رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم صابرين
32- إكره الخطأ لكن ارحم المخطئ
صلي على من قال أمتي أمتي
حرك قدميه المتدلية من على الفراش بضجر شديد، من المفترض أن يقف الآن ويهم بالدراسة فاختبارته اقتربت بشدة ولكن لما هو غير مبالي بالأمر، لا يشعر أنه يود أن يصبح صيدلي فمنذ أن فاتته سنة من حياته بها وهو لم يعد يود أن يكمل بتلك الكلية
لم يكن في يوم محب للصيدلة أو الكيمياء حتى، ولكن والده هو من قدم له بها كما فعل مع غادة سابقًا ومع رحمة مستقبلًا، الوحيد الذي لم يجبره على هذه الكلية هو حمزة المدلل لوالده، وصدقوا هذا هو مدلل والده أكثر من رحمة، لا يستطيع رفض له أي طلب منذ كان صغيرًا
فحتى انصاع خلف رغبته ودراسة القسم الأدبي ثم بعدها الإلتحاق بكلية الحقوق، هو لا يغار من حمزة فالأقرب له في هذا المنزل هو حمزة، حتى ليس حانق من والده والذي قدم له في كلية الصيدلة رغم أنه يعلم حبه لكرة القدم، لكنه محق فلا يعتمد أحد على كرة القدم دون مؤهل دراسي يُعيله
اعتدل في جلسته مستندًا بكفيه على الفراش عندما أبصر حمزة يدلف للغرفة وعلى كتفيه كانت تقبع منشفة ولتوه خرج من المرحاض بعد أن استحم، يحسده على الاستحمام بكل سهولة في هذا الشتاء القارص فلا يفرق مع حمزة شتاء من صيف
-أبوك رجع من الشغل؟؟
تساءل بها حمزة وهو يجفف خصلات شعره أمام المرآة فأجابه الآخر وهو يتمدد مرة أخرى على الفراش بملل واضح :
-آه رجع وقال هيغير هدومه وعايزني في موضوع
-عايزك انت؟؟
همهم كريم وهو يطالع السقف فقال حمزة وهو يمشط خصلات شعره بتركيز، رغم أنه يجلس في المنزل ولكنه لا يستطيع أن يجلس بشكل فوضوي أبدًا :
-ايه بقى مش ناوي تتلم وتفتحلك كتاب مش فاضل كتير على الإمتحانات
-لأ
نطق بها الآخر بإختصار شديد فطالعه حمزة من انعكاس المرآة بملامح متشنجة ثم قال :
-ايه يلاه الصراحة دي؟! لأ صراحة ايه دي وقاحة
ألقى بجسده بجانبه على الفراش محدقًا في السقف مثله ثم قال :
-صحيح ايه اخبار الشاب اللي كان عايز مساعدة
-كويس بكلمه كل يوم وبحاول أقنعه يروح مصحة بس هو رافض
-علشان خايف؟؟
-آه خايف لا أهله يعرفه، هو طالب مغترب لما يغيب عن السكن كتير اكيد هيوصل الموضوع لأهله
تنهد كريم بثقل هم لا يدري لما يشعر به منذ الصباح وكأنه فاقد الشغف لأي شئ، حتى للتحرك من فوق الفراش، عقد حمزة حاجبيه بتعجب لبؤس كريم الواضح فقال وهو يعبث في خصلات شعره الفوضاوية :
-فيه حد يبقى أخوه هيتجوز ويبقى ضارب بوز كده، تكونش زعلان علشان هتجوز واسيبك يا كراميلا
-انت هتتجوز
صاحت بها رحمة من على الباب مصيبة الاثنين بفزع شديد لظهورها الغير مفاجئ إذ صاح بها حمزة وهو يجلس على الفراش :
-ايه يا ولية ده، فيه حد يخض حد كده؟!
قطب كريم جبينه قليلًا ضاحكة بخفة :
-حمزة مش ملاحظ اني أسلوبك سوقي شوية اليومين دول، حاسس إنك من العصافرة مش من ميامي
-من معاشرة المتهمين في المحاكم ما انا بنزل المحكمة كتير اليومين دول
اقتربت رحمة من حمزة وحاولت لمس خصلاته المرتبة بعناية فقال الآخر بتحذير وهو يمسك بيدها قبل أن تصل إلى شعره العزيز :
-عارفة لو خربتيه هولع فيكي
-ما تفكر تقصه شوية مش حاسس أنه طول بزيادة، خليني اقصه بالله عليك يا حمزة هعملك قَصة جنان
-طب وربنا اضربك اوعي كده
دفعها حمزة ناحية الفراش الآخر فسقطت عليه الأخرى تزامنًا مع قول كريم والذي اردف بصوت اختلط بالضحكات ولا يزال ممددًا على الفراش :
-عايزة تقصي شعره؟؟ ده يبلعك
ذمت الأخرى شفتيها بتذمر ثم قالت وهى تقف من فوق الفراش متجهة للخارج خلف حمزة حتى تعلم ما حكاية الزواج الذي نطق به منذ قليل :
-كلم بابا يا كريم عايزك
ونهض كريم بتكاسل من فوق الفراش يجر قدميه جرًا ناحية البهو حيث كان يجلس والده يقرأ كتاب علمي عن الكيمياء، يالا سخرية القدر فوالده تجاوز الخمسين ويقرأ في كتاب وهو بعد أسبوعين ستبدأ اختباراته ويعجز عن فتح كتاب
جلس إلى جانب أخيه والذي بدت عليه الحيرة وعلى الأرجح يختار جملة افتتاحية لإلقاء الخبر على والده، وبسرعة نطق نيابةً عنه يقصر المسافات ويمنع حمزة من التفكير في خطاب طويل عريض باللغة العربية الفصحى على الأرجح :
-بابا حمزة عايز يتجوز
استدار حمزة إلى شقيقه مذهولًا بينما قفزت رحمة من مكانها حتى تزف لوالدتها هذا الخبر السعيد، وبين كل هذا لم يستمع عثمان لما قبل إذ كان مندمجًا في الكتاب فقال كريم مرة أخرى وهذه المرة سحب الكتاب من بين يديه هاتفًا بتهكم :
-يا بابا ركز معانا البنت هتطير لكن الكيمياء مش هتطير
-بنت مين؟؟
حمحم حمزة مجيبًا على والده بنبرة مرتبكة فالأمر بالنسبة إليه يدعو للإرتباك :
-نورهان يا بابا انا عايز اتقدم ليها
والٰهم عثمان انتباهه إذ قال وهو يستند بذراعيه على فخذيه :
-نورهان بنت علي صفوان؟! انت عايز تتجوزها؟
لم يفهم حمزة سبب تكرير والده للسؤال ولكنه آماء بهدوء فقالت ناهد بلهفة تملؤها الفرحة، وهى تخرج من المطبخ بعد أن قالت لها عصفورة البيت هذا الخبر فمن أبرع من أصغر فرد في المنزل لنقل الأخبار :
-انت عايز تتجوز يا حمزة؟! في واحدة في دماغك؟؟
-نورهان بنت اخو أسماء
نطق بها عثمان وهو لا يزال على نفس هدوءه فقالت ناهد ببسمة اتسعت على وجهها، فقد كانت تود أن تخطب لابنها واحدة من الأربع فتيات ويبدو أن حمزة وضع أحداهن في عقله مسبقًا، فلم تغفل عن سؤاله عن نور يوم حدث الحريق :
-والله وعارف تنقي يا حمزة، ووالله أحسن من خطيبتك القديمة على الأقل دي نعرف أصلها وفصلها، والبنت جمال وأدب.... بس عصبية وطبعها شديد
-طالعة لأبوها واعمامها طبعهم شديد
هتف بها عثمان وهو ينظر لابنه والذي قال بهدوء لا يدري لما ذكروا هذا الأمر وكأنه عيب :
-وهو دي حاجة وحشة؟؟
-لأ طبعًا حاجة كويسة هتبقى أم عارفة تربي عيالها كويس ومش هيطلعوا مدلعين
-يعني أفهم من كده إنكم موافقين؟؟
تساءل بها حمزة متوجسًا فقال عثمان وهو يسحب الكتاب من بين يدي كريم :
-انا معنديش مانع هبقى اقول لعمك محفوظ يكلم نسيبه وربنا يسهل
تبسم حمزة بإتساع ليضمه كريم بقوة مرددًا بسعادة لأخيه :
-مبارك يا عم العيال انا هحضر طقم من دلوقتي، على كده هنروح الصعيد نتقدملها هناك؟؟
قهقهت ناهد بخفوت ثم قالت :
-مش لما توافق وأهلها يوافقوا الأول
-هى تطول أصلًا تتجوز صنف تركي زي حمزة كده، دي هتموت عليك بشعرك ده اللي موقع نص بنات إسكندرية
ضحك حمزة بسخرية لما قاله كريم فهو لم يترك طريقة يتكلم بها معها إلا وقامت بصده، حمحم عثمان وهو ينظر إلى كريم متذكرًا ما الأمر الذي طلبه من أجله :
-كريم ايه أخبار الجامعة؟؟
اعتدل كريم في جلسته مواليًا انتباهه لوالده إذ قال :
-الحمد يا بابا
-شد حيلك انا عايز امتياز السنة دي، السنة اللي فاتت جبت جيد جدًا بس انا مضغطتش عليك علشان كنت عارف إنك كنت لسه تعبان
مال كريم قليلًا على حمزة ثم قال هامسًا :
-أومال لو عرف اني ناوي على جيد بس السنة دي هيعمل ايه
-هيربطك على السطح في عِز الشتاء
نطق بها حمزة بنفس النبرة الهامسة ليقول عثمان متنحًا عن همسهما المريب :
-بعد ما تخلص الإمتحانات هتبدأ تدريب في الشركة اللي انا بشتغل فيها انا اتوسطلك عند صاحب الشركة وهو وافق
ابتسمت ناهد ثانية على الأمر بينما رفع كريم إحدى حاجبيه متعجبًا موافقة صاحب الشركة على تدريب طالب لا يزال يدرس، خاصةً وان شركة الأدوية هذه مرموقة لا أحد يتعين بها بسهولة حتى يحصل على تدريب مجاني :
-واسطة ايه دي اللي تخليه يوافق كده على تدريب طالب واحد بس ولسه بيدرس، انت لو متجوز أخته مش هتاخد الواسطة دي
-ده على أساس اني فراش هناك؟! انا مدير قسم كامل، ثم انا موجود في الشركة دي من أيام والده وانا اللي علمته الشغل لحد ما مسك الشركة من بعد وفاة والده وهو بيعتبرني زي أخوه الكبير علشان كده وافق
فتح الكتاب مرة أخرى منهيًا الحوار :
-شد حيلك في الامتحانات، الشركة دي مش بتاخد موظفين أقل من امتياز الأربع سنين يعني انت معاك فرصة على طبق من دهب
رن جرس الباب فقالت ناهد وهى تتجه إلى المطبخ :
-روحي افتحي يا رحمة، دي غادة أكيد، إسماعيل سافر الصعيد من عمه حسن ده، وانا قولتلها تقعد معانا النهاردة
تحركت رحمة حتى تفتح الباب بينما تحدث حمزة بسرعة ما إن نطقت والدته باسم غادة :
-محدش يقول لغادة اني عايز اتقدم لنور لأحسن تقفش من الموضوع انا عارفها مش بتحب فرعنا الصعيدي ده، هتطلع فيها القطط الفطسانة
وبالتزامن مع حديثه فتحت رحمة الباب ثم قالت بسعادة غير مبالية بحمزة وما قال :
-غادة حمزة هيخطب
صفع حمزة جبينه ساببًا رحمة جهرًا بينما قال كريم ذاممًا شفتيه حتى يكتم ضحكاته :
-ده احنا هنصدع النهاردة من المشادة اللي هتحصل بينك انت وغادة
وولجت غادة رفقة ابنها الصغير لؤي والذي بدوره ركض على جده الذي رحب به بشدة ثم أخذه معه إلى المطبخ حتى يأتي له بقطعة شوكولاتة، ابتسمت غادة بتفاجئ لهذا الخبر إذ نظرت إلى حمزة ثم قالت وهى تضع الأكياس التي تحملها على جنب :
-هتخطب بجد؟! مين؟ اوعى تكون واحدة شبه سها، تبقى مبهور بيها وبعدها تقول مش عايز أكمل
حسنًا كلامها مقنع فكان مبهورًا بها كما هو مبهور بنور الآن ولكن شعور أن نور صعبة المنال يجعله متمسك بها وصوت داخلي يحسه على ألا يترك هذه الفتاة من بين يديه، ووجد نفسه يقول بتلقائية :
-لأ حاسس إنها مختلفة عن أي بنت شوفتها، حاسس إنها هتبقى نص ديني فعلًا
صفر كريم بإعجاب لحديث أخيه المعسول بينما زادت ابتسامة غادة لما قال ثم تساءلت وهى تجلس إلى جانب كريم :
-ده ايه الكلام ده!! انا هحسدها من دلوقتي، قولى اسمها ايه؟ وشكلها؟؟ هى حد نعرفه!؟
وها قد أتت اللحظة، حمحم حمزة وكاد أن يختلق حجة حتى لا يخبرها وقد سبقته رحمة في الإفصاح عن هويتها إذ قالت بحماس :
-نور يا غادة، عايز يتجوز نور
وقف كريم بسرعة صافعًا رأسه رحمة بخفة ثم قال :
-يا بت انتي فتانة كده ليه؟! انتي عمرك ما تحفظي سر
لم تدرك غادة للوهلة الأولى من نور التي يقصدوها ولكن سرعان ما أدركت هويتها فأشارت إلى الخلف حيث الشقة التي تجلس بها نور مع بنات عمها :
-انتوا قصدكم على نور دي؟؟ انت بتهزر يا حمزة انت؟ عايز تتجوز البنت دي!!
اعتدل حمزة في جلسته إذ ضم ذراعيه إلى صدره متكيئًا على ظهر الاريكة ثم هتف بنبرة جادة :
-عجباني وعايز اخطبها
-لأ تعجبك حاجة وتخطبها وتتجوزها وتكمل باقي حياتك معاها حاجة تاني، دي مش شبهك خالص يا حمزة
-قصدك على المستوى ولا أي مش فاهم؟؟
-انا مش بتكلم على مستويات مادية وإنما مستويات تاني زي طريقة الكلام، التفكير، التعامل، دي تقريبًا مش بتتكلم مع حد، كل مرة بشوفها بتبقى ساكتة وبس ولو اتكلمت بيبقى كلامها سريع وملخبط تقريبًا عندها رهاب إجتماعي
رمقها الثلاثة بضيق لكلامها المسموم هذا، هذه هى غادة قلبها طيب ولكن لسانها يفلت بكلمات جارحة أحيانًا، وهذا عيب الإنسان وإلا ما وصاني الرسول وقال "امسك عليك لسانك فلا يلقى الناس في جهنم على انوفهم إلا من حصائد ألسنتهم"
تحدث كريم بضيق شديد لحديثها، حامدًا ربه أنها لم تقل مثل هذا الحديث في وجود نور :
-أعوذ بالله يا غادة من لسانك، ايه التنمر ده؟؟
-انا مش بتنمر انا بقول اللي بشوفه، دي تقريبًا مصابة بتوحد، وانت يا حمزة بتحب الكلام ومثقف تقدر تقولي هتتعامل معاها إزاي؟! ثم دي من الصعيد يعني عالم غير اللي عايشينه
-وماله الصعيد بقى يا ست غادة؟!
هدر عثمان بهذه الجملة وقد انضم للحديث بعد أن ارتفع صوت نقاشهم ووصل إليه هو وناهد في المطبخ، ازدردت غادة لعابها فتدخل والدها في النقاش حتى ان كان مجرد نقاش عادي يجعلها متوترة وكأنها تخشى الحديث معه فقط، وهى بالفعل كذلك :
-انا مقولتش حاجة وحشة عن الصعيد انا بقول واقع، عيشة إسكندرية غير عيشة الصعيد، وناس إسكندرية غير ناس الصعيد
-وانت بقى ناسية اني إحنا أصلًا من الصعيد ولا علشان اتولدتي انتي واخواتك هنا هتنسي أصلًا وتتبري منه؟!
-بابا
صاح بها عثمان بغضب شديد فقد سئم طريقة ابنته المتسرعة والتي تأتي على رأسها وعلى غيرها بالمشاكل :
-بس اخرسي، انتي ايه دخلك في الموضوع أصلًا هو انتي اللي هتتجوزي ولا هو، بطلي طريقتك الزبالة دي بقى إحنا زهقنا منك
انكمشت غادة على نفسها وقد شعرت بغصة تستحكم حلقها لآخر جملتين، ليست أول مرة تسمعه يقول هذا لها، ليست أول يصرخ عليها في حضور الجميع، ليست أول مرة يوبخها بهذه الطريقة القاسية
ادمعت عينيها وهى تسمعه يكمل جلدها بلسانه ولم يأتي على باله أنخ ومع كُره الخطأ يجب أن يُرحم المخطئ :
-انتي مش بتكبري خالص يا غادة الاسم الأم وانتي لسه عيلة لسانها بيفلت منها، انا مش عارف إسماعيل مستحملك إزاي
-خلاص بقى كــفــايـة
صاحت بها ناهد بقوة فابنتها على شفا جرفٍ من الإنهيار في البكاء، أجل غادة مخطئة ولكنها ابنتها في النهاية، استدار لها عثمان هاتفًا بإستنكار لصياحها به :
-انا كفاية، بدال ما تقولي لبنتك تحترم نفسها وتحترم سنها
-انت عايزني اقول وانت تقول والكل يقول، كتر الدق على الراس بيكسرها يا عثمان
دار لؤي الصغير بأعينه الملونة في جميع الأوجه، هو ليس بالصغر الذي يجعله غير مدرك لما يدور حوله، ربما لا يفهم نصف ما يقال ولكنه يرى جده وجدته يتشاجران وخالاه حمزة وكريم أخذا يهدئان الوضع خاصةً وأن الشجار بين جديّه محتد
أبصر بأعينه الحائرة والدته منكمشة على نفسها، وجهها المبلل بالدموع ينظر أرضًا، تقبض بكفيها على الاريكة، وجسدها ينتفض بخفة غير ملحوظة من حين لأخر
ومن بين الجميع تحرك ناحيتها هى، واقفًا أمامها، واضعًا كفيه الصغيرين على قدميها علها ترفع رأسها له، وبالفعل رفعت غادة رأسها تبصر ملامح ابنها الهادئة والتي لا تشبهها أو تشبه إسماعيل، بل العجب تشبه جده عثمان مع اختلاف لون العيون فقط
حاوطت جسده الصغير واستقامت ببطء من على الاريكة، منسحبة من المكان ومع انشغال حمزة وكريم مع والديهما لم يرها أحد، إلا رحمة والتي كانت تقف بجانب الجدار قلقة ومرتبكة مما يحدث، ولكن عندما ابصرت شقيقتها رحلت حتى صاحت بهم حتى يتوقفوا :
-غادة مشيت يا ماما
وبرد فعل أمومي من ناهد صاحت باسم ابنتها وهى تقف على عتبة الشقة، والأخرى كانت صعدت المصعد وآخر ما أبصرته هو وجهها الباكي، عادت بسرعة إلى الداخل صائحة في حمزة وكريم بنبرة صارمة رغم ملامحها القلقة :
-هاتوا اختكم متسبوهاش تمشي، عارفين لو مشيت هسيب البيت وامشي انا كمان
تنهد حمزة بضيق وهو يخطو للخارج خلف كريم ولا يعلم كيف انقلبت الأمور هكذا بين دقيقة والأخرى، استدارت ناهد لزوجها الذي كان يقف وملامحه غير مفسرة ثم قالت بغضب :
-عاجبك كده؟!
-يعني انتي عاجبك طريقة بنتك اللي بتضايق الكل منها، لسانها مش راحم لا قريب ولا غريب
تنفست ناهد بغضب تشعر أن ضغط دمها ارتفع بشدة، ورغم هذا صاحت قائلة :
-لأ غلطانة مقولتش حاجة بس بدال ما تفهمها غلطها بتدوس عليها ليه
-علشان دي الطريقة اللي هتيجي بيها يا ناهد، بنتك مش هتتغير غير كده
نفت ناهد هده الفكرة العقيمة التي يتحدث عنها قائلة :
-لأ مش هتيجي كده، عمرها ما هتيجي باللوم والرفض المستمر ولا بالزعيق طول الوقت، انت كده بتكسرها يا عثمان
-انتي شيفاني قومت اخدتها بقلمين، بنتك ناقصة رباية
نطق بها عثمان بضيق لا يرى ما الخطأ في تعامله بل يرى أن ابنته تحتاج للتربية من الصفر مرة أخرى، تنفست ناهد بقوة لا تفهم لما زوجها عنيد الي هذه الدرجة :
-فيه كلام بيوجع ألف مرة من الضرب، وهى من يوم ما طلعت الدنيا وانت بتوجع فيها وتيجي عليها، عارف ليه؟! علشان اتولدت بنت مش ولد، انت كان نفسك في ولد وأول فرحتك جات بنت، انت مفترحتش بغادة نص فرحتك بحمزة ليه بقى؟؟ علشان هو ولد، فرحت به ونسيت الدنيا بما فيها حتى نسيت إني عندك بنت لازم تخلي بالك منها هى كمان ومتفرقش بينها وبين اخوها
مسح عثمان وجهه بضيق بينما أكملت ناهد غير مبالية أن ضغط دمها ارتفع بشدة فقد سئمت تصرفات زوجها العنصرية وتفضيل البعض على الآخر :
-كام مرة قولتلك وانت ولا هنا، بنتك كانت بتغير من حمزة بسببك، كل مرة كنت بتجيب حاجة لحمزة وتدلعه كنت انا بحاول أعوض غادة واجيب ليها هى كمان بس برضو كانت بتغير لما تشوفك بتدلعه وتلعب معاه وأي طلب له مجاب وهى تفضل قاعدة على جنب تبص وبس، عمرها ما صعبت عليك يا عثمان، دايمًا بتيجي على غادة حتى بعد ما اتولد كريم ورحمة، وتقولها انتي الكبيرة هما صغيرين، انتي الكبيرة عيب لازم تستحملي، فضلت تيجي تيجي عليها لحد ما طلعتها بالشخصية دي، جاي دلوقتي تقولي بنتك ناقصة رباية؟! بنتي ناقصة حنان ناقصة رعاية، البنى آدم مش بيتولد وحش يا عثمان شخصيته بتتبني على أساس تعامل الناس ليه
زاد ضغط دمها فتهاوي جسدها على الاريكة تشعر بصداع يفتك برأسها، أسرع عثمان حتى يساندها فدفعت بيده بعيدًا رامقة إياه بخيبة أمل ثم قالت :
-لو زرعت شوك مش هتلاقي ورد يا عثمان، فضلت تزرع فيها الشوك وجاي دلوقتي تشتكي إنها بتجرح اللي حواليها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخذا الدرج ركضًا للأسفل بعدما استخدمت غادة المصعد، ولأن كريم معتاد على الركض في النادي وملاعب كرة القدم استطاع الوصول قبل أن تخرج غادة من البوابة الداخلية للبناية، تمسك بذراعها بقوة قبل أن ترحل فصاحت غادة متألمة من قوة قبضته
أبعد كريم يده عنها متأسفًا إذ قال :
-آسف مش قصدي
تحدث حمزة ملتقطًا أنفاسه لركضه على الدرج ثم قال :
-ايه يا غادة حرام عليكي قطعتي نفسنا
-انا مقولتش تعالوا ورايا
امسكت بيد ابنها ثم تحركت هابطة الثلاث درجات في مقدمة البناية فقال حمزة وهو يسرع بخطاه متخطيها حتى وقف أمامها يمنعها من الذهاب :
-انتي لو مشيتي ماما هتمشي يرضيكي نقعد يتامى من غيرها في البيت
-سيبوني في حالي مش انا شخصيتي زبالة مش هو قال انكم زهقتوا مني، انا محدش متحملني سيبوني امشي
ختمت حديثها بصراخ حاد وبدت غير واعية لطبقة صوتها التي ارتفعت فوق المستوى الطبيعي، كتم كريم فمها حتى تصمت فهم شبه في الشارع، دفعته الأخرى بعيدًا عنها ثم تراجعت للخلف مصطدمة في إحدى الدرجات فأدى هذا لسقوطها أرضًا
بكى لؤي على والدته ساحبًا يدها في محاولة ضعيفة منه حتى تقف :
-قومي يا ماما متعيطيش
انفجرت غادة في البكاء أكثر بعد استماعها لصوت ابنها فقال حمزة وهو يهبط لمستوى غادة :
-كريم خد لؤي اشتريله حاجة، خدوا بعيد
سحب كريم لؤي بصعوبة من أمام غادة بينما اكتفى حمزة بضم شقيقته فهى في حاجة للعناق فقط، وشعرت الأخرى بالحرج الشديد مما قالت فها هو يضمها ويهدهدها بعدما انتقدت الفتاة التي يريد أن يتزوجها :
-انا آسفة يا حمزة انا مكنش ينفع اتكلم ولا اتدخل في حاجة تخصك، انا اللي زيي مينفعش يتكلم أصلًا علشان مش بيجيب غير المشاكل
ربت حمزة على كتفها بعدما ابتعد عنها ثم قال :
-اتكلمي يا غادة بس خدي بالك من لسانك علشان فيه كلام بيوجع، على أقرب مثال اللي قولتيه على نور، حتى لو كانت فعلًا بتعاني من رهاب إجتماعي وسمعتك بتقولي عنها كده هتزيدي الطين بله ينفع كده؟؟
هزت الأخرى رأسها برفض فقال حمزة ضاحكًا على هذا الموقف وكأنه أب يعلم ابنته الخطأ من الصواب :
-والله ما انا عارف مين فينا الكبير، يلا قومي ومتزعليش من بابا هو شبهك أصلًا لما يتعصب بيقول كل اللي في نفسه حلو بقى وحش هيقوله
جذب ذراعها حتى تقف معه فرفضت الأخرى بشدة أن تصعد مرة أخرى قائلة :
-لأ انا مش هطلع
-متبقيش عنيدة يا غادة
مسحت وجهها من الدموع رافضة الانصياع له فلا تريد حقًا أن ترى والدها، يكفي كلامًا جارحًا، قلبها لا يتحمل المزيد :
-لأ انا هروح شقتي مش هقعد علشان اسمع منه كلام تاني وكمان علشان منكدش عليكم
حاول منعها من الذهاب هكذا حزينة مكسورة الخاطر، ولكنها رفضت وتقدمت للأمام فقال حمزة في محاولة اخيرة :
-انتي لو مشيتي ماما هتمشي
-مش هتمشي انت عارفها بتقول كده بس
امسكت بابنها الذي عاد ممسكًا بكيس شيبسي احضره له كريم حتى يكف عن البكاء، امسك كريم بكتفيها حتى لا تذهب قائلًا :
-مش انا كريم أقرب حد ليكي في اخواتك، لو بتحبيني بجد متمشيش وانتي كده يا غادة
ربتت الأخرى على كفه بهدوء شديد ثم قالت بتعب نفسي قبل أن يكون جسدي :
-انا مش هقدر اطلع والله متضغطوش عليا ثم انا مش مهاجرة
ابتسمت بسمة حزينة بالكاد ظهرت على جانب شفتيها :
-مبروك يا حمزة، وآسفة مرة تاني ليك على إني اتدخلت في حاجة متخصنيش ونكدت عليك فرحتك
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
حملت الكيس الممتلئ بالكريمة المخفوقة وأخذت تزين سطح الكعكة بالطريقة التي شاهدتها على إحدى مقاطع الفيديو التي عرضتها نور عليها منذ ثواني، وللعجب لم تكن بنفس الانحناءات التي كانت تريد، بل لم يظهر بها أي شئ سوى خط مستقيم تمامًا
-ايه ده بقى مطلعتش زي الفيديو!؟
هتفت بها بتذمر وهى تشير إلى الكريمة فقالت نور بقلة حيلة وعلى ثغرها ابتسامة بسيطة :
-هو بيطلع كده كل مرة مهما عملتي، تقريبًا السر في الكيس نفسه مش في قَصة الكيس، كملي كملي وخلي بالك علشان الكريمة لو باظت مش همسحها علشان بعدها شكلها هيبوظ، يا إلا تجيبي اعملها انا
-لأ هعملها انا
هتفت بها رقية بإصرار وهى تكمل الرسم بالكريمة على سطح الكعكة، تزامنًا مع دخول براءة إلى المطبخ قائلة :
-الدنيا بتولع برا وانتوا بتعملوا كيكة؟!
أجابتها رقية وهى منهمكة في التركيز على ما تفعل :
-قصدك على خناقة بيت عمي عثمان؟! بصراحة حاسة اني العمارة كلها اتحسدت انتوا في الأول، وبعدها بيتنا احنا واهو بيت عمي عثمان، ومن كام يوم اتنين اتطلقوا في الدور السابع بعد ما دبوا خناقة كبيرة ويا عالم الدور الجاي على مين
تابعت نور الحديث بصمت معتاد منها، بينما استندت براءة على رخامة المطبخ قائلة :
-العجيب انهم بيتخانقوا بقالهم ربع ساعة وانا مسمعتش ولا كلمة، مع اني الشقة لازقة في الشقة بس موصلتش كلمة واحدة واضحة غير صوت مدام ناهد وهى بتنادي على غادة
-يبقى أكيد غادة سبب الخناقة، هى أصلًا في العادة بتبقى سبب الخناقات عندهم
زفرت نور بهدوء وهى تعدل يد رقية قائلة :
-متدوسيش قوي على الكيس هى مش عافية ثم دعو الخلق للخالق وغيروا الموضوع البيوت كلها فيها مشاكل
وافقتها رقية الرأي قائلة :
-صح البنت دي معاها حق البيوت أسرار ومشاكل، ده لسه من يومين عملت خناقة انا واخواتي مسكنا في بعض
شهقت بتفاجئ عندما صاحت بها نور قائلة :
-بوظتي شكل الكيكة قولتلك، متدوسيش على الكيس متدوسيش على الكيس
نظرت رقية إلى براءة والتي لم تفزع لصوت نور على الإطلاق، وعندما رأتها تنظر إليها قالت بهدوء :
-لا متستغربيش كده صوتها العادي، وانتي يا حلوة خفي شوية وبراحة على البت مش حملك دي وراعي أنها أول مرة تعمل
أشارت نور إلى الكيك حيث ظهر خط كريمة عريض بشدة والآخر أقل سُمكًا بكثير :
-يعني حلو كده خط عريض وخط رفيع
دفعتها براءة بخفة على جنب ثم قالت وهى تسحب كيس الكريمة من رقية :
-وفيها ايه نعرض الرفيع، بصي يا بت عليا وخدي عصير خبرتي
ابتسمت رقية تتابع ما تفعله براءة بإحتراف وكأنها تفعل هذه المهنة منذ سنوات، حتى أنها اكملت تزيين الكيك بالكريمة بشكل جميل فقالت متسائلة :
-هو انتي بتعرفي تعملي كيك وحلويات يا براءة!؟
-عيب يا بت به انا اللي معلمة الشيف الشربيني
ضحكت نور ساخرة على غرورها الكاذب هذا قائلة :
-يخربيت النفخة الكدابة
رفعت براءة عليها كيس الكريمة وكأنها ترفع عليها سكينًا ثم هتفت بتهديد قائلة :
-بعرف اعملها ولا مش بعرف
-لا يا ستي بتعرفي بس بصراحة معرفش عمايلك حلوة ولا لأ علشان مدوقتش حلوياتك دي
عقدت رقية حاجبيها بتعجب وهى تفتح كيس البسكوت حيث يحتوي على قطع صغيرة دائرية سوف يزينوا بها الكيك :
-انتي مش بتاكلي حلويات رمضان يا نور؟!
ونفت الأخرى بهزة بسيطة من رأسها فقالت رقية بتعجب مضاعف وكأنها تستمع لشئ خارق للطبيعة :
-يعني مش بتاكلي القطايف؟؟
-لأ
-طب البسبوسة أو بلح الشام أو صوابع زينب والحاجات الحلوة دي
-لأ برضو
-ولا الكنافة المحشية أو السادة؟؟
-لأ السادة بس بحبها ومليش تقالة عليها قوي
-ولا حتى بالمانجا؟!
-لأ انا اصلًا مش بحب المانجا في كل حالاتها
أشارت رقية إلى الكيك ثم قالت :
-طب والكيكة أعتقد بقى مفيش حد مش بيحب الكيك
أشارت نور إلى نفسها ضاحكة :
-انا مش بحبها بحسها تقيلة
-حتى لو كانت سادة أو بالشوكولاتة؟!
-لأ دي ولا دي ومليش في الشوكولاتة قوي يعني قطعة صغيرة حلوة عليا مش أكتر
ضحكت براءة بقوة على صدمة رقية الواضحة والتي كانت تتطالع نور بريبة وكأنها كائن غير بشري :
-نور انتي عايشة ازاي من غير سكر، البنكرياس عندك شغال ازاي؟!
أطلقت نور ضحكة خفيفة وهى تأخذ منها البسكويت تزين به سطح الكعكة :
-ممكن جاتوه أو آيس كريم وبشرب عصير عادي بس عصير برتقان أو جوافة أي عصير تاني لأ يعني لا رمان ولا فراولة ولا مانجا طبعًا ولا عصير قصب
-طب بالنسبة للفاكهة عامةً مش بتحبي كل اللي ذكرتيه؟ مش بتاكلي غير جوافة وبرتقال بس؟!
-لأ باكل كل اللي ذكرته عادي، انا مش بحبه عصير بس باكله انا أصلًا بحب الفاكهة قوي بس مليش في المانجا خالص
هزت رقية رأسها غير مقتنعة أن هناك كائن حي لا يحب المانجا :
-انتي كونك مش بتحبي المانجا بيخليكي بالنسبة ليا كائن غير طبيعي
ضحكت نور بقوة ليس على حديثها وإنما لأن هذه الجملة ليست أول مرة تقال لها، هى بالنسبة إلى غيرها كائن معقد تكره ما يحبه الجميع :
-ليه يعني عادي الناس أذواق وانا ذوقي مختلف فعلًا، الناس كلها تحب المانجا انا لأ، الناس تحب الشاي أو القهوة أو المشروبات السخنة اللي بالأعشاب دي، انا لأ مش بحب غير اللبن أو النسكافية، الناس كلها بتعشق حلويات رمضان انا مليش فيها يمكن الكنافة السادة اللي بالشربات بس حتى دي مليش تقالة عليها قوي، تاخدي التقيلة؟!
استدرات إليها ثم قالت بابتسامة متسعة :
-انا مليش في الاكسسوارات خالص بكل انواعها دهب فضة حتى لو جابولي ألماس مش هلبسه، حتى وانا طفلة مكنتش بلبس الحاجات دي، ولا حتى لو كانت بلاستيك زي اللي البنات بيلبسوها اليومين دول
ختمت حديثها مشيرة إلى اسوارة على شكل كرات خرزية سوداء تزين معصم رقية، ورفعت الأخرى رأسها إليها هاتفة بدراما مازحة :
-بس خلاص تأكدت إنك مش من ضمن البشر ولا حتى من ضمن البنات، فيه واحدة تقول للإكسسوارات لأ؟!
-والمكياج برضو
اتسعت أعين رقية بصدمة فقالت براءة بنبرة ضاحكة :
-رقية بلاش تتصدمي كتير هى كده فعلًا، لما يجي عيد ميلادها بنحتاروا نجيبوا ليها ايه علشان هى كائن معقد مفيش حاجة منطقية بتحبها
-طب الإكسسوارات أذواق فعلًا بغض النظر عن اني عمري ما شوفت واحدة ترفض الإكسسوارات بكل أنواعها، طب المكياج عمرك ما حطيتي مكياج في حياتك؟!
رفعت نور منكبيها هاتفة ببساطة :
-لأ حطيت وانا عيلة كنت بحب المكياج، بس لما كبرت لأ مبقتش اطيقه على وشي خاصةً أنه حرام تتطلعي متبرجة، بس تعرفي حتى لو مش حرام مش هطلع وانا حاطة مكياج ولا حتى كريم البشرة، علشان انا بشرتي دهنية وبعرق كتير، أي حاجة بحطها همسحها تلقائيًا لما امسح وشي من العرق، وحتى لو في البيت احنا بيتنا موقع زيارة دائم وكل شوية حد يخبط مش معقول هحط مكياج واقابل الناس بيه
حدقت رقية في وجه نور ذو البذور الطفيفة وتعجبت عدم وضعها لكريم رغم أن وجهها يقول عكس هذا :
-لو انتي مش بتحطي كريم ليه وشك نضيف من الحبوب
-علشان بستخدم غسول نضيف قبل ما أنام، انا من الناس المقنعة اني الجمال بالنضافة مش بالمكياج ولا بالعطور، على الأقل لما اطلع الشارع مش هاخد ذنوب، لا حد هيشم مني ريحة حلوة ولا حد هيشوفني متبرجة
ابتسمت رقية بتعجب ولتكن صادقة لم ترى فتاة في هذا العصر تكره مستحضرات التجميل أو الكريمات والعطور، هذه الفئة على الأرجح نادرة بشدة إن لم تكن انقرضت :
-بصراحة مفاهيمك غريبة وانتي شخصية تركيبتها عجيبة بس الناس فعلًا أذواق في النهاية
تبسمت نور وهى تواليهم ظهرها ولم تكن ابتسامتها بالسعيدة فهى مختلفة بالفعل وهذا الإختلاف عقبة في التعامل بينها وبين اقرانها فحتى الإختلاف هذا يقف عائق بين التفاهم الكامل بينها وبين شقيقتها الوحيدة
وكل هذا جعلها غير قادرة على التواصل بينها وبين الناس لهذا هى صامتة معظم الوقت وفي أي مكان، وأدى هذا الأمر إلى صعوبة التحدث عندها إن دلفت مناقشة أو طُلب منها التحدث، فيكون حينها كلامها ملعثم وسريع وكأنها تفتقر للتحدث بطلاقة وهى بالفعل كذلك
لكل شخص عيوب وهذا العيب بها
حدقت رقية في براءة بعد صمت نور وكأنها أنهت المناقشة معها :
-طب وانتي بقى؟؟
أشارت الأخرى إلى نفسها هاتفة ببساطة شديدة :
-انا يا بنتي دايسة في أي حاجة وكل حاجة
ضحكت رقية ضاربة كفها بكف براءة ثم قالت :
-الناس اللي من النوع ده مريحة فعلًا وانا من النوع ده
رن جرس الباب فتحركت براءة حتى تفتح وقبل هذا نظرت من العين السحرية وقد أبصرت يوسف يقف في الخارج أو ربما يونس، في الواقع لا تستطيع التفرقة بينهما وهذا شئ تكتشفه لأول مرة ففي العادة لا تتعامل إلا مع يوسف
عادت للمطبخ مرة أخرى ثم قالت بهدوء متصنع تاركة يوسف يرن الجرس :
-اخوكي برا يا رقية
ابتسمت الأخرى بحماس وهى تغطي الكعكة حتى لا يراها شقيقها لتقول براءة بشئٍ من الفضول محاولةً عدم إظهار اهتمامها بالأمر :
-هو انتي بتفرقي ازاي ما بين اخواتك يا رقية دول نسخة من بعض
همهمت رقية بتفكير قليلًا ثم قالت :
-وهما صغيرين كان التفريق بينهم شئ مستحيل بس لما كبروا كل واحد بانت شخصيته أكتر وهو ده الفرق بينهم، يوسف هادي ونظراته هادية وحتى نبرة صوته هادية، أما يونس عكسه تمامًا وده علشان شغله، بنعرف نفرق بينهم لما يتكلموا، بس لو الاتنين ساكتين وكمان لابسين شبه بعض انسي خالص إنك تعرفي تفرقي بينهم
حملت الكعكة ثم قالت ببسمة ممتنة :
-شكرًا على مساعدتكم بجد، هبعتلكم نصيب فيها لو كانت حلوة، أما بقى لو أخدت فيها خازوق فبلاش تدوقها
تحركت نحو الخارج وتحركت معها براءة حتى تفتح لها الباب فهى تحمل الكعكة بكلتا يديها، فتحت الباب لها فخرجت رقية قائلة :
-باي براءة
واجابتها الأخرى وهى تختبئ خلف الباب نظرًا لما ترتديه وأيضًا هى لا تريد التصادم مع يوسف، لم تُعِّد حديثًا مناسبًا بعد :
-مع السلامة ابقي تعالي تاني
ختمت حديثها وأغلقت الباب بينما عقد يوسف حاجبيه لإختبائها هذا وهو من كان يظن أنه سيراها بعد هروبها في المشفى، الآن باتت تفضل لعبة الاختفاء ولكنه لن ينصاع طويلًا خلف هذا، هو ليس من مفضلي المراوغة بل يفضل الطرق المباشرة، ولكن أيضًا عليه إعطاء بعض المساحة لخجلها
نظر إلى رقية مشيرًا بعينيه إلى ما تحمل ثم قال :
-بابا رجع من ربع ساعة وسأل عليكي، ايه اللي في إيدك ده بقى؟؟
واجابته الأخرى بإختصار شديد فلا تريد أن تحرق المفاجأة :
-دي هدية، هو يونس رجع؟!
-على وصول
نطق بها بهدوء وهو يصعد خلفها الدرج إلى الطابق الرابع حيث شقتهم، وقد أبصروا يونس يقف على الباب وكان على وشك رن الجرس، ولكنه تراجع عندما أبصر اخويه قادمين من الأسفل، ورقية تحمل شيئًا كبيرًا بين يديها :
-انتوا كنتوا فين؟!
نظرت رقية إلى يوسف بعدما استقرت أمام الباب بجانب يونس والذي أعاد سؤاله مرة أخرى فقالت بهدوء ساخر :
-هنكون فين يعني بالبجايم دي، في الديسكو
حدق بها يونس ببسمة مستفزة لها ثم قال :
-معنديش مزاج ولا طاقة اني اهزر بصراحة افوق وأروقلك يا رقية
فارق يوسف بينهما ثم رن هو الجرس هاتفًا بحزم :
-والله ما وقت خناقكم ده، بابا رجع ولازم الموضوع ده يتحل النهاردة ونعرف بابا عمل كده ليه
-علشان خاف عليها تتقتل زي ما قتلوا العميد فياض ومراته وقلبوا عربيته على الطريق السريع
رمشت رقية بأهدابها مذهولة لما قال بينما هتف يوسف بنبرة مندهشة قائلًا :
-وانت عرفت ازاي؟!
-انا مع سفيان بقالي تلات أيام تقريبًا أكيد سألته عن اللي حصل وبابا هو صاحب فكرة اني عمر ورقية يسيبوا بعض مش سفيان ولا حتى عمر
انفتح الباب وقد تبسمت عبلة لرؤيتها لأبناءها الثلاثة، دعتهم بسرعة للدخول وقد لفت نظرها ما تحمله رقية :
-تعالوا يلا بابا رجع سلموا عليه
أخذت الكعكة من رقية دون أن تعلم ما هى وقد تركتها رقية لها ببال مشغول بما قاله يونس، دلفت عبلة كاشفة عن الكعكة لتقول بإندهاش :
-انتي اشتريتي تورتة؟! بس انتي نزلتي اشتريتها بالبجامة؟؟
ولجت رقية للداخل حيث كان يجلس والدها في البهو شارد الذهن ولكن عندما أبصر أبنائه تصنع البسمة منحيًا أفكاره بعيدًا، وقف من على مقعد الاريكة مرحِبًا بهم :
-ايه مفيش حمدًا على السلامة ده انا بقالي أسبوع وأكتر برا البيت
عانقه يونس بهدوء وهو ينظر إلى شقيقته الصامتة بطرف عينه، وقد ترك لها المساحة لتتحدث هى فحتى يوسف بقى صامتًا :
-حمد الله على السلامة يا بابا
ابتعد عنه فتحرك الآخر نحو ابنته الصغيرة وضمها بحنان بينما رقية لم ترفع ذراعيها وتبادله العناق بل هتفت بنبرة جامدة مغلفة بغصة البكاء :
-بابا أنت خبيت عليا اللي حصل لعمر وخليتني اسيبه علشان كنت خايف عليا اتقتل
تنهد محمد ببطء مستعدًا لهذه المواجهة فقد قالت له عبلة كل ما حدث، ابتعد عنها قليلًا لكن لم يخرجها من إطار ذراعيه بل وضع كفيه على كتفيها هاتفًا بهدوء :
-اديكي قولتي كنت خايف عليكي تتقتلي، ارمي بنتي بإيديا في النار؟!
تجمعت الدموع في عينيها السوداء ثم قالت بصوت متحشرج مغلف بالعتاب :
-وليه كذبت عليا يا بابا وقولتلي سابك وسافر ومش عايز يكمل
-علشان انتي كنتي لسه عيلة عندها ١٩ سنة وكنتي عنيدة جدًا يا رقية ولازلتِ عنيدة لو كنت قولتلك على السبب مكانش هيفرق معاكي وكنتي هتفضلي متمسكة بعمر
سالت الدموع ببطء على وجنتيها وقد اهتز صوتها بسبب بكائها :
-فتقرر من نفسك تبعدنا عن بعض وتكسر فرحتي وتوجع قلبي ليالي وشهور
تنفس محمد بقوة يدرك صعوبة الأمر عليها ولكنه أب في النهاية، وعندما علم من رئيس سفيان في العمل أن المسؤول عن حادث السيارة هو جماعة إرهابية كان هدفها قتل فياض وعائلته، وبرد فعل طبيعي منه قرر إبعاد ابنته عن هذه العائلة ولم يفكر في الأمر مرتين، ولكن في النهاية حبل الكذب قصير :
-اومال كنتي عايزاني اسيبك تتجوزيه وترجعيلي مقتولة؟! كنتي هتزعلي شهرين سنة اتنين بس كنتي هتنسيه في الآخر
هزت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وقد زادت الدموع في عينيها أكثر هامسة بصوت مختنق :
-بس انا منستوش يا بابا منستوش
وهنا تحولت ملامحه للجمود تزامنًا مع قوله :
-ما انا عارف انه رجع في حياتك تاني بس اللي مكنتش أعرفه اني بنتي بتقابله من ورانا ومش هتكلم في الموضوع تاني كفاية اللي عمله يونس
تنفست رقية بعنف لا تصدق أن والدها اختار الكذب وكسر قلبها، حتى لو كان مع الحق كله ولكن لما الكذب :
-لو كنت سبتني اختار كانت حاجات كتير هتتغير بس انت اختارت تخبي وتكدب
صاحت عبلة بها خائفة عليها من نفس الخطأ :
-رقـيـــة ده ابوكي احترميه، ثم هو غلط فيه ايه كان خايف عليكي وعُمر ما حد هيخاف عليكي ويحبك قد أبوكي
شعرت رقية بإختناق شديد وأنها تود الصراخ بقوة، ولم تجد أي مهرب إلا لغرفتها حيث شهدت وسادتها على دموعها ونحيبها طوال الليالي الماضية، نظر يوسف إلى والده بهدوء شديد رغم عدم الرضا الذي ظهر بوضوح في عينيه :
-طب ليه خبيت حتى عننا، هى معاها حق لو كنت قولت كانت حاجات كتير هتتغير
زفر محمد بقوة تاركًا لهم المكان بأكمله :
-انا غلطان بس هو ده الحل اللي ظهر قدامي، ليلتها سفيان طلب طيارة طبية تنقل أخوه برا البلد علشان خاف عليه، إذا كان هو الظابط ومعاه أمن خاف على أخوه، انا برضو خوفت على بنتي ومجاش في دماغي غير اني اخليها تسيبه والحمد لله إني وقتها مكانتش مراته وكنا لسه على البر، وقولت أنه سابها وسافر علشان متفتكرش فيه تاني وتنساه بس الوضع كله اتقلب
خرج من البهو متجهًا إلى غرفته ولكن استوقفه يونس والذي تحرك من صمته إلى غرفة شقيقته وقد كانت موصدة الباب عليها فطرق على الباب هاتفًا بنبرة هادئة لا يتحدث بها في العادة :
-رقية مش عايزة تشوفي عمر
وصرخت الأخرى من الداخل بعصبية شديد وودت لو تفرغ طاقتها المكبوتة في الصراخ ولكنها لا تستطيع :
-مش عايزة اشوفه ومش عايزاه ارتاحوا بقى
-عمر في المستشفى يا رقية
تجمدت ملامح رقية بصدمة لما قاله، حتى محمد ويوسف وعبلة اقتربوا منه متسائلين عن الأمر وعن كيف علم به فقال يونس وهو على نفس هدوءه :
-اتصلت بسفيان قبل ما أجي وقالي أنه في المستشفى، عمر اخدت جرعة زيادة من دواء رفع ضربات القلب فجاتله ذبحة صدرية
وضع يده على الباب منصتًا لأي صوت يخرج من شقيقته ولكنه لا يستمع سوى للصمت فقط :
-عارف إنك زعلانة ومخنوقة إننا كلنا كدبنا عليكي وده حقك وإحنا اسفين ليكي، بابا كان خايف عليكي من الموت، وعمر مش ذنبه حاجة لأنه مكدبش عليكي يعني زيه زيك، مش عايزة تشوفيه ولو لمرة أخيرة يا رقية؟!
