رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم صابرين
36- الوصية
صعدت سيارة الأجرة التي تحمل عدد أحد عشر راكب ولكن السائقين المصريين لا يعترفون بهذا العدد بل يحملون عليها أربعة عشر راكب واحيانًا يزداد العدد لستة عشر
جلست بجانب النافذة كما تفضل ثم ردت على الهاتف الذي كان يرن بإستمرار داخل جيبها، وعندما ابصرت رقم براءة قالت ببسمة متسعة :
-أهلًا بأول واحدة فينا سابت دايرة السنجلة وبقيت مرتبطة، أمتي الشبكة "الخطوبة" بقى علشان نشتري الفساتين الحلوة؟!
ضحكت براءة على الناحية الأخرى متدفقة إليها جميع ذكريات ليلة البارحة حين أتى يوسف وأسرته ليخطبها :
-كانوا عايزين يجيبوا الدهب قبل ما يسافروا بس انا قولت لأ وألف لأ أعمل شبكة واجيب فستان ونعملوا زيطة
-ايوه ميتى "أمتى" برضو؟؟
-بصراحة انا عايزة تبقى بعد التدريب بس بعيدة شوية دي، ده يوسف كان عايز الفرح يبقى بعد التدريب علطول يعني بعد تلات شهور
ضمت نور ضحكتها نظرًا لأنها محاطة بالناس ثم قالت :
-ايوه يا عم الواد واقع ومستعجل ومش قادر يستنى، ما توافقي بعد التدريب فيها ايه يعني معتقدش إنه هيجهز شقة ده معاهم عمارة كاملة جاهزة
-بابا قال نطولوا فترة الخطوبة علشان نعرفوه أكتر، هو انتي ماشية في الشارع جنبك صوت عالي؟؟
اعتدلت الأخرى في جلستها تغلق النافذة قليلًا بسبب الهواء شديد البرودة الذي يصدر منها ثم أجابت :
-رايحة لعمتك أسماء، عائشة وشروق مطولين في الكلية وانا لسه جاية من المدرسة ومش عايزة اقعد وحدي فعمتك اتصلت وقالتلي تعالي، احكي بقى حصل ايه عشية بالتفصيل الممل، لبستي ايه قولتوا ايه، أكيد كنتي مكسوفة صح؟؟
ابتسمت الأخرى وهى تقلب كوب النعناع الماكث أمامها :
-لبست الدريس النبيتي اللي اشتريته من إسكندرية، بصراحة حسيت إن بقابل واحد لسه أول مرة أشوفه مش واحد بتعامل معاه بقالي تسع شهور
-طب اتكلمتوا مع بعض وقعدوا الرؤية الشرعية دي؟
-لأ ما هو كده كده انا عرفاه وهو عارفني وأوضة العمليات تشهد، أصلًا قعدوا أغلب الوقت يتكلموا في معاد الفرح علشان زي ما قولتلك يوسف عايزه بعد التدريب وبابا عايز يطول الفترة أكتر، انا عايزة الشبكة بقى بعد التدريب بس الموضوع استقر إنه يبقى بعد ما أخوه يونس يخلص المهمة بتاعته علشان مش هيقدر ينزل معاهم الصعيد، ده مجاش معاهم أصلًا وفضل في إسكندرية
-بقولك ايه انت على كده تعرف تفرقي ما بين يوسف وأخوه؟!
نطقت بها نور بفضول لمعرفة إن كانت تستطيع فعلها وأجابتها الأخرى ضاحكة بشئٍ من البلاهة :
-لأ مش بعرف، ده لو كان جه هو وأخوه مكنتش هعرف مين فيهم العريس
-جاتك خيبة وهتفرقي إزاي بعد كده
-أكيد هيبقى فيه فرق بعدين لما اتعامل معاه أكتر، المهم
همهمت نور تنتظر ما ستقول فقالت براءة بحرج متوقعة سخرية الأخرى منها :
-قولي ليوسف انا مش هعرف أنزل إسكندرية غير بعد بكرة علشان بعيد عنك حاسة إن مرت عمك ادتني عين علشان هتجوز دكتور ونزل عليا دور برد ما يعلم به إلا ربنا، قوليله ياخذ إذن بقى
-وانا مالي مش هو بقى خطيبك ما تقوليله انتي
-ما انا بالصلاة على النبي كده مأخدتش رقمه وهو مخدش رقمي
ضحكت نور بسخرية وذهول على قولها هذا ثم أضافت :
-والله!! اومال قراية الفاتحة دي عملتوا فيها ايه؟!
-يا ولية ما قولتلك كانوا بيتكلموا ثم اتكسفت اطلب من بابا رقم أبوه علشان أقوله فـيلا يا حبيبتي يا نور انتي قوليله مع السلامة
ختمت حديثها وأغلقت الهاتف فحدقت به نور بحنق ثم قالت :
-بترموا كل حاجة عليا مش عارفة ايه العيلة الكسولة دي
مرت عدة دقائق قبل أن تطلب من السائق أن يتوقف حتى تنزل هنا، هبطت منها متجهة نحو البناية التي تقطن بها عمتها وقد وجدت لؤي ابن عمتها على باب المصعد ينتظر هبوطه، ابتسمت بهدوء ثم علقت :
-بتعمل ايه هنا مش امتحاناتك خلاص بعد خمس أيام؟؟
رفع الآخر أمامها كيس ممتلئ بالليمون ثم قال :
-انا أصغر بني آدم فوق فنزلوني اجيب لمون علشان الفسيخ
-فسيخ؟! انتوا عاملين فسيخ؟ طب ليه جايب الكمية دي ما كنتوا استلفتوا لمونة من أي حد وخلاص
وصل المصعد فصعدا به ثم أضافت نور :
-عامل ايه في المذاكرة شد حيلك دي تالتة إعدادي
زفر لؤي من هذه الكلمة التي يسمعها من الجميع، وكأنهم ينتظرون منه لحظة من اللهو حتى يذكروه بأن ينتبه لمذاكرته :
-خلاص يا جدعان خلاص بقى عرفت إن المفروض اذاكر ثم لو عايزني اذاكر عازمين ليه العيلة كلها النهاردة
انتبهت نور لجملته الأخيرة مرددة حديثه بذهول :
-انتوا عازمين عيلتكم النهاردة!!
-آه بابا قرر كده فجأة من نفسه يجيب فسيخ ورينجة ويعزم العائلة الكريمة على الغداء، مفيش مراعاة إن فيه طالب امتحاناته هتبدأ بعد خمس أيام
نطق بآخر جملة بتذمر شديد ونور تحدق أمامها بذهول، لما لم تخبرها عمتها أن لديها تجمع عائلي فوالله حينها لم تكن لتأتي، وهذا لأنها لا تريد أن تجلس كالغريبة بينهم وهم عائلة، لا تطيق هذا الشعور أبدًا
توقف المصعد وقد خرج منه لؤي لكنها لم تخرج فنظر الآخر خلفه هاتفًا بتعجب، ويده على الباب حتى لا ينغلق :
-ما تطلعي يا بنتي واقفة كده ليه
وأجابته الأخرى بحرج ترى كم الاحذية التي تظهر من باب الشقة المفتوح دليلًا على وجود الكثير والكثير من البشر بالداخل :
-لأ انا همشي واعمل نفسك مشوفتيش ومتقولش لعمتي
ضغطت على زر الطابق الأرضي حتى تنزل لكن جذبها لؤي قبل أن ينغلق المصعد ثم قال :
-تمشي فين ده ماما تزعل بجد، دي مرضيتش تقولك عندنا عزومة علشان عارفة إنك هتتكسفي ومش هترضي تيجي، وواضح كده إن كان معاها حق
وقبل أن تأخذ نور أي رد فعل وجدت نفسها على العتبة الداخلية للشقة ثم علىٰ صوت لؤي معلِمًا والدته بأن ابنة أخيها أتت، جاعلًا جميع العيون تتجه نحوها، ربي لما منذ أتت إلى هذه المدينة وهى لا تتعرض إلا للمواقف السيئة والمواقف المحرجة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
خرجت من المدرج إلى الكافتيريا بعد اختبار جعل جميع الحضور يحدق في الورقة وكأنه يقرأ اللغة الهندية التي تكون عبارة عن رسومات ملتوية لا معنى لمن يفهمها، لحسن الحظ استطاعت أن تنجز اختبارها فقد سهرت الليل كله البارحة حتى تجمع المنهج حالها كحال جميع الطلاب
يتركون السنة بأكملها ثم يذاكرون المنهج بأكمله في الليلة التي تسبق صباح يوم الإمتحان
رنت على شروق ولكنها لم تجب عليها، ليس لديها أي اختبارات اليوم بل اختبارها يبدأ غدًا لكنها ذهبت لمكتب عميد كليتها حتى تطلب النقل من هنا، المسكينة لم تعد تتحمل الجلوس هنا وتذكر مشهد تلك الفتاة التي ذُبحت
وصلت إلى الكافتيريا واشترت بعض الشطائر حتى تسد جوعها، جلست على أحد المقاعد تأكل من الطعام بتلذذ وهى تنظر حولها، تشعر بتعقد شديد من هذه الكلية خاصةً بعد الليلة التي عاشتها هنا، وقد ذهبت للمعيد حتى تخبره بأنها تريد النقل وكانت إجابة الآخر :
-مينفعش تنقلي في نص السنة ثم انتي مغتربة هنا علشان مجموعك مجابش مجموع الكلية في محافظتك يعني حتى لو نقلتي من هنا مش هتعرفي تروحي هناك، ده نظام لازم مجموع الثانوية يتوافق مع الحد الأدنى للتنسيق
ذمت الأخرى شفتيها بضيق من هتفت بأعتراض :
-انا مقدرش اقعد هنا تاني بعد ما واحدة حبستني في المعمل وفضلت هنا لحد الفجر، اعتقد كمان حضرتك عرفت بتاع الأمن عمل فيا ايه
آماء الآخر بهدوء فقد شاهد الكاميرات بعد ذلك الحادث :
-عارف واتفصل من الشغل بس البنت اللي حبستك مش عارفين نوصل ليها، كل الكاميرات مش ظاهرة فيها كويس علشان الكاب فهى كده مجهولة بالنسبة لينا
تنهدت عائشة بغضب وضيق شديد فأضاف العميد مراعيًا حالتها :
-بصي يا عائشة انا اقدر انقلك بعد السنة الدراسية ما تخلص لمحافظة قريبة من محافظتك تقدر تقبلك لكن طالما محافظة أسيوط تنسقيها مش من مجموعك فمش هتقدرى تتنقلي هناك إلا بقى لو عندك واسطة
وقفت الأخرى من على المقعد هاتفة بقهر مكتوم بسبب حقها الذي ضاع هباءً ولم يتعرفوا على تلك الحقيرة التي سجنتها في المعمل :
-وانا لو عندي واسطة في جامعة أسيوط ايه اللي كان جابني هنا
وهكذا تستطيع أن تقول أن حقها قد ضاع، وحتى لم تستطع أن تثبت أن صفا هى من فعلتها فالقبعة أخفت وجه الفتاة، رن هاتفها والذي أصلحه ياسر لها بعد أن عادوا إلى الصعيد، تبسمت ببطء ترى أنه هو المتصل وعلى الأرجح يريد أن يطمئن ماذا فعلت مع العميد في أمر النقل والفتاة التي سجنتها في المعمل
كادت أن تجيب ولكنها تراجعت رغم أن ياسر الآن في حكم خطيبها ولكنها لا تستوعب هذا بعد، لقد تحدث معها حسن وحدثت والدها في الأمر وهو قد خيرها بين أن تقبل أو ترفض
بالطبع عرض عليها مميزات ياسر كما فعلت والدتها وهى ظلت ليلة كاملة تفكر في الأمر مَليًا، لن يقوموا بخطوبة الآن إحترامًا لمشاعر شقيقتها وأيضًا لأنها لا تزال صغيرة ولم تكمل العشرين بعد
كما أنها طلبت أن يتأجل الأمر لما بعد العشرين أي بعد أن تنهي جامعتها وقد وافق والدها على هذا رغم اعتراض عمها عبد الجواد بسبب طول المدة ولكن كانت هذه طلباتها ووافق عليها ياسر ولم يعترض
ونظرًا لموافقة الجميع على شروطها وافقت هى لتصبح الآن خطيبة ياسر ربما كان الأمر قراءة فاتحة فقط ولكنها الآن أمام جميع العائلة مخطوبة لابن عمها
لا تزال هذه الجملة تزعجها قليلًا فلم تكن تريد الانصياع خلف عادة الفتاة لابن عمها، ولكن حين فكرت في ياسر من ناحية أخرى غير أنه مجرد ابن عم لها، وجدت أنه شاب لا يرفض لذا لا ضير في الموافقة
ونور لم تعترض على الأمر بل هى لم تكن معترضة منذ البداية بل اكتشفت لاحقًا أن ياسر يتعامل مع نور كثيرًا كما كانت ترى وهذا ليس لأنه كان يحب شقيقتها بل لأنه كان يريد الوصول إليها هى نظرًا لأن والدها كان يمنعه من التعامل معها بأريحية المخطوبين، لذا نور كانت همزة الوصل بينها وبين ياسر وهى لم تكن تنتبه لهذا
صدح صوت هاتفها مرة أخرى باسمه لذا ردت هذه المرة بحرج شديد فكما قالت لا تستوعب بعد أنها أصبحت خطيبته :
-الو
-رنيت مرتين ومردتيش كنت فاكرك لسه في الامتحان
نطق بها بصوته الخشن رغم هدوء نبرته، أجابته الأخرى وهى ترفع الشطيرة حتى تقطم منها :
-لأ خلصت الإمتحان ولسه طالعة
ابتسم ياسر بإتساع يشعر بالسعادة لأنه يتحدث معها ووصل معها إلى هذه المرحلة بعد إنتظار عامين وقد ظن أنه سينتظر أكثر من هذا :
-حليتي صح ولا هتعرينا
-مين دي اللي تعركم انا جايبة ٩٠.٥٪ في الثانوية يعني اكتر واحدة جايبة مجموع في العيلة
ضحك الآخر وود لو يذكرها بأن إسماعيل طبيب ويعتبر من العائلة أيضًا ولكن لم يرد أن يجرحها فيعلم كم تعبت عائشة في الثانوية من أجل أن تحصل على موجوع عالي ولولا أنها تسرعت في إحدى الاختبارات أثناء نقل الإجابة لكانت أتت بمعدل أكبر من هذا وقبِلها الطب، وفي النهاية كلٌ يحصل على نصيبه :
-حبيبتي انا أشطر واحدة في العيلة، أشطر مني انا شخصيًا
خجلت عائشة من قوله حبيبتي حتى أنها اختنقت بغصة طعام وسعلت بقوة فقال ياسر على الناحية الأخرى، يكتم ضحكاته عليها :
-براحة على نفسك ده كله علشان قولتلك حبيبتي، ده فيه كلام كتير عايز اقوله بس أخاف اخد ذنوب انتي برضو لسه مش مراتي
احتقن وجه عائشة وقد أصبح اللون الأحمر ينتشر على بشرتها بسرعة تقول من بين سعالها المتقطع :
-احترم نفسك يا ياسر
ابتسم ياسر وكأنها تراه، محدقًا في سقف الغرفة غير منتبه لحسن الذي يتابع من على الباب والآخر لا يراه :
-بلاش الكلمة دي يا عائشة علشان انا كده اقسم بالله محترم نفسي
توقفت الأخرى عن السعال ملتقطة أنفاسها بصعوبة فقال ياسر وهو يعتدل ببطء بسبب جرح ظهره الذي بدأ في التعافي :
-كلمتي المعيد وعرفتي مين البنت اللي حبستك؟؟
-لأ راجعوا الكاميرات وكانت لابسة كاب ومظهرش وشها خالص
هتفت بها بعصبية شديدة فكانت تود أن تعلم من هى حتى تشفي غليلها منها فكم شعرت بالرعب في تلك الليلة بمفردها تكاد تقسم أن أحداث الليلة بتفاصيلها لا تزال في ذاكرتها
تحدث ياسر بهدوء بعدة كلمات تخفف من غضبها :
-متزعليش نفسك الحق مش بيروح يا عائشة وهيتردلها في يوم من الأيام حتى لو بعد خمسين سنة، ولما تتحط في نفس الموقف هتفتكر اللي عملتوا فيكي.... طب والحيوان اللي اتحرش بيكي ده غار فين
نطق بآخر جملة بغضب مكتوم فوالله لولا أن جرحه كان حديثًا أنذاك الوقت لكان حطم عظامه :
-لا ده قالي إنه اتفصل من الشغل وبالنسبة لموضوع النقل قالي مش هينفع غير بعد السنة ما تخلص وحتى لو اتنقلت مش هبقى في أسيوط علشان التنسيق فيها مقبلش من الأول فيا إما اتنقل لكلية تنسيقها في مجموع الثانوية قابلني يا إما اكمل في جامعة إسكندرية أو ألاقي واسطة تنقلني أسيوط
استمعت لتنهيدته على الناحية الأخرى وبعد عدة ثواني قال :
-أقدر اجيبلك واسطة
-منين يا ياسر معندناش حد قريبنا هناك
-صاحبي أخوه الكبير شغال في إدراة شؤون الطلبة كلية الصيدلة في جامعة أسيوط، اينعم مش هيعمل الخدمة دي ببلاش بس هيعملها
ابتسمت الأخرى بأمل في أن تذهب من هذه الكلية وهذه المدينة بأكملها ليقطع ياسر هذا الأمل إذ قال وهناك ابتسامة واسعة احتلت وجهه :
-بس لو الموضوع مشي تمام واتنقلتي أسيوط، أول ما تتمي العشرين هنتجوز
-لأ استنى عندك ده مكانش اتفاقنا انا قولت بعد ما اخلص الكلية
-عائشة انتي عايزاني استنى ست سنين؟؟
ارتفع إحدى حاجبي الأخرى بتشنج واضح ثم قالت :
-ليه ست سنين هو انا هعيد السنة مرتين؟!
وأجابها ياسر بصوت منخفض أظهر به بحته الرجولية العاشقة لها :
-لأ بس انا مستني بقالي سنتين وحطي عليهم أربعة كلية، كده كتير على قلبي يا عائشة
-والله وكتير على قلبي انا كمان استحمل كل يوم اسمعك بتتكلم في التلفون بالمحن ده
وأتى هذا الصوت من حسن بعدما رأى أن محادثتهما قد طالت، اعتدل ياسر بسرعة على الفراش متفاجئًا من وجود عمه هنا إذ قال :
-انتي واقف من امتى؟؟ وواقف ليه!؟
ابتسم له الأخرى بتهكم ثم قال مقلدًا نبرته :
-واقف من أول، فيه كلام كتير عايز اقوله بس أخاف اخد ذنوب انتي برضو لسه مش مراتي، كلام ايه اللي عايز تقول للبت يا ياسر؟؟ ده ابوها لو سمعك هينفخك وانا اللي كنت فاكرك عاقل اخس على الرجالة
جلس الآخر نصف جلسة ثم قال بجدية بعدما رأى أن عائشة أغلقت الخط :
-وينفخني ليه؟؟ انا دخلت البيت من بابه مش ماشي معاها في الحرام ثم انا عارف الحدود بين المخطوبين انا بس بنكشها
جلس حسن بجانبه على الفراش ضاربًا رأسه بخفة ثم قال :
-طب اتقل شوية البنات متحبش الواد المدلوق
وأجابه الآخر بأسلوب رزين وهادئ :
-وبرضو متحبش اللي ينشفها عليها حتى كلام مش فالح يقوله، وانا بين البِنِين لا بقولها كلام خارج ولا بختصر الكلام معاها في كلمتين عاملة ايه واخبارك ايه
ضحك حسن يهز رأسه يمينًا ويسارًا قائلًا :
-محدش بيعرف يغلبك في الكلام يا ياسر عندك رد لكل حاجة
اعتدل ياسر في جلسته بحيث أصبح في المقابل له من ثم قال :
-طب بقولك ايه ما تقنع انت وابويا عمي علي يجوزهالي مش لازم نستنى كتير يعني ما انا شقتي جاهزة بقالها أكتر من سنة
-طب وهو مش لازم يجهز بنته، ثم نورهان لسه حتى متخطبتش يا ياسر، حتى لو قالت انا مش معترضة على الموضوع واعملوا اللي عاجبكم هتبقى حاجة في نفسها برضو تقولها هو انا فيا حاجة وحشة علشان اختي الصغيرة تتجوز قبلي وانا لأ، حتى الحريم مش هترحمها وفي ضهرها هيقولوا الكبيرة بايرة والصغيرة اتجوزت
حك ياسر رقبته مقترحًا اقتراح آخر إذ قال :
-طب ماشي نستنى لحد ما نور تتخطب أو تتجوز وبعدها علطول اتجوز انا عائشة
وأعترض حسن على هذا الاقتراح أيضًا فلن ينفعه سوى الإنتظار :
-انت عايز تشنق الراجل هيجهز بنتين وراء بعض؟؟ هو قاعد على بنك!!
-يعني انا مش قدامي غير استنى يعني؟!
صاح بها بتذمر شديد وعدم رضا، أجل رضا بالأمر في البداية لكن الآن لا يسعه الإنتظار، وأجابه حسن ببساطة :
-أهو نصيبك كده وانت لسه على البر، يا تستناها يا تسيبها لحال سبيلها وتشوفلك انت واحدة غيرها
وهز ياسر رأسه بنفي متنهدًا بإستسلام :
-لأ هستناها يا حسن علشان انا عارف إن عيني مش هتراعي غيرها، طالما عرفت إن ليها قبول ناحيتي يبقى استناها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولجت إلى الداخل بخطىٰ بطيئة ملقية تحية السلام على الموجدين ثم اتجهت بخطوات واسعة نحو المطبخ، أو هربت لهناك مختفية عن الأنظار لعلمها أن عمتها ستكون هناك وللعجب وجدت حمزة هناك يواليها ظهره وقد سمعت آخر ما قال :
-طب انتي معزمتهاش ليه يا مرات عمي؟!
وأجابته أسماء متعجبة كثرة أسئلة حمزة عن نور منذ أن أتى :
-يا ابني تلاقيها جاية في الطريق، أهي جات وراك
ضمت نور سترتها الثقيلة ذات اللون الوردي الباهت تشعر بإحراجها يزداد أضعافًا عند مقابلة هذا الرجل، ابتسم لها حمزة ابتسامة واسعة جذابة يسمعها تقول بنبرتها الخافتة :
-مساء الخير
ورد عليها جميع مَن بالمطبخ بجملة "مساء النور" إلىٰ أن حمزة جوَّد من عنده مضيفًا بغزل :
-مساء الخير والخير حضر مع طلتك يا جميلة
نظرت له نور بأعين مذهولة غير مستوعبة، بينما نكزت غادة أخيها عندما رأت نظرات الصدمة التي اعتلت وجه والدتها وزوجتي عميها عبلة وأسماء التي قالت :
-ايه ده يا ناهد الواد بيعاكس البت كده عادي
جذبت ناهد نور من أمام حمزة وقد دفعت به هو لخارج المطبخ قائلة :
-اطلع برا يا حمزة انت ايه أصلًا اللي موقفك في المطبخ مع الستات
توقف حمزة أمام المطبخ ثم استدار هاتفًا بنفس البسمة المتسعة :
-طب ثواني هقول حاجة لغادة
نظر إلى نور والتي كانت تقف بجانب غادة ثم أضاف وقد اتسعت البسمة على وجهه أكثر وأكثر مع كل كلمة :
-الطقم ده حلو أوي عليكي يا غادة بحسك بتنوري المكان وانتي في اللون الأبيض
نظرت غادة إلى نفسها وقد كانت ترتدي فستانًا شتويًا من اللون الزيتي يعلو حجاب أفتح بعدة درجات، وبالطبع علم الجميع من المقصود من هذه الجملة فالوحيدة التي ترتدي الأبيض هى نور، وقد كانت ترتدي جيبًا أبيض وكنزة شتوية بيضاء تعلوها سترة من اللون الوردي الباهت وحجاب مزركش من اللونين الأبيض والوردي
ودت نور في هذه اللحظة أن تدفن نفسها من شدة الخجل ولكن قبلها ستصفع لؤي الذي ادخلها إلى الشقة عنوة، رحل حمزة وفور أن رحل هتفت نور بصوت مختنق من الحرج :
-عمتي انا همشي
تبسمت ناهد بتوتر محاولةً أن تصلح الموقف الذي سببه ابنها لا تدري لما أصابه الجنون فجأة :
-تمشي ليه؟؟ ده حمزة بيهزر، بيحب الشعر والغزل وبيحب يمدح اللي قدامه علطول حتى لو كوز درة
احطات الأخرى ذراعها بتوتر من وقع كلمات حمزة على قلبها، ذلك الحقير ألا يعلم أن قلب الفتيات يتعلق بالكلمات بسهولة، حتى إن كانت تحاول صد إغواءات الشيطان لها فهى بشر في النهاية وقلبها قلب فتاة ينبض للكلمة الجذابة :
-أنا أصلًا مش بحب الملوحة فهروح امشي علشان عائشة وشروق لما يرجعوا
همت بالتحرك خارج المطبخ ولكن جذبتها أسماء قائلة :
-انا اتصلت على شروق وعائشة وهما هيجوا دلوقتي هتروحي تقعدي هناك لوحدك؟! ومش بتحبي الملوحة والرينجة أنا عملت أكل تاني علشان فيه ناس مش بتحبها اقعدي كلي معاهم
خرجت غادة عندما وجدت أن نور لن تذهب فأخذت تبحث عن أخيها وقد وجدته يقف في الممر مستندًا على الجدار محدقًا في هاتفه، هبطت على رأسه بصفعة قوية صائحة :
-انت حمار يلاه
تأوه الآخر بصوت مرتفع رامقًا اياها بشر فأكملت الأخرى هجومها قائلة :
-انت بتعاكس البنت كده عادي؟!
رفع الآخر منكبيه لا يرى انه أخطأ في شئ إذ قال :
-هو انا قولتها حاجة خارجة؟! انا مش شايف إن كلامي فيه حاجة غلط
هزت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا بضيق لبساطة حديثه :
-حمزة إنك تكتب غزل في كتبك ورواياتك مش زي إنك تقوله لواحدة، بتحبها ومعجب بيها ماشي بس تأجل كل الكلام اللي عايزة تقوله ليها لحد ما تبقى مراتك أو على الأقل تتقدم ليها وتبقى خطيبتك قدام الناس
فكر حمزة قليلًا في حديثها هو لا يستطيع أن يمنع لسانه عن قول الكلمات أو يمنع عقله عن التفكير بها فهو كاتب ويخزن جميع الكلمات الغزلية التي قرأها أو ألفها لحبيبته، وحين يكون له حبيبه لا يستطيع أن ينطق بكلمة لها؟!
ذم شفتيه بتفكير ثم قال وكأنه يحادث نفسه :
-هكتب كل الكلام اللي عايز اقوله ليها في دفتر صغير لحد ما اتقدم ليها، وإن شاء الله هيبقى قريب بعد ما أرجع من معرض الكتاب من القاهرة
-حمزة
حمحمت غادة بقلق لا تعلم كيف تقول له هذا بدون أن يظن أنها تريد إفساد الزيجة، فوالله ليس في نيتها أي سوء بل اعترفت بخطأها مرتين، الأولى عندما قال حمزة أنه يريد الزواج من نور والثاني في يوم ميلاده عندما أجبروها على الذهاب
وعلى ذكر الأمر هى قد اعتذرت من والدها وقبلت رأسه فالصغير عليه الاعتذار دائمًا من الكبير وهو مرر الأمر، ربما والده عندها يغضب يقول كلامًا كثيرًا غير مدرك أن حديثه قد يجرح مَن أمامه، ولكنه طيب القلب ولم يرفض لها طلب في يوم، فقط إن طلبت هى منه
ربما لا يفعل هذا من تلقاء نفسه معها إلا عندما تطلب، ولكن في النهاية هو أفضل من غيره من الآباء ليس الأفضل ولكنه أفضل وهى لا تكرهه بل تحبه كثيرًا، فقط كانت تتمنى لو يدللها في يوم مثل حمزة ولكن لا يحصل جميع الأخوة على الدلال يجب أن يكون هناك من تلقى النصيب الأكبر في الحب والدلال
فرقع حمزة أصابعه أمامها ثم قال :
-سرحتي فيه ايه؟! قولتي حمزة وسكتي
-بص انا مش عايزة تتعلق اوي بنور علشان ممكن أهلها يرفضوا
ضم الآخر ذراعيه أمام صدره لا يرى أن به عيب أو نقص حتى يُرفض :
-وليه بقى يرفضوا؟؟ انا عندي وظيفة ودخل كمان وشقتي جاهزة وفي واحدة من أحسن الأماكن في إسكندرية
-ما هو ده السبب
نطقت بها غادة قاطعة حديثه ثم أضافت مجيبة على الأسئلة التي وضحت في عيني شقيقها :
-انا وماما فتحنا الموضوع مع مرات عمك بس قالت إن ممكن ابوها وأمها ميوافقوش علشان إحنا هنا في إسكندرية وهى من الصعيد، على حسب اللي فهمته إن والدتها رافضة تجوز بناتها بعيد عنها، يعني مش هيوافقوا على حد في خارج حدود بلدهم
هز الآخر رأسه برفض لا يرى أن هذا سبب كافي لرفضه :
-بس مرات عمك من الصعيد وتبقى عمتها واتجوزت هنا، ويوسف اتقدم لبراءة وابوها وأمها وافقوا، يعني نفس الظروف ومحدش اعترض
-بس براءة ونور مش اخوات يا حمزة
وأطلق حمزة تنهيدة قوية وعينيه لاحظت طيف نور التي مرت من أمام الممر مرورًا إلى البهو، لم يشعر بهذا الانجذاب نحو فتاة كما شعر هو بإتجاه نور، حياءها وصمتها جذب لبه لها كما تنجذب الفراشة للنيران، وإن كان حبها سيكون كالنيران له إذًا فليكن، فلم يعتد أن يحب شئ بشدة ويتخلى بسهولة :
-علشان مندمش بعدين وأقول ياريتي اتقدمت ليها يمكن كانوا وافقوا، انا هتقدم ليها وزي ما تيجي تيجي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ربما يجلسون معًا الآن كعائلة وهذا يكون واضح لمن لا يعرفهم، ولكن بالنسبة إليهم هم أبعد ما يكون عن العائلة فكلٌ لا يفكر إلا في ذاته حتى هى الآن تفكر في نفسها بينما تنظر إلى جميع الأوجه
وجه سعاد التي تدعي القوة، رافعة رأسها بشموخ وكأنها ستمتلك هذه الشركة بأكملها، مسكينة لا تعلم ما الذي ينتظرها الآن
وجوه بناتها الثلاث فقد عادت ابنتها الثالثة من الخارج هى وزوجها بعد أن طلب منها المحامي العودة إلى مصر من أجل إعلان الميراث وفقًا للوصية التي تركها حاتم قبل موته بيوم وكأنه كان يعلم أنه مسموم وسيموت
وجوه الثلاثة هى نفسها، النفاق يظهر بوضوح، يدعين الأسى على والدهن بينما في الحقيقة ينتظرن بفارغ الصبر إعلان الورث ولا يختلف شكل أزواجهن عنهن كثيرًا
ربما الصغرى بهن "لمار" والتي لا تزال عازبة هى الوحيدة التي كانت ملامحها تنبئ عما بداخلها، يظهر الخوف عليها من القادم والحزن لذكرى رحيل والدها، فكانت أقرب واحدة في العائلة لحاتم هى ابنته الصغيرة لمار
والآن وجه عادل والذي يظهر البرود واضحًا على ملامحه، وعينيه الزرقاء تخفي ما خلفها، هو بارع في التحكم في الذات وعدم إظهار مشاعره للآخرين فحتى في جنازة حاتم لم يظهر عليه أي ملامح لدرجة أنها شكت لثانية أن يكون عادل هو من قتل والده ولكن استبعدت هذا لاحقًا
انتصب الجميع في جلسته عندما دلف "عبد الرحمن" زوج كارما كبرى بنات حاتم، وهو أيضًا المحامي الخاص بجميع أعمال حاتم ويمكننا أن نقول أنه ذراعه اليسرى لأن اليمنى كانت عادل بالطبع
هذا الشاب ذو الملامح الجذابة الهادئة ولكنه عقرب خبيث بذكاء قوي، كان يعمل كموظف صغير في الشؤون القانونية في شركة حاتم ولكنه لعب على كارما ابنته من أجل أن يصل إلى المكانة التي هو بها الآن، مستغلًا ذكائه وملامحه الوسيمة وكلامه الراقي، جاذبًا كارما له كما النحلة للزهور الجميلة
جلس عبد الرحمن على المقعد الأمامي لطاولة الاجتماعات في الشركة الأم لحاتم الدخيلي فلديه أفرع كثيرة منها خارج البلاد، وضع أمامه عدة أوراق تعتليها ورقة كُتبت بخط اليد وهى وصية حاتم وقد كتبها في حضوره وطلب منه ألا تُفتح إلا في وجود جميع عائلته بعد مرور شهرين على وفاته
ارتدى نظارته الطبية ثم حمحم منظفًا حلقه، مستعدًا لسرد الوصية أمامهم :
-أولًا بما إن كاظم مطالب من الشرطة وده لأنه قاتل فكده هنستبعده من الميراث والتِركة وده لأن القانون والدين بيحكموا أن القاتل لا يرث، وكده نصيب كاظم هيتوزع بالتساوي على الباقي، حد عنده إعتراض على كلامي ده
وفي الواقع لو كان كاظم موجود الآن لأعترض ولكنه غير ولا أحد يطيقه في العائلة بسبب طريقته مع الجميع لذا لم يعترض أحد، رفع عبد الرحمن الوصية أمام عينيه ثم استرسل ساردًا ما كتبه حاتم بيده وهو على فراش الموت :
"انا كتبت وصيتي دي وانا عارف اني هموت قريب، إمبارح حسيت إني مش كويس ولما روحت المستشفى وحللت عرفت إن فيه سم في جسمي بقاله أكتر من ٢٤ ساعة وهموت خلال ساعات والسم ده ملوش أي علاج، واضح إن اللي سمني متأكد إني هودع وأموت حتى لو عرفت إن في جسمي سم، انا مش عارف مين اللي سمني بس متأكد إنه هيتكشف في يوم من الأيام سواءً كنتي انتي يا سعاد أو حد من عيالك أو حد من برا العيلة "
همهمت سعاد بتهكم شديد قائلة :
-حتى وانت ميت ظالم يا حاتم
اكمل عبد الرحمن الوصية إذ قال :
"قبل ما أقسم الورث هقول كلمة لعيالي أنا فضلت أجمع الفلوس حياتي كلها لدرجة إن اهملتكم ومكنتش بعرف عنكم حاجة وسيبتكم لسعاد اللي نفسها اهملتكم ومهتمتش بحد غير نفسها وأنا كنت بجمع الفلوس وازيد فيها علشانكم وعلشاني وفي الآخر اديني أهو هموت ومش هاخد منهم حاجة، في اللحظة دي قد ايه عرفت إن الدنيا فانية ياريتي كنت عملت حاجة تشفعلي في الآخرة بس انا اتلهيت فيها زي ناس كتير، اتمنى متبقوش زيي والدنيا متضحكش عليكم زي ما عملت معايا، واتمنى برضو تسامحوني لو قصرت في حقكم يا أولادي، كارما، غدير، لمار، عادل، كاظم سامحوني كلكم وافتكروا ليا حاجة كويسة عملتها ليكم، بلاش تفتكروا الوحش بس "
وفي هذه اللحظة اجهشت لمار في البكاء الشديد حتى باقي الفتيات التمعت الدموع في عيونهن، كم بدا كلامه صادقًا بالفعل ومس قلوبهن، صاحت سعاد بهن حتى يتوقفن عن هذا البكاء بينما أكمل عبد الرحمن سرد الوصية :
" كاظم وعادل عارف اني ظلمتكم وجيت عليكم، انت يا كاظم اخترت غلط يا ابني فاكر إني اشتريت البنت اللي انت حبيتها وبعدتها عنك بس هى متستاهلش، مرآة حبك عمياء حبيت واحدة لا من دينك ولا بلدك ولا من مستواك، اتمنى تتعالج من اللي انت فيه واللي انا وانت عارفينه، وكمان تتعالج من الجنان اللي جالك ده وتسيب البنت فريال في حالها هى مش البنت اللي حبيتها ومش علشان شبهها هتعوضها بيها كفاية أذى لنفسك بقى وللحواليك، حاولت كتير ارجعك واجبرك على الرجوع حتى حبستك في مصحة نفسية وفي المقابل بقيت انا أكتر شخص انت بتكرهه، صدقني عملت ده كله علشان اعالجك بس انت اللي رافض العلاج ولو فضلت معاند كده هتموت يا ابني"
-عدي الجزئية دي، أصلًا كاظم مش موجود علشان يسمعها
نطق بها عادل وهو على نفس وتيرة بروده فأكمل عبد الرحمن الوصية :
" وانت يا عادل سامحني على اللي عملته فيك، والله يا ابني ما كنت أعرف إنك بتحبها وعايزها علشان لو كنت أعرف مكنتش هوجعك وأعمل اللي انا عملته "
حدق الجميع بعادل الصامت والذي كان ما بداخله يعصف بشدة، يعلم على ما يعتذر والده، هو يعتذر لأنه تزوج الفتاة التي أحبها بشدة وأراد أن يتزوجها هو، قد واجهه بهذا في يوم من الأيام حين انفجر به أنه حرمه من هاجر وتزوجها هو لتصبح محرمة عليه
وكُتب عليه أن يقضي المتبقي من حياته يتلظى وهو يراها أمامه ولكن ممنوع عليه حتى النظر لها لأنها أصبحت زوجته أبيه ومن محارمه، أكمل عبد الرحمن الوصية فقال :
"سعاد صدقيني مطقتش حد في حياتي قدك، انتي كنتي كل يوم بتتفنني إزاي تخليني اكرهك أكتر وأكتر، يمكن انتي شايفة ان انا ظلمتك يوم ما اتجوزت عليكي بس ده من عمايلك معايا وعمرك ما اعترفتي في يوم إنك غلطانة، أما أنتي يا هاجر فحقك عليا ظلمتك كتير معايا واتعذبتي كتير وسكتي أكتر، انا يمكن منفذتش وصية أبوكي صح بس حاولت والله، عقلي هيأ ليا إن لو اتجوزتك هحميكي بس انا كنت غلطان، انا ظلمتك وضيعت سنين من عمرك لما اتجوزتك، اتجوزي يا هاجر وخلفي وعيشي حياتك بس اختاري الشخص اللي هتكملي معاه حياتك صح، يمكن الكلمات متشفعش بس انا بجد آسف واتمنى انتي كمان تفتكري ليا حاجة كويسة انا عملتها ليكي "
تمتمت هاجر بكلمة" الله يرحمه "فلم يعد يجوز عليه سوى الرحمة الآن، تسامحه على ما فعل لها فهذا قدر في النهاية ونحن البشر لا نملك في أيدينا سوى أن نمتثل للقدر ونحمد الله عليه
استرسل عبد الرحمن في سرد الوصية إذ قال ما ينتظره الجميع وما هم موجودون هنا من أجله :
"علشان كده هحاول أعوضك باللي في ايديا وهكتب ليكي نص الأملاك في الشركات والأراضي والمطاعم والعمارات والفيلا، انتي ليكي النص في كل حاجة"
حل الذهول على جميع الموجودين من بنات حاتم وازواجهم وحتى سعاد نفسها انتفضت صارخة :
-ازاي ليها النص ده مش معقول هو اتجنن على كبر؟! يكتب النص وهى ملهاش غير التُمن!؟
ابتسمت هاجر بقوة مستعدة لما سيقوله عبد الرحمن إذ أكمل الوصية دون إهتمام لما تقوله سعاد :
"والنص التاني يتقسم بالتساوي على ولادي هما الخمسة، وانتي يا سعاد ملكيش أي حاجة حق المر اللي شربته طول حياتي معاكي، دي وصيتي وانا في كامل قواي العقلية وهتنفذ سواءً وافقتوا أو لأ، وعبد الرحمن وباقي المحاميين هيكتبوا الميراث زي ما قولت في الشهر العقاري "
اتسعت أعين سعاد بصدمة وقد شعرت أن نبضات قلبها تباطأت وشحب وجهها بشدة، وقد تهاوى جسدها على المقعد وكأنها فقدت القدرة على التحكم في قدميها من فعل الصدمة عليها :
-ازاي؟! أكيد فيه حاجة غلط؟ طلعني كده من الورث ولا كأني حياتي كلها ضاعت معاه، ده انا أم ولاده!! واللي مخلفتش عطاها النص؟؟
سحبت كارما الوصية تقرأ آخر الأسطر بها، وقد كان هذا الخط خط والده بالفعل وهذه إمضته إذًا الوصية ليست زائفة :
-ده خط بابا ودي الإمضاء فعلًا يعني مش مزيفة ولا حاجة
سحبت هاجر الوصية من بين اناملها تحدق في سعاد ببسمة متسعة شامتة، تدفع عمرها كله من أجل هذه اللحظة، نظرت إلى الوصية وقد رفعت إحدى حاجبيها بإنبهار، عجبًا لقد قلد عبد الرحمن خط حاتم بشكل متقن فحتى ابنته لم تعرف أن هذا ليس خط والدها، يستحق الأموال التي أعطته له مقابل رؤية هذه النظرات على وجه سعاد
لا تزال تتذكر ما حدث البارحة في وقت الظهيرة فوق كبري ستانلي إذ كانت تجلس في سيارة الأجرة رقم خمسة التي تصعد بها حتى تشتت أي أحد يتتبعها من رجال سعاد أو أي حد غيرهم، أبصرت عبد الرحمن يعبر الطريق بعد أن أبتاع بعض الحلوي لأبنته كما هو معتاد كل يوم ليفاجئها بها حين عودته إلى المنزل
هم أن يصعد إلى سيارته ولكن وجد من يسحبه بعنف منها ثم ألقى به داخل سيارة الأجرة التي تجلس بها، من عنصر المفاجأة لم يستطع عبد الرحمن أن يدرك ماذا يحدث، وقد اندهش لوجود هاجر داخل السيارة فنظر إليها مذهولًا دون أن ينبس بكلمة
ابتسمت الأخرى له بهدوء قائلة :
-آسفة على الطريقة الهمجية دي يا عبد الرحمن بس محتاجة منك خدمة ومكنش ينفع أقابلك في الشركة أو في بيتك علشان محدش يعرف الحوار اللي هيدور بينا ده
اعتدل الآخر في جلسته وقد بدأ أن يتدارك الأمر رغم اندهاشه لشخصية هاجر الجديدة، فما كان أبدًا أن يتوقع أن مثل هذه الأمور تخرج من كائن لطيف مثلها، لكن يبدو أن هاجر ستبهر الجميع بشخصيتها الجديدة المخيفة هذه :
-خير بقى ايه الحوار اللي خطفاني في نص الكبري علشانه
اجابته هاجر وهى لا تزال على نفس هدوءها :
-عادل قالي إن انت هتعرض الوصية بكرة وإن الوصية معاك دلوقتي وانت كنت موجود مع حاتم لما كتبها، وكمان قولتله إن ليا النص في الأملاك كلها، الموضوع ده بجد؟!
-آه انتي ليكي النص في كل حاجة فعلًا، حاتم باشا الله يرحمه كتب كده في الوصية
-طب وسعاد ليها إيه؟؟
هتفت بها متوجسة فأجابها الآخر ببساطة :
-رغم ان مينفعش أقولك على نَص الوصية بس بما إن بكرة هتتعرض فعادي هقولك، حماتي ليها التُمن والباقي هيتوزع على باقي العيلة البنات والأولاد
-لأ سعاد ملهاش حاجة، النص ليا والنص التاني لأولاده
ورغم فهمه لنبرتها الغامضة هذه إلىٰ أنه ادعى عدم الفهم لذا قال :
-افندم؟!
ابتسمت الأخرى بسمة بدت له مخيفة رغم هدوءها، وقد لمع الخبث في عينيها البنيتين :
-عبد الرحمن المحاميين دول أذكى الناس وانا عارفة إنك فاهمني
-انتي عايزاني أغير الوصية؟؟
-آه
نطقت بها ببرود شديد زاد من تعجبه منها إذ قال :
-دي ليها التُمن وانتي ليكي النص يعني مفيش مقارنة، ليه عايزة تعملي كده؟ علشان تقهريها مثلًا؟؟
-بالظبط كده، سعاد بتعشق شكلها قدام الناس والفلوس وبعدين عيالها وانا هدق تاني مسمار في بنعشها بعد ما فضحتها قدام عيالها، ولما احرمها من الورث واخليها تحس إنها قضيت أكتر من نص عمرها مع حاتم ومأخدتش منه ولا حاجة في الآخر
لأول مرة له يرى هاجر اللطيفة، القشة التي تُكسر بسهولة بمثل هذا الشر، حتمًا الظلم والظروف يغير أنقى البشر إلى ألعنهم وأقساهم :
-وانا ايه يجبرني أعمل كده وليه اعمله أصلًا؟!
همهمت الأخرى تدعي التفكير ثم قالت :
-علشان انا عارفة إنك مش محامي نزيه وعنده ضمير، ده انت متجوز كارما علشان ترفع نفسك لفوق ولولا جوازك منها كنت هتبقى لسه تحت في الشؤون القانونية
ضحك الآخر بسخرية ثم قال :
-طب كويس إنك عارفة إن مش من صفوة المجتمع أوي وإن مصلحتي أهم بس عايزة أقولك حاجة انتي لو اشترتيني بالفلوس غيرك هيدفع أكتر وممكن أبيعك
-اتنين مليون ومش جنيه لأ دولار، يعني شوف بالمصري يساوي كام بسعر الدولار النهاردة، مين معاه سيولة أكتر من كده يدفع ليك، سعاد نفسها مش معاها ولو حتى معاها مستحيل تفرط فيه ليك، ها قولت ايه؟؟
اعتدل الآخر في جلسته متسع العينين لا يصدق أنها ستدفع هذا المبلغ من أجل أن تُخرج سعاد من التركة :
-طب فرضًا وافقت انا هعمل كده ازاي، الوصية مكتوبة من شهرين والمفروض عرضها بكرة، والوصية مكتوبة بخط ايده وأمضته
-اتصرف يا عبد الرحمن مش انت محامي يعني موجود في الدنيا دي علشان تتصرف
حمحم الآخر منظفًا حلقه ولا يزال وقع رقم المبلغ يؤثر على عقله، تنفس بعمق ثم آماء موافقًا :
-تمام اعتبري حاتم باشا كتب في وصيته إن سعاد ملهاش ولا نكلة
رفعت هاجر هاتفها ثم فتحت له تسجيل بالمحادثة التي تمت الآن فأتسعت أعين الآخر بصدمة قائلًا :
-ايه ده بقى!! هو احنا فينا من الحركات دي؟!
-علشان بس لو فكرت تغدر هسمع التسجيل ده لسعاد وبنتها وانا مش هيقدروا يعملوا ليا حاجة، الدور والباقي عليك انت لما سعاد تخلي بنتها تطردك من حياتها، حتى مش هتحلم ترجع موظف في الشركة
أغلقت التسجيل ثم استرسلت أمام عينيه المذهولة :
-ولو حبيت تطمن برضو على الفلوس فهى في شقتك القديمة في كرموز جوا دولابك اللي تقريبًا هيقع من كتر ما هو قديم، في شنطتين سفر لونهم بينك
همهم الآخر منبهرًا لذكائها الغير متوقع بالمرة ثم قال :
-لأ واضح إن الرسامين طلعوا أذكى من المحاميين بمراحل
ابتسمت الأخرى ابتسامة دون روح محدقة في الناس خارج نافذة سيارة الأجرة من ثم أردفت :
-انا فضلت حياتي كلها نعجة الديابة بتاكل فيها، خلاص جه دوري ومش هخلي فيهم حتى عضم يتدفن
اخفضت الوصية عندما علىٰ صوت سعاد وهى تهزي بجنون في المكان وبناتها يحاولن تهدئتها، وقفت من مكانها جاذبة حقيبتها الأنيقة والتي تليق بلونها الأبيض مع سترتها ذات الفرو الناعم فقد أرتدت اليوم أجمل ما لديها من أجل هذه اللحظات
تحدثت موجهة حديثها إلى عبد الرحمن وعادل الذي بقى صامتًا رغم البسمة الغامضة التي اعتلت وجهه :
-لما تسجلوا في الشهر العقاري ابقوا ادوني خبر، وبرضو لما تعملوا إجتماع تعلنوا فيه للشركات عن الرؤساء الجدد، انا لازم ابقى موجودة بما إن ليا أكبر نسبة في الورثة كلهم
نظرت إلى سعاد التي كانت ترمقها بحقد واضح ظهر عليها هى وبناتها الاثنتين، لتقول بنبرة شامتة :
-وآه ابقوا خدوا أمكم المستشفى لأحسن تجيلها سكتة قلبية
-شمتانة فيا يا بنت الـبــــواب
صرخت بها سعاد بجنون استحوذ على جميع خلايا عقلها فزادت ابتسامة الأخرى قائلة :
-أكدب لو قولت لأ
علت ضحكات سفيان في المكان بعد أن انتهت هاجر من سرد ما فعلته اليوم، وكلما توقف يعود ويضحك مرة أخرى وهاجر تجلس أمامه في إحدى المطاعم الراقية التي تعود لآل الدخيلي، لا تفهم سر ضحكاته هذه
توقف سفيان بصعوبة مزدردًا بعض الماء من الكوب أمامه، ولكن عندما نظر إلى ملامح هاجر اللطيفة بهذان الخدين الممتلئين ونظرات الفضول التي تلتمع في عينيها البنية عاد وقهقه مجددًا
ذمت الأخرى شفتيها قائلة :
-طب هتبطل ضحك أمتى؟؟ وأصلًا بتضحك ليه!؟
-علشان حاسس إني يسمع مسلسل رمضاني كده عن البطلة الكيوت اللي الكل بيجي عليها فبتنتقم منهم، بس مش قادر أصدق إنك ممكن تعملي كده يا لوزة
-هاجر قولي هاجر مش بحب اسم لوزة ده
نطقت بها بتذمر وهى ترفع كوب القهوة نحو شفتيها فصاح سفيان وكأنه معه دليل على أنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا كهذا :
-أهو شوفي ازاي واحدة زيك بالكياتة دي وخدود الطماطم دي تعمل حاجة بالشر ده، صحيح انت حاطة ايده في خدودك؟!
وضعت الأخرى كفيها على خديها هاتفة بتعجب :
-مش حاطة حاجة ده علشان شتاء وانا خدودي بتحمر في الشتاء
رفع سفيان كوب الماء مزدردًا البعض منه ثم قال متسائلًا :
-هو انتي جبتيني المطعم ده علشان تقوليلى على اللي عملتيه فيهم، وإنك كنتي هتجيبي لضرتك سكتة قلبية
-آه حبيت أشارك مع حد الإنتصار اللي انا عملته ده ومفيش حد في حياتي غيرك انت ونور زميلتي، وبما إنك اتريقت عليا فأكيد هى هتقولي انتي اتفرجتي على مسلسل كوري وجاية تحكهولي
ارتفعت ضحكات سفيان مرة أخرى ثم قال بمراوغة :
-طب مش خايفة وانا ظابط كده أروح أبلغ عنك انت وعبد الرحمن ده بتهمة التزوير في أوراق رسمية، دي وصية ميت مش لعبة
همهمت هاجر وهى تضع الكوب أمامها وقد توقعت من نبرته هذه أنه يمزح لذا اجابته بنفس النبرة :
-اممم شكلك انت كمان عايز رشوة، وانا عزماك على حسابي على أكلة سمك حلوة
-بقى ترشي المحامي باتنين مليون دولار وانا عايزة ترشيني بأكلة سمك طب والله عيب
نطق بها بنبرة ساخرة شعرت منها هاجر أنه لا يمزح هذه المرة فأعتدلت في جلستها هاتفة بتوجس :
-هو انت عايز رشوة بجد؟!
ابتسم سفيان وقد كانت ابتسامة لأول مرة تراها على وجهه، ابتسامة ليست خبيثة أو ماكرة أو حتى ساخرة، بل كانت حانية دافئة وما قاله بعدها جعل قلبها ينبض نبضة لم ولن تنساها أبدًا :
-انا عايز اتجوزك يا هاجر ومتفتكريش إني طمعان فيكي بعد ما ورثتي، انتي من أول يوم خبطتي فيه على باب الشقة وانا مش عارف اطلعك من تفكيري، كأنك خبطتي على باب قلبي اللي قفلته بقالي كتير ودخلتي فيه ومش عايزة تخرجي، مش عارف ده حب ولا مجرد إعجاب بس في كلتا الحالتين انا مش بحب اللف والدوران وعلى الدوغري كده عايزك في الحلال يا لوزة
