اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم آية الطري


٣٣- حِقبة جديدة


                                              
قال رسول الله ﷺ:"عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إنَّ أمرَهُ كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمنِ؛ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خيرًا له"...

+


صلِّ على نبي الرحمة...

+


---------------☆☆☆☆☆☆

+


اشتعلت الأجواء وتكاثفت النظرات العدوانية، الهواء نفسه بدا كأنه شرر يتطاير بين الوجوه، وكل نفس يُسحب كما لو سُحب زناد خفيّ....

+


ديميتري يرمقه بابتسامة جافة مريضة تنتظر ردّه على ما أصاب تلك المسكينة،
أما سنايبر فثبتت نظراته على جسدها المفترش الأرض، ارتبكت ملامحه واحتلته الشفقة رغم كل قسوته الظاهرة، حالتها بالفعل يُرثى لها،

+


راح بعينبه يحدق فلاديمير بتوعّد صامت هز ثباته ثم خرج منه فحيح بارد لا ينذر بخير:
_" تريدون السراب أليس كذلك! "

+


لاح في أعينهم ترقّب جعله يرسم نصف ابتسامة حادة تخبرهم بقرب انتهاء اجتماعهم ثم تسلل صوته مرة أخرى وهو يحرك سبابته اتجاه الخارج:
_" أرهفوا السمع إذًا "

+


انعقدت وجوههم للحظة، لم يفهم أحد مقصده… حتى
اتسعت الحدقات واتخذت القلوب وضع الخطر، أصوات ضوضائية تخرج من كل اتجاه، دوي نيران كأنما براكين ثارت بعد خمودٍ طويل، اهتزازات تشبه الزلازل.... يبدو أن هناك حربًا بالخارج…

+


في ثانية أو أقل، كانت كل رجال الحراسة وفلاديمير يحيطون بالزعيم، أسلحتهم جميعًا مصوّبة إلى وجه سنايبر… ذلك المبتسم بتشفٍّ...

+


بينما أليكسي جذب بتول بعنف وانضم بظهره لرجال أبيه يسلط سلاحه لرأسها مما دب الرعب في أوصالها تستنجد بسنايبر....

+


_" ماذا يحدث بالخارج!!... لا تنس أرواحكم بين أيدينا الآن.... سنايبر أوقف تلك المهزلة! "
صاح بها فلاديمير بغضب لم يُحرك في الآخر ساكنًا … بل تقدم بسرعة يتفحص نور ذات الشحوب المُقلق ورأسها النازف دون توقف…

+


_" مفيش نفس "
همس بها بغليل يشعر كأنه فشل في أداء واجب الحماية اتجاهها بغض النظر عن مَن تكون، رفع عينيه لأليكسي فبادله بنظرة تطالبه بالإسراع في انقاذها لكنه أخرج صوتًا متهكمًا كتمويه:
_" ماتت لا محالة " 

+


لم يستسلم وتجاهل كل ما يحيط به بدأ يُسعفها أوَّليًّا ونيرانه اتقدت أضعافًا مع ضحكة متهكمة مصدرها ديميتري الذي شرع يردد بملل:
_" سنايبر لا داعي لاستهلاك طاقتك معها.... الأفضل تفكر في إنقاذ الثانية " 

+


أتبع جملته بإشارة لابنه بإنهاء أمر بتول وأليكسي حرك جفنيه بخضوع وهو يراقب الجنون الذي بدأ يتلبس سنايبر أو لنقل..... سيف في قناع سنايبر، شدد أليكسي قبضته عليها كإستعداد للتنفيذ وكاد الآخر يهب من مكانه لإنقاذها لكن....

+




                
_" سيدي المبنى تعرض لهجوم مدمر، توقفت كل أنظمة الأمان بشكل مفاجئ، لم يتبق الكثير من الحرس…. "
كان جملة أحد الرجال الذي فتح باب القاعة يهرول لزعيمه يصيح بها بتوتر بالغ زال مع زوال روحه...

+


_" عذرًا… لم يتبق أحد بالخارج "

+


ارتفع ذلك الصوت المرعب مع سقوط جسد الرجل... لم يكن لشخصٍ سواه.... صوت السراب الذي أشعل فتيل جديد من الحرب دخوله لم يرى فقط شعروا بمدى كارثيته... إذ ضجت القاعة برصاص متبادل كالمطر ... انزوى سيف بجسد نور في أحد الزوايا وكذلك فعل أليكسي مع بتول....

+


والسراب توارى في حائط جانبي سلاحيه ملتصقان بقبضتيه كجزء لا يتجزأ من جسده....

+


سمع صوت ديميتري يرتفع بقوة من خلف رجاله الذي يلتفون حوله كسور حماية وجواره كمال يرتعد كالطفل الجبان:
_" لا أصدق أنك هنا بنفسك... دعني أعترف... أزعجتني أخلاقك بل وغباؤك أيضًا " 

+


صك السراب أسنانه حتى برزت عروقه وصورة أخيه ونور تأكله حيًّا منذ لمح ما أصابهما... الفتاة جسد بلا روح وأخيه ملطخ بدماء تكسوه...اهتز المكان برده البارد يتسرب بنبرة تترك قشعريرة في الأبدان:
_" لم ترى إزعاجًا بعد دميتري... اليوم إن لم يكن هلاكك سيكون أتعس أيامك "  

+


لأول مرة أمامهم مباشرة…
ذلك الكيان الذي يعيق الكثير من صفقاتهم الإجرامية… يقف الآن في جوف مخدعهم يهدد كما يشاء وكيفما يشاء دون رهبة أو خوف  مما أثار جنون دميتري الذي رد عليه بتوعد:
_" يبدو أنك تتناسى من أكون! لست كمن أنهيتهم في جولة واحدة عزيزي... لإنهائي يلزمك افناء عمرك في التخطيط... أنت تعلم خلال دقائق سيصل جيش من رجالي يفتكون بكم جميعًا.... "

+


_" سيف " لفظها السراب متجاهلًا هراءه كأمر جعل سيف يتحرك من مخبأه في سرعة احترافية نحو أليكسي... في نفس اللحظة التي خرج فيها هو ليحمي ظهر أخيه يتبادل الطلقات معهم صدره لأسلحتهم وظهره يتحرك مع حركة توأمه ليشكل الدرع الحامي له....

+


دوى صوت متألم من أليكسي بعدما أصبح بين يدي سيف الذي قبض على عنقه بقوة مقصودة يخرج فيها غضب داخلي مما سببه له ذلك الأرعن حتى ولو سبق واتفقوا عليه...  

+


لحظة من السكون المفاجئ بعدما صدرت صرخة الزعيم بالتوقف.... 

+


ثبت البارود داخل مستودعاته في الأسلحة لكن ظلت مرفوعة في استعداد، عيني عز مشتتة بين الجميع، بتول انزوت ترتجف في احدى الزوايا ترى الموت يتراقص في كل مكان، نور في الجهة المقابلة لم تعطِ إشارة واحدة أنها لازالت حية.... أم سيف فعينيه في عيني كمال ليس غيره عقله يكاد ينفجر إن كانت كلماته حقيقة أم يخدعه.... 

+


قطع الصمت جملة لاهثة من ديميتري خرجت رغمًا عنه وهو يراقب عيني السراب يجاهد لفهم ما ينتويه:
_" أظنه وقت ملائم للتفاوض.... أخرج أليكسي من انتقامك "

+



        
          

                
لم يأخذ عز وقتًا وتقدم منهم يردد في عجلة مرغمًا عليها فنور تلتقط أنفاسها الأخيرة وتلك المرتعبة لم تصمد أكثر من ذلك، نبرته لم تخلو من إصرار لا تراجع فيها:
_" لا تقلق لكل شيء مقابل...سنتفاوض... لكن بعد خروجهم " 

+


قالها ونظر لأخيه يتمتم بجدية:
_" سيبني هقوم بيهم خد البنات واطلع قبل ما رجالته يوصلوا " 

+


_" اولع " كان هذا رد سيف الجاف وهو يسلمه أليكسي بينما انحنى يحمل نور بسرعة يتحرك بظهره للخارج وخلفه تتشبث بتول....

+


تلك التي التقت عينيها بعيني السراب المرتسمة خلف قناعه لتضرب بكيانه في لحظة أقوى من ألف صاعقة...

+


قبض على عنق أليكسي في حركة لا إرادية جعلته يتألم عندها صرخ فيه ديميتري:
_" ماذا بعد! أخرجتهم أحياء... اتركه " 

+


تباطأت الكلمات على لسان عز الساخر وهو يردد بتهكم:
_" دميتري لا أصدق أن داخلك قلب يخاف.... الصبر عزيزي... خمس دقائق فقط "

+


أتبعها بإشارة نحو ساعة الحائط وأكمل بأعين لا تهاب خطره:
_" خمس دقائق بعدها أقرر أترك ولي عهدك أم سيكون رهينة تكسر حدة غرورك "

+


بادله ديميتري النظرات المشتعلة بصمت كلًّا منهما في تحدٍّ مع الآخر وحركة الساعة تتناغم مع وقع دقات القلوب حتى بدأت تظهر ابتسامته الماكرة وردد بغموض:
_" تظن أنك مسيطر أليس كذلك... عذرًا يبدو أن السراب يجهل هوايتي المفضلة "

+


ضيق عز عينيه بترقب فأكمل ديميتري بضحكة قصيرة:
_" ماذا خرج معك فلاديمير؟ " 

+


سحب فلاديمير جهاز لوحي يعرض بثًا مباشرًا ضرب ثبات السراب بنجاح... كانت الطائرة التي ستنقل سيف مع الفتاتان من المكان...

+


_" ما رأيك طائرة رائعة لكن للأسف سنستمتع سويًا بتدميرها الآن " 

+


قالها ثم جاءه صوت من الجهاز يردد:
_" سيدي نرصد الطائرة بدقة ... فقط في انتظار أوامرك " 

+


حُسمت، أغمض عينيه لحظة وتصلب فكه هو خير من يعلم جبروت من يقف أمامه، طالما شهد بشاعة جرائمه، تدمير طائرة بالنسبة له مشهد للتسلية لا أكثر أما عنه هو فتلك المركبة تحمل روحه، شعر أليكسي بقبضة السراب تضعف فعلم أنه يتنحى....

+


ارتطم سلاحيه بالأرض وارتفعت رأسه في كبرياء لم تخلو منه نبرته:
_" ساوِم " 

+


ابتعد عنه أليكسي والتفت ينظر له كأنما يأخذ الإذن لكن جاءه الرفض التام ألا يفضح تواطؤه معه الآن.... 

+


انتفخت رئتي الزعيم وهو يرمقه بنشوة الانتصار، سنوات مرت انتظر فيها تلك اللحظة، ورفع ذراعيه بغرور يتخذه مبدأ حياة وردد بقوة:
_" لحظة تاريخية قدمت لي على طبقٍ من ذهب "

+



        
          

                
تربط جسد السراب فورًا برجال الزعيم بعدما تلقوا منه الإشارة لكن لم يبالِ بما سيحدث له فقط جاءت نبرته تهديدية كما لم تكن وهو ينظر داخل عيني ديميتري:
_" كل ما فعلته لن يأتي شيئًا أمام ما سأقوم به إن لم تأتيني إشارة مغادرة الطائرة لحدودك دون عقبات "

+


_" من أين لك الثقة " قالها ديميتري ساخرًا ثم جمدت ملامحه وصاح بعنف:
_" اخضع يا حقير أنت داخل وكري الآن روحك بين أصابعي أنا.... ألـــيكــسـي!!! " 

+


صرخ بها في نهاية كلامه المستثار من ثبات الجاسم أمامه، نظر له أليكسي يترقب طلبه فأشار لوجه السراب آمرًا بفحيح:
_" اعطي الأمر " 

+


ابتلع ريقه بصدمة لا تختلف عن صدمة السراب الذي ردد بسرعة يحافظ فيها على ثباته:
_" ديمتري أقسم ستكون نهايتك إن فعلتها " 

+


_" ألـــيكــسـي!!!.... ارفع الجهاز وأصدر أمر التفجير " 

+


تسارعت أنفاس عز وهو ينظر ل أليكسي دون إشارة، شُلت أفكاره عند هذا الحد، الوقت وقف ضده بل لا وقت أمامه، فلم يستهلك ثانية قبل أن تخرج نبرة انكسرت رغمًا عن أنفه:
_" سأفعل " 

+


اتسعت ابتسامة الزعيم واقترب من السراب يسأل بعدم فهم مفتعل:
_" ماذا قلت!!... ماذا ستفعل؟ "

+


صدر صوت احتكاك أسنانه قبل أن تخرج جملته مؤكدًا:
_" سأفعل ما تريد " 

+


انتعش الآخر كأنه سمع صوت انكساره، استقام يضحك عدة ثوانٍ يشير نحوه بتشفٍ واضح....
و سرعان ما أمر أحدهم بفتح بثًا مباشرًا يظهر فيه السراب بوقفته الخاضعة يخرج صوت ديميتري يرحب بالأعضاء:
_" سبق وأخبرتكم ديميتري أليكسيتفيتش لا يخسر رهانًا... متعوا أعينكم معي الآن مفاجأة "

+


لم يتحمل أليكسي الوضع تحرك بغل منتويًا إنهاء تلك المهزلة لكن إشارة صغيرة بإصبع السراب جمدته مكانه...

+


_" سويًا سنعرض وجهًا طالما تخيلنا ملامحه المقيتة... لا داعي للتخيل بعد اليوم سنكشف عن المستور لكن... "

+


صمت لحظة ونظر للسراب ثم انقلب وجهه مائة وثمانون درجة كأنه ألغى شخصية لتظهر أخرى وما لبس أن صاح بغضب جم:
_" سنرى كم يعز عليه مَن أتى هنا فقط لأجلهم.... نفذ "

+


صرخ بأمره الأخيرة لفلاديمير الذي أعطى أمر التفجير فورًا..... لحظة أقوى من مُر سنوات حياته كلها... لحظة فاضت لها روحه قبل أن يصله الصوت... دوي الانفجار.... صُمت أذنيه بتحطيمها ... كأنه سمع بقلبه... ذلك الذي توقف... كل خلية داخله توقفت تمامًا مع طنين حاد كأن جهاز اعلان النهاية يُصدر كلمته....

+


_" ســـــــيـــــــــــــــف!! "
صرخ بها ليس بلسانه بل به... بكله.. بكامل كيانه... كأنها آخر ما سينطق... ليس بعد... ليس موعده... لن يفارقه... هنا كان منذ لحظات وسيبقى... أراه متى أريد.. أضمه كيفما أشاء... أنا أحق ببقائه... وآخر من يتسبب في رحيله... ليست حياته بمفرده... بل هناك كيانًا لا أساس له دونه... 

+



        
          

                
_" ســـــــيـــــــــــــــف!!!... ســـــــيــــــــــف!!!!! "

+


توالت الصرخات ... اسم أخيه ليس غيره... 
حتى دميتري ذاته وقف مبهوتًا... بحة صراخه لم ترد على مسامع أحد قط، لم يُرى انهيار كهذا من قبل، حتى لأب على ابنه.... جسده الذي يرتفع وينخفض تحت عشرات الأيدي أشبه بزلزال اهتز المكان على أثره، أليكسي تجمد فقط ينظر للسراب بشدوه...

+


أي سراب!!! ذلك الذي يصرخ ثم يلتقط أنفاسه كالغريق ليعاود الصراخ على مَن ينتشله قبل أن تأتِ اللحظة التي تتوقف فيها محاولاته.... 

+


لم يشعر أحد به فقط وقع أصوات طقطقات متتالية... وجثث تسقط، كأنهم أتموا طقوس سحرٍ أسود لينطلق بينهما شيطانًا يتغذى على أرواحهم...

+


دخان كثيف غطى المكان بأكمله فجأة.... لا يُرى شيئًا ولا يُسمع صوت بشرًا... أنفاس مخيفة فقط، بالفعل كان يختنق والآن تضاعف اختناقه.... يقتل بيديه وقلب المقتول صامت...

+


شعر بجسده يُلتقط لا يرى من سحبه بين الضباب، لكنه سكن... تراخى وبدأ يغلق آخر ما يتحكم به... عينيه... 

+


_" سيف " كانت آخر همسة خرجت منه وقتها....

+


بعد وقت ومن زاوية رؤية خارجية تبعد الكثير عن ذلك المبنى نشاهد نسف أرضي ينهي المنشأة من الوجود كأنها لم تكن....

+


----------------

+


منذ وصلت قصر أبيها ولم تنطق ببنت شفة، دخلت غرفتها بهدوء أقرب للصدمة، أغلقت على نفسها لا تستجيب لأحد وخاصةً لمَن يسمى والدها...

+


انكمشت جانبًا تحتضن نفسها وعينيها مثبتة في الفراغ كل ما تراه أمامها نظرته الأخيرة، تلك التي أخبرتها عن مدى خذلانه، ما زرعته فيه بفعلتها.... 

+


يديه المقيدة في الحديد، مشهده وهو يُساق إلى سيارة الشرطة كالمجرم وليست جريمته سوى حبه لها، حمايته، تشجيعه، اهتمامه، تضحيته لأجلها...

+


_" سامحني... والله غصب عني... انت عارف صح " 
تمتمت بتلك الكلمات بصوتها الذي تلاشى من كثرة ما بكت وعبراتها لا زالت تنساب معها، تتذكر كيف أخضعها والدها لتنفيذ أوامره، لكن من سيتفهم فعلتها البشعة في حق حبيبها...

+


لم يدلِ بجملة طوال التحقيق، حتى أُلقي في الحجز ليختلي بصدمته فيها وغدرها به دون تبرير....

+


_" فخ... كل ده كان فخ!! " قالها بلسانه الصامت، سكون ملامحه يتناقض مع اهتزاز حدقتيه الخاوية، كأنها تتصفح طيات حكايتهما، منذ دخل قصرها حتى أصبح أميرها ومن ثم استفاق على كونه مجرد خاطف، مجرم دخل حياتها عنوة، أجبرت على تقبله مؤقتا حتى تمكنت من نبذه خارجًا...
.
مشاهدهما سويًّا تضعه على حافة الجنون... كيف سلمت لعشقه وبادلت قلبه ثم حطمته وطعنته في ظهره... تربصت لهلاكه، لم تكن بريئة بل ابنة أبيها....

+



        
          

                
_" هندمك يا مسك... هتشوفي الوش اللي يليق بك وبأبوكِ... وعد من المغفل اللي لعبتي بيه "

+


قالها وعجز عن كتم دمعاته، هبطت ندمًا على أجمل لحظاتٍ حياها في عمره البائس...

+


لم تُرى لعينيه دمعة يذكرها سوى قطرات الخوف عليها منذ ألفها ورافقته الدموع.... 

+


مرر اصبعيه على خديه يزيل تلك المياة اللعينة ثم وقف بهدوء شديد ينادي على أحد العساكر قائلًا بنبرة غريبة عليه:
_" محتاج أعمل مكالمة " 

+


---------------

+


_" باشا... قبضوا على عبير متلبسة... بقت في ايد الحكومة يعني في ايدينا " 

+


كان صوت روزالين الحماسي وهي تدخل مندفعة غرفة أبيها في الفيلا الخاصة به، فرفع عينيه عن المنضدة حيث كان يراقب هاتفه...

+


نظر لابنته وصاح بضيق:
_" عبير ايه وزفت ايه يا روز دلوقتي... لو سمحتي ماحدش يقاطعني هي والدتك ماحرجتش عليكم "

+


قضبت جبينها واقتربت تجلس جواره وقالت بحنق مزيف:
_" ايه يا حاج ده يا حاج انت عامل حظر تجول في البيت كمان... لا بقولك ايه فك وش الشغل ده لنصبح نلاقي مراتك طفشانة انت عارفها خلقها بقى هنا " 

+


قالتها وهي تضع يدها على أنفها فتأفف بعلو وأردف بحزم:
_" روزالين على أوضتك لو سمحتي وإلا مش هتتوقعي فعلي "

+


زفرت بضيق وقالت بعتاب: 
_" ايه هتحولني تحقيق أنا كمان؟ "

+


حرك يده وهو يردد بتهكم:
_" آه قولي كدة بقى انتِ بتلفي وتدوري عشان تتوسطي لأستاذ بكر... من امتى بنسيب المشاعر تتدخل في الشغل ولا حُبك ليه نساكِ المصيبة ا... "

+


_" بابا لو سمحت " قالتها وهي تقف تنظر له بعتاب كبير فأدرك حرج كلماته ليمسح على وجهه بقلة حيلة ثم جذب يدها يُجلسها أمامها وتحدث بلين:
_" روزالين أنا فعليًّا في أقصى مراحل قلقي عليهم لو سمحتي قدري ده " 

+


_" تقصد مين بالظبط... " 

+


_" بتكلم عن سيف وعز " هكذا قال بنفاذ صبر
ثم أشار الهاتف وأضاف منفعلًا:
_" سيف وعز حطوا نفسهم في هجوم غير سوي مع ديميتري، من غير اذن قيادي ولا أي تخطيط مسبق معانا... لولا مصطفى ماكنتش دريت أصلًا... أنا مش عارف أغطي عليهم أكتر من كدة... متأكد ان هويتهم الحقيقية اتكشفت ومش بعيد تميم هو كمان " 

+


أدركت خطورة الوضع فصاحت بدهشة:
_" مش فاهمة تقصد يكونوا اتعرفوا انهم من جهة استخباراتية؟! "

+


نظر لها لا يعرف ماذا يخبرها لكنه تأفف مرة أخرى وهتف بحيرة:
_" ماظنش فيه إشارة توصل للعدو هما من أي جهة ... بس ده مايمنعش أن بعض كروتهم اتحرقت، زي هوية سيف اللي بقى في نظرهم سنايبر  اللي خانهم بشغله مع السراب... فكرك بقى دلوقتي هيسيبوه في حاله... ماكنتش حابب اللعب يبقى على المكشوف هما مش قد المُنظ.... "

+



        
          

                
ارتفع فجأة رنين هاتفه فالتقطه بلهفة ليأتيه صوت مصطفى يردد في عجلة لاهثًا:
_" خرجنا كلنا في سلام... عز تعبان شوية ... تميم مُصاب وللأسف سيبناه في مكان آمن ماقدرناش ناخده معانا معاليك فاهم... بشكل عام الوضع بيقول بداية حقبة جديدة يا باشا... " 

+


أنهى كلماته المختصرة وأغلق الهاتف فورًا ليزفر شاكر بقوة والأمر بات مجهولًا متروكًا للوقت...
----------------- 

+


مر أسبوع منصرم من الضجيج في العالم الداخلي والخارجي، أخبار تتناثر بين شاشات التلفاز والجرائد والمجلات، انفجار مدوي في عالم الجريمة، لا أحد يملك تفسيرًا لما حدث في ذلك اليوم، لكن أغلبية الآراء تقول انتهى عصر ديميتري أليكسيديفتش على يدٍ معلومة ومجهولة في ذات الوقت، كيف ومتى ولماذا لا أحد لديه الصورة الكاملة.......  

+


نراه يهبط من الطائرة قلبًا جديدًا مع فرصة بداية جديدة يتألق في حلة سوداء أنيقة تُفسر كلمة ثراءٍ فاحش، إشاراته محسوبة ونظراته كذلك، مشيته الواثقة تتبعها عدسات التصوير من كل مكان...

+


_" سمعنا انك صفيت شركتك وكل ممتلكاتك في الخارج وعلى استعداد لاستثمارها في مصر، ممكن تقولنا ايه اللي يخليك تتخلى عن النجاح ده في الخارج وتفضل تبدأ من جديد هنا " 

+


نظر للصحفي بإبتسامة صغيرة ثم خلع نظاراته السوداء يكشف عن ملامحه الحقيقية تلك المشتركة بينه وبين توأمه ثم قال بجدية:
_" رغبة شخصية... تقدر تقول زهقت من الغربة " 

+


_" سمعنا كمان أن حضرتك كان ليك زيارات سابقة لمصر نقدر نعرف ليه كانت تحت تكتم كبير؟ "

+


ضحك محركًا حاجبيه ثم أشار للازدحام حوله مردفًا:
_" يمكن عشان أقدر آخد نفَسي" 

+


تتابعت الأسئلة وكذلك اجاباته القصيرة، وهو يلعن ذلك الفيلم الذي يلعب فيه دور البطل دون ارادة، ألجم داخله كي لا يسب أباه الروحي صاحب تلك الفكرة الأسطورية وذلك التنظيم الحافل لاستقباله... أو لنقل لاستقبال عودته النهائية لأرض وطنه كألمع المستثمرين الجُدد.....

+


على بعد ليس كبير كان الآخر يجلس جوار شاكر في سيارة سوداء جانبية، يتأفف بين الحين والآخر بينما شاكر يبتسم بهدوء حتى انتبه لمن يجاوره يتحدث بوحشة غريبة كأنه لا يعرفه:
_" آسف يا معالي اللوا، بس مافهمتش حضرتك مستدعيني ليه "

+


نظر له شاكر بضع ثوانٍ قبل أن يشير اتجاه التجمع القائم حول عز ويقول:
_" عشان نستقبل أخوك يا سيف "

+


ثبت سيف برهة كأنه يمنع كلمات وقحة كادت تتخطى فمه وأبدلها بأخرى هادية هدوء مرعب:
_" اعذر وقاحتي يا باشا انت عارف إني وحيد... لو تسمحلي أمشي أنا عشان عندي شغل مهم "

+


رمقه اللواء بصرامة وهتف ساخرًا:
_" شغل ايه يا سيف... هو مش انت استقالت برضو ولا أنا ناسي "

+



        
          

                
نظر في ساعته وقال بلامبالاة:
_" لا شغل برا الجهاز يا باشا... لازم أشتغل طبيعي مش هشحت يعني " 

+


أومأ شاكر مستهزءًا وقال متعمدًا أحرفه:
_" آه وماله، بس حاول تخرج من اللي انت فيه دا بسرعة أخوك محتاجك وانت محتاجه "

+


هز رأسه ضاحكًا بما يشبه الجنون وأكد بقوة:
_" لا أنا مش محتاج حد... مرتاح أوي ومستكفي بنفسي وبالحاجة الحقيقية في اللي في حياتي... مافيهاش تزييف ولا خداع... مش معيشاني في كذبة ولا فارضة عليا علاقة ملهاش أساس"

+


لمعت عيني شاكر وهو ينظر له بحسرة على حاله ثم تحدث برجاء:
_" اتكلم يا سيف... واجهنا  واحد واحد... خد حقك.. اتنفس "

+


حرك حاجبيه بعدم اكتراث كأنه حجرًا أو ما شابه ثم قال قبل أن يغادر:
_" قول للباشا إننا خالصين... أنقذ حياتي مرة... وأنقذت حياته مرة... ساعدني أرجع حبيبتي وساعدته يرجع أخته... اتعاونا نتخلص من عدو مشترك وتمت المهمة "

+


ثم صدر صوته بفحيح محذرًا:
_" بس لو فكر يقرب مني أو حتى اختيلت بيه حواليا مش هرحب بوجوده هخليه يكره الشبه اللي بينا زي ما أنا كاره... " 

+


ثم انتصب في وقفته يضبط من ثيابه:
_" سلام يا شاكر باشا هتوحشني أيامنا... كنت عايش حمار على ايدك "

+


قالها وانصرف تحت ذهول شاكر الذي تمتم بعد تصديق:
_" مستحيل يكون ده سيف " 

+


ترجل من السيارة وناداه بأمل أخير:
_" سيف " 

+


التفت له ينظر بلامبالاة فسأله بجدية:
_" كمال الصيفي فين؟! " 

+


مد شفتيه جاهلًا وقال باستغراب:
_" هو مش مات في التفجير اياه... سلامة الذاكرة يا باشا " 

+


لم يترك مجالًا لأي حديث آخر ركب دراجته النارية وترك المكان على الفور.....

+


---------------

+


لم يبق فيه ساكنًا بعد الفاجعة الأخيرة، دمار امبراطورية دميتري ضربة قوية في صلب مملكته، كالفأر اختبأ في جحره لم ترفع له رأس حتى يطمأن لأمان الوضع  بالخارج، كل ما يفعله هو التواصل مع معارفه ليتأكد إن كان تتداوله الأخبار حقيقيًّا أم خلف الستار أسرار كامنة....

+


_" دي تبقى مصيبة لو كمال راح في الانفجار ده، أنا كدة شغلي برا وجوة انتهى!! " كانت كلماته المصعوقة وهو يتحدث مع رجاله ليخبره أحدهم بخروج راجح هو أيضًا وذلك ما كان ينقصه...

+


تحرك أمامهم بعجلة وغضب شديد يردد بجنون:
_" خرج يعني ايه ده كمان!!! مين ده عشان يخرج ببساطة كدة... هو أنا ناقصه!!! " 

+


اتسعت عينيها بعدم تصديق حينما استمعت له من بلكونها بالأعلى.... فهبطت ركضًا للتأكد إن كان يقصد زوجها أم لا...

+



        
          

                
_" ... من فضلك... استنى من فضلك... " قالتها وهي تلهث أمامه تمنعه من الصعود لسيارته ثم أكملت بتوسل:
_" قصدك مين خرج؟!... راجح؟! "

+


لم ينقصه سوى لوعتها على عدوه الآن، رمقها بغيظ وجذب عضدها بقوة هامسًا:
_" لو ما محتيش الخاين ده من عقلك هنفذ وعدي وأجيبلك جثته تحت رجليك... وانتِ عارفة أنا مين وأقدر أعمل ايه... غوري "

+


غادر وتركها على حالها المزري الذي ازداد سوءً بصوتًا أتى من خلفها يردد بحنين:
_" مسك... وحشتيني " 

+


استدارت بسرعة ناتجة عن فزعها لتجده أمامها بالفعل ليس هو فقط بل بعض صديقاتها القدامى والتي تقدمت احداهما تحتضنها بشوق تردف في حب:
_" مسك l miss you كنا خايفين جدًا عليكِ بعد ما فشلنا نوصلك طول الفترة اللي فاتت... حتى مالك كان هيسافرلك مخصوص لما شوفناكِ في المسابقة "

+


لم يستوعب عقلها ما يحدث، مَن هؤلاء! كيف تجرأون على الاقتراب منها بعد ما قاسته بسببهم!!! لماذا تقف كالصنم عاجزة عن ردعهم بل ماذا يفعل ذلك الأبله... 

+


كان يحتضن يدها ويردد بندم شديد:
_" أنا متفهم ايه بيدور في راسك دلوقتي... بليز اتأكدي إني ندمت على اللي عملته وحابب نفتح صفحة جديدة... مسك أوعدك عمري ماهضايقك تاني "

+


سيطر عليها سطوة الصدمة مع الخوف الذي أسكنها ظاهريًّا مما أتاح لمن بالأعلى أن تستغل الوضع شر استغلال وهي ترسل له ذلك المقطع القصير الذي سجلته مُعلقة:
_" استغربت أنها خرجت من أوضتها أخيرًا بس طلعت مجهزة معاد مع الشلة بتاعتها.... أخاف أقولك رجعت ريما لعادتها القديمة تزعل "

+


-------------

+


وصلت للعنوان الذي أرسله لها، تسرح من وقت لآخر في توقعات مختلفة عن سبب ذلك اللقاء، طوال الأيام السابقة لم تراه سوى مرة بعدها ذهب ولم يعد، حجته لوالده كانت سفر إجباري للعمل....

+


دخلت المبنى بخطوات مترددة رغم أنها في أتم الاستعداد لأية مفاجأة، عميلة بخبرتها نادرًا ما تهاب خطر ..

+


صعدت للشقة المطلوبة تنهدت بقوة قبل أن تضرب الجرس ثم وقفت تضبط خصلاتها لعلها تزيل توترها الطفيف...

+


فتح الباب وظهر أمامها بإبتسامة لا تتخطى شفتيه ثم رحب بها في صمت...

+


_" بشمهندس بكر أنا معرفتش أسألك عن سبب طلبك لمقابلتي هنا... بس اسمحلي أفهم ده قبل ما أدخل "

+


قالتها بهدوء ورسمية جعلت بسمته تأخذ مجرى السخرية وتمتم بغموض:
_" مش واثقة فيا؟ "

+


توترت نظراتها وأخرجت ضحكة قصيرة تكسر جدية الأجواء:
_" ازاي يعني هو أنا حد حافظ عليا غيرك طول الفترة اللي فاتت " 

+



        
          

                
مد شفتيه باستحسان وقال:
_" كويس... اتفضلي بقى "

+


أومأت بموافقة رغما عنها وتقدمت للداخل لتسمعه يغلق الباب ويلحق بها:

+


_" هي دي شقت.... "

+


غادرتها الكلمات والأنفاس أيضًا حينما وقعت عينيها على تلك الصور المنثورة فوق المنضدة......

+


لم تخرج منها حركة وهو خلفها يتظاهر بالبرود التام بل تقدم يعد كأسي عصير وهو يسأل بإهتمام:
_" مانجا ولا برتقان يا ليلى؟ "

+


استدارت له بعينيها التي دمعت بغزارة واختنق صوتها تردد:
_" أديني فرصة أفهمك... اسمعني من فضلك " 

+


ضم حاحبيه وانتصب في وقفته قبل أن يباغتها بسحب سلاحه من ملابسه يرفعه في وجهها وصوته خرج كالجحيم حاد مفاجئ مرعب:
_" وماله نسمع يا روح أمك " 

+


_" بكر!!! " صرخت بها في فزع

+


فاقترب بعنف يقيد يدها في عمود حديدي بقيد قاسي محكم الغلق تحت صدمتها كأنه سحبها من مياه دافئة لأخرى جليدية...

+


_" بكر ماتعملش كدة لو سمحت... أنا هفهمك... ماتندمنيش يا بكر عشان خاطري " 

+


أحكم قيدها ثم ابتعد عنها ووقف يطالعها بقلب محترق لا مشاعر داخله سوى للواجب الوطني، قناع لم تراه عليه مسبقًا ولسوء حظها لن ترى غيره بعد الآن ..

+


_" اسمي الرائد بكر يا سلالة الأ*** .... سبع سنين خبرة في الجهاز شوفت أشكالِك في وجوه كتير فكان أبسط حاجة أميزك من أول ساعة ليكِ معانا "

+


كانت كلماته التي تُصرح بما لم تتوقعه، حدقت فيه بتيه فابتسم بنصف وجهه وقال:
_" حفيدة جوزيف مودير، مهمة القبض عليه شاركت فيها من ٩ شهور بالظبط ... فقدت فيها سلسلة بتحمل بصمتي وبصمة أمي بسببها اتكدرت شهر كامل لحد ما شاكر باشا وافق أستكمل شغلي بعد ما كان ناوي يستبعدني تمامًا خوفًا تكون المجموعة اللي هربت لقوها في مكان الاشتباك... "

+


ضيق عينيه يكشف عن دهائه:
_" من وقتها مفيش نملة بتدخل حياتي غير لما أراقب أنفاسها... خصوصًا لو داخلة عليا بفيلم عربي قديم "

+


ثم حرك حاجبيه بسخرية قائلًا:
_" جبت آخرك أنا ها؟ " 

+


رمى سلاحه جانبًا وأنحى انسانيته معه، اقترب يفتحص كل انش بها والأخرى تصيح فيه بحسرة وذهول:
_" انت مش بشع كدة يا بكر..  ما تعاملنيش كعدو... أنا ليلى يا بكر... ماقدرتش أسلمك ليهم... مش معايا حاجة والله العظيم مش براقبك" 

+


تأكد من هدفه لا تملك أي أجهزتة تنصت أو تتبع، دون أن يكترث بها قدر انمله ابتعد ببرود وتمتم:
_" كويس جاية على نضيف " 

+


أخرج سيجار وأشعله وهو يسترح بظهره على أحد المقاعد وهي تجهش في بكاء هيستيري لم تتوقع فعلته أبدًا رغم أن الخيانة بدأت من عندها لكن تشعر أن الغدر جاء منه هو، زفر الدخان وهو ينبس بجمود:
_" هتعرفي تقوليلي اللي حابب أسمعه ولا لازم تاخدي على دماغك زي أجدادك عشان تتكلمي " 

+



        
          

                
_" بتظلمني يا بكر... بتظلمني زيهم " همست بها من وسط انهيارها البيِّن فقابله بذات الجمود، منذ تأكد شكوكه نحوها ولم يذق طعم النوم، فكر في عشرات الردود على خداعها وفي كل مرة يؤجل المواجهة لكن سكوته ليس إلا خيانة، وهو أبعد ما يكون عن ذلك...

+


---------------

+


دخل المنزل الذي استأجره مؤخرًا بعيدًا عن كل من يعرف كأنه يحمي ذاته منهم...
عبر الحديقة الصغيرة بعدما جال ببصره في كل أرجائها علها خرجت من قوقعتها لتعيش جمال الطبيعة بعض الوقت...

+


قلبه في قلق دائم عليها فهي تفتقد للكثير من حيويتها منذ ذلك اليوم، صعد إليها محدثًا بعض الضوضاء لتشعر بعودته، طرق الباب يردف باستئذان:
_" ممكن أدخل " 

+


لم يسمع ردها ومع ذلك دلف بهدوء ليجدها على المقعد وجهها للشرفة كأنها تراقب حركة قرص الشمس في تركيز خاص... 

+


ما أن رأته حتى ابتسمت بعينيها وهمست:
_" خوفت ما ترجعش " 

+


وضع أكياس الطعام جانبًا وقال بسخرية:
_" تصدقي وأنا كمان، ماكنتش ضامن "

+


_" اطمنت على نور " كان سؤال متردد لكنه أومأ بهدوء:
_" آه بس زي ما هي مفيش جديد "

+


أدمعت عينيها وشرعت تبكي بصمت وهو ينظر لها بنفس الصمت حتى رفعت عينيها تتحدث بتقطع كأنها ترجوه:
_" أنا حبيتها ومش عايزاها تموت .... أنا بخاف من الموت قوي "

+


كاد يواسيها لكن كعادتها تحولت نبرتها للهجوم:
_" انت أكيد متعود عليه... ومش فارق معاك كأن الأرواح لعبة عندكم... الدم في ايدك دايمًا... أنا بكره أشوف ده... انت مش حاسس بيا "

+


ابتلع غصته من حديثها الذي يتكرر مرارًا كأنه انطبع داخلها مجرمًا ليس إلا... 

+


_" كلي وفي المقابل هاخدك تزوريها " 

+


هكذا ساومها وخرج من الغرفة يحتجز آلامه ثم التقط كيسًا آخر من فوق الطاولة واتجه لمخزن البيت....

+


كلما اقترب من الداخل وصله أنين ممتع بالنسبة إليه يُغذي انتقامه، وقف تمامًا أمام الجسد المرمي على التراب وبدأ يتصعب على حاله مرددًا:
_" تؤ تؤ... استحمل يا كيمو... استحمل دا كاسك ولازم تدوقه نعمل ايه بقى.... شوف سيف حبيبك جايبلك ايه!!! "

+


قالها وأفرغ الحقيبة أمامه يتناثر منها فتات طعام وبقايا لحوم نيئة وعظام ثم قال بضيق:
_" للأسف العشا النهاردا صابح، المطعم رمى الأكل اللي متعود أجيبهولك... ارضى بقى ماقدماكش غيره "

+


تصعب في حديثه كأنه متعاطف معه ثم مد قدمه يرفع وجه كمال عن التراب وأكمل بتعجب:
_" مالك يا باشا... دي لحمة نية وعضم حاجات من اللي بيموتوا فيها أمثالك "

+


_" ار.. حمني " خرجت منه متقطعة بإذلال بعدما ذاق الهوان طوال الأيام المنقضية...

+



        
          

                
جسى سيف جواره وتحدث بهمس مماثل لهمسه:
_" وانت ما رمحمتش شريف ليه؟!... غدرت بيه ليه؟... كان ذنبه انه بيقوم بواجبه وانت مجرم خايف تتمسك تقوم تقتله وتحرمنا وتحرم أهله منه!!! "

+


هز رأسه بأسى مفتعل وأكمل:
_" ليه يا كيمو مارحمتش البشر اللي بيموتوا بسببك كل يوم... السلاح والمخدرات اللي بليتوا بيهم البلد... هربتوا تاريخها وبتقضوا على حاضرها ومستقبلها ليه؟؟؟ جايبين الجبروت ده منين يا راجل؟ " 

+


جاهد كمال ليكمل توسله:
_" سلمني للعدالة وهعترف على نفسي... أوعدك "

+


وقف سيف ببطء وملامحها تتظاهر باستحسان الفكرة وهو يومئ عدة مرات قبل أن يستدير عنوة ويتحدث بنبرة مخيفة:
_" طب الحكومة هتعاقبك على جرايمك في حق البلد وعيالها... حق بتول بقى مين هيعاقبك عليه؟!!... أنا مين هيشفي غليلي منك؟! "

+


مد يده في جيبه يخرج مشرط صغير جعل كمال يصرخ بمجرد رؤيته فضحك سيف بجنون وهو يتقدم منه ويتمتم:
_" كنت بتقطع من جسمها جزء ورا جزء.... عيشتها رعب مش قادرة تتخطاه رغم أنها في أمان بعيد عنك... بقيت شبح موت مش سايب أنفاسها... طب ليه؟؟... ليه يا كمال " 

+


ارتفعت صرخة كمال حتى أوشكت حباله الصوتية أن تتمزق وسيف يشطر جزءًا من كتفه بتفنن كأنما ينحت صخرًا ثم ارتفع صوته بجبروت مهيب:
_" ابنك **** فين يا كيمو... بكرر عرضي تاني... لو وصلتني لمكانه هاخد تاري منه حتة واحدة... "

+


رفع المشرط عن جسده وتركه يتلوى في صرخات وأكمل ببرود:
_" بس لو وصلتله لواحدي هعمل من موته فيلم تسعين حلقة هخليك تتابعهم للنهاية... وده وعد مني.... وما أدراك من وعودي "

+


_" سيف!!! " 

+


وصله ذلك النداء المندهش من خلفه فتجهم وجهه على الفور صوتًا ضمن قائمة لا يملك رغبة في رؤيتها...
استدار يحدق فيه بضيق بائن ثم زمجر في غضب:
_" وصلت لمكاني ازاي؟ " 

+


تقدم شادي نحوه بخطوات سريعة وعينيه على جسد كمال الذي سكن يبدو فقد وعيه وصاح في الآخر بذهول:
_" يعني كمال معاك بجد؟... ماصدقتش اللوا لما قالي "

+


صُدم منه حينما جذبه بعنف للخارج وأغلق باب المخزن خلفهما ثم دفع جسد شادي بعيدًا وصاح من أسفل أسنانه:
_" جاي عايز ايه يا ابن جبران؟! "

+


طالعه شادي عدة ثوانٍ كأنه لا يتعرف سوى على ملامحه أما الباقي فغريب عليه تمامًا...
لم يتوقع أحدًا فعلته إذ تحرك نحوه بهدوء حذر وضمه فقط، مما جعل ابتسامة دهشة تشق وجه سيف والآخر يجيب سؤاله:
_" جاي لأخويا... واحشني "

+


صدحت منه قهقات مرتفعة ساخرة لا تخلو من الحسرة وهو يبتعد عنه بنفور يُناظره كالمُتفاجئ وردد باشمئزاز:
_" ايه حكاية أخويا اللي نازلة عليكم دي؟!.... يا جدعان وربنا مجهول النسب وماليا اخوات.... أغنيها!!! "

+



        
          

                
لم يكن عرضًا لفظيًّا بل رفع يده الممسكة بالآلة الحادة وبدأ يراقصها وهو يرددها مرارًا ويضحك بإتساع والآخر فقط يكظم غيظه بل يُخفي وجعه على ما أصابه، 

+


توقف تدريجيًّا عن أفعاله الجنونية واقترب من شادي يردد بعقلانية مزيفة وهو يخبط على صدره بتحذير:
-" روح يا شادي بيه بيتك أولى بيك... عيب المدام تستناك وتتأخر عليها انت عارفها بتقلق بسرعة.. "

+


ثم دنى من اذنه يستكمل هامسًا بنبرة تحمل عدم اكتراث مفتعل تخفي عتاب يود لو ينفجر به:
_" خصوصًا لو الغايب يبقى جوزها اللي سترها وحامى عليها وآمنته على سرها... اللي حط ايده في ايد أبوها ودفع مهرها وخلص فيها في ظرف يوم من غياب ال*** اللي المفروض أخوها "

+


أغمض عينيه وامتقع وجهه بهمٍ لن يمحوه وقت، آخر ما يريده هو انكشاف الأمر أمام سيف، يُقسم لو بات حياته مُثقلًا بذلك الحمل ما شاركه معه أبدًا....

+


اعتصر قلبه لنظرات سيف تلك التي اغرورقت بماءٍ حارق يقرأ التيه داخله، حديثه المُلتاع بدأ يتخلى عن البرود ليخرج سؤاله مذبوحًا:
_" سكت ليه؟ "

+


لم يفهم شادي ما عليه قوله نفذ بحر الكلمات من عقله فأكمل عنه سيف بإختناق يكاد يزهق روحه:
_" انفي يا شادي قول ماحصلش يا سيف!!... قولي اني مجنون وبقول أي كلام... قولي فوق يا سيف مالك مستسلم ليه لكابوس زي ده!!!... "

+


تبع انفاله بلكمة سددها لصدره يحثه على الحديث وقد ارتفعت نبرته تصارع الحقيقة:
_"ساكت ليه انطق!!! "

+


تسللت شهقة مكتومة من الآخر تُظهر عِظَم ما يحمل لينجرف سيف خلف حالة من الجنون اللإرادي، يد تمس شعره والأخرى تتحرك في الهواء كأنها تائهة وأنفاس تتضارب مع نسمات باردة، شادي ساكن لم يهتز سوى بكفٍّ يدفعه بغضبٍ مكبوت يُطالبه بالحديث:
_" امتى وازاي؟؟ سلمى!!!... سلمى بتاعتنا احنا؟!... كنا فين!؟... أنا قصرت آه بس مش للدرجة دي أبدًا؟!... أنا... أنا احتويت والله! أنا راعيت وراقبت وربيت وعلمت أنا ماستاهلش كل ده!! " 

+


خرجت صرخة تعلن انفجاره في بكاء هيستيري يكتمه لأيام على أمل لا أساس له، مع كل صباح يرسم بسمة متوسلة أن يحمل اليوم صورة مختلفة تربت على اوجاعه، تنفي حقائق تؤلمه... لكن ذات الكابوس لا ينفك.. 

+


_" ده عقاب!!..... بتعاقب على ايه أنا!!! وليه قاسي كدة دا أنا سيف عادي!! مش قاتل ولا سارق ولا مغتصب ولا عملت ذنب أستاهل عليه كل ده... تلتين حياتي شغل والتلت خوف وهروب من كلام ونظرات وأفكار وأشخاص"

+


سكت فجأة صدره يعلو ويهبط في إيقاع سريع، مسح وجهه واعتدل في وقفته يتلفظ بنبرة أصبحت جادة كأنها لا ترتجف :
_" انت عارفني يا شادي ها؟! أنا عمري أذيت حد؟!.. طب كنت عاق مع الست اللي ربتني؟!... أو حتى مع الراجل اللي دوقني الوجع من قاعه "

+



        
          

                
كان ينظر لشادي الذي بدأ هو الآخر يرتجف ويهز رأسه بنفي فابتسم سيف بضعف لثانية ثم رفع رأسه وتحدث بتوسل:
_" طب ليه بقى!!!.... يارب سامحني أنا مش معترض! والله ما معترض أنا أحسن من كتير عارف "

+


رفع يده يحرك أصابعه برجاء وشهقاته تتوالى:
_" لا معترض إني أهلي مش أهلي ولا إني ابن مجرم كان أكبر أهدافي إني أوقعه.... ولا... ولا معترض إن اللي من دمي وعارفني اختار يبعد عني سنين بمزاجه.... حتى لو معرفش مين الست اللي جابتني للدنيا مش زعلان عادي فيه مني كتير..... "

+


ابتلع ماء حلقه سريعًا وأكمل بنبرة انكسرت خوفًا:
_" أنا بس محتاج أطمن... اطمن إن إيدي نضيفة...  إني مش غافل عن ذنب سبب الضياع اللي أنا فيه.... أنا... أنا ماقدرش على ابتلاء فيها... يمكن مش أخوها أنا ... بس بنتي والله بنتي... والله أنا اللي أبوها... ليه كسرتي تبقى فيها!!؟ " 

+


فقط السيطرة على رؤيته المشوشة وترك شادي يستقبل جسده المترنح وهو يصرخ بإنهيار:
_" هو ده وجع يا شادي؟!!... هو ده مطلوب مني أتحمله؟؟!! "

+


ارتخى به جسد الأخير لتستقبل الارض كلاهما، يشدد من ضمه يود لو يسحب آلامه، تبدلت الأدوار وانهار من كان يحمله في ضعفه ليبيت هشًّا فاقدًا لرونقه المعتاد...

+


_" انسى "
خرجت من شادي مهتزة أسكنت جسد سيف في الحال وما لبس أن انتفض كالمصعوق يناظر شادي كأنه لم يفهم عليه يعقب على طلبه باستنكار ساخر:
_" أنسى ايه!... قول موت أهون! أسهل... إنما أنسى!!!... دا أنا لو ذاكرتي اتمحت... اتمحت... اللي هنا مش هيتمحي ومش هنسى " 

+


كان يضرب موضع قلبه عدة مرات قاسية يسترسل في استنكاره المُوجع يرتفع صوته المختنق مع كل جملة:
_" بحمي بلد بناسها وفشلت أحمي نفسي وأهل بيتي... كانت هي أولى بحمايتي... حتى حقها مش عارف أجيبه... مش عارف أزعل على ايه وعلى مين ومن مين... مش لاحق.. مش لاحق... مش لاحق أستوعب كل ده في وقت واحد!! "
  
فقد السيطرة على صراخه وجسده أيضًا، يهتز ويتصلب كالواقع تحت وطأ تيار كهربي عالي الشدة، حتى الأخير يعجز عن احتوائه، كلما حاول التقرب دفعه سيف عنه وتراجع للخلف يكرر كلمات عشوائية مستنكرة بعضها متهكم والآخر لا يُفسر

+


_" سيف " 
كان نداء قريب بعيد نداء روحٍ تضيع وسط انهياره... تعركلت قدميه مرارًا وهو يركض نحوه يستقبل جسده الآيل للسقوط.... وصل المكان في ثوانٍ منذ رأى قدوم شادي خلال أجهزة المراقبة الصغيرة التي يزرعها حول توأمه... ينتظر منه انفجارًا كهذا فلم يغفل عن ترقبه....

+


_"  سـيـــــــــــــــف!! " كرر ندائه الملتاع وهو يهبط بأخيه يردد برعب:
_" سيف مالك!! حاسس بإيه؟ "

+


لم يرى منه رد سوى استسلام لحظي مُقلق جعله يردد في صدق:
_" ما تستسلمش واسمعني... هريحك والله بس اديني فرصة " 

+


استكان داخل دفئ صادق حُرم منه سنوات عِجاف، أصابع تمس جسده هي الأقرب لروحه، رأسه فوق قلبٍ آلف أول دقاته كأن مرساه تستقبل سفينته الضالة بعد ليالٍ في جوف عاصفة لم ترحم ضعفها، ضعفٌ أخضع قوته، أتعب قلبه المُثقل بهمومٍ زلزلت ثباته، ذاته تغيرت، صورته تبدلت، يتيم بلا يتمٍ، غريبٌ بين أهله، وحيد في بئر خبايا اطفأته ظُلمته...

+


_" اتنفس... اتنفس يا سيف "

+


كان همس خافت من أخيه أعاده لواقعه، 
تمالك نفسه بشق الأنفس ليبعد الاثنين عنه، يدفع جسده بقوة ليقف يهرب من أمامهم... من هم لينهار على صدورهم؟!!

+


_" مش عايز حد  ســــيـبــــــوني!! " قالها وهو يقف يشير بجنون محذرًا أن يتبعه أحد، الهروب لم يكن رفضًا لهم فقط بل عجزًا عن أن يُرى بهذا الشكل… هشًّا، مكشوفًا، بلا درع. 

+


لا يعرف كيف دخل منزله وأغلق بابه بقوة تحكي عن رفضه التام لوجدهم، ارتفعت عينيه الذابلة ليجدها أمامه تطالعه بشدوه لثوانٍ قبل أن تهرول نحوه ليكونا ذراعيها الضعيفين داعمًا لهوانه.......

+


-----------------

+


بالخارج تنسحب أنفاسه وقدميه تدعوه للاقتحام، صغيره في الداخل في أشد أوقات ضعفه، وهو هنا لا يُقدم شيئًا سوى الامتثال لرغبته في البقاء بعيدًا، عار عليك عز أيٍّ حبٍّ هذا فلم ينل منك سوى الوجع....

+


التفت بتيه ينظر لشادي الذي لم يخرج من صدمته إلى الآن، ردد بخفوت أدهش الأخير:
_" أنا آسف.... سلمى... سلمى أنقذتها... كنت هقوله "

+


كانت كلمات ضائعة من فم السراب ضربت رأس الثاني بعنف فهمس بعدم استيعاب:
_" انت مين! تعرف سلمى منين... يعني ايه أنقذتها!!! " 

+


بدأ يأخذ أنفاسه ويستعيد بعض ثباته ومع ذلك كلامه لم يكن مرتبًا بل التشتت يتخلله:
_" أنا اللي كلمتك... قولتلك أنها في المستشفى... سلمى أنا ماسمحتلهوش يقربلها دي أخت سيف يعني أختي... كنت هقوله كدة "

+


أين شادي!!! حبست أنفاسه عنوة رغم ارتخاء أعصابه بالكامل كأنه يسمع أمر عودة روحه لم يشعر بذاته وهو يندفع نحو عز يردد بلهفة تتوسل بالصدق:
_" يعني ايه! ازاي؟!!! انت مش بتقول كدة عشان سيف صح؟!!... الدكتور قالي الحقيقة قالي...

+


_" أنا آسف!! "

+


_" يعني ايه آسف!!! " 

+


صرخ بها في ذهول سيقوده للجنون لا محالة.....

+


------------☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يتبع...

+


قولوا أراءكم في كومنت

+


اضغطوا على النجمة ☆

+


لا تنسوا الصلاة على النبي والدعاء لاخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله...

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close