اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم صابرين


33- لا يوجد عيد ميلاد بدون مقلب
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
تنفس بهدوء وهو يتابع كشف الطبيب مرة أخرى عليه بينما يتحدث شقيقه بقلق ظهر في عينيه رغم هدوء ملامحه :
-ها يا دكتور عمر تمامًا دلوقتي ولا حصلت مضاعفات
أبتسم الطبيب بعملية مشيرًا إلى عمر الراقد على الفراش :
-اديك شايفه أهو بقى تمام أوي، اتمنى بقى تاخد بالك يا بشمهندس من تعليمات الدكتور، قالك تاخد مرة واحدة بس في اليوم، ازاي تاخد مرتين؟!
لاحت بسمة على ثغر ونس الجالسة على مقعد بلاستيكي بجانب الفراش :
-هو نصيب يا دكتور ونصيبه يدخل المستشفى، الحمد لله أنه كويس دلوقتي
نظر عمر إلى الطبيب متسائلًا عن موعد خروجه :
-طب انا عايز أخرج من المستشفى
-لأ مش هينفع لازم تبقى معانا مش أقل من أربعة وعشرين ساعة، زيادة اطمئنان مش أكتر
خرج الطبيب بعدما تمنى له الشفاء العاجل وقد لحق به سفيان مستفسرًا عن بعض الأمور ثم ولج للغرفة مرة أخرى وقد مد يده مبعثرًا خصلات عمر المبعثرة على أي حال ثم قال :
-كده يا عمر تخضنا عليك قلبي وقع في رجليا يا عم
ربت عمر على كف أخيه الذي استقر على كتفه ليقول سفيان معتذرًا منه على ذنبٍ ليس بذنبه :
-حقك عليا كان لازم اخد بالي منك بعد ما رجعنا من عند الدكتور بس انا انشغلت في القضية وانشغلت عنك خالص
نفى عمر برأسه بخفة فالذنب ليس ذنبه إذ قال :
-لأ متقولش كده انا اللي غلطان علشان مأخدتش بالي من كلام الدكتور وكنت فاكر الدواء الجديد بيتاخد زي القديم
طرق الباب وقد سمح سفيان للطارق بالدخول، فـفُتح الباب ببطء وظهرت خلفه رقية ووالدها والذي ولج أولًا للغرفة مبتسمًا بسمة مجاملة :
-ألف سلامة عليك يا عمر
ذوى الآخر ما بين حاجبيه متعجبًا وجوده، يعلم أن هذا والد رقية من الصور والفيديوهات التي شاهدها، ولكن لما هو هنا؟؟ استقرت عيناه على رقية التي دلفت خلف والدها تسترق بعض النظرات له
رحب سفيان بمحمد فهو لم يراه منذ فترة طويلة، ربما آخر مرة رآه بها كانت في جنازة والديه، استقامت ونس مرحبة بهما وقد سعدت لوجود رقية فلا تريد أن تضيع هذه الفتاة من حفيدها فهو يحبها بشدة، نظر محمد إلى سفيان ثم قال بنبرة لبقة :
-يونس قالي إني عمر جاتله ذبحة صدرية وانتقل للمستشفى
-آه بس هو كويس دلوقتي الحمد لله
وقد كانت نبرة سفيان هادئة بشدة، الفترة التي ابتعدت العائلتين عن بعضهما جعلت من الحديث غريب وثقيل، ورغم هذا أراد عمر أن يتحدث مع رقية قليلًا فقال بهمس وهو يجذب ذراع سفيان حتى يهبط له قليلًا :
-بقولك ايه انا عايز اتكلم مع رقية شوية، شوف بقى انت واتصرف
استغل الآخر أن محمد كان يتحدث مع جدته فقال على نفس همسه :
-انت عايز ترجعلها؟!
-آه بس خايف ابوها يرفض لأنه هو اللي بعدها عني
تبسم له سفيان بحنان مربتًا على كتفه ثم قال :
-طالما عايزها هقنعه، ولو عايز تتجوزها؟ في خلال أسبوع هتبقى مراتك
ولو في حالة أخرى غير هذه لكان ضحك بملئ صوتها ولكن صدره سيؤلمه وهذا بالإضافة إلى وجود محمد بالطبع، أعتدل سفيان في وقفته ثم هتف بنبرة جادة :
-دكتور محمد ينفع اتكلم مع حضرتك برا دقيقتين
نظر محمد إلى ابنته التي تقف صامتة منذ دلفت فقال سفيان بهدوء وكأنه قرأ ما يريد :
-جدتي هتفضل قاعدة يعني مش هيبقى عمر ورقية لوحدهم
خرج معه محمد مستسلمًا فتحركت أنظار عمر من على رقية إلى جدته وكأنه يتراجها بنظراته أن تتركه معها قليلًا، والأخرى فطنت لنظراته ورغم هذا قالت برفض :
-لا متبصليش كده مش هينفع اسيبكم من غير محرم ويبقى الشيطان تالتكم
ذمت رقية شفتيها بحرج بينما قال عمر بنبرة ساخرة :
-ده على أساس إن انا اقدر اعمل حاجة وانا متلقح كده مش عارف اتكلم أصلًا من وجع ضلوعي
استقامت ونس من على المقعد مستندة على عكازها نحو الاريكة الموجودة فقد أحضر سفيان عمر إلى مشفى خاص حتى يتلقى عناية أفضل :
-انا هقعد هنا بس متقلش أدبك ماشي
-انت بس مترميش ودانك معانا يا جدتي
أشار إلى رقية بأن تجلس فتحركت الأخرى ببطء ولم تنبس بكلمة حتى الآن، حمحمت بهدوء والتزمت الصمت فبدأ عمر الحوار فقال :
-انا عرفت كل حاجة وإننا كنا مخطوبين وعن الحادثة واني نسيتك وسافرت ووالدك فركش الخطوبة علشان خاف عليكي وبصراحة حقه
رفعت الأخرى عينيها له تنتظر أن يكمل فلا تستطيع هى أن تقول شيئًا، بل لا تعلم ماذا تقول حتى ولأول مرة في حياتها تعجز عن وجود كلمات مناسبة، تنهد عمر ثم قال بنبرة غير راضية عن صمتها هذا فقد أعتاد على ثرثرتها :
-انتي ساكتة ليه؟؟
-علشان مفيش كلام يتقال يا عمر انا جاية ومش عارفة جاية ليه بس خوفت تبقى آخر مرة اشوفك فيها
اعتلت بسمة على ثغر عمر ليعتدل قليلًا على الفراش بحيث أصبح متكئًا بظهره على الوسادة، ثم مال قليلًا بإتجاهها وكأنه سيطلعها على سر :
-تعرفي اني سفيان برا بيطلب ايدك من ابوكي... للمرة التانية
ختم جملته وهو يحاول كتم ضحكاته خاصةً على الذهول الذي ظهر جليًا في عينيها، رمشت رقية بأهدابها ولم بتبدد الذهول من على ملامحها :
-انت عايز تتجوزني وانت مش فاكرني يا عمر!؟
آماء عمر ولا يزال محتفظ ببسمته متشربًا ملامحها الجميلة عن قرب لأول مرة، يود حقًا أن يكون سفيان صادقًا في حديثه وتصبح هذه الجميلة زوجته خلال أسبوع
تنفست رقية بصعوبة وكأن الأكسجين قد سُحب من الغرفة، تشعر بقلبها يرفرف بين أضلعها، منذ ساعة كانت يائسة تبكي على وسادتها والآن من سعادتها تريد أن تقفز، ازدردت لعابها بتوتر تسأله مرة أخرى وكأنها تود أن تتأكدت من أنه يريدها بالفعل :
-ليه عايز تتجوز واحدة انت مش فاكرها؟؟
-علشان الواحدة دي فضلت محتفظة بيا جوا قلبها لسنين فأكيد هتبقى زوجة وفية ليا، علشان الواحدة دي حبتني من قلبها بجد ورغم اني كنت مش فاكرها وبعاملها زي الغريبة فضلت برضو جنبي فأكيد هتبقى زوجة أصيلة وحنونة عليا، انا لو ضيعتك هندم بجد علشان مش هلاقي واحدة تحبني زي ما انتي حبتيني يا رقية
أغمضت رقية عينيها وقد إلتمعت دموع السعادة بين جفنيها، أهو يخصها بكل هذا الحديث المعسول؟! تكاد تجزم أنها تستمع لدقات قلبها السعيدة داخل صدرها، فلم تكن تتوقع أن تتحسن علاقتهما هكذا بعد أن أصابها اليأس من أن تكون لعمر بعد كل ما حدث :
-انا كل ده يا عمر؟!
-انتي فعلًا كده وكمان زيدي إنك صحافية شاطرة عرفتي توقعيني في حبك مرتين
ضحكت الأخرى بخفة لما قال فما علاقة كونها صحافية بأنه أحبها مرتين :
-طب ايه علاقة اني صحافية بالموضوع
رفع الآخر منكبيه ضاحكًا على ضحكها ثم قال :
-مش عارف بقى هى طلعت مني كده، ثم انتي فعلًا صحافية شاطرة وذكية جدًا، عرفتي تكشفي هويتي في أسبوع ومباحث الإنترنت بقالها شهور مش عارفة تجبني
ضمت رقية ضحكتها حتى لا يرتفع صوتها ويصل إلى والدها في الخارج، وعلى سيرة والدها نظرت إلى عمر وقد تبددت السعادة وتحولت لتوتر :
-تفتكر بابا ممكن يوافق عليك؟؟
-هيوافق سفيان هيقنعه ثم انا مش هسيبه ياخدك مني مرتين الراجل ده، ثم عايز ايه دليل تاني علشان يعرف انك انتي نصيبي والظروف والسنين معرفوش يفرقونا
-طب اتكلم عن بابا بإحترام شوية ازاي تقول الراجل ده؟ هو ملوش اسم يعني!؟
رفع الآخر حاجبيه متهكمًا لقولها ثم قال :
-يعني من كلامي كله مأخدتيش بالك غير من دي؟!
ابتسمت ونس متابعة حوارهم هذا منذ البداية لتقول بصوت ظهرت فيه الحكمة، جاذبة انتباههما :
-سبحان الله؟! انا عايشة بقالي ٨٥ سنة وشوفت في عمري العجب كله بس أول مرة أشوف اتنين النصيب يجمعهم ويحبوا بعض وبعدها يفرقهم سنين وبعدها يجمعهم تاني، انتوا من الأول لبعض علشان كده الدنيا جمعتكم تاني وفعلًا زي ما قالوا زمان لو نصيبك هتاخدوا ولو غصبًا عن الدنيا كلها
وكان هذا كلام حكيم من جدته ولكن جذبه أول الحديث وهو رقم عمرها فقال ببسمة بلهاء تشوبها الضحكات :
-انتي عايشة بقالك ٨٥ سنة يا جدتي!؟ ده انتي حضرتي الاحتلال الإنجليزي على كده؟؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مكان ضيق بشدة يكاد يطبق على أنفاسها، طرق شديد على الباب وكأنه سيتحطم فوق رأسها، دماء تسيل أرضًا من كل مكان وتقترب ببطء منها كثعبان مترصد، جسدها متكوم في إحدى الزوايا ينتفض برعب من كل شئ يحيط بها وأسوء ما في الأمر أنها تصرخ بصوت مكتوم ككل ليلة ولا أحد ينجدها
تعلم أنها تحلم ولكنها غير قادرة على الخروج من هذا الكابوس، ظلت تعافر في نومها تحاول رفع يديها حتى لربما تفيق، بينما في الواقع جسدها ممد على الفراش وكأنها جثة ولكن الجثة لا تتحرك بينما جسدها وكأنه يقاوم
ومرت ثواني في هذا العذاب كانوا كالسنوات بالداخل لينتفض جسدها أخيرًا شاهقة بعنف وكأنها كانت تغرق في عمق المحيط، أخذت تنتحب بشدة ثم بدأت في البكاء وهى على هذا منذ أن عادت إلى الصعيد، لا تأكل، لا تتحدث، لا تنام حتى بسلام
لا تزال الصدمة متملكة منها حتى الآن ولا تستطيع تخطيها أو التعبير عما بداخلها
ولا تستطيع أيضًا التحدث مع طبيب نفسي، جميع من حولها يرفضون هذا الأمر خاصةً والدتها والتي ترى أن المجتمع والناس لن يرحموا ابنتها إن وصل خبر أنها تتعالج نفسيًا فغدًا سيقولون ابنة حسين أصابها الجنون كما أصابها مس من الجن
وضعت رأسها بين يديها تشعر بضغط نفسي شديد عليها، دلفت والدتها إلى الغرفة وقد وجدتها على حال كل يوم، تنهدت ببطء وحزن على حال ابنتها، ألا يكفي ما هى به بل وأيضًا الناس تتحدث عنها بالسوء
جلست أمامها ورفعت رأسها من بين يديها محدقة في وجهها الذابل والذي فقد بهجته تمامًا :
-قومي كلي حاجة انا عملتلك أرانب
هزت رأسها يمينًا ويسارًا دون الإجابة بشئ فقالت الأخرى وهى تجذب حجابًا من الخزانة وجيب طويل ثم قالت :
-طب البسي دول وتعالي خالتك صفية وعائشة جُو يسألوا عليكي وكمان إسماعيل ولد عمتك
استقامت الأخرى ببطء ليس لمقابلة أحد سوى عائشة، سارت خلف والدتها وعظامها تأن ألمًا لمكوثها في الفراش طويلًا دون التحرك، دلفت إلى بهو الضيوف أو ما يطلقون عليه في الصعيد "المنضرة"
ظهرت منها ابتسامة خافتة بشدة عندما رأت عائشة وقد استقامت الأخرى بسرعة وقامت بضمها دون أن تنبس بكلمة فبادلتها الأخرى العناق بنفس الصمت رغم الدموع التي أخذت تترقر في عينيها
ازدردت لعابها بإختناق شديد مستشعرة مرارته فربتت عليها عائشة هامسة بخفوت :
-ابكي يا شروق هترتاحي لو بكيتي
سالت دموع الأخرى على وجنتيها التي استحلت اللون الأصفر بسبب إعياءها، ماذا تخبرها؟؟ أنها تبكي من يومين بشكل متواصل ولكنها لا تشعر بأي تحسن
نظر إسماعيل لها بشفقة، ليس من السهل عليها ما رأته أبدًا وتحتاج لإخراج الكبت الذي بها ولو حتى ستقوم بالصراخ وتكسير ما حولها :
-عاملة ايه يا شروق دلوقتي مش باين عليكي إنك كويسة خالص
تحدث حسين والد شروق وهو يجذب ابنته حتى تجلس بجانبه :
-مش راضية تاكل ولا تتكلم ولا تتطلع، تروحي مع عائشة وخالتك صفية شبكة أيمن
هزت شروق رأسها برفض شديد فكيف تذهب لخطوبة ابن السيدة التي نشرت بين الجميع أنها أصبحت ممسوسة، تحدث إسماعيل ولا يدري أسوف توافق أم لا :
-طب انا رأيي بصراحة إنها ترجع إسكندرية تاني علشان فترة الإمتحانات قربت وكمان حاسس إني وجودها هنا مش جايب نتيجة في تحسن نفسيتها
وظهر الرفض من شروق قبل الجميع إذ قالت بسرعة وهى تهز رأسها بقوة يمينًا ويسارًا :
-لأ انا مش هرجع للكلية ومش عايزة ارجع البلد دي تاني
اقتربت عائشة وجلست بجانبها قائلة :
-انا برضو مش عايزة اروح تاني بس مش هينفع ننقل في نص السنة لازم نخلص السنة دي على الأقل
زادت الدموع في عيون شروق تستمع لإسماعيل يقول :
-انا عارف مش سهل عليكي اللي شوفتيه ومش هتعرفي ترجعي كويسة زي زمان بسهولة بس على الأقل تخلصي السنة دي وتسحبي ملفك من الكلية وكمان لازم تتكلمي مع حد عن اللي حصل، الكتم في نفسك مش كويس
نظر في ساعته وقد وجدها الخامسة مساءً فقال :
-انا راجع إسكندرية بكرة الصبح، كان المفروض ارجع النهاردة بس خالي جابر أصر أحضر خطوبة ابنه، لو وافقتوا ترجعوا إسكندرية هاخدكم بالعربية معايا بدال ما ترجعوا بالقطر
استقام من مكانه ثم قال بنبرة لبقة متمنيًا الشفاء لشروق :
-ألف سلامة عليكي يا شروق أستاذن انا بقى
وقفت صفية معه قائلة :
-استنى يا إسماعيل نروحوا معاك يلا عائشة
-بس انا هاروح عند خالي عبد الجواد الأول خالي حسن وياسر مستنيني هناك علشان نروح سوا علشان انا مش عارف مكان بيت العروسة
وقف حسين حتى يذهب معهم، أجل زوجة أخيه قالت كلام لا يصح على ابنته ولكن إن لم يذهب سيحزن أخيه على عدم حضوره خاصةً أن أيمن ابنه الكبير :
-طب استنوا خمس دقايق هلبس الجلابية واجي معاكم
خرج حسين من المنضرة فقالت عائشة وهى تربت على كتف شروق الصامتة :
-هتقدري تمتحني يا شروق، امتحاناتك بعد تلات أيام بس
اغمضت الأخرى عينيها بقوة تتوقع فشلها الذريع هذه السنة فهى غير قادرة على التعامل مع أحد حتى تستطيع الدراسة من أجل الاختبارات، تشعر أنها ستمر بإنتكاسة قوية لن تخرج منها بسهولة...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ارتدي جلبابه الصعيدي رغم تفضيله للملابس الرجالية الكاجول ولكن إصابة ظهره جعلته يرتدي هذا الجلباب المريح أفضل له، امسك بعطره ونثر البعض على جلبابه مستحسنًا مظهره في المرآة
دلف حسن إلى الغرفة التي يتشاركها مع ياسر، رغم أنه يمتلك شقة كاملة في المنزل إلىٰ أنه لا يحب الجلوس بها بمفرده خاصةً أنه لا يزال عازب، لذا في أيام إجازة ياسر يأتي لغرفته ويزعجه
ذم حسن شفتيه مبصرًا ابن أخيه والذي يكبره بعامين فقط، يرتدي جلباب صعيدي في مناسبة كهذه على الغير العادة :
-ايه يا ياسر وانا اللي قولت اشوفك هتلبس ايه علشان نطقم مع بعض الاقيك لابس جلابية
-علشان ضهري يا حسن انا أصلًا مكنتش عايز اروح بس علشان أيمن وعمي جابر ميزعلوش
سحب وشاح قطني من اللون الجملي ووضعه على كتفيه فالجو شديد البرودة بالليل، اقترب منه حسن وجلس على الفراش ثم قال ببسمة ماكرة :
-طب خلاص متروحش يا عم بس يكون في علمك عائشة جاية مع أمها
استدار له ياسر وقد اتسعت البسمة على وجهه فقال حسن ضاحكًا بقوة :
-ايوه يا عم فكيت دلوقتي، بس يا خسارة انت تعبان ومش هتقدر تروح
استقام من فوق الفراش عادلًا من لياقة سترته الشتوية ثم قال مدعيًا اللامبالاة :
-هبعت سلامك لأيمن واقوله زي بعضه ياسر تعب ومقدرش يجي
دفعه الآخر حتى يجلس مردفًا بضيق من مزاحه هذا :
-يا حسن اقعد واتكلم جد شوية، هى جاية ولا مش جاية؟؟
-جاية والله جاية حتى هتلاقيها وصلت تحت علشان هتروح معانا هى وصفية وإسماعيل
نظر ياسر إلى المرآة بسرعة وهو يمشط خصلات شعره السوداء وقد اتسعت البسمة على شفتيه أكثر وأكثر ثم قال وهو ينظر إلى ملابسه :
-ايه رأيك انزل كده ولا أغير وألبس كاجول
-ده على أساس انك العريس ورايح تجيب العروسة من الكوافير
نطق بها حسن محاولًا كبت ضحكاته ولكنه فشل في هذا مقهقهًا بقوة فقال ياسر وهو يهم بكتم فمه حتى لا يأتي أحد على ضحكاته هذه :
-خلاص يا حسن هو انت فشتك عايمة قوي كده ليه النهاردة!؟
-عيب ياد حد يقول لعمه كده ولا علشان انت أكبر مني بسنتين هتتفرعن عليا
رمقه ياسر نظرة طويلة منتظرًا أن ينفجر ضاحكًا مرة أخرى بينما الآخر حاول التماسك وعدم الضحك حتى لا تسقط هيبته _الغير موجودة_، تنهد ياسر وأبعد أنظاره عنه ثم قال :
-اقولك على حاجة بس متسوحش ماشي
آماء الآخر بسرعة معتدلًا في جلسته ثم قال :
-قول قول سرك في بير
-آه يا خوفي من البير بتاعك ده يكون في خالتي صفية وفايزة وأحلام وامي ومش بعيد باقي العيلة فيه
-لأ عيب هو انا يعني قولت حاجة لحد عن اللي حصل لعائشة وشروق مع إنه لازم يتعرف على الأقل حسين يعرف اني بنته شاهدة على جريمة قتل وعلي يعرف بنته حصلها ايه
رفع إحدى قدميه ووضعها أسفله والأخرى متدلية من على الفراش بحيث أراح جلسته، من ثم قال :
-ها قول حصل ايه معاك انت كمان، ده كانت ساعة مقندلة لما قررتوا كلكم تروحوا إسكندرية
تنهد ياسر على مهل ثم اردف بنبرة مترددة :
-انا قولت لعائشة اني قاري فاتحتي عليها
لم يُصدم حسن كثيرًا مما قال فـعاجلًا أم آجلًا كانت ستعلم عائشة سواءً من ياسر أو من علي والدها، أشار بأن يكمل فقال الآخر وهو يجلس بجانبه :
-كانت فاكرة اني قاري فاتحتي على نور ومش عارف بصراحة إزاي كانت فاكرة كده ومقالتش لحد، ده لو كانت قالت لنور كانت هتقولها عادي
-وبعدين هى كان رد فعلها ايه؟!
رفع الآخر منكبيه هاتفًا بحيرة :
-ولا حاجة بعد ما قولتلها فضلت ساكتة الطريق كله، انا عارفها لما تفكر في حاجة تفضل ساكتة ومن وقتها مشوفتهاش، حتى لما روحت انا وامي نسأل عليها مطلعش وقالت نايمة ومش قادرة تقوم وكان باين يعني إنها حجة
-حد يعرف إنك قولتلها
تساءل بها حسن متوجسًا، فعقد ياسر حاجبيه من طريقته ومن السؤال وكأنه ارتكب جريمة يخشى أن يعلم بها أحد :
-انت ليه بتقولها كأني عملت مصيبة!؟ انا مش خايف اني حد يعرف إني قاري فاتحتي عليها ولولا اني عمي علي رفض علشان خاطر بنته الكبيرة انا كنت قولت للناس كلها علشان دي مش حاجة تكسف يا حسن
قلب الآخر عينيه بضيق من استنتاج الآخر ثم قال :
-انت غبي ياد هو انا سألتك علشان كده ثم انت قاري فاتحتك عليها وهى عندها ١٦ سنة علشان تضمن إنها متروحش لحد غيرك، غير كده انت وعبد الجواد عارفين ومتأكدين إن علي مستحيل يجوزهالك وهى لسه عيلة حتى لو مكنتش نور اللي واقفة في الموضوع، انا سألتك علشان اعرف انت ناوي على ايه فها يا ابن الناس بعد ما قولتلها ناوي على ايه؟؟
-انت عارف إن عم علي مش هيوافق إني اتجوزها دلوقتي بس انا يا حسن مش قادر استنى بقى عندي ٢٨ سنة، وبصراحة يعني خايف ترفض بعد ما عرفت، سكوتها ده مش مطمني
صحح له حسن سريعًا ما قال، راددًا الأفكار التي اخذت تستحوذ عقل الآخر :
-خد بالك عائشة عاقلة جدًا، يمكن اكتر واحدة في عيال اخواتي كلهم بالعقل ده، من صغرها والكل بيقول عليها عقلها أكبر من سنها، ويمكن سكوتها تفكير مش رفض
-ويمكن يكون رفض يا حسن وبتفكر تجيبها إزاي، عايز اعرف هى بتفكر فيه ايه علشان كده قولتلك على الموضوع
-يعني انت عايزني أكلمها؟!
واجابه ياسر بنبرة مترددة قائلًا :
-ايوه انا عايزك تكلمها، نور مش هنا ومحرج أكلم خالتي صفية علشان كده عايزك انت تكلمها، انت قريب قوي مننا علشان سنك من سننا وعائشة بتقبل منك الكلام، عايزك تعرف هى بتفكر في ايه أو فيه قبول ليها ناحيتي، انا فكرت كتير اسألها لما كنا في القطر بس..... خوفت يا حسن ترفضني وانا مهما كنت بحبها وعايزها مش هقبل الرفض ولا هقبل إني أكمل مع واحدة مش قبلاني
صمت حسن مفكرًا في الأمر لثواني ثم قال :
-ماشي هكلمها يا ياسر وربنا يقدم اللي فيه الخير
آماء الآخر بموافقة ليدق باب الغرفة ثم صدح بعدها صوت شقيقته دعاء البالغة من العمر تسعة عشر عامًا :
-ياسر حبيبتك تحت أنزل
فهم الآخر مَن تقصد فقال حسن بصوت مرتفع حتى تسمع دعاء :
-ماشي اديه نازل امشي انتي
رحلت الأخرى بالفعل فقال حسن وهو يستقيم من مكانه :
-أنزل قدامي كده عايز أشوف هتبصلك ازاي بعد آخر مرة شافتك واتكلمتوا فيها
وافق الآخر وخرج أمامه دون الإعتراض ولكن قبل أن يصل إلى الدرج امسك حسن بعضده وأوقفه ثم قال متسائلًا :
-ياسر انت قولت من شوية بقى عندي ٢٨ سنة ومش قادر استنى تاني، هى لو عندها قبول ليك بس عاندت وقالت مش هتجوز غير لما اخلص تعليم وده بنسبة كبيرة هو اللي هيحصل، مستعد تستناها تلات سنين ونص تاني
واجابه الآخر دون التفكير في الأمر مرتين قائلًا :
-استناها العمر كله يا حسن بس وانا متأكد إنها عايزاني وعندها قبول ليا ومستعدة تكمل معايا
ربت الآخر على كتفه مبتسم الثغر ثم قال :
-طب يلا انزل قدامي ربنا يجمعك بيها في الحلال قريب إن شاء الله
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حل الصباح ولم تنم الليل من السعادة ورغم هذا قفزت من فوق الفراش بنشاط شديد، لقد تقدم لها عمر ووافق والدها وبعد أن تنتهي مهمة سفيان ويونس سوف يعقد قرانهم، هل يوجد ما يجعلها سعيدة أكثر من هذا؟؟
مرت من أمام غرفة اخويها ليناديها أحدهم وفي الواقع لم تعلم أهو يونس أم يوسف فقد فك يونس الشاش البارحة وعادت لحيرتها معهما مرة أخرى :
-رقية تعالي
اقتربت من الباب بخطىٰ بطيئة مترددة فلم تتحدث معهما منذ مشادة البارحة، ربما تصالحت مع والدها بعد موافقته على عمر لكنها لم تتصالح بعد مع يونس ويوسف وبالاخص يونس الذي لا تزال تتذكر صفعته لها :
-صباح الخير
نطقت بها بخفوت كما خفتت بسمتها فقال يوسف وهو يبعثر خصلات شعرها السوداء بكفه :
-مبارك يا روكا
-الله يبارك فيك يا
-انا يونس
عقدت الأخرى حاجبيها وقد توقعت أن يكون يوسف وليس يونس، جذبها يوسف للداخل محاولًا إدعاء كونه يونس بينما الآخر يغط في نوم عميق منذ البارحة لشدة إرهاقه، هو يريد من إدعاءه هذا أن تتصالح رقية ويونس حتى ينتهي هذا الموضوع :
-طب يا ستي انا آسف على القلم اللي ادتهولك، إن شاء الله كانت تتقطع أيدي قبل ما ارفعها حلو كده
ذمت الأخرى شفتيها وهناك وسوسة داخلية تخبرها أن من أمامها ليس يونس، ورغم هذا رفعت قدم فوق الأخرى هاتفة بدلال :
-لا يا يونس مش هتصالح كده بسهولة
-انا يونس يا هبلة اللي قدامك يوسف
وصدح هذا الصوت من يونس الغافي أسفل الغطاء الثقيل وقد كان يستمع لما يحدث، نظر له يوسف بغيظ شديد فلما استيقظ الآن، عاد بنظره لرقية التي كانت ترمقه بشك ثم قال جاعلًا نبرة صوته أكثر حدة وخشونة :
-انا يونس ده يوسف بيهزر
أبعد يونس الغطاء عن وجهه محدقًا في ظهر أخيه بسخرية :
-تمثيلك فاشل يا حبيبي انت متعرفش تقلد يونس هواري حتى لو كنت توأمه
ألقى يوسف نحوه الوسادة بحنق لمحاولته إفساد خطته ثم صاح :
-ملكش دعوة يا يوسف متلخبطاش بقى
تحدثت الأخرى بحيرة شديدة وهى لا تعلم الآن مَن يوسف من يونس :
-انا اتلخبطت فعلًا
اعتدل يونس من فوق الفراش ثم رمق أخيه بتحدي، موجهًا حديثه لرقية :
-طب مين أول واحد وصلك المدرسة في أول يوم
-يونس
سارع يوسف في إيجاد إثبات له فقال :
-طب مين اللي بيطردك من مواقع جرايم القتل
-يونس أكيد
هتفت بها بحيرة شديدة فقال يونس بعدم إهتمام وهو يجذب الغطاء عليه حتى يعود للنوم مرة أخرى من أجل أن يستطيع السهر على القضية إن استدعاه سفيان :
-انا يونس وهو بيعمل كده علشان يصلح ما بيني وبينك، بس برضو تمثيله فاشل
زفر يوسف بضيق فقد أفسد يونس ما كان يريد فعله ورغم هذا وجد رقية ترمقه ببسمة فبادلها الآخر بأخرى حانية ثم قال :
-حقك عليا انا هو بيحبك والله بس ايده طرشة، ظابط بقى
اقتربت منه رقية وضمته بقوة فربت الآخر على ظهرها مبادلًا العناق بحنان بالغ ظهر في صوته :
-ألف مبروك يا رقية رغم اني مضايق أنه هيجي يوم وتسيبي البيت وتروحي بيت تاني
زادت الأخرى في عناقها له بينما رفع يونس الغطاء محدقًا في هذا المشهد الأخوي المؤثر ثم قال :
-طب يلا هش منك ليها انا عايز أنام كملوا الدراما دى برا
ذمت رقية شفتيها رامقة يونس بغيظ ثم قالت :
-بس كده اتأكدت إنك أنت يونس علشان يوسف مستحيل يطردني من الأوضة علشان هو محترم وانت قليل الذوق
وأجابها الآخر بابتسامة مستفزة ولم يتأثر بأيٍ مما قالت :
-طب يا اختي اشبعي به، يلا بقى اطلعوا برا واقفلوا الستاير دي ثم انت يا دكتور يا محترم يا ابن الناس مروحتش ليه المستشفى
وأجابه يوسف رافعًا منكبيه بقلة حيلة :
-اخدت أجازة النهاردة بشكل إجباري من أمك، حتى ابوك رفضت أنه ينزل شغله وهى كمان اخدت أجازة من الشغل علشان نقضي اليوم مع بعض كأسرة، وعلشان برضو يشوفوا موضوع عمر ورقية وهنقرر فيه ايه
طأطأت رقية رأسها ببسمة خجلة فطالعها يونس بتشنج قائلًا :
-حوش البت اتكسفت؟! أومال لو مكنتيش عارفاه بقالك خمس سنين وكنتي بتقابليه من
كتم يوسف بسرعة فمه قبل أن يكمل صائحًا به :
-خلاص بقى انت عايز تعيد القديم تاني، هى غلطت واحنا غلطنا خلص الموضوع بلاش نفتحوا تاني
رن جرس المنزل وقد فتحت عبلة الباب ثم صدح صوت كريم وحمزة في الأجواء فقالت رقية مذكِّرة اخويها بهذا اليوم فلربما يكونا غافلين عنه :
-علفكرة النهاردة عيد ميلاد حمزة لو ناسيين
انتبه يوسف لما قالته ثم هتف بشكر عكس يونس الذي ارتسمت بسمة ماكرة على وجهه :
-كويس إنك قولتي علشان ألحق اجيبله هدية
خرجت رقية عائدة لغرفتها وخلال ثواني دلفا حمزة وكريم وقد كان صوت كريم المازح يصدح في المكان :
-يونس قبضتوا على السفاح ولا لسه؟؟
اعتدل الآخر في جلسته ماددًا يده نحو درج الكومود حتى يأتي بعلبة السجائر ثم اجابه بإختصار شديد حتى لا يخرج أسرار العمل :
-لسه يا كريم
انتفض يوسف من مكانه عندما رآه يهم بإشعال سيجار، فأختطفها منه قائلًا :
-انت عايز تولع سيجارة على الصبح كده، يعني مش كفاية إنك بتشرب كتير اليومين كمان هيبقى على الريق
سحب كريم السيجارة من بين أنامل يوسف قائلًا وهو يحدق به بشكل مطول :
-على كده حلوة السجاير يا يونس؟! ما تجيب الولاعة دي أجربـ
وقبل أن يكمل كلمته وجد يد اختطفتها منه وقد قامت بهرسها بغضب ثم صدح بعدها صوت حمزة الغاضب :
-تجرب إيه؟! طب ألمحك كده بتشرب سجاير يا كريم
صاح به يونس وهو يرى عود السجاير الذي تفتت أرضًا :
-هرست السيجارة إلهي يهرسك قطر يا بعيد، ثم ما تسيب الواد يجرب يا حمزة يعني هى السجاير حرام
رمقه حمزة بنظرة غاضبة ثم قال بصوتٍ ساخر :
-بس يا يونس يا فاسد بدال ما اطلع أقول لأبوك إنك بتشرب سجاير، أظن أنه مش عارف
أشار يونس نحو الباب رامقًا الآخر بتحدي :
-طب اطلع اقوله هتلاقي في الصالة ولو مكنش هناك هتلاقيه في أوضته
أوقف يوسف هذه المشاجرة الكلامية قبل أن تحتد إذ قال :
-خلاص بقى اقفلوا الموضوع ده
نظر لحمزة ثم أضاف ببسمة هادئة :
-كل سنة وانت طيب يا حمزة هانت بقي سنتين وتدخل التلاتينات
-أتمنى تبقى عقلت شوية يا حمزة ما البنى آدم كل ما بيكبر كل ما بيعقل
نطق بها يونس يإستفزاز شديد يريد اليوم بأي طريقة أن يخرج حمزة عن أعصابه، وقد فهم يوسف خطة أخيه الماكرة فقال بسرعة :
-بقولكم ايه انا أجازة النهاردة تيجوا ننزل شوية في أي كافية، آخر مرة نزلنا سوا كانت من أسبوعين ولا حاجة
وافقه حمزة هذا الاقتراح إذ قال :
-تمام انا كده كده كنت هاروح عند الحلاق تيجوا معايا ولا اسبقكم انا وبعد ما اخلص اشوفكم فين واجيلكم
لم يعترض كريم أو يوسف على اقتراح الذهاب للحلاق، حتى يونس قفز من على الفراش حتى يغير ملابسه ويذهب معهم فقال يوسف وهو يشعر أن أخيه ينتوي شيئًا، وهذا لأنه كان يريد النوم لأنه متعب من قليل والآن سيخرج معهم :
-ما تقعد انت يا يونس ريح شوية علشان لما ترجع شغلك
أخرج الآخر ملابس له من الخزانة ثم قال رافضًا عدم الذهاب معهم، وقد كانت هناك بسمة ماكرة ترتسم على شفتيه :
-لأ هاروح معاكم احنا فعلًا مخرجناش سوا بقالنا كتير
وبعد ما يقارب النصف ساعة دلف حمزة إلى إحدى محلات الحلاقة وخلفه أخيه وأبناء اعمامه، وقد كانوا أول مرة يأتوا إلى هذا المكان فهم معتادون على حلاق آخر، تحدث حمزة وهو يسير بجانب يونس ذو البسمة المتسعة وللحق لم تروق له هذه البسمة فلا يبتسم يونس في العادة :
-يونس ليه جينا هنا ومروحناش عند ماجد؟؟
وأجابه الآخر بهدوء شديد وهو يطالع الموجودين من حلاقين وزبائن :
-انا جيت هنا قبل كده والحلاقين هنا شاطرين فقولت جربوه ولو عايزين نرجع تمام
ورفع الآخر منكبيه غير مبالي بالأمر :
-لأ عادي مش هتفرق
تقدم للأمام ومعه يونس، وخلفهما يوسف وكريم والذي مال قليلًا ناحية يوسف هامسًا :
-مش عارف ليه مش مرتاح لأخوك
-والله ولا انا
جلس حمزة على أحد المقاعد الخمسة المرتصة بجانب بعضها أمام مرآة مستطيلة كبيرة بعرض الحائط، تحدث إلى الحلاق الذي يقف خلف المقعد، متحسسًا ذقنه التي ازدادت طولًا :
-خفلي لو سمحت دقني ودرّجها وقص ٣سم من شعري مش أكتر من كده ماشي
نظر الحلاق إلى بشرة حمزة مضيفًا :
-بشرتك مشققة شوية
-آه بغسل وشي كتير بمياه وعلشان شتاء وكده فوشي فيه قشف
-طب انا عندي ماسك جامد للقشف ثواني هجيبلك منه
وافقه حمزة اقتراحه ليقول كريم بذهول وهو يجلس على المقعد المجاور :
-انت هتعمل ماسك؟!
-آه ومعملش ليه؟؟ اومال انت فاكر الممثلين الرجالة حلوين ليه علشان مهمتين بنفسهم
ولم يقل ذهول الآخر بل هتف بنبرة أكثر ذهولًا :
-انا عمري ما شوفت راجل ممكن يحط ماسك
ابتسم له حمزة ابتسامة متهكمة ثم قال :
-ده علشان انت معفن يا كريم، مكسل حتى تغسل شعرك بشامبو نضيف
وطالعه كريم عاقدًا ذراعيه بتذمر لا يقبل التقليل منه :
-ليه يا اخويا وهى الصابونة قالت لأ ثم انا شعري أحلى من شعرك ومش بغسله بشامبو بغسله بصابونة لوكس
ضحك حمزة مطالعًا خصلات كريم الملتفة حول بعضها، رغم أن كريم ليس شعره بمجعد ولكن عدم اهتمامه به جعله ملتف هكذا، بينما شعره هو أسود ناعم يشبه الممثلين الأتراك كما تقول غادة ووالدته دائمًا :
-انت بتغسل وشك بنفس الصابونة اللي بتغسل بيها شعرك يا كريم وده في حد ذاته هبل
-وليه هبل إن شاء الله ما مصر كلها بتعمل كده، أمك نفسها بتعمل كده
وسهى حمزة بحديثه مع كريم عن يونس الذي كان يجهز له هدية عيد ميلاده والتي ستجعله يصاب بنوبة قلبية، إذ امسك بالفتى الذي سيهتم بشعر حمزة هامسًا بخفوت :
-هو قالك تعمله ايه في شعره
-قالي اقص منه ٣سم مش أكتر
أخرج يونس من جيبه ورقة نقدية من فئة المائتين ثم قال :
-طب خد دي ومتسبش في شعره غير ٥سم
اتسعت أعين يوسف الذي كان يتابع الحوار وكاد أن يصيح رافضًا حديثه هذا ولكن اطبق يونس على فكه مكممًا إياه بكفه حتى يمنعه من إصدار أي صوت، مكملًا مع الفتى والذي قال بخوف :
-لا يا أستاذ ممكن صاحب المحل يطردني لو الزبون عمل مشكلة
وأجابه يونس غير مبالي بيوسف الذي يتلوى أسفل ذراعه حتى يتركه والآخر قبضته قوية عليه فلا يستطيع الإفلات :
-ده ابن عمي وانا بهزر معاه علشان عيد ميلاده وكده ثم صاحب المحل صاحبي متقلقش انت
ذهب الفتى مستسلمًا لما قال بينما سحب يونس أخيه للخارج حتى لا يسمع حمزة بالمقلب الذي ينتويه له، وما إن أفلته حتى صاح الآخر وهو يهم بالدخول مرة أخرى ولكن كان يونس يمسك به بقوة :
-اقسم بالله انت شكلك ناوي على موتك، حمزة هيتعصب أوي، ده لو حد قرب من شعره هيدبحه وانت عارف
وأجابه الآخر بإستفزاز شديد متحمسًا لرؤية ملامح حمزة بعد أن يقص شعره العزيز :
-مش هو اللي مخترع مقالب العيد ميلاد دي يستحمل، انت ناسي انه حطلي سكر مطحون جوا كياس بلاستيك جوا تابلوه العربية وأقسم بالله لو كنت عديت على لجنة تفتيش لكنت اتحبست أربع أيام على ذمة التحقيق، وانت يا فالح مش حطلك تعبان لعبة في الحمام وعارفك بتخاف من الحاجات دي، يستحمل مقالبه بقى لما تترد
تركه ودلف بسرعة ليجد الفتى بدأ في عمله بينما حمزة وجهه عليه مادة وردية اللون تشبه التي تضعها شقيقته رقية ليلة العيد، بينما يضع سماعات في اذنه ويغمض عينيه معيدًا رأسه للخلف، يعطي الأمان تمامًا
أما كريم انتهى من وضع ذلك الغشاء الوردي بعد إجبار حمزة له، ولا يعجبه الأمر فيشعر حقًا أنه فتاة، أدار رأسه إلى حمزة بالصدفة لتتسع عينيه بصدمة يرى الحلاق يقص شعر أخيه بعكس ما طلب منه تمامًا :
-انت بتعمل ايـــه؟!
نطق بها كريم بذهول ليجد يونس يهجم عليه كاتمًا فمه حتى لا يتكلم والآخر حاول الإفلات منه فسيجن أخيه عندما يرى حالة شعره، ويونس لم يترك له فرصة حتى أن كلاهما سقط أرضًا وايضًا لم يفلته
اقترب منهما يوسف حتى يتوقفا عن هذا وهذا بسبب متابعة جميع الموجدين للمهزلة التي تحدث هذه، عدا حمزة الذي لا يصل له أيًا مما يحدث بسبب صخب ما يسمعه :
-خلاص يا يونس سيبه يخربيتك الواد هيفطس
ركل كريم قدم حمزة بقوة حتى يفيق لما يحدث بينما الآخر اعتدل ناظرًا على يمينه حيث تم رُكل ليجد أخيه وابنيّ عمه ثلاثتهم على الأرض وكأن هناك زلزالًا أسقطهم أرضًا
رمقهم بإستغراب شديد وقبل أن يتحدث سبقه الحلاق حيث قال وهو يبعد المقص عن شعر حمزة :
-انا خلصت
أدار حمزة رأسه بشكل تلقائي ناحية المرآة لينتفض بقوة وكأنه أبصر مارد في المرآة، هدر بغضب شديد يرى خصلات شعره القصيرة والتي غيرت شكله تمامًا وكأنه يرى رجل آخر يشبهه فقط في بعض الملامح :
-ايـــــه ده؟؟!
وقد كان الحلاق يشعر أنه سيغضب هكذا لذا أشار ناحية يوسف ولم يدرك أنه ليس من اتفق معه، فكلاهما يشبهان بعضهما لدرجة مخيفة :
-مليش دعوة انا، هو قالي أعمل كده علشان عايزين يهزروا معاك
نظر حمزة إلى يوسف بشر وقبل أن يقول الآخر أن الحلاق أخطأ وكان يقصد يونس، كان يونس يدفع بيوسف هاتفًا بغضب مصطنع في محاولة منه لتقليد أخيه :
-كده يا يونس قولتلك هيزعل يا أخي متقصش شعره اتفضل حل بقى
وقبل أن يبرر يوسف المسكين أي شئ كانت قبضة حمزة تصطدم في وجهه فصاح متألمًا وهو يمسك بفكه وكم كان قبضة ذلك الأخرق قوية، وقف يونس بسرعة أمام أخيه فيبدو أن حمزة سيجن الآن
تحدث كريم بسرعة مقيدًا شقيقه من الخلف قبل أن يتهور أكثر، وأصبح جميع الموجدين في المحل يتابعون ما يحدث :
-استنى يا حمزة اللي ضربته ده يوسف
وانتقلت نظرات حمزة النارية ناحية يونس الذي يقف أمام يوسف مطالعًا اياها ببسمة متسعة استفزته بشدة :
-كده خالصين يا حمزة وردتلك السكر اللي حطيتوا في التابلوه وقصيت شعرك العزيز، دلوقتي بس أقدر اقولك كل سنة وانت طيب يا ابن عمي الغالي
أبعد حمزة كريم عنه بعنف وهجم على يونس قابضًا على تلابيب ثيابه غير مبالي بجذب كريم له ولا بصياح يوسف أن يتوقفوا :
-لأ متتقالش كل سنة وانت طيب يا يونس علشان انا مش هبقى طيب النهاردة وربي لألبسك قضية آداب المرة الجاية بس بعد ما احلقلك شعرك زيرو
جذب بسرعة أقرب ماكينة حلاقة له وكاد أن يسير بها على رأس يونس ولكن الآخر كان رد فعله الأسرع إذ جذب منه الماكينة ودفعها بقوة فاصطدمت بالزجاج، ثانيًا ذراعه خلف ظهره
ولو يكن حمزة خصمًا سهلًا بل وكأن غضبه يزيد من الأدرينالين في دمه إذ مال بجسده للأمام قابضًا على يونس بيده المحرر فأسقطه أرضًا على ظهره
جذب كريم شقيقه بقوة ووقف يوسف أمامه حتى لا يتقدم حمزة، ويونس أرضًا يقهقه بقوة منتشيًا بغضب حمزة وعصبيته فها قد اذاقه من نفس الكأس الذي اذاقه له في يوم ميلاده السابق تحت بند "لا يوجد عيد ميلاد بدون مقلب"
صدحت صافرة الشرطة في المكان جاعلة الجميع يتجمد في أماكنهم، ثم ارتفع صوت أحد الزبائن وعلى الأرجح هو شرطي وشهد كل ما حدث :
-تعالى يا عسكري خد الأربعة دول
تحدث يوسف بسرعة محاولًا أن يحل الأمر قبل أن يتطور :
-يا باشا ياخدوا ايه دول ولاد عم وبيهزورا
أشار الآخر ناحية زجاج المرآة الذي تهشم :
-وده بقى من ضمن الهزار ولا فاكرين المحل ملككم، عامةً صاحب المحل له حق يشتكيكم
نظر يوسف بسرعة ناحية أخيه حتى يحل الأمر فهو شرطي، وقد وقف الآخر من على الأرض متحسسًا جيوبه بحثًا عن بطاقة الهوية المدنية الخاصة به أو بطاقته الشخصية ولكن يبدو أن كلاهما في المنزل
ابتسم حمزة له بتهكم وتحرك مع العسكري ناحية الخارج كما فعل كريم ويوسف مستسلمين :
-شكرًا يا يونس واضح انه هيبقى عيد ميلاد ميتنسيش
ورغم الظرف السئ الذي سقط أربعتهم به إلىٰ أنه هتف بضحك وهو يضم كتفه متجهًا معه ناحية سيارة الشرطة :
-علشان تعرف بس اني في هدايا عيد الميلاد معنديش ياما ارحميني، كل سنة وانت طيب يا حمزة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أذن الظهر ولتوها أنهت غسل الأطباق لتجد زوجها قد عاد من العمل مبكرًا على غير العادة، تجاهلته متجهة إلى غرفتها تنال قسطًا من الراحة فقد تغيبت عن المدرسة اليوم بسبب تعبها، وقد قاطع طريقها صوت عثمان مناديًا عليها، يعلم أنها غاضبة بسبب ما حدث البارحة خاصةً أن غادة عادت لمنزلها حزينة مكسورة الخاطر :
-مفيش حمد الله على السلامة؟؟
-ايه اللي جابك بدري
نطقت بها بسؤال آخر دون الإجابة على ما قال فقال عثمان بهدوء وهو يضع متعلقاته على منضدة البهو :
-تعبت شوية فأخدت باقي اليوم أجازة
نظر إليها منتظرًا أن تسأله ما الذي يتعبه أو شيئًا من هذا القبيل كما تفعل في العادة ولكن لم يجد منها سوى الصمت فقال بضيق محاولًا ابقاء هدوءه :
-خلاص يا ناهد
-لا مش خلاص غير لما تصالح بنتك يا عثمان علشان قبل ما تبقى وجعتها انت وجعتني، مش هتقلل من رجولتك لو قولت لبنتك آسف، حمزة نفسه عملها رغم إنها انتقدت نور وقالي إنها قالت آسفة قبل ما تمشي، غادة مش وحشة هى بس مش بتعرف تتكلم
امتثل لها حتى لا تتعب ويرتفع ضغطها مثل البارحة فقال وهو يسحب هاتفه من على المنضدة :
-حاضر هتصل عليها اهدي انتي علشان ضغطك ميعلاش
رن على ابنته ليأتيه الرد من إحدى موظفات الشركة بأن الرقم مغلق أو غير متاح الآن، رفع الصوت حتى تسمعها ناهد تزامنًا مع قوله :
-تليفونها مقفول
-تروح تجيبها النهاردة تحضر عيد ميلاد أخوها
لم يعترض هذه المرة أيضًا ووافق وفي هذه الأثناء رن هاتف ناهد القابع فوق الاريكة وقد وجدته مدير المدرسة، تعجبت من هذا فاليوم ليس إمتحان رحمة بل الصف الأول الإعدادي، إذًا فلما يرن، وأجابت على أي حال قائلة :
-الو
-انتي فين مس ناهد؟؟
تعجبت صوته هذا وكأنه كان يهرول أو ما شابه :
-انا مش في المدرسة اخدت أجازة النهاردة علشان ضغطي كان عالي شوية
-حضرتك لازم تيجي حالًا
-ليه حصل حاجة؟!
وأجابها الآخر وهو يحدق في النافذة المطلة على أحد الفصول مثله مثل باقي الطلاب والأساتذة الذين ينادون على المعلمة نورهان التي تعتقل في الداخل عدد من الطلاب رافضة أن تفتح قبل أن يأتي أولياء أمور هؤلاء الطلاب الفاسدين :
-تعالي شوفي قريبتك دي حابسة كام طالب في الفصل وقفلته بالادراج ومعاندة ومش راضية تفتح غير لما أهاليهم يجو، والمشكلة اني إمتحان الفترة التانية هيبدأ بعد ربع ساعة هيضيع كده على لجنة الفصل وعلى الأولاد دول
(انا بعتذر عن فصل يوم الاتنين وده لأن عندي أختبار يوم الثلاثاء في المقرأ ومش هلحق أكتب الفصل 🤍)
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close