اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الخامس والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

نظراتٍ مشحونة بالبُغضِ والغضب الذي يَكِنه الطرفين لبعض، حتى استشعر الجميع ذلك، فتدخلت زينب محاولة فض الإشتباك الظاهري:
_ فعلًا يا باشمهندس صبا محتاجة حد جنبها غيرك.. خليها عندنا النهاردة..

دون أن يُبعد عاصم عينيه عن عبدالله ردّ عليها:
_ لو ضروري حد غيري ممكن تتفضلي أنتِ يا مدام زينب وتخليكي معاها النهاردة..

_ حلو، اقتراح حلو يا شباب
قالتها أحلام مُتعمدة قبول بيات زينب برفقة صبا حتى تُبعد عبدالله عن عاصم، فهي أدرى الواقفين بما يشعر به الآن، بينما أبدى عبدالله رفضه التام وعينيه تطلقان الشرار من نظراته التي يتطلع بها على عاصم:
_ وبالنسبة للباشمهندس، إيه نظامه؟ هيكون في البيت برده؟

بنبرةٍ حانقة هتف عاصم:
_ هنام في الدور الأول..

غمزه عبدالله قبل أن يُردد بجمودٍ:
_ كدا معملناش حاجة برده!

في الخلف، ساءت حالة صبا، وشعرت بأن الأرض تدور أسفلها، فمدت يدها تستنجد بعاصم فكان أقربهم لها، مال برأسه نحوها فهمست بخفوت:
_ دخلني البيت..

وما أن نطقتها حتى اختل توازن قدميها وكادت تسقط فتحركا عاصم وعبدالله نحوها في آن واحد، تفاجئ عاصم من هرولة عبدالله وحدجه بنظراتٍ مستشاطة، أعادت إليه رشده وتوقف قبل أن يلمسها، فتابع عاصم تحركه ثم لف ذراعه حول خصرها مانعها من السقوط.

اتكأت صبا مرغمة على كتفه عندما فشلت في الوقوف، فانضمت زينب لها وقامت بمساندة صبا من الجانب الآخر ثم نظرت إلى عبدالله وهمست برجاءٍ:
_ هبات معاها النهاردة...

فلم يعترض عبدالله فكان في وضعٍ لا حول له ولا قوة، قلبه ينزف وجعًا وغيرة من خلف ذلك الوضع الحميمي اللذان كانا عليه، هبط صدره وارتفع بعنفٍ عندما فشل في ضبط أنفاسه المضطربة، ابتلع ريقه مرارًا على أمل أن يبدوا طبيعيًا لمن حوله.

اختفى ثلاثهم داخل البيت الخاص بعاصم، بينما شعر عبدالله بيد وُضعت على كتفه فنظر متفقدًا صاحبها فوجده والده يبتسم له في آسى لما يشعر به وقال:
_ يلا يا عُبد ندخل..

اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه ثم تحرك إلى الداخل تحت نظرات أبويه اللذان يراقبانه بقلبٍ ينفطر حزنًا على ما يعيشه ذلك الشاب من خلف حبه الضائع.

ولج قاسم إلى البيت ثم إلى غرفته، لكن أحلام قد وقفت على باب غرفتها وقالت:
_ أنا هطمن على عبدالله وراجعة..

وافقها قاسم فتوجهت هي مسرعة ناحية غرفة عبدالله، طرقت بابه ثم دلفت عندما سمح لها، قابلته ببسمةٍ لطيفة ثم اقتربت منه وقامت بالجلوس جواره على طرف الفراش قبل أن تقول:
_ قلبك عامل إيه؟

شعر عبدالله بغصة في حلقه إثر سؤالها الذي دعس على وترًا حساس، فخرجت كلماته بنبرةً مهزومة:
_ لسه بيحبها، وبيتوجع كل ما بشوفها جنبه!
كنت فاكر إني هكرهها بمجرد إنها بقت على ذمة راجل تاني، بس مقدرتش، اللي جوايا ليها مش مجرد حب عادي، مش مجرد مشاعر هيروحوا مع الوقت، اللي جوايا أكبر من كدا بكتير، قلبي دا اتعلم يحب لما حبها، لساني اتعلم يقول كلام حلو بس ليها، عيوني بتلمع بس وأنا شايفها، لسه كل الحاجات دي بتحصل حتى وهي مع غيري..

رفع عبدالله ذراعه ووضعه على صدره ثم زفر أنفاسه الحارة المُحملة بين طياتها الحزن الذي يعم قلبه وأردف ببحةٍ ظهرت في صوته:
_ أنا مخنوق أوي ياما..

تأثرت أحلام كثيرًا ولمعت عينيها بالعبرات الحبيسة، مدت ذراعها وسحبته داخل صدرها فالتفت يداه تلقائيًا حول جسدها لينعم بعناقٍ دافئ عله يُضمد جرح قلبه.

بعد قليل؛ انخفض عبدالله بمستوى جسده حتى استند برأسه على قدم والدته وأغمض عينيه عندما اجتاحته الراحة بقُربها، ثم لقِفَ يده وضمها إلى صدره مُستمتعًا برائحتها الطيبة، فأخذت أحلام تُمسد على شعره باليد الأخرى، فأشعرته بالقشعريرة التي تسببت في نعاسه بعد فترة.

وعندما تأكدت من نومه فنهضت برفقٍ حتى لا توقظه، وقامت بالخروج من الغرفة، ثم توجهت إلى غرفة زينب وقامت بطرق الباب عدة مرات قبل أن تدلف بِخُطاها، برقت عينيها عندما وجدت الغرفة فارغة وخرجت باحثة عنها بذُعرٍ.

عادت إلى غرفتها وهتفت برعبٍ:
_ إلحقني يا قاسم، زينب مش أوضتها!!

صعق قاسم مما قالته، ولجمت الصدمة لسانه، أخذ وقتًا يستوعب فيه جُملتها التي آلمت قلبه، أغمض عينيه لثوانٍ ثم اقترب منها محاولًا تهدئة روعها:
_ أحلام يا حبيبتي، زينب مع صبا عشان قرصها تعبان ومحتاجة حد يراعيها الليلة دي..

فغرت أحلام فاها ثم رددت بدهشة:
_ تعبان!! يلهوي جه إزاي دا؟

بعيون ضائقة وحاجبان معقودين تساءل:
_ هو أنتِ مش فاكرة إيه اللي حصل من شوية؟

تفاجئت أحلام بسؤاله، ولم تريد ان تضاعف قلِقه الظاهر، فابتسمت وقالت:
_ لا فاكرة، كنت بهزر معاك، أنا هدخل أغير هدومي..

وما أن قالتها حتى اختفت من أمامه مُسرعة حتى لا يكشفها بنظراته، بينما ولجت هي المرحاض ووقفت أمام المرآة مُتفقدة انعكاس صورتها بعيون واسعة ثم وضعت راحة يدها على فمها من هول الصدمة، إنها لا تتذكر شيئًا!!

***

في البيت المجاور؛ ساعداها على التمدد أعلى الفراش، ثم أخذت زينب تحاول خلع ملابسها فأمسكت صبا يدها وشدت عليها فانتبه عاصم لحركتها وقام بالإنسحاب قائلًا:
_ أنا برا على ما تساعديها تبدل هدومها..

أماءت زينب بينما غادر عاصم الغرفة تحت تعجبٍ من زينب لانسحابه، وخمنت انسحابه خجلًا من وجودها، لم تطيل التفكير وتابعت تبديل ملابس صبا ثم انتبهت على همسها:
_ افتحي الدرج هاتي ورقة وقلم أكتب لك مصل عاصم يجيبهولي ضروري..

أعطتها زينب ما تريد فأخذت صبا تكتُب بيد مرتجفة حتى انتهت ثم ناولته إياه وقالت:
_ بسرعة يا زينب مش قادرة..

أماءت زينب بالقبول وأسرعت إلى الخارج باحثه عن عاصم فلم تبحث طويلًا فكان يقف مستندًا على الحائط في الخارج وأقبل عليها فور رؤياها وقال:
_ ها إيه الأخبار؟

_ تعبانة، اعطتني الروشتة دي تجيبهالها..
هتفت ها زينب بلهفةٍ فأخذها الآخر دون تردد وهتف وهو يوليها ظهره:
_ حالًا هتكون متوفرة...

ثم قام بعمل بعض الإتصالات لبعض الصيدليات القريبة وقام بطلب المصل ثم أنهى الإتصال وقال:
_ أنا هنزل اقابلهم بالعربية أسرع، ممكن يتاخروا لو استنيتهم..

انصرف من أمامها تحت نظراتها المتأثرة التي يغلفها الحسرة، فلم تتلقى اهتمامًا بالغ كاهتمامه بصبا من قِبل المدعو حمادة قبل ذلك، لم يكترث لها يومًا حتى أقنعت عقلها بأن الرجال جميعهم مثله.

لكن ما تراه غير، هناك غيره من يهتم لإمراته وأي اهتمامٍ؟ إنه بالغ الحب والخوف، أخرجت زينب تنهيدة حزينة على حالها ثم عاودت إلى غرفة صبا، جاورتها حتى عودة عاصم.

بعد فترة؛ عاد ومعه المصل، طرق باب الغرفة قبل دخوله ثم بمساعدة بعض التعليمات من صبا التي تغيب عن الوعي من آن لآخر قد نجح عاصم بمساعدة زينب في إعطاؤها المصل الذي اخترق وريدها.

لم يريد عاصم الخروج من الغرفة قبل الإطمئنان عليها فجلس على الأريكة التي تتوسطها تاركًا مساحة لزينب في أخذ راحتها دون أن يسبب لها الإحراج على الرغم من حاجته في الإقتراب أكثر من صبا.

ارتفعت حرارة صبا أكثر من اللازم، فشهقت زينب عندما تفقدتها عبر جهاز قياس الحرارة وهللت مذعورة:
_ سخنت أوي.. دا طبيعي؟

أبعد عاصم الهاتف من أمام وجهه وقال وهو يُدير الهاتف لها:
_ أيوا مكتوب إن كل دا طبيعي..

تفاجئت زينب ببحثه عن وضع صبا وعلقت بإعجابٍ:
_ أنت بحثت عن اللي بيحصل؟

_ أيوا طبعًا مش لازم أعرف بتعامل مع إيه وإيه العواقب عشان لو فيه حاجة مش طبيعية استعين بمساعدة خارجية..
قالها بتلقائية وكأن الأمر طبيعيًا، وذلك ما عليه القيام به

فابتسمت زينب بخفة وأخفضت رأسها سريعًا حتى لا يلاحظها، نادمة على حياتها السابقة، وتمنت أن تقابل رجلًا ذو شهامة مثله يومًا.

_ عبدالله...
انتبهت زينب على اسم أخيها التي همست به صبا، فاتسعت حدقتيها بصدمةٍ وحاولت التغطية على ما تقوله، فحمحمت ونظرت إلى عاصم قبل أن تجد كلماتٍ تقولها له:
_ ممكن تروح تنام أنت يا باشمهندس، وأنا هنا جنبها..

رفض عاصم الذهاب معللًا:
_ هطمن عليها لما الحرارة تنزل وهخرج على طول..

فانتبهت زينب على هذيان صبا من جديد:
_ لا، متعملش كدا فيا
أبعد عني

تساقطت عبرات صبا ببطءٍ قبل أن يرتجف جسدها بشدة حتى شعرت زينب بإهتزازها الملحوظ وقامت بالإقتراب منها محاولة جذب انتباها:
_ صبا، أنتِ كويسة؟ دي بترعش جامد ..

قالتها وهي تتناوب النظر بينها وبين عاصم بخوف جلي على تقاسيمها؛ فهرول عاصم نحوها وتفاجئ بانتفاضة جسدها المبالغة، فقام بمسك يدها فوجدها كقطعة الثلج فهتف موجهًا حديثه إلى زينب:
_ بعد إذنك يا زينب خليني جنبها..

تنحت زينب جانبًا، بينما لم يتردد عاصم في ضم صبا بقوة حتى شعر برجفة جسدها الشديد تضرب صدره من شدتها، ظل يُمسد على خُصلاتها المُحررة ثم لف ذراعه على رأسها والآخر خلف ظهرها فباتت حبيسته، لم يمُر الكثير حتى شعر باستكانة جسدها، فابتسم لنجاحه فيما فعله.

كاد يتراجع للخلف لكنه تريث لاستماعه همسها:
_ أنت اتخليت عني..

قالتها بوجهٍ ساكن حتى استيقظ الحزن من خلف السكون فاهتزت قسماتها بوجعٍ مكتوم وتساقط دمعها ثم عاودت هاذية:
_ أنا محبتش غيرك!

وقعت كلماتها على آذان زينب التي أسرعت نحوها وقالت:
_ الحمدلله شكلها بقى أحسن يا باشمهندس.. ممكن ترتاح أنت وأنا هقعد جنبها..

لم يكن في يديه سوى الإبتعاد، لكن لم يرفع عينيه عنها قط؛ فكلماتها لم تقتلع عن عقله الذي ظل يرددها له وعلامات الإستفهام حول صاحب الكلمات المبهمة.

خرج عاصم من الغرفة مُشتت الذِهن، بحالٍ ليس على ما يُرام، جميع النتائج التي استنتجها عقله من خلف كلماتها وما يحدث في الآونة الأخيرة يقوده حول عبدالله، فتفاقم الشك في قلبه، أخذ نفسًا وزفره بقوة لا يريد الحُكم في شيءٍ بعض أركانه ليست موجودة، لكن عليه معرفة الحقيقة.

ترجل إلى الطابق السُفلي وولج المطبخ، ثم بحث عن شيءٍ يُطهيه لصبا، فوجد بعض الخضراوات فقرر طهي حساء من الخضروات الشهية لها، لكنه يجهل كيفية طهيها فاستعان بقنوات اليوتيوب.

ارتدى مِئزر المطبخ وشرع في إحضار الحساء كما يرى أمامه في الهاتف، بعد قليل انضمت إليه زينب مُمسِكة بزجاجة فارغة وقالت بحرجٍ:
_ صبا عطشانة.. أملي المية منين؟

أشار عاصم إلى صنبور المياه الخاص بالشرب وأردف:
_ الفلتر هناك..

فتوجهت زينب مباشرةً نحوه ثم وضعت الزجاجة ووقفت تنتظر ملئها، لم تمنع عينيها من التطلع على عاصم وما يفعله، كذلك لم تستطع منع سؤالها الفضولي حول ما يقوم به:
_ آسفة على فضولي، بس حضرتك بتعمل إيه؟

أجابها وهو يُتابع وضع الخضروات على النار:
_ بعمل شوربة خضار لصبا؛ أكيد جعانة..

ابتسمت له زينب قبل أن تُردف:
_ طب ليه مناديتش عليا أعملها أنا؟

ابتسم بلطفٍ وهتف:
_ حبيت أعملها بنفسي.. بس ممكن تُدوقيها وتشوفي محتاجة إيه؟

فأقبلت زينب على الحساء وقامت بتذوقه، ثم أخذت ثانية تعرف ماذا يحتاج قبل أن تخبره:
_ ممكن شوية ملح بسيط..

كان الملح قريبًا منها فمدت يدها تتناوله؛ تلك الأثناء مد عاصم يده أيضًا يلتقط الملح فلمس يدها بدلًا عنه، فانتاب كليهما قشعريرة قوية، ناهيك عن حالة الإرتباك المخالط للحرج الذي سيطر عليهما فأسبق عاصم معتذرًا:
_ أنا آسف... مختش بالي

ثم أبعد يده سريعًا وعينيه لا تُرفعان عليها، بينما أخذت زينب الملح دون تعليق، وقامت بوضع القليل منه في الحساء وانصرفت من أمامه سريعًا، وما أن ابتعدت عنه حتى أغمضت عينيها لتزفر أنفاسها الحبيسة.

عادت إلى صبا، وساعدتها على ارتشاف المياه ثم تفقدت حرارتها، تلك الأثناء طرق عاصم الباب فسمحت له زينب بالدخول، ولج حاملًا الحساء في صينية خشبية، فنهضت زينب مُبتعدة عن صبا وقال وهي تمد يدها:
_ هات عنك..

رفض عاصم إعطائها إياه معللًا:
_ سيبني أنا حابب أأكلها بإيدي..

فتنحت زينب جانبًا، ووقفت تشاهد حنيته المبالغة في التعامل مع صبا، لقد ساعدها على الجلوس واضعًا خلف ظهرها بعض الوسادات حتى يضمن لها الراحة، ثم جلس مقابلها وبدأ يُطعمها في فمها برفقٍ.

لم تنكر أنها لم تشعر بالغيرة من صبا، فهي ذات حظٍ بالغ، لقد أحبها أخيها وكان لطيفًا معها طيلة الوقت، والآن هي مع أرقى وألطف رجلًا رأته طوال حياته، تنهدت زينب وهزت رأسها طاردة أفكارها التي استنكرت التفكير بها، لكنها لم تستطع الوقوف لأكثر وفضلت أن تغادر الغرفة فهي باتت عزولًا بينهما فانسحبت دون أن يُلاحظها أحدهم، جلست على الأريكة في الطابق السفلي حتى غلبها النوم وغفت دون إرادة منها.

***

صباحًا، أشرقت الشمس وزقزقت العصافير التي ملئت الأشجار وبعضها ما زال يُحلق في سِربٍ جميل، عاد آدم إلى عمله بعد إجازةٍ طالت مدتها، لقى ترحيب حار من الجميع، ولج إلى مكتبه فتفاجئ بصديقه جالسًا على الكرسي وسرعان ما هب بالوقوف عندما رآه أمامه.

وبابتسامةٍ حافلة رحب به عاليًا:
_ يا باشا حمدالله على السلامه، استلم بقى عشان الشغل كله عليا والله

قالها وهو يُشير إلى ذلك الواقف يوليهم ظهره، فابتسم آدم وردد مازحًا:
_ إيه دا على طول كدا؟! مفيش خمس دقايق أشرب فيهم قهوتي حتى؟!

_ ولا حتى خمس ثواني، أنا شيلت كتير أوي يا باشا
قالها صديقه مُمازحًا إياه، فألقى آدم نظرةً على ذلك الواقف قبل أن يتساءل بجدية:
_ ودا جاي في إيه دا؟

لقِفَ الآخر ملفًا من على المكتب ثم ناوله إلى آدم وأردف:
_ جاي في اغتصاب.. وكل الأدلة اللي قدامي ضده بس هو بيقاوح ومش راضي يعترف، وأنا تعبت بصراحة فشوف لنا طريقة نقفل بيها القضية دي، أنت واحد كنت في إجازة يعني راجع رايق، وريني شطارتك، يلا سلام أنا بقى

ابتسم آدم بخفة؛ وهلل قبل مُغادرة الآخر الغرفة:
_ ماشي يا سيدي..

ثم توجه إلى مكتبه وقام بخلع سُترته ووضعها على أعلى الكرسي، ثم جلس ووضع الملف على المكتب ثم رفع عينيه على الواقف أمامه فحلت صدمة قوية على وجهه وردد دون تصديق:
_ حمادة!!

بينما مال الآخر بجسده على المكتب وهدر به شزرًا:
_ كويس إنك جيت، أنا عمال أماطل وأتوه فيهم، لا تخرجني من هنا لنشيل الشيلة سوا..

تحلى آدم ببعض البرود ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله وانشغل فيه للحظة قبل أن ينتفض من مكانه وضرب المكتب بغضبٍ جسيم ثم صاح فيه مع حرصه على خفض مستوى صوته:
_ أقسم بالله ما هرحمك لو إسمي اتنطق على لسانك القذر دا، أنا مقولتلكش تروح تغتصب البنت، أنا قولتلك ضايق لي عبدالله شوية، أنت اللي قذر وواطي واستغليت البنت في اللعبة دي!!

فغر حمادة فاهه بصدمةٍ مُشكلة على تقاسيمه وهلل عاليًا:
_ يعني إيه؟ يعني هلبس القضية لوحدي؟ بس دا بعينك، لو ملقتش أي صرفة وتخرجني من هنا مش هسكت وهقول إنك اللي حرضتني وأنا عبد المأمور..

هدأت نبرة حمادة وتحولت إلى البراءة المُصطنعة وواصل بنبرةٍ مسكينة:
_ حضرة الظابط حرضتني وأنا لازم أقول سمعًا وطاعة وإلا هيلبسني في مصيبة وأنا مش قد الحكومة!!

أنهى جملته ثم تقوس ثغره للجانب وشكل بسمةٍ خبيثة وهو يرمقه بنظرة ماكرة فلم يُعطيه آدم وجه، بل لبس ثوب القوة والبرود وهو يقترب منه وهمس بخفوت:
_ أعلى ما خيلك اركبه، بس أنا مش هتسجن أصل القاضي مش قاعد مستني الكلمتين بتوعك عشان يدخلني السجن، اصحى وفوق وشوف مين اللي قدامك، أنا آدم القاضي رئيس مباحث المركز يعني مش كلمتين من واحد سوابق زيك يهزوني ولا حتى يفرقوا معايا!!

ببغضٍ شديد خرجت كلمات حمادة بوعيدٍ:
_ يمكن عند الحكومة مش هتأثر، بس عند الباشا الكبير أبوك هتفرق..

تراجع حمادة للخلف واسترسل بحاجبين مرفوعان:
_ وخصوصًا بقى لو عبدالله عِرف، مش قادر أقول ممكن يعمل إيه

ابتسم حمادة بتوعدٍ وخُبث وهو يستخدم معه أسلوب التخويف:
_ هسيبك تتفاجئ

خفق قلب آدم برعبٍ قد دب به، أغمض عينيه لثانية قبل أن يُعيد فتحهما ثم جلس وقال ببرودٍ مصطنع حتى يهابه الآخر:
_ هنفتح تحقيق، وخليك ثابت على موقفك، متعترفش نهائي مهما حصل واسمع مني كويس هتقول إيه!!

تفاجئ حمادة بمعاونة آدم له في القضية؛ فظهرت على محياه ابتسامة عريضة وهتف بعد أن غمزه:
_ كدا تعجبني..

فبدأ الآخر يُملي عليه ما سيقوله أثناء التحقيق، بينما كان حمادة يستمع بانصاتٍ شديد حتى يُخرج نفسه من تلك الورطة.

***

_ قاسم القاضي يا دكتور
قالتها السكرتيرة الخاص بالطبيب المُتابع لحالة أحلام، فردّ بعملية:
_ خليه يتفضل

ولج قاسم الغرفة، وقام بمصافحة الطبيب وأردف بإبتسامةٍ ودودة:
_ صباح الخير يا دكتور، بعتذر من حضرتك إني نزلتك مخصوص بس الأمر يهمني جدًا..

بادله الطبيب المصافحة الودية وهتف بعملية:
_ ولا يهمك، اتفضل أقعد..

جلس قاسم ثم وضع أمام الطبيب التحاليل والأشعة وقال بخوفٍ قد ظهر في سؤاله:
_ حبيت أجي لحضرتك لوحدي عشان أعرف نتيجه التحاليل والأشعة، بصراحة مش حابب أحلام تتفاجئ بأي حاجة، حابب أكون مُلم باللي عندها عشان أقدر أمهد لها براحتي..

زم قاسم شفتيه بحزنٍ طغى عليه وأضاف:
_ عشمان في ربنا وفيه حضرتك إن الموضوع يكون بسيط..

_ خير، خير إن شاء الله يا أستاذ قاسم
قالها الطبيب وهو يتناول التحاليل والأشعة من أمامه وقام بتفقدهم لبِضعة من الوقت، حتى ظهر على تقاسيمه الآسى الذي تسبب في إنقاضبة قلب قاسم وقال بعملية:
_ شكي طلع في محله، مدام أحلام بتعاني من زهايمر مُبكر ومع الأسف متطور وأعراضه بتكون سريعة جدًا في حالة النسيان وتدهور الحالة..

ساد الصمت لثوانٍ حتى ظن قاسم أنها أعوام، كان الوقت ثقيلًا؛ الثانية لا تمر إلا بألمٍ يشعر به يتضاعف مع مرور الثانية الأخرى، تملك من صدره الإختناق كما شعر شعر بغصة مريرة في حلقه لم يستطع التحدث من خلفها.

دون أن يرفع نظريه عن الأرض تساءل بصوتٍ متحشرج:
_ ودا ملوش علاج؟

ثم رفع رأسه ووجهه عينيه على الطبيب قبل أن يُضيف:
_ من جنيه لمليون، مش مهم التمن، المهم إنه يكون فيه!!

بأسفٍ شديد أخبره الطبيب عن حقيقة الأمر:
_ علاج بمعنى أنه زي دور البرد وهيروح فمع الأسف مفيش حاجة اسمها كدا، الزهايمر مرض مش بيتعالج، بس إحنا بنكتب له علاج يحاول يبطئ سرعته، وطبعًا مدام أحلام لازم متابعة مستمرة لأن التدهور اللي هيحصلها مش مقتصر على المخ فقط..

كادت دموع قاسم تخونه لكنه نجح في التماسُك قدر استطاعته، وتساءل بصوتٍ مهزوز:
_ ممكن أعرف إيه الأعراض اللي هتظهر؟

_ مشاكل إدراك، ومشاكل حركية غير تغير في السلوك والمزاج.. بس دي المراحل الأخيرة من المرض، حاليًا الوضع هيكون نسيان للمواقف وعدم ادراك ليكي وممكن توهان..
هتفها الطبيب شارِحًا له الوضع بصورة مُبسطة، بينما سأله قاسم بنبرة خانقة:
_ وكل اللي حضرتك قولته دا هيحصل في وقت قد إيه؟

_ هو في العادي التدهور بيحصل ما بين سنتين لعشرة حسب كل حالة، لكن في حالة مدام أحلام مش قادر أحدد مُدة معينة لأن ممكن تطول وممكن تكون سريعة، فإحنا مش هنبص للمُدة حاليًا إحنا هنبدأ في العلاج على طول بحيث نكسب وقت..
أجابه الطبيب بكلماتٍ مقتصرة محاولًا بألا يزيد من خوفه الظاهر، وبعد ما حدد له الطبيب موعدًا لحضور أحلام نهض قاسم فشعر برجفة عنيفة في قدميه فلم تحمل جسده فخر جالسًا على الكرسي، أسرع نحوه الطبيب متسائلًا بتوجسٍ:
_ حضرتك كويس؟

أومأ قاسم برأسه، ثم حاول النهوض مرةً أخرى وجاهد على الوقوف بشموخٍ وخرج من الغرفة تحت نظرات الطبيب المُشفقة على وضعه، ثم خانته عبراته ما أن ابتعد عن العيون، وتساقطت حزنًا على حبيبة فؤاده وما سيُصيبها.

***

خرج من غرفته بعد أن أغلق الزِر الأخير من القميص، نادى بصوت جهوري على زوجته التي جاءته راكضة:
_ نعم يا محمد، محتاج حاجة؟

حدجها من أسفل لأعلى بعيون غير مصدقة قبل أن يردف مستاءً:
_ أنتِ لسه ملبستيش يا هناء؟

_ وألبس ليه؟
تساءلت باستنكارٍ فأجابها زوجها بضيق:
_ عشان تروحي لـ ليلى..

أمالت هناء فمِها بإسيتاء وهتفت بحنقٍ:
_ دي طردتني امبارح، أروح لها عشان تطردتي النهاردة كمان؟!

شعر محمد بالضيق الشديد عندما استمع إلى نبرتها:
_ ياستي البنت تعبانة وخسرت حملها، لازم نعذرها، اللي هي فيه مش سهل ومش كل إنسان بيعرف يسيطر على حزنه.. يمكن ضيقها طلع عليكم امبارح، معلش تعالي على نفسك وعديها وإلبسي وروحي اطمني عليها، دي ملهاش حد ياخد باله منها..

تشدقت هناء بازدراء، وهتفت وعينيها لا تنظُران إلى زوجها:
_ لأ زكريا كلمني من شوية وقال إن أختها وأبوها قاعدين معاها..

_ ودا إسمه كلام برده؟! الناس تروح ومتلاقيش حماتها اللي هي المفروض في مقام والدتها جنبها!!
هتفها محمد بانفعالٍ ثم أضاف بنبرة حاسمة غير قابلة للنقاش:
_ ادخلي إلبسي يا هناء، خمس دقايق تكوني جاهزة..

تلك الأثناء خرجت خلود من غرفتها استعدادًا للخروج وقالت:
_ أنا جاية معاكم..

رمقتها هناء بغيظ وأخرجت بركان غضبها عليها:
_ جاية فين، مفيش مِرواح في مكان، إحنا رايحين فرح؟

قلب محمد عينيه بازدراء واضح وصاح مُبديًا انزعاجه:
_ استغفر الله العظيم، وفيها إيه لما تروح تطمن على مرات اخوها؟ ما تسيبها يا هناء هو شكل للبيع!

اتسعت حدقتي هناء بدهشة وأشارت إلى نفسها وهي تُردد بذهولٍ من كلماته:
_ شكل!! ليه شايفني ماشية بقطع في اللي قدامي؟ أنا مش عايزاها تيجي عشان حد فينا يكون في البيت ميبقاش فاضي..

بتهكمٍ صريح هتف محمد:
_ مش عايزاه فاضي ليه؟ هيخاف يقعد لوحده؟

تلك اللحظة خرجت قهقهةً من خلود عمِلت على إخفائها سريعًا عندما حدجتها والدتها بنظراتٍ ساخطة، بينما أخفت خلود ضحكها بترديد الكلمات:
_ دي حتى عليا كمان جاية..

_ نعم!! عليا مين دي اللي تيجي، دي عروسة ومينفعش تنزل من بيتها دلوقتي، ناوليني الموبايل لما اكلمها ألحقها، هو أي استعباط وخلاص!
هتفتها بانفعالٍ عارم، ثم بحثت عن هاتفها وقامت بالإتصال على عليا التي أجابت بعد ثوانٍ:
_ صباح الخير يا ماما..

_ بلا صباح بلا مساء، أختك قالتلي إنك رايحة المستشفى، إياكِ تنزلي من بيتك أنتِ عروسة، الناس تاكل وشنا..
هاجمتها هناء برفضٍ قاطع لخروجها الآن، فتلقت عليا توبيخًا فاجئها، تفقدت زوجها الذي يقود ولا يُبدي رد فعل ثم أخفضت مستوى صوته الهاتف حتى لا يصل إليه كلمات والدتها الغاضبة، وقالت بهدوءٍ:
_ أنا خلاص في العربية قربت أوصل، هشوفك هناك، سلام

تعمدت عليا إنهاء الإتصال، فهي لا تريد مُجادلتها أمام زوجها، بينما نظرت هناء إلى شاشة الهاتف التي انطفأت إضائتها ورددت هامسة:
_ هيجلطوني...

ثم أولتهما ظهرها وولجت إلى غرفتها لتبدل ملابسها وهي تُتَمِتم ببعض الكلمات الحانقة تُفرج عن ضيقها الحبيس في صدرها خشية أن يصبها مكروه إن كظمت غيظها.

بعد مرور ما يُقارب الساعة؛ وصل الثلاثة إلى المستشفى، وتقابلا مع زكريا الذي يقف أمام الغرفة برفقة وليد وحازم الذي انضم إليهما مؤخرًا، فكان أول من تساءل عن الأوضاع كان محمد:
_ مراتك عاملة إيه النهاردة يابني؟

تفقد زكريا عيون الواقفين قبل أن يرد بإيجاز:
_ كويسة..

فعاود محمد سؤاله باهتمام:
_ حد من الدكاترة شافوها النهاردة؟ قالوا وضعها إيه؟

أغمض زكريا عينيه مستاءً من أسئلة والده، فلم يملُك إجابات عليهم، ثم أعاد فتح عينيه وقال مُختصرًا حديثه:
_ معرفش حاجة..

فتلقى نظراتٍ مشحونة من والده فحاول اختلاق إجابة يرد بها عليه:
_ سمر أختها جوا ومش عارف أدخل..

لم يقتنع أيّ من الواقفين بإجابته، بينما توجهت خلود إلى الداخل وتبِعتها هناء على مضضٍ، فانتهز زكريا فرصة وجود عائلته وقرر الدخول خلفهم حتى لا يتم طرده.

كانت ليلى مُستكينة على الفراش تتساقط عبراتها دون توقف حتى تورم جفنيها، تجلس بجوارها عليا التي تُمسد على خُصلاتها بيد وباليد الأخرى تحتضن يد ليلى.

انتبهت ليلى على دخول زكريا وعائلته، فتجهم وجهها، وأدارت عينيها في مكانٍ آخر غير وِجهتهم، فاقترب محمد من والد ليلى وقام بمصافحته:
_ إزيك يا حاج أسعد، حمدالله على سلامة بنتنا ليلى، ربنا يتم شفاها على خير يارب..

بوجهٍ جامد ردّ أسعد باقتضاب:
_ يارب..

فقطب محمد جبينه بغرابة لأسلوبه معه، لكن لم يُعلق، بل أولاه ظهره ونظر إلى ليلى ووجه إليها حديثه:
_ عاملة إيه النهاردة يا ليلى، يارب تكوني أحسن؟

تشدقت ليلى ساخرة وهمست بصوتٍ مهزوز:
_ هو فيه بيحصله اللي حصلي وبيكون كويس بين يوم وليلة؟!

إلتوت شفتي محمد حزنًا وقال بشفقة:
_ اصبري واحتسبي يابنتي، اللي بيحصل لنا في الدنيا رغم أنه صعب بس رحمة ربنا بينا من عذاب الآخرة، الحمدلله على كل حال، ربنا يعوضك خير منه يارب

إزداد نحيب ليلى فتألم زكريا حيال ما أصابها، كان يُطالعها بندمٍ وحزن شديد، رفع قدمه عن الأرض ليقترب منها فانتبهت عليه ليلى وحذرته:
_ خليك عندك، متقربش مني

لم يكترث لها زكريا، واقترب بِضع خُطوات فصرخت ليلى بصوتٍ مغلوب على أمره:
_ أخرج برا، متقربش مني..

_ يا ليلى بلاش كدا..
قالها زكريا متوسلًا إليها، فنظرت ليلى إلى والدها وقالت:
_ خليه يخرج يا بابا..

ثار والدها لأجلها، واقترب من زكريا وعنفه بقسوة:
_ مستني إيه؟ أخرج برا، ولا عايز بنتى حالتها تسوء أكتر؟

_ يا عمي...
لم يكاد ينطق بها زكريا حتى صاح أسعد بغضب:
_ أنا عامل إحترام لأهلك اللي واقفين بس، وعشان كدا بقولك بالذوق أخرج برا..

تلك اللحظة بلغت هناء ذروة صبرها وهتفت مُمتعضة:
_ وهو فين الإحترام دا يا حاج أسعد، متأخذنيش إحنا من امبارح بنتعامل أنا وابني أسوء معاملة وقافلين بوقنا ومش بنتكلم..

استاءت سمر من لهجة هناء، ونظرت إليها ببغضٍ ثم هتفت عاليًا:
_ إحنا فعلًا كل دا ملتزمين باحترامنا، بس عادي ممكن نقلله لو ابن حضرتك مسمعش الكلام وخرج من هنا!

_ سمر، عيب كدا
هتفها أسعد معاتبًا إياها على لهجتها الحادة مع هناء التي تشدقت بتهكمٍ وعلقت:
_ طب كويس يا حاج أسعد إنك معرف بناتك العيب، أصل خمنت إنهم مسمعوش الكلمة دي قبل كدا!!

تفاجئ الجميع مما قيل؛ ولم يرضى محمد أسلوب زوجته الفظ ناهيك عن كلماتها المُهينة، وهدر بها:
_ اسكتي يا هناء، احترميني حتى..

بضيقٍ شديد ردت عليه:
_ أنت مش شايف بيتعاملوا معانا إزاي، ولا كأننا إحنا اللي خبطنا بنتهم!

ثم نظرت إلى زكريا وأضافت بنبرة محتقنة:
_ وأنت ساكت ومطاطي كدا ليه؟ من امبارح عمالة تهزق فيك وساكت، هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟!

_ يا ماما كفاية كدا لو سمحتي، مش وقته الكلام دا..
قالتها عليا وهي تقترب بِخُطاها من والدتها، فهتفت هناء بحنقٍ:
_ قوليلهم هما مش ليا

في منتصف تلك الضجة صدح صوت زكريا من بين أصوات الجميع:
_ كفاية بقى، خلاص اسكتوا

اختفت ضجة الجميع فهدأت نبرته قبل أن يُضيف:
_ لو سمحتوا سيبونا لوحدنا..

عاود الصخب من جديد بين رفضٍ من ليلى وعائلتها وبين تعليق هناء المُستاء على طرده لهم وبين استنكار ممن حول هناء على تعقيبها الذي لا يتوقف.

فوضع زكريا كلتى يديه على أذنيه واندفع بهم بصوتٍ اهتزت له أرجاء الغرفة:
_ بس بس بس، أخرجوا كلكم برا، من حقي اتكلم مع مراتي ومش من حق أي حد إنه يعترض مهما كانت صِلته بينا!!

ساد الصمت لبرهة قبل أن ينسحب الجميع إلى الخارج خلف بعضهم، عدا أسعد الذي رفض بشدة أن يترك ابنته مع زكريا، فصاح زكريا برجاءٍ:
_ بالله عليك ياعم أسعد خليني اتكلم معاها لوحدنا..

تفقد أسعد ملامح ابنته التي ترفض البتة رضوخ والدها وتركها معه، لكنه انسحب بهدوءٍ فهو لا يود الخراب لحياة ابنته، سار باتجاه الباب لكنه تريث عندما مر بجانب زكريا وهمس بوعيدٍ:
_ دمعة واحدة تنزل من عيني بنتي ومش هتشوف وشها تاني!

أغمض زكريا عينيه وتحلى بالصبر فتابع الآخر خروجه فعاود زكريا فتح عينيه ثم ألقى نظرةً على ليلى قبل اقترابه منها، توجه حيث تنظر ووقف، تنهد وقال:
_ أنا عارف إني غلطت...

قاطعته ليلى بحدةٍ:
_ متحاولش تبرر، عشان غلطك المرة دي ميتغفرش

تشدقت بفمها ساخرة قبل أن تعاود حديثها:
_ أقصد غلطاتك!!

_ أنا مش هبرر لغلطي، أنا كنت في غفلة وللأسف فوقت منها متأخر أوي.. بس يمكن حصل كدا عشان أفوق، عشان أعرف قيمتك كويس، عشان أعرف إني مليش غيرك وإني كنت بموت وأنا شايفك قدامي غرقانة في دمك، أنا حيوان قذر سميني اللي أنتِ عايزاه، بس عشان خاطري سامحيني وخلينا نبدأ من جديد
قالها متأملًا أن تسامحه، بينما اندفعت هي به غير مقتنعة بما يُريده منها:
_ أسامحك!! هو أنت نسيت عيد جوازنا يا زكريا؟ أنت عرفت واحدة عليا..

قاطعها هو بصُرَاخه:
_ والله العظيم مافي أي حاجة حصلت بينا غير شوية كلام عبيط!

_ هو أنت مفهومك عن الخيانة، اللمس بس؟ الخيانة نظرة، كلمة، ضحكة، لواحدة تانية غير مراتك، مراتك اللي أنت عاهدت نفسك قدام ربنا إنك تصونها وقت كتب الكتاب، أنت خونت الميثاق يا زكريا..
قالتها ثم زفرت أنفاسها بتعبٍ أحست به ولكنها أسرعت في إخراج ما لديها تجاهه:
_ ولنفترض إني قدرت أسامح واتغاضيت عن غلطتك دي، تقدر تقولي هعيش معاك إزاي في بيت واحد بعد معاملتك ليا الفترة اللي فاتت؟ هقبل إزاي تنام جنبي على سرير واحد بعد ما خلاص اتعودت على بُعدك؟ هقدر إزاي اتعايش مع فكرة إنك مكنتش عايز تخلف مني؟
زكريا أنا كل ما هبص في وشك هشوف بنتي اللي حلمت بيها ورفضك لوجودها وخيانتك اللي خلتني أخسرها!!
متطلبش مني أسامحك عشان المسامحة دي كبيرة وأنا مش عندي مساحة ليها، كل اللي عملته قبل كدا خلاني مش قادرة أبص في وشك، مش قادرة استوعب إني في يوم كنت بحلم باليوم اللي أكون فيه جنبك عشان تعوضني عن وِحدتي ويُتمي

تساقطت دموعها بغزارة وتابعت مسترسلة من بين بكائها:
_ أنت أكتر حد آذاني، ومش بس كدا، أنت مكتفتش إنك تإذيني لأ أنت خسّرتني أكتر واحدة كنت مستناها في حياتي، هي كانت بتهون عليا معاملتك ليا
تعرف؟
كان عندي استعداد إني أسامحك لو كانت لسه موجودة، على الأقل موجعهاش وتعيش من غير أب، كنت ممكن أتغاضى عن وجع قلبي وكرامتي عشانها، بس هي دلوقتي مش موجودة، يارب الرسالة تكون وصلت..

فرت دمعة من عين زكريا ألمًا لكلماتها القاسية، وخصيصًا ما فهمه من خلفه مضمومها، مسح براحة يده عبراته وجلس بجوارها على الفراش، ثم التقط يدها وقبّلها مرارًا تحت محاولاتٍ من ليلى على سحب يدها لكنه رفض تركها وهتف متوسلًا:
_ خلينا نبدأ من جديد وأنتِ هتشوفي واحد تاني يا ليلى، والله هتشوفي اللي كنتي بتتمني تعيشيه معايا، بداية لينا إحنا الإتنين..

نجحت ليلى في سحب يدها بعنفٍ وصاحت عاليًا:
_ معتش فيه إحنا، خلاص دي النهاية يا زكريا.. طلقني!

هاجم زكريا لحظتها وخزة قوية في قلبه الذي خفق بعنفٍ لشعوره بفقدانها، هب واقفًا وصاح:
_ لو أنتِ لسانك طاوعك تنطقيها فأنا عمري ما هنطقها، إحنا هنفضل إحنا، هسيبك تِهدي عشان وجعك لسه جديد، ولما تِهدي هنتكلم..

أولاها ظهره وخرج من الغرفة، ثم تابع سيره دون أن يلتفت لنظرات الواقفين حتى خرج من باب المستشفى الرئيسي، فمال بنصف جسده العلوي مستندًا براحتي يده على ركبتيه، وأخذ يلتقط شهيقًا وزفره على مهلٍ ليضبُط وتيرة أنفاسه المضطربة.

***

تململت في الفراش بكسلٍ ثم نهضت وتمطت حتى استعادت جزءًا من حيّوية جسدها، قبل أن تتسع مقلتيها بصدمةٍ عندما وجدت عاصم غافيًا على الأريكة.

نهضت من مكانها وتفقدت هيئتها سريعًا فحمدت الله داخلها أن جسدها لا يظهر منه شيء، بينما قلق عاصم إثر حركتها، فتح عينه ببطءٍ حتى اتضحت رؤيته ورأها أمامه، فاعتدل في جلسته وسألها باهتمامٍ:
_ عاملة إيه دلوقتي؟

_ أحسن كتير، الحمدلله
قالتها ثم جابت الغرفة بعينيها والخجل يكسو وجهها، فاستشف عاصم حالتها ونهض قائلًا:
_ أنا نمت هنا عشان لو احتجتي حاجة..

عضت صبا على شفتيها بحرجٍ قبل أن تُردد مُمتنة:
_ شكرًا يا عاصم..

دنا عاصم بِخُطاه منها حتى لم يعُد هناك مسافة فتراجعت صبا للخلف، فلم يتردد في الإقتراب ثانيةً ثم تحسس جبينها وهتف براحة:
_ الحمد لله معتش فيه حرارة..

أومأت صبا برأسها مرارًا قبل أن تتحرك مُبتعدة عنه فأمسك عاصم ذراعها مانعها من الحركة وأعادها إليه ثم همس بخفوت وعينيه مُصوبتان على شفتيها:
_ صبا أنا كنت عايز..

رنين هاتفها كان طوق نجاتها، فسحبت يدها وهرولت مسرعة نحو الهاتف بملامح مشدودة تخشى تعديه حدوده معها، قامت بالرد فور التقاطها الهاتف:
_ أستاذ صادق..

_ صباح الخير يا دكتورة، النيابة بعتالك استدعاء عشان يسمعوا اقوالك على كلام حمادة، فاضية نروح مع بعض؟
قالها صادق بجدية فردت صبا بخجلٍ:
_ أنا فاضية ايوا، بس حضرتك متتعبش نفسك أنا هروح لوحدي..

بإصرارٍ تام هتف:
_ أنا أصلًا عند قاسم بيه جنبك، يعني مفيش تعب ولا حاجة، يلا مستنيكي..

_ تمام
قالتها ثم أنهت المكالمة فتساءل عاصم مستفسرًا:
_ مين اللي بيكلمك؟

_ أستاذ صادق المحامي.. جالي استدعاء من النيابة وهروح معاه
قالتها وهي تتحاشى النظر عنه ثم أضافت بنبرة جامدة لتغلق عليه أي سبيل للتقرب منها:
_ لو سمحت عايزة أغير هدومي..

رمقها عاصم بضيقٍ ثم خرج من الغرفة فأسرعت هي في غلق الباب حتى لا يعود فجأة، ثم أسرعت في تبديل ملابسها، بينما ترجل عاصم درجات السُلم وتفاجئ بنُعاس زينب على الأريكة.

فنظر إليها بضيقٍ في نفسه لأنه لم يهتم بها ويوفر لها غرفةً، تابع نزوله حتى ولج المطبخ باحثًا عن طعامٍ فلقد جاعت معدته، افتعل ضجةٍ غير مقصودة استيقظت زينب إثرها، تفقدت المكان من حولها ثم اعتدلت في جلستها وهي تتثاءب بكسل.

فعاود عاصم إلى الخارج عندما فشل في تحضير طعامًا له، وانتبه عليها فزم شفتيه بندمٍ وهتف بنبرة خجِلة:
_ أنا بجد آسف إني انشغلت بصبا ونسيتك خالص، والله عارف إني قليل الذوق عشان سيبتك تنامي هنا بس هكون شاكر لو سامحتيني على غفلتي دي

يا لك من لطيفٍ أيها الرجل، أطالت زينب النظر به غير مصدقة كم هو رجلًا نبيل ذو أخلاقٍ عالية، أخرجت تنهيدة ثم نهضت وأردفت لتمحي الحرج منه:
_ أنا تمام مفيش أي حاجة والله، حضرتك ذوق جدًا شكرًا ليك..

_ وآسف إني أزعجتك، بس كنت ناوي تعمل حاجة
أكلها ومعرفتش وخرجت زي ما دخلت
قالها وهو يضحك، فشاركته زينب الضحك ثم قالت:
_ لو تسمح ممكن أحضر لحضرتك الفطار..

ضاق عاصم بعينيه عليها لبرهة ثم هتف رافضًا:
_ لا لا بلاش، هيكون قلة ذوق مني فعلًا

اقتربت منه زينب بِضع خُطوات وهي تردد:
_ لأ مفيش حاجة، ثواني هعمل لحضرتك فطار..

ثم توجهت إلى المطبخ فتَبِعها عاصم والخجل يتملك منه وظل يعتذر منها ظنًا أنه تمادى معها، تلك الأثناء ترجلت صبا السُلم وتفاجئت بوقوفهما معًا في المطبخ يتحدثان فظهرت على محياها ابتسامة سعيدة ثم تابعت سيرها على أطراف أصابعها حتى لا يلاحظاها وخرجت من البيت بحذرٍ فنجحت في عدم لفت انتباههما.

توجهت إلى البيت المجاور فوجدت الجميع في انتظارها، فكان عبدالله أول من تحدث بسؤاله وعينيه تجوب المكان خلفها:
_ هي زينب فين؟

حمحمت صبا عندما راودها التوتر وأجابته بثباتٍ مصطنع:
_ في التويلت جاية حالًا، أنا قولت عشان متاخرش على المِتر أسبقها..

نظر إليها صادق وقال:
_ تمام بما إننا جاهزين يلا بينا..

ركب صادق سيارته ثم استقلت صبا المقعد بجواره، فانسحب عبدالله وركب سيارته قبل أن يسأله أحدهم أين يذهب، ثم تحرك خلف صادق حتى بلغوا قسم الشرطة.

ولجت صبا برفقة صادق، لكنهما لم يشعُرا بوجود عبدالله، وقفت صبا في الخارج قليلًا بينما دلف صادق إلى آدم الذي سيقوم بالتحقيق معها، كانت تشعر بالإرتباك الشديد، حتى رجفت يدها بشدة، فحاولت السيطرة على ما أصابها فجأة لكنها فشلت.

فاستدارت بجسدها محاولة السير في المكان ربنا تُهدئ من ذلك التوتر، فتفاجئت بوجود عبدالله، خفق قلبها وتسارعت نبضاته، اقترب منها وأخذ نفسًا زفره على مهلٍ ثم أردف:
_ لما نشوف الحيوان دا قال إيه، خليكي قوية واعرفي إن اللي على حق ميتهزش!

اكتفت صبا بإيماءة من رأسها قبل أن يخرج صادق ويُناديها:
_ يلا يا دكتورة..

لم تستطع صبا إزاحة عينيها بسهولة عن عبدالله وكأنه مصدر قوتها، فرمش الآخر بأهدابه يخبرها بأن الأمر على ما يُرام بلغته الخاصة، فابتسمت له ثم أولته ظهرها وولجت إلى غرفة التحقيق.

جلست أمام آدم الذي شعر بالتوتر لتلك المواجهة الذي جاهد نفسه على الثبات لحين انتهائها، حمحم ثم بدأ بسؤالها:
_ ما أقوالك على نفي المدعو حمادة لتهمة الإعتداء وطلب تدخل الكشف الطبي عشان لإثبات إن العلاقة الوحيدة اللي تمت هي من جوزك عاصم سليمان وليست منه!!

تفاجئت صبا بكلام آدم كما سيطر الحياء عليها، نكست رأسها لثانية قبل أن يُعاد حديث عبدالله في رأسها، فأعادت رفع رأسها ثم نهضت بشموخٍ وقالت:
_ وأنا مستعدة للكشف الطبي!


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close