت سمر في تبديل ملابس ليلى، وقد وجدت صعوبة في الحركة بمفردها، فهتفت ليلى بتعبٍ:
_ مش هينفع لوحدك، صعب عليكي وأنا بتعب لما بضغط على نفسي.. نادي حد
توقفت سمر ووضعت كلتى يديها في منتصف خصرِها وأردفت:
_ مفيش حد هنا.. وصبا مشيت مش عارفة راحت فين؟
_ اخرجي شوفيها، يمكن واقفة لسه برا
قالتها ليلى فتوجهت سمر إلى الخارج متسائلة عنها:
_ هي صبا راحت فين؟
أجابها والدها قائلًا:
_ نادوا عليها، الظاهر في حادثة جامدة، لأن فيه حركة غريبة في المستشفى
تأففت سمر بضجرٍ ورددت بصوتٍ خافت:
_ وبعدين، هعمل إيه؟
لاحظ زكريا حالة التِيه التي كانت عليها سمر فتساءل باهتمامٍ:
_ هو فيه حاجة؟
حدجته سمر بنظراتٍ مشتعلة ثم هتفت باقتضاب وهي تُوليه ظهرها:
_ مفيش..
ثم عاودت الدخول ووقفت في منتصف الغرفة وقالت:
_ مش موجودة، أنادي بابا؟
قابلتها ليلى بنظراتٍ مستاءة قبل أن تردف:
_ لا طبعًا.. مينفعش
فصمتن لبرهة قبل أن تُعاود ليلى حديثها الذي يأباه لسانها:
_ نادي على زكريا
بعيون واسعة هتفت سمر بذهولٍ:
_ زكريا يا ليلى!!
نفخت ليلى بضجرٍ وصاحت بقلة حيلة:
_ هو فيه غيره يعني؟ مضطرين..
تشدقت سمر بتهكمٍ قبل أن تخرج كلماتها المستنكرة:
_ أومال إيه طلقوني طلقوني اللي على لسانك دي؟
أبدت ليلى انزعاجها من تعليقها الساخر وأردفت بحنقٍ:
_ خلاص يا سمر، مش مهم نمشي من هنا..
أسرعت ليلى في إغلاق عينيها رافضة مواصلة الحديث معها، فحركت سمر رأسها في ضيقٍ ثم تحركت باتجاه الباب، أدارت مِقبضه ولم تتخطاه قدميها، رمقت زكريا بنظرات جامدة وحدثته على مضضٍ:
_ تعالى ساعدنا..
تحرك زكريا مسرعًا إلى الداخل؛ ولم ينتظر فَهم ماهي المساعدة التي يُمكنه القيام بها، بل توجه باتجاه ليلى مباشرةً وقال:
_ أعمل إيه؟
تنفست سمر بعض الهواء وزفرته بقوة قبل أن تهدر بنبرةٍ جافة ووجهٍ حاد:
_ حاول تقومها عشان أقدر أغير لها هدومها.. مش عارفة أعمل الإتنين لوحدي
وما أن قالتها حتى أسرع زكريا في مُساندة ليلى لتنهض فتعلقت هي في رقبته حتى تستطيع شقيقتها خلع ملابسها، تلك الأثناء تقابلت أعينهم وقد استشعر زكريا الخذلان التي تعيشه من وراءه، ناهيك المعاناة الجسدية والنفسية اللذان سببهما لها، كانت عينيها تلمع بالدموع منذ فقدانها جنينها، كانت تلومه في كل نظرةٍ تنظر له فيها، تُشاجِره دون حديث.
بعد فترة؛ انتهت أختها مما تفعله وقالت وهي تلتقط أنفاسها:
_ خلصت.. يلا تعالى لما ألبسك الطرحة وكدا يبقى أنتِ جاهزة..
سحبت ليلى يدها بينما أعادها زكريا إلى الفراش وابتعد عنها بصعوبة، لكنه لم يُبعد عينيه عنها، بينما هربت هي بنظراتها بعيدًا عن موضع وقوفه، فتذكر هو شيئًا وقال:
_ هروح أجيب كرسي عشان نخرجها عليه..
تلك الأثناء وصل عبدالله إلى المستشفى، رأى صبا وهي تُهرول راكضة بذُعرٍ فتملكه الخوف وتجمدت قدميه فجأة قبل أن يتساءل:
_ هو فيه إيه يا صبا؟
بأنفاسٍ لاهثة أجابته:
_ فيه مصابين كتير وأنا مش ملاحقة، المهم زكريا هيخرج واليومين اللي قعدوهم هنا بمبلغ كبير وأنا مفتكرش إنه معاه، فقولت أعرفك عشان ميتحرجش..
قالت كلماتها ثم ابتعدت عنه وأضافت:
_ سلام..
فاتجه عبدالله ناحية الإستقبال مباشرةً، وقام بدفع تكاليف المستشفى، ثم ذهب حيث تواجد الآخرين، فلم يجد سوى وليد برفقة أسعد، فألقى السلام عليهما ثم تساءل باهتمامٍ:
_ زكريا فين؟
أشار وليد بعينيه ناحية الغرفة وهو يُجيبه:
_ جوا..
وما كاد يُنهيها حتى فُتح باب الغرفة وخرج منه زكريا وهو يدفع ليلى التى تتوسط الكرسي المتحرك وخلفه سمر حاملة حقيبتها وأخرى تخص ليلى.
_ حمد لله على سلامتك يا ليلى..
قالها وليد أولًا فتلاه عبدالله مرددًا:
_ حمد لله على السلامة..
بإيجازٍ وصوتًا مُتعب بالكاد سمعوه:
_ الله يسلمكم..
فنظر زكريا إلى عبدالله وهتف سؤاله:
_ توصلنا بالعربية؟
حينها أخرج وليد مفتاح السيارة من جيب بنطاله، وقام بإعطاؤه لعبدالله الذي ناوله لزكريا وأردف موضحًا:
_ خد أنت وصلهم، وأنا ووليد هنيجي مواصلات
لم ينطق زكريا بحرفٍ بل قابله بنظراتٍ مُمتنة وتابع تحرُكه إلى الخارج، حتى توقف عند الإستقبال وصاح بضياع:
_ نسيت موضوع الحساب دا!
أغمض عينيه مستاءً من نفسه، فلاحظه عبدالله من الخلف وتوجه نحوه ثم قام بوضع ذراعه على ظهره وهمس أمام أذنه:
_ أنا دفعت الحساب، متحملش همه
إلتمعت نظري زكريا بامتنانٍ بالغ وهتف:
_ شكرًا يا عبدالله، أخرج بس من اللي ما فيه دا وهرجعملك إن شاء الله
لامه عبدالله في نظراته قبل أن يدفعه للأمام بذراعه الموضوع حول ظهره وهلل بتهكم:
_ يلا يا زكريا إمشي، بلاش كلام عبيط..
تقوس ثغر زكريا ببسمةٍ لم تتعدى شفتيه؛ ثم تابع سيره حتى وصل إلى السيارة وقام بحمل ليلى ثم وضعها على الكرسي الأمامي، وفي الخلف جلس والدها وشقيقتها على مضضٍ لكنهما مضطرين.
قاد السيارة وتحرك بها بينما نظرا الشابين لبعضهما فأسبق عبدالله بالسؤال:
_ هتروح فين دلوقتي؟ أنا هروح المركز، من وقت اللي حصل وهو مقفول
زفر وليد أنفاسه بتعبٍ شديد وأخبره عما يريد فعله:
_ أنا هروح البيت أنام اسبوع كامل، جسمي مدغدغ وعيني مش قادر افتحها..
ضحك عبدالله وقال:
_ يبقى طريقنا مش واحد، شاور لتاكسي من جنب وأنا من جنب
وما أن قالها حتى صاح وليد:
_ أول واحد يقف أنا اللي هركب حتى لو وقف لك أنت..
_ ماشي يا عمنا..
هتفها عبدالله مازحًا ثم أخذ كلًا منهما في إيقاف أحد سيارات الأجرة لتقل كل منهما إلى وِجهته.
بعد مرور بعض الوقت؛ صف زكريا السيارة أسفل البناية خاصته، فهتفت ليلى بهجومٍ:
_ أنت وقفت هنا ليه؟ أنا هروح عند بابا
أخذ زكريا نفسًا عميقًا ليكون هناك مُتسع في صدره لتلقي هجوم الجميع على إصراره للبقاء في بيتها:
_ هتقعدي في بيتك يا ليلى، وأنا اللي هاخد بالي منك..
بصوتٍ مُنفعل هتفت بسبب عدم استطاعتها على رؤياه جيدًا:
_ أنت مبتفهمش، أنا بقولك هنتطلق، مفيش حاجة اسمها بيتي وتاخد بالك مني، مكُنتش وصلتني من الأول للوضع دا أحسن لي وأكرم لك..
بهدوءٍ ترجل زكريا وتوجه ناحية بابها وكاد يحملها إلا أنها صرخت بقوة:
_ سيبني يا زكريا، إبعد عني..
لم يكترث لها وتابع حمله لها فتدخل أسعد الذي ترجل من السيارة سريعًا وهدر به شزرًا:
_ بنتي مش هتطلع هنا تاني، أبوها طول مافيه النفس هو أولى بيها، إبعد عنها أنا هتصرف..
_ ربنا يبارك في صحتك يا عم أسعد، بس مراتي أنا أولى بيها..
هتفها زكريا من بين أنفاسه اللاهثة عندما حمل ليلى، وقام بدخول فناء بيتهم، فصاحت سمر من خلفه:
_ يعمل عملته ويتصرف بوداعة كأنه معملش حاجة، أختي في وضعها دا بسببك وبسبب قرفك...
تأفف زكريا قبل أن يرُد عليها:
_ اللي بيغلط من حقه يكفر عن غلطه ولا إيه يا سمر؟
تشدقت سمر بتهكمٍ وصاحت بنبرة حانقة:
_ دا لما يبقى غلطة تتغفر، لكن أنت عامل مصيبة..
خرجت ليلى عن صمتها، وصاحت عاليًا رافضة ما يحدث بنفورٍ شديد منه:
_ رجعني تحت، مش عايزة أطلع معاك في مكان..
تعالت أصواتهم، فخرج محمد من بيته وخلفه هناء وخلود ليتابعن ما يحدث، بينما هتف محمد متسائلًا عندما وجد وجوه الجميع مشحونة بالغضب:
_ هو في إيه يا زكريا؟
_ مفيش حاجة يا بابا
قالها زكريا وتابع صعوده، فعاودت ليلى إلى الصراخ:
_ أوف منك، بقولك مش عايزة أطلع هنا، بقولك مش عايزة أعيش معاك وهتطلقني، رجعني تحت تاني
لم يكف الثلاثة عن توبيخ زكريا مع محاولاتهم في استعادة ليلى، بينما قابلت هناء ما يحدث بعيون واسعة مصدومة من وقاحتهم وهتفت كلماتها الحادة كالسكاكين بغيظٍ:
_ أنا مش عارفة هو ساكت لهم كدا ليه؟ ما يرميها عند أبوها طلاما مش عايزة تقعد هنا ولا هو عافية؟!
حدجها محمد بطرف عينيه حتى كاد يحرقها بنظراته الساخطة وقال:
_ ابنك عمره ما هيطاطي بالمنظر دا إلا لو عامل مصيبة!!
تبادلا النظرات ثم انسحب محمد وصعد إلى الأعلى ربما يستطيع فض النزاع الحادث، وتهدئة الأجواء المشحونة، في الأعلى؛ وضع زكريا ليلى على الفراش بحذر، وأغمض عينيه لبرهة يستجمع فيها قوته على تحمل الكلمات التي يتلقاها ممن حوله.
التفت بجسده ونظر إليهما وهتف:
_ بعد إذن كل اللي قولتوه، أنا اللي ملزوم بمراتي زي ما وصلتها للوضع دا، اللي حابب يقعد معاها يتفضل، لكن خروج من هنا مش هيحصل!
كلماته أسكتت أسعد وسمر، واخذ ثلاثتهم يتبادلون النظرات الصامتة المشحونة، بينما انتبهوا على حضور والد زكريا فانسحب أسعد إلى الخارج لينضم إليه بينما قامت سمر بالإتصال على زوجها وهي تتوجه إلى شرفة الغرفة حتى تبتعد عن آذان الآخرين.
فلم تنتظر إجابته طويلاً فلقد أجاب على الفور وبعد حوارٍ دار بينهم عن الأوضاع، بترددٍ بالغ قالت سمر:
_ أنا كنت عايزة استاذنك إني أفضل أسبوع ولا اتنين مع ليلى..
باستنكرٍ تام هتف:
_ تقعدي اسبوع ولا اتنين في بيت زكريا!! طب لو في بيت باباكي مبلوعة شوية لكن تقعدي أنتِ وزكريا في بيت واحد إزاي يعني؟
بنفاذ صبر هتفت:
_ أعمل إيه بس هو اللي أصّر يقعدها في بيتها، وآل إيه هو اللي ملزوم منها..
قالتها وهي تتشدق بفمها، فرد الآخر مستاءً:
_ خلاص يبقى يقعد هو بيها وأنتِ ارجعي لعيالك أنا مش عارف اتعامل معاهم لوحدي أساسًا..
لم تُصدق ما سمعته منه وهتفت مُستنكرة:
_ يعني إيه يُقعد هو بيها؟ دي أختي يا أشرف وفي وضعها دا ملهاش غيري يهتم بيها، تعالى على نفسك شوية واستحمل العيال حتى أسبوع أكون قدرت ظبط لها الأكل والهدوم وكل اللي تحتاجه..
بانفعالٍ صاح زوجها:
_ والله كان ممكن استحمل شهر مش أسبوع لو كان في بيت أبوكي مش بيت زكريا، ويلا سلام عشان مش فاضي..
أنهى المكالمة فجأة وقد أغلق أمامها جميع السُبل في العناية بشقيقتها، لم ترفع سمر عينيها عن الهاتف بضيقٍ تملك منها من وراء مكالمتها له، زفرت أنفاسها الضجِرة وقامت بالخروج من الشرفة بملامحٍ عابسة حتى وجدت زكريا أمامها فهتفت بحنقٍ:
_ اختي مش هتقعد هنا، هتنزل تروح بيت بابا وأنا اللي هراعيها، خلص الكلام!
بهجوم صاح زكريا:
_ لأ خلص الكلام عندك أنتِ، دا بيتي ودي مراتي وأنا اللي أقول تقعد فين.. أنتِ عايزة تقعدي معاها أهلًا وسهلًا، بس هي مش منقولة من هنا، خلص الكلام
دنا منها زكريا حتى بات قريبًا منها وهمس بخفوت:
_ ياريت يا سمر متصعبيش الوضع عشان أنتِ كدا كدا هترجعي لعيالك، وأبوكي مهما قِدر يُقعد معاها مسيره هينزل لشغله، وليلى في الآخر اللي هتكون لوحدها، لكن هنا، أنا معاها ومش هسيبها لحظة، حتى لو اضطريت في وقت أنزل، فيه بديل عني يقعدوا بيها..
تراجعت سمر للخلف وحدجته بنظراتٍ مشتعلة قبل أن تهدر به بصوتٍ عالٍ مُندفع:
_ لو حكّمِت يا زكريا هاخدها معايا ولا أسيبها معاك بعد عمايلك فيها!!
بغيرة هتف من بين أسنانه المتلاحمة:
_ وأنا مراتي متنامش في بيت راجل غريب!
قاطعته سمر مُندفعة:
_ دا مش بيت راجل غريب، دا بيتي ودا جوزي!
تأفف الآخر بنفاذ صبر فلقد بلغ ذروة تحمله على السخافة الحادثة، وصاح:
_ والله زي ما جوزك رفض تقعدي هنا في بيتي عشان وجودي، فأنا مش لا مؤاخذة مركب أرايل عشان أبعت مراتي عنده في بيته!
تفاجئت سمر بسماعِه ما دار بينها بين زوجها، ولم تستطع إبعاد عينيها عنه بصدمةٍ، فلم يعد لديها كلماتٍ تحاول بها إقناعه فالتزمت الصمت حتى استمعوا إلى صوت هناء الغاضب من الخارج فهرول زكريا راكضًا، بينما هتفت ليلى متسائلة:
_ هي بتزعق كدا ليه دي؟
رفعت سمر كتفيها مُبدية عدم عُلمها بما يحدث، وقررت الخروج ومعرفة حقيقة غضب تلك المرأة، في الخارج؛ كان الجميع واقفًا أمام هناء التي اندفعت في أسعد بتهكمٍ:
_ عايزين تاخدوها من بيتها وهي متجوزة؟ طب كان أولى إنها متدخلوش لوحدها وهي مخطوبة!!
وقعت كلماتها على آذان الجميع كالصاعقة، وخصيصًا أسعد الذي شعر بوخزة شديدة في قلبه، بينما صاح زكريا غير متقبلًا ما قالته وعنفها باندفاعٍ:
_ إيه اللي أنتِ بتقوليه دا، اسكتي بقى اسكتي، لسانك مبيعملش غير مشاكل وبس!!
_ إيه اللي والدتك بتقوله دا يا زكريا؟ ليلى كانت بتيجي قبل الجواز؟
هتفها أسعد بنبرةٍ غير مصدقة، يخشى تأكيد زكريا لسؤاله، بينما التفت الآخر إليه وأجابه:
_ ياعم أسعد بنتك كانت بتيجي هنا تشوف الجديد اللي عملته في الشقة، وهي وقتها كانت مراتي يعني مفيش حرمانية ولا عيب يمنع دخولها بيتها!!
تلك اللحظة تحركت سمر باتجاه هناء فلم تتقبل البتة إهانة كرامة اختها والإساءة إلى أخلاقها، دفعت زكريا بعيدًا عنها ونهرتها بصوتٍ غاضب تثأر لـ ليلى:
_ قبل ما تتكلمي عن أختي نص كلمة شوفي ابنك وعمايله؟ مش عاجبك إن أختي كانت بتيجي بيتها ومع جوزها وشيفاه عيب؟ في حين إن إبنك كان رامي مراته في أوضة وهو نايم في أوضة تانية؟
عارفة ليه؟
هقولك ليه، لأن المحروس ابنك مكنش عايز الحمل يحصل، عشان دماغه قذرة عايز يعيش لنفسه وانبساطه وكيفه، كان بيجبر أختي تاخد حبوب منع حمل وهو شايف قد إيه كان نفسها تحمل!
ومش بس كدا، دا من وقت ما حصل الحمل وهو معاملته محدش يستحملها، وآخرة المتمّة راح كلم واحدة عليها..
ابنك كان بيسيب أختي تعبانة في البيت لوحدها ومعيطة من طريقته وأسلوبه الوحش معاها وقلب مامته كان بيكلم واحدة تانية على مراته اللي يدوب لسه متجوزها من كام شهر، يا حبيبي مبيضعيش وقت أبدًا!!
تجمد محمد وهناء مكانهما، العيون اتسعت بذهولٍ، وجوهيهما شحب لونه حتى باتت باهتة، ارتعشت شفاههم فلم يجدا كلماتٍ تُقال، إلتقت عينيهما بصدمةٍ وقعت على زكريا الذي في موقفٍ لا يُحسد عليه، نكس رأسه خجلًا من نظراتهما التي تُحاصره، كم شعر بضئل حجمه لحظتها.
دنا منه محمد بِضع خُطوات وتساءل بصوتٍ متحشرج مهزوز يخفي خلفه غضبًا عارم:
_ الكلام اللي اتقال دا صح؟
لم يتحلى زكريا بالجُرأة لرفع رأسه والنظر في عيني والده، فخرج الآخر عن هدوئه واندفع فيه بنبرة حانقة:
_ بُص لي ورد عليا، الكلام دا صح؟
بصعوبة قابلها زكريا في مواجهة أبيه نظر في عينيه بعيون يميل لونهما إلى الإحمرار وأجابه هامسًا:
_ صح..
وما كاد يؤكد سؤال والده حتى تلقى منه صفعةً قوية على وجنته، تفاجئ بها زكريا والجميع كذلك، انسحب أسعد مُجبِرًا ابنته على السير حتى بلغا غرفة ليلى وقاموا بغلق الباب تاركين لهم إعادة تأهيله كما ينبغي.
في الخارج؛ لم يكف محمد عن توبيخه بعدم تصديق لفعلته الفادحة:
_ آل وأنا واللي كنت فاكر إني أربي والعيال صغيرة وبعد ما يكبروا هيمشوا على المنهج بقيت عمرهم، طلعوا العيال عايزين تربية حتى وهما قد الباب!! يا خسارة تربيتي فيك، ولا لأ دي عمرها ما كانت تربيتي أبدًا..
امشي اطلع برا البيت.. لما تتربى ابقى ارجع تاني..
قالها محمد وهو يدفعُه خارج البيت؛ فحاول زكريا إيقافه بتبريره:
_ يا بابا خلاص، واللَّه أنا عرفت غلطي، مش هينفع أروح في حتة وأسيب ليلى كدا!!
_ كنت فكر فيها قبل ما تعمل عملتك، أنا قولت برا يعني برا
هتفها محمد بصرامة حاسمًا على طرده، وتابع دفعِه حتى استطاع إخراجه من البيت ثم أغلق الباب في وجهه، ولم يكترث لتوسلات الآخر، ثم استدار محمد ورمق زوجته بنظراتٍ تحمل أطنانًا من الغضب المُشتعل وصاح من بين أسنانه:
_ أقسم بالله العلي العظيم إن ما دخلتي حالًا ورضيتي البت اللي جوا دي وبوستي راسها ليكون آخر يوم ليكي معايا!!
اتسعت حدقتاها بصدمة جلت على وجهها، جعلته أسودًا من فرط الصدمة، كما ارتفعت وتيرة أنفاسها وشعرت بضيق صدرها، ناهيك عن ضغطها الذي ارتفع معدله، لكنها جاهدت بعدم الظهور في هيئة مُتعبة حتى يمضيَّ ما يحدث.
توجه محمد إلى الغرفة وقام بالطرق على بابها، كما لحقت به هناء ووقفت برأسٍ يدور ورؤى مشوشة، فتحت لهما سمر فولج محمد أولًا ونظر حيث تجلس ليلى وبخذيٍ بائن أردف:
_ أنا آسف يا بنتي بالنيابة عن ابني وعمايله، آسف إني فكرت إنه بقى راجل عاقل يُعتمد عليه وينفع يفتح بيت ويراعي بنات الناس، والله مكنتش أعرف إنه كدا..
_ أنت ملكش ذنب يا عمي..
قالتها ليلى بخجلٍ، بينما نظر محمد إلى زوجته وأشار إليها بتلبية أمره، فأسرعت هي مُتجهة إلى ليلى وقامت بتقبيل رأسها قبل أن تعتذر منها:
_ أنا آسفة يا ليلى.. سامحيني
وما أن قالتها حتى انسحبت بهدوءٍ إلى الخارج دون إضافة المزيد،وأغلقت الباب مسرعة وما كادت تفعل حتى ساء وضعها وأظلمت رؤيتها ثم خرت واقعة.
***
