رواية عملتان لوجه واحد الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم آية الطري
٣٤- مَن الثاني؟
جاور من يخاف الله، وحاور من يحترمك، وشاور من يحبك، وصاحب من يفهمك، وابتعد عن الجاهل وإياك وصحبة اللئيم فإن الفضل معه عقيم، واتخذ من الطيبين خِلان يجازوك الإحسان بالإحسان، اجبروا الخواطر، وراعوا المشاعر، وانتقوا كلماتكم، وقولوا للناس حسنًا، وعيشوا أنقياء، فهذا نهج الأنبياء...
+
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
+
فضلًا، كومنتاتكم اللطيفة عشان بتساعدني أعرف نقاط الضعف اللي في الرواية، enjoy
+
----------☆☆☆☆☆
+
لا يعرف كيف وصل وِجهته، قطع طريقًا دون أن يدري بما مر وما رأى، حتى سَمعِه احتُجز عند اعتراف ذلك الغريب، مَن أنقذ حبيبته، أخبره كيف صينت له، أطلق الصراح لأحلامه كي تعود لمستودعها، وجعه لم يعد له معنى، تبخر مع تلك الكذبة التي استهلكت أيامهما وعكرت صفو فرحتهما وأفقدته لذة النصر بزواجه منها...
+
تمالك أعصابه وطرق الباب بهدوء يشرح تيه الطارق ورغم تأخر الوقت لم تأخذ الكثير وفتحت له بلهفة، بالفعل كانت تنتظره بفارغ الصبر لتطمئن على أخيها، اندفعت تستجوبه بسرعة:
_" شادي قابلته؟؟ كلمته هو كويس؟؟ ينفع تاخدني عنده.... سألك عني طيب!!! "
+
استفساراتها كثيرة متلهفة جعلته لا يفقه الرد فقط وقف ينظر لها كمَن يتأملها أو يرسم لها صورة جميلة أجمل من كل ما سبق...
+
شعر بيدها تدفع ذراعه برجاء أن يُجيب، ذلك الذراع الذي تحرك ببطء و سحبها نحوه بغتة، أخذها في عناق يشبه تنفس الصعداء بعد ركض أميال، لم تبادله عناقه الغريب غير المبرر ذاك بل ارتجفت نبرتها لينجلي فيها الخوف:
_" سيف كويس مش كدة؟!! "
+
شعرت بوقع ذقنه فوق كتفها وهو يومئ بتأكيد جعلها تتنهد في راحة، واستكانت تسمع أنفاسه العميقة بصمت لا تعرف ما أصابه، يشدد من عناقه أكثر كأنه يجدد مشاعره نحوها ثم ابتلع ماء حلقه وهمس أخيرًا بكلماتٍ لازالت مبهمة بالنسبةِ لها:
_" كان معاكِ حق... احساسك كان صادق... ماحصلش حاجة "
+
تجعدت ملامحها واحتارت ان كان مقصده خيرًا أم شرًّا، ابتعدت عنه بتريث ونظرت له تتساءل فارتسمت ابتسامة آملة حزينة على وجهه وهمس ضاغطًا على كل حرف يُخرجه:
_" عيشنا وجع مش حقيقي، كدبة مش عارف أزعل منها ولا أفرح عشان قربتني منك "
+
خفق قلبها حينما بدأ عقلها يتجاوب مع غرض كلماته فهمست بتوجث مرهق:
_" انت بتتكلم عن... عن الحا..دثة ال... "
+
توقفت الأصوات حولها واختصرت في جملته وهو يردد بنبرة اختنقت بالبكاء مزيج من الإرهاق والغبطة:
_" مقربش منك يا سلمى... ربنا حفظك منه... لما قولتيلي انه أرحم من انه يعاقبني عقاب زي ده كان لازم أصدقك"
+
شهقتها الساكتة آلمَت موضع الكسر في صدرها تناظره بحدقتين اتسعتا في رجاء أن يعيد صياغة مقصده، مرة أخرى هز رأسه بقوة يؤكد لها ما فهمت وهو يغمض عينيه يستكمل بيقين:
_" مالمسكيش... والله مالمسك.. شوفت التسجيل بعيني... والله ربنا حفظك ليا "
+
لم تعد شهقات فقط بل تطورت لفيضان من الدموع تسد خانات الألم، تعيد الحياة في جسد اشتاقها، كلمات تسقط على شروخ نازفة كترياق طال انتظار وصوله، ما أبشع أن تُسرَق دون أن تشعر وما أجمل أن تظفر بما سُلب كأنما لم يُسلب يومًا....
+
_" شادي! " لم يكن نداء بل استغاثة، توسل، استئذان، انت لا تكذب! تقول ما حدث ليس ما تتمنى أن يحدث!!
+
هو فقط يؤكد لها بنبرته تلك الحاملة لكافة معاني الراحة في هيئة دموع لا تتوقف والأخرى تردد بلهفة كالغريق الذي للتو لمس رمال الشاطئ:
_" طب ازاي!!! وكلام الدكتور!؟ والمستشفى؟! ازاي كل ده غلط؟!!! "
+
ربت على رأسها بحنان وهو يردد كي يهدأ من انفعالها:
_" هفهمك.. هفهمك اهدي "
+
حركت رأسها بسرعة في طاعة تنتظر شرحه وهو يأخذها للأريكة يُجلسها بحذر قبل أن يتنهد قائلًا:
_" لما فقدتي الوعي فيه شخص كسر الباب ودخل بِعد الحيوان ده عنك... وقفلك نزيف الجرح اللي في دماغك وأخدك للمستشفى... والاتنين اللي كانوا معاه مسكوا الواد عدموه العافية بعدها أخدوه معاهم... ده اللي شوفته في الفديو "
+
كانت تكتم صوت بكائها بيدها، عينيها تتحرك مع حركة شفتيه حتى انتهى فحررت صوتها وتمتمت بتقطع:
_" فيديو ايه؟؟ "
+
تنهد بهم وهو يرد بنبرة ظهر فيها العتاب جليًّا:
_" شقته كان فيها كاميرات... أخدوا كل التسجيلات منها وشالوها عشان أبوه مايوصلش لحاجة "
+
بالفعل الوضيع سبق وجهز لها فخٍ محكم، زرع المراقبة في أرجاء المكان ثم استدرجها بمكره وهي دون وعي وقعت له دون مجهود يذكر...
+
تفاقم بكاؤها كأنها للتو أدركت بشاعة فعلتها، هروب عينيه منها جعلها تردد بندم يطبق على صدرها:
_" حقكم عليا... ندمانة واللهِ... سامحني من قلبك عشان خاطري.... ماكنتش بسمحله يقربلي والله... أنا مش وحشة بس خدعني قال أنه محتاجني في شغل على اللاب... مافكرتش وطلعت معاه... كنت غبية وماتخيلتش كل ده يحصل"
+
كأن الأمر حدث للتو، كلامها يُعيد لذاكرته حقيقة حبها لغيره، انصرفت أفكاره نحو زواجهما، لم يعد هناك مبرر له، حجته الواهية تلاشت وتلاشى معها تمسكه بذلك الرابط الذي فرضه عليها بواجب الحماية، لكن الآن هي أحق أن تختار...
+
تنهد بهمٍ وهو يلتفت لها في هدوء مفتعل جعلها تتفاءل أن يتغاضى عن ذلك الماضي للأبد لكنه أصابها في مقتل بقوله الجاد:
_" عشان فرحتك بالخبر ده تكمل حابب أطمنك إن قريب قوي هترجعي حُرة... سامحيني عشان فرضت عليكِ جوازنا بس خلاص ماعدش ليه داعي... "
+
ثم تظاهر بالضحك وهو يشاكسها ماسحًا عينيه:
_" أرجع بقى مجرد أبيه شادي! "
+
حدقت فيه بشدوه خاصة لابتسامته العجيبة تلك، تُحاول إستكشاف إن كان يتحدث جديًّا أم يمزح، لم ترى في وجهه أي علامات للمرح بل جِدية مقيتة أرغمتها أن تومئ بضياع، مَن هي لتطالبه بالاستمرار معها وهي تعرف بوجود أخرى في حياته...
+
_" تعرفي! سكر هينبسط جدًا بالخبر ده، هي مجدة بس اللي هتنشن شوية بس تمام يعني هتنسى"
+
هكذا استكمل بنبرته التي تزيف فيها المرح، لكنه تفاجأ بها تقف وهي تردد بصوت يحتجز البكاء خلفه:
_" فكرتني... هشوف ماما "
+
قالتها وهرولت من أمامه تكتم شهقاتها من حديثه الجاف تشعر للمرة الأولى ببذور حبه النابتة في قلبها والتي ظمأت أثر كلماته،
+
أما هو تصلب فكه يمنع انهياره الوشيك، ظن أنها ستتمسك به ولو قليلًا لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وقف بسرعة وكاد يتحرك للخارج يفر من ضيقه لكن صرختها المستغيثة بدلت وجهته فورًا:
_" ماما!!!!... الحقني يا شادي !! "
+
----------------
+
تسلل لغرفتها ضوء الشمس ليجدها مستيقظة، يبدو لم تنم إلا القليل، ليلها قضته تفكر في كل ما يدور حولها، لم تعترض على البقاء معه فلا ملجأ لها غيره لكن تخشى صمته، غرابته تُثير مخاوف لعينة داخلها، لم تقوَ حتى على سؤاله لم يتمسك بها إلى الآن، وهل سيبقى معها أم يومًا ما سيتخلى....
+
انتبه سيف لوقع طرقاتها الخافتة فوق باب غرفته فانتهى من تجهيز نفسه وخرج يتساءل في قلق:
_" محتاجة حاجة؟ "
+
_" أنا ليه هنا؟! " باغتته بسؤالها الصريح ذاك بعدما عجزت أن تجد الجواب وَحدها، فتنهد بثقل وأجاب بسؤالٍ بائس:
_" عايزة تمشي؟! "
+
اختنق حلقها بغصة مريرة تهمس وهي تحرك كتفيها بقلة حيلة:
_" هروح فين؟ "
+
بلل شفتيه قبل أن يعرض عليها أمرًا عله يريحها، هو يتفهم رغبتها في عدم الاختلاء به في منزل واحد لكن كان مضطرًا لفعلها:
_" لو حابة هرجعك الحارة، ماتخافيش كلهم هيرحبوا بيكِ "
+
_" و انت مش هترجع؟! " قالتها بنبرة تحمل أمل لم يكترث به بل رسم ابتسامة لا تتعدى شفتيه وقال:
_" ماعادش ينفع لا بقت الدار داري ولا الأهل أهلي "
+
صمت يهرب بعينيه التي تتبعها نظراتها قبل أن تصدمه برجائها الغريب:
_" عايزة أقابل عز "
+
تجهمت ملامحه على الفور بمجرد ذكر اسمه، احتدت نظراته نحوها ونهرها بتهكم:
_" ماكنش فيه داعي تلفي اللفة دي كلها عشان تقوليها... أنا خيرتك من الأول يا بتول، ما أجبرتكيش تيجي معايا "
+
سمع شهقتها التي أعربت عن بدء بكائها المتعب وهي تعاتبه بإرهاق:
_" ليه بتفهمني غلط؟... انت مش بتحاول تفهمني أصلًا، أنا خايفة منك يا سيف "
+
صدمه اعترافها! ماذا فعل لتخافه، لم يقدم لها سوى الأمان منذ دخل حياتها إلى أن غامر بروحه لانقاذها، حتى البقاء معه لم يجبرها عليه...
+
_" خايفة؟! "
+
ابتلعت ريقها وهي تكفف دموعها وأومأ تؤكد كلامها ثم قالت بخفوت:
_" اتخليت عنهم، ممكن تتخلى عني أنا كمان... خايفة تسيبني، مش هلاقي حد معايا "
+
لم تصله الصورة كاملة، كلماتها تعبر عن مجرد حاجة له أم رغبة حقيقية في وجوده؟، أتراه مثلهم مجرد بديل يمكن تعويضه بآخر، انقبض قلبه عند هذا الاستنتاج لكن لم تتركه في حيرته كثيرًا بل ضاع مع كلماتها التالية بنبرة مرتجفة متقطعة:
_" سيف... انت.... انت بدايتي.... أول أمل حسيت بيه يوم ما شوفتك في الفيلا... حسيت إني لقيت مفتاح قيود حبساني في مكان بيخوفني..... أول نظرة للعالم كانت معاك.... كل شخص عرفته انت اللي قدمته ليا... سلمى وسكر ... و طنط ماجدة و شادي... حتى... حتى عز مارجعش غير لما انت جيت... "
+
شهقت وتوالت دموعها مع أنفاسها المرتفعة يصل صداها لقلبه تستكمل بهمس ضعيف يأثره:
_" كل يوم جديد بيبدأ بيك.... بخاف تغيب واليوم مايبدأش... بخاف تطلع حلم وألاقي بتول على سرير في أوضة عمليات من جديد... مش قادرة أتكلم ولا أخرج صوت... أو..."
+
أغمضت عينيها تتمم مواجعها بملامح رافضة :
_" أو مكشوفة قدامه... بيسمعني كلام وِحش وبيهددني يكسرني... كان قادر يعمل كدة وأنا كنت ضعيفة "
+
كلماتها الأخيرة أخرجته من حالة الإنصات التام لحالة أخرى أشبه بالثوران، شهقت حينما قبضت يده على ساعدها، انتشلها من وصف مبهم لمأساتها وهو يستفسر ببوادر جنون:
_" مين؟؟... بتتكلمي عن ايه؟! "
+
لم يخرج صوتها فقط نظراتها الباكية تبادل نظراته المشتعلة فهمس بغل لا مثيل له:
_" ابن كمال!... نفس الحيوان يا بتول؟!... انطقي!!! "
+
انتفضت برعب من هيئته فهزت رأسه بتأكيد جعله يصرخ بجنون:
_" قربلك!!!!؟ "
+
نفت بسرعة وهي تنكمش للخلف وتردد بتعلثم:
_" لا...كان... بس... كان بيحاول... "
+
صرخت بفزع حينما ترك يدها ليلتفت دافعًا الباب بعنف لم تسلم منه أخشابه وهو يصيح بجنون:
_" يا ابن ال**** "
+
_" حاسب... ايدك! " قالتها بخوف منه وعليه، تنظر ليده ولا تقو على الاقتراب بينما هو أطبق قبضتيه و ظل مواليًا ظهره لها، ترى كتفيه يتحركان بقوة مع أنفاسه المخيفة، ابتلعت ماء حلقها وتشجعت ترفع يدها نحوه بارتباك تهمس بنبرة متعلثمة:
_" أنا آسفة اا... "
+
قاطعها حينما استدار ينظر لها بحِدة غير مقصودة قائلًا:
_" بتتأسفي على ايه انتِ؟!! "
+
هربت الكلمات من شفتيها ثوانٍ حتى نجحت في قول:
_" عشان بحملك ده... انت مالكش ذنب... مفيش داعي تضايق نفسك بسببي"
+
ارتفع حاجبيه في دهشة واقترب خطوة يسأل بنبرة متهكمة:
_" انتِ مجنونة!! "
+
حزنت ملامحها دون رد فأكمل بصياح:
_" لا دا انتٍ هتجننيني أنا!!... انتِ مش عايزاني أتضايق عشانك؟! هو انتِ شيفاني من بعيد قوي كدة!! "
+
أيضًا لا رد، هدأ نفسه ظاهريًّا وعدل من ثوبه بعنف ثم تلفظ بنبرة جامدة:
_" لو جاهزة يلا عشان آخدك لنور "
+
سبقها متحركًا للخارج وأيقن داخله حقيقة علاقتهما، مجرد تعلق غير واعي منها لشخصٍ أهداها أمانًا تفتقده...
+
_" سيف استنى " وصله صوتها وهي تهرول خلفه بينما رد وهو يركب الدراجة النارية:
_" قولي "
+
_" انت مش هتقرب من حسام صح ؟! "
قالتها في تردد كبير هي لا تعلم حقيقة تاره مع عمها وابنه كل ما استنتجته أنه يعمل لحساب جهة أمنية تحارب فساد عمها لا أكثر...
+
رماها بنظرة غامضة قبل أن يُردف:
_" هنمشي ولا غيرتي رأيك! "
+
انصاعت لرغبته وهزت رأسها دون اعتراض لكن قاطعهما رنين هاتفه برقم أخته، منذ الصباح تأتيه مكالمات من شادي لم يقبل أي منها لكن عند سلمى لم يطيعه قلبه، يعلم بتعبها ويخشى أن تسوء حالتها وهو ليس معها هذه المرة أيضًا...
+
فتح الخط وانتظر حديثها الذي جاء منهارًا بخبرٍ سيء قلب كيانه في لحظة.....
+
-----------------
+
داخل تلك المنشأة الطبية المؤمّنة حيث تحظى نور برعاية طبية على أعلى مستوى بينما عز يترقب حالتها بإهتمام خاص..
+
جلس مع الطبيب المسئول عن علاجها يتأمل أن يمده هذه المرة بتفسير واضح ومطمئن لكن...
+
_" الصورة لسة مش واصلاني يا دكتور، يعني ايه ممكن يحصل مضاعفات غير متوقعة؟ "
هتف بها عز في ترقب قاتل ليجيب عليه الطبيب بلهجة عملية:
+
_" انت عارف ان كان عندها نزيف داخلي لأيام من الضرب العنيف اللي اتعرضتله واستأصلنا جزء من الأمعاء و أحد المبيضين عشان نسيطر على الوضع، دي حاجة مش سهلة أبدًا غير الإصابات اللي في باقي جسمها ودماغها "
+
اهتزت حدقتاه بشيء أعمق من الشفقة شيء يدفعه أن يذهب ليضمها فقط يربت على أوجاعها حتى تنفك عنها، اختنق بغصة أخفاها والطبيب يستطرد بأسف:
_" أتمنى مايبقاش فيه أسوأ من كدة، حاليًّا هدفنا الأول نطمن على حالة الدماغ "
+
لم يكن يتخيل أن مرضها سيزرع داخله كل هذا الخوف عليها بل ويتمكن بنجاح من زعزعة ثباته المعتاد لتخرج نبرته خافته مرتبكة وهو يردف:
_" بس هي اتكلمت "
+
تفهم الطبيب مخاوفه لكن لم يحبذ أن يعطيه أملًا زائفًا لذا أضاف بمحايدة:
_" أكيد مؤشر كويس انها فاقت ولو لكام ثانية ووجهت لك كلام باسمك معناه ان الذاكرة تمام بس مش هخبي عليك لسة ماطمناش على حاجة كلها احتمالات "
+
اخفض رأسه برهة قبل أن يقف يردد بجدية مكسورة:
_" طيب ياريت تبلغني بكل جديد أول بأول، هشوفها قبل ما أمشي لو ينفع "
+
_" أكيد اتفضل "
----------
+
ما أن أصبح جوارها ترك ملامحه تكشف ما يخفيه، باهتة خائفة متأسفة، حتى صوته البارد تبدل يُحدثها كأنها ستسمعه من خلف كل تلك الأجهزة بنبرة تائِهة:
_" معرفش ازاي خايف عليكِ كدة... حتى مش قادر أحدد انتِ بالنسبة لي ايه... "
+
حرك كتفيه حائرة ينبس بهدوء:
_" كنتِ هدف مضطر أمثل قدامهم إني بطارده، بعدين بقيتي أمل هياخدني لهدف حقيقي بدور عليه من سنين، وفجأة... بقيتي من دمي ونظرتي ليكِ لازم تتغير وتاخد شكل أخوي ماكنتش حاسه... "
+
ابتسم بإرهاق قبل أن يردد بمكر طفيف:
_" بس طلع عندي حق، ازاي كنت هحس حاجة مش حقيقية يا نور... نور بس من غير بنت الديب... "
+
ضحك ساخرًا وأضاف بقلة حيلة:
_"ربنا نجدك من نسبه ولبسته أنا... "
+
ثم أطلق زفيرًا مستاءًا يكمل:
_" انتِ فعلًا مش شبه يا نور ولا شبه نرجس... يمكن ضحيتهم بس... الظاهر أنا وانتِ لازم يجمعنا وجع "
+
أغمض ساكتًا لحظة ثم همس:
_" عرفت مكانها.... فاكرة لما قولتلك مايهمنيش أعرف من الراجل والست اللي جابوني ورموني، أنا بجد ماكانش يفرقلي بس أقدار... وأنا عمري ماعترضت عليها "
+
مسح وجهه بكلتا يديه كأنه يزيل ضعفه، ثم مررها على رأسه ينزع عنه أفكاره المهمومة وسكت، ثوانٍ ودقائق قاربت الساعة عينيه مثبته فوق وجهها الساكن يترقب حركة ولو بسيطة...
+
وقف بتباطؤ واقترب بحذر يميل مقبلًا جبينها هامسًا في استسلام:
_" ماعدش مقسوم على اتنين يا نور.... عرفتي تحتلي مكانك فيه "
1
أدلى باعترافه ثم ودعها وخرج يأمل أن يعود ليجدها تنتظره بروحها المعتادة وحركاتها الذي أيقن إدمانه لها....
+
-------------------
+
" ها يا بثينة رد عليكِ "
+
نظرت لصلاح بيأس وقالت بضيق:
_" لا يا عمي لسة، لا هو برد ولا ليلى بترد، هتكون فين من امبارح بس!"
+
وقف مؤمن متجهًا للخارج مرددًا:
_" هنزل أشوف الشباب وندور عليها تاني "
+
أومأت بثينة باستحسان هاتفة:
_" استأذنوا أصحاب المحلات اللي بتروحها دايمًا لو ينفع تشوفوا الكاميرات برضو، وأنا هستنى بكر يرد يمكن يعرف عنها حاجة "
+
ضرب صلاح كفيه بقلة حيلة هامسًا:
_" يارب "
+
كانت تنظر في هاتفها تنتظر أي إشارة من أحدهما لكن ما رأته جعلها تصمت بصدمة ارتجفت لها كامل أوصالها في نفس اللحظة الذي عاد فيها مؤمن ينظر لها بصمت مخيف قبل أن يقترب مرددًا:
_" بعد اذنك يا عم صلاح أمي عايزة بثينة "
+
تجمعت الدموع داخل عينيها وخرجت مع أخيها دون حديث حتى ابتعدا عن صلاح وانهارت تغمغم بعدم استيعاب:
_" والله ماعرف ايه ده أنا ماعملتش كدة "
1
------------
+
أما في شقة بكر، حضرت روزالين مع اثنان من الضباط و بكر رابعهم، حديثهم مهني بحت، ليلى تستمع إليهم بقهر، لا ترى أيًّا منهم بسبب العاصبة السوداء حول عينيها، يديها مكتفة خلف ظهرها تجلس بإذلال أمامهم، عند تلك اللحظة كرهت كل ما كنته له داخلها، شعرت بمدى غبائها الذي أوقعها راكعة في قبضتهم...
+
سمعت حديث أحدهم جادًا يقول:
_" تمام يا معالي الرائد مهمتك كدة خلصت، احنا هنكمل شغلنا "
+
كاد يتحرك مع زميله نحوها لكن منعهما بكر مستأذنًا:
_" سيبها أنا هنزلها، اتأكدوا من المكان تحت بس، ثوانِ وهنحصلكم "
+
تبادلوا النظرات قبل أن يومئ أحدهما وخرجا بينما وقفت أمامه روز تبتسم بحب:
_" فخورة بيك جدًا يا بكر، اتصرفت بطريقة مثالية "
+
ثم رمقت ليلى وأضافت:
_" كانت مقنعة جدًا الصراحة "
+
رغم أنه على طريق صحيح يخدم ولائه لعمله لكن يخفي في قلبه مشاعر متضاربة وصوت يجلده كأنه ارتكب خطأً فادحًا في حقها...
+
اقترب منها وتحدث بجمود ممزوج بمشاعر مجهولة:
_" ياريت تكوني متعاونة في التحقيق وتساعدي نفسك، اللي وراكِ مش هيسألوا فيكِ "
+
عندها أخرجت صوت متهكم وتمتمت بمرارة:
_" عارفة! ماحدش بيسامح في الخيانة، وأنا دلوقتي في نظرهم خاينة "
+
أخذتها روزالين للخارج وخلفهم بكر يتحرك بثقل والندم يتسلل إليه يثقل على صدره، أخبرته أنه يظلمها مثلما يفعلون معها لكن لم تفسر مقصدها بل رفضت البوح بحرف إضافي...
+
------------------
+
وصل إلى مبنى المشفى ركضًا، التغت الحقائق وانهارت الحواجز داخله، فقط ابنٍ يهرع لرؤية أمه دون أن يترك سبيلًا للتراجع....
+
لمعت عيني شادي بإمتنان فور رؤيته بينما سيف اندفع نحوه يردد برعب:
_" مالها يا شادي حصلها ايه؟! هي فين؟!"
+
_" طول بالك يا حبيبي كويسة، خد نفسك " همس بها شادي بعقلانية ليهز سيف رأسه بسرعة مرددًا:
_" عايز ادخلها طيب؟ "
+
في نفس اللحظة خرجت سلمى من غرفة والدتها تمسح دموعها بحزن، التقط عينيها بعيني أخيها لتتسع في لهفة وهرولت إليه تتمتم بعدم تصديق:
_" سيف جيت بجد؟ "
+
تفرق ذراعيه يستقبلها بقوة، لسانه يلهث مستفسرًا باختناق:
_" ضغطها رفع يعني ولا فيه حاجة مش عارفها يا سلمى؟! "
+
أجابته بصوتٍ مُنهك:
_" ماكانتش بتاكل ولا بتكلم حد... كنت بتحايل عليها كتير من غير فايدة... غيابك أوحش حاجة بتحصلنا يا سيف"
+
بكت وهي تخبره استحالة الوضع دونه ثم رفعت رأسها تُطالعه بعتاب:
_" احنا كنا تقال عليك قوي كدة؟، كأنك ماصدقت تبعد "
+
ضاعت تعبيراته بين الحزن والحيرة، كيف يشرح لها ما يصعب على نفسه استدراكه،
+
أخرج زفيرًا حارًا وضم رأسها لصدره وهو ينحني يطبع عليه قُبلة مُعتذرة...
+
رأى بتول تأتي من خلفه تنظر إليه براحة كأنها تشجعه على عودته دون كلمات، مدت يدها تفتح الجناح بصمت فتحرك تلقائيًا معهم للداخل....
+
كانت الغرفة تقليدية بها أكثر من مريضة، وصل لموضع أمه يطالعها بنظرات موجوعة من رؤيتها بهذا الضعف مع تلك المحاليل المغذية التي تتصل بجسدها، وهو الذي اعتاد صمودها، صوتها الرنان وتوجيهاتها المستمرة، ببساطة أمه...
+
_" أم سيف " هكذا نداها شادي ثم استكمل بنبرة مرحة:
_" فوقي كدة الواد جاي زحف أهو "
+
شعرت بقبلته الدافئة فوق كفها ففتحت عينيها بإرهاق ظهر في همسها:
_" سيف! "
+
رد هو عليه بغلب ودموعه تسبق حروفه:
_" سيف يا ماجدة سيف واللهِ "
+
اهتز جسدها فورا بالبكاء وهي تردد مشككة في وجوده:
_" وهتمشي تاني وأقوم أدور عليك ماتكونش موجود
هنت عليك يا سيف، بتصدقهم وتكدب عمرك اللي قضيته في حضني، كلام ايه اللي يمحي انك ابني، لو كانت بالكلام ماكانش حد غلب "
+
اقتربت سلمى تهدأها برجاء:
_" مش وقته يا ماما عشان خاطري "
+
ناظرها أخيها هامسًا:
_" سيبيها يا سلمى "
+
أصغى إلى شكواها تسرد بألم:
_" اتحطيت في ايدي وانت عمر يوم واليوم بقى ٢٩ سنة، مين ينكر ٢٩ سنة، حقيقة ايه اللي تغير مكان ماجدة جواك؟ كلمتين يا سيف كلمتين يمحونا من حياتك..
موجوع تعالى لأمك تطبطب زي ما طول عمرها بتطبطب وطول عمرك بترتاح بين ايديها، مش هقول ضحيت عشان مهما الأم تعمل لعيالها عمرها ما بتقول ضحيت بيبقى على قلبها زي العسل... وانت عارف اللي في قلب ماجدة ليك انت بالذات "
+
تبكي وهو يبكي بل ينتحب يحتضن يديها لصدره كأنها ستشعر بإعتذاره، مَن هو ليتسبب في كل تلك المعاناة لطبيب أيامه ومنبع حنانه الأول...
+
ارتفع يقبل رأسها بقوة يردد بأسف:
_" ده ياريتك رمتيني في اليوم ده ولا إنك ترقدي الرقدة دي بسببي... أنا اتوجعت يا ماجدة ماعرفتش غير إني أهرب... كل مرة كنت بهرب لحضنك بس غصب عني استغربته... استغربت نفسي بينكم "
+
رفعت يدها تحاوط رأسه تضمه لأحضانه بتمسك تنهره بحنان:
_" ماتقولش كدة... أوعى يا نور عيني أوعى، مفيش حد في قربك والله ماحد في قربك يا ضنايا.. دا مين في غلاوة سيف ومين يعوضني عن النظرة في وش سيف "
+
_" سيف اتهد يا أمي... اتهد لما عرف دم مين ماشي في عروقه، ياريت كنت فضلت مخدوع، دم محسن أشرفلي من دمه "
+
هكذا كان يردد ولا يقو على التماسك نبرته المُهدمة يقطع قلوب الواقفين،
+
سمعها تنفي بقوة رغم اختناق نبرتها:
_" لا محسن ولا غيره، انت ابني أنا وبس، حط ده في راسك عشان قلبك يرتاح! ماتشيلش فوق طاقتك يا ضنايا،
ما طول عمرنا في بيتنا بعيد عن ده وده وكنا مبسوطين وهنرجع مبسوطين واللهِ وهتنسى وهنبقى عال،
انت ماتهدتش ياحبيبي بعيد الشر عليك يا قلب أمك ربنا هيفضل راضي عنك عشان انت أطهر منهم مالكش ذنب، انت ابني وبس يا سيف، انت ابني وبس يا حبيبي "
+
----------------
+
على الصعيد الآخر أمام احدى غرف العناية المركزة، تدور مواجهة باردة تميل للهدوء وتُغطى بالعقلانية البحتة....
+
_" هضطر استنى كتير "
نبس بها عز بعدما زفر بشيء من الجذع أو التهرب الخفي الذي لمحه مصطفى وأشار إليه في إجابته:
_" معلش نوح متعود يقعد طول الزيارة جنبها جوة، مايعرفش إن فيه ضيف أهم مستنى دوره على نار"
+
رماه عز بنظر ممتعضة، كأن الأمر مُخجل لدرجة لا تسمح للتحدث به، همهم يبرر بجمود:
_" اللي جابني هنا الواجب، سِت سَبق وضايفيتني في بيتها، كمان نوح مش قد الديب ماقدرش أسيبه في ظرف زي ده لواحده "
+
للوهلة الأولى نراه يختلق أكاذيب لكن حقًّا ما قاله هو السبب الحقيقي لمجيئه، أماء مصطفى دون تعقيب ، في نفس اللحظة خرج نوح أخيرًا ليُقابل وجودِهما غير المتوقع بتعجب بيِّن، هو يعرف مصطفى جيدًا غير أنه سبق وأتى لها زيارة لكن... مَن هذا؟! ملامحه ليست بعيدة عن عقلي...
+
وزع مصطفى النظرات بينهما ثم حمحم وقال بود:
_" ازيك يا نوح عامل ايه، مدام نهال أخبارها ايه النهاردا ؟!"
+
لم يرفع الفتى نظراته عن عز كأنه يُدرك هويته على مهل ومع ذلك رد بهدوء:
_" تمام الحمد لله الدكاترة بيقولوا هتطلع من العناية بالليل لو حالتها فضلت مستقرة "
+
_" كويس تخرج بالسلامة " هذه المرة كانت كلمات عز التي جعلت عينيه تتسع بالفعل تعرف على صوته فصاح بذهول:
_" حضرتك عز باشا ؟! "
+
هُنا تنهد عز ورد مختصرًا:
_" مفيش حاجة بتفضل على حالها... ليك وحشة "
+
قال كلمته الأخيرة وهو يرسم ابتسامة حانية بادلها نوح على الفور وأردف بإحترام وقد عبأ الحماس نبرته:
_" مبسوط إن حضرتك جيت بنفسك... أستاذ مصطفى قايم بالواجب برضو "
+
تبادل عز ومصطفى النظرات بصمت ليتحدث الأخير:
_" طيب عز كان حابب يشوف مدام نهال لو ينفع "
+
همهم نوح ولازال يحدقه بانبهار ملامحه كما هي لكن الهيئة مختلفة لنقل زادت وقارًا خاصًا، انتبه على عز يسأل متعجبًا قليلًا:
_" ليه جايبها مستشفى بعيدة عن الحي اللي عايشين فيه "
+
رد متنهدًا بإرهاق واضح:
_" مكانش فيه أماكن فاضية في الرعاية في المستشفيات القريبة فنقلوها هنا، أفضل برضو عشان جوزها يحل عننا شوية "
+
ابتسم عز ساخرًا فرجل بنفوذ عارف الديب لن يغلب في الوصول إليها،
+
بعد دقائق كان يتحرك خلف الموظف المسئول عن تنظيم الزيارات...
دلف ذلك المكان المنغلق، متميز ببرودته وأصوات الأجهزة التي لا تتوقف...
+
أسرة كثيرة عيناه تخطوان فوقهم واحدًا تلو الآخر إلى أن انتبه لإشارة الرجل نحو ركن جانبي حيث يكمن سريرها وقال بهدوء:
_" معاك خمس دقايق ياريت ماتطولش... وبالمناسبة هي لسة متشالة من على الفِنت وتحت تأثير المهدأ "
+
تفهم عز كلامه ومازالت عينيه ثابتة في اتجاه غير اتجاهها كأنها تخشى الحركة، رحل الرجل من أمامه وتركه يراقب تغيراته....
اضطرابات لأول مرة حدثت دون أن يتوقعها...
+
ذاب الصقيع عن صدره وأطلع العنان لأصواته الداخلية تخرج لتواجه...
+
لِما أتيت!؟ لأجل مَن! السيدة التي سبق وأكرمت ضيافتك كما ادَّعيت أم مَن أنجبتك؟!
+
ستمشي خطوتين لتكون أمامها وماذا بعد؟ ستتأملها لتعرف كم تشبهك؟ أم ستقبل كفها كالابن البار تتمنى لها الشفاء العاجل!
+
جئت لأجل نوح!
لكن نوح بالخارج! ماذا تفعل أنت هنا!!!!
الإعتراف ليس ضعفًا
اعترف!
أتيت لترضي طفلًا داخلك تنكر أنه لازال موجودًا...
تُشبع فضولًا يقتلك يصرخ بأسئلة لا أحد غيرها يحمل إجابتها!
أتيت لرؤية والدتك عز!!
1
لمعت دموعك و البعد بينكما قائم يا ويل قلبك من الاقتراب، تخلى عن جمودك الوهمي قبل أن يتناثر أمامك عاجزًا عن جمعه....
1
خمس دقائق سُرقت وهو مكانه كتمثال ينتظر من يُحركه بين سؤالٍ وجواب عقله يتصارع... حتى
+
_" حضرتك المرافق اللي مع المريضة " سؤال متوجث من إحدى الممرضات أخرجه من اللاوعي
+
نظر حيث تشير بيدها ليبصر جسد نهال مُمد في سكون أسفل غطاء المشفى فوجد نفسه يؤكد دون رد لتستطرد الفتاة بمهنية:
_" طب ايدك معايا نغير وضعيتها... للأسف في عجز في الاستف حاليًّا وأنا لواحدي على الحالة "
+
اندفع الماء في حلقه ببطء وكأنه أتى ليسير خلف الأوامر، مشى معها بإمتثال وكلما اقترب تبين وجه والدته، هو لا يغفل عنه لكن الرؤية هذه المرة ليست بنفس العينين...
+
_" خليك في الناحية التانية... هي والدتك صح؟ "
+
هكذا كانت توجهه ثم سألته بإهتمام حينما لاحظت الغرابة عليه كأنه يخشى الاقتراب، أما عن عز فود لو أخرس لسانها..
لم تكتفِ بكونها أخذته ليساعدها بل تجبره على الاعتراف بما لا يدركه إلا الآن...
+
لم يُجب بحرف فقط ساعدها بحذر واهتمام تدفق رغمًا عنه حتى غيرت وضعية نومها على الجهة المعاكسة لتقع يدها فوق يده، جسدها بارد من أين أتى دفء اللحظة، ارتجفت أصابعه وهو يسحبها بتباطؤ ثم لم ينتظر فروض أخرى وانصرف...
+
_" انت فعلًا عز ابنها!!! "
نفس السؤال بلسان مختلف، كان نوح الذي قابله فور ما خرج بملامحه التي تحمل صدمة أثر اعتراف مصطفى له بالحقيقية.....
+
بالأسفل نشاهده يتقدم مع طاقم حراسته، الجميع يفتحون له الطريق، لا يعلم أحدٌ نية رجلٍ بدهائه ليترك جميع الكوارث التي تحدث في عالمه ويأتي مُصِّرًا على البقاء معها ... حبًا وخوفًا أم تملكًا ورفضًا للرضوخ هذا ما يخفيه داخله...
+
وقف أمام المصعد الكهربي ينظر للمكان بتقزز واحتقار، يستنكر كيف توضع زوجته في مثل ذلك المشفى الوضيع!!!....
+
قدَّم ساقًا واحدة لداخل المصعد وهو يتأفف بنفور من هيئته..... لكن الأخرى.... تجمدت مكانها....
+
ارتد للخلف وهو يخلع نظارته بعنف، عينيه سُلطت نحو ذلك التجمع في نهاية الطرقة، تحديدًا الشاب الواقف مع الطبيب يُحاوره بإهتمام بالغ...
+
_" عز الدين " همس بها مذهولًا وفي لمح البصر تغيرت وِجهته نحوه يصيح لاهفًا:
_" عز!! "
+
على الفور التفت سيف وشادي وكذلك سلمى نحو ذلك الرجل المنمق الذي يهرول نحوهما كأنه التقى حبيبًا غائبًا...
+
_" ده نفسه اللي جالنا البيت يا سيف اللي كان بيسأل عن ابنه "
قالتها سلمى بتلقائية وهي تلتصق بأخيها الذي استشعر خوفها رغم اضطراب كامل كيانه برؤية مَن في الحقيقة... والده...
+
في ذات اللحظة كان توأمه يخرج من المصعد وسرعان ما راحت عينيه نحوه بتفاجؤ:
_" سيف!! "
+
توقف عارف في منتصف المسافة شاخصًا، سيف الدين أمامه و عز الدين خلفه، والصمت أخذ الدور الأكبر في المشهد...
+
رقبته كادت تستغيث من فرط حركتها بين الاثنين، يده ارتفعت نصف رفعة ثم سقطت عاجزة، أنفاسه خرجت متقطعة كأن صدره أضيق من احتمال تلك الحقيقة، حتى جسده اهتز مكانه غير قادر على التقدم خطوة نحو أحدهما، اثنان… بل نسختان، أحدهما يخصه ابنه الضائع، لكن مَن الثاني؟! كيف لهما أن يكونا بهذا التطابق القاتل؟!!
+
_"م… مين فيكم عز… ابني؟!"
+
لم يكن رد عز غير الجمود، فكه اشتد بقسوة حتى آلمه، وأصابعه انغلقت على نفسها من ثقل الكلمة وهي تهوي مباشرة على قلبه،
+
أما سيف… فانفجر ضاحكًا، ضحكة عالية غير منطقية، رأسه يهتز بدرامية وهو يسخر من عبثية التفاصيل التي تعيث في حياته فسادًا، ثم رفع يده يشير نحو عز باستنكار:
_ "اتفضله عز بشحمه ولحمه "
+
ثم التفت إلى شادي، يحاول لملمة صوته قبل أن ينهار وقال:
_" بتول أمانة بينكم… خد بالك منهم على ما أرجع "
+
فقط وتحرك من المكان بسرعة البرق، كأن الهواء صار عدوًا، يبحث عن نفس يدخل رئتيه بعدما عجز عن التنفس بينهم، يركض وأخوه خلفه يناديه بنبرة مرتعبة، لكنه لا يلتفت….
+
_" سيف أخيرًا لقيتك " كان صوت راجح وهو يهبط من سيارته التي اصطفت أسفل المشفى فقد أتى بعدما راسله شادي...
+
وسيف كأنه رأى طوق نجاه اندفع لصاحبه يرمي بذاته عليه هامسًا بتوسل ضعيف:
_" مشيني من هنا يا راجح "
+
لم ينتظر راجح أكثر من ذلك ليأخذه للسيارة مرددًا بدعم:
_" اهدا.. مفيش حاجة تستاهل أنا معاك "
+
ابتعد به تحت نظرات الحسرة من عز، انزلقت منه دمعة وحيدة تصرخ بما يكتمه، أشفقت عليه نفسه وهو يرى أقرب الناس إليه يرتمي في أحضان غريبًا هربًا من وجوده، هو ليس أقل منه وجعًا، لا يستحق منه كل تلك القسوة والرفض...
4
تمالك حاله بنفسٍ عميق ثم استدار ينظر لأبيه مباشرةً، صوته خرج بطيئًا حادًا:
_" لا أنا ولا هو هنتحط على اسمك يا ديب... ابعد عني وعنه عشان ماتضطرنيش أبعدك بطريقتي "
+
لم يقوَ عارف على الرد بينما عز تحرك مع مصطفى وما كاد يدخل سيارته حتى أوقفه صوتها وهي تركض نحوه، أغمض عينيه بقوة يستأذن ذاته أن تصمت لوقتٍ إضافي، ثم التفت يستقبلها بصمت، ضمها دون حديث، حرم نفسه حق التعبير عما في قلبه نحوها، خرج منها رجاءً لاهث بنبرتها الباكية:
_" ممكن ماتسيبهوش لواحده "
+
آه من صرخاته الصامتة، لما يعامله الجميع كأنه بلا معنى في حياتهم حتى أول جملة وجهتها له بعد كل تلك السنوات كانت مجرد توصية لم يحزن منها قدر ما حزن من عجزه في تنفيذها ورغم ذلك همس مستسلمًا:
_" حاضر "
2
-------------------
+
احترم راجح صمته رغم الأسئلة الكثيرة التي تدور في رأسه، قد عرف عن عز الكثير من روزالين لكن لم تصدق عينيه شدة الشبه، انتظره حتى هدأ تمامًا ثم أشار للنيل وهو يصف السيارة جانبًا:
_" تعالى نشم هوا نضيف وارمي همومك ورا ضهرك شوية "
+
بعد لحظات وقفا جوار بعضهما ينظران للمياة بصمت لم يطل، كسره سيف بخفوت:
_" شكرًا انك جيت في الوقت ده "
+
رمقه راجح بضيق وقال:
_" مش متعود على الاحترام ده منك يا فامبي سبحان مغير الأحوال "
+
ابتسم سيف بالفعل ونظر له بإمتنان قائلًا:
_" وحشتوني يا همج "
+
دفعه راجح في كتفه يزمجر بحنق:
_" يا عم كمل الجملة بأدبك... المصيبة انك برضو واحشني "
+
ارتفع حاجبي سيف يهتف ساخرًا:
_" واحشك!! انت كنت فاضي لحد عشان أوحشك، نسيت أقولك كفارة، حلوة مكافئة نهاية الخدمة كرييتف من المدام "
+
تنهد راجح محتارًا يضحك أم يحزن وأردف بإرهاق:
_" اتفضحت قوي كدة! "
+
شعر سيف بما فيه فلانت نبرته باستغراب طفيف:
_" ماتخيلتش انك تتجوزها "
+
مد شفتيه يضحك بسخرية:
_" جربت امشي ورا قلبي وآدي النتيجة، سجنتني "
+
ثم رفع نظره لصديقه وأعرب عن قهره:
_" ودلوقتي رافعة خلع..... وانت عارف الراجل اللي بيتخلع بيسموه ايه في بلدنا "
1
_" وهتعمل ايه؟! "
هكذا استفسر بجدية فرد راجح بحزم لا تراجع فيه:
_" هطلقها "
+
حرك سيف يده على ذراعه مؤيدًا:
_" شد حيلك خيرها في غيرها... الواد بكر عامل ايه؟! "
+
هز كتفيه بجهل وقال:
_" معرفش غطسان فين من لما شاكر كدره بسببي مش طايقني "
1
حوارهم بسيط في ظاهره، شديد التعقيد في باطنه كلًّا منهما يداري كسره عن الآخر حتى انتهى الحديث بهدوء، طلب منه سيف أن يتركه قليلًا ينفرد بذاته واحترم راجح رغبته حينما غادر المكان على وعد قريب باللقاء...
+
وقف كشجرة وحيدة وسط صحراء، يديه في جيبه، وعيناه معلقتان باللاشيء، إلى متى سيختار الهروب!!!…
+
شعور غامض بالاختناق تسلل إلى صدره، ويدٍ غليظة امتدت لتأخذه في طريق الجواب...
مجموعة رجال التفوا حوله في ثوانٍ، لم يتركوا له مجالًا للمقاومة...
ياللسخرية… اختُطف الرائد في لمح البصر.....
1
--------------
+
اختفت شمس النهار بعد ساعات طويلة، وانسدل الظلام بهدوءه المخيف...
+
في قصر سلمان منصور تحديدًا داخل غرفة ابنته، انقطع صوت المياة وما لبست أن خرجت من المرحاض بمئزر الاستحمام متجه نحو الخزانة، لتُشَل حركتها برؤيته يجلس فوق فراشها يستند على يديه وظهره ممدد براحة...
+
_" نعيمًا " قالها بخشونة وهو يطلعها دون تعبيرات واضحة...
+
_" راجح!! "
وضعت يدها على فمها بعدما صاحت باسمه لاهفة ثم اندفعت تردد برعب وهي تخفض صوتها قدر المستطاع تتفحصه بعدم تصديق:
_" انت هنا بجد! انت كويس خرجت امتى كنت خايفة عليك قوي!! "
+
اغمض عينيه بغضب وهو يُبعد يدها عن وجهه ثم وقف ومازال ممسكًا بكفيها يرفعهما لأعلى وهو ينظر لعينيها بقسوة مخيفة:
_" الفيلم ده هيفضل شغال كتير ولا ايه؟ مش نحترم عقول بعض ونتكلم على المكشوف بقى"
+
صمتت لحظة لا يصلها مقصده ثم أسرعت تتحدث برجاء:
_" لا مش هنتكلم هنا، لازم تمشي قبل ما حد يشوفك انت دخلت هنا ازاي، لو شافوك هيقتلوك يا حبيبي امشي وانا هقدر أخرج وأقابلك "
+
_" حبيبي!! " رددها مستنكرًا، تشنجت نبرته وهو يستطرد:
_" انت بتتلوني ازاي فهميني! بتعرفي تعمليها ازاي دا أنا ماشكتش فيكِ لحظة "
+
ثقلت جفونها وازدرت ريقها تهمس:
_" انت بتتكلم كدة ليه... انت عارف إني اتجبرت على كدة صح؟ "
+
لم تجد منه رد فانتزعت يديها منه بخيبة أمل وبرز صوتها باكيًّا:
_" لو انت مش عارف مين يعرف، أنا كل ده بصبر نفسي انك فاهمني! فاهم اني مستحيل أعمل حاجة تئذيك و برضو مستحيل اختار البعد عنك "
+
لوهلة يظهر حديثها مؤثرًا لكن ليس معه، رجل لديه أزمة ثقة بالفعل وأتت هي لتُكمل عليه كيف تنتظر منه أن يلين...
+
لم يعبأ بكلماتها المرتجفة أثر خوفها من سوء فهمه، لن يكرر خطأه استمر الغضب في صوته المنخفض ينهرها :
_" وفري أعذارك يا هانم مش مقنعة، انتِ ليك عندي كلمة واحدة ماتستاهليش غيرها... فكرت كتير أردلك القلم ازاي وكل أفكاري كانت أبشع من بعض، بس مش راجح الهلالي اللي ييجي على آخر الزمن ويعمل قيمة لواحدة زيك، هعتبر اللي عيشته معاكِ درس وحفظته كويس إنما انتِ درسك لسة هيبتدي، وريني هتحمي نفسك ازاي من القذارة اللي عايشة فيها، ارجعي بقى اضربي واسهري وآخر المتمة يوصلني خبر انتحارك.... مفيش انتقام أسهل من كدة "
+
ارتدت للخلف خطوة بل خطوات، سحب بساط الأمان من أسفلها في عِدة أحرف سقطوا على قلبها كجمر محترق:
_" انت... بجد بتتمنى لي كدة؟! "
+
لم تخلو نظراته من البرود بل ورسم ابتسامة متشفية يخفي بها وجع قلبه مهما حاول انكاره....
+
_" امشي... قول الكلمة وامشي مفيش كلام هيوجعني أكتر من اللي قولته... يلا قولها وامشي "
+
رددت كلامها بهيستيريا وهي تنظر بعيدًا عنه تبكي بانهيار استمر يتجاهله بل اقترب يجذب ذراعها بقوة ليجعلها تنظره له مباشرةً ثم تلفظ بقسوة لا تراجع فيها:
_" مسك انت طا... "
+
_" بلاش دي " هكذا قاطعته بنبرة مهزومة وهي تضع كفها على ثغره بتوسل ثم اجهشت في البكاء تلعن ضعفها أمامه:
_" كدة مش هتبقى بتنتقم مني... كدة هتقتلني... دي الحاجة الوحيدة اللي قبلاها في حياتي"
+
اضطربت أنفاسه وشعر بثباته ينهار لكنه هتف بسخرية:
_" اشمعنى ، مش رفعتي قضية خلع، أنا بوفر عليكِ بس "
+
تفاجأت بشدة وهزت رأسها تنفي بقوة:
_" كذب والله ماعملتش كدة... مش ممكن اعمل كدة... "
+
_" أنا عملت، إنسان نكرة زي ده مستحيل يكون زوج لبنتي أنا"
+
هكذا تفجر صوته المقيت خلفهما، استدار الاثنين يطالعان مَن قطع خلوتهما كالشيطان ينفر وجهه بالشر، شهقت برعب وهي تتشبث براجح كأنها أيقنت مقتله أما هو اصطدمت عيناه الحادة بخاصة سلمان وهتف باستهزاء:
_" ليك واحشة ياباشا معلش تاعبك ورايا، شباب بقى ماورناش غير التنطيط "
+
_" يوسف!!! " صرخ بها سلمان بغل ليحضر رجال حراسته على الفور لم تفكر مسك قبل أن تندفع تقف أمام زوجها تردد بتوسل:
_" هو هيمشي والله يا بابي والله هيمشي ومش هيقربلي تاني ماتئذهوش عشان خاطري "
+
لم يكن يستمع لها فقط ينظر بكره نحو راجح والأخير لم يثار به ساكن حتى جن جنونه برؤية رجال سلمان يدخلون غرفتها بعدما أمرهم دون العبء بها أو بما ترتديه، قبل أن يقترب منه أحد كان يستدير جاذبًا مسك بقوة يدفعها للمرحاض صائحًا بغضب:
_" ادخلي واياكِ تخرجي مهما حصل سامعاني!!! "
1
نظراته لم تترك أمامها مجالًا للاعتراض أغلق عليها الباب بعنف كل خلية في جسده تُحركها غيرة عمياء جعلته يجذب سلمان بقوة يوجه له سباب لاذع انتهى بتكاثرهم عليه بضربات مبرحة ثم هتف سلمان بتوعد:
_" هاتوه لتحت حسابه لسة هيبدأ "
1
---------------
+
حين فتح عينيه، كان أول ما لاحظه إشراق شمسٍ مميزة؛
ضوءٌ ليس قويًّا ولا حادًا، بل هادئ، طبيعي، ينعكس على صفحة مياهٍ تحيط تلك المساحة الخضراء من كل جانب....
+
أدرك أنه ممدد فوق رمالٍ رطبة، أكّدها له صوت موجٍ ضعيف يصل قريبًا، كأن البحر يؤدي وظيفته بهدوء دون اكتراثٍ بوجوده.
+
اعتدل بانتفاضة، عينيه اتسعتا لا تثبتان على مكانٍ واحد، كأنهما تحاولان مساعدة عقله على استيعاب موقعه...
+
_"إيه ده؟!"
صاح بها سيف بذهول، وهو يدور حول نفسه في تلك الجزيرة المجهولة ليأتيه الرد من خلفه لا يقل عنه تيهًا:
_" علمي علمك "
نعم كان صوت توأمه... عز
+
ومن هنا....
تبدأ رحلة جديدة… لفردين لا أكثر،
لعلّ النفوس تتصافى،
والحواجز تُكسر…
إلى الأبد.....
8
------------------☆☆☆☆☆
+
يتبع......
+
رأيكم في البارت؟!
3
ماتنسوش الفوت☆
+
رجاءًا دعوة حلوة لطالبة معصورة امتحانات ومع ذلك حاولت أخلص البارت عشان ماتنتظروش كتير وعشان أرضي كائن زنان برضو 🙈
3
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله ❤
+
