اخر الروايات

رواية اشتد قيد الهوي الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم دهب عطية

رواية اشتد قيد الهوي الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم دهب عطية



                                              
بعد أيام وليالٍ طويلة من الضغط والمواظبة على العمل انتهت الطلبيات التي سيسلمها اليوم للتجار وها هو اليوم يحمل مع العمال البضائع ويشحنها في السيارة الكبيرة....

+


كان يحمل البضائع هو وسلامة وعاملان آخران بهمة ونشاط حتى انتهوا من إفراغ المخزن وملء السيارة الكبيرة.....

+


فأعرب التاجر عن إعجابه قائلاً....

+


"حقيقي يا أيوب انت عامل شغل هايل أنت والعمال..... البضاعة ولا كأنها مشحونة من برّا مصر....بجد كل استايل أحلى وأفخم من اللي قبله...وفي نفس الوقت شعبي يمشي مع ذوق الناس في الأسواق...."

+


تبادل أيوب مع سلامة النظرات وهو يقف بجواره ثم قال للتاجر....

+


"طب الحمد لله إنها عجبتك."

+


تحدّث التاجر بعينين تبرقان بالطمع فهو حصل على بضاعة جيدة الجودة بسعر زهيد وتلك صفقة رابحة بكل المقاييس....

+


"إلّا عجبتني...أنا بجد لازم أشكر كمال الموجي إنه عرفني بشاب موهوب وطموح زيك...
وخد بالك... ده أكيد مش هيكون آخر تعامل بينّا... مسافة ما البضاعة دي تتسحب من عندي هتلاقيني بطلب منك ضعف الكمية قولت إيه؟..."

+


رد أيوب بهدوء...

+


"قولت لا إله إلا الله.. محدش يقول لرزق لا."

1


استلم سلامة دفة الحديث قائلاً بفطنة...

+


"بس لمؤاخذة يعني يا عمنا المرة الجاية هنختلف في السعر...عشان إحنا برضه ورانا التزامات وناس بقت بيوتها مفتوحة من ورا المكان ده...."

+


عبست ملامح التاجر وهو ينظر بتساؤل نحو سلامة ثم إلى أيوب....

+


فقال أيوب معرفاً وهو يضع يده على كتف صديقه بمساندة....

+


"ده سلامة صاحبي.... وشريكي هنا... "

+


ابتسم سلامة براحة وهو ينظر إلى صديقه بامتنان حقيقي. 

+


فمنذ بداية صداقتهما وعملهما معاً على الرصيف لم يعامله أيوب كعامل عنده 
بل دوماً كان شريكاً يعمل معه كتفاً بكتف وحتى تلك اللحظة يراه هكذا....

+


أومأ الرجل بتفهّم مبتسماً وهو يقول
بمداهنة...

+


"اللي تطلبه يا سلامة...طالما هيبقى السعر معقول... أنت عارف إني تاجر ولازم تطلع
لي حسنة."

+


رد سلامة بأسلوب لين رصين...

+


"طبعاً يا عمنا مش هنيجي عليك في 
كتير... زي أي حد بتشيل منه البضاعة... أهو أنت تطلعلك حسنتك... وإحنا كمان ولا إيه؟"

+


ارتاح التاجر بعد هذا الحديث الموزون فقال قبل أن يغادر....

+


"عداك العيب يا عم سلامة... المرة الجاية نتفق على السعر.... عن إذنكم بقى."

+


رحل التاجر بالشاحنة الكبيرة المحملة ببضائع ستكتسح الأسواق وتلك أول بضائع لهما تخرج بعد أسبوعين من العمل المتواصل في ورشة الخياطة.....

+



          

                
هتف سلامة واجماً....

+


"شوفت وشه جاب ألوان لما اتكلمت في سعر البضاعة الجاية.... مفكرنا هنقضيها ببلاش على طول... "

+


ابتسم أيوب وهو يرد عليه...

+


"غشيم مسمعش عن حلاوت البدايات… ميعرفش إننا بنجيب رجليه بطريقة."

+


غمز له سلامة قائلاً بلؤم...

+


"واهي جت... ولسه لما البضاعة تتسحب من عنده.... هيبقى الكلام على كبير... "

+


تحرك أيوب ووقف في أحد الزوايا قائلاً بمناكفة....

+


"وإيه أخبار الجواز يا نِمس... بقالك أسبوع يعني هالك نفسك معايا في الشغل.. ده أنت نزلت شغلك يوم الصباحي... "

+


تهرّب سلامة من السؤال قائلاً...

+


"يعني أسيبك تخلص أول طلبية لوحدك؟
مش كفاية الكعبلة اللي كعبلتك فيها في مصاريف الفرح...."

+


نظر إليه أيوب بضيق معقباً...

+


"ما بلاش تجيب سيرة الفلوس.... من
إمتى يعني؟...."

+


اعترض سلامة مؤكداً بخشونة...

+


"من النهارده... زي ما اتفقنا هديك كل شهر مبلغ لحد ما أسدد اللي دفعته... "

+


لم يُرِد أيوب الجدال حول الأمر.. أخرج علبة السجائر من جيبه ليكتشف أنها فارغة فألقاها أرضاً بحنق وهو يطلب منه باقتضاب...

+


"على الله.... هات سيجارة من معاك."

+


أعطاه سلامة العلبة ليأخذ ما يشاء وهو اشعل مثله سيجارة ووضعها في فمه...

+


"بقيت بتحرق سجاير كتير...أرحم نفسك يا صاحبي... محدش هينفعك."

+


نفث أيوب دخانها من فمه بضيق وهو يقول بانزعاج..

+


"ما تجيبش سيرتها يا سلامة... أنا عارف الدخلة بتاعتك دي.... "

+


أردف سلامة متعجباً بفضول...

+


"هجيب سيرتها ليه؟... الله يسهلها مع اللي اختارته.... هي الخسرانة... بس أنت جبروت رايح تبارك لها في خطوبتها...."

+


التوى فم أيوب في ابتسامة باردة قاسية على قلبه المكلوم ثم سخر من نفسه قائلاً بمزاح ثقيل....

+


"وجبتلها ورد كمان... ناقص أغني أغنية وائل الجسار اعذريني يوم زفافك ماقدرتش أفرح زيهم... ما خطرش أبداً يوم في بالي إني أبقى واحد منهم...."

3


غنّاها بصوت نشاز بملامح متأثرة مضحكة فانفجر كلاهما من الضحك....

+


تحدث أيوب بعد أن انتهت موجة الضحك الساخرة تلك....

+


"بس أنا كنت فرحان...عشان هي اللي اختارت النهاية... يلا خدت الشر وراحت... "

1


رمقه سلامة قائلاً بغلاظة....

+


"ما تضحكش عليا...أنت لسه بتحبها.. 
مش بساهل تنساها.... "

+


أكد أيوب بصوت مختنق بكبرياء مطعون...

+



        

          

                
"ولا بساهل أنسى إنها حطت بينّا حد... هي انتهت وكل اللي بفكر فيه إزاي أوصل للي عايزه من غير عطلة... والحب هيبقى أكبر عطلة لو حطيته في دماغي... "

+


مط سلامة شفتيه عابساً...

2


"كان المفروض تنصحني بالكلمتين دول قبل ما أتجوز.... "

+


رفع أيوب حاجبيه مندهشًا من ذلك الحديث

+


"وماله الجواز؟....عزة بنت حلال وبتحبك أوعى تكون زعلتها...."

+


أنهى السيجارة ودعسها أسفل حذائه وهو يقول بتهكم....

+


"إحنا مقعدناش مع بعض نص ساعة من ساعة ما اتجوزتها عشان أزعلها...."

+


نهره أيوب قائلاً بنصح...

+


"ما أنت اللي طول الوقت هنا... روح بدري النهاردة اقعد معاها وونسها... ما تبقاش
غشيم وتطفّشها منك... "

+


لم يكترث سلامة وهو يقول بجمود...

+


"هتطفش تروح فين يعني؟.... أديها قاعدة."

2


لكزه أيوب في كتفه قائلاً بصرامة...

+


"يخربيت تناحتك... أنت ليه محسسني إنها كرسي اشتريته وركنته في الأوضة عندك ؟... دي واحدة ست يا غشيم ولسه عروسة عندها مشاعر وأحاسيس... ونفسها تفرح."

2


أجابه باسلوب فظ...

+


"ما تفرح..... هو أنا ماسكها؟!"

+


علت الصدمة وجه أيوب وهو يقول بقلة
صبر...

+


"هتفرح مع مين يا متخلف وأنت ليل نهار قاعد هنا؟!.... بقولك إيه روح إحنا كده كده خلصنا شغل خلاص روح البيت..."

+


رفض سلامة قائلاً...

+


"لسه بدري يا أيوب... إحنا العصر."

+


دفعه أيوب للمغادرة بتهكم...

+


"بدري من عمرك... عشان تلحق تفرحها."

+


سأله سلامة..... "وأفرحها إزاي؟"

+


ارتفع حاجب أيوب يحدجه عن كثب معقبًا بصدمة....

+


"أنت بجد بتسألني؟!....أمال فين احتفظ بالنصايح لنفسك؟!..."

+


حك سلامة في شعره بحرج...

+


"أنا كان قصدي على حاجة تانية."

+


سأله أيوب بوقاحة...

+


"ما أنا قصدي على دي... أنت ما دخلتش
ولا إيه؟!"

+


تافف سلامة مجيبًا على مضض...

+


"ولا عايز أتنيل… بقولك إيه اقفل على الموضوع ده وسيبني."

3


مسك أيوب ذراعه يمنعه قبل أن يلوذ بالفرار منه ثم سأله بجدية شديدة....

+


"لا استنى أفهم... يعني إيه ما دخلتش عليها؟ دا زمان خالتها فضحاك على الفضائيات."

1


تساءل ببلاهة...

+



        
          

                
"تفتكر عزة قالتلها؟!"

+


أومأ أيوب بدهاء مؤكّدًا...

+


"الستات بتحب اللت والعجن بالذات في المواضيع دي... أنت ما خلصتش ليه يوم الفرح؟!.... أنت فيك حاجة؟"

2


رفع سلامة عينيه نحو صديقه فوجده يرمقه بنظرة ذات مغزى أزعجته بشدة مما جعله يتململ بعصبية قائلاً بخشونة...

+


"إيه البصّة دي يا عم... أنا زي الفل. بس مش رايق يعني... والحاجات دي عايزة بال رايق يمكن عشان يومين الضغط بتوع الشغل."

+


أطلق أيوب زفرة طويلة وهو يقول 
بصبر..

+


"والضغط خلص... روح لمراتك... وخلص نفسك... المواضيع دي ما بتتأجلش كتير
عشان الكلام ما يكترش عليك....وعليها وعليك أنت بالأخص...."

+


رد عليه واجمًا...

+


"ربنا يسهل.... "

+


نظر إليه أيوب بشك قائلاً...

+


"ربنا هيسهلها إن شاء الله... بس أنت انوي
يا حلاوة... وفكّك من اللي في دماغك ده. تلاقيك بتفكر في البِت اللي بتحبها.."

+


لم يتردد سلامة في الاعتراف له...

+


"مش قادر أنساها يا أيوب... هموت وأرجع لها...."

+


لم يعجب أيوب الرد لذلك قال بنبرة محتدة

+


"أهو ده الكلام الأهبل بقى...رجوع إيه بعد ما بقيت واحد متجوز ومسئول؟!

+


ما تفوق يا سلامة واعقل كده... عشان ما تظلمش مراتك...مالهاش ذنب في كل ده."

+


بلع سلامة ريقه وهو يحدّج في البعيد بندم يزيد كل يوم معه وكأنه ذنب يصعب محوه

+


"أنا اتسرعت في الجوازة دي...وشكلي هـ…"

+


بتر أيوب عبارته وهو يقول بحمائية...

+


"استهدى بالله يا سلامة وفكّك من اللي في دماغك ده... عزة ذنبها إيه في كل ده... هي اللي جت وقالتلك اتجوزني؟!

2


وبعدين مش كل حاجة ينفع تخلع منها في حاجات مجبور تكمل فيها للآخر مش بمزاجك.

+


" وبعدين ادي لنفسك فرصة يا أخي... مش يمكن تحبها؟!... اقعد بس أنت معاها واديها فرصة.... وأنا متأكد إنك هتغير رأيك... "

+


تافف سلامة...

+


"طب وافرِض رأيي ما اتغيرش؟"

+


رد أيوب برجاحة عقل...

+


"ساعتها أبغض الحلال عند الله الطلاق... بس قبل ما تمشي في السكة دي اديها وادي لنفسك فرصة... وبلاش تتسرع... "

2


شرد سلامة قليلاً في وقفته يفكر فهو لم يعطِ لحياتهما الزوجية الحديثة فرصة قبل أن يتنحى عنها هاربًا....

+


وفي الحقيقة كما قال صديقه عزة لا تستحق نهاية كتلك....

+


وهل كانت تستحقها الدكتورة؟!

+



        
          

                
في الحقيقة كلتاهما ضحية لرجل نذل لا يعرف كيف يكون رجلاً ويحارب للنهاية.

8


وضع أيوب يده على كتف صديقه وهو
يقترح بعد تفكير...

+


"بص روح دلوقتي... خد حاجة حلوة معاك وادخل بيها عليها... اضحك هزر اتكلم معاها. مش لازم تحصل حاجة بينكم دلوقتي لطف الجو معاها لحد ما تأخد عليك وتاخد عليها. يعني اعتبر نفسك كاتب كتابك عليها ولسه شوية على الفرح...."

+


بدا غير مقتنع لكنه أراد إنهاء النقاش....

+


"ماشي ربنا يسهل... بس مش هروح 
دلوقتي... كمان شوية."

+


أصر أيوب وهو يخبره متذكرًا...

+


"لا دلوقتي... نهاد زمانها جاية وأنا قولتلها إني قاعد لوحدي ومفيش حد معايا..."

+


خفق قلبه بوجع وهو يبتلع ريقه مضطربًا سائلاً صديقه....

+


"هي الدكتورة وجودي مضايقها ولا إيه؟"

+


من الغباء أن يطرح الشخص سؤالًا هو لديه إجابة مفصلة عنه....

+


هز أيوب رأسه مبتسمًا وهو يخبره بصدق حقيقة ما دار بينهما...

+


"بصراحة هي ما قالتش كده... هي عارفة إنك أغلب الأوقات بتبقى معايا في المكتب فعشان تبقى براحتها يعني قالتلي لما أبقى لوحدي هتيجي تشوفني وتشوف المكان...نفسها تشوف المكان على الطبيعة الصور مش
جاية معاها..."

+


هز سلامة رأسه ببطء وقد ارتسم الحزن على قسمات وجهه وانعكس شعوره في عينيه وهو يقول بصوتٍ بعيد...

+


"خلاص يبقى أمشي أنا أحسن... عشان تبقى براحتها.... "

+


أوقفه أيوب مستغربًا ردّة فعله..

+


"مالك يا بني؟ إيه الحساسية دي كلها؟! هو أنا قولت حاجة غلط؟!"

2


ابتسم سلامة ابتسامة لا معنى لها وهو يقول بمزاح...

+


"لا يا أبو الصحاب... أنا اللي بقيت قماص."

+


تابع أيوب رحيله بملامح مندهشة ونظرة متعجبة ثم ضرب كفًا بكف متمتمًا...

+


"يخربيت فقرك..."

+



حين خرج من الورشة رآها تترجّل من سيارة صغيرة (سبعة راكب)....

+


توقّف في مكانه وهو يتأمّل اقترابها وهي تقطع الطريق حتى تصل إلى الجهة الأخرى حيث تقبع الورشة....

+


جميلة كعادتها دومًا ترتدي بنطالًا أبيض من الجينز تعلوه بلوزة واسعة بلون هافان فاتح
مع حجاب ملائم بلفة عصرية....

+


تبدو عائدة للتوّ من الجامعة فهي تحمل في معصمها معطفها الأبيض بتباهٍ يليق بها. فمن غيرها يحق له التباهي بجامعة القمة؟

+


توقّفت نهاد ووضعت معطفها في حقيبتها وكأنها تناست وجوده طوال طريقها حتى لاحظته الآن....

+



        
          

                
رفعت عينيها إليه مباشرة وكأن قلبها أدرك وجوده قبل عينيها ارتبكت لوهلة متفاجئة 
من وجوده أمامها....

+


أخبرها أيوب منذ دقيقة واحدة وقبل نزولها من السيارة أن سلامة قد غادر للتو....

+


لماذا تلتقي به عند باب الورشة؟ 

+


أيُّ حظٍّ عاثر هذا؟

+


حرّكت ساقيها بصعوبة إلى الأمام مدعية عدم رؤيته بملامح رصينة ونظرة باردة... تخطت وقفته فلم يرحمها هو ولفظ اسمها مناديا...

+


"نـهـاد..."

+


توقّفت وهو خلفها على بعد خطوتين. 
ضغطت على أسنانها بقوة وعلى تنفّسها غضبًا وهي تعدّ من واحد إلى عشرة حتى تهدأ ثم استدارت إليه بنفس الملامح الرخامية...

+


"إزيك يا سلامة..."

+


مارست على نفسها أعنف المشاعر وأقساها تحمّلًا في ثوانٍ معدودة وهي تطرح هذا السؤال العادي لشخص لم يمرّ في حياتها
مرور الكرام....

+


لقد طعن قلبها طعنات متتالية بلا رحمة ولا شفقة ثم مضى تاركًا جسدًا بلا روح ولا 
معنى....

+


تاركًا نسخةً جديدةً من نهاد بعد أن دفن بيديه تلك الحالمة المحاربة باسم الحب !...

+


تجلّى صوته بعد نحنحة خشنة...

+


"الحمد لله... انتي عاملة إيه..."

+


اغتصبت الابتسامة حتى تأكد له ولنفسها أن
كل شيء سيكون بخير قريبًا...

+


"بخير الحمد لله... مراتك عاملة إيه..."

+


ابتلع الغصة القاسية في حلقه شاعرًا بجسده يتصبّب عرقًا وكأنه أمام اختبار صعب مجبر على الإجابة....

+


"كويسة..."

+


هزت نهاد رأسها ولم تزُل ابتسامتها وهي تقول قبل أن ترحل كنسمة باردة لن تبقى طويلًا معه....

+


مجرد أن تقابلك خلسة وترحل بعيدًا كما حدث الآن وهي تغادر بانسيابية تنحر قلبه...

+


"وصلها سلامي... ده لو فكراني..."

+


شيع رحيلها بنظرة معذبة متمتمًا بحسرة 
على ضياعها من بين يديه....

+


"اللي يعرفك يا دكتورة صعب ينساكي..."

+


قصتنا ليست كغيرها ليس لأن حبّنا أسطوري بل لأنه ترك فينا جرحًا لا يلتئم....

+


............................................................... 
برقت عيناها بالسعادة وهي تسير بجوار
أخيها في صالة ورشة الخياطة حيث الماكينات والعاملات والعمال الجالسون 
أمامها يعملون بهمة ونشاط...

+



        
          

                
نظرت إلى أخيها الكبير بفخر واحترام لا ينضب في عينيها نحوه فإذا كانت تمتلك
الطموح والنباهة في دربها التعليمي فهذا
فقط لأنها شقيقة أيوب عبدالعظيم ذلك
المحارب باستماته في حياة لا تستهدف
إلا المحاربين لكسرهم !

+


تتمنى أن يجني أخوها ثمار شقائه وتعبه طوال تلك السنوات الماضية تتمنى له حياة أفضل فهو يستحق بعد كل هذه المعافرة العظيمة يستحق نهاية مليئة بالنجاح...

+


"إيه رأيك يا مارد... وشوشني..."

+


ضحكت نهاد بخجل من هذا اللقب الذي يتذكره ويربطه بصوت المنبه الذي استيقظ
عليه مفزوعًا يومًا...

+


"مش محتاجة سؤال... ربنا يوفقك يا أيوب
والورشة تبقى مصنع... والمصنع يبقى شركة
أزياء كبيرة..."

+


تنهد أيوب بارتياح والحديث يفتح له أبوابًا
لن تُغلق إلا بدخوله إليها...

+


"يا رب... دعواتك يا دكتورة... تعالي نقعد جوا في الهدوء..."

+


حين دخلت نهاد إلى تلك الغرفة الصغيرة والتي تُسمى بالمكتب الإداري رأت بعض التصاميم المنثورة على المكتب الصغير.

+


كما كان هناك مجسم موضوع عليه قماش لم
يكتمل تثبيته بشكلٍ جيد يبدو أنه قيد
التنفيذ...

+


جلست على المقعد تلملم الأوراق المتناثرة وتحدق في كل واحدة منها بإعجاب شديد
فالتصاميم تحمل نوعًا من العصرية والبساطة المبهرة... والجميل في تصاميم أخيها أنها ليست فجة ولا تتبع العصر الغربي بشكل كامل بل يحرص على ألا تكون مكشوفة بشكلٍ مثير....

+


باختصار شديد تصاميمه مبهرة بشكلها المنفرد وألوانها المتألقة وخياله الواسع وشغفه الكبير...يوصله إلى مكان يحمل اسمه....

+


والنجاح الحقيقي في أي مجال عملي ليس في اتباع دروب الآخرين فالتعلم منهم أمر جيّد... لكن السير في دربك أنت والتميز فيه هو النجاح الذي يغفل عنه الكثيرون....

+


دخل أيوب بعد لحظات يحمل بين يديه
علبة عصير اشتراها للتو ليضيفها فهو
لم يُحضِر بعدُ شخصًا يعدّ المشروبات...
وفي الحقيقة الورشة التي أجّرها لا تُتيح 
فيها مكانًا كهذا...

+


"إيه رأيك يا دكتورة... دي التصاميم اللي ناوي أدخل بيها المسابقة..."

+


سألته بفضول...

+


"مسابقة؟!.... مسابقة إيه؟..."

+


أجابها أيوب بهدوء...

+


"مسابقة بتتعمل كل شهر بيدوا فرصة لأي مصمّم يشارك ويعرض تصاميمه فيها..."

+



        
          

                
قالت نهاد بتشجيع صادق...

+


"التصاميم حلوة قوي يا أيوب... مميزة كده...
إن شاء الله تكسب..."

+


أومأ أيوب برأسه متنهدًا...

+


"إن شاء الله... أهي محاولة جنب الشغل في الورشة والشركة..."

+


سألته متعجبة....

+


"إنت لسه برضه بتروح الشركة؟!..."

+


أكد أيوب قائلًا بصوتٍ رخيم...

+


"يومين في الأسبوع... كمال الموجي عايزني معاه..."

+


انعقد حاجباها بتعاطف وقالت بحنو...

+


"بس كده تعب عليك يا أيوب... هنا وهناك وفي الشركة..."

+


شرد أيوب في النظر إلى سطح المكتب وهو يقول بصوتٍ بعيد....

+


"لا تعب ولا حاجة... أنا مش عايز يبقى عندي وقت أفكر في حاجة تانية غير الشغل..."

+


سألته نهاد باهتمام يشوبه الحزن...

+


"يعني خلاص كده... اللي بينكم انتهى؟
مفيش أمل؟..."

+


برم شفتيه قائلًا باستهجان...

+


"لا أمل ولا سعاد... الهانم اتخطبت وقريب
أوي هتتجوز..."

+


اتسعت عينا نهاد بصدمة وقد صعقتها الجملة وهي تحدق في أخيها بشك...

+


"اتخطبت؟!....... اتخطبت لمين؟..."

+


رد عليها بوجوم...

+


"واحد شبهها... غني زيهم..."

+


ارتسمت الدهشة على وجهها وهي تقول بعدم اقتناع...

+


"معقول؟!..... دي كان باين إنها بتحبك أوي..."

+


سخر أيوب من الحديث بنظرة قاتمة...

+


"بتحبني؟!.....أنا اكتشفت إن مفيش حاجة اسمها حب... كله كلام في الهوا يا دكتورة... وقت الجد كله بيدور على مصلحته..."

+


كانت كلمات أخيها بمثابة سهام مدببة تصيب جرحًا لا يلتئم ما زال ينزف دون توقف. لذلك قالت بغصة مريرة....

+


"عندك حق... وقت الجد كله بيدور على مصلحته..."

+


ثم استرسلت وهي تنظر في عيني أخيها...

+


"وإنت كمان لازم تدور على مصلحتك... ومتُبصش وراك..."

+


أدار أيوب عينيه في المكان الذي يجلس فيه مجيبًا بخشونة...

+



        
          

                
"هي دي مصلحتي ومش شايف غيرها...
يلا ربنا يسهلها... المهم إنتي إيه أخبارك..."

+


توسعت ابتسامتها وهي تلوذ بالفرار معه من أحاديث تُضني قلوبهما...

+


"الحمد لله... السنة دي إن شاء الله امتياز زي كل سنة...حضر الحلاوة..."

+


وبنظرة حنونة فخورة قال بصدق...

+


"اللي تطلبيه يا دكتورة... عيني ليكي... المهم تنجحي وترفعي راسنا... إحنا كلنا بنتباهى بيكي يا نهاد..."

+


رن قلبها إليه وترقرقت الدموع في عينيها تأثرًا وهي تقول بامتنان أكبر....

+


"إيه الكلام ده... الحقيقة إن أنا اللي بتباهى بيكم... وبيك إنت بالأخص... يا بختي بأخ حنين وجدع زيك..."

+


اقتحم جلستهما الهادئة دخول ليان والتي وصلت للتو إلى الورشة وعلمت من الخارج 
أن أيوب يجلس بصحبة امرأة...

+


أول من أتى في عقلها هي (نغم الموجي) وكانت تنوي أن تزف الخبر إلى خطيبها وبعض الصحافة لتجعل سمعتها في الحضيض لعلها
تبتعد عنه وينتهي كل هذا...

3


لكنها وجدت شابة أخرى لم ترها بصحبته يومًا لذلك تنحنحت بحرج متراجعة عن هجومها وهي تقف مكانها عند الباب..... 

+


فأشار لها أيوب أن تقترب وبكياسة قدم تعريفًا سريعًا بالاثنتين ...

+


"تعالي يا ليان... ادخلي..."

+


"دي ليان شغالة معايا هنا... مصممة أزياء ومساعدة معايا..."

+


"ودي الدكتورة نهاد... أختي..."

+


ابتسمت ليان بحفاوة وهي تمد يدها إلى نهاد في مصافحة ودودة....

+


"أهلًا..... تشرفنا يا دكتورة..."

+


تبادلت معها نهاد المصافحة بابتسامة
رقيقة.....

+


"أهلًا يا ليان... معلش لو عطلتكم..."

+


تراجعت ليان باستحياء تقول...

+


"مفيش عطلة ولا حاجة... خليكم زي ما أنتم... هعمل مكالمة برا وارجعلكم... تحبي أجيبلك حاجة تشربيها؟.... "

+


شكرتها نهاد وهي تشير إلى العصير
الخاص بها...

+


"لا شكرًا... أيوب جاب لي..."

+


قالت ليان بوئام...

+


"خدي راحتك... نورتينا..."

+


حين خرجت ليان مغلقة الباب خلفها عادت
نهاد إلى مقعدها جالسة وهي تقول بفضول

+



        
          

                
"ذوق أوي ليان دي... تعرفها منين؟..."

+


أجابها أيوب بفتور وهو يستريح بظهره للخلف على المقعد...

+


"من شركة الموجي... عرفت إني بفتح مشروع صغير عرضت عليا تشتغل معايا جنب شغلها في الشركة فوافقت... خصوصًا إنها شاطرة وموهوبة..."

+


مطّت نهاد شفتيها بلؤم معقبة...

+


"كويس... بس غريبة إنها هي اللي تعرض
عليك تشتغل في ورشة خياطة لسه بادئة..."

+


سألها أيوب....

+


"تقصدِي إيه..."

+


وبطرف عينيها نظرة إليه بشقاوة...

+


"عنيها منك مثلًا..."

+


تبرم أيوب مستنكرًا...

+


"حتى لو كده.... يبقى بتتعب نفسها على الفاضي... أنا لسه مفوقتُش من اللي عملته
فيا بنت الذوات..."

+


قالت نهاد بتفكير...

+


"مش يمكن دي تطلع بنت حلال... وتعالج الوضع..."

+


استهجن أيوب الحديث قائلًا برفض قاطع..

+


"ومين قالك إني عايز حد يعالجني؟!.. أنا بعالج نفسي بنفسي... مستغني عن خدماتها هي أو غيرها..."

3


عقبت نهاد...

+


"أنا ليه حساك اتعقدت..."

+


ابتسم بسخرية قاتمة في عينيه المظلمتين وهو يؤكد بطرافة...

+


"لا.. اتأكدي إني اتعقدت... ومش هيعالجني غير عروسة نقاوة صفصف..."

+


ابتسمت نهاد بدهشة غامزة له...

+


"اديها إنت بس الإشارة...وهي مش هتتأخر..."

+


أومأ برأسه موافقًا وهو يتكئ على قلبه المتألم
بقوة....

+


"أقف على رجلي الأول... وبعدين هشوف..."

+


.................................................................
"بتقولي إيه يا مايلة... لسه زي ما انتي؟!"

+


هتفت تلك العبارة بملء شدقيها خالتها بوجهٍ باهتٍ مصدوم ونظرة غاضبة...

+


عضت عزة على لسانها بعد أن تفوهت بلا قصد أمام خالتها عن حالها المرير مع زوجها
الذي لمدة أسبوع كامل يقضي ساعات يومه بالخارج في العمل وحتى وقت النوم
لا يجاورها على فراش واحد بل يكتفي 
بالنوم في الخارج في البرد على أريكة
خشبية قديمة...

+


تلك التصرفات تحرقها على جمر حبها له
فهو يتجنبها بأسلوب باردٍ مهين وكأنه لا يتأثر بها بأي شكلٍ من الأشكال...

+



        
          

                
وكأنه اتخذ زواجهما درعًا حاميًا كي يحمي نفسه من شيءٍ مجهول !

+


أو لعله يحميها هي من الشقاء وكلاب الشارع التي كانت تحوم حولها...

+


أيهما أقرب للحقيقة؟!

+


"وطي صوتك يا خالتي... هتسمعي بينا الناس..."

+


قالتها عزة بوجهٍ مفزوع وهي تغلق النافذة عليهما حتى لا يستمع إليهما أحد....

+


تبرمت خالتها ساخطة وهي تنظر إلى الغرفة التي تسكنها ابنة أختها وضيق الحال فيها ثم قالت بوجوم...

+


"حد يسمعنا !... دا إحنا فوق... مننا للسما يا مايلة.. ردي عليا يا بت وبلاش لف ودوران... لما جيتلك يوم الصباحية قولتي الحمد لله عدت... وحصل اللي حصل بينكم...

1


حتى يومها ما رضيتِش تخليني أشوف بعيني... قولت معلش يمكن مكسوفة...
المهم إنها عدت على خير..."

2


ثم برقَت عيناها بالغضب والوعيد وهي تسترسل....

+


"ودلوقتي جاية تقولي محصلش بينا حاجة ولسه زي ما إنتي... بعد أسبوع من جوازك لسه زي ما انتي... ده بدل ما تقوليلي نفسي غمه عليا يا خالتي..."

1


صُعقت عزة من جملتها الأخيرة فقالت بضيق

+


"هو إحنا لحقنا عشان نفسي تغم ولا تتنيل؟!"

+


لوت خالتها شفتيها ساخرة....

+


"هو لمسك أصلًا عشان يحصل؟!... احكيلي بصراحة... إنتي نشفتي دماغك معاه؟..مش مبحبحاها يعني..."

1


ظللت نظرات عزة بالحزن وهي تقول بحرقة..

+


"مبحبحاها على الآخر... وكل يوم قميص شكل ومكياج وشعري طالقاه ليل ونهار...بس مفيش فايدة يا خالتي وكأني هوا... لا شايفني ولا حاسس بيا..."

+


سألتها خالتها بعد تفكير...

+


"وكنتي بتقعدي تكلمي وتهزري معاه وانتي كده؟... "

+


هزت رأسها نفيًا.... "لا..."

+


أعادت خالتها الكلمة مستنكرة.... "لا؟!"

+


أكدت عزة بحرج شديد وهي تفشي سر بيتها..

+


"هو يدوبك بيجيب الطلبات اللي بطلبها منه ويحطها على التربيزة ويطلع ينام بره... مش بلحق أشوفه ولا أقعد معاه..."

+


ضاقت عينا خالتها بتساؤل...

+


"ومش بتطلعي وراه ليه وتلزقي فيه؟..."

+


مطت عزة شفتيها بحسرة تجيب...

+


"بطلع والله يا خالتي...بس بيبقى خلاص نام... أصله بييجي قرب الفجر...مش شايف قدامه من الشغل والوقفة طول النهار..."

+


تململت خالتها بشك أكبر...

+


"يكونش في حاجة يا بت... عشان كده ما قربش منك..."

+


قالت عزة ببلاهة...

+


"أكلمه يروح يكشف يا خالتي وأطمن عليه؟"

+


هزت خالتها رأسها رافضة مقترحة عليها...

+



        
          

                
"مش وقته الكلام ده... لما نتأكدوا الأول إن في حاجة فعلًا... ولا هو قاصد يعلقك كده لا طولي سما ولا أرض..."

+


سألتها الأخرى عاجزة...

+


"طب هعمل إيه عشان أتأكد؟"

+


قالت خالتها بحذق...

+


"هتعملي زي أي واحدة ناصحة عايزة جوزها يقربلها ويدوب فيها كمان..."

+


أعادت السؤال بتيه...

+


"أيوه يعني بيعملوا إيه؟!..."

+


ضربت خالتها على صدرها عدة مرات بقوة بحسرة عليها...

+


"يا خيبتيييي... وبتسألي كمان ليه حق يطفش ويقضي ليل نهار في الشغل..."

+


لمعت عينا عزة بالدموع وهي تقول بوهنٍ مذاقه كالصدأ....

+


"يا خالتي بطلي كلامك اللي يوجع ده قوليلي أعمل إيه... أنا هتجنن من عمايله دي وكأني وحشة ومش عاجباه... هو أنا وحشة يا خالتي؟"

1


سألتها عزة بتردد والثقة تتزعزع بداخلها بعد جفاء زوجها معها دون سبب واضح...

+


صاحت خالتها بحمائية....

+


"فشر وحشة !.... ده إنتي زي القمر... هو اللي حمار ومش مقدر النعمة اللي في إيده... ولازم تخليه يقدرها..."

1


سألتها بتردد....

+


"وده أعمله إزاي؟..."

+


أخذت الخالة نفسًا طويلًا ثم تحدثت بصبرٍ يشوبه الهدوء....

+


"اسمعي... جه الفجر جه الصبح تفضلي مستنياه وانتي على سنجة عشرة زي ما بتقولي....

+


طلع نام بره... اطلعي نامي جنبه الزقي فيه أوعي تسيبيه.... وطول ما انتي معاه دلع وضحك وهزار...

+


"ابلفيه بالكلمة الحلوة النظرة الحنينة... الراجل شبه العيل الصغير بعد يوم طويل بره البيت بيرجع مهدود... بيدور على الحضن الحنين اللي يستريح جواه... بيدور على الدفى والصحبة الحلوة..."

+


"ما تبقيش مايلة تستنيه هو اللي يقرب منك..."

+


تبرمت عزة شاعرة بوخزة في قلبها....

+


"مش ده اللي المفروض يحصل يا خالتي..."

+


تأففت الخالة مجيبة عليها بصبر ونصح...

+


"في وضعك المنيل ده... إنتي اللي لازم تقربي وتلطفي... لحد ما نشوف آخرتها معاه إيه... ولو في حاجة زي ما أنا حاسة... لازمًا حتمًا تطلقي منه... آه هتدفني نفسك وشبابك بالحياة معاه؟... "

+


انتفضت عزة من مكانها فجأة كمن أصابها 
مس وهي تقول باهتياج...

+


"طلاق إيه يا خالتي..تفي من بوقك... أطلق من سلامة؟!... بعد ما ربنا استجاب لدعائي وبقى جوزي؟!.... لا... لا يمكن أسيبه... حتى لو في حاجة هفضل معاه العمر كله... ومش لازم الحاجة دي..."

+



        
          

                
استنكرت خالتها الحديث وعقبت بأسلوب حكيم وخبرة سنوات...

+


"الحاجة دي لو مش مهمة ربنا ما كانش خلقها بين الراجل ومراته... من غيرها الحياة تبقى جفا بينكم والبعد هيبقى أسهل... ده غير العيال... إيه؟.... مش نفسك تبقي أم؟"

+


هربت عينا عزة من خالتها وقد بهت لون وجهها بشكلٍ ملحوظ وهي تقول بتعنت...

+


"الكلام ده سابق لأوانه يا خالتي..."

+


ارتفع حاجب خالتها للأعلى وهي تقول بتسلط مؤكدة....

+


"لو فعلًا في حاجة... لازم تطلقي منه... اسمعي كلامي يا عزة... أنا خالتك وزي أمك وقدرا بمصلحتك... واللي بسمعه منك ده ما يرضيش حد... فحطي عقلك في راسك تعرفي خلاصك..."

+


أشاحت عزة بوجهها للناحية الأخرى قائلة بوجوم...

+


"لما نشوف الأول يا خالتي... بلاش تسبقي الأحداث..."
.............................................................
وصلا إلى السطح أخرج المفتاح وفتح باب الغرفة وبين يديه بعض الأغراض التي طلبتها عزة منه عبر الهاتف صباحًا.

+


لم يخبرها أنه سيأتي مبكرًا ولم يجرِ اتصالًا بها منذ الصباح...

+


وضع الأغراض على الطاولة الصغيرة التي تقابله قرب الباب ثم في لمحة سريعة قيم الغرفة البسيطة المرتبة والنظيفة والتي تفوح منها رائحة معطر منعشة تحرص عزة على رشه بعد التنظيف....

+


من يرى الغرفة هكذا بعد وجود امرأة فيها 
لا يتخيل حالها سابقًا وهي عبارة عن مكب نفايات يجلس فيها ليلًا ونهارًا دون أن 
يلاحظ عليها شيء.

+


الآن الفرق كبير بوجودها فيها....

+


نظر إلى الطاولة التي يوجد عليها الموقد السطحي ليرى الإناء على النار الهادئة يبدو أنها شرعت في إعداد الطعام وأيضًا المكان
من حولها نظيف ومرتب.

+


ابتسم سلامة ابتسامة لم تصل إلى عينيه وهو يتنحنح مناديًا عليها بخشونة..

+


"عَـزة..."

+


خرجت عزة من زاوية الحمام الصغير والذي يُغطى بستارة تلف حول جسدها منشفة تصل إلى ركبتها وتجفف شعرها بمنشفة أصغر...

+


حين رآها سلامة هكذا توتر وازدرد ريقه وهو يحدق فيها متمعنًا في تفاصيلها لأول مرة كامرأة....

+


كانت قصيرة القامة كمراهقة في آخر صفها الإعدادي جسدها كذلك نحيف لكنها تمتلك منحنيات أنثوية.... بشرتها خمرية تمتلك لون عيون عادية لكنها ضيقة شفتيها صغيرة ورفيعة أنفها منمنم وشعرها أسود خفيف
يكاد يلامس كتفيها...

1


بينما كان يغوص في تفاصيلها هي تقف أمامه ملتفة بمنشفة الاستحمام مندهشة من وجوده وقد اقتربت منه مبتسمة شاعرة بالرضا بعد نظراته الملتهمة لكل جزءٍ فيها....

+


"سي سلامة... جيت بدري؟!"

1


لم يكن سؤالًا بل كانت أمنية وتحققت أخيرًا.

+



        
          

                
عندما وصلت إليه مالت عليه بجسدها الغض كله ثم احتوت عنقه بكلتا ذراعيها بنعومة طابعة القبل على صدغه من الجهتين...

+


"حمد الله على السلامة... دا النهاردة يوم
عيد إنك جيت بدري..."

+


توتر جسد سلامة كليًا بعد اقترابها المباغت 
له وشعر بالحرارة تكتسح جسده مع اضطراب خفقات قلبه عاد يبلع ريقه وهو ينظر إلى عينيها الضيقتين المبتسمتين بسعادة غريبة

+


"خلصنا الطلبية وسلمناها أخيرًا..."

+


تنهدت وقلبها يخفق بعاطفة جياشة نحوه وأصابعها تداعب خصلاته الناعمة عند مؤخرة عنقه بدلال هامسة...

+


"طب الحمد لله... على كده التاجر عاجبه شغلكم..."

+


تملص سلامة منها بخفة مبتعدًا عنها وهو يفتح الثلاجة القديمة التي نالت تغيرًا جذريًا ككل شيءٍ من حوله إلا هو.....

+


كانت الثلاجة مزينة ببعض الملصقات في الخارج وكذلك بداخلها على الرفوف مفرش مخصص لها والطعام مرصوص فيها بشكل منظم في علب بأحجام وأشكال مختلفة.

+


أخرج زجاجة مياه وتجرع من فوهتها مباشرةً ثم أنزلها عن فمه وهو يجيبها...

+


"إلا عجبه... دا ناوي ياخد بضاعة تانية..."

+


ابتسمت عزة وهي ترى تأثره لأول مرة منذ زواجهما بها وقالت بمحبة....

+


"الله أكبر...ربنا يوسع رزقكم... تستاهلوا الخير كله... سواء إنت يا سي سلامة... ولا سي أيوب..."

+


قال سلامة وهو يغلق زجاجة المياه ويعيدها في الثلاجة...

+


"جبتلك الحاجات اللي طلبتيها مني..."

+


اقتربت عزة وهي تفتش في الأغراض التي أتى بها وتقول بابتسامة واسعة...

+


"إش... إش... تفاح وموز كمان إيه الدلع ده كله؟!.... إيه دي يا سي سلامة... سينابون؟!"

+


عقبت على نوع المعجنات التي جاءت وسط الأغراض بغرابة وكأنها وجدها وسط الزحام.

+


ظهر الارتباك في إجابته...

+


"آه... قابلني فجبته... دوقيه هتحبيه أوي..."

+


رفضت عزة وهي تبعده جانبًا فلم يروقها مذاقه يومًا....

+


"بس أنا مبحبش طعم القرفة فيه... تعرف أنا بحب إيه؟.... القرص بالسمسم اللي محشية ملبن.... دي عرفها؟..... قرص زمان..."

+


احمر وجه سلامة وهو يشعر أنه يعود للخلف مجددًا مع أن الحاضر والمستقبل أمامه....

+


"عارفها... هبقى أجبلك منها المرة الجاية... شيلي السينابون... هبقى آكل منه كمان شوية..."

+


استنكرت عزة الجملة وهي تقترب منه...

+


"كمان شوية إيه... دا الغدا دقايق وهيخلص... ادخل خد دش وغير هدومك على ما حضرلك الأكل..."

+



        
          

                
قال لها...

+


"خليه بره في الهوا..."

+


قالت بنظرة مطيعة....

+


"عيوني يا سي سلامة..."

+


أمرها وهو ينظر إلى قدها الملفوف في المنشفة وشعرها المندي الذي بالكاد أطرافه تلامس كتفها العاري...

+


"والبسي هدومك عشان متستهويش..."

+


قالت بتغنج..... "حـاضـر..."

+


ثم أضاف بخشونة...

+


"والبسي عباية وطرحة على شعرك عشان هنقعد فوق السطح والعماير محوطانا من كل حتة..."

+


ضحكت وهي تسأله بدلال...

+


"على كده بتغير عليا..."

+


أكد دون أن يرف لها جفن...

+


"لو مغيرتش على أهل بيتي... هغير على مين؟!... "

+


قالت بصوتٍ مغرٍ...

+


"يخليك ليا يا سي سلامة..."

+


حدق فيها قليلًا حتى نسي نفسه أمامها ثم فاق من شروده مبتعدًا عنها بوجه مكفهر...

+


"أنا هروح أستحمى..."

+


قالت من خلفه بصوت أنثوي يشوبه الاحتواء

+


"وأنا هطلعلك هدومك... وفوطة نظيفة..."

+


أعطاها سلامة نظرة أخيرة عابسة قبل أن يسحب ستارة الحمام بعنف عليه....

+


هزت عزة رأسها باستياء متمتمة...

+


"صدقتي يا خالتي لما قولتي عاملين زي العيال الصغيرة..."

+


بعد فترة كانا قد تناولا وجبة الغداء في الخارج على الأريكة الخشبية أمام طاولة صغيرة ثم أعدت عزة الشاي ووضعته أمامهما وهي تجاوره في الجلسة بسعادة كبيرة لا توصفها كلمات...

+


فهي قضت معه اليوم ساعات أطول من كل الأيام التي مرت عليهما....

+


رأته ينفث من السيجارة بشراهة مريعة وعينيه معلقتان في السماء الصافية قبل الغروب....

+


سحبت عزة السيجارة من فمه ووضعتها في المنفضة قائلة بتجهم وهي تشير إلى الأشياء التي جلبتها من الغرفة....

+


"كفاية سجاير يا سي سلامة بتحرق صدرك... أنا جبتلك لب سوري... حلو أوي خد..."

1


أخذ من اللب القليل وهو يسألها بتحفز...

+


"إنتي خرجتي النهارده؟!"

+


رفعت وجهها مشدوهة تقول بسرعة...

+


"لا والله... لو كنت خرجت كنت استأذنتك 
دي خالتي عدت عليا وجابتلي شوية حاجات معاها وكان من ضمنها اللب السوري... عارفة إني بحبه..."

+


تغضن وجهه بتساؤل....

+


"واتكلمتوا في إيه؟!"

+


ارتبكت عزة وبهت وجهها قائلة...

+



        
          

                
"هنتكلم في إيه... كلام عادي..."

+


ثم استرسلت بمناغشة...

+


"مقولتش يعني إيه رأيك في طبيخي..."

+


رد سلامة بنبرة عادية كمشاعره الآن معها...

1


"تسلم إيدك يا وزة..."

+


اختلج قلبها بين أضلعها وهي تقول بحرارة...

+


"ياااه يا سي سلامة... بقالك يامه مقولتليش يا وزة... أنا قولت إنك نسيت..."

+


اغتصب الابتسامة وهو يقول بمزاح...

+


"مجتش فرصة أقولك... الشاي حلو... واللب مملح أوي..."

+


قالت ضاحكة....

+


"بحبه كده أكتر مالح..."

+


اختفت ابتسامته سريعًا عن محياه وهو يشرد بعيدًا عنها في مكان آخر بينما هي عيناها عليه متشربتان بالحزن....

+


قالت بعد أن ساد الصمت بينهما حتى بات 
لا يُطاق....

+


"حاساك بعيد عني يا سي سلامة..."

+


نظر إليها سلامة جافلًا وهو يقول....

+


"إيه الكلام الكبير ده.. ما أنا قاعد جنبك أهوه.."

+


قالت عزة بمرارة دون تردد...

+


"بس قلبك مش هنا... قلبك بعيد حتى فكرك في مكان تاني..."

+


عقب سلامة بملامح متبلدة...

+


"قلبي موجود... وفكري في الشغل مفيش غيره..."

+


هتفت عزة بحرارة...

+


"طب وأنا يا سي سلامة مش بتفكر فيا؟"

+


تقوس فمه بسخرية قاتمة...

+


"أفكر فيكي وإنتي قدامي؟.... إنتي هبلة..."

6


انحنت زاويتا فمها بانكسار حزين موضحة..

1


"قصدي يعني لما بتبقى في الشغل بتفكر فيا؟..."

+


أومأ دون صدق..... "أكيد..."

+


لعقت عزة شفتيها قائلة بحياء...

+


"أنا بقى بفكر فيك كل دقيقة وكل ثانية... فكري وعقلي وقلبي معاك إنت وبس..."

2


نظر إليها سلامة بدهشة مضطربًا من هذا الهجوم العاطفي السابق لأوانه مع زوجته...

+


مع زوجته سابق لأوانه؟!

+


ومع الدكتورة دون رابط شرعي كان أوانه وزمانه ومكانه؟!

+


عجيب أمرنا في الحب نجعل المحظورات
حقًا مباحًا والمباح محظورًا طالما رغبتنا 
نحوه منطفئة !....

+


نظرت إليه عزة بملامح مشبعة بالعشق هامسة بصوت فاض منه الحب كمنابع جارية...

+


"أنا بحبك أوي يا سي سلامة... وكنت بدعي ربنا كل يوم وكل ساعة تكون من نصيبي وأهوه ربنا حقق المستحيل... وبقيت مراتك وقاعدة جنبك..."

+



        
          

                
لم يجد عنده شيئًا لها بحث بين حنايا صدره عن أي شعور يخصها فلم يجد شيئًا بعد لذلك جبر خاطرها وهو يمد يده يربت على وجنتها قائلًا بنبرة صادقة....

+


"ربنا يقدرني وأسعدك يا عزة... إنتي بنت حلال وتستاهلي كل خير..."

+


وضعت يدها على كفه تسأله بعينين تلمعان بالدموع وهي لا تجد في عينيه سوى الفتور القاتل لقلبها...

+


"يعني بتحبني يا سي سلامة؟!"

+


لم يقدر على الرد أبعد يده عنها ممتنعًا حتى عن النظر إليها وكأنها ستراها في عينيه
الآن....

+


جاشت مراجلها والغيرة تحرق قلبها نحو امرأة لا تعرف عنها تفصيلة واحدة سوى أنه أحبها هي دون غيرها....

+


"بتحبها هي صح؟!"

+


أجفله السؤال فنظر إليها مبهوتًا متسائلًا بضيق....

+


"هي مين دي؟!"

+


نهضت عزة تشن الحرب الأولى بينهما معبرة عن غيرتها وشعورها الذي يموج في صدرها بعذاب...

+


"اللي كنت بتكلمها على القهوة في التلفون قبل رمضان بيوم وقلت لها يا حبيبتي... أنا سمعتك..."

1


حديثها المداهم كمداهمة العدو دون سابق إنذار نبش في جرح متقرح يصعب مداواته
بها أو بغيرها....

2


"لسه بتحبها؟!....... طب وأنا..."

2


سالت دموعها وتحولت الجلسة الهادئة إلى قاعة محكمة مما جعله يحدج فيها بصمت غريب مفكرًا لوهلة عن أقصى معلوماتها حول حبيبته الدكتورة التي أصبحت ماضٍ مستمر !

+


المؤلم أنها ماضٍ والأدهى أنه مستمر رغم كل شيء !...
................................................................
صعدت السلالم بحذر وبين يديها صينية الإفطار ثم وصلت إلى السطح حينها هبت الرياح الباردة تضرب صفحة وجهها فابتسمت ابتسامة مشرقة تستقبل النسائم الصباحية ببالٍ رائق وقلبٍ يعزف على طبول الهوى...
كل يوم يمر عليها وهو بجانبها يعد فرصة جديدة للحياة...

+


خطت خطواتها على أرضية السطح تبحث 
عنه فهذا مكانه ووقته لإطعام رفاقه الصغار الحمام...

+


وقد اشتاقت لوجودها معه عند برج الحمام فمنذ فترة لم يلتقيا عند ضفّتهما الخاصة...

+


ربما لأنهما أصبح لهما أكثر من ضفّة للقاء وتبادل الحب !...

+


تورّدت وجنتاها كمراهقة صغيرة وليست
امرأة ناضجة....

+


في الحقيقة وهي بين ذراعيه تفقد هويتها لا عقلها فقط تتحول معه إلى امرأة فيّاضة بالمشاعر متلهفة لكل ما يمنحها سخية معه إلى حدٍّ يجعله يتفوه بالكثير وهو بجوارها...

+


وضعت الصينية جانبًا على البساط ثم بدأت تبحث عنه عند البرج وعقلها يعيد على مسامعها همساته الحارة ليلة أمس حين أخبرها وهو يذوب في دفء أحضانها....

+



        
          

                
(مـش بــلاقـي نـفـسـي غـيـر في حـضـنـك 
يـا شــروق...)

1


أثناء همسه على نبض قلبها بين أضلعها وهي تريح رأسها على صدره مغمضة العينين كانت تستمع إليه بقلبها قبل أذنيها ومشاعرها في حالة فوضى لذيذة بسبب كلماته المنهمرة كشلال فاض بجنون...

+


(كـنـتـي غــايـبـة عـنـي فـيـن؟... وإزاي اتـأخـرتـي كـل ده؟...)

+


تنهدت وقتها وهي تمسح وجنتها بدلال على صدره تتمرغ فيه كقطة لا تكتفي بينما هو يشدد على ضمها هامسًا بحرارة...

+


(إنـتـي نـصـيـبـي الـحـلـو يـا غــزالـة... إنـتـي الـسـت الـلـي قـلبـت الـمـوازيـن وجـنـنـت الـشـيـخ فـي قـربـهـا قـبـل بـعـدهـا...)

+


رفعت شروق وجهها إليه تواجه عينيه الخضراوين ببنيتيها الهائمتين ثم همست بعذوبة أنثوية أطاحت بعقله بعيدًا وبقي 
قلبه سلطان الموقف....

+


(بـحـبـكـ يـا صـالـح...)

+


حينها ورغم ما بينهما من مشاعر قوية وتفاهم يفوق الوصف ظهرت بوادر الدهشة على وجهه وعينيه بعد اعترافها الصريح فيما احمرت وجنتاها هي خجلاً مؤكد بإيماءة ناعمة...

+


(أنـا بـحـبـكـ أوي...)

2


لم يرد بكلمات مثلها بل كانت قبلاته المتلاحقة هي إجابته فعادت تغرق بين ذراعيه القويتين بانفاسًا مسروقة بعد هجومه العاطفي الشديد كما سرق نبض قلبها الضعيف من قوة مشاعره الرجولية معها..

+


هيمن عليها بالحب دون كلمة فكانت أفعاله طوق نجاتها من الغرق تشبثت بعنقه بكلتا ذراعيها تدعم نفسها من السقوط غرقًا في
في أمواج عاتية كان هو سببها...

+


يكفيني أن أغرق معك صدقني أقبل الضياع طالما أنه معك وبين ذراعيك...

+


فاقت شروق من شرودها بتلك الليلة المميزة واعترافهما الخاص حين اعتقل صالح خصرها بكلتا ذراعيه هامسًا بتجهم طفيف قرب أذنها

+


"إيه اللي طلعك هنا؟... "

+


أغمضت عينيها وظلت بلا حراك ثابتة مكانها تستريح بظهرها على صدره العريض النابض فيما عطر العود يداعب أنفها بقوة همست وهي على هذا الوضع الحميمي...

+


"اتأخرت في النزول... قولت أطلع لك 
ونفطر سوى..."

+


همس صالح بهيمنة سرت معها رجفة في جسدها كله...

+


"ومقولتيش ليه إنك هتطلعي... كنا مع بعض قبل الفجر..."

+


تخضبت وجنتاها وهي تفهم قصده فقالت بتلعثم...

+


"طلعت في دماغي نفطر هنا..."

+


شهقت شروق بعد أن قرص خصرها اللين بخفة لكنها آلمتها قليلًا فيما تابع هو محذّرًا...

+


"طب يا شاطرة...آخر مرة تعملي اللي يطلع في دماغك..."

+


عبست ملامحها سائلة...

+



        
          

                
"والمفروض أعمل إيه؟"

+


أدار وجهها إليه دون أن يجعلها تستدير 
قائلاً بخشونة...

+


"اللي يطلع في دماغي أنا... عندك اعتراض؟"

+


زمت فمها بعناد...

+


"أكيد آه..."

+


ارتفع حاجباه منتظرًا المزيد فتراجعت بجبن قائلة بتنهيدة قانطة...

+


"يا ربي... حكم القوي على الضعيف..."

+


استنكر صالح جملتها قائلاً بنظرة مداعبة...

+


"مين دي اللي ضعيفة؟... ده إنتي جننتيني إمبارح... كلمة واحدة منك طيرت عقلي..."

1


عضت على باطن شفتيها وهي تحاول التملص منه....

+


"صـااااالـح... متفكرنيش بقى..."

+


لم يسمح لها بالفرار وظل مكانه يعتقل خصرها من الخلف وهي تستريح بظهرها على صدره في احتواء عاطفي يحتاجانه معًا...

+


فهي تراه سندًا لها الحائط الذي لا يميل فيما يراها هو وطنًا يسكنه... فرصة للحياة جاءت بعد موت !...

2


أعاد صالح بإلحاح كشاب في مقتبل العمر يعيش قصة حب لأول مرة....

+


"بس أنا عايز أفتكر... كنتي بتقولي إيه قبل
ما تطيري عقلي..."

5


تأوهت قائلة باستحياء...

+


"بعد الشر عليك... إنت لسه بعقلك..."

+


ضاقت عيناه وهو يستند بذقنه على كتفها قائلاً...

+


"أشك... جوبيني... كنتي بتقولي إيه..."

+


عضت شروق على شفتيها وهي تنظر إلى السماء التي بدأت تضيء قليلًا وقالت بعد تنهيدة...

+


"إنـي بـحـبـكـ...."

1


مرغ أنفه في عنقها يشم عطر غسولها المنعش الذي اعتادت استعماله دومًا سائلاً بصوتٍ أجش....

+


"وإيه كمان؟... سمعيني غيرها..."

+


اختلج نبض قلبها أكثر وهي تبوح بمشاعر أنثوية فياضة....

+


"إنـي بـحـبكـ أوي يـا شـيـخ... وإنـك كـل حـاجـة لـيـا... وإنـك أجـمـل عـوض 
شـافتـه عـنـيـا..."

+


ضمها إليه أكثر فارتاحت هي إلى صدره برأسها تنظر إلى أشعة الشمس التي بدأت تتسلل من مكان قريب فيما هو يهمس لها بصوتٍ غلبه الحب....

+


"وانـتـي أحـلـى حـاجـة يـا شـروق كـان 
ربـنـا شـايـلـهـا لـيـا بـعـد صـبـر سـنـيـن... 
يـا ضـعـيـفـة..."

1


قرصها مجددًا بخفة من خصرها اللين فضحكت ضحكة أنثوية رنانة معها همس صالح بصوتٍ عذب خاص....

1


"وطـلـع الـشـروق..."

+


وبالفعل ظهر الشروق ينتشر في السماء بخطوط ذهبية رائعة شاهداها معًا وهما يتعانقان بتلك الطريقة والحمام خلفهما 
يأكل الحب هادئًا مسالمًا...

+



        
          

                
لوحة فنية رائعة أبدع في تجسيدها الحب فجعل منها صورة حية لمشاعر تزدهر مع 
كل يوم يمر بينهما...

+


جلسا معًا على البساط النظيف ثم كشفت شروق عن صينية الإفطار فارتفع حاجب 
صالح فورًا مندهشًا معقبًا....

+


"فطير مشلتت؟!..."

+


ضحكت شروق وهي تؤكد بحرج...

+


"نفسي راحت له أوي، فخالتي الله يبارك لها عملته ليا امبارح... وشلت منه في الفريزر والصبح سخنته عشان نفطر بيه..."

+


أخذت لقمة من الفطير الغارق في السمن البلدي وغمستها في العسل ثم قربتها من
فمه....

+


لم يعترض كثيرًا فالعسل الأسود إن لم تأكله بعجلة ستنال عقابك... وهو لا يريد أن يتسخ جلبابه الأبيض الناصع فهذا ليس مبشّرًا في بداية اليوم...

+


مضغ الفطيرة الساخنة الشهية التي تحتوي على كمية لا بأس بها من السمن والعسل...

+


وضعت شروق لقمة من الفطيرة في فمها أيضًا بعد أن غمستها بالقشطة ثم أغمضت عينيها تستلذ بمذاقها الغني قائلة...

2


"بذمتك يا صالح... مش ده أحلى فطار
ناكله سوا؟..."

+


زم فمه معترضًا وهو يقول...

+


"تقيل يا شروق... تقيل أوي.... هنزل الشغل إزاي بعد الأكلة دي..."

+


مدت له لقمة أخرى مغموسة بالقشطة وهي تقول....

+


"ولا تشغل بالك... هيتهضم قبل ما توصل المصنع..."

+


أخبرها صالح عابسًا....

+


"ممكن يعملي حموضة... الحاجات دي بتعملي حموضة..."

+


توقفت تفكر ثم قالت بتذكر...

+


"بيقولوا اللبن الساقع بيضيع الحموضة..."

+


برقت عيناه الخضراوان بعبث صريح معها...

+


"أو حاجة تانية... بتضيع الحموضة أسرع..."

+


اعترضت بتغنج...

+


"صـااااالح... بس بقا..."

+


رسم صالح الجدية على ملامحه قائلاً...

+


"أنا قصدي آخد فوار..."

4


أجفلها الرد فعقدت حاجبيها وهي تراه يضحك بملء شدقيه على ردة فعلها.....

+


تذمرت شروق متمتمة....

+


"إيه الكسفة دي يا شـيـخ..."

+


لم يحبذ صالح الفطور كثيرًا فاكتفى بلقمتين بينما هي أمام الفطير كانت تضعف و تستلذ مع كل لقمة لذلك نبهها صالح بخوف....

+


"كفاية أكل فطير يا شروق..."

+


سألته وهي تمضغ مستلذة الطعم...

+


"خايف وزني يزيد؟..."

+


هز رأسه نافيًا قائلاً بصدق...

+


"معنديش مشكلة تبقي مية كيلو... بس صحتك..."

+



        
          

                
اتسعت ابتسامتها برضا تام بعد جملته فقالت وهي تضع لقمة أخرى في فمها....

+


"الأكل ده بيرم العضم... خد دي مني..."

+


ناولته لقمة من الفطيرة المغموسة بالقشطة لكنه رفض بهدوء....

+


"أنا الحمد لله شبعت... كملي أكلك بس بلاش تتقلي عشان معدتك..."

+


"أوامـرك يـا شـيـخ..."

+


قالتها بطاعة محببة إلى قلبه.....

+


بعد أن أنهت فطيرتين وضعت يدها على بطنها الممتلئة شاعرة بالتخمة وهي تمد ساقيها على البساط بكسل....

1


"مش قادرة أقوم..."

+


نهض صالح وأشرف عليها بنظراته قائلاً بعدم رضا.....

+


"تقلتي وأنا قولتلك بلاش... تعالي ننزل وارتاحي تحت..."

+


نظرت إلى كفه الممتد كطفلة مشاغبة ثم 
هزت رأسها رافضة التحرك....

+


"مش قادرة بجد أنزل..."

+


تأفف صالح مدعيًا الحنق حتى يحثها على النهوض....

+


"أخرتيني على الشغل..خلصي هاتي إيدك..."

+


تقوس فمها للأمام وهي تتشبث في يده ناهضة رغمًا عنها....

+


"مش قادرة... حاسة إني تقيلة..."

+


فلتت شهقة عالية من بين شفتيها بعد أن رأت صالح يحملها في اللحظة التالية بين ذراعيه بخفة وكأنها لا تزن شيئًا... تشبثت بعنقه بصدمة....

+


"صـالح..... بتعمل إيه...... نزلني..."

2


تحرك بها للأسفل قائلاً بمزاج وهو ينزل الدرج بينما هي محمولة فوق ذراعيه....

+


"وزنك فعلًا زاد... إنتي متأكدة إنهم كانوا فطيرتين بس؟...."

+


مطّت شفتيها للأمام والحمرة تغزو وجنتيها حرجًا....

+


"وطبق عسل أسود... وطبق قشطة..."

+


حدجها بوقاحة قائلاً....

+


"محتاجين مجهود جبار عشان يتهضموا..."

+


سألته ببراءة...

+


"إزاي يعني؟"

+


مال عليها يداعب أنفها بأنفه مبعثرًا أنفاسه على صفحة وجهها هامسًا بصوتٍ خافت 
كمن يخبرها سرًا....

+


"لما ننزل هقولك يـا غـزالـة..."

1


ابتسمت بسخرية قائلة....

+


"غـزالـة إيه بقا بعد دا كله..."

1


رفع صالح ذراعيه للأعلى ليحكم قبضته أكثر بعدما مالت قليلًا فتعلقت به شروق بعينين متسعتين...

+


ورد هو على سخريتها بأسلوب طريف....

+


"فعلاً... مفيش غـزالـة بتفطر فطير مشلتت بالعسل والقشطة..."

1


نظرت إليه بغضب...

+


"قصدك إيه؟... "

+


نظر أمامه متابعًا هبوط الدرج....

+



        
          

                
"متخديش في بالك..."

+


سألته متذمرة...

+


"صـالـح... هو أنا بجد تقيلة؟"

+


هز رأسه بسرعة مجيبًا بملاطفة....

+


"إنتي؟!..إنتي غزالة... في غزالة تقيلة برضه؟"

1


تعرقل صالح فجأة بدرجة سلم وكاد أن يسقط على وجهه وهي معه لولا تماسكه في اللحظة الأخيرة فقالت شروق بتبرم...

1


"بتكدب يا شـيـخ؟!"

+


رمقها صالح بغيظ مؤكدًا تلك المرة بصدق....

2


"أدي أخرة المجاملات..."

+


ألجمها الرد فحدجت فيه بذهول نظر إليها
صالح بطرف عيناه كاتم الضحكة....

1


ثم لم تلبث شروق كثيرًا على صدمتها قد انفجرت ضاحكة وهي تدفن وجهها في عنقه فيما هو ابتسم وهو يفتح باب الشقة بالمفتاح ويدلف بها إلى مملكتهما الخاصة حتى يهضما وجبة الإفطار الدسمة.....
.............................................................
أخرجت الهاتف من أسفل وسادتها ثم وصلته بالشحن بعد أن أغلقته أيامًا متعمدة الهروب من اتصالاته والتواصل معه بشتى الطرق...

1


فهي لا تملك ما تقوله بعد رفض والدها القاطع له دون أسباب واضحة...

+


غير مقتنعة بأن ما بينهما قد انتهى بعد حكمه النهائي... حتى وجودهما معًا أصبح مرفوضًا.

+


ياسين ممنوع من الصعود إلى هنا وهي ممنوعة من الخروج أو الصعود إلى السطح حتى لا يتقابلا.... 

1


وحدها الجامعة مسموح لها بالذهاب إليها بسبب اقتراب موعد الاختبارات ومع ذلك لم تخطُ خطوة واحدة خارج الشقة حتى لا تراه.

+


فوالدها يظن أنه يمنعها عنه لكن في الحقيقة هي من تمتنع فليس عندها ما يُقال أو ما يُفعل بعد ما آل إليه حالهما....

+


لذلك كان وجودها في غرفتها منعزلة عن العالم كسجينة أفضل لها من حريتها ورؤيته في حالة ضياع مثلها....

+


صدح هاتفها باتصال منه فاتسعت عينا أبرار مشدوهة وهي تنظر إلى الشاشة المنيرة باسمه....

+


خفق قلبها بشدة متفاعلاً مع اتصاله بشوق العالم فلم تمر ثوانٍ حتى فتحت الهاتف ليبدأ هو اتصالاً لحوحًا بها وكأنها شغله الشاغل....

+


حتى بعد أيامٍ ما زال ينتظر على أحر من الجمر فتح الهاتف وكم تحتويها تلك المشاعر بجنون !

+


فهو يشعرها بأنها العالم بالنسبة له ودونها
لم يبقَ له شيء.....

+


أمسكت الهاتف بين يديها تنظر إليه بعينين تشعّان بالشوق وابتسامة رغم جمالها تقطر حزنًا وعذابًا....

+


فتحت الخط ورفعت الهاتف إلى أذنها فجاءها لهيب أنفاسه المستعرة وهو يصيح باسمها بلوعة الحب....

+


(أبــرار...)

+


حتى في عذاب الحب لذّة نجد أنفسنا رغم المعاناة نستمتع بها....

+



        
          

                
هل نحن مرضى نفسيون.... أم أن الحب هو السادي الذي جعلنا نعشق الخضوع ؟....

+


(إنتي كويسة يا حبيبتي...)

+


تأخر هذا السؤال كثيرًا وكانت هي سبب وصوله إليها متأخرًا.....

+


كاد يجنّ خلال تلك الأيام الطويلة وهي تحرمه سماع صوتها كما يُحرم الجميع رؤيتها وكأن حبهما خطيئة يجب أن يُحاسبا عليها ما تبقى من عمرهما....

+


"أنا كويسة يا ياسين... متقلقش عليا.."

+


(وليه مش بتردي طالما كويسة؟... قافلة ليه تلفونك الأيام دي كلها... -**-...)

+


صاح بتلك الكلمات بصوتٍ جهوري وأطلق سُبّة بذيئة في النهاية لا تعرف لمن يوجّهها بالضبط ولن تسأل حتى لا يسوء الأمر فيكفي جنونه الذي سيصبّه عليها الآن....

+


عاد يسألها بنبرة منفعلة....

+


(هو خد التلفون منك؟...)

+


لعقت شفتيها وهي تجيبه بخفوت...

+


"لا... مخدش التلفون... ومن آخر مرة ما اتكلمناش..."

+


هتف بوجوم.... (وبعدين؟!)

+


سألته بعدم فهم....

+


"هو إيه اللي بعدين؟!"

+


آتى صوته منفعلاً يسألها...

+


(هشوفك إمتى؟... هتفضلي حبسة نفسك في الأوضة؟.... لازم نقعد سوا ونشوف حل...)

+


قالت ببرود....

+


"حل في إيه يا ياسين؟.... بابا مش موافق..."

+


تشدق مصدومًا منها...

+


(ما أنا عارف إنه مش موافق... انتي بقى
إيه رأيك؟..... هتسمعي كلامه؟...)

+


بلعت ريقها بتردد وقالت...

+


"وانت عايزني أعصي أبويا؟..."

+


أخرجته عن طوره فجاء رده ضربًا من 
الجنون مؤكدًا....

+


(آه تعصي طالما ضد مصلحتنا تعصي يا أبرار... أمال انتي ما صدقتي؟...)

+


فغرت فمها بدهشة للحظة ثم قالت ببعض الاتزان الذي يبدو أنه فقده بعد رفض والدها القاسي له...

+


"الأمور مش بتتاخد غصب يا ياسين لازم نصبر شوية..."

+


تشدق بأنفاس لاهثة غضبًا...

+


(أصبر؟!..... لحد إمتى لحد ما يبعدك عني نهائي؟.... ويجوزك غيري؟...)

+


لاحت الصدمة على وجهها بقوة ثم أجابته بجدية مشددة على الكلمات....

+


"بابا مستحيل يعمل كده... بلاش تفكر بالطريقة دي عشان أنا مش عروسة لعبة هتتحرك زي ما هما عايزين... أنا بحبك يا انت ياسين ومش عايزة غيرك... أرجوك اهدى وبلاش تتسرع..."

+


أرجع ياسين شعره للخلف بعصبية يكاد يقتلعه من جذورة وهو يقول بنزق متوعدًا للجميع...

+


(أبوكي لو فضل منشف دماغه معايا... هخطفك وهتجوزك غصب عنه...)

1



        
          

                
شهقت أبرار معترضة على هذا الجنون الذي دغدغ قلبها رغم اعتراضها....

+


"يا سلام!.... انت كمان شايفني لعبة هتعمل فيها اللي انت عايزه؟.... مستحيل أنا مش هتجوز غير برضا بابا..."

+


هتف ياسين بحدة....

+


(يبقى مش هكون أنا... انتي كده بايعة
اللي بينا...)

+


قارعته بصوتٍ أعلى....

+


"وانت كده بتشتري اللي بينا لما أحط راس أبويا في الطين..."

+


حاول إقناعها....

+


(مش هلمسك... هكتب عليكي ونروح نقوله...)

+


جزت على أسنانها بغيظ منه...

+


"انت عايز تقهر بابا... عايزه يموت بحسرته..."

+


أجابها دون اهتمام....

+


(والله كل واحد هيموت في ساعته...)

+


قالت أبرار بضيق....

+


"انت بجد مبقتش طبيعي..."

+


صاح عليها باهتياج....

+


(كله منك انتي وأبوكي... مصعبنها عليا أمال
لو ماكنتش ابن أخوه كان عامل إيه فيا؟...)

+


قالت بتوضيح....

+


"كان ضربك بالنار بعد ما دخل لقاك ماسك إيد بنته وبتبوسها... اللي حصل مش سهل برضه
يا ياسين..."

+


تبرم ياسين متجهمًا....

+


(خلاص يستر علينا ويلمنا في بيت واحد...)

2


ضحكت أبرار باستياء بينما صكّ هو على أسنانه مغتاظًا منها ومن كل شيء يعيقها 
عنه...

+


(بتضحكي يا أبرار؟!.... مشوفتش واحدة في جحودك... قافلة تلفونها بعد المصايب دي كلها... فعلاً حلوفة... بحب حلوفة...)

+


حين انتهت ضحكتها زمت فمها قائلة بعجز حقيقي.....

+


"لم نفسك... عايزني أقولك إيه بعد اللي حصل..."

+


هتف ياسين بنبرة لائمة...

+


(ما تقوليش حاجة.. على الأقل طمنيني عليكي.... انتي وقعتي من طولك وإحنا بنتكلم...)

+


مطّت شفتيها للأمام ساخرة...

+


"وهو اللي كان بينكم ده كلام؟!.... أنا كنت حاسة إن شوية وهيموت واحد فيكم التاني..."

+


ذكرها ياسين بما حدث قائلاً بوجوم....

+


(أبوكي هو اللي قافش فيا ولا كأنه قافش في حرامي وعمال يخبط في الكلام... ولا كأنه شافنا في وضع مخل...)

+


زفرت أبرار مكررة جملتها....

+


"انت ليه مستهون بالموضوع يا ياسين..."

+


صاح بصوتٍ خشن متملك....

+


(عشان انتي مراتي.... مش هعيدها كتير...)

+


قرع قلبها بين أضلعها بقوة بينما تجيب
بتلعثم متأثرة....

+


"مفيش بينا حاجة دلوقتي يا ياسين... ورد فعل بابا كان طبيعي... إحنا فعلاً غلطنا..."

+



        
          

                
هتف ياسين بصلابة....

+


(خلاص يسيبني أصلح الغلط ده ونتجوز...)

+


إجابتها كانت صمتًا فسألها مكفهرًا...

+


(سكتي يعني؟...)

+


تنهدت بحيرة.....مجيبة بعجز...

+


"مش عارفة أقول إيه..."

+


أتى صوته متهكمًا....

+


(عشان أبوكي قافلها بالضبة والمفتاح...)

+


ثم استأنف بنبرة لا تقبل النقاش....

+


(لازم نتقابل يا أبرار... هتروحي الجامعة إمتى؟...)

+


أجابته أبرار بخفوت مترددة....

+


"بكرة... ومش هينفع نتقابل بابا هيوصلني وهيرجعني بعربيته..."

+


تشدق بسخط وأعصابه تحترق كلما شعر بأن عمه يغلق كل الأبواب بينهما بتصرفات مبالغ فيها....

+


(والله ده من إمتى الاهتمام ده...)

+


اعتصرت عينيها بقوة وهي تلفظ اسمه
بتعب....

+


"ياسييييين..."

+


وكأنه لم يسمع نداءها متابعًا....

+


(كل ده عشان ما نتقابلش...)

+


ظلّت صامتة فأضاف هو بخشونة صلبة...

+


(اسمعي....أنا هشوفك بكرة يعني هشوفك اتصرفي... قولي له إنك هتطلعي متأخر 
ولما تخرجي في معادك هتلاقيني عندك...)

+


وقبل أن يسمع اعتراضها أغلق الاتصال....

+


زمت فمها بحنق شديد وهي تنظر إلى شاشة الهاتف بذهول فهذا العاشق المتهور سيُعرضها للمشاكل أكثر من والدها وهي لا تريد ذلك 
على الأقل في تلك الفترة...
...............................................................
في اليوم التالي وبعد أن انتهت من محاضرات الجامعة جلست هي وصديقتها نهاد في القاعة المدرجة الفارغة عليهما وكانتا تتناقشان حول بعض الأمور الهامة في المادة....

+


وكانت نهاد تشرح لها أهم النقاط التي لم تستوعبها أبرار...

+


كانت نهاد جيدة في الشرح معروفة بين زملائها بذكائها الفذ وبأنها نهمة في العلم لا يفوتها شيء إلا وتتبعت خط سيره... لذلك 
كانوا يطلبون مساعدتها في بعض النقاط....

+


سألتها نهاد بعد أن انتهت...

+


"فهمتي يا بيري؟"

+


أومأت أبرار برأسها بعد تنهيدة طويلة وبعينين شاردتين في عالم آخر...

+


"آه فهمت... شكرًا يا نهاد..."

+


تمعنت نهاد في النظر إليها وقالت بشك...

+


"شكلك مش معايا أصلًا... مالك؟"

+


لم ترد عليها أبرار فقد مالت بوجهها إلى الناحية الأخرى بملامح مرهقة حزينة....

+



        
          

                
فهمت نهاد عليها فقالت بمؤازرة وهي تربت على كفها بحنو...

+


"يا بنتي هتتحل إن شاء الله... باباكي راجل طيب وحنين وأكيد مش هيهون عليه زعلكم...

+


وبعدين ياسين مش غريب عنكم دا ابن عمك وهو اللي مربيه... يمكن بيعاند معاكم بس عشان متحفظ على تصرفاتكم مش أكتر..."

+


تشبثت أبرار بالحديث كخيط رفيع من الأمل وسألت صديقتها بوله....

+


"تفتكري يا نهاد؟... "

+


أكدت نهاد بابتسامة ودودة...

+


"أفتكر أوي... ارمي ورا ضهرك وركزي معايا. الامتحانات على الأبواب ومش عايزين تخاذل ولا درجات تجلط... خلينا ماشيين زي ما إحنا."

+


أصابتها عدوى التبسم فردت عليها....

+


"خلاص... اشرحي تاني عشان في كذا حاجة كده وقعت مني..."

+


زفرت نهاد مدعية الإزعاج...

+


"اتعبيني أكتر ما أنا تعبانة..."

+


تشبثت أبرار بذراعها قائلة بتملق...

+


"أعيش وأتعبك يا أحلى دكتورة..."

+


ضحكت نهاد وهي تعيد عينيها إلى الكتاب المفتوح أمامهما...

+


"طب يا دكتورة يا بكاشة... ركزي معايا..."

+


وقبل أن تبدأ نهاد الشرح صدح هاتف أبرار باتصال منه...

+


رفعت أبرار الهاتف بيدها تبرّئ نفسها قائلة بقنوط....

+


"المرادي مش مني... أنا كنت ناوية أركز والله..."

+


التزمت نهاد الصمت بصبر وهي تنظر إلى أسطر الكتاب باهتمام تراجع بعض الأشياء تاركة لها مساحة للرد....

+


"ألـو..."

+


هتف ياسين بعصبية...

+


(إنتي فين... كل ده ما خلصتيش؟...)

+


تململت وهي تجيبه على مضض...

+


"خلصت وبراجع شوية حاجات... في حاجة؟"

+


رد عليها بتجهم...

+


(في حاجات...أنا مستني بره زي ما اتفقنا.)

+


عقدت حاجبيها منزعجة وهي تقول برفض..

+


"بس إحنا ما اتفقناش..وقولتلك مش هينفع..."

+


علا صوت ياسين وهو يخبرها بصلابة...

+


(اطلعي يا أبرار... وبلاش تفرجي الناس علينا. قدامك عشر دقايق لو ما جيتيش هتلاقيني قدامك... واللي يحصل يحصل...)

+


"هو إيه اللي إنت بتقول ده مـ..."

+


صمتت أبرار مرغمة بعدما داهم أذنها رنين الإغلاق وقد قطع الاتصال بها كالمرة السابقة بلا اعتبار....

+


"قفل السكة في وشي..."

+


قالتها بملامح مشدوهة وهي تنظر إلى صديقتها بصدمة...

+



        
          

                
فقالت نهاد بملاطفة...

+


"روحي شوفي عايز إيه... وهديه."

+


أوغر صدرها الغيظ فضربت على سطح المدرج قائلة بعينين مستعرتين...

+


"أهديه!...دا أنا هروح أفتح دماغه...الحلوف بيتعامل معايا زي التور ما بيتعامل مع صاحبه... لما يحب يثبتله إنه بيحبه...
يقوم نطحه... "

1


ثم جمعت أغراضها بسرعة وخرجت بخطوات غاضبة إليه بينما تتابعها عينا نهاد بابتسامة حزينة حتى اختفت عن مرأى بصرها....

+


فعادت نهاد تنظر إلى الكتاب متنهدة بقلب يرتجف بردًا... وقد أصبح الحب يعني لها الضياع حتى الموت...

+


لم يعد شعورًا آمنًا بعد الآن...

+


هل تحولت إلى امرأة نافرة من تلك
الأحاسيس بعدما كانت تبحث عنها بنهم؟
...............................................................
سارت إلى الخارج بخطوات غاضبة حتى رأته ينتظرها أمام سيارته.... توقفت في مكانها لحظات تتأمله بدهشة...

1


كان يقف مستندًا إلى السيارة بظهره مرتديًا طاقمًا عصريًا عبارة عن بنطال أسود وقميص يماثله.... كانت لحيته غير مشذبة وكأنه لم يحلقها منذ أيام أما شعره فكان مشعثًا بطريقة لم تعتدها منه.... ورغم ذلك بدا جذابًا إلى حدٍّ كبير في عينيها...

+


انتبه إلى وجودها ومراقبتها له فنزع النظارة التي تخفي عينيه ليظهر الاحمرار في مقلتَيه والإرهاق البادي أسفل عينيه وكأنه لم ينم منذ آخر مرة رأته فيها....

+


ظلّت عيناه معلقتين بها...

+


تراجع غضبها تلقائيًا حين التقت عيناها بعينيه فانتفض قلبها بين أضلعها بالحنين وفي تلك اللحظة تحديدًا أدركت أنها اشتاقت إليه إلى حدٍّ لم تكن تتصوره....

+


ستظل في الحب تجهل الكثير عن مشاعرها نحوه لكنه سيبقى هو وِجهة الإدراك والحب في حياتها... مرفأ قلبها دون غيره !

+


لم ينتظر اقترابها بل تحرك نحوها يهفو إليها كما ترنو عيناه نحوها بالشوق....

+


أمسك يدها هامسًا بلا مقدمات تاركًا قلبه يحدثها بلغة الحب الموحدة....

+


ــ"وحشتيني يا أبراري..."

+


تسارع نبض قلبها وهي تضيع في جمال اللحظة أمامه...

+


فلقياك يا سيدي أجمل ما تقع عليه عيناي وابتعادك يعني القبح الذي يتعرض له قلبي...

+


نفضت أبرار ضعفها أمامه وقالت بثبات..

+


"ياسين وجودك هنا غلط... أنا مش عايزة مشاكل مع بابا..."

+


اتكأ على يدها بين يديه قائلاً بصوت أجش خافت...

+


"لازم نتكلم يا أبرار.... نشوف حل... مش معقول هنسيبه يتحكم فينا..."

+


قالت بلوعة...

+


"يمكن في حاجة هو مش عايز يقولها..."

+


عاد الغضب يشتعل في صدره حانقًا...

+



        
          

                
"حاجة زي إيه؟.... وحتى لو في حاجة...
من حقي أعرفها !"

+


فقالت بهدوء...

+


"كل حاجة هتبان بالصبر..."

+


اهتاج مزمجرًا بتملّك...

+


"معنديش صبر... أنا عايزك عايز أبقى معاكي وأي حاجة تانية مقدور عليها..."

+


نزعت يدها من يده متراجعة بخطوة للخلف قائلة بارتياع...

+


"ياسين بالله عليك امشي... وبعدين نتكلم..."

+


اشتعلت مراجله أكثر فصرخ بصرامة...

+


"هنتكلم إزاي وفين... وهو قاطع علينا مايه ونور... اركبي معايا نروح نقعد في حتة هادية ونتكلم..."

+


كاد أن يمسك بذراعها فابتعدت عنه برفض قاطع متسلحة بشجاعة وهمية....

+


"مش هينفع... بابا منبه عليا... لا أشوفك ولا أتكلم معاك....وبلاش تمسك إيدي... مش هينفع يكون في تجاوز بينا بعد كده..."

+


ارتسمت الصدمة على ملامحه واستعر غضبًا أشد قائلاً بحدة....

+


"بعد كده؟!.... أبرار إنتي اتهبلتي اللي حصل جاي على هواكي ولا إيه... إنتي ما صدقتي قالولِك ابعدي..."

+


زفرت أبرار بغيظ من طيشه ثم قالت بصبر وهدوء....

+


"يا بني آدم افهم... اتعلم السياسة عشان
تاخد اللي إنت عايزه... العصبية والجنان مش هينفعوا مع صالح الشافعي... دا ممكن يعاند أكتر..."

+


صك أسنانه وهو يعلن مخططه المتهور...

+


"يعاند؟! وعند بعند... هتجوزك وهخلف منك دستة عيال... ويوريني ساعتها هيعمل إيه.. "

+


هزت رأسها باستياء حقيقي فهي تقف بينهما في وسط الحرب ولا أحد يرأف بحالها....

+


"دا مش كلام واقعي... دا جنان رسمي..."

+


أشار لها إلى السيارة بصرامة مصممة...

+


"طب اركبي عشان أوريكي الجنان بجد..."

+


هزت رأسها نفيًا وهي تستدير عائدة نحو الجامعة....

+


"لا مش هركب... أنا راجعة المدرج... سلام."

+


لكنها في اللحظة التالية وجدت نفسها مرفوعة عن الأرض تنقلب الدنيا بها رأسًا على عقب بعد أن حملها على كتفه كأنه يحمل شوال
أرز !....

+


شهقت بصدمة تصيح بغضب وخجل...

+


"بتعمل إيه يا ياسين؟!.... نزلني... الناس"

+


فتح باب السيارة المجاور لمقعد القيادة
وألقى بها داخله ثم أوصد الباب بإحكام
ودلف للجهة الأخرى ليستقل السيارة ويغلق الأبواب مجددًا....

+


"طالما الذوق مش جاي معاكي...يبقى العافية هتيجي !... "

+


ضربته في كتفه بعنف وهي تصرخ...

+



        
          

                
"افتح الباب إيه الجنان ده؟!..بتخطفني
افتح بقولك..."

+


أدار محرك السيارة وهو يأمرها ببرود...

+


"استهدي بالله... واربطِي الحزام."

1


جحظت عيناها بصدمة وغضب...

+


"مش رابطة الزفت... وقف العربية يا ياسين"

+


انطلق بالسيارة بسرعة قصوى حتى لا يلاحظ أحد من حولهما صراخها.... ثم قال ساخرًا....

+


"لو أبويا طلع من قبره وقال لي وقّف العربية... مش هوقفها غير لما نوصل للمكان اللي هنتكلم فيه.... "

+


ضربت زجاج السيارة بعصبية تقول بوجه مشتعل....

+


"مش عايزة أتكلم مفيش حاجة نتكلم فيها... الموضوع خرج من إيدينا إنت ليه مش عايز تفهم؟!... "

+


صرخ ياسين...

+


"مفيش الكلام ده... دي حياتنا وإحنا اللي نحدد عايزين إيه..."

+


ساد الصمت بينهما بعد صرخته ولم يبق سوى أنفاسهما اللاهثة وخفقات قلوبهما المشتعلة...

+


بعد فترة أوقف السيارة في مكان شبه هادئ بعيد عن صخب المدينة ثم استدار إليها بكليته يسألها بنظرة قاتمة قوية....

+


"إنتي بتحبيني ولا لأ يا أبرار؟"

+


حدقت فيه بعينين حانقتين تنوي أن تطعنه بلسانها لكن الرجاء في عينيه بدد قسوتها وأطفأ لهيب غضبها فخرج صوتها مثقلاً بالعاطفة تخبره بصدق...

+


"بموت فيك... والله بموت فيك. بس مش عايزة أخسر بابا... رضاه عني مهم....لازم تحاول تكسبه لصفك... عشاني."

+


اهتز قلبه في صدره كأمواج مضطربة وهو يزدرد ريقه.... أمامها كان الصمت حكاية جميلة يصعب إفسادها...

+


ترقرقت الدموع في عينيها السوداوين مجرته الواسعة تحوي كواكب ونجوم لا يراها سواه ولا يعشقها غيره..

+


"وحياتي عندك يا حبيبي بلاش تحطني في اختيار أنا مش قده... عشاني...."

+


مد يده يمسح عبراتها عن وجنتيها بينما الأخرى تقبض على كفها بقوة هامسًا بصوت أجش....

+


"عشانك... مستعد أعمل أي حاجة....بس أوعديني إنك هتفضلي معايا للآخر..."

+


لانَت شفتيها بابتسامة صغيرة وقالت بهمسة حانية...

+


"لآخر نفس... هفضل جنبك يا ياسينو..."

+


تبادلا النظرات بمشاعر جياشة وقلوب متلهفة للحلم البعيد والذي بدا مستحيلاً لأسباب لم تتضح بعد.

+


لكن اللحظة انقطعت برنين ملح من هاتفه برقم غير مسجل.... فتح ياسين الخط وهو 
لا يزال قابضًا على يدها بخوف أن تفلت...

+


ثم تبدلت ملامحه تمامًا وهو يسأل المتصل عن عنوان المشفى فانقبض قلب أبرار بخوف.

+


أغلق الهاتف وأدار المحرك بصمت نحو وجهة محددة.... سألته أبرار بترقب...

+


"في إيه يا ياسين؟.... مين اللي في المستشفى؟.... "

+


رد بملامح متجهمة ونظرة مشتعلة باللهيب...

+


"أمي... أمي في المستشفى."

+


علت الصدمة وجهها وهي تهتف بهلع...

+


"حادثة؟!"

+


بلع الغصة في حلقه بصعوبة وأصابعه تعتصر عجلة القيادة بملامح مظلمة...

+


"جوزها اعتدى عليها بالضرب..."

11


وضعت أبرار يدها على فمها تكتم شهقتها وعيناها المتسعتان تحدقان في الطريق
الممتد أمامهما بعجز بينما خيم الصمت
الثقيل على كليهما...يتبع

4


                   دهب عطية

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close