رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم صابرين
35- الزوج المتفاهم رزق
توقف بسيارته أمام بناية عميّه ثم نظر في المرآة الأمامية إلى ابنتي خاله في الخلف قائلًا :
-حمد الله على السلامة وصلنا
هبطت شروق وعائشة من السيارة بينما عاد إسماعيل بنظره إلى حسن بجانبه ثم هتف متسائلًا :
-خالي انت هتبات عند ماما صح أوصلك هناك
وأجابه الآخر بنفي وهو يحدق في البناية من خلال النافذة حيث دلفا الفتاتان :
-لأ انا قضي شغلانة هنا وهرجع في القطر بالليل، قولي يا إسماعيل هو يوسف ولد عمك ده أخلاقه كويسة
عقد الآخر حاجبيه متعجبًا سؤاله عن يوسف بالتحديد فقال :
-يوسف؟! آه أخلاقه كويسة وهادي وعاقل في نفسه
-هو شغال معاك في المستشفى صح؟! عمل مشاكل قبل كده
نفى إسماعيل برأسه وزاد تعجبه لكثرة اسئلة حسن عن يوسف :
-لأ خالص يوسف أصلًا مش بتاع مشاكل وعنده ضمير في شغله، حتى كنت مرتاح لما براءة كانت تحت تدريبه هو، مش الدكتور التاني علشان مجدي بصراحة بتاع بنات
-طب هو عنده كام سنة؟!
-تسعة وعشرين
آماء حسن بهدوء وهو يقول تزامنًا مع فتحه لباب السيارة حتى يهبط :
-حلو الفرق مش كبير ومش صغير واتمنى يكون فعلًا بالعقل اللي يخليه يستحمل براءة
خرج من السيارة فقال إسماعيل بسرعة قبل أن يرحل :
-انت بتسأل عنه ليه يا خالي؟؟
-علشان متقدم لبراءة فكنت بطمن على البت ما هو مش علشان دكتور نرميها وخلاص
هبط قليلًا حتى ينظر إليه من خلال النافذة ثم أضاف :
-ومتقوليش خالي دي، انت أكبر مني بسبع سنين وأكتر
ضحك الآخر معيدًا تشغيل السيارة حتى يعود لزوجته وابنه فقد اشتاق لهما بعد غياب أربع أيام في الصعيد :
-الاحترام واجب برضو انت خالي مهما كان فرق السن
-والله انت اللي محترم بزيادة يا ابن اختي، إما حد في الكلاب اللي في البلد قالها قبل كده
أما في بهو البناية حيث دلفا شروق وعائشة وجدا رقية وكريم ويوسف يحاولون الفصل بين حمزة ويونس وعلى الأرجح كانت هناك مشاجرة حادة هنا نظرًا لبعض الكدمات الطفيفة على وجوههم
دفعت رقية يونس وحمزة حتى تمر فور أن رأت شروق وعائشة يقفان، من ثم هتفت متسائلة :
-انتوا جيتوا بالسرعة دي، مفاتش أسبوع حتى وانا قولت هتقعدوا أكتر من كده
وأجابتها عائشة وهى تحكم حقيبتها على كتفها :
-عندنا امتحانات للأسف وانا لو عليا مش عايزة اخطي بلدكم دي تاني، دي بلد منحوسة اقسم بالله
ختمت حديثها بنبرة خافتة بشدة فقالت رقية وهى تنظر إلى شروق الصامتة صمت مخيف :
-تخطيتي الصدمة ولا لسه
نفت الأخرى بلا ثم مرت من جانبها نحو المصعد دون إضافة كلمة، ولكنها توقفت أمام يونس ويوسف لا تدري من منهما يونس حتى تسأله عن ذلك السفاح لذا سألت ومن فيهما يونس سيجيب :
-قبضتوا على السفاح؟؟
هز يونس رأسه نافيًا وهو يعدل من ملابسه التي فسدت من التشابك مع حمزة وهذا بعد أن استفزه بالطبع :
-لأ هرب ولسه بندور عليه
بهت وجه الأخرى بخوف واضح من أن يصل إليها ذلك المجنون فهو هارب وبالطبع علم أنها الشاهدة التي رأته وسيصل إليها ويقتلها بعدها، وعندما رأى يونس خوفها هذا تنحنح محاولًا أن يجعل نبرته هادئة حتى لا يثير فزعها :
-مش هقولك متخافيش انتي لازم تخافي علشان هو هربان واحتمال يكون بيدور عليكي علشان يقتلك
صفعه حمزة على رأسه لإثارة فزع الفتاة أكثر صائحًا :
-يخربيت الطمأنينة اللي بتخرج من بوقك، افحمتني بيها
استقل المصعد تاركًا الجميع، حانقًا عليهم فلحق به كريم بينما قالت رقية محاولةً أن تصلح ما أفسده شقيقها الأرعن :
-لأ بصي متخافيش انتي بس خلي بالك كويس ومتركبيش تاكسي خليكي في المواصلات العامة ولو يوصلك يونس الكلية هيبقى أفضل منضمنش يقلب الاتوبيس أو المشروع اللي ممكن تركبيه أو يضربك بقناصة ده سفاح محترف بصراحة
رمقتها عائشة بذهول فهى لم تصلح الأمر بل أفسدته تمامًا، ويونس طالع شقيقته بحنق من اقتراح توصيلها إلى أي مكان، بينما صاح يوسف بأخويه بضيق شديد فهما لا يطمئناها بل يزيدان رعبها أكثر :
-كفاية هتموتوا البنت من الرعب
نظر إلى شروق الذي بدا الخوف عليها بالفعل قائلًا :
-انا مش عارف بصراحة ايه ممكن يحصل بس اللي مكتوبله حاجة هيشوفها انتي بس حاولي تتجنبي إنك ممكن تبقي في مكان لوحدك ومتركبيش تاكسي لوحدك ويستحسن تاخدي رقم يونس علشان لو حصل حاجة تتصلي به علطول
وكل هذا لم يعجب يونس بتاتًا فألا يكفيه ضغط القضية حتى يتحمل مهمة حماية الشاهدة، ولكن نظرًا لخوف شروق وصدمتها التي لم تتخطاها بعد لم يتحدث بل هز رأسه بموافقة مخرجًا هاتفه حتى يأخذ رقمها
اتصل عليها حتى تحفظ رقمه وهو ينظر إلى ملامحها الباهتة وعينيها المنتفخة فيبدو أنها بكت كثيرًا الفترة الماضية، فكر كثيرًا في أمر شروق وأنه كان يريدها عنادًا في عاصم، ولكن بعد التفكير في الأمر شعر أنه سيكون حقيرًا إن أخذها فقط لأجل العناد، فما ذنبها هى
توقف عن التفكير بها منذ ذهبت إلى الصعيد وقرر عدم التفكير بها مرة أخرى وعدم التصادم معها ولكن يبدو أن القدر يصر على إلقائها في طريقه فها هو مطلوب منه حمايتها لكونها شاهدة تحت التهديد، ولكنه سيحاول جاهدًا ألا يجعلها تمس جزءًا من قلبه فلا يريد أن يحبها ثم يأخذها أحدهم منه مرة أخرى
فضربة تؤلم وضربتين تكسر...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى الشقة وقد وجد الباب مواربًا وللعجب كانت نور بالداخل تجلس على الاريكة وعمه محفوظ وزوجته موجدان ووالدته تتحدث معها وكأنها اذنبت في شئ، طرق الباب ودلف ملقيًا التحية :
-السلام عليكم ايه التجمع ده؟؟
وبدلًا من أن يجد ردًا وجد النظرات المذهولة مصوبة نحوه ثم صدح صوت والدته قائلة :
-حمزة انت قصيت شعرك؟!
اغمض الآخر عينيه متحسرًا على خصلاته الغالية، ولم يلبث كثيرًا مغمض العينين إذ تحرك ووقف بجانب والده أي أمام نور الجالسة والتي رمقته لجزء من الثانية وأبعدت عينيها كما العادة :
-هى عملت ايه حاسس أنكم عاملين محاكمة ليها
رفع محفوظ منكبيه هاتفًا ببساطة :
-بصراحة مش شايف اني اللي عملته غلط آه فقدت اعصابها لما مدت ايدها عليهم بس معاها حق العيال دي مش متربية
ضمت ناهد ذراعيها إلى صدرها ولا ترى أن نور تصرفت بطريقة صائبة :
-ماشي العيال غلطوا بس هى كمعلمة مينفعش تنفعل عليهم كده، ده ضربت الولد بالقلم اتخبط في الحيطة كانت هتجيبله ارتجاج في المخ، ده انا خوفت منها
رفع كريم حاجبيه بإندهاش من فعلها يتوقع ان يغير حمزة رأيه بعد هذا الكلام :
-إرتجاج في المخ!! يخربيت الافترى؟!
رفعت نور رأسها له بسرعة ترمقه بنظرات نارية لهذا الحكم قبل أن يستمع إلى ما حدث كاملًا، نفس الحكم عليها من أهالي الطلاب المتنمرين، معلمة غليظة القلب، لا رحمة في قلبها، لا تمتلك أي ذرة إنسانية، كيف تفعل في طلاب صغار هكذا
لا تكره في حياتها أكثر من ظلمها والحكم دون الإستماع لذا انفجرت في كريم كما انفجرت في الأهالي صائحة :
-انت كنت موجود لما ضربتهم لأ، يبقى متقولش عليا مفترية علشان انا مش مفترية ولو كنت أطول أكسر راسهم كنت عملتها، عيال لا شافوا الأدب ولا التربية، أربعة بيتنمروا على واحد ويضربوه علشان يغششهم في الإمتحانات، الواد دخل الفصل يتحامى فيا خايف منهم حتى خايف يقول للمدير يضربوه وفي الآخر انا ابقى المفترية؟! أهاليهم جايين يقولوا عليا مينفعش أمثالي يتعاملوا مع أطفال في حين عيالهم مينفعش يتعاملوا معاملة بني آدمين دول كـ
كتمت أسماء فمها بسرعة قبل أن تسترسل في حديثها وقد طالع جميع الموجدين نور بذهول من انفجارها هذا، حتى أن صوتها المرتفع جذب حسن والفتيات الذين خرجوا من المصعد ليقف حسن أمام الباب متفاجئًا لوجود نور عندهم وقد توقع حدوث كارثة جديدة :
-نورهان هتعملي ايه عندك؟!
استدارت الأنظار نحوه لتقول أسماء وهى تبعد يدها عن وجه نور :
-جيت إسكندرية تاني ليه يا حسن؟!
-عندي حاجة هخلصها وهرجع تاني في قطر الساعة عشرة انا وبراءة
جذبت أسماء نور من فوق الاريكة قائلة :
-طب خد البت دي معاك انا مش عارفة البلاوي نازلة على راسهم ليه وراسها هى بالذات من ساعة ما عتبت إسكندرية والقطر اتقلب بيها
ولم تعترض نور بل صاحت موافقة اياها وهى تتجه نحو الخارج قائلة :
-طب والله معاك حق انا مش بتاعت غربة وامي قالتها وانا اللي عاندت، كان المفروض أرجع أول لما القطر اتقلب وكانت دي أول علامة بس هو البنى آدم غبي مش بيفهم العلامات اللي بتجيله
ولم يمنع حمزة نفسه من الانفجار ضاحكًا، منبهرًا بإنفجارها هذا، وأخيرًا وجد وجه غير الفتاة الهادئة الخجولة، لتأتي غادة وترى الفتاة التي وصفتها بالرهاب الإجتماعي فوالله يرى امرأة إن مسها احدًا فلا مانع لديها في أن تأكله حي
رمقته نور بشر من ضحكاته هذه ولأول مرة توجه حديثها له بهذه الطريقة أو ربما ثاني مرة، ولكن هذه المرة كانت أكثر حدة :
-انت بتضحك على ايـــه؟!
جذبها حسن للخارج فهى في حالة لا تسمح لها بالمناقشة مع أحد بينما ظل ينظر إليها حمزة دون أن يحيد بنظراته عنها وهناك بسمة متسعة على ثغره فمال عليه كريم قليلًا ثم قال هامسًا :
-انت متأكد يا ابني إنك عايز تتجوزها دي شكلها عصبية بجد وطبعها شديد زي ما بتقول رحمة
-هى كده دخلت دماغي أكتر والله يا كريم، انا حاسس اني بدأت اتعلق بيها رغم إنها مش مدياني فرصة اتكلم معاها
نطق بها الآخر بنفس الهمس لتأتي عينيه في عيون حسن والذي رمقه بغضب شديد غير مبرر بالنسبة إليه، بينما حسن كان غاضب من نظرات حمزة لابنة أخيه فهو لم يرفع عينيه عنها وهذا شئ غير مقبول البتة فمن هو لينظر إليها هكذا
دفع نورهان أمامه حتى تتحرك ثم قال بحدة طفيفة :
-روحي جهزي شنطتك وحاجتك علشان هترجعي البلد معايا
نكز حمزة والدته بخفة حتى تعترض إذ قال :
-ماما اتصرفي متخليهاش تمشي
زفرت الأخرى على مهل لا تدري ماذا أصاب ابنها فلم يكن ملهوفًا هكذا على خطيبته الأولى كما يفعل الآن :
-مينفعش نور تمشي دلوقتي دي فترة إمتحانات ثم السنة الدراسية لسه مخلصتش، يعني حتى لو سافرت في أجازة نص السنة لازم ترجع في الترم التاني دي واخدة نص المرحلة الإعدادية
هزت نور رأسها رافضة الأمر فلا تريد حقًا أن تجلس في هذه المدينة ولو ليومٍ واحد :
-لأ انا مش هستنى السنة تخلص اتصرفوا في مُدرس غيري، انا مش هقعد تاني علشان بصراحة كده تعبت من بلدكم دي، يا انا اللي نحس يا هى اللي نحس
رفعت كفها تعد على أصابعها وقد عاد ينظر إليها حمزة ببسمة متسعة رغم محاولة إبعاد عينيه عنها عندما رأى حسن يرمقه بحدة، ولكن هذه أول مرة يراها تتحدث وتخرج عن صمتها لذا لم يستطع أن يمنع عينيه من متابعتها بشغف :
-القطر اتقلب بيا، العربية عطلت في نص الطريق، توهت تلات مرات، كنت هتخطف، جالي حمى وبسببها قعدوا تدوروا عليا، واديني أهو عملت مشكلة جديدة من وجهة نظركم
رفعت عينيها لحمزة رامقة إياه بغضب ثم أضافت :
-والبني آدم ده ضربني وكسر طبق فوق راسي
علت ضحكات حمزة بقوة، ألاتزال تتذكر ذلك الموقف؟؟ في الواقع هو لم ينساه، فكيف ينسى أول موقف جمعه مع الفتاة التي سرقت عقله وتفكيره بخجلها وجمال عينيها العسلية
سحب حسن نور بعنف هذه المرة وتحرك للخارج وود لو يصيح بحمزة أن يرفع عينيه عنها ولكن هو بمنزلهم وهذه ليست أصول، تحدثت ناهد بسرعة قبل أن ترحل مع حسن :
-نور مترجعيش البلد خليني ارجع للمدير الأول، الطلاب فضلوا شهر من غير مدرس الترم الأول
-بس دي مش مشكلتي يا مس ناهد
نطقت بها نور بجدية فلا تريد حقًا أن تجلس في الإسكندرية، نادمة على أنها أتت فيكفي كم المصائب التي تعرضت لها، تنهدت ناهد وهى تنظر إلى ابنها بطرف عينيها ثم قالت :
-طب على الأقل خليكي لحد ما تخلص الإمتحانات ولوقتها هنشوف الإدارة ومُدرس تاني
آماءت بموافقة مستسلمة، فستنتهي الامتحانات بعد أسبوعين تقريبًا إذًا لا ضرر في تحملهم، تحركت نحو الشقة المقابلة حتى تفتح الباب وتركت عمتها تتحدث مع شروق وعائشة، دلفت إلى الداخل فقال حسن لها بصوت حاول جعله منخفضًا :
-نور متروحيش عندهم تاني الناس دول، ومختلطيش على كد ما تقدري بولادهم لحد ما تخلصي الإمتحانات دي انتي واختك وبنت عمك وترجعوا
عقدت الأخرى حاجبيها لا تفهم لما يقول هذا، أو ربما تفهم لكن تدعي الغباء فلم تغفل عن نظرات حمزة لها :
-ليه يا حسن دول ناس كويسة على فكرة واسأل عمتي عليهم
-انا مش قصدي حاجة وحشة عليهم بس ولدهم الكبير عينه عليكي وانتي هنا في غربة مش عايز حد يضايقك
تنفست نور بهدوء ثم قالت بجدية :
-متخافش عليا يا حسن انا لا عمري عملت حاجة غلط ولا هعمل علشان متربية وعارف الحلال من الحرام، ولا عمري كلمت ولادهم ولا أي راجل على وجه العموم ولا هسمح لنفسي اني أعمل كده علشان اللي ميدخلش البيت من بابه ميلزمنيش ولا يهز فيا شعره
ربت حسن على كتفها مبتسم الثغر، فخور بتربية اخوته لبناتهن :
-ربنا يكملك بعقلك يا نور
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
طرق الباب بخفة مستمعًا إلى صوت ابنه وهو ينادي على والدته بأنه سيفتح الباب، تبسم مستعدًا لرؤيته وقد أطل الآخر بعينيه الفاتحة التي لا تشبه عيون عيونه أو عيون غادة
صاح لؤي ابنه مناديًا على والدته التي تعد الغداء في المطبخ :
-ماما بابا رجع
عانق إسماعيل ابنه بقوة فلم يسبق وأن غاب عنهم من قبل، أتت غادة مندهشة من أنه أتى دون أن يخبرها ولكن تذكرت أنها أغلقت هاتفها هذا الصباح حتى الآن، يبدو أنه اتصل كثيرًا ولم يتلقى رد، ابتسمت له ابتسامة حانية مستعدة لتلقي عناق هى أيضًا بعد أن يبتعد لؤي عنه
ولم يخب إسماعيل ظنها ولم يفعل من قبل، إذ ضمها له بحنو شديد فأدمعت عينيها رغمًا عنها شاددة بذراعيها حوله، كم كانت تحتاج لهذا الدفء والحنان البارحة ولكنها لم تجد سوى البرودة الشديدة رغم تدثرها بالأغطية الثقيلة، والدموع التي بللت وسادتها واذبلت عينيها
شعر إسماعيل بها وأيقن أن زوجته بها شئ بدايةً من صوتها المبحوح أمس، كذبها أنها مريضة فقط، إغلاقها لهاتفها ولا تفعل هذا إلا حين تريد الانزواء على نفسها، وأخيرًا معانقتها له بقوة على غير العادة وكأنها تحتاج إليه ، هو لم يعاشرها يومًا أو اثنين بل عشر سنوات لذا يعلمها جيدًا
ابتسم لؤي جاذبًا طرف منامة والدته حتى تستمع له :
-ماما بابا رجع اهو كده هنروح عيد ميلاد خالو
اغمضت الأخرى عينيها مفكرة في كذبة أخرى فمن الصباح يريد أن يذهب إلى بيت جده من أجل عيد ميلاد حمزة كما أخبرته جدته البارحة حين أتت لها في ساعة متأخرة مع كريم لكي تطيب خاطرها، مصرة على أن تأتي وتنسى ما قاله والدها
ابتعدت عن إسماعيل قليلًا والذي قال متسائلًا :
-عيد ميلاد حمزة صح؟؟ انا فاكر انه اتولد في يناير؟!
آماء لؤي هاتفًا بحماس :
-ايوه بس ماما قالت إنك مش موجود علشان كده مش هنقدر نروح بس انت جيت أهو
نفت غادة هذا تزامنًا مع إغلاقها لباب الشقة :
-لأ يا لؤي بابا لسه جاي من السفر أكيد تعبان يبقى مش هنقدر نروح
ابتأست ملامح لؤي ناظرًا لوالده والذي قال مربتًا على رأسه يعلم مدى تعلق ابنه بخاليه ورحمة خاصةً :
-لأ هنروح متزعلش، نتغدى وبعدها نروح نشوف هدية حلوة لخالك اللي مش بيعجبه العجب ده وبعدها نروح عندهم
تنهدت غادة مقررة عدم الذهاب معهم وإدعاء المرض فهذا أفضل من أن تتقابل مع والده فهناك فجوة عميقة بينهما منذ كانت طفلة وهذه الفجوة من شدة اتساعها لم تعد هناك فرصة لإصلاحها
-انا هشوف الغداء
نطقت بها بهدوء منسحبة إلى المطبخ فلحق بها إسماعيل بعدما أخرج لابنه لوح شوكولاتة ابتاعه له، وعلى الأقل ينشغل به ويستطيع التحدث مع غادة عما يزعجها، اتجه إلى المطبخ ثم قال وهو يستند بكتفه على إطار المدخل :
-تليفونك كان مقفول ليه طول النهار؟؟
-مأخدتش بالي انه فصل شحن
همهم إسماعيل مقتربًا منها ثم وقف جانبها يراها تقطع السلطة، فقال :
-تعرفي أول مرة أغيب كده عن البيت وواضح إن فيه حاجات كتير حصلت في غيابي فـيلا ابدئي انا كلي آذان صاغية
ازدردت الأخرى لعابها بإرتباك لا تريد أن تزعجه فلتوه أتى من السفر وستكون امرأة عاشقة للحزن كما يطلق عليها باقي العائلة إن فتحت له سيل من الدموع والمشاكل بدلًا من عبارات الاشتياق
رفعت نفسها قليلًا وقبلت وجنته ثم قالت :
-سلامتك يا حبيبي مفيش حاجة حصلت، روح غير هدومك وانا هكون حطيت الغداء
برم الآخر شفتيه، محدقًا في عينيها الغامقة بعمق ثم قال :
-نتكلم الأول يا غادة حصل ايه خلاكي تعيطي طول الليل وأكتر من مرة عملتي كتم للصوت وانا بكلمك إمبارح كأنك مش عايزة تخليني اسمع
أدار جسدها لتصبح مقابلة له ثم قال متفحصًا حرارتها :
-انتي تعبانة!؟
آماءت له الأخرى وقد بدأت تهدد الدموع عينيها بأنها ستهطل دون سابق إنذار، رفع إسماعيل كفيه محاوطًا وجهها ليرى إن كانت حرارتها مرتفعة :
-تعبانة عندك ايه؟؟
وفقدت غادة التحكم في نفسها ملقية رأسها على صدره ثم اجهشت في البكاء، رفع إسماعيل كفه مربتًا على ظهرها بهدوء حتى تهدأ وبعد أن ابتعدت قليلًا دفعها بخفة نحو رخام المطبخ حتى تستند عليه ثم قال :
-انتي مش تعبانة يا غادة انتي حصل معاكي حاجة
هزت الأخرى رأسها محاولة إخفاض صوت بكائها حتى لا تجذب ابنها للصوت :
-اتخانقت انا وبابا
-انت وابوكي ولا انتي وحمزة؟؟
-الاتنين
نطقت بها بصوت خافت فقال إسماعيل بعدما أطلق تنهيدة يمهد نفسه لسماع ما حدث إذ قالت غادة :
-إمبارح حمزة قال إنه عايز يتجوز نور
-نور بنت خالي؟!
آماءت له الأخرى بصمت فقال إسماعيل رافعًا منكبيه بحيرة :
-طب ودي فيها ايـ
توقفت الكلمات على طرف لسانه بعدما استوعب ما قد يحدث بعدها، طالع زوجته بغضب مكتوم، محاولًا أن يجعل نفسه هادئًا :
-وطبعًا اعترضتي على الموضوع علشان نور صعيدية وانا عارف كلامك من الناحية دي عامل ازاي
تنفست الأخرى مسارعة في إصلاح موقفها أمامه :
-انت عارف إن لساني بيفلت مني بكلام كتير نصه غير مقبول بس انا والله اعتذرت على كل كلامي
-انتي قولتي ايه بالظبط
ذكرت له غادة كل ما حدث وما قالته وما قاله والدها والمشادة التي حدثت وختمت حديثه بدموع حارة لطخت وجهها ونبرة مختنقة من امرأة تشعر بالرفض طوال الوقت :
-انا كنت بس عايزة اقول رأيي بس دايمًا بنسى إن رأيي ملوش أهمية وغير مقبول وكلامي غير مقبول حتى هزاري محدش بيقبله
تنهد إسماعيل بقوة محدقًا بزوجته التي تشعر بالرفض من حديث والدها القاسي، هذه ليست أول مرة تحدث فقد سبق وفعلها من قبل منذ سنوات لذا علاقة غادة مع والدها غير مستقرة، بل هى غير مستقرة منذ أن كانت طفلة وهذا بسبب المعاملة التفضيلية التي تلقتها منه
جميع العائلة تعلم أن المفضل لدي عمه عثمان من أبنائه هو ابنه حمزة، وكحال جميع من يفضلون ابن على الآخر ينتج عن هذا فجوة بين "الابن أو الابنة" وبين "الأب أو الأم" وفي هذه الحالة نتج عن تفضيل عمه عثمان حمزة على غادة طوال الوقت أن أصبحت تغار منه وهذا شئ طبيعي
فطالما كان عمه يفضل حمزة على غادة في كل شئ المعنى الحرفي، يتذكر ورغم أنه كان طفل حينها إلىٰ أنه لا ينسى هذه الذكرى إذ في إحدى التجمعات العائلية ووقت توزيع الحلوة أخذ الجميع نصيبه واحتفظ عمه عثمان بحصته وأعطاها كلها لحمزة دون النظر لغادة
لا ينسى نظرة غادة لحمزة ووالدها ورغم أن في يدها حصتها لكنها سألت نفسها حمزة معه قطعة فلما أعطاه والدها قطعته وهى لا
ربما يظهر البعض أن الموقف عاديًا ولكن بالنسبة للأطفال هو ليس عادي وبعض المواقف تُحفر داخل ذكرياتهم ولا ينسوها، مثل هذه التصرفات تجعل الأخوة يغارون من بعضهم البعض وقد كانت تغار غادة بالفعل من حمزة
ولكن حين كبرت ونضجت شعرت أن أمور الغيرة هذه أمور أطفال وعليها أن تنساها ولم تعد تكن أي حقد أو غيرة ناحية أخيها وهذا يراه بعينيه
لكل شخص عيوب وعيب زوجته أنها تتحدث دون أن تجعل حديثها يمر على عقلها "دبش أو اللي في قلبها على لسانها" على المعنى البسيط، كم من مرة أتت بالمشاكل على رأسها من خلف لسانها والأسوء من هذا هو الرد من البقية عليها
لقد عانت ولا تزال تعاني من هذا العيب ففي بعض الأحيان لا يُتقبل رأيها أو مزاحها كما قالت وتشعر حينها بالرفض من الجميع، وكم كان قاسيًا حديث والدها معها فقد زادت عقدتها عليها وزاد من شعورها بأن الجميع لا يريدها وهذه ليست أول مرة يجعلها تشعر بهذا الشعور المقيت
أسوء شعور قد يشعر به المرء هو أنه غير مرغوب به أو بكلامه أو حتى وجوده، أغلب من يحيطون بغادة سواءً من العائلة أو زملائها على مدار سنواتها الدراسية يرون أنها تجر المشاكل أينما تكون ولسانها سليط بشدة وتجرح الناس بكلامها
يعلم زوجته جيدًا هى لا تحقد على أحد ولا تقصد أن تهين أحد أو تجرح مشاعره، والدليل على هذا أنها تعتذر كلما شعرت أنها قالت كلامًا سيئًا في حق أحدهم، هم فقط لا يعلموها مثله، لم يعاشروها مثله، لم يستمعوا لها مثله
هى ليست حقودة بل تشعر أنها غير مرغوب بها، هى لا تقول كلامًا جارحًا بل لا تستطيع أن تفرق بين الكلام الذي يجب قوله في الوقت المناسب، هى ليست عديمة المشاعر كما يصفوها طوال الوقت بل على النقيض، إن غادة حساسة بشدة تحتاج فقط لأحد يجعلها تشعر أنها مرغوب بها
ربما لم يحب غادة قبل الزواج ولم يكن يراها سوى ابنة عم له، وحتى عندما عرض عليه والده أن يتزوجها لم يعترض فـغادة امرأة بجمال عادي بشرة قمحية وأعين بنية غامقة تكاد تكون سوداء، تعليمها عالي فهى خريجة صيدلة أي تليق به لذا تزوجها ولم يرفض
هو رجل متفهم ويتميز بالتعقل والرزانة لذا يستطيع احتواء المشاكل التي تتسبب بها ويستطيع احتواءها، أحبها حب العِشرة عندما لمس الجانب الهش منها لذا يتقبلها في كل حالاتها
اقترب منها وعانقها عندما زادت وتيرة بكائها، طابعًا قبلة على فروة شعرها :
-خلاص يا غادة متبكيش انا جنبك وعارف انه مش قصدك وانتي اعتذري من حمزة وانا عارفه عصبي في بعض الأحيان بس بيسامح بسهولة أكيد مش زعلان منك
ربت على كتفها ولا تزال متمسكة بأحضانه :
-يلا نتغذى وبعدها نروح بيتكم
هزت الأخرى رأسها بعنف رافضة الأمر فتخاف أن تذهب وتتعرض لموقف آخر، وتقول شيئًا آخر يزعج أحدهم وينتهي الأمر بتوبيخ والدها لها بنفس تلك النبرة أمام الجميع مرة أخرى :
-لأ انا مش هروح ومش هطلع يا إسماعيل مش عايزة، انا خايفة منه
تنهد الآخر بقوة لا يريدها أن تعود لهذه النقطة فقد سبق وحدث نفس الأمر منذ سنوات حين كان كريم في المصحة، أرادت أن تمازحه ولكن خرج الأمر منها قاسيًا دون أن تحسب هذا ولأن كريم كانت نفسيته سيئة آنذاك الحين بكي مما قالته وقد شعر الجميع بالضيق منها حتى هو
صفعها حمزة يومها دون وعي منه فقد كان غاضبًا بشدة لجملتها التي وجهتها لكريم وهو في أسوء حالاته، أجل أخطأت لكن ما كان على حمزة أن يفعل هذا وحتى عمه عثمان اسمعها من الحديث ما جعلها تبكي أسبوعًا في المنزل رافضة الخروج منه
وحتى بعد أن انتهى الأمر واعتذر منها حمزة واعتذرت هى لكريم، لم يمر الأمر بل ظل عالقًا في ذهنها لذا ظلت شهرًا وأكثر لا تتحدث مع أحد، كلامها مختصر بشدة وكأنها تخاف أن تقول شيئًا فتحدث مشكلة من خلف رأسها
لا يريدها أن تعود هكذا فقد انفطر قلبه على زوجته وهى في أضعف حالاتها، لا يريد منها الانزواء فجميعنا نخطئ ولكن لا يعني هذا أن نعلق لبعضنا المشانق بل يجب أن نصلح من أنفسنا وهو يعلم أنها تحاول جاهدة للإصلاح من نفسها ولكن يأتي موقف يجعل كل شئ يُهدم فوق رأسها
رن جرس المنزل وقد فتحه لؤي، صائحًا بسعادة لرؤيته لخاليّه عندهم :
-بــابـا مــامــا خالو حمزة وخالو كريم
حمله حمزة ورفعه عاليًا في الهواء فتعالت صرخات لؤي المختلطة بالضحكات، بينما قال كريم وعلى شفتيه ابتسامة ضاحكة، محدقًا في عيون لؤي اللازوردية :
-انا لما اتجوز ومراتي تبقى حامل هخليها تبص في عيون لؤي طول فترة الحمل علشان تجيب بنوتة عيونها ملونة زيه
ضحك بخفة مقلدًا حمزة حين يتحدث بالفصحى في بعض الأوقات النادرة :
-زي ما بتقول انت بالفصحى سأجعلها تبدق فيه طويلًا
انمحت ابتسامة حمزة رامقًا أخاه ببسمة متشنجة ثم قال مرددًا كلمته العجيبة :
-تبدق؟!
-آه مش انتوا بتقولها كده في الكتب والروايات؟! انا فاكر قريت جملة بتقول وبدقت به طويلًا لدرجة اربكته ورفعت من تنورة تنفسه، مش عارف أمتى التنفس بقاله تنورة؟!
تمنى حمزة أن يموت قبل أن يسمع هذا التلوث السمعي، لذا صرخ به قبل أن يزيد الأمر سوءًا :
-أخرس خالص بدقت وتنورة؟! انت بتخترع لغة جديدة؟ هو علشان عيد ميلادي النهاردة عايزين تجلطوني
خرج إسماعيل من المطبخ وخلفه غادة ليقول إسماعيل مندهشًا من شكل حمزة الجديد كليًا :
-انت قصيت شعرك يا حمزة!؟
وصاح الآخر بتهكم يغلفه الحسرة :
-اسكت بقى متفكرنيش انا مش عايز ابص في المرايا علشان متحسرش على نفسي
اقترب كريم من إسماعيل ناظرًا إلى المطبخ الذي خرجا منه وإلى شقيقته الباكية ثم قال :
-انت كنت بتعملها ايه يا اسماعيل في المطبخ ومخرجها معيطة؟! كان بيضربك يا غادة؟؟
رفع إسماعيل حاجبيه مرددًا بإندهاش :
-وانا هسيب البيت كله واضربها في المطبخ ليه؟! كنت بحمي السيخ على النار واحطه في صرصور ودانها؟؟
اقترب حمزة من إسماعيل على الجهة الأخرى قائلًا بتهديد درامي :
-اعترف عملت لأختنا ايه، ميغركش إني كاتب رومانسي انا جوايا محامي خبيث يعني اجرجرك كده في المحاكم وادفعك اللي وراك اللي قدامك تعويض ليها، ده لو كان حيلتك حاجة أصلًا
ضحكت غادة في الخلف فعلم إسماعيل أنهما يمزحان لأجل اضحاكها بعدما رأوها باكية :
-انتوا بتحفلوا عليا اكمني طيب ومحترم يعني ومش هرد عليكم
تجاهل كريم ما قاله وقد جذبته رائحة يعلمها تمام العلم تأتي من المطبخ :
-ألحق يا حمزة غادة عاملة محشي!!
تبسم الآخر وهو يحيط كتف شقيقته الكبيرة والذي لم يعتبرها الكبرى في يوم من الأيام بل طالما عاملها كما يعامل رحمة :
-وهو فيه اشطر من غادة تعمل أكل، بس قولولي هو كان بيعمل ايه في المطبخ علشان لو كان بيضربك هيبقى في كلام تاني كده مش هيعجب إسماعيل نهائي
جلس إسماعيل على إحدى الارائك مبتسمًا بهدوء على محاولة حمزة اللطيفة في التخفيف عن شقيقته فبدايةً من مزاحهما معها علم أنهم أتوا من أجلها :
-صحيح قصيت ليه شعرك ايه الدافع الخارق اللي يخليك تتنازل أخيرًا وتقصه
برم الآخر شفتيه بحنق واضح، ساببًا يونس سبة لاذعة ثم قال :
-يونس الكلب قصه من غير ما اخد بالي إلهي يقتله السفاح وهو بيقبض عليه
تحدث كريم وهو يخرج من المطبخ وفي يده طبق محشي غير مبالي أنه من المفترض أن يتعامل كالضيوف هنا :
-وزاد الموضوع وكسروا محل الحلاق هما الاتنين ودخلنا الحجز إحنا الأربعة ومعانا يوسف الغلبان
ضحك إسماعيل مصدومًا من كم الأحداث التي حدثت في غيابه إذ قال :
-ده كله حصل في اليومين اللي غبتهم، حمزة اتقص شعره أخيرًا بعد أكتر من ١٢ سنة، يوسف اتقدم لبراءة، دخلتوا انتوا الأربعة الحجز لأول مرة في حياتكم، وحمزة عايز يتجوز نور
نظر إلى غادة ثم أضاف بنبرة مبهمة :
-وموضوع تاني كده
جلس حمزة على المقعد المقابل له هاتفًا بهدوء :
-وإحنا جايين نتكلم في الموضوع التاني ده، بس شكل غادة الفتانة قالتلك على اني عايز اتجوز نور
انقبضت ملامح غادة عندما رأته ينظر إليها، وقد سارعت في قولها حين طرأ لعقلها أن حمزة ظن أنها وشت بنور أمام إسماعيل :
-انا مقولتش حاجة وحشة عليها قولتله اللي حصل بس
جذب إسماعيل زوجته حتى تجلس إلى جانبه ثم ربت على كفها حتى تهدأ، بينما قال كريم تزامنًا مع جلوسه على ذراع الاريكة بجانب حمزة :
-غادة الموضوع خلص واحنا جايين ناخدك علشان تيجي معانا البيت نقضي السهرة بما إن حمزة كبر وبقي عنده تمانية وعشرين سنة
نفت غادة محاولةً عدم إظهار رفضها للأمر :
-لأ انا مش هاجي النهاردة تعبانة شوية
-مش هتيجي ده ايه بقولك عيد ميلاد الواد يعني هيبقى في حلويات
نطق بها كريم بذهول فقالت غادة ولا تزال على رأيها :
-بقولك تعبانة
-وايه يعني تعبانة بقولك حلويات ببلاش ده انا لو طريح الفراش وحد قالي تعالى كُل حلويات هجيله جري
-مش هروح يا كريم
-يا بنتي فكري هيبقى في تورتة، فيه إغراء أكتر من كده؟!
-لأ مش هروح
ترك كريم الطبق بعد أن انهاه هاتفًا بسخط :
-انتي فقرية ليه يا بنت انتي بقولك تورتة وحلويات وبلالين وسهرة حلوة، حد يقول لده لأ ويقعد في البيت في وش إسماعيل
نظر إلى إسماعيل معلقًا :
-لا مؤاخذة يا إسماعيل
وقف حمزة من مكانه عادلًا من كنزته الشتوية برقي ثم قال :
-اتكلمنا بالذوق ومنفعش نجرب بقى قلة الذوق
ابتسم إسماعيل مستعدًا لرؤية الجنون الذي سيقومون به إذ نادى كريم على لؤي قائلًا :
-لؤي يا حبيب خالو هات اي إسدال يقابلك من عند أمك
وقفت غادة لا تعلم على ماذا ينتويان إذ قالت :
-لأ انا مش هطلع جوزي لسه جاي من السفر وعايز يتغدى ويرتاح
جذب حمزة الاسدال من لؤي مبتسمًا لها بإتساع تزامنًا مع رفع كريم لكميه حتى يمسك بغادة قبل أن تهرب :
-كده كده إسماعيل جاي معانا
نظرت الأخرى لزوجها والذي قال بهدوء وهو يجذب لؤي معه خارج الشقة :
-هاتوها بس من غير ما تفرجوا علينا الجيران، انا هنزل اشغل العربية
صاحت غادة برفض وهى تركض بعيدًت عنهما فقال كريم وهو يضع كلتا يديه في خصره وقد حاصرها من جهة وحمزة من الجهة الأخرى :
-يلا يا غادة هتلبيسي الاسدال على بجامة ميكي دي وتنزلي معانا بكل هدوء ولا نجرب أسلوب الخطف وناخدك معانا زي شوال البطاطس، ليكي حرية الإختيار
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هبط من البناية متعجبًا عدم وجودها فقد ظن أنها أتت إلى هنا، وهذا بعد أن أخبرته إحدى الممرضات بالمشفى أنها رحلت عصرًا رفقة شاب في الثلاثينات من عمره يدعي عادل حاتم الدخيلي وهو من دفع باقي الحساب
تنهد حائرًا ثم أخرج مفاتيح سيارته حتى يذهب إلى منزل آل الدخيلي يرى إن كانت هناك أم لا، هو يعترف أنه يفعل كل هذا لأن هاجر ليست كأي امرأة تعامل نعها في حياته، هذا إن كان يتعامل معهن من الأساس فجميع تعامله بناءً على عمله أي مع الرجال والإرهابين والسفاحين، ولكن هاجر رأى بها شئ مختلفة عن باقي النساء
لا يدري ما الإختلاف ولكنه يرى أنها تمتلك كثيرًا من صفات المرأة التي يريد، يبدو أنه سيحين الوقت ليتخلى عن لقب مطلق
هم بالصعود إلى السيارة ولكن جذب انتباهه مواء قطة تأتي نحوه، تذكرها في الحال من لونها البني هذا والذي يشبه القهوة، إنها قطة هاجر التي طالما ازعجته في فترة مراقبته للمنطقة، تسير نحوه بعرج بسيط ثم توقف أمامه تحدق به بأعين بنية فقد كانت هذه القطة من نوع نادر غالي الثمن أي ليست كأي قط بلدي
حملها بهدوء محدقًا بها بشفتين مذمومتين :
-هو انتي من النوع المازوخي؟! رميتك مرة من البلكونة وبرضو جاية عندي!!
تبسم ثغره ببسمة بسيطة ثم أضاف :
-ولا انتي عارفة اني رايح لصاحبتك علشان كده عايزة تيجي معايا
فتح الباب وجلس أمام المقود ثم وضعها على المقعد المجاور له مديرًا السيارة ثم قال :
-يلا نشوف صاحبتك فين ويارب متكونش ماتت ولا حصلها حاجة
وتزامنًا مع هذا الوقت في فيلا آل الدخيلي، هبطت هاجر من على الدرج من أجل موعد العشاء، ترتدي فستان منزلي شتوي من اللون السكري يعلوه حجاب أخضر اللون، وعلى كتفيها استقر شال مزركش لشعورها بالبرد
سارت في البهو نحو مائدة الطعام التي يجلس عليها عادل واختيه وزوج اخته ووالدته سعاد، أما شقيقته الثالثة متزوجة خارج البلاد وكاظم هارب كما المعروف، ابتسمت بسمة استفزت الجالسين وخاصةً سعاد التي رمقتها بإزدراء واضح قائلة :
-لابسة أبيض وحاتم مكملش شهرين ميت؟!
ردت لها هاجر جملتها هذه، مصيبة إياها بالكيد :
-يعني انتي اللي لابسة الأسود ما انتي لابسة أصفر أهو كأنك رايحة النادي، كبرتي على الألوان دي يا سعاد احترمي سنك ده اللي زيك مش بيقلعوا الأسود لحد ما يقابلوا المرحوم في الآخرة
جلست في مقدمة المائدة رغم أن هذا المقعد لم يجلس عليه أحد منذ أن توفي حاتم، وقد اعترضت سعاد على هذا إذ قالت صائحة :
-هو انتي هتقعدي هنا على أساس ايه فاكرة نفسك ست البيت!؟
رمشت الأخرى بأهدابها مدعية عدم الإنتباه :
-هو انتي لحقتي نسيتي يا سعاد إن ليا نص في البيت ده يعني حصتي أكتر من أي حد في الموجدين دول، واللي عنده كلام غير ده يقول، واللي مش عاجبه يقوم ياكل في مكان تاني مغصبتش حد ياكل معايا
اقتربت سعاد برأسها منها إذ كانت تجلس بجانبها مباشرةً، من ثم همست لها بكره :
-محدش طايقك في البيت ده يا هاجر ما تفارقي من سكات
وأجابتها الأخرى بهدوء شديد وهى تشير نحو عادل قائلة :
-لأ مين قال؟؟ عادل طايق وجودي عادي
رمقهما عادل ببرود ولم يعلق بينما استرسلت الأخرى وهى تشير إلى لمار :
-ولمار برضو طيوبة ومش معترضة على وجودي
ازدردت لمار لعابها بتوتر تستمع لباقي حديث هاجر إذ هتفت بنبرة متهكمة :
-ولو محدش طايقني فعادي ما انا برضو مش طايقاكم وساكتة
زفرت إحدى بنات حاتم صائحة بأخيها :
-انت هتسكت على ده يا عادل؟! دي بتهينا
ورفع الآخر منكبيه بعدم إهتمام قائلًا :
-هى بتطلع عليكم اللي عملتوه فيها، حقها
وصاحت سعاد بغضب به قائلة :
-حقها مين!؟ بنت الكلب دي ملهاش حق ثم احنا مشوفناش الوصية لحد دلوقتي ما ممكن تطلع كدابة
طرقت هاجر على المائدة بعنف صارخة بها ولأول مرة ترفع صوتها في هذا المنزل بشئ غير الصراخ متألمة :
-انا مش كدابة، جوز بنتك محامي العيلة هو اللي قال لعادل وعادل قالي، ثم أهو انتي اللي بنت كلب هو ابوكي أحسن من أبويا علشان تشتميه
وقفت سعاد منتفضة من مكانها ثم هدرت بها :
-ابوكي دي كان حتة بواب، انا ابويا كان وزير
ولم تهتز هاجر ولو بمقدار شعرة بل هتفت ببسمة مبهمة اعتلت وجهها المستدير وهى تنظر إلى سعاد بقوة :
-ابويا كان بواب بس شريف جابني من امي في الحلال مش زي ابوكي الوزير اللي لا مؤاخذة جابك من إحدى لياليه الحمراء
زادت البسمة على وجهها تبصر إصفرار وجه سعاد وصدمة باقي الموجدين فأستكملت :
-أصل انا حاتم مرة قالي انك بنت حرام وللأسف عرف ده بعد ما اتجوزك وخلف منك، وقالي لو كان عرف ده قبل جوازه منك مكنش قبل بواحدة زيك بنت زنا
رنت ضحكاتها في أرجاء المكان ترى أن جميع النظرات أصبحت موجهة لسعاد التي بدت وكأن أحدهم دلق عليها دلو ماء بارد :
-علشان كده عشرتك مع حاتم كانت هاينة عليكي أوي، اصل زي ما بيقولوا العشرة متهونش إلا على ولاد الحرام يا..... بنت الوزير
اهتاجت سعاد بشكل هستيري وكادت أن تهجم على هاجر فوقفت الأخرى بسرعة قبل أن تطولها يداها، ترى عادل وزوج كارما "ابنة حاتم" يحاولون أن يجعلوها تتوقف
دارت أعين هاجر في المكان وعلى شفتيها ابتسامة شامتة، تستمع لسبات سعاد المتداخلة، لتقع عينيها على آخر من توقعت وجوده هنا إذ أبصرت سفيان يقف في البهو وعلى الأرجح استمع لما قيل
خرجت بسرعة من غرفة الطعام وأغلقت الباب، غير مبالية بسعاد وصراخها، توقفت أمامه مباشرةً هاتفة بذهول :
-انت بتعمل ايه هنا؟ دخلت ازاي!؟
أشار الآخر إلى الحارس بجانبه والذي كاد أن يدلف ليخبرها أنه يود مقابلتها ولكنه توقف مستمعًا للمشاجرة الباردة التي نشأت بينهم على مسمع جميع من يعملون هنا
شعرت هاجر بقلق من وجوده هنا لذا سارت أمامه نحو الخارج قائلة :
-تعالى نتكلم في الجنينة مش هنا
وخرج سفيان خلفها ولا يزال مذهولًا مما قالته هاجر، ليس الكلام هو ما اذهله بل طريقتها فقد كانت تتحدث بجبروت لأول مرة يراه بها، توقفت هاجر في مكان بعيد في حديقة الفيلا بعيدًا عن الجميع فقال سفيان مندهشًا :
-ده ايه الجبروت اللي انا شوفته ده؟؟ وانا اللي كنت فاكرك قطة مغمضة يا لوزة لا ليكي في التور ولا الطحين
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة يشوبها الحزن ثم قالت وهى تنظر أرضًا :
-بيقولك خاف من قلبة المظلوم علشان ناره بتبقى هايجة لو ولعت مش بتطفي
رفعت رأسها له متسائلة عن سبب وجوده هنا :
-انت بتعمل ايه هنا؟؟
رفع الآخر منكبيه مجيبًا إياها ببساطة :
-جيت اطمن عليكي لما عرفت انك خرجتي من المستشفى، روحت الشقة اللي في سيدي بشر بس ملقتكيش هناك فجيت هنا ومعايا دي
ختم حديثه رافعًا القطة أمام عينيها ولتوها لاحظتها معه، اخذتها منه بسرعة تقبل فروها الناعم فهذه القطة هى هدية من حاتم وهى تحبها، ليس لكونها هدية منه بل لأنها تحب الهررة
ضحكت هاجر ضحكة بدون روح ثم قالت، ملاحظة مراقبة سفيان لها :
-خلاص يا سفيان متحسش بالذنب كتير انا مسامحة على الغلط اللي عملته، على الأقل لحقتني منهم، ده انا شوفت هناك ليلة هصنفها من أسوء الليالى اللي عدو عليا
ابتسم سفيان لها ولم يجب بل نظر لملامحها الهادئة أسفل قمر الليلة، ردت له هاجر الابتسامة بأخرى متعجبة من ابتسامته وتحديقه بها :
-أول مرة أشوفك مبتسم الابتسامة دي بصراحة، كل مرة شوفتك فيها كنت بتبقى مكشر أو بتبصلي بسخرية بس دي أول مرة تبقى هادي فيها ومبتسم
-الابتسامة دي مش بطلعها غير للحبايب
حمحمت هاجر بحرج وقد فهمت مقصده فقال سفيان مغيرًا الموضوع :
-انتي بتعملي ايه هنا مش الناس دول اذوكي
-هأذيهم زي ما اذوني
نطقت بها بحقد دفين لمع في عينيها فقال سفيان وقد شعر بالخوف عليها من هذه النظرة :
-نار الإنتقام بتحرق صاحبها يا هاجر
هزت الأخرى رأسها مبتسمة له بسمة مصطنعة خلفها أنثى محطمة تنوي إشعال حطامها كي تحرق به سعاد :
-متخافش عليا انا عارفة انا بعمل ايه ومهما كانت النتايج هعمل اللي في دماغي
-وانتي ايه بقى في دماغك؟؟
تنهدت هاجر مجيبة على سؤاله وهى تداعب فراء هرتها والأخرى تخرخر بسعادة :
-في دماغي حاجات كتير أهمهم اني هساعدك توصل لكاظم، انا عايزة سعاد تشوف ابنها بيتشنق قدامها
ضحك سفيان بسخرية ضاممًا ذراعيه أمام صدره ثم قال :
-وانتي هتعرفي تعملي ايه يا لوزة اذا كنا احنا أمن الدولة مش عارفين نوصله بقالنا خمس أيام أهو أيام
اتسعت بسمة مخيفة على ثغر هاجر جعلت سفيان يشعر أن من أمامه ليست بهاجر اللطيفة الباكية طوال الوقت التي يعلمها، فبدت له وكأنها تحولت :
-ما انتوا يا أمن الدولة مش هتبقوا قاعدين ليل نهار مع أهله وانا متأكدة ان حد فيهم هيحاول يوصله علشان يخرجه من المصيبة اللي هو فيها، وانا وقتها هبقى موجودة علشان أسلم كاظم لحبل المشنقة بنفسي، وأشوف قهرة سعاد على ابنها زي ما قهرتي على ولادي اللي مشوفتش ولا واحد فيهم
