اخر الروايات

رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم تسنيم المرشدي

رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الثالث والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي

***

بعد غروب الشمس حل المساء، فغادرت صبا برفقة عاصم إلى بيتهما، كانت تسبقه صبا بِخُطاها متوجسة خيفة من تلك المواجهة بينهما، حاولت الصعود سريعًا إلى الأعلى، لكنه أوقفها بسؤاله:
_ أنتِ ليه عملتي كدا، عايزة توصلي لإيه بِشُغل زينب معايا؟

تجمدت قدمي صبا فلقد حانت لحظة المواجهة فتضاعف توترها، لكنها جاهدت بألا تظهر ذلك، حمحمت والتفتت إليه واجابته بهدوءٍ مختلفة بعض الأسباب:
_ بصراحة عايزة اساعد زينب، البنت مرت بتجربة مش حلوة كنت عايزة أقدم لها الدعم واساعدها تشوف مستقبلها..

صمتت صبا ثم عاودت سؤاله بحرجٍ أكبر:
_ أنا ضايقتك؟

أخذ عاصم يتنفس بعض الهواء ليخبرها بما يدور داخله:
_ مش لدرجة ضايقتيني، بس انا معايا واحدة لو هي فعلا اخدت القرار وقبلت هعمل إيه بالاتنين؟

فكرت صبا ثوانٍ قبل تأتي باقتراحٍ:
_ لو قِبلت طبيعي بيكون فيه فترة تدريب، وليكن مثلا شهر وبعد كدا أكيد هتلاقي لها أي وظيفة عندك، ما شاء الله الشركة كبيرة وأكيد فيها أماكن تستقبل موظفين جداد!

أطال عاصم النظر بها فهو ليس لديه رد، بينما ذمت صبا شفتيها بخيبة الأمل وأردفت:
_ خلاص زي ما قولت لها على الشغل هحاول اشوف لها أي مبرر.. تصبح على خير

تركته لتصعد إلى الأعلى فأوقفها عاصم بكلماته:
_ متقوليش حاجة..

أدارت صبا رأسها ناظرة إليه وقالت:
_ مش حابة تكون مضايق أو مجبر على وضع...

قاطعها عاصم مرددًا بإيجاز:
_ وانا مش حابب تتحرجي معاها ولا هي كمان تتحرج قدامنا.. سيبها تمشي زي ماهي لما نشوف اخرتها إيه..

ابتسمت صبا بعفوية وشكرته ممتنة:
_ شكرًا..

ثم تابعت صعودها تحت نظراته التي تتآكلها، كم تمنى زوال الحاجز التي تضعه بينهما وإتمام زواجهما ليكونا زوجًا وزوجة بالفعل كما هو على الأوراق.

ضاق صدره وشعر بحاجته إلى الإبتعاد قليلًا ربما يمضي ذلك الشعور، فقرر قضاء سهرةً مع أصدقائه.

****

أغلق باب غرفتهما، ثم وقف يتابعها حتى توقفت فجأة ونظرت إليه قبل أن تسأله بجدية:
_ أنت طلعتنا بدري ليه، كنا نقعد مع الأولاد شوية..

دنا منها قاسم وأخذ وقتًا قبل أن يُردف سؤاله القلِق:
_ أحلام أنتِ كويسة؟ حاسة إنك تعبانة مثلًا، فيه حاجة وجعاكي؟

قطبت أحلام جبينها بغرابةٍ من أسئلته المبهمة بالنسبة لها وأجابت:
_ لأ أنا كويسة؛ بتسأل ليه؟

أخذ قاسم نفسًا وزفره قبل أن يخبرها بما يقلقه:
_ أنتِ مش ملاحظة إنك بتنسي بشكل ملحوظ؟

ابتسمت أحلام عندما أدركت سبب قلقه وحاولت طمأنته:
_ أنا بقالي فترة كدا، بس دي طبيعي يعني أنا برده مش صغيرة، وأكيد دماغي مش هتكون زي الأول أكيد هنسى حاجات..

وضعت يدها في خصرها وأضافت بحنقٍ مصطنع:
_ ليه؟ أنت بقى عايز تفهمني إنك لسه صغير ومش بتنسى حاجة؟

_ بنسى أكيد بس مش بالشكل دا؛ أحلام أنتِ بتنسي الحاجة اللي أنتِ لسه عملاها أو قايلاها، حاجات ميلحقش عقلك ينساها!
قالها بنبرةٍ يكسوها الخوف والقلق عليها، فاستشعرت هي ذلك، وقامت بتحسس وجهه بحنانٍ وسألته:
_ خايف عليا؟

عبست ملامحه وهو يُردد مستاءً:
_ ودا سؤال برده؟ أكيد طبعًا خايف عليكي، إحنا ضروري نروح لدكتور..

اتسعت حدقتي أحلام كما فغرت فاها ثم ابتسمت بخفة وهي تردد ما قاله:
_ دكتور مرة واحدة! أنت كبرت الموضوع كدا ليه؟

ثم زفرت بعض الأنفاس وهدأت نبرتها عندما رأت الخوف ظاهرًا في عينيه وقالت كلماتها لتطمئن قلبه:
_ خلاص يا سيدي نروح عشان أنت تطمن، ووقتها هتلاقي إن مفيش حاجة..

_ يارب
قالها قاسم متمنيًا عدم إصابتها بمكروهٍ لن يقدر على تحمله، ثم قام بضمها برفقٍ دون سابق إنذار ليُطمئن قلبها بوجودها جواره فبادلته هي عناقًا دافئًا يبرد القلب من مخاوفه.

***

للمرة التي لا يعلم كم لم يجد إجابة؛ فألقى الهاتف بغضبٍ على الفراش ووقف يصر أسنانه بحنقٍ وعقله يُخيل إليه بعض المشاهد التي زادته ضيقًا، رفع يده ووضعها في منتصف خصره يحاول التفكير في الوصول إليها حتى اقتحمت عليا عقله فهرول إلى الهاتف وقام بالإتصال عليها دون تردد.

لحظاتٍ حتى استمع إلى صوت عليا المنخفض:
_ وليد..

فأسرع هو بالتحدث إليها بلهفةٍ:
_ عليا، أنتوا فين ومش بتردوا عليا ليه؟ بكلم خلود من امبارح مش بترد عليا، اديهالي اكلمها..

أخذت نفسًا وزفرته وهي تختلس نظرةً على شقيقتها النائمة على قدميها وقالت بخفوت:
_ معلش خليها بكرة، أنا ما صدقت إنها نامت..

_ هو إيه اللي حصل امبارح؟ حد عمل لها حاجة؟
تساءل بنبرة مندفعة فلم تريد عليا إخباره بالأمر كاملًا فاكتفت بقول:
_ بص الدنيا مش مظبطة خالص من امبارح، وماما أخدت الموبايل من خلود ومنعاها تقريبا من أي حاجة غير إنها تقعد في أوضتها، أنا آسفة والله إني مردتش عليك بس كنت خايفة تسمع.. استنى بكرة وأنا هكلمك قبل ما حد يصحى وأخليك تكلمها.. ممكن؟

تلك الأثناء قلِقت خلود إثر صوت عليا على الرغم من انخفاض مستواه، نظرت إليها بعيون متورمة وقالت بصوتٍ مبحوح من وراء بكائها المستمر:
_ بتكلمي مين؟

وقع سؤالها على آذان وليد الذي هتف متلهفًا:
_ هي صحيت، خليني اكلمها..

أطالت عليا النظر بشقيقتها ثم ناولتها الهاتف وقالت:
_ وليد عايزك..

ثم أبعدت الهاتف عنها قبل أن تلتقطه وهمست:
_ بلاش تحكي له اللي حصل..

استشفت خلود إلى ما ترمي إليه عليا؛ فحتمًا لن تخبره عن صفعتها، أخذت الهاتف وابتعدت عن شقيقتها ثم حدثته بهدوءٍ مبالغ:
_ وليد..

_ أنتِ كويسة؟
سألها باهتمامٍ لمعرفة حالتها بعد أن استمع صوتها الذي يتخلله البحة، وما أن وقع سؤال وليد على مسمعها حتى انفجرت خلود باكية، حاولت التماسك لكنها فشلت بجدارة، فانتبهت على نداء عليا من خلفها، أدارت إليها رأسها فحذرتها الأخرى بعينيها الواسعة، فجاهدت خلود على منع دموعها حتى نجحت في ذلك وحاولت إنهاء الإتصال:
_ أنا كويسة.. هبقى أكلمك تاني..

رفض وليد إنهاء الإتصال وهلل عاليًا:
_ استني متقفليش، احكي لي اللي حصل، وليه كل العياط دا؟ زكريا عمل لك حاجة؟

نفت بحركة من رأسها كأنه يقف أمامها ولم تخبره بالحقيقة واكتفت بترديد:
_ لا محدش عمل لي حاجة، بس ماما شادة معايا شوية..

تأفف وليد بضجرٍ بائن وهو يحك مؤخرة رأسه، ثم قال:
_ أنا بكرة هتكلم مع عمي..

شهقت خلود بذعرٍ وهللت:
_ تتكلم معاه في إيه؟

_ في اللي بيحصل دا، يعني إيه تاخد منك الموبايل وتمنعك تكلميني، هو لسه أنتِ طفلة وبتعاقبك بالطريقة دي؟
قالها مُبديًا انزعاجه مما يحدث، بينما أبدت خلود رفضها التام للحديث مع والدها:
_ لا لا متتكلمش معاه في أي حاجة، ماما يومين كدا وهتنسى، بلاش بابا وليد لو سمحت لو عرف اللي حصل مش هقدر أبص في وشه..

بعد تفكيرٍ ساومه وليد بصوتٍ رخيم:
_ مش هكلمه بشرط!

_ شرط إيه؟
تساءلت بنبرةً يسكوها القلق والتوتر فأخبرها وليد عن شرطه:
_ هكلمك فيديو عايز أشوفك ومتقوليش لأ..

تفاجئت خلود من طلبه، ثم أسرعت نحو المرآة وتفقدت ملامحها فشهقت عندما رأت عينيها المتورمة ناهيك عن شحوب بشرتها وكأنها خالية من الدموية، أغمضت عينيها بضيق وحاولت رفض طلبه:
_ بلاش النهاردة.. خليها بكرة

بإصرارٍ تام على طلبه أردف:
_ دلوقتي يا خلود

أعادت خلود النظر على صورتها المنعكسة وبقلة حيلة هتفت:
_ طيب مترنش، أنا اللي هرن عليكي لما أكون جاهزة.. تمام؟

_ تمام
قالها وليد ثم أنهيا الإتصال وأخذت خلود تبحث عن بعض المساحيق التجميلية حتى تخفي آثار بكائها، فانتبهت عليها عليا وسألتها بحاجبين معقودان:
_ بتدوري على إيه؟

_ وليد هيكلمني فيديو، وعايزة أحط أي حاجة على وشي تداري المنظر دا
هتفتها وهي تتابع بحثها، فاستاءت عليا مما أخبرتها به وقالت وهي تقترب منها:
_ يابنتي بقى ملوش لزوم المكالمة دي بدل ما أمك تقفشك وتقلب عليكي أكتر..

نفخت خلود بضيقٍ شديد؛ ثم رفعت بصرها عليها وقالت:
_ لو مكلمتوش هيكلم بابا وأنا مش عايزاه يعرف حاجة

رمقتها عليا بطرف عينيها ثم أخرجت تنهيدة بنفاذ صبر واقترحت عليها:
_ ما تختاري فلتر أسهل لك من اللي أنتِ عايزة تعمليه دا

اتسعت حدقتاها وهي تتطلع بها بدهشة وقالت:
_ نسيت موضوع الفلتر دا خالص

ثم أسرعت في الإتصال على وليد بعد أن خصصت مؤثرًا بصري أخفى جزءًا كبيرًا من ملامحها الحزينة، وماهي إلا ثوانٍ حتى ظهرت صورة وليد على شاشة الهاتف، ابتسمت له فبادلها الآخر الإبتسام وقال:
_ زي القمر حتى وأنتِ معيطة..

إزدادت ابتسامتها بهجة وأخفضت عينيها في حياء، فتابع الآخر استرساله:
_ مش هقدر استحمل الوضع دا كتير بجد، لو فضلوا مانعين كلامنا مع بعض هكلم عمي..

نظرت إليه خلود بخوف وأردفت برجاء:
_ بلاش بابا يعرف حاجة، أنا هحاول أتكلم معاها بس لما تهدى، المهم أنت متعملش أي حاجة..

_ هحاول..
قالها فأشارت عليا بالإسراع إلى خلود التي هتفت:
_ طب أنا هقفل دلوقتي، تصبح على خير..

_ وأنتِ من أهله
وما أن قالتها حتى انتهت مكالمة وأعادت الهاتف إلى عليا التي قالت:
_ يارب أيامي اللي لسه باقية هنا دي تعدي على خير أصل أمك لو عرفت إنك بتتكلمي من موبايلي مش بعيد تلغي الجوازة كعقاب ليا..

قهقهت خلود وهتفت من بين ضحكها:
_ مش بعيد والله تعمل كدا فعلًا، دي قادرة

تلك اللحظة تفاجئن باقتحام هناء الغرفة متفقدة المكان من حولهما قبل أن تردف بنبرة صارمة:
_ تعالوا عشان تتعشوا ..

***

في اليوم التالي، من الصباح الباكر كان الشباب في مكان عملهما المستقبلي يتابعون التجهيزات، فقطع وليد ذلك الصمت السائد لبضعة من الوقت بقوله:
_ أنا جعان، مش هتفطروا؟

_ وأنا كمان جعان بس مش قادر أروح أجيب حاجة، حد يتكرم ويروح هو
قالها عبدالله ثم استلقى على الكرسي بكسلٍ فهتف وليد قائلًا:
_ تمام هروح أنا

فرفع عبدالله إبهامه قبل أن يردد:
_ جدع، خد المفتاح

ناوله مفتاح السيارة فتساءل وليد مستفسرًا:
_ هتفطروا إيه؟

أخبره عبدالله عما يريده بينما لم يشاركهم زكريا الحديث منذ وصوله، بل كان يتراسل في هاتفه، فلكزه عبدالله بقوة في ذراعه وقال:
_ بتكلم مين على الصبح كدا؟

أجابه زكريا دون أن يِبعد عينيه عن الهاتف:
_ شغل!

فاستنكر عبد الله عمله المبهم وهلل ساخرًا:
_ ماشي يا عم المهم، قول هتفطر إيه عشان وليد يجيب لنا

رفع زكريا عينيه في وليد ورمقه بنظراتٍ مستشاطة ثم صاح بحنقٍ:
_ مش عايز منه حاجة، هروح أنا..

تبادلا الشباب النظرات، قبل أن يُعيد وليد المفتاح إلى عبدالله ليُعطيه هو إلى زكريا الذي غادر المكان على الفور، فانتظر عبدالله حتى اختفى من أمامهما ثم تساءل بفضولٍ:
_ ماله دا؟

زفر ولدي أنفاسه بضيقٍ واضح وردّ بإيجازٍ:
_ سيبك منه..

قالها وسرعان ما ابتعد عن عبدالله قبل أن يتلقى سؤالًا آخر، وبعد مرور بعض الوقت عاد زكريا بالفطور، فكان عبدالله منشغلًا مع العمال فقال:
_ كلوا أنتوا وأنا جاي على طول

فاستغل وليد انفراده بزكريا وحادثه:
_ أنت هتفضل مصدرلي الوش الخشب كدا كتير؟

رمقه زكريا بطرف عينيه دون حديث فتابع وليد بتهكمٍ:
_ يا سيدي مش هتتكرر تاني، غلطة وبتحصل، المهم اللي بعد كدا، وبعدين أنا مش عيل جاي من الشارع عشان تعاملني كدا، أنت أكتر حد عارفني وعارف إن دي مش أخلاقي، مجرد حركة عفوية مكنتش محسوبة..

التفت زكريا نحوه بكامل جسده، ثم ضرب بيده على فخذ وليد وهدر باندفاعٍ:
_ غلطة كدا كدا مش هتتكرر تاني، سواء منك ولا منها، أنت مُجبر تحترمها ٣ مرات مرة عشان عمك ومرة عشان هي بنت عمك ومرة عشان هي اختي وأنت صاحبي، لو بصيت لها من كل الزوايا هتلاقي الغلط فيها مينفعش وعواقبه كبيرة..

دنا منه وليد حتى لا يتم سماعهما وأردف مستاءً:
_ خلاص بقى يا عم زكريا فهمنا، متزودهاش بقى..

_ لا ما أنا مش عندي زرار هضغط عليه هكون كويس، سيبني وأنا ههدى لوحدي
هتفها زكريا ثم استمع إلى رنين هاتفه، فنهض فور قرأته اسم المتصل وانسحب إلى الخارج، تلك الأثناء عاد عبدالله وناداه عندما وجده يذهب:
_ على فين يا ابني؟

أشار إلى الهاتف مُجيبًا إياه وهو يتابع خروجه:
_ هرد على المكالمة دي وراجع..

جلس عبدالله على كُرسيه وردد سؤاله:
_ هو إيه حوار مكالماته الكتيرة الأيام دي؟

_ معرفش، سيبك منه يلا ناكل
هتفها وليد بضيق من أسلوب زكريا الفظ ثم أخذ يفتح الطعام تحت نظرات عبدالله المتعجبة منهما.

***

بعد مرور ثلاثة أسابيع؛ انتهى اليوم حفل زفاف عليا، وأصبحت في عُش الزوجية الجديد، عادت العائلة إلى بيتهم بعد أن أوصلوها إلى بيتها واطمئنوا عليها، كان وليد يؤخر خُطواته وهو يتطلع بخلود التي تخشى النظر إليه.

لم يعد يحتمل، حقًا ذلك كثير ويفوق صبره، لن يصمت أكثر من ذلك، انتظر حتى بلغوا بيتهم وقام
بالوقوف أمام الباب ووجه حديثه إلى عمه بلهجة جامدة يخفي خلفها الكثير:
_ بعد إذنك يا عمي عايز أتكلم مع حضرتك في حاجة..

برقت عيني خلود وظلت تُشير إليه بعينيها ألا يفتعل حماقة خجلًا من أبيها، لكنه لم يكترث لها وصمم على وضع حد لتلك السخافة الحادثة، بينما دعاه محمد إلى الداخل بترحابٍ:
_ اتفضل يابني.. ادخل

ولج وليد البيت تحت نظرات هناء المستشاطة، وقد درّبت عقلها على بعض الأقاويل والردود إن أفشى عقابها لهما، أخذ وليد نفسًا بعد أن جلس على الأريكة مقابل عمه وأردف بثباتٍ:
_ دلوقتي يا عمي فيه وضع مضايقني وصبرت عليه على أمل إنه ينتهي أو يتحط له حد بس مفيش حاجة اتغيرت ولسه مستمر..

ضاق محمد بعينيه وهو لا يعي ما يقصده، وتساءل بجدية مستفسرًا عن كلماته المبهمة:
_ وضع إيه يا بني، وضح لي أكتر

ابتلع الآخر ريقه وسرق نظرةً على خلود التي تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها، تتشبث بالصمت كمن يتشبث بطوق نجاة في بحرٍ هائج، فرك أصابعها قد فضح توترها، ونظراتها المذعورة كانت تجوب عيون من حولها؛ تخشى كثيرًا رد فعل والدها، بينما لم يآبى لاضطراباتها وليد فهو تحمل لأسابيع دون سماع صوتها بسبب خوفها المبالغ ويجب عليه وضع حدًا الآن.

عاد بنظره إلى عمه وأضاف بنبرةً حانقة:
_ أنا من يوم خطوبتي وأنا ممنوع من كلامي مع خلود وممنوع من دخولي البيت دا بحجة انشغالهم في فرش بيت عليا!

قطب محمد جبينه بغرابةٍ فكلامه بدى غريبًا، تفقد هناء التي شعرت بالتوتر يُهاجمها لكنها قاومته ووقفت بشموخٍ بينما عاود محمد النظر إلى إبن أخيه وسأله بتعجبٍ:
_ وهتتمنع ليه بس يا وليد، دا بيتك يابني هما فعلًا كانوا مشغولين..

_ يا عمي موبايل خلود مش معاها، مرات عمي أخدته منها يوم الخطوبة وأنا من وقتها مش بعرف أكلمها غير سرقة من عند عليا دا لو ردت أصلًا خوفًا من مرات عمي..
قالها وليد مُبديًا استيائه، فتفاجئ محمد بما سمعه وخرج عن طوره وصاح عاليًا:
_ هو إيه اللي بيحصل بالظبط، ما حد يفهمني..

نظر إلى زوجته وقال بحدة:
_ في إيه يا هناء؟

أخذت الأخرى نفسًا عميق قبل أن توجه حديثها إلى وليد بغيظ:
_ طلاما اتكلمت قول السبب يا أستاذ وليد، ولا بتقول رد الفعل بس؟!

لم يُحرك وليد ساكنًا على عكس خلود التي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها؛ فرك وليد أنفه عدة مرات قبل أن يردف:
_ بص يا عمي أنا مش هبرر للي حصل وقتها، كانت حركة عفوية مني، واحد وفرحان بعروسته وغصب عني كان فيه حضن برئ...

نكست خلود رأسها في حياء شديد، لكن ما خفف ارتباكها قليلًا هو نسب وليد فعلتها إليه دونًا عنها، بينما صمت وليد ليستشف تعابير وجه عمه لكنه كان جامدًا فأضاف:
_ كان ممكن المشكلة تتعالج بتحذير أو أي عقاب بسيط وتخلص، لكن دا طول أوي، أنا كان ممكن أكون محروج منك وأصبر على الوضع دا لغاية ما ينتهي لوحده، بس بنتك أنا شاريها ولو تقبل من بكرة اتجوزها، فأنا فعلًا شايف رد الفعل مبالغ فيه، وبعد إذنك يا عمي أنا عايز أكتب الكتاب في أسرع وقت..

_ مفيش كتب كتاب دلوقتي، كتب الكتاب بنكتبه قبل الفرح بفترة بسيطة!
قالتها هناء باندفاعٍ فوجه محمد بصره إليها وقد شعرت هي ببركان غضبه من خلف نظراته الثاقبة، فابتلعت ريقها والتزمت الصمت ثم هتف محمد بجدية:
_ أنا مأمنك على بنتي يا وليد، يعني هي أمانة عندك وواجبك إتجاه الأمانة دي إنك تكون قد الشيلة، آمين عليها، تخاف عليها حتى من نفسك، أنا لو حد غيرك موقفي مش هيكون عقلاني كدا، ولأني شايف إنك شاري بنتي هخليك تكتب الكتاب بس مش عشان لا سمح الله أفتح لك باب للكلام الفارغ دا لكن عشان هناء ممكن تفضل على موقفها لغاية ما خلود تدخل بيتك، كتب الكتاب هنعمله تحليل لأي لمسة بريبة منك لبنتي زي السلام أو حتى النظرة مش أكتر من كدا يا وليد! ولو مش هتقدر على كدا يبقى كل واحد يروح لحاله يابني..

استنكر وليد آخر كلماته وأسرع في ترديد:
_ أنا هكون قد الثقة اللي اديتهالي يا عمي، متقلقش صدقني أنا هحافظ على الأمانة كويس أوي..

ربت محمد على فخذ وليد وصاح:
_ على بركة الله

ثم رفع رأسه في عيني زوجته وأمرها:
_ هاتي موبايل خلود يا أم زكريا..

صرت هناء على أسنانها بغضبٍ بالكاد تستطيع إخفائه داخلها، توجهت ناحية غرفتها وقامت بإخراج الهاتف من المكان التي تضعه به، عادت إليهم وقد أعطته لزوجها فقام بمد يده نحو خلود الساكنة وقال:
_ خدي موبايلك..

حركت خلود قدميها بصعوبة حتى وصلت إليه واستعادت هاتفها ثم عادت حيث كانت واقفة، بينما نهض وليد وقال بجدية حاسمة:
_ تمام يا عمي، هخلص الإجراءات ونحدد يوم لكتب الكتاب..

_ بإذن الله
قالها محمد مُكتفيًا بذلك الرد بينما استأذن وليد ليغادر، لكنه قد غمز خلود بمشاكسة خِفية، فابتسمت وسرعان ما أخفضت رأسها حتى لا يراها والديها، وما أن انصرف حتى هربت إلى غرفتها لكنها تفاجئت بنداء والدها، فعادت إليه ولم تنجح في التطلع إليه من شدة خجلها وقالت:
_ نعم يا بابا؟

_ بعد كدا لما يحصل حاجة تيجي تعرفيني متفضليش ساكتة حتى لو عاملة مصيبة، متخليش أمك تعاقبك زي الأطفال، تعالي لي أنا أعاقبك عقاب كبار
قالها محمد فنظرت إليه خلود ربما تستشف ما أن كان يُمازحها أم يتحدث بجدية، فانفجر محمد ضاحكًا فشاركته خلود الضحك دون النظر إليه، ثم أشار بيده على الأريكة فجلست هي بجواره ثم بدأ حديثه الجاد:
_ اللي حصل دا غلط، أنتِ عارفة كدا صح؟

عضت خلود شفاها بخجلٍ يشوبه التوتر؛ ثم أومأت برأسها فقال الآخر:
_ أنا واثق فيكي يا خلود، بلاش تخوني ثقتي فيكي.. لازم تحافظي على نفسك طول ما أنتِ لسه في بيت ابوكي، حتى لو واثقة ١٠٠٪ من الإنسان اللي معاكي، لازم تحطي حدود بينكم لأسباب كتير، أولهم الحرمانية، وتانيهم إنك تكوني كبيرة في نظره لما يلاقي احترامك لنفسك ولتالت سبب إنه الحاجات اللي بتحصل بين المخطوبين بغرض الحب دي بتقلل من رونق العلاقة بينهم، وبتحولها من علاقة بريئة محترمة لعلاقة شهوانية، والشيطان يلعب لعبته ويطلب حاجات أكتر..

أمسك محمد يدها التي ترتجف بتوترٍ ظاهري له، وقام برفع رأسها بوضع أصابعه على ذقنها، فنظرت إليه بعينين حمراوين وكأن شريانًا قد انفجر بهما، تفهم محمد حالتها ولم يُطيل بل اكتفى بختم حديثه مازحًا:
_ واضح إني قولت كلام كبير أوي

ابتسم ثم واصل:
_ برائتك دي عايزها تفضل لآخر يوم ليكي هنا يا خوخة، لو سمحتي بتعدي حدوده معاكي البراءة دي بتختفي وبيظهر وش تاني جرئ محبش أبدًا إنه يكون وش بنتي..

إزدردت خلود ريقها ثم أماءت ثانيةً فهي لا تستطيع إخراج حرفًا، فدفعها والدها للخلف بخفة وقال:
_ قومي بدل ما أنتِ بقيتي شبه الطمطماية كدا.

لم تنجح في إخفاء ضحكتها التي تشكلت على محياها وسرعان ما اختفت من أمامه هاربة، وقفت خلف باب غرفتها تستشنق الصعداء، تحاول ضبط وتيرة أنفاسها المرتفعة وتهدئة الضجة الحادثة داخلها، فلقد مر الأمر ولا يوجد ما تخشاه بعد الآن.

في الخارج؛ نهض محمد وتوجه إلى غرفته، فتبعته هناء ثم قامت بغلق الباب فبدأ الآخر حديثه فور دلوفها:
_ أنا مش حابب الليلة دي تنتهي بزعلة بس أي حاجة تحصل بعد كدا القرار يكون مشترك بينا، مينفعش أبدًا تلغي وجودي وتتصرفي أنتِ كأنك راجل البيت، لما أبقى اموت إبقي اعملي اللي أنتِ عايزاه

_ بعد الشر عنك، ربنا يرزقك طولة العمر
قالتها مستاءة من جملته، ثم نكست رأسها في حرجٍ شديد وبررت تصرفها:
_ أنا بس مش بحب أشغِلك بحاجات بسيطة وبتعامل معاها أنا لكن مقصدش أبدًا إني ألغي وجودك لا سمح الله

لم يتقبل محمد تبريرها السخيف وخرجت نبرته مندفعة قليلًا:
_ لا ياستي ابقي إوجعي راسي عادي، وبعدين متشغلنيش دي لما الرز يخلص وتتصرفي أنتِ، لكن أي قرارات أو مشاكل لازم أكون عارفها والقرار ليا أنا أو مشترك بينا، مفهوم؟

أومأت برأسها بقبول وهي تردد بطاعة:
_ مفهوم..

ثم أخذت جانبًا وبكت، فتفاجئ محمد ببكائها وتساءل بضيقٍ:
_ أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ مفتكرش إني اتكلمت بأسلوب حتى يخليكي تعيطي..

حركت هناء رأسها يمينًا ويسارًا نافية تعلق الأمر به قبل أن تُخبره عن السبب الحقيقي:
_ عليا مشت وسابت البيت، مش متخيلة إني هقوم الصبح مش هلاقيها زي ما اتعودت.. حاسة إن حتة من روحي راحت..

الآن فهم محمد الأمر، وحاول التخفيف من حزنها بقوله:
_ سُنة الحياة يا هناء، وبعدين متقلقيش شوية وتلاقيها حامل وترجع تقعد عندك تاني وبعدها تخلف وتقعد عندك تالت وتقعد رابع وخامس عشان تعبانة من العيال ومش قادرة عليهم، هما دول هيسيبونا دول

نجح في رسم البسمة على وجهها ثم استرسل متابعًا بعد أن غمزها بمشاكسةٍ:
_ خلي البيت يفضى علينا واستفرد بيكي بقى..

اتسعت حدقتي هناء مذهولة ورددت معاتبة:
_ يووه إيه اللي أنت بتقوله دا، عيب خلاص راحت علينا بقى..

تأملها محمد بإسيتاء ظاهر، قبل أن يهتف مستنكرًا:
_ راحت عليكي أنتِ أنا لسه شباب، وقومي يلا لما ننام عشان رجلي وجعتني من الوقفة طول اليوم

رمقته هناء بطرف عينيها قبل أن تنفجر ضاحكة ثم أردفت ممازحة:
_ لأ شباب شباب يعني..

شاركها محمد الضحك ثم بدلا كليهما ملابس حفل الزفاف بأخرى مريحة ليحظا بنومٍ مريح هادئ يعيد لجسدهما الحيوية.

***

عاد الجميع إلى بيت المزرعة بعد أن انتهى الحفل، ترجلت أحلام من السيارة ونظرت إلى زوجها وقالت:
_ هتروح البيت التاني؟

أماء قاسم، فقالت هي:
_ توصل بالسلامة..

اقترب منها قاسم وتساءل بجدية:
_ أنتِ مبتضايقيش لما بنام هناك يا أحلام؟

تقوس ثغرها ببسمةٍ قبل أن ترد:
_ مش لدرجة المضايقة يعني، بس أنا قِبلت نرجع لبعض وأنا عارفة إن حياتك مش ليا لوحدي، فمُتقبلة يعني..

رمقها بطرف عينه وتساءل بمشاكسة:
_ يعني أنتِ مبتحسيش بغيرة خالص وأنا هناك؟

قلبت أحلام عينيها مستنكرة أسئلته وهتفت:
_ أنت عايز إيه؟

_ عايز رد على سؤالي..
قالها وانتظر سماع إجابتها بفروغ صبر، بينما ابتسمت أحلام بخجل وقالت:
_ أكيد بغير يعني، بس برده العقل بيرجع يلومني ويقولي دا بيته ودا ابنه ودي مراته وليهم حق عليه زيك ويمكن أكتر..

ضاق قاسم بنظره وهو يترقبها ثم قال:
_ محدش له حق عليا أكتر منك أنتِ وولادي..

دنا منها وهمس بقرب أذنها:
_ مكنتش حابب حد يعرف الموضوع دا، بس أنا أصلًا بنام في أوضة لوحدي هناك..

تراجع ليستشف تعابيرها فوجد الدهشة تتجلى على وجهها ثم سألته بفضول:
_ ليه؟

أخرج قاسم تنهيدة مُحملة بذكرياتٍ مؤلمة قد سببه سؤالها وأجاب ببغضٍ:
_ اللي حصل زمان يخليني أعمل أكتر من كدا، بس فيه بينا آدم دا اللي مخليني راسي ومش بخرب البيت..

ربتت أحلام على ذراعه قبل أن تُردف:
_ بلاش كلام في الماضي هيضايقنا، يلا روح..

أومأ بقبولٍ ثم تساءل عن الساعة:
_ الساعة بقت كام؟

تفقدت أحلام ساعتها وأخذت وقتًا تحاول فيه معرفة كم الرقم، لكن المفاجأة أنها تُحاول تذكر العدد التي تراه وتفشل في الوصول إلى إسمه، تطلعت في قاسم الذي ينتظرها وسألته بريبة:
_ هو دا رقم كام دا؟

تطلع قاسم في ساعة يدها قبل أن يجيبها مرددًا:
_ واحدة وتلت!

ثم رفع عينيه عليها وقال:
_ أنتِ مش عارفة الرقم يا أحلام؟

ابتلعت الأخرى ريقها وقد راودها القلق لكنها حاولت ألا تُظهر، ابتسمت له وهتفت مصطنعة المزاح:
_ شكلي كدا عايزة أنام.. تصبح على خير

_ إحنا بكرة بعد ما نخلص من جلسة زينب هنروح لدكتور، مستحيل أسكت على اللي بيحصل دا!!
هتفها بحسمٍ فأرادت أحلام أن تُطمئنه:
_ مش عارفة أنت مكبر الموضوع كدا ليه؟ أنا كويسة متقلقش

هز قاسم رأسه رافضًا الإستسلام لها وصاح:
_ ولو، نطمن برده..

ماشي، نروح بكرة، يلا روح بقى عشان متتأخرش أكتر من كدا
قالتها فلم يُبرح قاسم مكانه لفترة، ظل يتطلع بها ثم تحرك مُبتعدًا عنها ونظريه لا يفترقان عنها، حتى استقل سيارته، فأشارت إليه أحلام مودعة قبل أن يختفي من أمام مرأى عينيها.

فدب الرعب أوصالها وأعادت النظر إلى الساعة، والعشرات من الأسئلة قد هاجمتها، ولكن أهمهم كيف نسيت ذلك الرقم؟ كان قلبها يخفق بقوة وشعرت لوهلة أنها ستخر أرضًا إن لم تتحرك سريعًا، فدخلت إلى البيت ومنه إلى غرفتها محاولة الهرب من أفكارها بالنوم لكنها فشلت، الأمر حقًا مخيف وقد سبب لها القلق على نفسها.

في الغرفة المجاورة؛ طرق عبدالله باب غرفة شقيقته، وقام بالدخول عندما سمحت له، فوجدها لم تُبدل ملابسها بعد، حمحم وهو يحك جبينه بخفة قبل أن يردد:
_ جاهزة لجلسة بكرة؟

ظهر على تقاسيمها بعض معالم الارتباك وهي تُخبره بما تشعر به:
_ مش أوي، بصراحة متوترة شوية..

قالتها وهي تفرك أصابع يدها ببعضهما؛ فاقترب منها عبدالله وربت على ذراعها قبل أن يُردف كلماته الداعمة:
_ متخافيش، أنا جنبك، وأنا واثق إن الموضوع مش هيطول، إحنا معانا كل حاجة ضده وتدينه.. أينعم الوقت متأخر بس أحسن مما مكنش يحصل خالص..

ابتسمت زينب بخفة وأردفت كلماتها المُمتنة:
_ شكرًا إنك جنبي، أنا أذيتك كتير ولو مكنتش وقفت جنبي مكنتش هلومك كان هيبقى معاك كل الحق..

قاطعها عبدالله بوضعه إصبعه على فمها يمنعها من مواصلة حديثها الذي أشعره بالإستياء وهتف مبديًا انزعاجه:
_ أنتِ عبيطة صح، يا زينب أنا أبوكي قبل ما أكون أخوكي، هو الأب بيقدر يستغنى عن ولاده؟

ترقرقت العبرات من عينيها مُتأثرة، ثم ألقت نفسها بين ذراعيه وظلت تردد نادمة:
_ أنا آسفة على اللي عملته فيك، واتسببت أنه يحصل، لو كنت فوقت بدري شوية يمكن كنت دلوقتي مع صبا....

_ ششش...
لم يدعها تواصل، وتراجع للخلف مُسرعًا وقال:
_ متفكريش في حاجة من دي دلوقتي

ثم ربت على كتفها وهو يُضيف:
_ يلا نامي عشان تصحي بدري وتكوني فايقة، تصبحي على خير..

_ وأنت من أهله، قالتها فأولاها عبدالله ظهره وخرج من غرفتها مهرولًا، أغلق الباب خلفه وظل واقفًت مُمكسًا بمقبضه عندما هاجم صدره الإختناق فجأة من وراء كلمات زينب عندما ذكرته بصباه.

لم يُحِب البقاء في مكانه، وخرج من البيت وأول ما سقطت عينيه عليه هو ذلك البيت الذي يحتويها داخله، شعر بوخزة قوية في قلبه، والعشرات من يا ليت قد تمناها لحظتها، يا ليت يُعاد الزمن فأولاياته حتمًا ستكون مختلفة حينها.

***

بدأ النهار يظهر؛ فتحولت السماء من الظلام إلى النور، وبدأ النور يعم الأرض شيئًا فشيئًا، وتعالت أصوات العصافير فوق سطح المحكمة التي تقف أمامها زينب وعائلتها.

يقفون في انتظار وصول المحامي؛ كانت زينب تفرك أصابع يديها بتوترٍ بائن، تقف إلى يمينها أحلام التي تُساندها ببعض الكلمات الداعمة تارة وتارة أخرى تدعو لها أن يمر الأمر على خير، بينما تقف إلى يسارها صبا التي حرصت على الحضور معها لتكن ضمن فريق الدعم.

على بُعد مسافة قريبة منهن، يقف قاسم الذي يُهاتف صادق ليعلم إلى أين وصل، وإلى جواره عبدالله الذي يطوق للتشفي في ذلك الوغد بعد ما أحدثه في أحبته.

مرت بِضع دقائق أخرى حتى وصل المحامي وترجل من سيارته برفقة حمادة الذي تلقى نظراتٍ تبغضه أشعرته بكُره الجميع إليه، فعاتبه قاسم قائلًا:
_ اتاخرت كدا ليه يا صادق، الجلسة خلاص هتبدأ

بأسفٍ واضح أخبره صادق عن سبب تأخُره وهو يتطلع بحمادة بضيقٍ واضح للآخرين:
_ معلش اعذرني يا قاسم بيه، على لما عرفت أوصل للأستاذ

حدج قاسم حمادة بنظراتٍ حارقة واندفع به ببفاظة:
_ أنت مش عارف إن عندك جلسة، بتتأخر ليه؟ خايف؟

دنا منه وباتت نبرته أكثر حدة وهو يهمس بشرٍ:
_ عندك حق تخاف، لأنك مش هتخرج من هنا غير على السجن!

اهتز داخل حمادة وسيطر عليه الخوف، لكنه جاهد على عدم إظهار ذلك، ثم نظر إلى المحامي وقال:
_ أروح على فين يا أستاذ؟

أشار صادق إلى باب المحكمة وقال بإيجازٍ:
_ من هنا..

ثم وجه حديثه إلى قاسم وحذره بعملية:
_ بلاش تتعامل معاه، خلينا في السليم عشان ميقدرش يمسك علينا أي ثغره..

هز قاسم رأسه بقبولٍ، ثم تحرك صادق إلى الداخل خلف حمادة، كما تَبِعه الجميع حتى وصلوا إلى قاعة المحكمة وأخذ كل منهم مكانه حتى جاءا القُضاة وبدأت الجلسة عندما نادى المُنادى على زينب وحمادة ورقم القضية فوقف كليهما وتفضل
صادق بأخذ مكانه أمام القُضاة ثم بدأ يترافع بهيئة شامخة ونبرة ثابتة:
_ سيادة القاضي حضرات المستشارين؛ أقف أمام عدالتكم اليوم لأدافع عن موكلتي السيدة زينب إبراهيم التي تعرضت لجريمة عنف جسدي شديد من قِبل زوجها، وهو الفعل الذي أدى إلى فقدانها جنينها، وهو ألم ومعاناة لا يمكن تصورها
إن ما تعرضت له موكلتي ليس مجرد نزاع عائلي، بل هو اعتداء جسيم يعاقب عليه القانون، ونتج عنه ضرر جسدي ونفسي بالغ، وأدى إلى إجهاض جنينها، وهو فقدان لا يُعوَّض
موكلتي ضحية لهذا العنف، وهي تستحق الحماية والعدالة، والقانون واضح وصريح في معاقبة كل من يتسبب في إزهاق حياة الجنين أو الإضرار بالزوجة
أطالب عدالتكم الموقرة أن تأخذ بعين الإعتبار معاناة موكلتي الجسدية والنفسية، وأن تفرض أقصى العقوبات على المتهم حفاظًا على حق الضحية، وردعًا لكل من تسول له نفسه الإعتداء على امرأة أو جنين
ختامًا، أرجو من عدالتكم إنصاف موكلتي، وتحقيق العدالة التي تستحقها، شكراً لعدالتكم

انتهى صادق من المرافعة ثم قام بتقديم التقارير الطبية التي تُدين حمادة مع سماع القاضي للطرفين وسماع الشهود وكان منهم وليد الذي حضر آخر واقعة، وبعد سماع المحامي الخاص بحمادة وطلبه بالحكم المخفف عليه، صدر القاضي كلمته النهائية لتلك الجلسة:
_ قررت المحكمة حجز الدعوى للنطق بالحكم بجلسة ١٥ سبتمبر، رُفعت الجلسة

ثم خرج الجميع من القاعة، وقبل أن يذهب حمادة تفاجئ بقوة من رجال الشرطة محاوطة إياه فتساءل هو برعبٍ وعينيه تتناول بينهما وبين المحامي:
_ هو في إيه؟

تولى مهمة الرد عليه ضابط المباحث بنبرة صارمة:
_ معانا أمر ضبط وإحضار من النيابة، بتهمة الإغتصاب، اتفضل معانا ..

دب الرعب قلب حمادة الذي برقت عيناه، إزدرد ريقه وحاول نفي التهمة عنه:
_ أنا معملتش حاجة.. معرفش حاجة عن اللي بتقولوه دا

ثم أدار رأسه ناظرًا إلى المحامي خاصته وهتف كغريقٍ يطوق للنجاة:
_ ما تقول حاجة يا أستاذ!

فتدخل لحظتها محاميه ووجه حديثه إلى الضابط:
_ ممكن أفهم بالظبط في إيه؟

بنبرة مندفعة أجابه الضابط:
_ هتعرف كل حاجة في النيابة يا متر، هاتوه

قال آخر كلماته وهو يُشير إلى القوة فأسرعوا نحو حمادة وقاموا بتكبيل يديه خلف ظهره مُجبرين إياه على السير فصاح الآخر عاليًا:
_ سيبوني أنا معملتش حاجة، كل دا افترى، أنا معملتش حاجة!!

لم يغلق فمه حتى اختفى من أمام الجميع المتابعين لتحركاته بتشفي، بينما كانت صبا من بينهم من تشعر بالإنهيار الداخلي، وكأن أحشائها ترتجف بقوة، تجمعت العبرات في عينيها لكنها تحلت بالتماسك حتى شعرت بيد أحدهم قد وُضعت على ظهرها تأزرها.

فالتفتت برأسها فوجدتها زينب من تربت عليها، وعندما تلاقت أعينهن تبخرت لحظتها قوة صبا وانفجرت باكية، اهتز كيان عبدالله وشعر بتزايد نبضات قلبه بعنفٍ، فلم يُفضل الوقوف مكانه وهرب من بينهم إلى الخارج.

تَبِعه وليد دون ترددٍ، بينما لاحظهم قاسم ثم نظر إلى من يرافقهم وقال:
_ يلا يا جماعة نتحرك، ملوش لزوم وقفتنا هنا

ثم تحركوا إلى الخارج، فتوجه قاسم مباشرةً إلى عبدالله ليطمئن على حاله:
_ أنت كويس؟

دون أن ينظر إليه حتى لا يكشفه والده ردّ:
_ كويس

ثم نظر إلى وليد ووجه حديثه الجاد إليه:
_ يلا عشان نكمل تجهيزات الإفتتاح..

أماء وليد بقبول فتدخل قاسم بسؤاله:
_ لو فيه حاجة ناقصة كلموني

_ تمام
قالاها عبدالله ووليد في آنٍ واحد ثم ركبا السيارة متجهين إلى مكان عملهم الجديد، بينما ركبت أحلام وزينب في سيارة قاسم الذي أصر على توصيل صبا إلى المستشفى لكنها رفضت مُعللة:
_ معلش يا عمي، بس أنا محتاجة أكون لوحدي شوية

_ طيب يابنتي خلي بالك على نفسك
قالها قاسم بنبرة حنونة فابتسمت له صبا وغادرتهم، بينما تحرك قاسم بالسيارة ليُعيد زينب إلى البيت ثم يصطحب أحلام إلى الطبيب.

***

وصل قاسم إلى عيادة الطبيب الذي قام بأخذ موعدٍ لديه ليقوم بعمل الفحوصات اللازمة لأحلام، دلفا إلى غرفة الطبيب عندما حان دورهما، ثم جلسا وبدأ الطبيب بالترحيب بهما قبل أن يتساءل بعملية:
_ خير إيه المشكلة؟

فتولى قاسم الرد عليه وأخبره ما يتعامل معه منذ فترة:
_ زوجتي يا دكتور بقالها فترة بتنسى الكلام والمواقف، مثلًا بنكون بنتكلم وبتكرر كلامها كذا مرة، بتنسى حاجات هي عملتها وممكن تعملها تاني، إمبارح مثلًا مكانتش عارفة رقم واحد دا إسمه إيه..

هز الطبيب رأسه قبل أن يتوجه بنظره إلى أحلام وسألها مستفسرًا عما تعيشه:
_ ممكن حضرِتك تحكي لي أكتر..

ابتلعت أحلام ريقها وبدأت تُخبره رويدًا رويدًا:
_ كل اللي قاسم قاله بيحصلي، وأوقات تانية مبكنش قادرة أحسب أعداد معينة رغم إنها بتكون بسيطة، وأيام الأسبوع ممكن تتوه مني ومش بكون عارفة النهاردة إيه غير لما أسأل حد من اللي حواليا..

صمتت عندما استشفت معالم القلق على وجه قاسم وابتسمت بخفة وقالت:
_ بس أنا شايفة إن دا عادي ممكن يحصل بحكم سني، أنا برده مش صغيرة يا دكتور

أخفض الطبيب نظره على الورقة التي أمامه على المكتب وتفقد عُمرها ثم ردد:
_ لا دا مش عادي يا مدام أحلام، ٥٣سنة مش سِن كبير عشان حضرتك تنسي بالدرجة اللي بتحكوها دي، عمومًا عشان نعرف أكتر إحنا بنتعامل مع إيه هكتب لحضرتك بعض التحاليل والأشعة ووقت لم يطلعوا ياريت حضرتك تيجي لي على طول، وإن شاءالله خير

كلماته لم تُطمئنهُما، بل ضاعفت القلق والخوف داخلهما، نهضت أحلام والخوف يكسو وجهها، رمقت الطبيب نظرة أخيرة ثم خرجت من الغرفة بعقلٍ شارد وخُطوات مُتهملة، خرج خلفها قاسم ثم هتف قبل ذهابهما:
_ الظاهر نسيت موبايلي جوا، خدي مفتاح العربية أقعدي فيها وأنا هحصلك..

لم تسمعه، فلقد كانت في عالم آخر تسبح في سمائه المظلمة، تخشى السقوط فجأة، فأخرجها صوت قاسم من شرودها عندما ناداها:
_ أحلام، بقولك خدي المفتاح وأقعدي في العربية
على لما اجيب موبايلي..

أطالت النظر بيديه الممدودة إليها، ثم أخذت منه المفتاح وغادرت، تحت نظراته التي تُطالعها بآسى شديد، فعاد هو إلى الداخل، ووقف أمام مكتب الطبيب وسأله بتوجسٍ:
_ لو سمحت يا دكتور، قولي حالة أحلام إيه؟ فيه حاجة خطيرة؟

دعاه الطبيب للجلوس ثم أردف:
_ أنا مقدرش أحدد غير بعد ما أشوف التحاليل والأشعة..

_ يعني الأعراض دي ممكن تكون إيه، أكيد حضرتك اتعاملت مع الحالات دي قبل كدا
قالها قاسم متأملًا إخباره بحالة أحلام بينما قال الآخر دون تأكيدٍ:
_ بص من الكشف المبدئي دا أنا شاكك إنه يكون بداية زهايمر، بس برده مش أكيد، لأن سِنها صغير على تعرضها لمرض زي دا، وبرده في حالات نادرة للأسف بتتعرض للزهايمر المُبكر، فمن هنا لوقت ما أشوف نتايج التحاليل والأشعة مش هقدر أأكد لحضرتك هو إيه بالظبط..

تجمدت ملامح قاسم، وكأن الزمن توقف لحظتها، حدق بالطبيب بعينين واسعتين يتقلب فيهما الذهول والإنكار، فهو لم يستوعب ما سمعه بعد، تحركت شفتاه دون صوت، يحاول إيجاد الكلمات لكنه لم يجد إلا صمتًا خانقًا، تسارعت وتيرة أنفاسه وتعالت، وانحنى بظهره قليلًا كأن ثقل العالم قد سقط عليه دُفعة واحدة، نهض بصعوبة عن مقعده ثم أولا الطبيب ظهره وجر قدميه بِثقل حتى خرج من غرفة الطبيب دون إضافة المزيد،
عاد إلى السيارة وتحرك بها دون أن ينبس بحرفٍ، وكذلك كانت حالة أحلام، لم يكن لديها ما تتكلم به فكان كليهما في حالة يرثى لها، وظلا تائهين في بحور أفكارهما حتى وصلا إلى البيت.

***

مساءًا حيث غربت الشمس وحل الظلام، خرجت ليلى من عند طبيبتها تقفز في الهواء، ناهيك عن قلبها الذي يتراقص على أنغام ذلك الخبر الذي أسره، لم تختفي الإبتسامة من على وجهها، فلقد إزداد حيوية ورونقًا خاص.

استمعت إلى رنين هاتفها فسحبته من حقيبتها وأجابت:
_ إيه يا خلود؟

_ أنتِ فين يا ليلى، عايزين نتحرك قبل ما المكان يتزحم هناك.. وليد كلمني كذا مرة
هتفتها خلود بلهفةٍ فردت ليلى وهي تُلوح بيدها إلى أحد سيارات الأجرة:
_ أنا لسه خارجة من عند الدكتورة، هروح أنا على طول، المكان أقرب لي..

_ طيب تمام، نتقابل هناك بقى..
أنهتا كلتاهن الإتصال؛ بينما عاودت ليلى الإبتسام ببلاهة وهي تتذكر نوع الجنين التي أخبرته عنه الطبيبة للتو، وبعد مسافة قد قطعها السائق، لفت انتباه ليلى متجرًا لبيع ملابس الأطفال، فهتفت بحماسة:
_ معلش لو سمحت أوقف على جنب، هشتري حاجة من المكان دا بسرعة ونكمل مشوارنا..

_ تمام يا مدام
قالها السائق ثم صف السيارة جانبًا أمام باب المتجر، فترجلت ليلى سريعًا وهي تطوق لشراء شيئًا من هناك، ولجت المتجر فاستقبلتها فتاة في مقتبل العمر بإبتسامة مشرقة وقالت:
_ اتفضلي تحبي أساعدك في حاجة؟

حمحمت ليلى وأخبرتها عما تُريده وعينيها تجُوب المكان من حولها بسعادةٍ:
_ آه بصراحة عايزة أعمل مفاجأة لجوزي عن نوع الجنين، ومش عارفة إيه اللي ممكن أشتريه، لو تقدري تفيدني..

بابتسامة عملية قالت الفتاة:
_ مم ممكن حضرتك تشتري تشتري حذاء بينك او لبني حسب النوع..

ثبتت ليلى عينيها على الفتاة عندما أعجبها اقتراحها وقالت:
_ حلوة الفكرة، ممكن أشوف الأشكال

_ أيوة طبعًا يا فندم اتفضلي
أردفتها الفتاة وهي تُشير إلى إتجاه معين، فذهبت إليه أولًا ثم تَبِعتها ليلى مُتلهفة لرؤيته، لمعت عينيها بوميضٍ خاطف عندما أمسكته الفتاة ثم خفق قلبها حينما لمسته بيدها، لم تختفي الإبتسامة من على محياها ثم هللت بسعادة:
_ هاخده..

فتساءلت الفتاة بعملية:
_ هتاخدي اللون دا ولا اللون التاني؟

نظرت ليلى إلى اللون الآخر قبل أن تُجيبها:
_ اللون التاني..

ثم قامت ليلى بشرائه وعادت إلى السيارة وأمرته بالتحرك إلى مكان عمل زوجها الجديد، بينما لم يُفارق الحذاء نظرها البتة، فكانت تعُد الثواني حتى تصل إلى زكريا على أمل أن يُصلح ذلك الحذاء علاقتهما، حتمًا سيتأثر قلبه لذلك الحجم الصغير عندما يكون بين يديه.

***

وصل الحضور إلى مكان الإفتتاح؛ كانت جميع العائلات والأصدقاء حاضرون، ناهيك عن تواجد بعض رجال الأعمال الذين على معرفة بقاسم.

وقف الشباب أمام الباب من الخارج بجانب بعضهما البعض، بهيئة تسر الأعين، وتحبس الأنفاس فكانوا يرتدون حُللًا سوداء كلاسيكية أظهرت وسامتهم.
ثم بدأت آلات اللهب المتراقص في التناغم مع بدء الموسيقى، فكان عرضًا حافلًا حاز على إعجاب الجميع، وبعد انتهائها تفرق الثلاثة حيث ذهب كلًا منهما إلى جِهة، فوليد قد توجه مباشرةً إلى خلود التي لم ترفع عينيها من عليه منذ وصولها، انضم إلى عائلته وتساءل بحماسٍ:
_ إيه رأيكم في المكان؟

أسبق محمد بالحديث مُبديًا إعجابه الشديد به وهو يجوب المكان من حوله بعينيه:
_ جميل أوي يابني، ربنا يجعله فتحة خير عليكم..

ابتسم وليد في وجهه قبل أن يُآمن على دعائه:
_ آمين

ثم نظر إلى والدته ومازحها:
_ إيه رأيك يا وزة؟

بابتسامة هادئة أردفت:
_ فرحانة أوي ليك يا حبيبي، ربنا يجازي أبو عبدالله خير على اللي عمله ليكم، بجد يسلم

_ فعلًا محدش بيعمل كدا دلوقتي..
قالتها هناء مختصرة، بينما وجه وليد نظره إلى عمه ليستسمحه:
_ ممكن يا عمي أخد خلود أفرجها على المكان؟

تفاجئت هناء بطلبه، وشعرت بحاجتها في الرفض لكنها تأنت قليلًا لتترك الرأي لزوجها فكان رده بإيجازٍ:
_ تمام يا بني بس متبعدوش..

بحماسة قد نظرا كليهما لبعض ثم مد وليد ذراعه إليها بعد أن اقترب منها، فتعلقت به ثم ابتعدا عنهما بينما لم تُبعد هناء نظراتها عنهما بملامح مشدودة تخفي خلفها ضجرها من قَبُول زوجها.

على جانبهم؛ كان يرافق عبدالله عائلته، حيث تبادل أطراف الحديث مع والده بامتنان كبير:
_ أنا مش عارف أشكرك إزاي، لو حد قالي من سنة كدا إني هيكون عندي مكان بالحجم دا مكنتش هصدقه وهقول عليه مجنون..

ربت قاسم على ظهره بحبٍ قبل أن يرد:
_ أنت تؤمر بس يا عُبد وكل حاجة تترمي تحت رجليك

بادله عبدالله الإبتسامة ثم أردف بجدية:
_ المهم لغاية كدا وتمام أوي، اللي بعد كدا بتاعي أنا، مش عايز أي مساعدات منك تاني، الناس اللي هنتعامل معاهم أنا هعرف أجيبهم منين كويس..

غمزه قاسم ومازحه:
_ ماشي يا سيدي، اللي يريحك

فابتسم له عبدالله بتلقائية اختفت فور رؤياه ظهور صبا مع عاصم، شرد بها عبدالله وبذلك الفستان البُنيّ الداكن ذو التفاصيل التي أضافت له رونقًا خاص لاق بها، كانت جميلة، رقيقة كعادتها، لكن اليوم كان جمالها مُضاعف، لا يعلم ما سببه، ربما تعمدت إظهار جمالها لكي تلفت نظره، وقد نجحت في لفت انتباه عينيه وسرقة قلبه الذي ضاق لمجاورة عاصم لها.

لم يتردد وتحرك نحوهما مُرحبًا بهما فبادرت هي بالتهنئة:
_ مبروك يا عبدالله على المكان..

أخذ عبدالله نفسًا عميقًا، قبل أن يرد وعينيه مُثبتة على خضراوتيها:
_ الله يبارك فيكي يا دكتـ....

صمت فجأة ولم يُكمل، فتسببت كلمته بوخزة لكليهما، أطالا النظر ببعضهما يُعاتبان بعض من خلال إشارات أعينهم، فلاحظ عاصم تلك اللغة اللذان يستخدماها وشد ملامحه حيث مالت للعبوس وهتف باقتضاب:
_ مبروك يا عبدالله

بصعوبة أبعد عبدالله نظره عنها وتطلع بعاصم وردَّ بتِيه:
_ الله يبارك فيك..

تلك اللحظة تعمد عاصم مسك يد صبا التي تفاجئت بأصابعها التي تخللت يده دون رغبةً منها، حاولت سحبها لكنه آبى وشد عليها حتى لا يمكنها التملص من بين يديه، ثم تحرك أمام عيني عبدالله التي تُحدق بيدها التي يحتويها يد رجل آخر.

قد لاحظه قاسم الذي كان يتابع من على بُعدٍ، وقام بالتوجه إلى عبدالله ليُخرجه من حالته فقال:
_ تعالى لما أعرفك على الناس اللي جاين لك مخصوص دول..

أجبره قاسم على السير حتى يُبعد نظره عن صبا وزوجها، بينما سحبت صبا يدها بقوة عندما ابتعدا عنه ولامته مندفعة:
_ أنت بتعمل كدا ليه؟

دنا منها عاصم وهمس:
_ سبق وقولتلك إنك مراتي ولازم دخولنا أي مكان يليق بيا وبإسمي..

رمقته صبا بنظراتٍ مشتعلة؛ ثم أبعدت عينيها عنه بعد أن تملكها الإستياء الشديد من فعلته فانعكست على تقاسميها العابسة.

***

تلفت حوله مُتفحصًا المكان جيدًا قبل أن ينتقي أبعد نقطة فيه حتى لا يُفضح أمره، تقوس ثغره للجانب مُشكلًا بسمة مثيرة على شفتيه عندما رآها في انتظاره، اقترب منها وتفقد تنورتها القصيرة التي تُظهر ساقيها بوضوحٍ له، ثم رفع بصره على بلوزتها المفتوحة وهتف بخبثٍ ونظريه لم يُبعدان عنها:
_ رِكنتي عربيتك فين؟

_ قريب من هنا، ليه؟
تساءلت بصوتٍ أنثوي يكسُوه الدلال المُبالغ فأجاب الآخر بنبرة ماكرة مثيرة وهو يقترب بوجهه من وجهها:
_ عشان أبوسها إنها عِطلت قدام ورشتي وعرفتني عليكي

فأطلقت هي ضحكة مائعة بصوتٍ عالٍ فأسرع هو بوضع يده على فمها مُحذرًا إياها:
_ لا إهدي كدا بدل ما حد يسمعنا..

ثم تحولت عينيه على جسدها فكان يتآكلها بنظراته التي يسيطر عليها الشهوة، فلاحظت هي تأثُره بها وظلت تُحرك جسدها لِتُزيد من رغبته بها، فهلل الآخر معاتبًا بلطفٍ:
_ ما تقفي على بعضك بقى، بدل ما أخطفك من هنا و....

_ وإيه، هتخطفها وتروح بيها على فين يا زكريا؟
صدح صوت ليلى من خلفهما فبرقت عيني زكريا لحظتها وكأنهما سيقفزان من محجريهما، دب الرعب أوصاله، كما تسارعت وتيرة أنفاسه وجف حلقه كأن الرمال قد عالقت فيه، استدار بجسده ورمقها بترقبٍ فانسدلت عبرات ليلى حسرةً على ما جعلها تعيشه، كان آخر شيءٍ تصورته هو خيانته لها بتلك الطريقة المقززة.

أولته ظهرها عندما فشلت في استجماع نفسها، وهرولت إلى الخارج برؤى مشوشة بسبب بكائها الذي لا يتوقف مُمكسة بالحذاء التي كانت ستفاجئه به، لحق بها زكريا بخُطواتٍ غير متزنة مارًا من بين الجميع فنظرا عبدالله ووليد لبعضهما بعد رؤيتهم على هذا الوضع المُقلق، فتحرك عبدالله أولًا إلى الخارج وتَبِعه وليد ليعلما ما الأمر.

في الخارج؛ حاول زكريا إيقافها بترديده النادم:
_ استني يا ليلى، اوقفي وأنا هفهمك كل حاجة..

تجمدت أقدام ليلى والتفتت إليه هاتفة من بين بكائها بنبرةً موجوعة:
_ هتفهمني إيه؟ هتبررلي أسباب خيانتك!

حاول زكريا الإقتراب منها فراودها تلك اللحظة اقترابه من المرأة وكلماته لها فشعرت بالإشمئزاز منه، فقامت بدفعه بقسوة وهللت بنبرة مشمئزة:
_ أنا بكرهك، إبعد عني

ثم ركضت مُبتعدة عنه تائهة بين البكاء والخُطى المُتعثرة، دموعها تنهمر بغزارة تهرب من وجعٍ غير مُحتمل لا ترى شيء سوى مشهده مع المرأة وكلماتهما تتردد في أذنيها كأنها إيقاعٍ لا يتوقف لحنُه البتة، حتى انطلقت صفارة سيارة فنظرت إليها ليلى بعيون واسعة وأنفاسٍ متقطعة قبل أن ترتطم بجسدها فرفعتها للأعلى ثم ارتطمت بعنفٍ في الأرض، فسقط الحذاء ذو اللون الزهري من يد ليلى وجاورها عندما غابت عن الوعي.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close