رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم صابرين
34- وقد تلطخ قلبي بسواد البشر
سارت بين أروقة المدرسة وفي يدها ملف به أوراق الإمتحان، تنظر إلى أبواب الفصول لعلها ترى رقم اللجنة التي ستقف عليها، توقفت أمام الفصل المنشود وقد أبصرت معلم يجلس به في انتظار المراقب الثاني ألا وهو هى
دقت الباب بهدوء ملقية عليه تحية الصباح وقد بادلها الآخر التحية بإحترام :
-صباح النور يا مس نور ورق الامتحان معاكي
آماءت الآخر بهدوء وهى تعطيه الملف حتى يوزع الأوراق بينما هى أخذت تنادي على كشف الحضور حتى ترى إن كان العدد مكتملًا، اطلعت أمامها إلى اللجنة وكانت من فتيات الصف الأول الإعدادي وكم كان التوتر يسيد المكان فقالت بلطف حتى تخفف من توترهن :
-ايه الخوف ده كله انتوا مش مذاكرين ولا ايه؟!
وأجابتها احداهن وهى تحدق في ورق الأسئلة بفزع حقيقي :
-ده الإمتحان تلات ورقات يا مس
-طب وايه يعني معاكم ساعتين ونص يعني تناموا وتقوموا فيهم، ثم اللي مذاكر هيخلص الإمتحان ده في ساعة، انا نفسي كنت بخلص أي امتحان في الساعة الأولى
سحبت كرسي وجلست عليه ثم قالت بملامح باردة وكأن لطفها تبدد :
-انا مش عايزة اسمع صوت، عينك في ورقتك والغش ممنوع، اقسم بالله اشوف واحدة بتغش مش هعلم على ورقتها ولا اعمل محضر غش علشان ده تهديد مدرسين، انا هخليها عبرة للمدرسة كلها آمين
ابتسم لها المعلم الآخر ضاحكًا ثم قال :
-براحة عليهم يا مس ده احنا لسه بنقول يا هادي
-زي بعضه انا قولت اهو علشان لما امسك واحدة بتغش وامسح بيها بلاط الفصل ميبقاش ليها حجة
نظر الفتيات لبعضهن بتوتر فتبدو صادقة في حديثها، كما أن هذه المعلمة ليست باللطافة التي تبدو عليها فيكفي ما فعلته من أسبوعين حين أصابت إحدى الفتيات الدورة الشهرية وقد طبعت على بنطالها، وتسبب هذا في الضحك والسخرية عليها من باقي زملائه، حتى أن الفتاة ظلت تبكي من إحراجها
حينها قامت نور بتعنيف جميع من ضحكوا على الفتاة المسكينة والصراخ عليهم وكم كانت تبدر مخيفة حينها، رغم أن ملامحها هادئة لطيفة ولكن كما يقول المثل اتقي شر الحليم إذا غضب
كما أن الجميع في المدرسة يشهد بطبعها الشديد ويستنتجون هذا لأنها آتية من الصعيد، ورغم هذا هى ليست كبعض المعلمين ويستعندون بعض الطلاب، هى تبدو حادة فقط مع المخطئ
مرت عدة دقائق وقد انغمس الجميع في الاختبار ونور تطرق أذنيها لأي همسة تصدر من أحد فكانت تحرق اللجنة كما يطلق البعض على هذا الوضع، أشعل المعلم الآخر سيجارة وقد انزعجت منها نور فلا تطيق الدخان وعندما رأى الآخر هذا أردف بإعتذار :
-لا مؤاخذة هطلع اشربها برا
خرج وتركها في اللجنة بمفردها فأخرجت نور هاتفها تعبث به قليلًا فالوقت لا يزال طويلًا، وقد استغل الطالبات انشغالها وخروج المعلم الآخر وأخرجن هواتفهن التي خبأنها ثم فتحن تلك الصفحة التي ينضمون إليها معظم طلاب مصر في كل المراحل ويطلقون عليها "شاومنج"
رفعت نور عينيها دون أن ترفع رأسها ثم ابتسمت بسخرية عليهن، هذا الشعب لا يأتي بالكرامة والحديث بل يحبون أن يسيروا بالمقولة التي تقول "العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة"
طرقت على الطاولة بقوة افزعتهن لتترك هاتفها على جنب ثم استقامت من مكانها قائلة :
-حذرت وانتوا شعب مش بيجي بالكرامة ومع ذلك فرصة اخيرة كل واحدة معاها تليفون أو ورقة تطلعها حالًا
لم تجد أي رد فعل غير الصمت فقالت بقوة وهى تتجه إلى واحدة منهن متأكدة ان معها ما تغش به :
-حلو كان معاكم فرصة بس انتوا اللي عايزين الإهانة
وقفت أمام الفتاة ودون أن تقول لها شيئًا قامت بنفسها بسحب الهاتف من جيبها
استمرت في المرور عليهن واحدة تلو الأخرى وقد أخرجت عدد لا بأس به من الهواتف والكثير من الورق الذي ملأ الطاولة، نظرت إليهن بإستهزاء شديد قائلة :
-لو واحدة فيكم لمت المنهج في اليومين اللي فاتوا ولو حتى ليلة الإمتحان بس كان أحسن من ذلها في الغش، السنة كلها تلعبوا وتتمرقعوا وفي الآخر عايزين تنجحوا بالغش، وحتى لو نجحتوا أقسم بالله ما حد فيكم هينفع اللي اتبنى على الباطل عمري ما هينفع
دلف المراقب الثاني على صوتها وقد وجد عدد من الهواتف على الطاولة بجانبها فقال مندهشًا :
-انتي هتفتحي سينترال؟! ايه كمية التليفونات دي جبتيها منين
نظر إلى الطالبات ثم قال بحنق :
-كده تكسفونا قدامها مش قولت اللي معاها تليفون تطلعه مع الشنطة
جلست نور مكانها مجددًا ثم قالت بغضب وتوعد لهن متذكرة الظلم الذي يعاني منه جميع من سهر وتعب :
-كده مش قدامكم غير تغشوا من بعض وحتى دي مش هتطولها
حمحم المعلم الآخر وهو يجلس على المقعد الآخر ثم قال :
-معلش يا مس سيبوهم شوية ومن غير صوت
نظرت له الأخرى بغضب وكأنها ستهم بصفعه ورغم هذا حاولت أن تتحكم في نبرتها فهو أكبر منها في النهاية :
-وهو التعليم باظ من فراغ ما من ده، انت تقدر تستحمل دعوات الأهالي اللي عيالها تعبوا وسهروا وهما شربوا المر معاهم وفي الآخر عيالهم جابوا أقل من واحد أبوه جابلوه سماعة أو الأستاذ سابوهم براحتهم يغشوا، دعوة المظلوم مستجابة يا أستاذ افتكر دي
نظر الآخر إلى الطالبات ثم قال بإستسلام رافعًا كفيه أمامه :
-حاولت اهو بس مش راضية كل واحدة مع نفسها بقى
وتمتمت نور بصوت منخفض وهى تعيد ظهرها للخلف عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-يارب تسقطوا علشان تتعلموا تذاكروا
مر نصف الوقت والبعض يحل والبعض يحاول عصر عقله حتى لا يترك الورقة فارغة، بينما نور عينيها تعلقت بفتاة تجلس بجانب النافذة في الخلف، تكتب قليلًا ثم ترفع القلم ويبدو عليها التركيز الشديد ثم تعود وتكتب، هذه الفتاة لم تأخذ منها شئ وقد ثنت عليها معتقدة أنها المجتهدة التي بهم لكن يبدو أن الأمر لن يمر هكذا
وقفت من مكانها ببطء وتحركت للأمام ثم صاحت بغضب عندما استمعت لهمس من خلفها وكأنهن استغللن أنها استدارت ولكنها تمتاز بالسمع الحاد خاصةً أن الفصل هادئ :
-بصوا قـدامــكـم
-بسم الله طب والله اتخضيت
نطق بها المراقب الثاني ولكنها لم تبالي بل اتجهت إلى الفتاة والتي توقفت عن الكتابة وبدا عليها التوتر من اقترابها منها، سحبت منها الورقة متحدثة بهدوء شديد :
-دقيقة عايزة اشوف حاجة في الإمتحان
أطالت نور التحديق في الورقة وعين عليها وعين على الفتاة والتي شعرت بالتوتر يزداد لتقول بسرعة وهى تهم بأخذ الورقة :
-هاتي الورقة يا مس قبل الوقت ما يخلص
أعطتها نور الورقة ثم ظلت على مقربة منها ترى توتر الأخرى الواضح بشدة، وبطريقة مفاجئة للأخرى مدت يدها ناحيتها فأبتعدت الفتاة والتصقت بالحائط بفزع ونور لم تعطي لها الفرصة إذ الصقت كفها في رأس الأخرى وبالتحديد ناحية أذنها وها قد وجدت ما كانت تبحث عنه
ابتسمت لها بطريقة بدت للأخرى مخيفة ثم قالت :
-وانا اللي كنت فكراكي الشاطرة اللي فيهم طلعتي عايزة تعملي شاطرة عليا انا، طلعي السماعة يا بت
هزت الأخرى رأسها بخوف حقيقي من انكشاف أمرها فقد كان الأمر سيمر بسلام :
-انا مش.... معـ معايا سماعة
وضربتها نور على رأسها نحو أذنها هادرة بغضب :
-ودي تبقى ايـــه
أقترب منها المراقب الآخر لا يفهم سر غضبها هذا :
-فيه يا مس مالها دي!؟
وصاحت بها نور بطريقة ادهشت الآخر فقد خرجت عن طور هدوءها :
-فيه واحدة لو مطلعتش سماعتها دلوقتي اقسم بالله وانا أقسمت به هقطعلك ورقتك واسقطك في الامتحان ده
سارعت الأخرى واعطت لها السماعة فأمسكتها نور وألقت بها أرضًا ثم وضعت فوقها احد المقعد وبكل قوتها هبطت به عليها وحطمتها تمامًا
كم من طلاب ظُلموا بسبب هذه السماعات، كم من أولياء أمور شعروا بالقهر على أبنائهم وعلى تعبهم، شقيقتها واحدة ممن ظلموا في اختبارات الصف الثالث الثانوي ووالديها كانوا من آلاف غيرهم تعبوا وسهروا وصرفوا وفي النهاية يحتل القمة هؤلاء الفشلة بسبب الغش، والقهر هو نهاية من تعب واجتهد
نظرت إلى الفتاة المرتعبة منها بنظرات حادة ثم قالت :
-لولا اني ممكن اتجازى كنت خدت ورقتك واديتك واحدة بيضة تبدأي فيها من الأول بس ملحوقة
نظرت إلى باقي الفتيات اللواتي كن يتابعن ما يحدث :
-لو واحدة فيكم معاها سماعة تطلعها دلوقتي علشان بعد دقيقتين بالظبط هطلع الأستاذ ده واقلعكم طرحكم واحدة واحدة واشوف مين فيكم أمها داعية عليها النهاردة
انقضت الفترة الأولى وخرج الجميع من أجل الإستراحة وقد ظلت نور في الفصل تفكر فيما فعلت، هى لا تحب التصرف بهذه الطريقة فتكره نفسها حينها ولكن الجميع هنا يجبرها على التصرف هكذا
انتفضت شاهقة بقوة عندما دلف أحد الطلاب على الفصل بطريقة غير متوقعة فصاحت به غاضبة لإفزاعها هكذا :
-يا حيوان خضيتني
جلس الآخر مترددًا لتقول نور بتعجب من جلوس ولد في هذه اللجنة :
-انت يا بابا هتقعد فين دي لجنة بنات
وكان الفتى يبدو عليه الخوف وعلى الأرجح ليس منها فقد لاحظت أن بعض الطلاب كانوا سيهمون بالدخول خلفه وعندما رأوها بالداخل ذهبوا، عادت بنظرها لذلك الفتى والذي قال بتوتر :
-مس حضرتك نازلة ولا هتقعدي هنا
رمقته الأخرى بتركيز فقد كان أحد طلاب الصف الأول الإعدادي، ذو بنية ضعيفة ولكن تعلم أن هذا الطالب مجتهد فقد دلفت إلى حصة احتياطي وتتذكره، اقتربت منه بهدوء ثم اردفت بتوجس :
-مالهم العيال دول قاطرينك ليه، قصدي يعني كانوا هيجروا وراك ليه
ازدرد الآخر لعابه بتوتر، ثم قال :
-عايزين يضربوني
-يضربوك ليه؟؟
-علشان مرضتش اغششهم في إمتحان العربي
رفعت الأخرى حاجبيها مذهولة من هذا الرد إذ قالت :
-علشان مرضتش تغششهم!؟ يعني مش بس تنمر كمان بلطجة
في عادتها لا تحب أن تدخل نفسها في مشاكل ولا تحب أن تدخل نفسها في أي مواضيع لا تخصها حتى ولو بالكلام، ولكن بعض الأمور تحتاج تدخل حين يشعر أحدهم أنه يحتاج مساعدة مثل ما حدث لرحمة وتاليا الفتاة التي سخر الطلاب منها بسبب الدورة الشهرية أي شئ لا تستطيع التحكم به ولا تقصده
والآن هذا الفتى والذي أتى للإختباء منهم في هذا الفصل محتميًا بها، وهى في هذه اللحظة أكثر شخص يعلم شعور من يتعرض للتنمر
دفعته أمامها من كتفه بخفة هاتفة بحزم :
-اطلع قدامي وتقولي مين دول واسمائهم ايه
وبرد فعل غير متوقع لها تراجع الآخر للخلف بذعر قائلًا :
-لأ انا مش هطلع مقدرش أقول حاجة هيضربوني
نظرت إليه بشفقة متفاجئة من بكاءه، يبدو أنهم يضربوه بشدة للدرجة التي تجعل فتى في سنة يبكي هكذا، وايضًا هو جسده ضعيف لا يستطيع تحمل خوض مشاجرة دون أن يكون خاسر به وأولئك الحمقى يستغلون هذه النقطة
خرجت نور من الفصل بسرعة وقد وجدت بعض الطلاب يقفون في نهاية الممر فقالت متوجسة وهى تدلف للداخل مرة أخرى :
-هما اللي برا دول؟؟ فيهم الواد اللي عامل فيها فتوة ده اسمه أدهم
وآماء الآخر بسرعة ثم أردف بنبرة مترجية :
-مس لو مش هتنزلي خليني قاعد هنا لحد ما يرن الجرس وانا بعدها هروح لجنتي
-بس انا لازم انزل علشان اعرف لجنتي في الفترة التانية
نظر الفتى حوله بخوف فقالت نور وهى تمد يدها له :
-تعالى معايا نروح للمدير وتقوله على اللي بيعملوه ثم انت ليه مش قايل لأهلك متسمحش لحد يمد ايده عليك، اللي يمد ايده عليك تلويها
مسح دموعه ولم يجب فقالت نور وقد ارتفع جانب شفتيها بابتسامة حزينة ترى صورتها به عندما كانت صغيرة :
-انا حاسة بيك مش قادر عليهم علشان هما أكتر منك واقوى منك فبتسكت، بس لازم تقول لأهلك صدقني لازم تقولهم واوعى تسكت على الظلم وإنك تفضل ساكت طول الوقت علشان هتلاقي نفسك في مكان عمرك ما تتخيل إنك تبقى فيه
شردت عينيها رغم نظرها له مباشرةً، مسترسلة :
-لوحدك، مش عارف تتعامل مع حد، بتخاف تتعامل مع الناس تتعرض وقتها للرفض وتفضل تتعرض للرفض لحد ما تتعود على السكوت وتبقى في الآخر شخص موجود بس مش متشاف
اختنق صوتها بغصة مريرة استحكمت حلقها فتوقفت، لكنها استمعت إلى صوت خلفها ينادي :
-تامر قاعد ليه هنا تعالى
استدارت ببطء ولم تغفل عن الخوف الذي أصاب الفتى المدعو تامر، أبصرت مجموعة من الطلاب يقفون فقالت بعد ثواني من التفكير :
-هو صاحبكم
وأجابها أحدهم وهو المدعو أدهم وقد سبق وتنمر على الكثير من الطلاب هو وهذه الشلة الفاشلة :
-آه صاحبنا وكنا بندور عليه
-تمام أهو قدامكم انا أصلًا ماشية
اتسعت أعين تامر بصدمة وخوف مما قالت فهل ستتركه لهم، بينما الأخرى فتحت هاتفها بسرعة وهى توالي البقية ظهرها وقد فتحت التسجيل ووضعته في جيب بنطال تامر ثم تحركت وأخذت حقيبتها وخرجت من الفصل مبتعدة عنه مسافة لا بأس بها، وعندما رأي أدهم أنها ذهبت نظر إلى تامر بشر مبطن بنبرة ساخرة :
-رايح تتحامى فيها يا كوتي، هو انا مش ناديت عليك في اللجنة علشان اخد منك سؤال النحو وانت عملت أطرش
عاد الآخر للخلف بخوف منهم فهم أربعة وهو واحد فقط، أي حتى لو حاول أن يفعل ما قالته له سيخسر بكل تأكيد، ورغم هذا حاول إدعاء القوة حتى يخرج من هنا فقال :
-انا مش هغششكم ومش هديكم مجهودي
صاح متألمًا عندما دفعه أحدهم بقوة فسقط الآخر أرضًا واغمض عينيه تأهبًا لضربهم له مستمعًا لحديث أدهم :
-شكلك عايز تضِّرب تاني
-لأ ده انتوا اللي شكلكم هتضربوا النهاردة وقولوا يارب تيجي على الضرب بس
وتلىٰ صوت نور الحاد صفعها للباب بقوة ثم سحبت أحد الادراج واغلقته به، وعندما رأى أدهم وزملائه أنها ستحبسهم في الفصل هموا بالهروب من النافذة ولكن الأخرى كانت الاسرع إذ اغلقت النوافذ بسرعة ثم وقفت أمامهم صائحة بغضب :
-على فين محدش هيطلع من هنا غير لما تتربوا من أول وجديد، ارجــعـوا لوراء يلا
عاد أربعتهم للخلف ليقول أدهم محاولًا الخروج من هذا المأزق :
-يا مس احنا كنا بنهزر بس
ساعدت نور تامر في أن يقف وقد نفضت له ملابسه وجعلته يجلس ثم استدرات لأدهم واحتدت ملامحها أكثر رغم هدوء نبرتها المبالغ به :
-بتهزوا؟! فتوقعوه صح!!
اقتربت منهم ومنه هو بالتحديد ثم وبكل قوتها دفعته أرضًا فسقط الآخر بقوة أكبر من قوة دفعه لتامر، صاح متأوهًا فقالت نور بسخرية :
-بتصرخ ليه دلوقتي ده انا بهزر
ركلته في قدمه بعنف أشد تزيد من ألمه أكثر ثم صاحت بقوة تنافس صراخه :
-بهزر معاكم مش عاجبكم هزاري
استدرات للثلاثة الآخرين ثم هوت عليهم بصفعاتها في أي مكان تطوله يديها بعدها فقدت أعصابها تمامًا وكان هذا أكبر عيوبها فلا تعلم ماذا تفعل أو تقول حين تفقد آخر ذرة عقل بها
توقفت تتنفس بعنف تنظر إليهم الأربعة وهو منذوون في ركن واحد وقد تركت صفعاتها أثر على وجوههم ورغم هذا لم تهدأ إذ صاحت بهم بغضب قائلة :
-مش عاجبكم الهزار ده علشان هو مش هزار، ده ضرب، ده تنمر وعمره ابقى أبدًا ما كان اسمه هزار
نظرت إلى تامر والذي كان يجلس مكانه يتابعها بخوف فلم يكن يعلم أنها بكل هذه القوة، سحبت منه هاتفها وأغلقت التسجيل متمتمة بتوعد وغل :
-والله لاوديكم في داهية علشان تعرفوا اني الله حق، مستقويين نفسكم على واحد يا كـــلاب
صرخت بآخر كلمة وهى ترمقهم بشر ثم صاحت :
-كل واحد فيكم يمليني رقم أبوه واللي مش حافظه يبقى رقم أمه واللي مش حافظه يديني تليفونه اطلع منه أعتقد كلكم جايبين تليفونات علشان تغشوا منها يا فشلة
كتبت أول رقم أعطاه لها أحد الأربعة لترن عليه ولم تهدأ أعصابها وعندما أجاب قالت :
-الو حضرتك والد أدهم؟!
-ايوه انا هو فيه حاجة
-فيه مصيبة عملها ولدك ولو مجتش حالًا الإمتحان هيروح عليه علشان انا مش هخليه يمتحن غير لما حضرتك تيجي
-طب فهميني هو عمل ايه؟؟ مصيبة ايه دي!؟
نظرت الأخرى إلى أدهم بغضب ثم قالت :
-الأفضل لما تيجي اتمنى متتأخرش علشان الإمتحان فاضل عليه نص ساعة يعني يا تلحق يا لا
أغلقت معه واتصلت على باقي أولياء الأمور، حتى والد تامر ثم سألته وهى تضغط على زر الإتصال :
-أبوك اسمه ايه يا تامر؟؟
نظر لها الآخر وقد جفت الدموع على وجهه :
-اسمه جورج
تعجبت ملامح الأخرى مرددة :
-انتي مسيحي!؟
وقد كانت نظرة تامر لها غريبة فسارعت في التبرير :
-لأ متبصش كده كأني هعمل تفرقة عنصرية انا ياما شوفت مسلمين أعمالهم أعمال يهود وياما شوفت مسيحين كويسين ولا عمرهم عملوا مشاكل مع حد، بالعكس دول دايمًا في حالهم
اتاها الرد من والده فقالت وقد كانت نبرته مختلفة هذه المرة رغم حزمها :
-الو انت أستاذ جورج والد تامر
-آه انا مين معايا
-انا مُدرسة في المدرسة اللي ولدك فيها لازم تيجي حالًا وتسيب أي حاجة في ايدك
-ابني حصله حاجة؟؟
نظرت الأخرى بعيدًا ثم أجابت بضيق :
-واضح إنك بعيد قوي عنه علشان هو بيتعرض للتنمر وانتوا مش عارفين وواضح برضو إنها مش أول مرة يتعرض للتنمر
أغلقت معه بعدما أخبرته بضرورة أن يأتي بسرعة وفي هذه الأثناء صاح أدهم عندما أبصر بعض الطلاب ينظرون لما يحدث من خلال النافذة :
-يا خـالـــد قول للمدير المس نور حبسانا قولوا يـجــي
اخرسته الأخرى بصوتها إذ قالت :
-ولو جه وزير التعليم نفسه مش هتطلعوا من هنا غير لما أهاليكم يجوا
ويبدو أن الأمور انفلتت منها إذ بعد دقائق تجمع الطلاب على النافذة والمدير والمدرسين يريدون منها أن تُخرج الطلاب ولكن الأخرى عنيدة لم ترد على أحد، ولكنها فكرت في الأمر بعدما هدأت وعاد عقلها، قد تكون اسقطت نفسها بمشاكل بتسرعها هذا فقد زاد الأمر عن حده
وقفت من مكانها واقتربت من تامر ممسكة بكتفه، ثم قالت بغضب وعينيها على الأربعة الذين لم يبرحوا مكانهم :
-انا هطلعكم علشان الإمتحان خلاص بعد كام دقيقة ومش علشانكم، علشان الغلبان ده ملوش ذنب يفوت عليه الإمتحان
عادت بنظرها لتامر ثم قالت بقوة :
-لما نطلعوا تقول للمدير على اللي حصل كله واوعى تخاف تاني من حد، احنا مش في جنينة تتعامل مع الناس كأنهم ورد، الدنيا دي مليانة ناس وحشة بيحبوا يجوا على الطيبين اللي زيك حتى لو معملوش ليهم حاجة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مسح وجهه بإرهاق وتعب لا يصدق أنه داخل الحجز الآن مع المجرمين بينما هو طبيب محترم لا تشوبه شائبة، وكل هذا بسبب أخيه وابن عمه، نظر إليهما بغضب شديد فقال حمزة لا يفهم لما يوجه الغضب له هو :
-انت بتبص ليا كده ليه؟! هو انا اللي كسرت المرايا ولا انا اللي عملت المقلب؟؟ ما اخوك هو السبب في ده كله، حتى مش معاه لا كارنية ولا بطاقة يطلعنا بيها غير قاعد معانا اهو زي قِلته
ختم حديثه ناظرًا إلى يونس بشرار فقال الآخر بابتسامة باردة مقلدًا نفس ما قال حين كان ثائرًا مثله :
-كريم قول لأخوك الحمار ده يوطي صوته علشان جايبلي صداع
انتفض حمزة من مكانه وهم بالهجوم عليه وإطباق وجهه المستفز هذا ولكن جذبه كريم بسرعة قائلًا :
-يا حمزة كفاية هو مستفز وانت عارف، اسكتوا بقى خلينا نطلع من هنا
نظر إلى يوسف بضيق لتأخر رقية فقد مر أكثر من ساعتين على اتصالهم بها :
-وانت كان لازم تتصل على رقية تيجي ما كنت قولت لأبوك ولا ابويا
ابتسم الآخر بسخرية قائلًا :
-عايز نتصل عليهم نقولهم تعالوا خرجونا من القسم، انا عمري ما دخلت الحجز في حياتي
ضحك حمزة بتهكم شديد مرددًا :
-ولا انا عمري ما عملتها وتحصل يوم عيد ميلادي ويتقص شعري
اغمض عينيه بحسرة شديدة صائحًا :
-اروح ازاي انا معرض الكتاب بشعري المقصوص ده
-ده على اساس انك أحمد عز ورايح مهرجان الجونة، ده انت بتروح متخفي كأن عليك تار، اللهو الخفي بسلامته
أدار حمزة رأسه له ببطء ثم نفض ذراع كريم بعيدًا عنه لاكمًا يونس بعنف وقد احتدت مشاجرة أخرى بينهما، وهذه المرة لم يحرك يوسف ساكنًا بل ظل يرمقهما بضيق شديد دون التدخل وفي هذه الأثناء صاح أحد السجناء وقد أصابه الصداع منذ دخول هؤلاء الأربعة :
-ما خلاص بقى انا مش عارف أنام منكم
ورفع حمزة رأسه له هادرًا به بغضب :
-إن شاء الله عنك ما نمت ما تولع نعملك ايه يعني
وقف كريم ويوسف بسرعة عندما ابصرا ذلك الرجل يقف ولم تكن ملامحه تدل على أنه شخصية لطيفة أبدًا :
-انا تقولي أولع؟! لأ ده انت ناوي على موتك النهاردة، انت متعرفش انا مين يلاه
وقف يونس أمامه وجعل أخيه وأبناء أعمامه خلفه فهو أدرى الناس بالتعامل مع هذه الفئة من الناس :
-هتكون رئيس الجمهورية مثلًا، أرجع مكانك وعدي اليوم ده خير
انفتح باب الحجز وقد أوقف العسكري مشاجرة كانت على وشك النشوب :
-الأربعة اللي جم في خناقة يطلعوا قدامي يلا علشان في حد جه يضمنهم
وكان يوسف أول الخارجين من هذا المكان القذر يسب حمزة ويونس وحتى كريم المسكين تلقى نصيبه من السباب فقال متذمرًا :
-وانا مالي يا يوسف بتشتمني ليه؟؟
-اسكت انت كمان، انا هقطع علاقتي بيكم أول ما أخرج من هنا
توقف الأربعة بعد أن ولجوا إلى مكتب الضابط الذي ألقى القبض عليهم وقد استقامت رقية بسرعة ملتقطة لهم صورة ثم قالت ضاحكة :
-دي صورة للذكرى في أول مرة دخلتم فيها الحجز
حدقت بالصورة قليلًا ثم رفعت رأسها لحمزة مذهولة أنه قص شعره، ربما آخر مرة كان شعره قصيرًا بهذا الشكل كان هو في الثانوية :
-حمزة انت قصيت شعرك؟!
نظر إليها الآخر بحنق واضح ثم قال :
-اخوكي الفالح إلهي يتشل
نظر له يونس بطرف عينه مضيفًا :
-لم لسانك يا حمزة انا لامم إيدك عنك بالعافية
أقترب منهم الضابط وبالتحديد من يونس إذ أعطاه بطاقته وبطاقة الأحوال المدنية ثم قال :
-اتفضل يا يونس باشا اخت حضرتك دفعت التعويض لصاحب المحل وهو اتصالح تقدر حضرتك تمشي
خرج خمستهم من القسم ليقول يونس وهو يرى سيارته أمام القسم وعلى الأرجح قد أتت بها رقية :
-حد عرف إننا في القسم؟؟
ونفت الأخرى وهى تخرج مفاتيح السيارة من حقيبتها :
-لأ انا قولت لماما نازلة اشتري حاجة بس انتوا هتقولوا ايه لما يشوفوا مناظركم دي
ختمت حديثها مشيرة إليهم إذ كانت هناك بعض الكدمات على وجوههم بالأخص حمزة ويونس، ثم استرسلت مشيرة إلى كريم :
-بس اشمعنا كريم مش مضروب!؟
وصاح الآخر بها بنبرة متهكمة وهو يصعد إلى السيارة :
-مش كفاية دخلوني القسم وانا معملتش حاجة كمان عايزاني اضِّرب!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صمت وفراغ شديدين احتلوها بعد آخر محادثة حدثت بينها وبين سفيان، من يومها لم يظهر ومن يومها وهى تفكر في حياتها التي لم تعد حياة تحتمل بالنسبة إليها، حتى الموت لا يريدها
تشعر أنها لم تعد كما هى وكأن هناك سواد شديد أخذ يحاوطها ويبتلعها ببطء شديد وهى مستسلمة له تمامًا فلما ستقاوم؟! ولمن ستقاوم؟؟
مر عشر سنوات على صمتها والآن حان وقت الانفجار وخروجها من قشرتها لتريَ سعاد وغيرها النسخة الغير آدمية التي صنعوها
اعتدلت من فوق الفراش بعدما انهت الطبيبة فحصها ثم قالت بابتسامة هادئة :
-انتي دلوقتي كويسة خالص وكمان عملنا ليكي تحليل دم تاني تتأكد اني سم الدومويك اختفى من جسمك واتضح أنه اختفى خالص ومع العلاج مش هترجعي تتعرضي لأي نوبة صرع تانية
عقدت هاجر حاجبيها من الاسم الذي ذكرته فسألتها متوجسة :
-سم الدومويك؟؟ انا جسمي كان فيه السم ده؟؟
-آه السم ده بيعمل فرط تحفيز في الجهاز العصبي وممكن يسبب نوبات صرع، يعني انتي مش مريضة صرع انتي كنتي واخدة سم
تذكرت هاجر علبة العصير تلك والتي اعتقدت أنها فاسدة، يبدو أن سعاد اذكى مما توقعت فقد وضعت لها السم في العصير حتى تأتيها نوبات الصرع كما كان يحدث لها سابقًا، وكثرة تشنجاتها ستؤدي إلى إجهاض
امرأة ذكية ولكن لم تحزر فبعد فقدانها للأمل الوحيد الذي كان سيجعلها متمسكة بالحياة لم تعد تبالي إن كانت ستحىٰ أم ستموت، وفي كلتا الحالتين ستجعل سعاد تدفع ثمن كل لحظة ألم جسدي ونفسي سببتها لها
لن تصمت بعد الآن فما عاد هناك شئ تخاف عليه أو منه
نظرت إلى الطبيبة ثم قالت :
-انا عايزة أخرج من هنا
آماءت لها الأخرى بهدوء ثم قالت بنبرة عملية :
-تمام هبعتلك ممرضة تساعدك
رحلت الطبيبة بينما أعادت هاجر رأسها للخلف تفكر في طريقة تؤلم بها سعاد ولم تجد لديها أغلى من المال ثم شكلها أمام المجتمع ثم أبنائها ولكن هى من حقها الثُمن فقط في الميراث ولكن لا بأس تستطيع أن تفعل الكثير بهذا الثُمن ضدها
اعتدلت في جلستها عندما طرق الباب فظنت أن الطبيبة قد عادت لذا سمحت بالدخول وقد تفاجأت أن الطارق هو عادل، تبسم الآخر لها ثم ولج إلى الداخل هاتفًا بنبرة راقية :
-حمد الله على السلامة
-مفيش سلامة يا عادل ومش هتبقى فيه سلامة تاني امك قتلت فيا آخر حاجة كان ممكن أسيب الدنيا علشانها بس خلاص خدتها مني وعليا وعلى أعدائي
ورغم قسوة ما قالت إلىٰ أن نبرتها كانت مقهورة بشدة، وقف عادل أمامها ولم يبالي بأي كلمة مما قالت بل قال بهدوء :
-انتي لازم ترجعي معايا علشان بعد يومين إعلان الميراث ووصية المرحوم، تخيلي كتبلك النص لوحدك من كل حاجة
رفعت رأسها له مصدومة مما نطق به هل بالفعل كتب حاتم لها النصف في كل شيء، ويلي ستجن سعاد عندما تعلم هذا، ضم عادل ذراعيه خلف ظهره محدقًا بها بأعين زرقاء هادئة ثم قال :
-ليكي النص في العمارات والمطاعم والشركة، حتى الفيلا ليكي النص فيها وكلهم هيتكتبوا باسمك علشان كده لازم تبقي موجودة، عبد الرحمن قالي إن بابا كتب كده في وصيته علشان هو كان موجود معاه يومها
ابتسمت هاجر وقد انمحت الطيبة من عينيها ولم تعد عينيها البنية الهادئة كسابق عصرها بل احتلتها قسوة الزمن، ولوثت براءتها وطيبتها نفوس الناس المريضة، هذا العالم لا يحتاج إلى الطيبة فإن لم تكن ستأخد حقك بيدك فلا تعتقد أن هناك من سيجلبه لك
رأى عادل الإنتقام في عينيها ورغم كونه قاتل متسلسل إلىٰ أنه قال محاولًا ارجاعها عن الذي تنتويه، لا يريدها أن تصبح مثل باقي من يعيشون في الطبقة الارستقراطية، يملأ معظم الغل والسواد مثله ومثل كاظم ووالدته، حتى أبيه واخوته ليسوا بملائكة ولكن هى لا تزال تحتفظ ببعض النقاء داخل قلبها :
-بلاش يا هاجر خدي نصيبك وبلاش تخلي سواد الناس يلطخك معاهم
-انا السواد لطخني من زمان يا عادل من وقت ما حاولت اقتل نفسي وحاولت اقتلكم
-مكنتيش في وعيك انتي كنتي مريضة
نظرت له بحدة ثم صرخت بغضب وهى تقف من مكانها :
-ومين السبب في ده مش أمك، مين اللي كان بيحطلي الدواء في الأكل والعصير مش أمك، مين اللي سقطني تلات مرات وحرمني منهم قبل ما اشوفهم حتى؟؟ امك عملت فيا كتير وانا سكت كتير علشان كنت خايفة بس خلاص انا مبقتش خايفة ومبقاش ليا حاجة أخاف منها خلاص كده جه وقت الحساب
احتدت عينيها بطريقة جعلته يدرك أن هاجر قد دلفت إلى المستنقع وقد لا يكون لديها فرصة في أن تخرج منه :
-انا هخلص حقي منها ومن كل اللي اذوني وأمك أولهم
طرقت الممرضة على الباب ومعها ملابس هاجر بعد أن قاموا بتنظيفها، أخذتها هاجر منها ثم دلفت إلى المرحاض وغيرت ملابسها وقد وجدت عادل لا يزال جالسًا في انتظارها ثم قال بهدوء عندما ابصرها خرجت :
-انا دفعت حساب المستشفى فيه مكان معين هتروحيه اقدر اوصلك
-فيلا أبوك
آماء بهدوء ثم استقام وتقدمها بينما سارت الأخرى خلفه وهى تحدق في ظهره محتارة، عادل شخصية غامضة بشدة لا تعلم عنه الكثير بل لا تعلم عنه أي شئ، كان يدافع عنها بإستمرار وسبق وأنقذها من الموت أكثر من مرة هو وشقيقته الصغيرة لمار، لذا هى تخرجهما من حساباتها
جلست بجانبه في السيارة وانطلق الآخر نحو فيلا والده حيث تجلس والدته يأكلها الذعر على كاظم
تحدثت هاجر قاطعة الصمت الذي احتل السيارة إذ قالت :
-انت جيت علشان تقولي ليا نص الميراث؟؟
-آه
نطق بها الآخر مختصرًا الإجابة فقالت هاجر وهى تنظر إلى ملامحه التي تشبه ملامح حاتم كثيرًا :
-عارفة إنك مش زيهم وانت النضيف اللي فيهم يا عادل
ابتسم الآخر ساخرًا منها فعن أي نظافة تتحدث وهو يعمل قاتل، لقد مر خمس سنوات على عمله في هذا المجال بعد أن اكتشف بالصدفة أن أخيه يعمل قاتل متسلسل، وعلى عكس المتوقع من أي اخ لم يثور أو يُصدم بل سأله سؤالًا واحدًا "لما تفعل هذا"
وقد كانت إجابة الآخر غير عقلانية بالمرة جعلته يدرك أن أخيه على الأرجح مريض نفسي وهو بالفعل كذلك منذ موت حبيبته الأولى، وهو يظن أنها لا تزال حية رغم أنه من قتلها بنفسه ثم أصابه الجنون من بعدها :
-بقتلهم علشان اريحهم يا عادل، علشان ميبقوش في يوم من الأيام زيي، انا برتاح أوي وانا شايفهم بيموتوا قدامي ويروحوا مكان أحسن من هنا بكتير
علم بعد ذلك الحين أن هناك من يساعده على إنجاز مهام القتل وهم من يأتوا له بأسماء الضحايا منهم أبناء كبار الدولة أو أقاربهم ويكون قتلهم كتهديد لهم حين مخالفة أحد الأعمال الغير مشروعة
لم يبالي بكل هذا الحديث بل كان يبالي بنبرة كاظم وكأنه يصف له أكثر شئ ممتع يقوم به، شعر بشعور غريب وكأنه يود أن يجرب الأمر فقد كانت هناك رغبة عارمة آنذاك الوقت تدفعه لسفك دماء أحدهم
لم يهتم بأن هذا محرم وغير قانوني كل ما أراده هو أن يجرب ثم بعد ذلك أصبح كإدمان كلما شعر بالغضب الشديد والسخط يطلب من كاظم أن يعطيه أحد مهماته حتى يرى الدماء وهى تسيل أمامه، حتى يشعر أنه قوي قادر على فعل أي شئ حتى القتل
نظر إلى هاجر بجانبه بحسرة التمعت في عينيه رغم برود ملامحه، قادر على فعل أي شئ ولكن فشل في أن يتزوج من الفتاة التي أحبها من صميم قلبه
ومنذ ذلك الحين وهو غارق في ذلك المستنقع بل وأصبح قاتل سيكوباتي مثل أخيه
توقف أمام الفيلا لتهبط منها هاجر وقد هبط خلفها حتى يرى الحريق الذي سيندلع فوالدته ليست امرأة هينة ويبدو أن هاجر انسلخت عن رقتها وطيبتها وستخرج منها نسخة لا تبشر بالخير
ولجت هاجر إلى الفيلا ثم وقفت في منتصفها منادية على سعاد بكل قوتها :
-ســعــاد انزلي علشان عندي خبر هيجلطك
خرج الخدم من المطبخ ووقفوا على عتبته يشاهدون ولأول مرة هاجر الزوجة الثانية لحاتم ترفع صوتها في منتصف المنزل متحدية سعاد هانم، هبطت سعاد على الدرج مندهشة من وجود هاجر هنا وفي هذا الوقت، فقد أخبرها أحد الرجال الذين تثق بهم أنها في المشفى في حالة صعبة بشدة بعد أن فقدت جنينها
نظرت هاجر حولها وقد كانت العائلة بأكملها مجتمعة بنات حاتم وازواجهم وعادل، الجميع بإستثناء كاظم بالطبع والفتاة الثانية وزوجها فهم خارج مصر، اعتدلت في وقفتها ترمق سعاد بقوة والتي هبطت آخر الدرجات هاتفة بغضب :
-انتي بتعملي ايه هنا؟؟
-بيتي يا سعاد
نطقت بها بنبرة قوية وعلى ثغرها اتسعت ابتسامة واسعة تستمع إلى صياح الأخرى :
-بيت مين انتي صدقتي نفسك إنك مرات المرحوم، انتي أول ما خطت رجلك برا البيت ده وانتي ملكيش حاجة
واكتفت هاجر برد عادل الذي اثلج قلبها، منتشية بصدمة سعاد الواضحة :
-لأ هى معاها حق، عبد الرحمن شاف الوصية بعد ما بابا الله يرحمه ادهاله، وهو قالي لازم هاجر تكون موجودة يوم إعلان الوصية علشان ليها النص في كل حاجة
ضحكت هاجر بسخرية رغم أن ما تقوله سيؤلمها قليلًا :
-حاتم استخدمني كتير علشان يحرق دمك انتي وعيالك في حياته وفي مماته
نظرت إحدى بنات سعاد لزوجها بسرعة والذي يكون هو عبد الرحمن _محامي العائلة_ فآماء الآخر بهدوء كرد فعل على سؤالها :
-الكلام ده بجد يا عبد الرحمن؟!
-آه بجد الله يرحمه كتب كده فعلًا
نطق بها بهدوء شديد متابعًا ما يحدث، خاصةً هاجر التي تحركت من مكانها وجلست على الاريكة الفاخرة بأريحية كاملة ثم قالت ملاحظة بهوت وجه سعاد الواضح :
-براحة على نفسك يا سعاد لأحسن الصدمة تجلطك ولا حاجة
اقتربت منها سعاد بغضب وكأن خطواتها تدك الأرض أسفلها، رفعت يدها هاممة بصفع هاجر وقد توقعت الأخرى هذا فوقفت ممسكة رسغها قبل أن يصطدم في وجهها، ثم وبكل قوتها دفعتها للخلف على الطاولة الزجاجية فسقطت سعاد عليها بعنف وقد تحطمت الطاولة وغرزت بعض الشظايا في ظهرها
اهتز البهو بصرخات سعاد المتألمة، وانتفض الجميع مهرولين لها حتى عادل نفسه تحرك بينما هاجر مكانها ولم يرف لها جفن بل تشعر وكأن قلبها سيتوقف لشدة إنفعالها
اقتربت منها كبرى بنات سعاد هادرة بها بغضب :
-انتي مجنونة؟! انا هوديكي في داهية لو ماما حصلها حاجة
وغضبها هذا لم يساوي شيئًا في غضب هاجر والتي صرخت بها بطريقة افزعت جميع الموجدين فبدت لهم وكأنها فقدت عقلها تمامًا :
-انا فعلًا مجنونة ولا انتي نسيتي؟! انا مريضة تهيؤات وهلاوس وصرع وعندي دكتور يثبت، حاولت انتحر سبع مرات آخر مرة كانت إمبارح، حاولت اقتلكم قبل كده وحاولت اخنق سعاد وزقيت لمار من على السلم كسرت رجلها وكنت هولع في البيت باللي فيه، وده كله في نوبات جنوني يعني بالميت كده لو قتلتكم كلكم دلوقتي مش هاخد فيكم ساعة سجن هتحول على مستشفى المجانين
احتدت نظراتها بشكل مخيف وزاد صراخها، وأحمر وجهها، ونفرت عروقها، ثم استرسلت وهى تحدق في ملامحهم القلقة :
-ولو حتى اتعدمت مش هيهمني علشان مبقاش فيه حاجة تهمني ولا أخاف منها ولا أخاف عليها، قلبي مات خلاص ومستعدة اعمل حاجة تيجي في دماغي حتى لو هقتلكم كلكم وادخل فيكم السجن، دوقوا بقى الشخصية اللي انتوا عملتوها علشان هندمكم على كل لحظة ظلمتوني فيها وقلبتوا فيها حياتي لنار، اقسم بالله لأحرقكم كلكم بنفس النار اللي حرقتوني سنين بيها
دفعتها من أمامها متجهة إلى الدرج ثم وقفت على أولى درجاته تنظر إليهم بقوة متشفية بنظرات الصدمة التي تعلو وجوه البعض، والخوف على البعض الآخر ثم تركتهم وصعدت
حل الصمت على المكان ينظرون إلى بعضهم بذهول مقسمين على أن من كانت تتحدث ليست أبدًا بهاجر، بل امرأة تشربت القسوة والظلم لسنوات وحان وقت الانفجار غير مهمتة إن كانت نيرانها ستحرقها هى أيضًا، فكل ما تريده الآن ويستحوذ على عقلها هو حرق الجميع بنفس النيران التي انكوت بها لسنوات...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلست على أقرب مقعد هاربة من رئيسة الممرضات، تلتقط أنفاسها أخيرًا بعد أن ظلت تعمل في كل الأقسام، عجبًا وهي من كانت تدعي على يوسف ليل نهار لأنه يجهدها، الآن باتت تتمنى لو لم يتغيب اليوم
اغمضت عينيها بإرهاق وهى تعيد رأسها نحو الجدار خلفها، متذكرة صباحًا ذلك الموقف المحرج الذي تعرضت له مع يوسف في المصعد، ربي لا تعلم لما جميع المواقف المحرجة تمر مع هذا الراجل، فمرة ابصر خصلات شعرها، ومرة رآها بإحدى مناماتها الضيقة
وتلك المرة صباحًا كانت الأسوء لا تريد أن تريه وجهها بعد ذلك الموقف، إذ خرجت من الشقة مستقلة المصعد حتى لا تتأخر، وكانت تبحث عن شئ داخل حقيبتها لذا لم تهتم من بداخل المصعد
والته ظهرها وهى تخرج محفظتها تتأكد من وجود بعض الفكة من أجل المواصلات بينما يوسف عاد للخلف ملتصقًا بالجدار وقد غض بصره عما رآه ولكن شعر بغيرة عليها من أن يرآها أحدهم هكذا لذا فضل أن تشعر بالحرج الآن منه أفضل من يوقفها أحدهم في الشارع
-براءة
استدارت الأخرى للخلف محمحة بحرج ولتوها لاحظت أنه يقف معها داخل المصعد بمفردهم :
-صباح الخير
بلل الآخر شفتيها ثم هتف مترددًا :
-ينفع تنزلي الجيب علشان مرفوعة
نظرت الأخرى لجيبها الأسود الطويل والذي من طوله يغطي جزء من حذائها، رفعت رأسها له وكاد أن تستفسر كيف تنزله وهو طويل بالفعل ولكن الآخر سبقها بما جعل عينيها تتسع مذهولة إذ قال :
-الجيب من وراء مرفوعة لفوق أوي ومبينة بنطلون البيجاما بالطول
ازدردت براءة لعابها الذي جف من شدة الحرج وقد عادت للخلف كثيرًا حتى التصقت في الباب، ساحبة جيبها الذي التصق طرفه السفلي في البنطال من الأعلى بعد خروجها من المرحاض تمامًا، تبًا لنور لما لم تخبرها أن الجيب مرتفعة لأعلى وتُظهر ما لا يجب أن يظهر
أبعد يوسف عينيه عنها حتى لا يحرجها أكثر وقد توقف المصعد مضيفًا موقفًا محرجًا آخر على براءة التي كانت تلتصق في الباب وعندما توقف المصعد في الطابق الأرضي فتح أحدهم الباب من الخارج فسقطت هى أرضًا أمام يوسف الذي حاول جاهدًا كبت ضحكاته عليها حتى لا تصرخ به مثلما فعلت شقيقتها مع يونس في موقف مشابه لهذا
تأوهت الأخرى بصوت مرتفع مطلقة السباب المنخفضة، لا تعلم على من ولكنها تطلق دون اكتراث كأغلب من يتعرضون لمواقفٍ كهذه، ساعدتها المرأة التي فتحت الباب معتذرة منها حتى يوسف اعتذر منها وهو يرفع لها حقيبتها من على الأرض متمتمًا بعدة كلمات منخفضة زادت من حرجها :
-معلش بس في العادة بتحصل مواقف محرجة كتير ما بين اتنين رايحين يتجوزوا فمتتضايقيش
وهكذا بدأ يومها بالحرج وسينتهي بتعب، ولا تدري ماذا قد يحدث في باقي اليوم فهى ليست مستبشرة
رن هاتفها فرفعته مبصرة والدتها هى من ترن فأجابتها وبعد التحيات واسألتها عن كيف حالها ومتى تنتهي فترة التدريب، قالت :
-بقولك ايه حسن هيوصل إسكندرية مع إسماعيل هو هيقضي حاجة هناك ويخلصها تجيبي نفسك معاه وترجعي البلد
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب قائلة :
-ارجع البلد ليه يا ماما بقولك لسه قدامي تلات شهور
-ما انتي يومين وهترجعي إسكندرية تاني
-وانا هعمل ايه في اليومين دول ثم مش عارفة هيرضى الدكتور يديني أجازة ولا لأ، ده تسع شهور المفتري مرضيش يديني أجازة غير لما كنت هفيص خالص
وأجابتها الأخرى وهى تنظر إلى زوجها الذي يتابع الحديث :
-لأ ما هو هيرضى يديكي أجازة علشان ابوه لسه قافل مع ابوكي وهو وأهله جايين يتقدملوك بكرة
رمشت براءة بأهدابها ولم تستوعب ما قالت وأنه تقدم لها بالفعل، اخفضت هاتفها، ودق قلبها، وارتفع تنفسها وبشكل لا إرادي، اتسعت البسمة على وجهها بشكل لم تمنعه فهى في النهاية فتاة ويدق قلبها بتوتر ومشاعر غريبة عندما تعلم أن هناك رجل سيتقدم لخطبها
وهذا ليس أي رجلًا بل صاحب المواصفات المطلوبة في ذهنها، أجل لا تنكر أعجبت كثيرًا بيوسف عندما قابلته لأول مرة وقد تخيلت أنه في يوم من الأيام سيتقدم لها مثل الأفلام التي يعجب الطبيب بالممرضة، ولكن مع مرور الوقت طردت هذه الفكرة من رأسها فالواقع لا يقول هذا فالطبيب لا يتزوج إلا من فتاة بتعليم عالي مثله
وها قد خالف يوسف القاعدة فالطبيب الوسيم سيتزوج من الممرضة، يوسف يريد أن يتزوجها
