اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم تسنيم المرشدي



الفصل الرابع والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

لحظاتٍ توقف فيها الزمن، صدمة أفقدته النُطق عندما شاهدها تسقط أمام عينيه بعد أن صدمتها تلك السيارة التي جاءت من العدم، لا يسمع سوى صافرة أذنيه التي ارتفعت فجأة فأرغمته على غلق عينيه من شدتها، يزداد صوت أنفاسه مع نبضات قلبه المتزايدة، أعاده هزة قوية من يد وليد الذي يحاول إخراجه من صدمته التي بات عليها.

وفجأة انتبه على الضجة الحادثة من حوله، وكأن صوتها وصل إلى أذنيه للتو، جاب المكان بعينيه فوجده مليئًا بالأشخاص بعضهم يركض نحوه والبعض الآخر يركض نحوه ليلى، ليلى!!

_ ليلى!
همس بها داخله فشفتيه لا تمتلكان القدرة على النُطق، حرك قدميه بصعوبة حتى وصل إليها، جسى على ركبتيه وتفقد معالم وجهها التي اختفت
خلف الدماء المتناثرة عليه، فأسرع في وضع ذراعه أسفل رأسها محاولًا إيفاقتها بحنجرةٍ ضعيفة:
_ ليلى، قومي يا ليلى، أنتِ سمعاني، وغلاوتي عندك ردي عليا.. قومي اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس قومي، يا ليلى!

لا يوجد حركة تدل أنها بخير، في الخلف يقف عبدالله واضعًا ذراعيه خلف رأسه في صدمةٍ من خلف ذلك الحادث المروع، خرج من حالته على صوت زكريا الذي نادى عاليًا:
_ حد يجيب عربية، حد يطلب الإسعاف، اتحركوا

ثم عاود محاولاته في إيفاقتها، على الجانب تحرك عبدالله مُسرعًا عندما اقتحمت صبا عقله، هرول عائدًا إلى الداخل فوجدها تهرول نحوه عندما علمت بوجود حادثة في الخارج، وقفا الإثنين أمام بعضهما والتوتر يُسيطر عليهما حتى صاحا في آنٍ واحد:
_ في إيه برا؟
_ ليلى، إلحقيها!

برقت عيني صبا ولم تنتظر ثانية أخرى، بل هرولت إلى الخارج حتى بلغت مكان الحادث، شهقت بصدمةٍ عندما رأت حالة وجهها المرعب، انحنت عليها وتفقدت نبضها ثم تفقدت جسدها فوجدته في وضعٍ خاطئ فهتفت عاليًا:
_ هكلم الإسعاف..

ثم أخذت تُخرج هاتفها من الحقيبة فصاح زكريا بصوتٍ متحشرج:
_ اعملي حاجة، خليها تفوق

ردت عليه وهي تهاتف الإسعاف الخاص بمكان عملها:
_ مش هقدر أعمل لها حاجة هنا، لازم تروح المستشفى..

قالتها ثم انتبهت على إجابة الطرف الآخر فهتفت بلهفةٍ وذعر:
_ أنا دكتورة صبا محمود، محتاجة إسعاف ضروري في أسرع وقت..

ثم أملت عليه العنوان، ووقفت في إنتظار وصولهما، بينما لم يتقبل زكريا بقائها لحين وصول الإسعاف فنهض محاولًا حملِها:
_ أنا مش هستنى الإسعاف..

فصرخت لحظتها صبا مُحذرة إياه:
_ إياك تحركها من مكانها، المُسعفين على وصول وهما اللي هيقدروا يشيلوها بطريقة صح

جن جنون زكريا وخرج عن طوره، اقترب من صبا في حالة هيًاج حتى شعرت هي بالذُعر فتراجعت للخلف بِضع خُطوات بينما صاح هو بنبرةً غاضبة:
_ يعني إيه محركهاش؟! دي هضيع مني

قالها وهو يُشير إلى ليلى بينما ركض عبدالله ووقف بينهما كحاجزٍ يمنعه من الإقتراب أكثر وحاول تهدئته:
_ أهدى يا زكريا واسمع الكلام، مفيش حاجة هتحصل إن شاء الله..

أمسك زكريا رأسه بكلتى يديه عندما هاجمه صداع شديد أفقده توازنه فلحق به عبدالله مُمسكه من ذراعيه، اتكأ على كتفه زكريا لثوانٍ قبل أن يُعيد هتافه:
_ هات عربيتك وتعالى، مش هستنى حد

توجه نحوها بصعوبة قابلها في السير والرؤى، فانتبه عبدالله على تحذير صبا من خلفه:
_ مينفعش يا عبدالله يحركها، البنت ممكن عندها كسر ومع حركة غلط نعرضها لوضع خطير.. خليه يهدى

أدار عبدالله رأسه ورمقها بآسى شديد، ثم تحرك باتجاه زكريا وهو يُشير إلى وليد بالإقتراب، أمسكوه من يديه محاولين تهدئته ببعض الكلمات ربما ينجحان حيث قال عبدالله:
_ أنا عارف إنك عايز تساعدها، بس أنت ممكن تإذيها بحركة غلط، استنى الإسعاف أحسن عشان مترجعش تلوم نفسك..

فمال حينها زكريا برأسه على كتف عبدالله وتطلع بعينين يتساقط دمعهما حزنًا وحسرةً على ما تسبب فيه، كان الجميع في حالة صدمة، كل العيون شاخصة نحو ليلى بشفقة وخوف.

وماهي هي إلا دقائق معدودة حتى صدحت صافرة الإسعاف فتنحى الجميع جانبًا لتمُر السيارة، ثم ترجل المُسعفين مُتجهين ناحية ليلى برفقة صبا التي هرولت إليهم ولم تتردد في ركوب الإسعاف معها وكذلك فعل زكريا.

بينما ركض عبدالله نحو سيارته فتَبِعه وليد وعائلته التي ركب بعضهم في سيارة عبدالله والبعض الآخر في سيارة قاسم الذي دعاهم للركوب معه، تحرك الجميع خلف الإسعاف في حالة توتر مسيطر عليهم.

بدأ الزحام يخف تدريجيًا حتى بات المكان خاليًا إلا من بعض العاملين، فوجدت زينب ذاتها تقف بمفردها، لقد تم نسيانها بعد حالة الذُعر والقلق التي أصابتهم، التفت برأسها متفحصة المكان فوقع نظرها على عاصم الذي يقف مُعلقًا عينيه على مكان تحرُك السيارات.

انتبه عليها عاصم وأخذ وقتًا حتى خرج من صدمته بعد عيش مشاعره المضطربة والخائفة مع الحادثة، وقال:
_ أنا رايح وراهم، تحبي تيجي معايا؟

أطالت زينب النظر فيه فهي تشعر أنها تعيش كابوسًا وليس حقيقة، زفرت أنفاسها قبل أن تومئ برأسها وأردفت:
_ هجيب شنطتي من جوا وجاية..

دلفت المكان وسحبت حقيبتها لكنها توقفت عندما رأت فتاةً تخرج من غرفةٍ تتلفت حولها وعلامات الذُعر تتجلى على تقاسيمها، لم تتعرف على هويتها، لكنها استنكرت مظهرها الجرئ، لكن ما أثار ريبتها حركاتها المتوترة ومراقبتها للمكان اللذان يؤكدان وجود كارثة خلفها.

ثم انتبهت على بوق سيارة عاصم فأسرعت إلى الخارج وقامت بركوب السيارة، وعينيها على الفتاة التي خرجت بعد أن غادر الحضور المكان والعديد من الأسئلة قد راوداها عما يوجد خلفها.

***

وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى، ترجلت صبا برفقة زكريا ثم ترجلا المُسعفين وقاموا بوضع ليلى على الناقلة ثم دلفوا راكضين حتى أمرتهم صبا بالدخول من أحد الأبواب.

بعد فترةٍ، كان المكان مُزدحمًا، فجميع العائلات التي على صِلة بـ ليلى وزكريا قد حضروا عدا والدها الذي لم يأخذ خبرًا بعد، وقف زكريا مستندًا على الباب التي ولجت خلفه ليلى مُغمض العينين يدعوا داخله أن تخرج إليه سالمة.

لم تتوقف يده عن الطرق على الحائط المجاور للباب، بينما في الخلفية يمشي البعض في انعكاس لطرقهم، والبعض الآخر منهم من يقف مستندًا على الجدار والبعض الأخير يجلس في حالة تأهب لخروج من يُطمئنهم على وضع ليلى.

مر وقت دون ظهور أحدهم، فتضاعف ضرب زكريا على الحائط بنفاذ صبر وصاح عاليًا:
_ أخرجوا بقى..

اقتربت منه والدته في محاولة منها على تهدئته، فوضعت يدها على كتفه من الخلف مرددة:
_ ربنا هيطمنا عليها، متقلقش..

نفر زكريا من لمستها، فلا يتحمل أيّ لمسات الآن، هو في وضعٍ حرج ولا يريد مواساةً من أحد، فكيف يقبل مواستهم على حادثةٍ كان السبب فيه، رفع ذراعيه للأعلى مُجبرها على سحب يدها وقال:
_ سيبوني في حالي..

ثم أخذ يضرب على الباب بقوةٍ فأصدر ضجة كبيرة وهتف بصوتٍ يميل إلى الرجاء لكنه بنبرةٍ عنيفة:
_ حد يخرج من الأوضة دي...

لحظاتٍ وخرجت إحدى الممرضات مستاءة من الإزعاج الصادر من زكريا وهتفت بحنقٍ:
_ لو سمحت دا مش أسلوب، فيه هنا مرضى والهدوء في المكان ضروري..

لم يكترث لأسلوبها وقال سؤاله المُتلهف وعينيه يتفحصان المكان من خلفها:
_ مراتي دخلت هنا.. ومحدش قالنا أي حاجة من وقت ما دخلت..

بحاجبين معقودان وضيقٍ ظاهر سألته:
_ دخلت هنا فين بالظبط؟ فيه كذا ممر بيودي للعمليات وفيه بيودي للرعاية وفيه للمشرحة!

أغمض زكريا عينيه عندما شعر بانقباضة قلبه قبل معاودة الحديث معها:
_ معرفش هي دخلت هنا معرفش راحت على فين؟

_ طيب اسمها إيه؟
تساءلت مستسفرة لتساعده عندما رأت حالته المذرية فهتف زكريا:
_ ليلى.....

صمت عندما وقعت عينيه على صبا التي تقترب منه، فأسرع نحوها دافعًا الممرضة إلى التنحي جانبًا فهتفت مستاءة:
_ يا أستاذ مينفعش تدخل هنا، ممنوع..

أشارت إليها صبا بيدها وعينيها أن تتركه فتحلت الممرضة بالصمت بينما وقف زكريا أمامها كطائر جريح يود مداواة جرحه وسألها بصوتٍ مبحوح:
_ هي فين؟ ليلى حصل لها إيه؟

بآسى شديد وحزن مُشكل على وجهها قالت بشفتين مذمومتان:
_ زكريا، أنت مؤمن بقضاء ربنا..

هز زكريا رأسه في استنكارٍ تام ولم يتحمل تلك المقدمة وصاح:
_ لا لا قولي إيه اللي حصل من غير مقدمات!

ابتلعت صبا ريقها قبل أن تصدمه بالحقيقة:
_ للأسف فقدنا الجنين!

شعر زكريا لحظتها بوخزة شديدة في صدره، فلقد فقدت ليلى حُلمها الآن في امتلاك طفلًا منه، وكان ذلك العائق الثاني في طريق عودة علاقتهما بعد خيانته لها، حاول التماسك وعدم التفكير في شيءٍ الآن فالمهم أن يطمئن على صحتها.

بصعوبة قال:
_ ليلى، عايز أطمن عليها

بهدوءٍ مُفعم بالحزن أردفت:
_ حصلها شرخ في فقرة من رقبتها، وكسر في الرجل اليمين..

قابل زكريا ذلك الخبر بعيون لامعة يُجاهد نفسه على عدم البكاء، كما عمِل على إخراج صوته طبيعيًا لكنه ظهر مهزوزًا يُغلفه حشرجة البكاء:
_ أنا عايز أشوفها..

رفضت صبا طلبه مُعللة السبب:
_ مش دلوقتي يا زكريا، هي أصلًا لسه مخرجتش من العمليات، لما تخرج وتستقر في أوضة هخليك تشوفها..

رفع زكريا كلتى يديه وضمهما أمام فمه متوسلًا لها:
_ أبوس إيدك يا صبا خليني أشوفها..

_ مش هينفع، لما تخرج الأول..
هتفت صبا برجاء تمنت بألا يُطيل إلحاحه، فخرج زكريا عن هدوئه وانفعل عليها وهو يتحرك مثل المجنون في المكان:
_ هو إيه اللي مش هينفع! دي مراتي وأنا عايز أشوفها دلوقتي!

تفاجئت صبا بثورته فعقبت الممرضة مُبدية انزعاجها:
_ أنا هطلب الأمن

فلحقت بها صبا قائلة:
_ لأ استني..

ثم حاولت إخراجه بدفعه إلى الخارج:
_ لو سمحت يا زكريا متعملش شوشرة واخرج

فلم تستطع إخراجه بمفردها فنادت بصوتٍ مرتفع قليلًا:
_ يا عبدالله..

فانتبه الآخر على صوتها وركض نحوهما فطلبت منه المساعدة:
_ قوله يخرج قبل ما تحصل مشكلة هنا..

تحرك عبدالله نحو صديقه وأمسك ذراعه محاولًا إعادته لرشده ببعض الكلمات:
_ فوق بقى يا زكريا، هي هتخرج دلوقتي.. استناها برا متعملش مشاكل هنا

استدار زكريا برأسه ناظرًا إلى عبدالله وتساقط دمعه وهو يُردد بنبرةٍ غير مفهومة:
_ زعلانة مني يا عبدالله، عايز أشوفها يا أخي..

تفاجئ عبدالله بعبراته التي تنهمر بغزارة، فلم يراه على وضعه هذا من قبل، تأثر بحالته وغلف الإختناق صدره، فزفر أنفاسه ربما يشعر بالتحسن وقال:
_ هتخرج بالسلامة وهتشوفها وهتبقوا كويسين بس اهدى..

تأفف زكريا عاليًا وسحب ذراعه من بين قبضة عبدالله ولم يستسلم لما يريده أن يفعله:
_ بلاش كلام المسكنات دا، أنا عايز أشوفها..

وما أن انتهى من جُملته حتى تفاجئ بظهور الناقل الطبي التي تعلوه ليلى النائمة، فركض نحوها بينما نظر إليه الآخرين متفاجئين بركوضه وذهبا خلفه ليمنعوه لكن هيهات له، فلقد وصل إليها وظل يُنادِيها بحسرة:
_ يا ليلى قومي طمنيني عليكي..

_ يا زكريا والله ما ينفع كدا أبدًا
قالتها صبا مستاءة مما يفعله، فلم يكترث لها زكريا ومشى بجوار الناقل حتى بلغوا أحد الغرف الموجودة وقاموا بوضع ليلى على الفراش الخاص بها وذهبوا.

تجمعت عائلة زكريا وكذلك أحلام وزينب التي وصلت للتو، بينما ظل الرجال خارج الغرفة في انتظار ما يُطمئنهم على وضع ليلى.

وقف زكريا إلى جوار الفراش مُمكسًا براحة يدها ويبكي في صمت، شاردًا في مشهد اصطدامها الذي يُزيد من ألم قلبه ويُضاعف تأنيب ضميره تجاهها فلم يذق طعم السكون والراحة.

مرت ستون دقيقة حتى بدأت ليلى تستعيد وعيّها، كان زكريا على نفس حاله يقف على قدميه يحتضن يدها، لم يبرح مكانه لحظة، شعر بحركة طفيفة من يدها فانحنى مُتلهفًا عليها:
_ ليلى، طمنيني عليكي يا حبييتي..

شعرت ليلى بِثقل في رقبتها، ناهيك عن آلامها المتفرقة في ثائر جسدها، لا تعلم أين يأتي الألم تحديدًا، حاولت فتح عيناها ببطيءٍ وكأن أعلاهما حجرًا ثقيل يُعيق فتحهما.

جاهدت ليلى حتى فتحت عينيها فرأت الجميع حولها، بصوتٍ بالكاد سمعه من حولها تساءلت:
_ إيه اللي حصل؟

ثم أضافت بتعبٍ شديد:
_ أنا تعبانة أوي، جسمي بيوجعني هو أنا فيا إيه؟

أجابتها هناء بآسى شديد:
_ عربية خبطتك وأنتِ خارجة..

تلك الأثناء أعاد عقل ليلى مشهد اصطدام السيارة، فبرقت عينيها بصدمةٍ وحاولت النظر إلى بطنها ولمسها بيدها فمنعها الطوق الطبي المتلف حول عُنُقها، ناهيك عن يدها التي بين قبضتي زكريا.

رمقته ليلى بطرف عينيها عندما فشلت في تحريك رأسها فتنشطت ذاكرتها وتذكرت ما أحدثه، فسحبت يدها بكل قوةٍ امتلكتها ذلك الحين، ثم وضعتها على بطنها وتساءلت بتوجسٍ خيفة خشية فقدناها جنينها:
_ بنتي كويسة؟

كان سؤالها المفاجئ قد صعق عقول الجميع، فتبادلوا النظرات الحزينة ولم يُجيبها أحدهم، فخرجت ليلى عن هدوئها وحاولت النهوض فأسبقت خلود قائلة:
_ متتحركيش، الحركة غلط عليكي..

تساقطت عبرات ليلى برعبٍ وعينيها تجوب عيون الواقفين تتآمل فيهما أن يخبراها بأن حدسها خاطئ وقالت:
_ بنتي راحت؟ حد يرد عليا!!

هتفت آخر جملتها بنرفزة فتدخلت أحلام مُجيبة بنبرة خافتة يُغلفها الاسى:
_ ربنا يعوضك خيرًا منها يا بنتي، أنتِ لسه صغيرة وربنا هيرزقك إن شاءالله

انهمرت دموع ليلى ألمًا وصدمةً وهتفت بنبرة تنزف وجعًا:
_ بس أنا كنت مستنياها، مكنتش عايزة من الدنيا دي غيرها، كنت بعِد الأيام والدقايق والثواني عشان تيجي، ودلوقتي هي راحت..

نظرت إلى يمينها حيث استطاعت وصاحت بنبرة مُتهدّجة وكأن الكلمات تتعثر بين شهقاتها:
_ أنت السبب، بنتي راحت بسببك، أنا خسرتها بسببك، أنا بكرهك، مبكرهش في الدنيا قدك، امشي من قدامي مش عايزة أشوفك تاني

لم يبرح زكريا مكانه، فظلت ليلى تصرخ تُطالبه بالخروج من بين بكائها الموجوع على خسارة فلذة كبدها التي لم تُقَر عينها بها بعد، فتدخلت هناء عندما استاءت من صراخها وقالت:
_ وهو ماله بس زكريا يا بنتي؟ عملك إيه عشان تقولي كدا

رمقتها ليلى بنفورٍ شديد وعنفتها بانفعالٍ:
_ متقوليش بنتي، أنتِ عمرك ما اعتبرتيني بنتك، أنتِ قلبك أسود ومحبتنيش، امشوا اطلعوا برا، أنا خسرت بنتي بسببكم انتوا، أنا بكرهكم

كان الجميع متفاجئًا مما تُحدثه، اقتربت منها أحلام مُبعدة زكريا عنها لتقف مكانه وقامت بالإنحناء بجسدها وملست على وجهها برفقٍ لكي لا تؤلمها:
_ ليلى يا حبيبتي، أنا مقدرة حالتك وإنك خسرتي ضناكي، والله حاسة بيكي، بس إهدي عشان متتعبيش أكتر، وعشان الكلام دا هيعمل مشاكل يا حبيبتي..

لم تصمت ليلى بل عاودت الصراخ من جديد هاتفة بصوتٍ متحشرج يهاجمه البكاء:
_ هما السبب، هما اللي وصلوني لحالتي دي، أنا مش مسامحاهم.. خليهم يخرجوا يا آبلة، وحياتي عندك مشيهم من هنا..

توسلتها ليلى بكل أنش بها، فتأثرت أحلام لحالتها ودمُعت عينيها، ثم عاودت الوقوف بهيئة خجِلة ووجهت حديثها إلى عائلة زكريا:
_ معلش يا جماعة اعذروها، سيبوها تهدى وإن شاء الله ربنا يصلح بينكم..

لم تتقبل هناء تلك الإهانة، وقامت بالإسراع إلى الخارج ثم وقفت ونادت بصوتٍ منفعل:
_ خلود، يلا قدامي..

عارضتها خلود باستياء:
_ يا ماما مينفعش..

فصاحت الأخرى بغضبٍ جامح:
_ قولت يلا!!

ألقت خلود نظرةً أخيرة على ليلى بآسى شديد قبل أن تتحرك بِخُطاها تابعة والدتها إلى الخارج، بينما نظرت أحلام إلى زكريا الذي يلتزم الصمت وعينيه لا تُرفعان من على ليلى ووجهت حديثها له بهدوءٍ:
_ سيبها تهدى يابني...

_ يا ليلى، سامحيني...
همسها زكريا بنبرة نادمة، فأجهشت ليلى باكية، بينما عاودت أحلام استسماحه:
_ لو سمحت يا زكريا أخرج وأنا جنبها مش هخليها محتاجة حاجة..

رفض زكريا الرضوخ لطلبها وهرول مُقتربًا من ليلى وأخذ يُقبل رأسها فكان لها نصيبًا من نيل عبراته التي انهمرت بغزارة أعلاها وهتف:
_ أنا آسف، سامحيني عشان خاطر أي حاجة حلوة بينا

تضاعفت نوبة بكائها وحاولت الإبتعاد عنه قدر استطاعتها فاقتربت منه أحلام وأمسكت ذراعه وهتفت برجاء:
_ يابني متصعبش الموقف، سيبها تهدى شوية..

رفض وبقوة الخروج فاضطرت أحلام للجوء إلى الرجال، خرجت من الغرفة ووجهت بصرها مابين عبدالله ووالد زكريا وقالت:
_ لو سمحتوا حد يجي يخرج زكريا من الأوضة..

كان محمد أول ما دلف الغرفة بِخُطواتٍ ثائرة حتى اقترب منهما ثم وجه حديثه إلى ليلى:
_ حمد لله على سلامتك يا بنتي، ربنا يعوضكم خير

بنبرةً ليست سوية هتفت ليلى:
_ دا الخير بالنسبة لابنك، هو كان عايز كدا من الأول، هو رفض نعمة ربنا وكان ناقم لرزقه بس العقاب كان ليا أنا لوحدي، الخسارة ليا بس!

_ إيه بس يا بنتي اللي بتقوليه، هو فيه راجل برده هيكره إنه يكون أب؟
هتفها محمود باستنكارٍ غير مُصدقًا لكلمات ليلى التي صاحت:
_ كلكم هتدافعوله أكيد، كلكم شبه بعض، مش عايزة أشوف حد فيكم، أخرجوا برا

لم يلومها محمد على أسلوبها بل أعطاها كل الحق، وأراد الإنسحاب حتى تهدأ ولا يؤثرا عليها بالسلب، فتوجه إلى زكريا وأجبره على المشي قائلًا
_ إمشي..

_ مش عايز....
لم يكاد يُردفها حتى أجبره والده على الخروج بأمره الصارم:
_ قولتلك اخرج، أنت مش شايف حالتها إزاي!!

ثم دفعه بكل ما أوتي من قوة حتى تحرك زكريا بصعوبة وعينيه مُثبتتان على ليلى يُطالعها بندم شديد، خرج من الغرفة ولم ينتظر مكانه بل فر هاربًا إلى الخارج فتبعاه صديقيه حتى انتقى زكريا أبعد زاوية عن عيون المارة ثم لم تعد تحمله قدميه فخر جالسًا باهمالٍ على الأرضية وانفجر باكيًا كما لم يفعل ذلك من قبل.

بينما تجمدت أقدام عبدالله ووليد في دهشةٍ مما يروه أمام عينيهما؛ فزكريا دومًا ما كان شخصًا جامدًا لا يُعبر عن مشاعره بسهولة، وإن عبّر فيُخرِج ضيقه في هيئة غضبٍ يثور به على من حوله، فما ذلك الآن؟

تبادلا النظرات قبل أيام يقتربان منه، جلس كلًا منهما على جانبيه وأخذا وقتًا لا يعلمان بماذا يواسياه، فالكلام قد هرب من على لسانهما لرؤيتهما وضعه المذري.

مرت بِضع دقائق كانت شهقاته القوية يتردد صداها في المكان، حتى تجرأ عبدالله ورفع يده ووضعها على ظهره وقال:
_ عارف إن الكلام ممكن ميداويش اللي حاسس بيه بس هون على نفسك الحمد لله إنها بخير، وأنتوا لسه عرسان قادرين تعوضوا الحمل دا بحمل تاني طلاما مفيش اللي يمنع!

مسح زكريا عبراته براحة يده وقال بصوتٍ أجش:
_ متواسنيش يا عبدالله بالله عليك، أنا آخر واحد مستني طبطبة!
سيبني مع ناري كدا عشان أفوق من اللي أنا فيه..

رفع عبدالله نظره على وليد بغير فهم لكلمات زكريا المبهمة فتدخل وليد متسائلًا عما به:
_ هو ليه أنا حاسس إن الموضوع فيه حاجة غلط؟ يعني من وقت خروجك من المكان وأنتِ بتجري ورا مراتك وبعدها حصل اللي حصل.. هو فيه إيه يا زكريا؟

أعاد زكريا رأسه إلى الخلف مستندًا بها على الحائط وأجاب سؤاله بنفورٍ شديد من نفسه:
_ أنا عملت أوسخ حاجة ممكن تتعمل! أنا كنت عارف واحدة على ليلى!!

علامات الذهول الممزوجة بالصدمة رُسِمت على وجهيهما وهما يُحدقان به بعيون واسعة، ساد الصمت لفترة حتى قطعه زكريا بمواصلة حديثه:
_ ليلى شافتني وأنا واقف معاها ولما حاولت أوقفها جت العربية وخبطتها!

قالها ثم انفجر باكيًا فخرج عبدالله عن صمته غير متقبلًا فعلته الشنعاء وصاح وهو ينهض عن الأرضية:
_ يا أخي يخربيت قذارتك، أنت إيه اللي كان في دماغك وأنت بتعرف واحدة وأنت يدوب متجوز من كام شهر!!

إزداد نحيب زكريا كالطفل الذي يُعاقبه والده فرمق وليد عبدالله موحيًا إليه ببعض الإشارات أن يهدأ قليلًا فوضع زكريا غير قابلًا للوم الأن، بينما لم يرضخ له عبدالله وقابل وليد بنظراتٍ مشتعلة وهو يردد مندفعًا به:
_ بتبُصلي كدا ليه؟ بقول حاجة غلط؟ ولا إحنا من إمتى كنا بالشكل المقرف دا؟ ما طول عمرنا ماشين جنب الحيط حتى يوم ما بنتشاقى شوية عمرنا ما أذينا غيرنا، إنما دا بيكلم واحدة على مراته وبيقابلها كمان في مكان شغله اللي مراته اصلًا موجودة فيه!! دا إيه الجحود دا؟!

استدار عبدالله بجسده للجانب الآخر عندما لم يطيق نظرات وليد التي تحثه على التوقف، وقف يضبط وتيرة أنفاسه المرتفعة، شعر بتبخر جزءًا من انفعاله بعد فترة؛ فعاود النظر إلى زكريا باشمئزازٍ وسأله بحدة:
_ ودي عرفتها امتى وإزاي والعلاقة بينكم كانت واصلة لفين؟

رفع زكريا عينيه على عبدالله وهتف نافيًا ما يدور في مخيلته:
_ مكنش فيه علاقة أصلًا عشان توصل لحاجة، في يوم وأنا قاعد في ورشتي لقيت واحدة داخلة عليا وبتقولي إن عربيتها عطلت على الطريق وأنا كنت أقرب حد ليها فروحت معاها وصلحت لها العربية، وهي وقتها نظراتها ليا كانت غريبة واستغربتها، وأصرت ناخد أرقام بعض بحجة لو احتاجتني تاني، وتاني يوم لقيتها بترن عليا وبتسألني على حاجات في عربيتها عايزة تتظبط ومن وقتها والمكالمات زادت بينا وبدأنا نتعرف على بعض وتحكي لي عن حياتها وأنا برده، ولما عرفت إني هيكون ليا مكان جديد عملت لي مفاجأة وجت ووقتها ليلى شافتنا..

_ مفاجأة زي الزفت والطين على دماغكم..
هدر بها عبدالله بحنقٍ وغضب شديدين، ثم أضاف ببغضٍ لفعلة صديقه:
_ يا أخي مش لاقي كلام أواسيك بيه والله، بس كان لازم يحصل اللي حصل، دا عقاب ربنا ليك!

جاب عبدالله المكان ذهابًا وجيئا قبل أن يُتابع بآسى لم يخلو من الصرامة:
_ مش صعبان عليا غير مراتك، هي اللي خسرت كل حاجة فجأة بسبب واحد جرى ورا نزواته!

نهض وليد عن الأرض عندما وجد ثورة عبدالله المبالغة يزداد لهيبها ولا تنطفأ وحاول إيقافه:
_ خلاص يا عبدالله.. روح أنت خليك هناك عشان لو حد احتاج يبقى حد مننا موجود..

لم يقف عبدالله لثانية أخرى بل ابتعد عنهما قبل أن ينهار أكثر على زكريا، لم يحب العودة إلى الجميع وفضّل الذهاب لمكانٍ يُهدئ فيه غضبه الذي خرج عن السيطرة.

بينما اقترب وليد من ابن عمه، وقام بمد يده إليه فتطلع به زكريا حتى أردف وليد:
_ تعالى معايا..

_ على فين؟
تساءل بوهنٍ فأجابه وليد بهدوءٍ:
_ تعالى معايا، هنروح مكان هيريحك..

فلم يتردد زكريا في مرافقته، نهض بالإتكاء على ذراع وليد الممدود نحوه، ثم سارا إلى جوار بعضهما حتى خرجا من المستشفى ووصلا إلى أحد المساجد القريبة، وقف وليد أمام الباب ووجه حديثه إلى زكريا:
_ ادخل اتوضى وصلي، قرب من ربنا عشان أنت بعدت عنه في الفترة الأخيرة، رتب أفكارك وإرجع لما تحس إنك كويس..

ابتسم في وجهه ثم غادر تاركه يمتثل بما طلبه منه، فالتفت زكريا وحدج المسجد قليلًا قبل أن يدلُف بِخُطاه، فلا يتذكر آخر مرة قام بأداء صلاةً به، لقد غاب عنه كثيرًا.

توضأ ثم شرع في الصلاة فهاجمته نوبة بكاء وهو ساجدًا بين يدي الله، يبكي خجلًا وحزنًا على حاله الذي أصبح عليه، انتهى من الصلاة فانتبه على يدٍ وُضعت على كتفه، فالتفت برأسه ليعرف هويته فوجده شيخًا يبتسم في وجهه ثم تساءل باهتمامٍ:
_ مالك يابني أنت كويس؟

حرك زكريا رأسه نافيًا أنه بخير وأخبره بأنفاسٍ متقطعة:
_ أنا في ابتلاء صعب أوي يا شيخ..

جلس الشيخ أمامه وقال بوجهٍ بشوش:
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
اصبر يابني على ابتلائك وإن شاء الله أجرك عظيم..

بعيون تترقرق فيهما العبرات قال:
_ بس أنا بعدت عن ربنا أوي، والعقاب كان قاسي أوي.. أنا السبب في اللي حصلي..

ربت الشيخ على فخذه وأردف:
_ وارد إن يكون اللي حصل دا عشان بُعدك عن ربنا بس مش شرط يكون عقاب، ممكن عشان ترجع له تاني، ربنا شاف إنك بعدت أوي فحب يرجعك ليه من تاني لقوله
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا

ثم أخذا يتحدثان سويًا في أمورٍ دنيوية ألهت زكريا عن قوامته ودوره كزوجًا ورجلًا في حياته الزوجية وما عليه فعله في الأيام المقبلة.

***

بعد مرور بِضعة ساعات؛ لم تكُف ليلى عن البكاء، كان يجاورها والدها يشاركها حزنها، حتى فُتح باب الغرفة وولجت منه شقيقتها التي وصلت للتو، اقتربت من ليلى راكضة، شهقت فور رؤية حالتها التي يرثى لها.

تفقدت معالم وجهها التي تملؤه الكدمات الزرقاء، ناهيك عن الطوق الطبي المُحاوط لرقبتها، ثم أسقطت بصرها على الجبيرة التي غلفت قدميها اليُمنى، انهمرت الدموع من عينيها حزنًا على ما أصابها.

انحنت بجسدها محاولة عِناقها فشاركتها ليلة البكاء وهي تُخبرها بمصابها:
_ بنتي راحت يا سمر... مشت في نفس اليوم اللي عرفت فيه إنها بنت! متعرفش إني كنت مستنية اللحظة دي من امتى... وفي الآخر معدتش موجودة!

انفجرت عيون سمر باكية ورددت كلماتها ربما تُطيب جراحها:
_ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي ودا المهم، كل حاجة هتتعوض متزعليش أبدًا، بكرة ربنا يكرمك ببنوتة تانية وتفرحي بيها

_ معتش هينفع.. خلاص كل حاجة خلصت
قالتها ليلى بحزنٍ عارم فشعرت سمر بالريبة والرعب وكذلك والدهن لم يكن أقل منها قلقًا، وهتف سؤاله متوجسًا خيفة من سماع إجابتها:
_ إيه اللي خلص يا ليلى؟ قصدك إيه؟

من بين بكائها هتفت بندمٍ شديد:
_ زكريا مصانش أمانتك يا بابا..

ثم نظرت إلى أحلام والتزمت الصمت فاستشفت الأخرى الأمر، وقامت بالنهوض مستأذنة منهم بلطف:
_ أنا هخرج برا لو احتجتوا لحاجة نادوا عليا

ثم انسحبت إلى الخارج باحثة عن زينب التي اختفت منذ فترة
بينما في الداخل؛ عاودت سمر النظر إلى شقيقتها عند خروج أحلام وقالت بنبرة قلِقة:
_ في إيه، إيه اللي حصل؟

فأخذت ليلى تقُص عليهما ما تعيشه منذ بداية حملِها حتى اكتشاف خيانة زكريا، كان وجهيهما أسودًا من صدمة ما سمعوه، كانت شفتيهم تتحرك مُعِيدة كلمات ليلى دون صوت.

حتى انتبهوا على طرقات الباب ودخول زكريا الذي تلقى نظراتٍ حارقة من ثلاثتهم وخصيصًا والد ليلى الذي أسرع نحوه وانقض عليه مُمسكه من تلابيب قميصه وظل ينهره بقسوة:
_ دي الأمانة اللي أمنتك عليها؟ دا وعدك ليا؟ أنت بني آدم منافق ولا تؤتمن وخِلفت بوعدك ليا وأنا لا يمكن أسيب لك بنتي تاني أبدًا

_ يا عمي أبوس إيدك أنا عارف إني حيوان وغلطت بس والله مقدرش ليلى تبعد عني لحظة..
قالها زكريا على أمل يشعر به أسعد لكن هيهات لقلب ذلك الأب المكلوم المليء بالغضب تجاه ما افتعله تجاه ابنته.

دفع والد ليلى زكريا بعنفٍ لكنه لم يؤثر فيه، فجسده كان مضاعفًا له في الطول والعرض، أخذ زكريا نفسًا زفره على مهلٍ قبل أن ينظر إلى ليلى وهتف:
_ قولي حاجة يا ليلى، قوليله زكريا حبيبي ومقدرش استغنى عنه!

بنظرةً مهزومة أدارت ليلى عينيها حتى لا تنظر إليه، فناداها زكريا متوسلًا:
_ يا ليلى...

_ خلوه يخرج برا..
أردفتها ليلى بخفوت، فأجبره والدها على الخروج بانفعال:
_ اخرج بقى يا أخي، بنتي هتخرج من هنا على بيتي..

أسقط زكريا نظره عليه وقال بحدةٍ حاسمًا أمره:
_ بنتك دي مراتي، أنا اللي ليا أقول تروح فين ومع مين.. بنتك مش هتخرج من بيتها وأنا اللي ملزوم بيها

قالها زكريا ثم أولاه ظهره وخرج من الغرفة، تفقد الواقفين ثم ابتعد عنهما عندما شعر بافتضاح اأمره من وراء نظراتهم المُحاصرة له.

في مكانٍ قريب؛ ظلت أحلام تبحث عن زينب حتى وجدتها جالسة على أحد مقاعد الإنتظار تبكي، فأسرعت نحوها وهي في حالة هلع خشية أن يكون قد أصابها مكروه:
_ مالك يا حبيبتي، بتعيطي ليه؟

انتبهت زينب على صوت والدتها فأسرعت في مسح دموعها براحة يدها متصنعة أنها بخير، ابتسمت خافية خلف ابتسامتها وجعًا تئن به روحها في صمت، ارتدت ثوب القوة وأجابتها:
_ أنا كويسة يا حبيبتي متقلقيش..

_ كويسة إزاي بس، أنا للدرجة دي مبشوفش؟
قالتها أحلام مستاءة من تصنُعها أنها على ما يرام فذمت زينب شفتاها بحزنٍ وقالت:
_ افتكرت نفسي لما شوفت ليلى

وما أن قالتها حتى خانتها دموعها التي تساقطت بغزارة ظاهرة انكسار روحها التي جاهدت لإخفائه، فأقبلت أحلام عليها وقامت بضمها برفقٍ ثم رفعت يدها وقبلتها بحنانٍ ورددت داعية:
_ ربنا يعوضكم أنتوا الإتنين خير يارب

***

انسحبت صبا برفقة عاصم لتُبدل ملابسها وتحظى ببعض الراحة قبل أن تعاود المجيء إلى المستشفى، تلك الأثناء لم يجد قاسم هناك داعٍ لوجودهم أكثر من ذلك وقرر الذهاب بعد مجيء عائلة ليلى.

فركب الجميع السيارتين حيث أن عبدالله ترك مفتاح سيارته مع وليد ليقضوا حاجتهم بها إن احتاج الأمر، وصلوا معًا وصف عاصم وقاسم السيارات أمام بيوتهم، ترجلت صبا بتعبٍ شديد تتمنى أن تصل إلى فراشها تلك الثانية قبل مرور الأخرى.

وفجأة شعرت بألمٍ شديد في كاحلها، ألم غير محتمل، فنظرت إلى الأسفل فتملكها حالة من الذُعر عندما علمت السبب وصرخت عاليًا:
_ تعبان.. تعبان قرصني..

ظلت تُحرك قدميها اليُمنى بحركاتٍ لا إرادية على أمل أن يسقط من عليها ولم تتوقف عن الصراخ، تجمع حولها الجميع وحاول عاصم تهدئة هلعها حتى يزيح عنها الثعبان:
_ وقفي رجلك يا صبا عشان أعرف أمسكه..

تلك اللحظة لم يتردد عبدالله في الإقتراب منها وإلتقاطه بحركة سريعة لم يكاد يلاحظها أحد، بينما لم تتوقف صبا عن الصراخ بهلع وذُعر شديدان:
_ تعبان، ابعدوه عني..

_ خلاص خلاص أنا بعدته..
قالها عبدالله وهو يقف مُمسكًا بيده الثعبان، ثم توجه به إلى زاويةٍ وقام بالتقاط حجرًا ثقيل وظل يضربه حتى تأكد من موته، عاد إليها مُتلهفًا لمعرفة ما أن كان لدغها أن لا:
_ هو قرصك؟

أماءت هي بخوفٍ فاقترب منها عاصم وانحنى بجسده متفقدًا كاحلها تحت نظرات عبدالله المستشاطة، صر أسنانه وأبعد عينيه إلى الجانب الآخر حتى لا يستطيع رؤية لمساته عليها.

_ لازم نرجع المستشفى..
قالها عاصم بعدما تفقد لدغة الثعبان، فرفضت سبب قائلة:
_ لا لا مش لازم، هكتب لك على حاجة لو سمحت حد يجيبهالي من الصيدلية هاخدها هنا..

أمسكت صبا رأسها عندما هاجمها دُوارًا وقالت:
_ أنا بدأت أدوخ مش قادرة أقف، عايزة أدخل البيت..

لم يريد عبدالله بقائها في تلك الحالة بمفردها، فاقترح بلهفة:
_ ياريت لو تفضلي عندنا الليلة دي..

تفاجئ عاصم باقتراحه، ثم انتصب في وقفته وهتف بحدةٍ:
_ بيت جوزها موجود..

لم يروق لعبدالله نبرته، لكنه لم يريد افتعال مشكلة، فتحدث من بين أسنانه المتلاحمة موضحًا حُسن نواياه:
_ وضعها أعتقد محتاج ست جنبها، وأمي وأختي موجودين، مش هيسيبوها..

دنا منه عاصم حتى شعرا كليهما بأنفاس بعضهما من شدة تقاربهما وهمس بخفوت:
_ أنا برده مش هسيبها!

كز عبدالله أسنانه بشدة، فأحدث صريرًا وصلت إلى آذان عاصم الذي يرمقه بجمودٍ يخفي خلفه بركانًا على وشك الثوران.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close