رواية عملتان لوجه واحد الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم آية الطري
٣٥- نداء استغاثة
قال الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-:(لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتَّى تَحابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ علَى شيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بيْنَكُمْ).
+
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
+
نبدأ بالصلاة على النبيّ
+
-----------------☆☆☆☆☆☆☆
+
بعدما اطمئنوا على صحتها لم يلبثوا في المشفى كثيرًا وعادوا إلى المنزل،
كانوا يحاوطوها بمحبة من بينهم أختها وابنتها بينما وقفت بتول قرب الباب تخجل أن تقترب خاصةً مع نظرات الضيق التي تتلقاها...
+
انتبهت لها سلمى فاقتربت منها مبتسمة وقالت:
_" واقفة بعيد ليه يا تولة تعالي "
+
نظرت لها في امتنان وهمست مُحرَجة:
_" ممكن أستني برا أحسن لحد ما سيف يرجع "
+
_" آه وماله وابقي خديه وامشي تاني، عدني ربيته على قدك وقد المصايب اللي بتجينا من ناحيتكم" كانت كلمات لاذعة من ماجدة صدمت الجميع ولا سيما بتول، تضاعف احراجها وسحبت يدها من سلمى بهدوء وخرجت لتلحق بها الأخرى تحت ابتسامة مكتومة من منة...
+
بينما جلس شادي جوار ماجدة معاتبًا بهدوء:
_" ليه كدة يا أم سيف!، البنت غلبانة ومالهاش غيرنا بعد ما قبضوا على عمها وريحوها من اللي بتشوفه على ايده.... ماتجيش عليها يا ماجدة قلبك أكبر من كدة "
+
أشاحت وجهها عنه ترفض تبريره ثم قالت بجفاء مصدره خوفها على أُسرتها:
_" قبضوا عليه ولا ماقبضوش هي بينا بصفتها ايه؟!، وفين أبوها اللي سيف قال شغال عنده، ماشوفناش منهم غير الأذية، أنا عمري أنسى اللي حصل ليا ولبنتي من تحت راسهم "
+
صمت بقلة حيلة يلتمس لها العذر في حين تدخلت منة تؤيدها بقوة:
_" معاكِ حق والله ياخالتي أنا مش عارفة ازاي سيف يعمل كدة ويجيبها هنا تاني "
+
رمقها شادي بضيق و ارتفعت نبرته:
_" منة!! لمي الدور، البنت دلوقتي في رقبتي، لو مش هتستحملوها بينكم انقلها هي وسلمى شقتي وأقعد أنا مع سكر لحد ما سيف يرجع ياخدها وانتِ وأمك اقعدوا اخدموا خالتك "
+
هنا لكزتها عزة لتسكت وردت بضحك:
_" ايه يا واد الله! هتقعد تقسمنا ولا ايه اللي يريحكوا ياخويا، المهم مانضايقش أم سيف "
+
ردت ماجدة بمجاملة:
_" منوريني يا عزة ماتقوليش كدة "
+
تأففت منة بضيق فرمقها مرة أخرى محذرًا فتظاهرت بالتبسم واقترب منه تردد:
_" خلاص بقى ماكفرتش يعني، ممكن موبايلك دقيقة "
+
_" اشمعنى "
+
نظرت لأمها التي انشغلت مع خالتها واقتربت تهمس له بتودد:
_" هاخد رقم سيف الجديد "
+
خرجت نظراته رافضة فحايلته برجاء حتى زفر مستسلمًا يعطيها الهاتف في نفس اللحظة التي دخلت بها سلمى لتجدهما بهذا القرب غير المقبول ....
+
استشعر الضيق في عينيها فحمحم يأخذ منها الفطور يقدمه لعزة قائلًا:
_" أكلي ماجدة يا أم منة، هنزل أطمن على سكر وراجع "
+
خرج وهو يسحب سلمى معه بينما اتجهت منة بالهاتف للشرفة...
+
_" فين بتول؟ " كان أول سؤال أطلقه يتحدث ببساطة وكأنه لم يفعل شيئًا
+
جذبت يدها منه وغمغمت بضيق:
_" في أوضة سيف "
+
_" راضيتيها يعني؟ "
+
_" اممم " هكذا همهمت بنفاذ صبر فضيق عينيه مستفسرًا:
_" مالك حاجة مضايقاكِ؟! "
+
ابتسمت باصطناع وأردفت:
_" لا، هتضايق ليه أنا، اتفضل يلا روح لسكر، ولا استنى منمونة تطلع تديك الفون ماتنساهوش "
+
أجفل بتعجب ثم تحدث ضاحكًا:
_" نظبط الكلام يا بابا دي منة ها؟ "
+
أبعدت يده عن رأسها وغمغمت من أسفل أسنانها:
_" واخدة بالي أنا مش عامية، ومش عاجبني أنها بتتعدى حدودها معاك بالشكل ده، وعارفة أنها قاصدة تغيظني "
+
ضحك بخفة متحدثًا بمهاودة:
_" بطلوا شغل ناقر ونقير بس، افتكري أنها بنت خالتك يعني بنت أختى مش واخدة بالك أنها بتقولي يا خالو! "
+
_" آه خالو وبنت أختي.... "
نطقتها ساخرة ثم صاحت بجدية مغتاظة:
_" لا انت مش خالها وهي مش بنت اختك، أمي وخالتي عزة حيالة بنات عمك من بعيد، ولو فيه غير كدة ماكنتش أنا وأنت متجوزين دلوقتي ولا انت مش واخد بالك أنها نفس صلة القرابة!!! "
+
كلمات ونبرة جديدة عليها تمامًا جعلت من قلبه يتراقص خلف أضلعه يكتم ابتسامته كي لا تُسيء فهمها، فقط مد شفتيه باستغراب مزيف يهمس بجدية:
_" مش فاهمك بصراحة وياريت توطي صوتك وتعقلي الكلام.... يابنتي دي منمون هتغيري من منمون!! "
+
نجح في استفزازها أكثر فكادت تصرخ عليه حتى أدركت موقفها أمامه... غيرة أيَّةِ غيرة!!، حركت حاجبيها مستنكرة:
_" مين قال بقى اني غيرانة منها!! أنا بتكلم في تصرف أخلاقيًّا مش مقبول ولا انت ايه رأيك؟! "
+
ضغط شفتيه وهو يومئ عدة مرات كأنها يتفهمها لا يكتم ضحكاته ثم وافقها قائلًا:
_" تمام يا بابا وماله، هروح أرجع الفون وبالمرة أقولها تعملي قهوة دماغي مش قادر... ااه "
+
تأوه في آخر كلامه بعدما لكزته في صدره بغيظ ثم قهقه بقوة وهمس:
_" خلاص هعمل أنا، تعالي يا غيورة "
+
أما في ركنٍ معبأً بالغدر انزوت منة تراسل أحدهم بصفقة مضمونها:
_" قدرت أعرف مكان الباشا، بس نتفق الأول "
+
سحبها للمطبخ وبدأ يعد القهوة وهو يشاكسها حتى ضحكت وتخلت عن ضجرها فاستند على الرخام أمامها يشاركها الشرب وبادر في حديث جديد:
_" فاكرة اليوم اللي سيف جالك فيه هنا ومشي من غير ما يكلم ماجدة "
+
هزت رأسها بتأكيد وتمتمت بضيق:
_" آه لما حضرتك كنت غايب يوم بليلة معرفش عنك حاجة "
+
ضحك معتذرًا:
_" قلبك أبيض أومال "
+
أشاحت وجهها عنه دون رد فاقترب يتحدث بجدية:
_" تم اختياري للانضمام لجهاز المخابرات يا سلمى "
+
التفتت له بصدمة وتجمدت عينيها عليه فهز رأسه بتوتر مصطنع:
_" ايه! دي أرزاق على فكرة، عارف انه حلمك انتٍ بس افتكري كلامك أنا وانتِ واحد "
+
همست بتعلثم:
_" بتتكلم.. بجد؟!! "
+
أرخى جفنيه مؤكدًا:
_" وأنا ههزر في حاجة زي دي! "
+
فورًا أدمعت عينيها تناظره بتأثر لم يفهم مغزاه، وضعت الفنجان من يدها ووقفت تبلل شفتيها هامسة بإختناق:
_" مبروك "
+
مد يده يمسح وجنتيها بلطف، ورفع رأسها كي تنظر نحوه مستفهمًا:
_" ليه الدموع دي طيب! "
+
بكت أكثر تتحدث بحيرة:
_" مش عارفة... مبسوطة عشان هتاخد فرصة تستاهلها في شغل بتحبه بس.. بس غصب عني خايفة عليك "
+
أسبل عينيه متأثرًا بمخاوفها و دنى منها يضمها بحنان هامسًا:
_" مش هيحصل حاجة اطمني!... "
+
اشتد بكاؤها وتمسكت به وهو متفهم تمامًا ما تعانيه خاصةً وأخوها أيضًا في خطر ذات العمل، مسح على رأسها وأضاف يهدئها:
_" خلاص يا سلمى مش مستاهلة كل ده ممكن أرفض على فكرة، كل الحكاية ان تشطيبات الشقة خلتني على الحديدة وكنت طمعان في قرشين من الشغلانة بس تمام لو حابة تعيشي معايا على شندوتشات الكبدة وهتستحملي نرفض العرض "
+
ضحك في آخر كلامه فابتسمت من بين دموعها ليكمل بحنق:
_" بطلي شحتفة بقى التيشيرت أبيض ولسة جديد ماتكحلهوش "
+
لدغت ذراعه بحنق وهي على وضعها بل وحركت وجهها في صدره عنادًا ليتلطخ ملبسه بكحلها فعليًّا ثم ابتعدت تنظر له بشماتة فلم يكن منه إلا أن ضحك متوعدًا:
_" هسيبه لحد ما تشيلي الجبس وتغسليه على ايدكِ"
+
تظاهرت بالامبالاة وهتفت بمشاكسة:
_" ده في شرع مين بقى ان شاء الله هتعمل عليا جوزي بجد ولا ايه "
+
ضحك بصمت وناظرها بدفئ هامسًا:
_" اللي تشوفيه يا سلمى "
+
توهج وجهها بحرارة خجل مع حيرة كأنها تذكرت للتو رباطهما، بينما أنزل شادي عينيه برهة ثم رفعهما لها وحمحم متحدثًا بنبرة هادئة جادة:
_" قبل ما ناخد أي خطوة في انفصلنا، لازم أصححلك سوء تفاهم "
+
انقبض قلبها من الخوض في الأمر، لكن استكانت قليلًا حينما تنفس بعمق ولامس يدها فوق الرخام مستطردًا بصدق:
_" يمكن جوازنا كان تحت ظروف خاصة.... بس عمره ماكان غصب عني أو عائق في حياتي بالعكس.... ده حلم.... "
1
قطع حديثه جرس الباب فسحبت يدها منه بتوتر وحاولت تنظيم أنفاسها وهي تردد بخفوت أثناء هرولتها للخارج تهرب من وقع مشاعره:
_" دا أكيد سكر "
+
حمحم بحرج ولحق بها وهو يلعن سكر داخله، سبقها ماددًا يده ليفتح الباب يتمتم معبرًا عن استغرابه:
_" من امتى سكر بيضرب الجرس.... اقفي في جنب ب.."
+
من جديد تجمدت الكلمات على لسانه وهو يرى الطارق بينما بادله الصغير النظرات بدموع خائفة وركض نحوه بسرعة يصيح بارتجاف:
_" بابي انت هنا "
2
وقفت سلمى تتابعهما بشدوه، من هذا ولما ينعته بأبي، بينما أنزل شادي ذراعيه رغم شدة صدمته يرفع عُمر على صدره يُهدهده بخوف حقيقي مستفسرًا بلهفة:
_" عمر!!! ازاي جيت هنا؟! "
+
_" مامي سابتني لواحدي... " سمعها من الصغير وهو غارق في بكائه حتى انزلقت من يده تلك الورقة التي استقبلتها سلمى تلقائيًا...
+
فتحت طياتها بأصابع مرتجفة وهي تبادل زوجها نظرات غير مفهومة والأخير لم يقوَ على النطق بكلمة يشعر أنها نهاية أتت قبل بداية لم تكتمل..
+
_" ابننا أمانة في رقبتك يا شادي، حاول تسامحني بحق كل لحظة حلوة عشناها سوا، زوجتك جنى "
6
مررت عينيها على الكلمات ببطء وثبات تحسد عليه ثم رفعتهما نحوه بقهر لا مثيل له....
1
----------------
+
دون حروف كانت الأعين تنطق، الأولى ترمي اتهامات غاضبة والأخرى تستقبل دون اعتراض حتى فاض بها الكيل وصرخ صاحبها جزعًا :
_" أقسمتلك إني ماليش دخل في وجودنا هنا عايز تصدق صدق مش عايز براحتك، فعلًا عايزك تسمعني بس مش هخطفك عشان أوصل لده "
+
كان ذلك حديث عز لأخيه يبرر موقفه بصدق لم يكترث به سيف كثيرًا إذ ابتسم ساخرًا وهو يهدر:
_" اه، والمفروض أنا بقى أقتنع ان الباشا اتشال زي شوال البطاطس واترمى هنا وهو غافي يا حرام واتفاجئ زيه زيي "
+
ثم دنى منه وأضاف بهدوء مزيف:
_" طب دي لو صدقتها على سنايبر أصدقها ازاي على السراب، العب غيرها يا باشا "
+
اقترب عز هو الآخر منه نابسًا بجدية مطلقة:
_" سواء اتقبلتني في حياتك أو لا حط في دماغك إني مستحيل أنكر حاجة عملتها، أنا مابندمش على خطواتي عشان أنكرها "
+
بادله سيف النظرات بضيق كأنه غاضب كونه يرى الصدق في عينيه، التفت مبتعدًا عنه يضرب الأرض بغيظ بينما زفر عز بقلة حيلة مغمغمًا:
_" عيل "
2
مشى نحو تلك الحقيبة الضخمة التي وُجِدت جوارهما فوق الجزيرة يفتحها مستكشفًا ما فيها وهُنا ارتسمت نصف ابتسامة على شفتيه كأنه أدرك الفاعل...
+
رمقه سيف بفضول يكتمه خلف ضيقه، يتأفف بين الحين والآخر يقسم لو علم من استغفله بذلك الشكل لقتله دون تردد...
+
_" قرب ساعدني " قالها عز وهو يدعوه باصبعيه لينصب معه الخيمة مما جعل الآخر يرفع حاجبيه باستنكار، كيف يتعامل مع الموقف بذلك البرود العجيب كأنه في رحلة سفاري أو ما شابه...
+
_" هتفضل باصصلي كتير، الليل هيدخل علينا لازم ننصب الخيمة ونولع نار مانضمنش ايه الخطر الموجود على جزيرة زي دي "
+
لو قصد استفزازه أكثر ما تحدث هكذا، تحرك نحوه سيف متحفزًا يصيح من أسفل أسنانه:
_" ومين قال إني هفضل هنا ليلة أصلًا "
+
أشار عز في كل الاتجاهات، الأشجار الكثيفة والمياة التي تحيطهم ثم عاد لعيني أخيه وقال:
_" مش فاهم هتطير يعني ولا هتاخدها عوم، انزل لأرض الواقع شكل قعدتنا هنا هتطول "
+
أنهى حديثه ودفع إليه آلة حفر صغيرة مشيرًا للأرض:
_" احفر عشان ندق الخيمة "
+
تجاهل سيف أمره وسأل بترقب:
_" انت تعرف مين اللي جابنا هنا صح! "
+
رد الآخر ببساطة:
_" مفيش غير واحد بس اللي يقدر يعمل كدة وبما انه عمل يبقى ماتحلمش نطلع من هنا غير لما اللي مخطط ليه يتم "
+
_" مين بقى الواحد ده؟! دي مش دماغ شاكر !"
+
طالعه عز لحظة قبل أن يبتسم غامزًا:
_" خمن "
2
استشاط غيظًا وهو يرمي ما بيده متلفظًا:
_" أنا بتكلم معاك ليه أصلًا "
+
لم يكترث عز، للحق لا يقوَى على كتم سعادته بوجوده معه حتى لو بصورة غير مفهومة ومفاجِئَة لكلاهما، يتذكر كم حاول التقرب منه خلال اتحادهما للتخطيط في أمر الزعيم الروسي وكيفية انقاذ الفتاتان لكن لم تُتِح له الظروف فرصة حقيقية كهذه...
+
_" رجعت أنقذتني ليه يا سيف؟ "
أتى سؤاله هادئ مرتفع وهو يغرس بأحد أعمدة الخيمة في الأرض، فرمقه سيف بصمت ليسترسل عز متظاهرًا بالتعجب:
_" يعني اتوقعت انهم يرصدوا الطيارة أو يهاجموها واختارت تغير الخطة وطلع عندك حقك "
+
التفت ينظر إليه يحصره في سؤاله:
_" ليه رجعتلي مش كنت خدتهم ومشيت وأنا أولع على حد كلامك "
4
كالعادة لم يتسرب لسيف سوى شعور التنافس، ضحك ساخرًا وصاح باستنكار:
_" هو انت فاكر اني رجعت المبنى عشانك؟؟ "
+
جمدت ملامحه بغتة وأضاف بجفاء:
_" لا يا شاطر فوق، كان بينكم ندل محتاج أختارله موته تبرد ناري منه ورجعت أجيبه مش أكتر "
+
رغم ما شعر به عز الدين من أسى إلا أنه واجهه مكذبًا عِلته:
_" لما وقعت ايدك اللي استقبلتني، ده أنا فاكره كويس، ماتكدبش احساسي يا سيف عشان واثق فيه "
+
صمت سيف ولم يسعفه مبرر، ذاكرته راحت لذلك اليوم وتلك اللحظة...
+
فلاش باك
+
_" باقي ٧ دقايق، لازم عز وأليكسي يخرجوا حالًا "
+
كلمات قلِقَة من مصطفى وهو يُحدث يامن والجميع في حالة ترقب واستعداد،
بينما سيف كان يُدخل نور وبتول لسيارة بقيادة مالك قائلًا بحزم:
_" خدهم للمكان اللي اتفقنا عليه "
+
ثم نظر لبتول وهمهم مطمئِنًا إياها:
_" مش هطول وأرجعلك أوعي تخافي.... اطلع يا مالك "
+
انطلقت السيارة من ذلك المكان المفخخ بالموت ليذهب هو نحو مصطفى وباقي الشباب نابسًا:
_" اتواصلوا مع زميلكم، قولوله يهبط من الطيارة بسرعة مش ضامنين ممكن يعملوا ايه "
+
مصطفى بجدية:
_" هبط من دقيقة بعد ما صرحت عن توقعك انهم مترصدينها "
+
لم تكتمل الجملة واضطرب الجو بانفجار الطائرة، لم ينتظروا ثانية أخرى، أشار سيف لمصطفى ويامن بسرعة:
_" يلا، لازم ننهي قبل ما يوصل أي دعم، وقتها المواجهة هتبقى أصعب"
+
تحركوا ثلاثتهم نحو المبنى ركضًا، وما أن اقتربوا من قاعة المجلس حتى قابلوا تبادل ناري عاصف...
+
_" القائد "
_" عز!! " كان صياح مرتعب من يامن ومصطفى أدخل في قلب الفامبَير شعور غير مفهوم،
منعهم من الاندفاع وهو يرمي بقذيفة، أعتمت الرؤية تمامًا....
+
اندفع للداخل يسحبه أنين مكتوم ووقع أنفاس مرتفع اسمه يتردد بحرقة أرجفته....
+
ارتطم جسده بصاحب الصوت ليتهاوى عليه الأخير بضعف، عندها أدرك شعوره، فقط قلبه يُبادل قلب أخيه، خوفًا فخوفًا، غضبًّا فغضبًّا، تعلقًّا فتلعق حتى ولو كان لا إراديًّا
+
_" عز " همس بها سيف بخوف فخرجت خافته، لا يعرف ما الفاجعة التي أوقعب السراب هكذا، سحبه للخارج ويديه تتحرك على جسده يستكشف إن أصيب!!
+
اتضحت الرؤية حينما خرج به من المبنى يحمله على كتفه وبحرص شديد وضعه أرضًا يتفقده ببصره، هرول إليه باقي زملائه كل منهم يلوح على قسماته القلق الناتج عن محبة حقيقية لقائدهم الغافي باستسلام لم يعهدوه عليه،
+
أزال سيف القناع عن وجه أخيه وهو يرفعه في أحضانه بوضعية تسمح له بتنفس أفضل، ثم تنحنح وأجلى بنبرة مضطربة:
_" مش مصاب، مش فاهم ماله"
+
نظر للطبيب كارم الذي يفحصه فمال عليه يهمس له بحقيقة تعد سر خاص عن سنايبر:
_" بيحصله كدة لما يحس بالعجز مع الخوف، الظاهر اعتقد انكم ركبتوا الطيارة "
+
ازدرد سيف ريقه باضطراب، أيعقل ينهار لهذا الحد فقط خوفًا عليهم، كأنه استدرك معلومة جديدة عن السراب تمحي بعض من جموده نحوه...
+
وكالمعتاد الهروب هو الأنسب لينفض أفكاره المرفوضة، تركهم دون حديث وتحرك للمبنى ولا أحد يفهم خطوته القادمة، فقد خرج يامن ومصطفى يساندان أليكسي مصابًا.... إذًا ما الداعي للعودة!!
+
باااك
+
عاد من رحلة التذكر ليصطدم بابتسامة مكتومة من توأمه نجحت في استفزازه من جديد فخرج رده منفعلًا ينفي وجود أي سبب أخوي لفعلته:
_" كان دين في رقبتي ولازم أرده، أنقذت حياتي في مهمة كوروزا ورددتلك جميلك، كدة خالصين ماتفسرش الامور على مزاجك بقى "
1
ثوانٍ من حرب دافئة دارت بين الأعين انهاها سيف مبتعدًا نحو الطرف الآخر من الخيمة ليتمما إقامتها بصمتٍ مُشبَّع بالضجيج....
+
----------------
+
_" لحد امتى هتتحمل وتفضل ساكت؟!! " خرجت بفحيح ثائر من فم سلمان وهو يرفع وجه راجح عن الأرض بعدما انعدمت قواه على يدي رجاله ومع ذلك لم يتفوه بحرف، ضرب رأسه في الأرض مرة أخرى وصرخ مغتاظًا:
_" غبي!!!.... قولتلك هحميك بس عرفني مين اللي باعتك، هنسى خيانتك تمامًا وافتح معاك صفحة جديدة، اتكلم بقى!!"
1
ظل مثبتًا عينيه نحوه ينتظر رده للمرة الألف لكن كالعادة وصلته ضحكة ساخرة من راجح لمعت خلف جروح وجهه التى تدموا بوجعٍ لم يضعفه بل لم يكترث بمثل تلك الضربات تلقاها كثيرًا خلال تدريباته مع أصدقائه كنوع من التسلية ليس إلا...
+
_" سلمان " هتف بها وهو يرفع عينيه إليه في تحدي فترقب الآخر حديثه بنفاذ صبر حتى صُعق بقوله:
_" عارف فامبَيَر؟!.... فاكر الصياد؟... سمعت عن السراب؟!... شايف راجح؟! "
2
كل اسم يزلزل كيان سلمان حرفيًّا بل أفقدوه النطق، أيعقل أنه تابع لهؤلاء؟!! في حين أتم راجح مغزى حديثه بجبروت اعتاد عليه هو ورفقائه:
_" سلسلة مش بتتقطع، تابعها وهي بتلف حوالين رقبتك بعد ما شنقت اللي أتقل منك، أنا لو منك أرجع روسيا وأتكن في ملجأ آمن يحميني من اللي جاي... أصلك ما شوفتش فامبي وهو جارر صاحبك زي الكلب "
1
واقف في مخزنه على أرضه وبين رجاله واهتزت أوصاله من وطأ التهديد، ارتفعت ضحكات راجح بصخب تناغَمَ مع صراخ سلمان بوجهه الممتقع بالاصفرار:
_" اقتلوه حالًا... اضربوا لحد ما نفسه يختفي من الدنيا... مش عايزه يخرج عايش "
+
رفعوه عن الأرض ليعنفوا جسده بلكمات مميتة لم تختفي إلى بطرق عنيف فوق الباب الحديدي ضرب صداه في أرجاء المكان....
+
_" رااااجح " كان صراخها المنهار وهي تضرب باب المخزن بكل مالديها من قوة، يتعالى توسلها مع شهقاتها المُتقطعة:
_" عشان خاطري سيبه يمشي... سيبه وهنطلق صدقني "
+
أعاد أمره ليستكملوا في وصلة التعذيب في حين أشار لأحدهم أمرًا بقسوة:
_" طلعها أوضتها واحبسها فيها بسرعة ولو قاومت خدرها وشيلها يلا "
+
صدح احتكاك أسنان راجح من شدة الغضب وللمرة الأولى قاوم بعنف بضربات عشوائية في ظاهرها لكن تخفي مهارة مدروسة، ارتد سلمان للخلف خوفًا وهو يدعو المزيد من الرجال ليسيطروا على الوضع في حين ارتعب داخله أكثر من كلمات راجح وهو يدلي بتوعد مخيف:
_" أقسم باللي خلقني يا سلمان لو حد قربلها ليكون آخر يوم في حياته وحياتك "
2
رسم الشجاعة ولمعت عينيه بتشفٍ وهو يتحدث متهكمًا:
_" بحب نقاط الضعف ومدرستي الاستمتاع بموت الضحية من جوا قبل خروج روحها، وقررت أنفذ ده معاك "
+
لم يفهم راجح مقصده وهذا ما أثار جنونه وهو ينتفض بين أيدي رجاله ويوجه له تهديد كحد السيف، في الوقت الذي دخل فيه أحدهم واقترب من سيده يعطيه الهاتف هامسًا:
_" الجماعة اللي طلبت نوصل سعادتك بيهم "
+
أما بالأعلى أدخلوها غرفتها بقسوة غير عابئين بمقاومتها وتوسلها، انفجرت في البكاء ترى نفسها مَن أوقعه في كل مآسيها وتعجز عن مساعدته كمان يفعل معها دائمًا...
+
لكن هو لا يكره مثلما يكره الاستسلام فلما هي مستسلمة هكذا!!، لم يضع تعبه هباءًا ستقدم كل مالديها لتنقذه حتى لو كلفها الأمر حياتها بعد ذلك....
+
مسحت دموعها ووقفت بسرعة تدور حول نفسها حتى اندفعت نحو الخزانة حيث أخرجت جهازًا لوحيًّا لم يعلم به والدها الذي جردها من هاتفها وكافة طرق الاتصال.....
+
حمحمت ليظهر صوتها المنهار في بثًا مباشرةًا بدأته بنداء استغاثة بنبرتها المرتجفة:
_" مساء الخير... أنا.... أنا مسك منصور... كتير منكم يعرفني عن طريقي شغلي اللي آخره كان فوزي في مسابقة *** "
+
ضغطت شفتيها بقوة لتتماسك بعض الشيء وهي تستكمل بتعلثم لا يخلو من الاصرار:
_" بس النهاردا أنا مش طالعة عشان شغل أنا.... أنا عاجزة عن إنقاذ أهم شخص في حياتي، سلمان منصور بيعذبه وعايز يقتله عشان... عشان اتجوزنا... أنا لو اتصلت بالبوليس مش هيتحركوا عشان هو عنده معارف كتير بيخدموه... قدام العالم كله بقول إن راجح جوزي..... اتجوزته بكامل إرادتي جواز رسمي طبيعي ماغصبنيش على كدة.... السفير الروسي السابق وعضو مجلس الشعب الحالي اللي المفروض والدي.... هددني يقتله... أجبرني أقول أنه خاطفني عشان أحميه منه... بس خلف بوعده ودلوقتي بيعذبه بوحشية "
1
انفجرت في البكاء وذاب تماسكها أمام الشاشة، وضعت يدها على قلبها وهي تتوسل أن ينجدهم أحد وهذا ما حدث بالفعل...
+
بالأسفل دارت الأرض بأبيها بعدما اكتشف فعلتها، اتسعت عينيه بجنون وفي لحظة صرخ في وجه راجح بغل:
_" كله بسببك... انت اللي قويتها، بنتي بتعاديني أنا عشان كلب زيك!!!... ازاي قدرت تحولها كدة!!! "
+
التفت يكمل صراخه في رجاله:
_" اخفوا أي أثر للكلب ده بسرعة قبل ما البوليس يوصل، وهاتولي دكتور حالًا! "
1
لم يملك الوعي الكافي ليدرك ما يحدث فقط سحبوه كمسلوب الارادة على الفور ليخفونه بمكان سري أسفل المخزن، دمائه تتلو خطواته، قواه انهارت ومقاومته اختفت، فاستسلم للظلام رغمًا عنه....
3
-----------------------
+
"أنا فين؟"
سؤالٌ تائه خرج من شفتي نور وهي تحاول التحرك من رقدتها، وتبعد عنها تلك الأجهزة المزعجة…
+
تفحّصت الغرفة حولها، ثم اعتدلت بصعوبة، فبكت بألم ورفعت يدها إلى رأسها الملفوف بضمادة بيضاء، نظرت إلى الفراغ بضياع، تحاول تذكّر ما حدث… وليتها لم تتذكّر.
+
تذكّرت كيف تركها وذهب ليحتوي حبيبته، متجاهلًا إياها كأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياته، اختنق حلقها بغصّة مريرة؛ إذًا لم يأتِ لأجلها، ولم يضعها في اعتباره لحظة…
2
_" كنتِ عايزاه يعمل إيه يا نور؟ هتقارني نفسك بيها! "
تمتمت بحسرة ساخرة من نفسها، ومسحت دموعها بعنف محاولة إخفاءها عن العالم، أي عالم وهي وحيدة هنا في أشد لحظات مرضها كان رفيقها الفراغ، عندها لم يواسيها سوى ذكريات حبيب طفولتها وشبابها، ذاك الذي غاب وأخذ روحها معه…
+
_"حازم… " خرجت منها خافتة موجوعة مشتاقة ثم أضافت بقهر:
_" شايف!.... نورك انطفى من بعدك"
+
توالت شهقاتها الحارقة توجّه إليه عتابًا طويلًا، تشكو له حالها وكيف صارت وحيدة بلا ملجأ بعد رحيله....
+
دخلت الممرضة مسرعة فرأتها على حافة انهيار حتمي، اقتربت تهدئها بمهنية:
_"حضرتك بخير، ما تقلقيش… حمدًا لله على السلامة، هطلب الدكتور حالًا ماتتحركيش من فضلك"
+
أنهت جملتها وخرجت مهرولة، بينما لم تُبالِ بها نور، جمعت شتاتها وتحركت رغم تعبها نحو الخارج، تستند إلى الجدار بضعفٍ شديد.
+
تأوّهت، وانزلقت يدها إلى موضع الجرح في بطنها، تشعر بشدٍّ مؤلم دون أن تفهم ما بها،
تجاهلت الوجع وأكملت، حتى وجدت ممرًا طويلًا خاليًا من البشر في غفلة عجيبة من قِبل رجال الحراسة،
+
مضت فيه باستسلام، ليقودها في نهايته إلى بابٍ خارجي، ترى وراءه ضوء الشمس وهي تستعد للغروب، جذبها الضوء نحوه… فخرجت إليه، واختفت معه، مُغلِقةً خلفها باب العودة.
1
----------------------
+
في ذات الوقت حيث الساعة التي تفصل بين ضوء النهار وظلام الليل....
+
نرى ذلك العنيد الغاضب يجلس قدميه داخل المياه وجسده فوق رمال الشاطئ لا يبالي برطوبتها غارقًا في تفكير مُكثف ليجد طريقة للخروج من ذلك السجن كما يُسميه،
على النقيض تمامًا كان خلفه على بُعد مترات يجلس عز يُغذي النار بالخشب وينعم جوارها بمشروبه المُميز مع بعض المقرمشات التي رفضها توأمه بعناد...
+
_" سيف "
هكذا صاح عليه بصوتٍ مرتفع فعض الآخر شفته بضيق ولم يرد فابتسم عز بتسلية يتعمد مُشاكسته:
_" لقيت كيس بالخل والملح "
+
شد سيف قبضته واستمر على موقفه فسمعه يفتح الكيس ويأكل بتلذذ ثم جاء صوته من جديد أكثر جِدية:
_" على فكرة ممكن نتكلم في الشغل كمجرد زُملا ونستفاد من خبرات بعض "
+
_" احنا فعلًا مش أكتر من زُملا واحتفظ بخبراتك لنفسك " هكذا رد عليه ساخرًا..
+
ضغط عز على أعصابه ولم يعقب، لكن قلبه أجبره أن يدعوه للطعام:
_" ماشي يا عم بلاش شغل، تعالى بس جنب النار اتدفى وكُل حاجة، اعتبرني مش موجود "
+
كل ما أراده هو راحته، يعلم أنه لم ينم ليلة أمس، حيث راقبه طوال الليل من النافذة بعدما رفض سيف الاستماع إليه ومع ذلك لم يبرح المكان إلا بعد وصول مصطفى بذلك الخبر الصادم...
+
*فلاش باااك
+
يجلس داخل سيارته أمام منزل أخيه، وقد غادر شادي بعد حديث طويل بينهما عن حادثة سلمى تمنى لو عرفه سيف أيضًا ليسكن ألمه، زفر نفسًا مكتومًا وهو ينظر للأعلى حيث غرفته المُضاءة......
+
سيف ذلك الصغير رغم تماثلنا، يرغمني على التحول من جبروت كيان كالسراب إلى هشاشة أخٍ ك عز، حتى بتول أرغم ذاته على تجاهلها فقط تجنبًا لغضبه....
+
_" أخيرًا لقيتك "
انتبه لصوت مصطفى جواره، اعتدل فورًا يفتح باب السيارة يتطلع له بقلق مردفًا:
_" فيه ايه يا مصطفى! نور كويسة؟ "
+
_" آه نور بخير يعني لسة مستقرة... بس " همهم بها في تردد قبل أن يستكمل بجدية:
_" نتايج مراقبة الشباب لعارف وصلتني لحاجة مهمة لازم تعرفها "
+
أي عارف الآن! آخر ما يود الانصات لأخباره، استدار يعود للسيارة وهو يردف بجمود:
_" يبقى معندكش حاجة تهمني دلوقتي... اطمنت على تميم؟ "
+
_" أقدر أوصلك لوالدتك يا عز " هكذا قاطعه مصطفى فورًا مما جعل جسد الآخر يتصلب على باب سيارته....
+
والدتك؟! يالغرابة اللفظ!! كيف تُقال وكيف تُستشعر، آسف لكن لم تثير بي سوى تلك الضحكة القصيرة التي صدرت رغمًا عني....
+
وضع مصطفى كفه فوق كتفه وأضاف بهدوء:
_" حاسس بيك... لو ماكنتش صدفة غريبة أن الست نهال هي نفسها مرات عارف يعني أمك انت وسيف ماكنتش استعجلت أقولك إني وصلتلها "
+
السيدة نهال؟ يعرف أن زوجة عارف تدعى نهال لكن وقع الاسم مع اللقب خلق لديه تشوش ذهني جعله يستدير بملامح مُندهشة يهتف بترقب:
_" قصدك ايه؟! "
+
صمت مصطفى برهة ثم أكد قائلًا:
_" مدام نهال جارة نوح يا عز، عارف الديب كان عندها من أسبوع فاتأكدت أنها نفسها مراته اللي بيدور عليها... "
+
لم تخرج منه أي ردة فعل، صمت كما اعتاد أن يصمت، يتلقى كل شيء بهدوء، صدره يرحب بكل جديد دون اعتراض لكن لا ينكر أن هناك ضجيج ثار في قلبه، بعد سنواته التسع وعشرون يعرف هوية المرأة التي أنجبته، بل التقاها مسبقًا لقاءًا لازال أثره موجود داخل ذاكرته...
+
فاقد حاسة تذوق يُطالَب بالتفرقة بين حلوٍ وحامض، ذلك الوصف الدقيق لموقفه الآن، ابتلع غصته ليخرج صوته عميقًا جادًا كما لم يكن:
_" يعني ايه أمي!... ما هي مدام نهال عادي... هو المفروض فيه فرق؟ "
+
أسئلة جادة لا غبار عليها تعبر عن جهلٍ حقيقي يظهر في أحرفها بوضوح، فعليًّا هل هناك فارق يجب أن يشعر به!!
+
_" آه يا عز فيه فرق " خرجت خافته من رفيقه يتحكم في مشاعره المُشفِقة، فالتمسها عز ليرسم نصف ابتسامة ساخرة وهو يردد خابطًا كتفه:
_" طول بالك يا درش انت هتعيط ولا ايه؟ ماكانش سؤال يعني، ماتخافش مش هكدرك... و شكرًا على تعبك "
+
بلل مصطفى شفتيه وابتسم له بهمٍ ثم سأل بحنو:
_" يعني انت كويس؟ "
+
سكت قليلًا قبل أن يومئ بجفنيه متنهدًا :
_" آه تمام ماتقلقش "
+
عندها تحدث الأول يُقر بحقيقة أخرى:
_" طب فيه حاجة كمان لازم تعرفها... "
+
_" امممم " همهم بها بتيه فاستطرد مصطفى في أسى:
_" مدام نهال اتعرضت لمحاولة قتل من واحد من رجالة عارف لما كان هناك... أخدت رصاصة في كتفها "
+
للعجب ظهرت عليه معالم الصدمة هذه المرة كأنه الخبر الوحيد الصادم في كل ما قِيل، استكمل مصطفى يسرد ما حدث:
_" كان تبع مراته نرجس ومدسوس وسط رجالته بأوامرها.... "
+
ثم أخرج ورقه صغيرة وقدمها له مستكملًا:
_" ده عنوان المستشفى اللي موجودة فيها، نوح اللي أخدها على هناك "
+
باااااك *
+
خرج من أفكاره على صوت اصطدام الحجارة بالمياة فابتسم بدفئ وطالت به الثواني وهو يراقب سيف هل سيأتِ وقتًا يطلب فيه رؤية أمه أم سيبقى بعيدًا رافضًا استكشاف عالمهما....
+
ابتلع غِصته وحمحم يستحضر الثبات في صوته وعاد ينادي عليه مازحًا:
_" فامبي!..... اشقط "
+
التفت سيف برأسه ليوبخه كي يتوقف عن توجيه الحديث إليه لكن قابله كيس المقرمشات في وجهه تمامًا فاتسعت عيني عز مرددًا:
_" أوبس... صدقني ماقصدتش "
+
اشتعلت نظرات سيف ولم يتحمل مزاحه الثقيل على قلبه، وقف بضجر شديد يتحرك نحوه وهو يصرخ:
_" انت عايز مني ايه بالظبط، فاكر انك هتصاحبني بحركاتك دي، أعاملك ازاي عشان تفهم اني مش قابلك ولا طايق وجودك "
+
أنهى صراخه المتجبر يركل الرمال بجنون فأخفى عز اضطرابه ببراعة ووقف أمامه نابسًا بتريث:
_" معلش لو فيه جزيرة تانية حوالينا كنت روحتها وسيبتك تاخد راحتك بس النصيب بقى... نستحمل بعض "
+
حك سيف جبينه يكتم نيرانه ثم بلل شفتيه وتحدث بنفاذ صبر:
_" حد قالك قبل كدة انك بارد... وبزيادة "
5
لم يبدي عز استجابة فابتسم سيف متشفيًا يصيح بتهكم:
_" ايه ده الباشا زعل!! أخيرًا!!"
+
بادله عز الابتسامة لكن الفرق أنها كالعادة تواري وجعه وقال ببرود:
_" عارف مشكلتك ايه يا سيف؟! "
+
رمقه الآخر بأعين ضيقه فأكمل بنبرة مختنقة رغم هدوئها:
_" انك شايفني المذنب وسبب كل اللي انت فيه، بس لو فكرت شوية هتعرف أني زيي زيك لا الواقع ده اختياري ولا في ايدي أغيره "
+
اشتدت أعصاب سيف بصمت، يعلم أنه مُحق لكن هو أيضًا يملك حق القبول أو الرفض لذا برر موقفه بصوت قاطع:
_" والواقع بتاعك ده أنا رفضته، حقي "
+
حرك الآخر رأسه بيأس وهتف يعاتبه:
_" انت كدة مش بترفض غيري يا سيف "
+
أومأ بإصرار مؤكدًا استنتاجه:
_" بالظبط كدة كويس انك استوعبت ده بسرعة، ابعد عني ياخي "
+
_" ليه!!! " هتف بها السراب بنبرة مُضطربة ليست تشبهه ثم استطرد قابضًا على يديه ليحكم انفعاله:
_" اشمعنى أنا استقبلت وجودك من قبل ماشوفك حتى، مجرد ما عرفت ان فيه سيف وأنا اتقسمت نصين، نص ليك والتاني عشانك، اشمعنى أنا فرحت بيك وسعيت أتقربلك؟ دا حتى وجودي معاك استكترته على نفسي عشان مابوظلكش حياتك... يبقى ده موقفك من الرابط اللي بينا ليه هو أنا اللي صنعته!؟ "
+
تنفس سيف بتقطع وهو يحرك وجهه عنه، يصارع نفسه وثباته، والسراب لا يختلف عنه بينه وبين البكاء شعره جعلته يُتمم كلامه بخفوت ساخرًا من نفسه:
_" عارف! أنا طلعت مسكين أوي يا سيف.... اتعودت أدفع مشاعر في وَهم لمجرد أنه بيساعدني أكمل، عمرك شوفت غباء كدة! "
+
لم يَخفَى عليه مغزى حديثه بالفعل يقصده هو وبتول، انسحب عز من أمامه قبل أن يقع لسانه بحديث يثير شفقة أخيه فقط وهذا آخر ما يريده..
+
لكنه توقف متنهدًا وأردف ببرود دون أن يلتفت:
_" نسيت أطمنك على أختك معلش، ارتاح.... ابن كمال ماقربش منها "
+
جملته أخرجت سيف من تشتته على الفور وجعلته يهتف بلهفة:
_" يعني ايه؟! "
+
رسم نصف ابتسامة وقال بفتور:
_" مصطفى لحقها، ابقي اسأله "
+
بعد وقت استقر فوق صخرة بعيدة كأنه تمثال نُحت موضعه، بينما وقف سيف يرمقه بمشاعر متخبطة، يراجع حديثه محتارًا في فهم ذاته وماذا يريد...
+
---------------
+
_" يلا حمدًا لله على السلامة " قالها نوح وهو يقف أمام المنزل بدراجة نارية قديمة يستخدمها في عمله مؤخرًا
+
نزلت سالي و سهى من خلفه لتتقدم منه الصغيرة تجذبه لتقبل خده هاتفة:
_" شكرًا عشان أخدتني أشوف خالتي نهال وماسمعتش كلام ماما "
+
ضحك بخفة وهو يحرك يده على شعرها مازحًا:
_" مبسوطة قوي بعقوق الوالدين ياختي! "
+
أومأت بقوة وهي تضحك ثم ركضت للداخل تصيح بحماس:
_" هديها الوردة اللي قطفتها وهتتصالح على طول "
+
لحقتها ابتسامة نوح و سهى التي التفت نحوه تردف بهدوء:
_" تعالي اتعشا الأول وابقى ارجع "
+
رفض بلطف مبررًا:
_" معلش عشان ماسيبهاش لواحدها كتير، هاكل أي حاجة لما أوصل ماتشيليش هم "
+
_" طيب اللي يريحك "
+
_" سهى " تراجعت تنظر إليه بانتباه فتنهد ناصحًا بحنو:
_" ركزي في مذاكرتك ماتشغليش بالك بحاجة "
+
أخفضت عينيها وقالت بحزن:
_" غصب عني يا نوح، بس هحاول "
+
شجعها بيقين:
_" ومش مطلوب منك أكتر من كدة... يلا في رعاية الله "
+
كادت ترد لكن حضور تلك الداهية قاطعها....
+
_" سهى أخيرًا اتلميت عليكِ مختفية فين يابنتي ؟!" بالفعل كان صوت شهد التي هرولت تضمها وتردد تلك الكلمات حتى قبل أن يدركا وجودها بل والتفتت لمَن عبأ الغضب صدره تُكمل بدلال:
_" ازيك يا نوح عامل ايه!؟ ليك واحشة، طمنوني على الخالة نهال صحيح "
+
لا وصف سوى الاستفزاز ينبعث من تلقائيتها المصطنعة، لم يخفض نوح بصره كعادته بل احتدت نظراته كأنه يحذرها من الاقتراب ثم خرجت نبرته لا تقل حدة:
_" كويسة، ادخلي بقى يا سهى عشان أمشي أنا "
+
ردت شهد بسماجة:
_" لا ماتقلقش هي رقبتي لو رجعت مالقتهاش حاسبني أنا يا سيدي "
+
استجابة سهى لأمر عينيه وابتعدت عن شهد وهي تتجه لمنزلها وتغلق بابها دون كلمة تحت ذهول الأخرى في حين رد عليها نوح ببرود:
_" مش هستنى لما أرجع مالقيهاش؟!... ولو على الحساب هنتحاسب ماتستعجليش "
+
فقط ورحل من أمامها هو الآخر وتركها على صدمتها مما دفعها لتتمتم بحقد:
_" ماشي يا سهى الكلب هي بقت كدة، لما نشوف هيعمل ايه لما يعرف فضيحتك يا طاهرة "
+
كاد يخرج من الحارة قبل أن يعوق طريقه مجموعة من الشباب على رأسهم رامي، فزفر نوح بضيق فليس وقته إطلاقًا...
+
_" ايه يا شيخ مش تقولي حمدًا لله على السلامة، صحيح قليل الأصل"
+
لم يهبط نوح عن مركبته، نظر في ساعته ممتعضًا ثم قال بهدوء يتجنب الجدال:
_" أجل اللي عندك يا رامي وقتي مش ملكي الأيام دي، وانت ابن بلد وبتقدر "
+
ضحك رامي بسماجة واقترب يخبط على كتفه بغيظ دفين مردفًا:
_" طب وانت كان فين تقديرك لما استغليت غيابي وضحكت على أختي يا شيخ "
+
انعقد حاجبي نوح بجهل وصفن برهة، ثم نظر لملامح الشابين معًا ليتذكر فورًا ذلك الموقف حينما أنقذ أخته من مضايقتهما فحرك رأسه بيأس وقال:
_" الله يهديك يا رامي، الله يهديك "
+
تحرك خطوة أخرى بالدراجة ليفتح رامي سلاحه أمامه بتهديد صريح:
_" كلامي ماخلصش يا نوح أنا يا قاتل يا مقتول النهاردا، هات من الآخر وقولي مالك بأختى؟! بنت عمتك و..."
+
_" لسانك!!! " هكذا صاح فيه نوح بخشونة وقد ارتفعت نبرته وهو يستكمل بغضب ليس من شيمه:
_" لو رجولتك جايباك تلت كتير في سيرة أختك دي نطاعة مليش فيها إنما تفكر مجرد تفكير في حاجة تخصني هخرسك "
+
بالفعل أصابهم الخرس من هول المفاجئة، ونظروا لبعضهم برهة ليزفر رامي بغيظ وعاد يتحدث ساخرًا:
_" الله ما بتعرف تتكلم أهو يا شي... "
+
_" و بعرف أضرب كمان يا حبيب الشيخ.... بقولك ايه يالا أنا صابر عليك عشان عارف آخرك، معووج ومحتاج درس يقيمك، بس نصيحة لله احمي أهل بيتك من شيطانك والشياطين اللي ممشيهم وراك، أظن أختك وصلتك اللي حصل منهم ماترفعش قرونك وصدقها لله.... اوعى "
+
فقط أنهى كلامه اللاذع الذي نزل كالسوط على جلد رامي وتحرك بالدراجة في سرعة أرغمتهم على افساح الطريق له.....
+
-----------------
+
داخل مبنى الجهاز كان الوضع رأسًا على عقب، اجتمع شاكر بعدد من الضباط ينتظر معلومة عن راجح بعدما رأوا استغاثة مسك لكن دخل فارس يحمل خيبة أمل في قوله:
_" شاكر باشا للأسف عرف يخبيه، البوليس مالقاش ليه أثر في بيت سلمان، قال ان بنته مش واعية وتحت تأثير الأدوية "
+
اهتزت حدقتي شاكر بصدمة وأمر بإنصراف الجميع في اللحظة التي وصل فيها بكر يُنهي مكالمة هاتفية بنبرة حاسمة:
_" مستنيك ماتتأخرش "
+
ثم تحدث بغضب مكتوم مع شاكر وعينيه تشتعل مع كل حرف:
_" ماتقلقش يا باشا هلاقيه... لو لزمت هخطف سلمان نفسه لحد ما يوصلني ليه "
+
هنا تحدث شاكر بفحيح:
_" ولو لزم أكتر اعمل يا حضرة الظابط المهم سلامة زميلك... خليك معاه يا فارس "
+
أومأ فارس بطاعة في حين رتب بكر على كتفه ووجه له نظرة ذات معنى ثم قال:
_" لو احتاجت فارس هكلمه أكيد "
+
طمأنه فارس بعينيه وأخذه للخارج ليهمس بكر بسرعة:
_" هينفع؟! "
+
هز رأسه بثقة وجذبه للأعلى قائلًا:
_" آه بس بسرعة بقى قبل ما حد يحس بينا "
+
_" تشكر يا فارس جميلك في رقبتي "
+
ابتسم فارس بخفة و غمز عابثًا:
_" ماتسهاش بس وتنسى صاحبك هستناك هنا... اجري "
+
بالفعل استطاع دخول قاعة التحقيق ليتثنى له رؤيتها لهدف في رأسه، أما فارس فحدث زملائه في غرفة المراقبة ليكتموا الأمر عن القيادة نظرًا لعدم وجود ضرر من أي جانب...
+
أدخل البطاقة ليفتح الباب معه وهو يتعجب من سوء المكان وظلمته لكن واصل طريقه حتى دخل الغرفة المحتجزة بها...
+
_" ليلى " هتف بها بجدية ثم ضغط زر الاضاءة ليجدها تتكور على نفسها جوار السرير الحديدي ورأسها مدفون بين ذراعيها...
+
ضغط فكه يلعن عجزه في تفسير ما يصيبه برؤيتها، لما تتسرب إليه مشاعر شفقة الآن وهدفه واضح يريد منها إجابة واحدة وسيرحل...
+
_" مش معايا وقت كبير، ياريت تردي عليا بصراحة "
+
أيضًا لم تصدر منها حركة فتنهد باختناق ورفع نبرته بحدة:
_" كان قصدك ايه لما قولتي اني بظلمك زيهم؟! "
+
سكوت ليس غيره، انفعل يلعن ذاته وهتف بجفاء:
_" دي كانت فرصتك الأخيرة، أنا كدة خليت ذنب من ناحيتك، الظاهر عرفتي كتير عن شخصيتي وقدرتي تثيري فضولي بكدبة جديدة "
+
أنهى حديثه واستدار ليخرج لكن أوقفه همسها باسمه فأغلق عينيه بقوة وترقب فأضافت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_" كنت أمل اتحول للعنة، عمري ما هسامحك يا بكر "
+
اضطربت دقات قلبه بوجع صارخ، هرب الدفاع من عقله كأنه بالفعل أجرم بحقها،
للمرة الثانية يعزم على الخروج وتوقفه كلماتها التي جاءت مفاجئة له هذه المرة:
_" خد بالك من بثينة، جاركم حاططها في دماغه عشان ينتقم منك على اللي عملته فيه وفي أبوه... بعتلها تهديد قبل كدة على موبايلها بس كان معايا وكنت هتصرف... مالحقتش "
+
أتزيد حيرته أم تخدعه، كيف يضيع في تحديد نواياها!!.. أين ذهب ذكائه وخبرته!!!
+
زفر بحرارة واستدار بتمهل مستاءًا:
_" انتِ ايه بالظبط يا ليلى! ليه... "
+
سكت وجفلت ملامحه برؤيتها فأبعدت وجهها عنه لكن بعد فوات الأوان، اندفع يجسو أمامها يستفسر بجنون:
_" مين اللي عمل فيك كدة!؟ "
+
_" هدي نفسك يا باشا، ليه الصدمة؟! ايه كنت فاكرهم هيطبطبوا عليا في الاستجواب!! "
+
قالتها بسخرية وهي ترمي إحدى خصلاتها المقصوصة أمامه وأكملت تضحك بدموع:
_" مش أول مرة يتقص عادي... بس لو صعبانة عليك يعني فهمهم انهم لو قطعوا من جلدي مش هقول جديد عشان معنديش حاجة أقولها "
+
ارتفعت أصابعه دون وعي لتلتمس الكدمات على وجهها فأبعدته عنه بضيق أو لنقل بألم...
لا يعرف كيف انزلقت دموعه، يبدو أصبح لا يُفرق بين عدوه وحبيبه ليُظهر رعبه عليها أمامها كما لو كانت تخصه،
انتفض واقفًا يضغط قبضته بجنون وهو يركض للخارج كأن الجحيم يلاحقه....
+
قابله فارس مذهولًا من حالته ليصرخ فيه بكر فورًا:
_" مين المسئول عن التحقيق معاها؟!!! "
+
اتسعت عيني فارس وتلفت حوله قبل أن يهمس:
_" مالك يا بكر فيه ايه بس اهدا هتفضحنا "
+
ضرب الآخر يده في الحائط بكل قوته، انفعالًا لم يُرى عليه من قبل يُعيد سؤاله بجنون:
_" رد عليا يا فارس مييين؟! "
+
تأفف فارس بغيظ وأخبره:
_" فريق الرائد عاصم و... روزالين "
+
نفس هواءه كالنيران وفي لمح البصر كانت قدميه تأكل المسافة لمكتب عاصم واقتحمه بهمجية جعلت ذلك الثلاثيني ينتفض مشدوهًا قبل أن تصبح مقدمة ملابسه في يدي بكر يعنفه من أسفل أسنانه:
_" مين أداك الحق تستخدم الأساليب القذرة دي في التحقيق... انطق !!! "
+
تدارك عاصم الموقف ودفعه عنه بغضب صارخًا:
_" انت مجنون يا حضرة الظابط، ازاي تدخل مكتبي بالطريقة دي وتعاملني كدة "
2
ضغط شفته بقوة أدمتها وزجره بفحيح:
_" انت خليت فيها ظابط! ولا فاكرني مش واخد بالي انك مشخصنها معايا بالذات، خليك راجل وبطل أسالبيبك الرخيصة دي "
+
ضحك عاصم باستفزاز وقال:
_" هي الحكاية كدة! طب شاكر باشا عنده خبر بتصرفات تلميذه ولا نعلي صوت الفضيحة ونعرفه، أتاريك أخدت شهور عشان تسلمها "
1
اختفى استفزاز بلكمة التصقت بوجهه كانتقام صغير على حقارته، صك عاصم أسنانه بغل يشعر أن كبريائه كُسر خاصةً مع دخول روزالين ورؤيتها لما حدث، ارتفعت قبضته لينال من بكر لكن فشل أثر صوت شاكر الذي جمد الجميع مكانه:
_" ايه اللي بيحصل هنا "
+
كان الثنائي يتبادلان نظرات حارقة دون رد فأكمل شاكر وقد استنتج رأس الموضوع:
_" بكرا الساعة سبعة تكونوا عندي اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل... بكر "
+
التفت له بكر وأخفض عينيه يتحكم في أعصابه أمام رئيسه ليأمره شاكر بصرامة:
_" نفذ اللي أمرتك بيه... اتحرك "
1
رآه عاصم يخرج بهذه البساطة فثار ثائره مهتاجًا:
_" انت هتسيبه يمشي يا باشا دا... "
+
_" عاصم!! افتكر ان مش هو بس اللي اخترق القوانين... "
+
ثم نظر لروزالين بعدم رضا أكمل عليها بعد نظرة الاشمئزاز الذي رماها بها بكر قبل أن يخرج....
+
---------------
+
أنين يدوي صداه في مكان بارد حيث يرتمي بجسده كالجثة، فتح عينيه المتورمة من أثر الضرب لتظهر معه رؤية مشوشة، اندفعت تفاصيل ساعاته الأخيره لعقله...
+
انقلب على ظهره يأخذ أنفاسه بصعوبة، مكث دقائق على هذا الوضع، استعاد جزءًا من قوته ليعتدل متمتمًا بتوعد:
_" الصبر "
+
سكن يرهف السمع للخطوات التي تقترب منه ببطء حتى أصبحت على بعد بسيط منه، أغمض عينيه مع فتح باب القبو ونزول أحدهم بحذر...
+
شعر به راجح جواره تمامًا ويده امتدت لذراعه وقبل أي حديث قبض راجح على يده ولفها حول رقبته وهو ينتفض مسيطرًا على الوضع ليستوعب أنه ليس رجلًا بل...
+
_" دا أنا يا راجح " هتفت بها بأنفاس مرتعبة فعقد حاجبيه بصدمة وهو يحررها مردفًا:
_" فرحة!!... ازاي دخلتي هنا... أنا فين؟! "
+
التفتت تنظر له بأسف متمتمة:
_" تنقطع اديهم البعدة دا انت متشلفط خالص "
+
_" مش وقته أنا كويس فهميني أنا فين"
+
_" في قبو تحت البيت الباشا حبسك فيه... تعالى معايا "
+
لم يدرك شيئًا فأوقفها يستفسر بجدية:
_" على فين، ازاي سابوكِ تدخليلي؟!"
+
تحسست ذراعه تستعجله بملامح خائفة:
_" هفهمك كل حاجة يا راجح بس يلا... حطيت منوم للأربعة اللي كانوا برا واتأكدت أن مفيش غيرهم في الطريق للبوابة الخلفية، لازم تهرب قبل ما يفوقوا "
1
أومأ بتيه وتحرك معها حتى وصلوا للحديقة الخلفية يستند عليها غصبًا، وهي أكثر من مرحبة بل تتمنى لو تراهم تلك الشقراء الكئيبة كما تسميها علها تتركه من نفسها...
+
_" فرحة.. ممكن طلب أخير "
وقفت تنظر نحوه بفضول وهي تردد في لهفة:
_" من عينيا يا راجح انت بتستأذن.. اؤمرني"
+
ابتلع ريقه وقال بإمتنان:
_" مش عارف ازاي هردلك جميلك ده... مستحيل أنسى كل مساعدتك ليا من لما جيت هنا "
+
ثم نظر لأعلى حيث غرفة مسك وكاد يضيف:
_" مش هقدر أسيب مسك لوا.... "
+
ابتسمت عينيها بمكر وهي ترى صدمته أما هو فتجمد ناظريه على المشهد القائم خلف الزجاج، عِناق حميمي بين رجلٍ وامرأة جعل عقله يتوقف مع لسانه،
حينها جاء دور حديثها الخبيث باشمئزاز مصطنع:
_" مالك بيه ماقدرش يسيبها لواحدها خصوصًا وأعصابها تعبانة قال... بيني وبينك لما شوفته طالع لها قولت دقيقة وهسمعها بتطرده برا زي الكلب بس زي ما انت شايف "
1
مستحيل!!! التفسير الوحيد الذي ضرب بعقله، اشتدت قبضته وهو يتحرك باتجاه الداخل في جنون لكن جذبته فرحة برعب:
_" رايح فين يا راجح، هتفضل راكن حالك وماشي وراه لحد امتى؟؟ فوق يا جدع انت وخاف على نفسك أكتر من كدة مش وقته لازم تمشي بسرعة "
+
سحبته للخارج ولازالت تترجاه ألا يفعل شيئًا ويفضح أمرهم، وصل للشارع كالمغيب صورة العناق تتأرجح أمام عينيه كاللهب أيعقل أنها في أحضان غيره الآن، وإن لم تكن هي فمن تكون؟!
+
صدم باحتضان فرحه له وابتعدت قبل أن يصدها ونظرت له بحب قائلة:
_" خد بالك من نفسك يا سي راجح، ارمي اللي يرميك وشغل عقلك يا ابن الناس... أنا لازم أرجع قبل ما يشكوا فيا... ابقى طمني عليك "
+
كانها تحدث صنمًا، أغمض عينيه بقوة يكتم صرخته فربتت على صدره ورحلت....
+
_" لا يا مسك لا " رددها بضياع و لازال واقفًا كالغارق في مأساته، ليس هو من ينسحب بتلك السهولة، مسح ثغره من الدماء بعنف وهو يستدير في طريق العودة لكن....
+
فجأة التقطت عينيه من بعيد سيارة تتحرك بأقصى سرعة ثم تباطأت مقابله في الجهة الأخرى ليخرج منها مجموعة من الأسلحة موجهة لصدره تمامًا، وشق الصمت صوت أحدهم يصيح بنبرة انتقام:
_" يومك وساعتك يا ابن الهلالي "
+
بعدها لم نسمع سوى طلقات متتالية ترهب الأجواء وسط الظلام....
7
------------------☆☆☆☆☆☆☆☆
يتبع...
+
رأيكم في الفصل؟
6
اضغطوا على النجمة ☆
+
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله
+
