رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم دهب عطية
تجلس على المقعد في قلب المشفى الذي وصلا إليه للتو....عيناها معلقتان على باب الغرفة التي دلف إليها ياسين ليطمئن على والدته....
+
فضلت الجلوس هنا في انتظاره فهما يحتاجان إلى مساحة شخصية بعد الموقف المحرج والمهين الذي وجد والدته عليه....
+
والدته التي ضحت به وبوالده وتخلت عنه طوال عمره لأكثر من خمسة عشر عامًا
كانت بعيدة تنتقل من رجل لآخر حتى
انتهى بها الحال إلى هنا على يدي شاب في عمر ابنها من المفترض أنه زوجها يا لبشاعة الموقف وقسوته عليه....
+
تخشى عليه من القادم فهذه الحادثة المفاجئة لا تبشر بالخير
+
خصوصًا بعد أن علمت من الاستعلامات أن والدته هي من أعطتهم رقم ياسين للاتصال به...كان من الممكن أن تتصل بأخيها لكنها
لم تفعل...
+
اتصلت بابنها وكأنه الأقرب إليها ؟!
+
تصرف يدعو للشك في تلك المرأة ويثير القلق بشأنها فهي ليست حسنة النوايا أبدًا لتفعل ذلك دون تخطيط....
+
قوست أبرار شفتيها إلى الأمام مفكرة بعمق أكبر والقلق يعصف في صدرها بلا رحمة...
+
في داخل الغرفة وبعد أن أغلق ياسين الباب خلفه وتركها بالخارج تنتظر....رفع عينيه نحو أمه التي استقبلت نظرته الأولى بحزنٍ وانكسار....
+
ارتفع حاجب ياسين بدهشة وقد تصلب فكه
بغضب مكتوم وهو يُمعن النظر في وجهها المكدوم حيث تظهر آثار الضرب بلونٍ قاتمٍ على خديها وأسفل عينيها تدرجت بين
الأحمر الداكن والأزرق...
+
امتدت كذلك إلى ذقنها وذراعيها تحمل بصمات أصابعٍ غليظة عنيفة بأسلوب همجي
لا يرحم....
+
صك على أسنانه بقوة والغضب يغلي في عروقه ظاهرًا بوضوح مع ارتفاع صوت أنفاسه....
+
"ياسين... شوفت اللي حصلي؟"
+
قالتها عبلة قبل أن تنفجر في البكاء فاقترب منها ياسين وهو يُكوّر قبضتيه بعنف والفجوة السوداء في صدره تزداد اتساعًا نحوها.....
+
رؤيتها على تلك الحال مُهانةً ومضروبة لم يُشفِ غليله كما ظنّ على العكس قد أيقظت فيه شعورًا عميقًا بالحماية نحوها رغبة جامحة في أن يسترد لها حقها من ذلك
الوغد زوجها...
+
وهذا الشعور أزعجه بشدة من نفسه فهو
يعلم جيدًا أنه إن استسلم لها فسيُعيد فتح الباب الذي أُغلق منذ خمسة عشر عامًا...
+
الباب الذي أطبقت هي عليه بيديها وكلما حاول هو فتحه في صغره أحكمت إغلاقه عليه أكثر حتى وضع هو الآخر قفلًا من الداخل وسجن نفسه طوعًا في ظلامٍ
اختاره...
+
إنها تلك العقدة التي يخشاها عمه يخاف أن يعيد فتح الباب من أجلها... أن يُغمض عينيه عن الحقيقة ويقع في الفخ ذاته من جديد..
1
ويبدو أن الاختبار آتٍ لا محالة !..
+
"مين عمل فيكي كده؟.. "
+
طرح السؤال بملامح جامدة ونظرة خالية من أي تعاطف كانت تنتظره منه فارتسمت خيبة الأمل على ملامحها وهي تقول على مضض..
+
"هيكون مين غيره... هيثم الواطي بعد كل اللي عملته عشانه.... "
+
سألها بأسلوبٍ خالٍ من اية مشاعر...
+
"وإيه السبب؟...."
+
قالت عبلة بملامح باهتة كسيرة....
+
"كان عايز فلوس...ورفضت أديله ولما فتش ورايا لاقاهم... فحصلت بينا مشكلة ولما طولت لساني عليه مد إيده عليا..."
+
التوى ثغر ياسين ببسمة ساخرة...
+
"غلطانة... مكنش المفروض تطولي لسانك
على جوزك..."
+
توسعت عينا عبلة بصدمة متشدقة بانفعال...
+
"إنت بتقول إيه يا ياسين؟!.. دا ضربني عشان ما اديتلوش فلوس!"
+
رمقها بنظرة قاتمة غير مبالية وهو يعقب بازدراء....
+
"ما هو أكيد متجوزِك عشان الفلوس... الموضوع مش مفاجأة يعني بالنسبالك..."
4
أثار حفيظتها بعد هذا الرد الوقح فقالت
بحدّة...
+
"اتكلم مع أمك بأسلوب أحسن من كده... أنا مهما عملت لسه أمك... ولازم تقف جنبي..."
+
دس يديه في جيبه مشرفًا عليها بنظرة باردة معلّقًا....
+
"أقف جنبك إزاي؟... أديله أنا الفلوس؟"
+
بلعت ريقها وهي تهز رأسها نفيًا قائلة بضيق..
+
"لأ... طلقني منه... أنا مستحيل أعيش معاه يوم تاني..."
2
"طب ما تطلقي منه... زيه زي اللي قبله... مش جديدة عليكي..."
+
أطرقت عبلة برأسها أرضًا تمسح دموعها المنهمرة قائلة بقهر...
+
"ليه مصمم تجرحني؟...حرام عليك أنا في
إيه ولا في إيه..."
+
لم يتأثر ياسين بدموعها ولم تسيطر عليه بحديثها لذلك أتى الرد البارد منه كالصقيع على العظام.....
+
"مشاكلك تقدري تحليها يا عبلة هانم بعيد عني... أنا مش فاضي للتفاهة دي..."
+
صرخت عبلة بوجهٍ اربدّ من شدة الغضب...
+
"تفاهة؟!...... ضربي وإهانتي تفاهة؟!"
+
نزع ياسين يده من جيبه قائلًا بحدّة
تماثلها..
+
"أيوه تفاهة دي حياتِك... وانتي حرة فيها... تتجوزي تتطلقي... أنا مش هبقى طرف!"
+
اهتاجت وهي ترد بصفاقة غير منتهية...
+
"غصب عنك هتبقى طرف... انت ابني
وأنا مليش غيرك ألجأ له..."
+
تململ ياسين باشمئزاز...
+
"عندِك شكري العزبي روحي له... أكيد
هيطلعك منها بأقل الخساير..."
+
أجابته عبلة وهي تستشيط غضبًا مدعية الأسى ببراعة...
+
"شكري شال إيده من الموضوع... ومش عايز يقف معايا... اتخلى عني..ومليش غيرك إنت كمان هتتخلى عني؟!"
+
هز ياسين رأسه مؤكدًا...
+
"وليه لأ؟!...طب ما انتي اتخليتي عني زمان..."
+
عنيد أكثر مما توقعت لذلك حاولت اللعب بالكلمات ببراعة بعينين نادمتين ظاهريًا
وفي عمقهما جحود فطري...
+
"غلطة وبادفع تمنها... قسوتك وجحود قلبك عليا التمن اللي بدفعه... بس بلاش تقسى عليا المرة دي... أنا محتاجاك يا ياسين... إنت ابني... مهما حصل بينا إنت ابني وأنا أمك... معقول هتتخلى عني؟!"
+
سألها ياسين بفتور...
+
"عايزة كام؟.... "
+
أجابته عبلة بقلة صبر...
+
"مش عايزة فلوس... أنا عايزاك تخلصني منه من الجوازة دي..."
+
سألها بشك...
+
"هو ده بس اللي انتي عايزاه؟"
+
قالت عبلة بتردد...
+
"في حاجة تانية..."
+
رفعت عينيها عليه فرأته في انتظار إبهاره بالمزيد وبالفعل ألقت القذيفة في وجهه...
+
"هيثم مضاني على بيع الشقة بتاعتي وإحنا مع بعض... ومكنتش في وعيي وقتها... ولما حصلت بينا المشكلة وراني العقد بتاعها اللي طلع مكتوب باسمه من سنة وأنا ما عرفتش غير امبارح بس..."
+
سألها ياسين بغضب مكتوم...
+
"يعني إيه؟!"
+
نظرت إليه بطرف عينيها قائلة بلؤم...
+
"يعني أنا مبقاش ليا مكان أقعد فيه... والمفروض هخرج النهارده من المستشفى ومش عارفة هروح فين..."
+
بمراوغة قال ياسين...
+
"عند أخوكي... أكيد لما يعرف اللي حصللك هيقعدك معاه..."
+
جزت على أسنانها بضيق من هذا الفتى الأحمق عديم الإحساس وأضافت بضجر...
+
"أنا كلمته في التليفون وحكيت له اللي حصل رفض يستقبلني في بيته... وقال لي عندِك ابنك شوفيه..."
+
ما زال الشك يملأ صدره نحوها أكثر فسألها مستغربًا...
+
"وليه يعمل كده معاكي؟.. اديني سبب مقنع..."
+
أجابته عبلة ببعض الحرج...
+
"هيثم السبب... اختلس من الشركة مبلغ كبير وعشاني مرضاش يبلغ عنه... واكتفى بطرده وطردي أنا كمان من بيته واتبرى مني بسببه وده قبل المشكلة بأسبوع... عشان كده رافض يساعدني أو يستقبلني في بيته..."
+
ساد الصمت ولم يجد ياسين عنده شيئًا يقال وكأنه أصبح محاصرًا في عنق زجاجة ضيّق وأن الموقف لا يُحسَد عليه...
+
فرغم كل شيء هي أمه وتلك معادلة يصعب حلها !....
+
"سكت ليه؟!....إنت كمان هتتخلى عني؟!"
+
بدأت تضغط عليه تبتزّه عاطفيًا وإنسانيًا...
+
نظر إليها ياسين نظرة صقر وهو يسألها دون مواربة...
+
"ادخلي في المفيد يا عبلة هانم... وبلاش لف ودوران..."
+
برق الخبث في عينيها وهي تصل لمبتغاها قائلة بتلعثم....
+
"أقعد معاك فترة مؤقتة... لحد ما أشوف مكان تاني أمان أعيش فيه... بعيد عن هيثم..."
+
استهزأ ياسين قائلًا....
+
"وهو ناوي يعمل إيه أكتر من اللي عمله؟"
+
أجابته بصوت ضعيف....
+
"معرفش.... كل اللي أعرفه إنه مش ناوي يطلقني... وإني لازم أمشي في سكة المحاكم عشان أخلص منه..."
+
ثم نظرت إليه تستجدي عطفه...
+
"وعلى ما ده يحصل محتاجة أعيش في مكان مضمون... ومفيش غير شقة فاروق... شقتك إنت يا ياسين..."
1
انفعل ياسين رافضًا مبتغاها رفضًا قاطعًا...
+
"تيتة وعمي مش هيرضوا... انتي عارفة كده كويس... دخولك بينا تاني مرفوض... حتى لو مؤقت زي ما بتقولي..."
+
جاشت مراجلها وهي تصيح بغضب...
+
"إنت اللي بتقول كده؟!....سيب الكلام ده ليهم هما... إنت مش عايزني في بيتك؟!"
+
زاد الشك نحوها فهز رأسه يسألها بارتياب...
+
"انتي بتسعي لإيه بالظبط؟!"
+
تبرمت عبلة وهي تقول بحسرة...
+
"هكون بسعى لإيه؟... الظروف هي اللي
خلتني ألجأ ليك...وإنت بتتخلى عني..."
+
أخرج ياسين مبلغًا ماليًا لا بأس به ووضعه على طرف الفراش بجوارها وهو يقول بصلابة...
+
"بالعكس أنا بعمل اللي فيه مصلحتي... زي ما انتي عملتي زمان معايا..."
+
انتفضت عبلة في مكانها تسأله مصعوقة من ردة فعله....
+
"رايح فين يا ياسين؟!... هتسبني في الوضع ده وتمشي؟!"
+
"دي حياتك اللي فضلتيها عليا أنا وأبويا...
اللي مات بحسرته بسببك... حلي مشاكلك بعيد عني أنا مش ملزوم ألمّ من وراكي..."
+
صرخت عبلة باسمه وهي تنهض من مكانها خلفه....
+
"يا سييييين !..."
+
"يا سييييين !.... هتسبّني هنا؟! هتسبني أترمي في الشارع؟!..... يا سيييييين... "
+
بدأت عبلة تنادي عليه بهستيريا تتفوّه بتلك الكلمات المبعثرة... يجب أن يعود فهو مفتاح دخولها لهذا المنزل وتواجدها بينهم من جديد بصفة ثابتة لا تتزعزع !....
+
ركضت أبرار خلف ياسين وعبلة خلفهما تقف مكانها عند عتبة الباب تشيّع رحيله وهي تتفوّه بنفس الكلمات باكية....
+
قالت أبرار بعد أن ألقت نظرة أخيرة عليها وهي منهارة عند الباب...
+
"ياسين... إيه اللي حصل؟ وليه مامتك بتقول كده؟.... ياسين اقف فهمني..."
+
رد بملامح جافية...
+
"نتكلم في العربية..."
+
في السيارة أخبرها بكل شيءٍ حدث في الداخل وحين انتهى من الحديث عقّبت
أبرار بنظرة لائمة....
+
"مكنتش أعرف إن قلبك حجر كده..."
+
شعر ياسين بالاختناق وهو يضرب على عجلة القيادة بعجز وغضب قائلًا....
+
"إنتي مش فاهمة حاجة يا أبرار... دي"
+
قالت أبرار بشفقة....
+
"دي مامتك وفي أزمة حقيقية ومحتجاك جنبها ليه تتخلى عنها؟....بترد اللي عملته
فيك زمان؟!"
6
أظلمت ملامح ياسين ساخرًا من تفكير الصغيرة وهو يعقب بنبرة مثخنة بالجراح..
+
"أرد إيه؟!.... إنها سابتني وأنا صغير وراحت اتجوزت؟... أرد موت أبويا بحسرته وهو بيسمع أخبارها وجوازاتها اللي ما بتنتهيش؟ أرد نظرة أبوكي وكلامه عنها مع كل مشكلة بتحصل بينا؟..... ولا نظرة الناس وكلامهم؟
أرد إيه بالظبط؟!"
+
أسبلت أبرار عينيها بحرج فهي بحديثها غرزت النصل في جرحٍ متقرح منذ سنوات يعاني منه....
+
"إنتي مش فاهمة حاجة يا أبرار... عبلة مش بريئة... عبلة بتخطط لحاجة... والحاجة دي هي شراكتي مع أبوكي في المصنع وسلسلة المحلات... هو ده اللي عايزة توصله... "
+
أحسنت أبرار الظن وهي تقول بتعاطف...
+
"ويمكن تكون فعلاً ظلمها... واللي حصل معاها حقيقي مش تأليف منها... وإنها فعلاً عايزة تخلص من الشخص الهمجي ده وبس..."
4
طال صمت ياسين وهو ينظر إلى مبنى المشفى من خلال نافذة السيارة الجالسين فيها....
+
قالت أبرار بنبرة صادقة...
+
"أنا مش هكدب عليك يا ياسين أنا يمكن قلقة أكتر منك... بس إننا نسيبها ونمشي بعد اللي انت عرفته منها...مش هينفع... دي مامتك
مهما حصل..."
2
عاد إليها ياسين بنظرة كالرصاصة يسألها باهتياج....
+
"والمفروض آخدها معايا البيت؟! وموضوعنا يتعقّد أكتر ما هو متعقّد؟!..."
+
ارتفع حاجب أبرار بصدمة متشدقة...
+
"مين قال كده؟!.... بابا وتيتة أكيد لما يعرفوا الظروف اللي اضطرتك تجيبها هنا هيعذروك... وبعدين ليه رابط رفض بابا بمامتك؟ هو قالك حاجة؟"
+
زم ياسين شفتيه مستهجنًا...
+
"ده اللي واضح يا أبرار.... مش لازم يقول..."
+
قالت أبرار بحزم...
+
"لسه ما عرفناش أسبابه يا ياسين... بلاش تسبق الأحداث..."
+
أبعد ياسين عينيه عنها ناظرًا إلى بوابة المشفى... جزءٌ منه يحثه على الذهاب
وآخر يطالبه بأمه...
+
وهذا الذي يطالب بأمه صغير وبائس ما زال خلف الباب المغلق ينتظر ظهورها...
+
شعر بيدها الحانية تلامس كتفه فالتفت لها بضياع يطلب منها المشورة بعينيه غير قادر على طلبها بلسانه لذلك قالت أبرار بمساندة حانية....
+
"اعمل اللي عليك يا ياسين... وأنا معاك..."
+
أومأ برأسه بملامح صخرية وهو يعود إلى بوابة المشفى بعينين مترددتين من تلك الخطوة التي سيقدم عليها...
...........................................................
توقفت السيارة أمام المنزل الكبير...
5
وترجلت عبلة ببطء وهي تجر حقيبة سفرها بين يديها....
+
خطت إلى حوش البيت برفقة ابنها بينما
كانت نظراتها تجول في المكان الذي حفظت تفاصيله يومًا وعاشت فيه أكثر من عشر
عامًا....
+
لم ترافقهما ابنة صالح كانت قد سبقتهم إلى هنا.... وهذا أثار في نفسها بعض الارتياب
لكنها سرعان ما تناست كل هذا مركزة
على سعادتها واهدافها القادمة...
+
فالعودة إلى هذا البيت لم تكن سهلة قط...
+
وهو انتصارًا صغيرًا لها في معركة طويلة
تعتمد على الصبر والتأني حتى تصل
إليه....
+
وجودها هنا خطوتها الأولى نحو معذّبها.....
+
توقّفت أمام الباب ثم رفعت رأسها إلى أعلى حيث يقبع برج الحمام مكانه الأثير الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه مهما علا شأنه.
4
"وقفتي ليه؟... غيرتي رأيك؟"
+
جاءها صوت ابنها مشوبًا بالضجر قاطعًا
حبل أفكارها....
+
زفرت بعمق ثم التفتت إليه بعينين غارقتين في الوجوم وقالت....
+
"متقلقش... مش هطوّل هنا كتير. فترة صغيرة... وهامشي زي ما وعدتك."
+
لكنها في داخلها كانت تخفي نية أخرى تمامًا.
هي لن ترحل عن هذا البيت... بل ستنتقل من شقةٍ إلى أخرى....
+
وقد اختارت وجهتها القادمة الشقة التي سيجمعها سقفها بصالح الشافعي !...
2
تحول المنزل الذي كان يعمه السلام والهدوء إلى ساحة حربٍ مشتعلة خلال ساعةٍ واحدة فقط من وصولها إلى شقّة ابنها....
+
اجتمع الجميع هناك فور علمهم بوجودها وكأن حضورها وحده كفيل بإشعال الغضب والنفور
في نفوسهما وفتح صندوق الماضي الأسود
+
كانت عبلة بارعة في تمثيل الحزن والانكسار وساعدتها كدمات وجهها على إتقان الدور تمامًا بدت كامرأة منكوبة لا تجد ملاذًا سوى ابنها الوحيد....
+
جلست على الأريكة صامتة تتابع غضب الجدة وكلماتها اللاذعة بينما صالح يقف على الجانب الاخر متجمد الملامح بنظرة لا تعبر عن شيء
لم يتدخل لم يبدي رفض ولا حتى قبول.....
+
وبالقرب منه وقفت أبرار بجوار شروق
التي غلب عليها التعاطف مع عبلة تمامًا كما تعاطفت أبرار معها حين كانت تستجدي
عطف ياسين في المشفى.....
6
لكن تعاطف شروق كان أعمق... فهي تعرف جيدًا طعم الإهانة وتذكر كم مرة تلقّت المعاملة المهينة ذاتها من (حنش) وكيف كانت تتنازل في كل مرة من أجل ابنتها ومن أجل نظرة مجتمعٍ لا يرحم المطلقة....
1
حتى فاض بها الكيل في النهاية....
+
ولهذا رأت في عبلة صورةً من ماضيها من تلك المرأة التي كانت تتمنى يومًا أن تجد من يقف بجانبها حين تخلى عنها الجميع ولاموها على اختياراتها....
+
وكما لاموها هي ذات يوم تُلام عبلة الآن على ماضيها وعلى تقصيرها الشنيع...
+
يعلو صوت الخالة أبرار بحرقة تنبش في الماضي بمخالب أم مقهورة وتخلط الحاضر
به بلوعة....والكل من حولها يصغي بملامح متحفظة تخفي أكثر مما تُظهر.....
+
"تعيش معاك هنا إزاي يعني؟... إزاي تدخلها بيت أبوك بعد اللي عملته؟... دا هي السبب
في قهرته وموته..."
+
نظر ياسين إلى جدته معتذرًا فهو يعلم أنه يجرحها بهذا القرار لكنه مجبر على القبول فهي والدته رغم كل شيء...
+
"أنا لسه قايلك يا تيتة إنه وضع مؤقت... والظروف هي اللي أجبرتني أعمل كده
هي ملهاش حد غيري..."
1
وبنفس الحرقة عقبت الجدة ببغض...
+
"ليها أخوها تروح ليه... يشيلها في أزمتها..."
+
رد ياسين بصبرٍ...
+
"في بينهم مشاكل... ومفيش عندها غيري..."
+
لاح تعبير الكراهية في عيني الجدة أكثر
وهي تقول بمقت....
+
"يعني إيه مفيش غيرك؟... انت ناسي اللي عملته فينا زمان؟.... دا لحد دلوقتي بنتعاير بجوازتها السودة وآخر المتمة جايبها ليا بالمنظر ده وعايزني أحميها في بيتي من النطع اللي كانت متجوزاه؟"
+
ثم ضربت كفًّا بأخرى وهي تحدج في عبلة بذهولٍ بغيض...
+
"تقعد في شقة ابني؟... على فرشته دا لا
يمكن يحصل أبدًا...."
+
اقتربت منها شروق محاولة تهدئتها وهي تربت على كتفها قائلة....
+
"اهدِي يا خالتي العصبية دي غلط عليكي الضغط هيعلى عندك..."
+
هتفت الجدة بأنفاسٍ لاهثة من شدة الانفعال ووجهٍ أربد بالغضب الأسود....
+
"هو لسه هيعلى؟!... ما هو عليّ وحفيدي قهرني واللي كان كان... بعد دا كله يا ياسين؟ يا خسارة تربيتي وتعبي عليك... "
+
تبادل ياسين النظرات مع أبرار فأومأت له برأسها في حركة مفهومة بينهما....
+
فقال ياسين بعدها بملاطفة محاولًا كسب ودّها....
+
"يا تيتة افهميني غصب عني... أنا مقصدش أضايقك أنا..."
+
قاطعته الجدة مزمجرة بسخط...
+
"مضطر.... قولتها مية مرة من ساعة ما
دخلت... بس أنا بقى يا ابن ابني مش
مضطرة أقبل بواحدة زي دي في بيتي... "
+
نهضت عبلة من مكانها ترفع عينيها مباشرةً إليهما بعد أن فاض كيلها من تمثيل هذا الدور والقبول بإهانتها...
+
"بس أنا مش قاعدة في بيتك يا أم صالح أنا قاعدة في شقة ابني... "
+
نظر إليها الجميع بتحفظ إلا ياسين رمقها بتحذيرٍ قوي فتدخلها الآن لن يكون في صالحها....
+
هاجت الجدة وعلت نبرتها أكثر...
+
"وليكي كمان عين تردي عليا؟!"
+
نظرت إليها عبلة بتعالٍ مجيبة بصفاقة...
+
"مردش ليه؟... ما انتي من الصبح عمالة تبيعي وتشتري فيا جرالك إيه؟ وكأني
جاية آخد بيتك وامشي... "
+
أتى رد الجدة محتدًا...
+
"انتي مش جاية تاخديه...انتي جاية
تخربيه... "
+
التوى فم عبلة باستنكار معقبة ببرود...
+
"مفيش حاجة عمرانة في عيني عشان أسعى لخرابها بالعكس... انتو مش فارقين معايا...
كل اللي بفكر فيه إزاي أطلق وامشي من هنا. يعني فترة مؤقتة...اعتبريني ضيفة تقيلة حبتين.... "
+
جاء رد الجدة لاذعًا...
"لا... عمرك ما هتكوني ضيفة ولا حتى
صاحبة بيت.... والكلمتين دول تضحكي بيهم على ياسين ولا أبرار؟....عيال صغيرة ومش عارفينك قدي لكن أنا مش هنولك اللي في بالك.... مهما سعيتي ليه... "
1
عادت شروق تتدخل محاولة تلطيف الجو وهي تربت على كتف الخالة برفق....
+
"استهدي بالله يا خالتي...الست بتقولك فترة وهتمشي... نقف جنبها لحد ما تعدي محنتها دي على خير..."
+
رفعت الخالة عينيها إليها بنظرة تجمع بين الشفقة والحنو....
+
"اسكتي يا شروق...انتي مش عارفة حاجة..."
+
أكدت عبلة بنبرة حاقدة بعض الشيء وهي تقول....
+
"آه.... نقطينا بسكاتك انتي يا مرات الشيخ صالح....صحيح فاتني أقولك مبروك... بس محدش عزمني... عرفت بالصدفة... "
+
ردت عليها شروق بطيبة...
+
"الله يبارك فيكي... كنت أحب أتعرف عليكي في ظروف أحسن من كده."
+
رفعت عبلة عينيها نحو صالح الذي نظر فورًا نحوهما حين وجهت الحديث إلى زوجته فقالت عبلة إليه ببرودٍ مستفز....
+
"مالها الظروف دي؟... أحسن ظروف حاولي تتعودي على الوضع طالما أنا جيت... أصل وجودي بيضايق الكل زي ما انتي شايفة."
+
تنهدت أبرار بتعب وقد ضاق صدرها من تلك الأجواء المشحونة وكأنها ساحة حرب لا تعرف الهدنة....
+
تقدمت من جدتها هي أيضًا محاولة إقناعها برجاء....
+
"تيتة ممكن ننزل تحت ونتكلم؟...ونسيب
طنط عبلة ترتاح شوية... هي لسه جاية من المستشفى وتعبانة..."
+
نفضت الجدة يد حفيدتها عنها صائحة...
+
"ننزل تحت فين؟....أنا مش هتحرك من هنا غير لما تمشي.... "
+
شعر ياسين بالعجز بينهما فحاول مرة أخرى مستجديًا عطفها...
+
"مش هينفع يا تيتة تمشي... تقعد حتى كام يوم هنا...لحد ما أتصرف أنا وأشوف مكان تاني ليها.... "
+
رفضت الجدة وجاء قرارها الأخير...
+
"مش هيحصل يا ياسين... على جثتي لو باتت ليلة واحدة هنا.... سامعني؟!"
+
"كفاية كده يا أمي... خلينا ننزل ونتكلم تحت. سيبي الضيفة ترتاح..."
+
الصامت منذ البداية تكلم أخيرًا وأسمعها صوته الرخيم الذي اشتاقت إليه....
+
رفعت عبلة عينيها إليه بهيام بينما توسعت عينا الجدة وهي تقول بلوم....
+
"انت اللي بتقول كده يا صالح؟! دا بدل مـ..."
+
قاطعها صالح بنفس الصوت الرخيم الهادئ خالٍ من أي انفعالات....
+
"الكلام مفيش منه فايدة. ياسين راجل وفاهم وعارف هو بيعمل إيه...ومش معقول نتحكم فيه ونقوله يقعد مين في شقته ويطرد مين. هو أدرى بمصلحته... وبعدين. مهما كان دي أمه...."
1
ارتاح قلبها بعد حديث معذبها فقالت عبلة بنبرة متغيرة وكأنها ناعمة متدللة أكثر وقد لاحظها الجميع...
+
"طول عمرك بتفهم في الأصول يا أبو أبرار..."
+
حدجتها شروق ببعض الشك فيما أجابها صالح بصلابة دون النظر إليها مباشرةً...
2
"بفهم في الأصول... وفي معادن الناس كمان. وابنك معدنه أصيل...فلو وقف معاكي وجابك لحد هنا... فعشان هو ابن فاروق الشافعي وتربيتنا إحنا.... "
+
قالت عبلة بلؤم...
+
"وعشان أنا أمه..."
+
استنكر صالح قائلًا...
+
"معتقدش إن ده السبب الأساسي..."
+
قال ياسين فجأة...
+
"عمي أنا عايز أتكلم معاك."
+
أومأ له صالح بتحفظ...
"تمام.... تعالى ننزل تحت نتكلم."
+
ثم نظر صالح إلى أمه قائلًا بهدوء..
+
"يلا يا أمي....."
+
رفضت الجدة وهي تنظر إلى عبلة
ببغضٍ....
+
"بس يا صالح..."
+
فقال صالح بصوتٍ هادئٍ حانٍ...
+
"عشان خاطري يا أمي عديها المرة دي... واصبري...."
+
انفجر غضب الجدة وهي تنقل نظراتها المغتاظة عليهما....
+
"أصبر على إيه؟!....انتو ليه كلكم مستهونين باللي بقوله؟!... دي هي سبب موت ابني إزاي أفتح لها بيتي بعد كل اللي عملته؟ لا واخليها تشاركني الهوا اللي بتنفسه كمان؟! انتو جرى لمخكم إيه؟!.... "
+
سألت ابنها بنبرة غاضبة...
+
"انت بجد موافق يا صالح إنها تبقى هنا؟ وسطنا؟!..."
+
أومأ صالح بملامح صخرية خالية من
التعبير....
+
"هي مع ابنها....وهو متكفل بيها وبوضعها."
+
نظرت الجدة إلى عبلة بكرهٍ. لترى عينيها الخبيثتين تومضان بالانتصار والتحدي....
+
آتَى صوت صالح بنبرة لا تقبل الجدال أكثر...
+
"يلا يا أمي وكفاية كده ملوش لازمة الكلام. خدي ستك يا أبرار وانزلوا....وانتي يا شروق انزلي معاهم.... اعملي الشاي ليا أنا وياسين."
+
قالت شروق بطاعة...
+
"حاضر.... من عنيا...."
+
خرج الجميع من الشقة حتى ياسين وتركوا عبلة وحدها.... وآخر من خرج كانت شروق وقبلها صالح الذي سمع زوجته من خلفه تعرض عليها بعطف..
+
"تحبي أجبلك تاكلي؟... "
+
استدار إليها صالح يناديها بصوتٍ محتدّ بعض الشيء....
+
"شروق... سمعتي أنا قولت إيه؟!"
+
انتفضت شروق في مكانها وهي تلحق به
ثم سبقت خطاه قائلة بطاعة...
+
"أوامرك يا شيخ..."
+
نزلت شروق قبله على درج السلم وهو سار خلفها لكنه توقف بعد جملة عبلة التي قالتها وهي تستند على باب الشقة...
+
"خايف عليها مني؟..."
+
رفع صالح عينيه الخضراوين نحوها وقد ظهرت شرارة الغضب فيهما بعد الهدوء الذي كان يرسمه ببراعة أمام أسرته...
+
"خططك مكشوفة أوي... زي خطط زمان."
+
ادعت عبلة الأسى قائلة بمسكنة...
+
"أنا مبقتش بعمل خطط... معقول مش مصدق اللي حصلي؟.... مش صعبانة عليك؟"
+
أتاها رده الساحق لقلبها وكرامتها....
+
"وليه هتصعبي عليا.... الجزاء من جنس العمل.... "
+
سألته بنظرة صارخة بالعذاب...
+
"لدرجة دي بتكرهني يا صالح؟!"
+
تأكد صالح أن لا أحد على درجات السلم أمامه وأن الجميع قد دخلوا شقته في الطابق الأول بانتظاره....
+
رفع إصبع التحذير دون أن يقطع الخطوات الفاصلة بينهما كذلك هي لم تجرؤ على الاقتراب فالتهور الآن سيكون مجازفة....
+
ثم حذرها بصوتٍ صلب كالفولاذ...
+
"أنا بحذرك لو حاولتي تلعبي في دماغ ابنك أو تأثري عليه بأي طريقة.... أنا اللي هقفلك... ولو حاولتي تضايقي أمي أو بنتي أو مراتي أنا اللي هطردك بإيدي من هنا...."
+
أوغر صدر عبلة بالغضب والغيرة وهي تعقب بضغينة....
+
"بذات مراتك؟... شكلك بتحبها معقول نسيت جميلة بسرعة دي؟.... عجايب... "
+
زفر صالح مستغفرًا ثم ردد الدعاء الذي يتعلق بلسانه تلقائيًا وهو ينظر للأعلى بسأم....
+
"يا الله يا ولي الصابرين...انتي بجد مريضة."
+
ولم يطل الوقوف أكثر إذ هبط الدرج بخطوات واجمة تاركًا إياها خلفه تشيع رحيله بضيقٍ مكتوم متمتمةً باعترافٍ خرج من صميم
قلبها المطعون بحبه.....
+
"مريضة بيك.....ومش هرتاح غير لما تبقا معايا.....معايا انا....انا وبس......"
1
أغلقت عبلة الباب خلفها ثم التفتت تتأمل شقتها... الشقة التي لم يطلها التغيير وكأنها عالقة في زمن مضى لم يجرؤ عليه النسيان.
+
احتفظت بعبق فاروق الذي دفن أسفل التراب منذ أكثر من عشر سنوات....وبطفولة ياسين التي بالكاد تتذكرها.... كما احتفظت بصورتها القديمة... تلك المرأة الساخطة على زوجها وابنها وحياتها الرتيبة الخالية من الشغف...
+
امرأة خانت زوجها بمشاعرها تجاه أخيه
الأصغر سرًا وحين عجزت عن نيل ما أرادت طلبت الطلاق ثم راحت تتنقل بين رجلا واخر
أكثر شباب واصغر سنًا.... تاركه خلفها سمعةً ملوثة تطارد الجميع....
+
جالت بنظرها في المكان بعينين تلمعان بالمكر وتمتمت بخبث....
+
"اللي معرفتش أعمله زمان... بقى سهل أعمله دلوقتي حتة البِت دي مش هتستعصى عليا..."
1
ثم تابعت كلامها بعد لحظة تفكير...
+
"بس الأول لازم أجيب قرارها... عشان أعرف أنا بتعامل مع مين...."
................................................................
في الطابق الأول حيث الشقة التي يقطن بها صالح مع زوجته وابنتها كان يجلس ياسين في غرفة الصالون بانتظار دخول عمه حتى يتحدث إليه.....
+
لا يعرف تحديدًا من أين سيبدأ ولم يرتّب أفكاره بعد كل ما يعرفه أنه يجب أن يأخذ خطوة حاسمة في موضوعهما ولا يستسلم لرفضه حتى وإن تكرر على مسامعه مرة أخرى....
+
دلف صالح إليه وأغلق الباب خلفه ثم تنحنح بخشونة وهو يقترب من المقعد.
+
رفع ياسين عينيه إليه... لعمه هيبة لا تخطئها الأعين وحضوره له شكيمة القبائل. أحيانًا يتمنى أن يكون مثله....
+
"خير يا ياسين... قولت إنك عايز تكلّمني."
+
"أبـرار..."
+
بجرأة نطق اسمها فهي مركز الحديث ومحوره كما هي دومًا في حياته....
+
تجهم وجه صالح وتوحشت نظراته بغيرة الأب على وحيدته وهو يسأله....
+
"مالها أبـرار؟.... "
+
هتف ياسين ببسالة.... "عايز أتجوزها."
+
تحدّث صالح بنظرة حاسمة...
+
"إحنا اتكلمنا قبل كده....وردي عليك أنت عارفه... أكيد مش عايز تسمعه تاني."
+
بجسارة رد ياسين مجادلًا...
+
"عارف ردك بس معرفش أسبابه... وده حقي يا عمي أعرف السبب اللي خلاك ترفضني."
+
أجابه صالح بخشونة...
+
"أبرار لسه صغيرة... والحب والارتباط هيعطلوها عن مستقبلها.... "
+
عزم ياسين النية قائلًا...
+
"مستعد أستنى لحد ما تخلص دراستها بس توافق على كتب كتابي عليها."
+
ارتفع حاجب صالح بدهشة وقبل أن يعلق على الحديث دلفت شروق وبين يديها الصينيّة...
+
"الشاي..." قالتها وهي تقترب منهما.
+
نهض صالح وأخذ منها الصينيّة قائلًا بصوتٍ هادئ....
+
"تسلم إيدك يا أم ملك..خدي الباب في إيدك."
+
ابتسمت له وهي تومئ بطاعة ثم تحرّكت مغادرة لتغلق الباب خلفها....
+
"شـروق !... "
+
بعد أن أغلقت الباب وجدت من يسحبها بقوة إلى ركنٍ ما كادت شروق أن تسقط على وجهها لولا تداركها للموقف وهي تنظر إلى أبرار شزرًا قائلة من بين أسنانها بغيظ...
+
"في إيه يا بت؟...قافشة حرامي ما براحة.. "
+
سألتها أبرار بخفوت يشوبه التوتر...
+
"بيقولوا إيه جوه؟.... أوعي يكونوا مسكوا
في بعض... "
+
هزّت شروق رأسها قائلة...
+
"مفيش الكلام ده... بيتكلموا عادي."
+
سألتها أبرار وهي تنظر نحو الباب المغلق عليهما...
+
"بيقولوا إيه يعني؟....مسمعتيش حاجة؟"
+
مطت شروق شفتيها واجمة...
+
"لأ... أول ما دخلت بطلوا كلام."
+
علت ملامح الإحباط وجه أبرار وهي تعود بعينيها إلى الباب بأعصابٍ تحترق لتجد
شروق تتابع بخبثٍ أنثوي...
+
"بس سمعت كلمتين كده... تقريبًا ياسين عايز يكتب الكتاب... على مين بقى...مش عارفة."
+
تجهّم وجه أبرار وهي تقول بحدة...
+
"هيكون على مين.... أكيد عليا..."
+
ضحكت شروق غامزة لها...
+
"يا واثق انت... "
+
عادت أبرار إليها بعينين واسعتين وقد استوعب عقلها للتو كلمات شروق...
+
"انتي بتقولي كتب كتاب؟"
+
أومأت شروق بتأكيد...
+
"ده اللي سمعته منه..."
+
سألتها أبرار بقلق....
+
"طب وبابا كان رده إيه؟"
+
أجابتها بتبرم...
+
"سكت أول ما شافني دخلت."
+
خلف الباب كان الحديث بينهما يأخذ منحًى أكثر جدية حيث عقب صالح مستنكرًا...
+
"كتب كتاب مرة واحدة؟.... طب اقنعني بخطوبة... "
+
ومض الأمل في عيني ياسين وهو يقول بلهفة....
+
"شوف انت عايز تعمل إيه يا عمي وأنا معاك المهم توافق... أنا شاريها ومش عايز غيرها."
+
طالت نظرات صالح إليه دون تعبيرٍ صريح حتى شعر ياسين أن الرفض الثاني قادم لا محالة....
+
مال صالح للأمام قليلًا وهو يتحدث أخيرًا بعد صمتٍ استنزف صبر الآخر....
+
"اسمع يا ياسين.. أنا مليش في اللف والدوران. أنا مش هلاقي لبنتي عريس أحسن منك... أنت ابن أخويا وأنا اللي مربيك... وعارف أولك من آخرك..."
+
ابتسم ياسين وشعر ببعض الارتياح حتى عقب صالح بمخاوفه دون مناورة....
+
"بس اللي حوليك ممكن يأثروا عليك... ساعتها حياة بنتي هتكون مهددة بالفشل... ولو بنتي اتعلقت بحد وفجأة ملقتوش جنبها أيا كانت الأسباب ممكن تضيع مني....
+
وانت عارف الحالة اللي دخلت فيها وقت
وفاة أمها وفقدها للنطق لمدة سنتين... أبرار حساسة أوي... ونفسيتها بتأثر على صحتها وحياتها كلها وأنا معنديش استعداد أخسرها بسبب أي حد... حتى لو كنت انت. ولا مستعد أخد خطوة ناحية موضوعكم اللي ممكن يضرها قبل ما يفيدها."
+
أثناء الحديث نمت الغصة في حلق ياسين وهو يتأكد من ظنونه السابقة التي قالها لأبرار منذ ساعات ولم تصدق حينها....
+
تساءل ياسين بصوتٍ رخيم هادئ...
+
"مين هما اللي حواليّ يا عمي؟... مفيش غيركم... ولو قصدك على أمي فهي عمرها ما كانت جنبي ولا حواليا... الفترة دي بس
وانت عارف الظروف اللي اضطرتني أجيبها لحد هنا... ولازم أقف جنبها لحد ما تعدي محنتها على خير.... انت شايف إني غلط؟"
+
نفى صالح الأمر وهو يقول برصانة...
+
"لحد دلوقتي انت مش غلطان... الغلط الجاي لو سلّمت ليها ودنك... وعصَتك على أهلك وده اللي أمك هتعمله... وأنا وانت عارفين كده."
+
أوغر صدر ياسين بالغضب وهو يقول بضيق..
+
"كلامك معناه إنك شايفني عيل صغير.. مش هقدر أتحكم في حياتي بنفسي... ولا أحمي الست اللي هتشيل اسمي.. "
1
ثم استرسل ياسين مستجديًا عطف عمه
عليه...
"اديني فرصة يا عمي... وأنا هثبتلك إني
مش زي ما انت شايف."
+
أطلق صالح تنهيدة طويلة شاعرًا بالعجز بينهما فكلاهما يضغط عليه وكأن حياتهما وسعادتهما مرهونة بموافقته....
+
"الفرصة اللي بتطلبها هي أبرار... ودي غالية أوي عندي... دي بنتي يا ياسين الحاجة المتبقية ليا من ريحة جميلة... معقول
عايزني أفرط فيها بالساهل؟..."
+
هتف ياسين بنبرة حارة صادقة...
+
"زي ما هي غالية عندك هي كمان أغلى حاجة في حياتي.... أنا بحبها يا عمي ومش عايز غيرها... هي عيلتي وكل حاجة ليا."
+
انعقد لسان صالح تحت وطأة المشاعر الصادقة المتقدة في عيني ابن أخيه الذي تابع بجرأة ووعد صريح...
+
"بلاش تحرمني منها واديني فرصة... وأنا أوعدك إني مش هخيب ظنك... قولت إيه؟"
+
طال الصمت قليلًا حتى تنهد صالح باستسلامٍ حقيقي....
+
"قولت لا إله إلا الله..."
+
ابتسم ياسين وبرقة عينيه سائلًا بلهفة...
+
"يعني موافق أكتب كتابي عليها؟"
+
تجهّم صالح قائلًا بصوتٍ حازم...
+
"مفيش الكلام ده.... انت هتقرأ فاتحة معايا على العهد اللي اتعهدناه دلوقتي وبعد ما أبرار تخلص امتحاناتها هنعمل خطوبة على الضيق لحد ما أشوف هعمل معاكم إيه... "
+
تشدّق ياسين متذمرًا...
+
"خطوبة بس يا عمي؟..."
+
أومأ صالح بنظرة شاخصة وصوتٍ مهيب يملي شروطه بثبات....
+
"خطوبة بس... وهتبقى منفصلة وجدتها هي اللي هتلبسها الشبكة... كمان انت تسلم من بعيد لبعيد... قولت إيه؟"
+
تراجع ياسين محطمًا قشرة الثبات والتهذيب التي يتصنعها أمامه قائلًا بانفعال...
+
"قولت إن ده ظلـ..."
+
عقد صالح حاجبيه عابسًا فتراجع ياسين قائلًا بابتسامة واسعة....
+
"عين العقل... أنا كان نفسي من زمان أرتبط ارتباط شرعي... نقرأ الفاتحة طيب."
2
كبح صالح ابتسامته متشفيًا فيه وهو يرفع يديه ليقرأ الفاتحة معه....
+
ثم بعدها بصوتٍ عالٍ نادى صالح على ابنته التي أتت ركضًا إليه وفتحت الباب تنقل نظراتها بينهما بقلق....
+
"أيوه يا بابا؟..."
+
أشار صالح إلى الصينيّة التي لم يمسسها أحد قائلًا بصوتٍ خالٍ من المرح...
+
"شيلي الشاي وهاتي شربات... ياسين قرأ معايا الفاتحة...وخطوبتكم بعد امتحاناتك."
+
جحظت عينا أبرار بصدمة وفغرت فمها ببلاهة غير مستوعبة ما سمعته للتو...
+
ضاقت عينا صالح بعد صمتها الطويل بشكلٍ مبالغ فيه حتى عقب بملل...
+
"ساكتة يعني؟....شكلك مش موافقة... اتسرعت أنا ولا إيه...."
+
نهض ياسين من مكانه يحثّها على الرد
بوجوم....
+
"لا والنبي فوقي كده وردي عليه... ده بيتلكك..."
+
ارتسمت ابتسامة خجولة على ثغر أبرار وتوردت وجنتاها بحمرة الخجل وهي تُسدل جفنيها نحو الأرض قائلةً بخفرٍ عذب....
+
"اللي تشوفه يا بابا...."
+
نهض صالح من مكانه واقترب منها مقبّلًا جبهتها ثم يدها وأخذها بين ذراعيه مهنئًا بحنانٍ يفيض من عينيه وكلماته....
+
"مبروك يا برتي... ربنا يسعدكم."
+
علت زغرودة حارة من شروق عند دخولها يتبعها دخول الجدة وملك الصغيرة....
+
"ألف ألف مبروك أيوه كده خلي الفرحة
تدخل بيتنا..."
+
نظر إليها صالح مدهوشًا لا يصدق ما سمعه وقد تأجّج الغضب والغيرة في صدره....
+
بينما سألتهم الجدة بصدمة...
+
"في إيه يا ولاد؟....عشان إيه الزغاريد دي؟"
+
أجابتها شروق بفرحة عارمة...
+
"افرحي يا خالتي صالح وافق على خطوبة ياسين وأبرار....."
+
ابتسمت الجدة بسعادة رغم الحزن الجلي
على وجهها وعينيها...
+
"بجد يا صالح؟..... إيه الخبر الحلو ده"
+
اقترب حفيداها منها يقبلان يدها ورأسها فقالت بعينين تلمعان بدموع الفرح....
+
"مبروك يا ياسين... مبروك يا أبرار."
+
ردّا معًا ونظراتهما تتلاقى في بريقٍ من السعادة والحب....
+
"الله يبارك فيكي يا تيتة.... "
+
في الجهة الأخرى اقترب صالح من شروق سائلًا بضيق...
+
"إيه اللي انتي عملتي من شوية ده"
+
رفعت عينيها إليه بتساؤل بريء...
+
"عملت إيه يا صالح؟... دي زغرودة من الفرحة... والنبي أنا ناوية يوم خطوبتهم مبطلش رقص... "
+
زاد وجهه عبوسًا وهو يقول بسطوة...
+
"رقص؟!... وده مين اللي هيسيبك ترقصي"
+
قالت شروق بابتسامة ناعمة....
+
"اي يعني ما هتبقا كله ستات مع بعض..."
+
رفض صالح بصوتٍ مهيب....
+
"لا ستات ولا رجالة...مفيش رقص ولا زغاريد سامعة؟...."
1
تقوّس فمها للأمام بضيق من تسلطه عليها فقالت....
+
"انت على طول كبسني كده؟"
+
صُدم من ردها فقال متعجبًا....
+
"كبسك؟!....... شـروق"
+
رمقته بطرف عينيها عابسة قبل أن ترحل قائلةً بصوتٍ عالٍ للجميع....
+
"أنا هروح أعمل الشربات... "
+
وأمام عينيه المندهشتين غادرت وتركته....
+
غزالةٌ أنتِ وإن شابَ الشعرُ قبلَ لقياكِ فما زال القلبُ في حضرتِكِ رهوانًا يهرعُ نحوكِ بلا وعيٍ ولا حسبان !...
3
وقفت أمام رخامة المطبخ تُعِدّ الشربات بملامح مقتضبة وشفاه مقلوبة بالحنق
والغيظ....
+
"طلعت كبسك يعني؟!"
+
أتى صوته المتسائل من خلفها مما جعل شفتيها تزداد انقلابًا وهي تقول بضجر...
+
"إيه اللي جابك ورايا؟..."
+
وقف خلفها يمطّ الكلمات ويده توضع على خصرها بمداعبة....
+
"قولت أساعدك... يمكن محتاجة حاجة."
+
أبعدت يده عنها مستديرة إليه تواجه عيناه الخضراوين بغضب قائلة...
+
"مش محتاجة...اطلع برا يا صالح وسيبني
في حالي... أنا مخصماك...."
+
ابتسم صالح وهو يرى دلالها الأنثوي يتهادى أمامه ويزداد سحرًا.....
+
"وليه مخصماني؟.... إيه اللي عملته زعلك.. "
+
قالت بعتاب ناعم...
+
"مش عايزني أزغرت ولا حتى أرقص... "
+
أسرها بنظرة عينيه وهو يحرر خصلة من أسفل وشاحها ليلمسها بشوق...
+
"اعملي ده معايا... مش قدام حد."
+
سألته بضعف وقلبها يخفق بقوة في حضرة سيده....
+
"ليه طيب؟"
+
ردّ بصوت هائم وعيناه تلتهمان ملامحها متورطًا في عينيها كما لو كان يكتشف
جمالهما للمرة الأولى....
+
"عشان بغير عليكي... والجمال ده كله مينفعش يفتن حد غيري...."
+
مال عليها يُقبّل وجنتيها وصولًا إلى ثغرها فهَمَسَت باسمه بضعف....
+
"صـالح..."
+
رفع عينيه إليها قبل أن يصل إلى مبتغاه هامسًا بنبرة خاصة لها وحدها....
+
"معاكي... قولي يا شـروق."
+
تعلقت عيناها بعينيه بحب لتقول...
+
"أنا بحبك أوي...وفرحانة أوي إنك مكسرتش بخاطرهم وفرحتهم....كنت عارفة إنهم مش هيهونوا عليك...."
+
ابتسم صالح وهو يستقبل كلماتها الحنونة كمشاعرها نحو ابنته والجميع منذ أن رآها
أول مرة....
+
تابعت شروق بحرارة....
+
"كان قلبي وجعني عليهم... وعلى الزعل اللي كان باين في عينيهم.... خدت بالك فرحوا إزاي؟.... كأن موافقتك ردت فيهم الروح...
ربنا يهديك عليهم ويسعدهم ويتمّم لهم على خير....."
+
ثم تذكرت شيئًا هامًا فقالت ما يجول في خاطرها....
+
"أكيد أمه هتفرح أوي إنها هتحضر خطوبة ابنها معانا..... إيه رأيك أطلع لها شربات وأعرفها؟.... "
+
تجهم وجه صالح فجأة وغابت الابتسامة عن عينيه وفمه وهو يقول بأمرٍ قاطع...
+
"اسمعي يا شروق... طول ما الست دي هنا مش عايز يكون في بينك وبينها أي تعامل."
+
سألته بحيرة...
+
"ليه كده يا صالح؟..... دي شكلها غلبانة.. "
+
بنظرة قوية عاد يأمرها بصلابة...
+
"مش غلبانة يا شروق... اسمعي الكلام من غير ليه.... أنا عارفها كويس وعارف هي جاية هنا ليه.... وبتسعى لإيه.... "
+
عقدت حاجبيها بتساؤل....
+
"طب نورني... وعرفني هي بتسعى لإيه؟"
+
ألجمه السؤال فلم يجد ردًا سوى الصمت... إجابة جعلت القلق يعصف في صدرها....
+
"ساكت يعني؟"
+
أشاح بوجهه عنها قائلًا بنبرة مبهمة...
+
"في حاجات ماينفعش تتقال... السكوت فيها أحسن من الرد..."
+
ثم تركها وخرج من المطبخ بينما بقيت هي مكانها غارقة في الحيرة متوجسة من القادم...
..............................................................
يُخيَّل للمرء حين يُقدِم على الانتحار أنه أنهى كل ما أثقله وأن مشاكله الدنيوية قد لفظت أنفاسها معه كحال من يدهس على قلبه وهو يظن أنه يتصرف بعقلٍ راجح حين يختار الصواب مدّعيًا السعادة بعد تلك الخطوة
حتى يكتشف مع الوقت أنه يموت !...
+
يتجرع الموت في كل لحظةٍ يكذب فيها على نفسه في كل لحظةٍ يجد فيها اختياره المنطقي جحيم حياته...
+
جحيمًا يصعب الخروج منه أو الاعتياد عليه فيصبح محاصرًا كفريسةٍ وقعت في فخ اختيارها بإرادتها.....
+
هذا شعورها المقيت منذ أن أقدمت على تلك الخطوة وذلك الاختيار بالارتباط بغيره علها تُلجم مشاعرها وتُوقف قلبها عند حده....
+
كيف تُوقف قلبًا يهواها سرًا وعلانية؟ وكيف تمنع خفقاتٍ تنتمي إليه دون غيره؟
+
حاولت كثيرًا وفي كل محاولةٍ تجد فشلها في النسيان يسخر منها وكأنها مدمنة أقراصها الوهمية....(أيوب عبد العظيم)...اسمٌ نُقش في قلبها وعقلها سرق راحتها الأبدية...
+
سرقها من نفسها لم تعد كما كانت...حتى
بعد انتهاء كابوس حياتها ما زالت معلقة
في كابوسٍ أبشع يتوغل في عروقها كمرضٍ مميت....
+
الفراق يعذبها والاقتراب أصبح ممنوعًا بعد أن اقتُلعت علاقتهما من الجذور بارتباطها بغيره.
+
هل هي نادمة؟....
+
كل يومٍ تتجرع شعور الندم وترفض الاعتراف بأنها نادمة أشد الندم على انسياقها خلف شيطانها بعنادٍ منقطع النظير....
+
أطلقت زفرةً ثقيلةً من صدرها ومعها نسيت أين هي ومع من أتت...
+
حتى أتاها صوته الرجولي البغيض على قلبها
+
"مالك يا نغومة؟"
+
كيف ترتبط برجلٍ تبغضه؟....إنها لم تعاقب أحدًا غير نفسها...
+
كالعادة دلاله الثقيل يثير في نفسها الاشمئزاز وهذا ظهر في رمادية عينيها الحانقة....
+
"مليش..."
+
قليلةُ الكلام معه... مر شهرٌ على ارتباطهما لا يتوقف عن الشكوى والتذمر أمامها بأنها لا تمنح فرصة لعلاقتهما كلامها قليل.... ردّها جاف..... نظراتها تشع كرهًا غير مفهوم....
+
هل الأمر صعب إلى تلك الدرجة؟
+
أم أن هناك شخصًا يستحوذ على تفكيرها وقلبها جاعلًا من كل المحاولات فشلًا ذريعًا؟
+
"برضو مش مبسوطة؟..وسكته وسرحانه..."
+
زمت فمها المطليّ للأمام وهي تقول ناظرة بعينيها إلى المطعم الراقي من حولها....
+
"قولتلك إني مش عايزة أخرج.... وانت صمّمت..."
+
قال جاسر مبتسمًا بوسامةٍ لا تراها عيناها
أبدًا....
+
"النهارده عيد ميلادي... وحبيت نحتفل بيه سوا...."
+
ظهر التبرم على وجهها وعينيها وهي تقول بسخريةٍ فظة...
+
"من أسبوعين كان عيد ميلادك واحتفلنا بيه ليك كام عيد ميلاد في السنة؟"
+
اتسعت ابتسامته أكثر وهو يقول بعاطفةٍ جياشة...
+
"اتنين... التاريخ اللي في البطاقة وتاريخ أول يوم شوفتِك فيه يا نغومة... وده يعتبر يوم ميلادي.... "
+
لماذا تبدو الكلمات رغم جمالها سمجة وغير مبلوعة بالمرة ؟
+
ماذا به قلبها ينبض بفتور وكأن الكلمات لا تُوجَّه إليها ؟
+
لماذا لا تتحرك شفتيها في ابتسامةٍ صغيرة ولو مجاملةً لشخصه؟
+
من قلة الذوق أن تبقى على حالها هكذا
جامدة الملامح نظرتها فارغة باردة من أي تعبير....هكذا هي علاقتهما منذ شهرٍ مرّ على الخطبة لا يحدث فيها تغيير أو تقدّم....
+
هي في مكانها وهو يحاول معها دون جدوى...
+
بلعت نغم ريقها وهي تعود إلى مشروبها البارد الحلو الذي بات مرًّا كمرارة العلقم في فمها...
كل شيء أصبح بلا مذاقٍ أو معنى....
+
تريد جرعةً مكثفة من أقراصها الفعالة تريد ابن عبد العظيم أمامها الآن حتى تسمع منه اسمها فقط... فقط اسمها وسيعود قلبها إلى الحياة.
+
اشتاقت إلى عناقه اشتاقت إلى النظر في وجهه وعينيه وقبلاته.... من الوقاحة أن
تقولها لكنها اشتاقت إلى قبلاته وأنفاسه الساخنة على بشرتها....
+
كان عليها أن تتريث في اختيارها لا أن تركض كالحمار الوردي إلى حظيرةٍ أخرى وتأكل من حشائشها...ها هي أصبحت محاصَرةً في مكانٍ ليس مكانها !...
+
وضع النادل أشهى وألذّ الأطعمة أمامها...
أصنافٌ إيطاليةٌ تفوح منها روائحُ إيطاليا الدافئة تمتزج فيها نكهات الأعشاب الطازجة والصوصات الغنية.....
+
تحب تلك الأصناف جدًا وطبيعي أن يعرف جاسر ما تفضّله فهي تنشر ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي كغيرها من المشاهير.
+
وللعجب تنظر إلى الطعام بشهيةٍ مفقودة متذكرةً أكلاتٍ أخرى بسيطةً وشعبيةً
تناولتها بصحبة رجلٍ قلبها مدلهٍ بحبه...
+
كان للطعام رائحة ومذاق آخر معه حتى الحديث كان يملؤه الشغف والحب....
+
وضعت الشوكة في فمها تأخذ أول قطعة لحمٍ من هذا الصنف الباهظ الثمن بينما عقلها يعيد عليها مذاق الفول بالزيت الحار... مذاق الكشري بالدقة... ضحكة أيوب ومشاكسته...
+
متطرفةٌ في أفكارها كما هي في حبها له
ولن تلوم أحدًا إن قال عنها ذلك فهكذا هي الحقيقة...
+
أحيانًا السعادة لا تسكن حيث نُكثر النظر
بل تكون في الأشياء التي نعبرها دون انتباه حتى نكتشف مع الوقت أن سعادتنا الحقيقية كانت هناك... معها.
+
رفع جاسر عيناه عليها وهو يقطع قطعة اللحم ليراها شاردةً مجددًا تنظر إلى الطبق باستغرابٍ وكأنها ليست وجبتها المفضلة....
+
"في مشكلة في الأكل؟"
+
هزّت رأسها نفيًا بعد أن نظرت إلى عينيه فقرّر جاسر أن يستغل فرصة النظر والانتباه إليه في موضوعٍ ما...
+
"صحيح آخر الأسبوع ده أنا عندي مسابقة ****..."
+
أخبرها باسم المسابقة المعروفة في مجال الأزياء فهي تُقام كل شهر وتُفسح المجال للمواهب الجديدة.
+
وبالنسبة لجاسر ورغم أنه أخذ فرصته منها أكثر من مرة إلا أنه لا يتوارى عن إظهار نفسه بصورة المصمّم الأفضل في جيله.
+
"كويس... أكيد هتفوز زي كل مرة مبروك مقدّمًا..... "
+
امتلأ صدر جاسر بالزهو كما امتلأت عيناه
وهو يقول...
+
"ده شيء متوقع... بس مش بقولك كده عشان تقوليلي مبروك... أنا عايزك تحضري معايا... تكوني جنبي وتظهري دعمك ليا قدام الناس."
+
ارتفع حاجب نغم وهي تُمعن النظر إليه كأنها نمرةٌ شرسة على وشك الانقضاض....
+
"إنت عايزني جمبك عشان إنت عايز كده...
ولا عشان الناس تشوف كده؟"
+
ردّ ببلادةٍ مستفزة...
+
"مافيش فرق بين الاتنين يا نغومة..."
+
جزّت على أسنانها وهي تمسك السكين التي كانت تقطع بها قطعة اللحم مسكةً إجرامية متأهبةً كي تغرزها في عنقه.....
+
"في فرق كبير يا جسورة..."
+
توسعت عينا جاسر بنشوة بعد تدليل اسمه
ولم يلاحظ الإجرام في عينيها البراقتين وسخريتها اللاذعة في نطقه....
+
أرجع رأسه إلى الخلف منتشيًا بسعادةٍ غريبة
+
"آه... وأخيرًا بليتي ريقي بكلمة... أنا بعد كده مش عايز أسمع غير جسورة..جسورة وبس."
+
تركت السكين بعصبيةٍ على سطح الطاولة محدثةً صوتًا حادًا ثم تأفّفت بضيقٍ واضح فهو من سيقتلها بسماجته غير المنتهية.
+
"مالك؟"
+
سؤالٌ استفزّ أعصابها أكثر فأجابته بما تبقى لديها من صبر...
+
"ماليش..."
+
عاد يسألها بإلحاح...
+
"يعني موافقة تيجي معايا المسابقة؟"
+
رفضت بوجوم...
+
"معتقدش إني هقدر... إنت عارف الشغل."
+
أقنعها جاسر بحرارة..
+
"الوقت بتاعها مناسب وبعيد عن ساعات شغلك....فكري يا نغم... لازم تظهري معايا في حدث مهم زي ده."
+
مطّت فمها لتنهي الحديث بينهما بضغطٍ
على نفسها....
+
"أوكيه هشوف... ممكن نمشي؟"
+
رآها تنهض بالفعل دون أن تسمع رده فقال معترضًا بحزنٍ وهو يقف مثلها....
+
"ليه كده؟..... إحنا لحقنا..ده إحنا لسه ماطفيناش الشمع... "
+
التوى فمها في ابتسامةٍ بعيدةٍ تمامًا عن المرح
+
"نبقا نطفيه مرة تانية... يمكن تفتكر تاريخ تالت لعيد ميلادك."
+
"دمّك خفيف يا نغومة... طب يلا عشان أوصلك...."
+
قالها جاسر ضاحكًا وهو يشير بيده للنادل حتى يأتي بالفاتورة....
+
بينما تحركت هي إلى الخارج شاعرةً بالاختناق بالقرب منه...
+
بعد أن وصلت إلى الفيلا دخلت إلى غرفة والدها لتطمئن عليه فرأته ينعم بنومٍ هنيء بعد أن تناول عشاؤه وأخذ أدويته بمساعدة المرافقة التي لا تتركه طوال النهار....
+
أصبح يذهب إلى الشركة يومين في الأسبوع يباشر فيهما العمل ويضيف خبرته على التصميم....
+
وبالطبع أيوب يتواجد عند وجود والدها وغير ذلك يبتعد عن الشركة وناسها متفرغًا لورشة الخياطة التي فتحها منذ فترة وتسمع أخبارًا جيدة من والدها عن سير العمل معه وطموحه ونجاحه في كل خطوةٍ يخطوها....
+
وتلك أخبارٌ سعيدة فهي مسرورةٌ أنه تخطّى عقدة الماضي وتابع ما كانت تسعى إليه معه...
+
تابع دونها... وتلك غُصةٌ أخرى في قلبها...
+
دلفت إلى الفراش بعد أن أخذت حمامًا باردًا وتخلصت من كل ما يخص تلك السهرة بما
فيها سماجة خطيبها....
+
وضعت رأسها على الوسادة مغمضةً عينيها على صورته هو لتحيا ذكرياتٍ تركت معلّقة بينهما كحبٍّ أضنى قلبها ويأبى الرحيل !...
.................................................................
وصلت إلى القاعة الفخمة التي تُقام فيها المسابقة كانت تسير بجواره رافضة أن تتشبث بذراعه متحججة بأطراف فستانها الطويلة التي تحتاج إلى رفعها قليلًا حتى لا تتعثر.
+
كانت تتألق في ثوبٍ فضيٍّ أنيق يلمع كالنجوم في سمائها طويل وضيق يبرز قوامها له فتحة من الخلف تزينها خطوط من القماش نفسه. وقد صففت شعرها بتسريحةٍ راقية تلائم إطلالتها....
+
لم تُبالغ في وضع الزينة فاكتفت بالقليل منها لتُبرز ملامحها الجميلة....وزيّنت عنقها بعقدٍ ألماسيٍّ أنيق مع خاتم خطبتها الباهظ الذي أضفى على مظهرها لمسةً فاخرة....
+
في الحقيقة كانت لوحة متكاملة للأنثى برُقيّها وفخامتها دون مجهودٍ يُذكر تشع منها الأناقة والجمال...
+
ابنة ذوات كما لَقّبها يومًا حين وقعت عيناه عليها لأول مرة....
+
واليوم يرددها في نفسه وهو يراها تدلف إلى القاعة بصحبة رجلٍ غيره رجلٍ أصبح أحقّ بها منه.....
+
لم يتفاجأ بوجود (جاسر العبيدي) في مسابقةٍ كهذه فهو المعتاد على نيل الجائزة كل مرة لكنّ المفاجأة الساحقة لقلبه كانت رؤيتَها بجواره... حبيبةً وداعمةً له أمام الجميع...
1
تخطت ما كان بينهما بسهولة وها هي الآن تبتسم لذاك الرجل كأنها لم تعرف يومًا
غيره...
+
وكأنها شعرت بأنها تحت سطوة عينَيه رفعت رماديَّتَيها إليه مباشرة فاصطدمت نظراتها به وظهر ذلك جليًّا على ملامحها التي اضطربت متفاجئةً بوجوده وهي تنظر نحو جاسر...
+
التوى فم أيوب بابتسامة ساخرة شديدة القتامة وهو يُقيِّمها بنظرة شاملة من أوَّل رأسها حتى أخمص قدميها المختفيتين أسفل ذلك الثوب الطويل..الضيق... الذي رسم قدَّها الرشيق ببراعة....
+
شعر بالنار تشتعل في صدره غيرةً على أنثى تنتمي إلى رجلٍ غيره....رجلٍ لم يُدرك أن الثوب مُثير عليها....
+
يجب أن يختار له قرونًا تُناسب اللون الفضي الذي ترتديه...
1
أطلق زفرة طويلة محترقة وهو يشيح
بوجهه عنها ليجد ليان تقترب منه بثوبها
الأخضرر الرائع بقصّته المميَّزة وهو أحد تصاميم اليوم التي ستعرضها بنفسها كما أخبرته متطوِّعةً بذلك بفخر....
+
"اتفضل اشرب ده... العرض هيبدأ كمان شوية...."
+
نظر إلى لون المشروب العجيب متسائلًا دون أن يُبادر بأخذه منها....
+
"إيه ده... خمرة؟!"
+
ظهرت الدهشة في عينيها ثم ضحكت قائلة بنفي...
+
"لا طبعًا ده عصير... المكان هنا محترم جدًا ومابيقدّموش حاجات زي دي.... بس ممكن تلاقي ده في المسابقات الكبيرة اللي إن شاء الله هتكون خطوتنا الجاية.... "
+
أخذ أيوب منها الكوب وهو يشم رائحته فوجدها عجيبة نوع فاكهة يجهله تمامًا لذلك وضع الكوب على الصينية مع أول نادلٍ مرَّ
من أمامه....
+
"بقيتي بتتكلمي بصفة الجمع..."
+
زمت فمها بحسرة على تركه للمشروب التي احضرته بنفسها إليه ثم قالت بمُداعبة....
+
"الله... هو إحنا مش شغالين مع بعض ولا
إيه؟... ولا ناوي تنسب النجاح ليك لوحدك؟"
+
رد أيوب بصدق...
+
"أنا أقدر إزاي... انتي ليكي دور مهم في كل تصميم بعمله... "
+
ضحكت ليان برقة قائلة...
+
"شكرًا على المجاملة دي... بس أنا اللي بتعلّم منك وحقيقي كل يوم بتضيفلي حاجة جديدة يا أيوب...."
+
رد عليها أيوب بأسلوب لبق....
+
"انتي شاطرة جدًا يا ليان وكمان موهوبة وإن شاء الله توصلي لحاجة كبيرة في المجال ده."
+
عبست ملامحها قليلًا وهي تُخبره دون
مناورة...
+
"بصراحة يا أيوب... أنا مش عايزة أوصل لأي حاجة غير وأنا معاك. نجاحك بالنسبالي هو نجاحي.... "
+
لم يجد أيوب ردًا مناسبًا لكلماتها التي فاضت بالمشاعر الصادقة فالكلمة عنده وعد والنظرة كذلك وهو لا يريد وعودًا لأحد لا يريد أن يتورّط في عاطفة جديدة كل ما يريده أن يتابع طريقه دون التفاتٍ للمشاعر أو النساء.
+
تكفيه امرأةٌ واحدة... ما زال عالقًا في حبها لا يعرف منه مخرجًا....
+
عاد إليها بعينيه لكن قلبه لم يتركها لحظة واحده....يراها الآن لا تُحيد بنظراتها المشتعلة عنه تتابع كل حركة كل همسة كل بسمة بينهما
تسجلها بعينيها وقلبها يحترق غيرةً عليه...
+
تحركت مقلتاه نحو جاسر الواقف بجوارها
فرآه منغمسًا في حديثٍ مع امرأةٍ تقف أمامه
تقاربها عمرًا شقراء فاتنة ثوبها فاضحٌ بشكلٍ مثير...
+
وخطيبها يحدجها أثناء الحديث بنظراتٍ شهوانية...نظراتٍ يعرفها الرجال جيدًا....
+
صكّ على أسنانه والغضب يندفع في عروقه
كحممٍ بركانية يود لو يدقّ عنقها بأقرب حائط
الغبية...أضاعت كل شيء ولم يبقَ بينهما
سوى المرار....
+
انتبهت ليان إلى شروده عنها كثيرًا ما يفعل ذلك تحدثه فلا يرد لكن هذه المرة الأمر مختلفة...
+
إنه ينظر في اتجاهٍ واحد كأن ما يراه هو الحدّ الفاصل بينه وبين الحياة....
+
عضّت ليان على باطن شفتيها بغيظٍ شديد وهي ترى نغم تقف على بعد خطوات تنظر
إليه أيضًا...
+
يتبادلان النظرات معًا وكأن العالم خلا بهما
ولم يبقَ سواهما هنا....
+
لغة العيون بينهما كانت حوارًا طويلًا قاسيًا
جعل كليهما ينفصلا عن الجميع كأنهما داخل فقاعةٍ لا يراها أحد....
+
ارتفع صوت ليان تدعي الدهشة بلطفٍ مصطنع....
+
"إيه ده...مش دي نغم وجاسر العبيدي خطيبها؟....هو معانا في المسابقة مش
كده؟...."
+
أومأ أيوب برأسه دون أن يُبعد عينيه عن عينيها الرماديتين....
+
مما زاد من غيظ ليان وهي تقترح بابتسامةٍ مصطنعة....
+
"طب ما تيجي نسلم عليهم... إيه رأيك؟"
+
لم يرفض عرضها تحرك معها فعلًا نحوهما بينما عيناه ظلت تبتلعانها في ظلامٍ مخيف
+
حتى وصل إليها فوقع قلبها أسفل قدميها وتوترت كل عضلة في جسدها فهو وعينيه القادرتين لهما مفعول السحر...
+
"هاي يا نغم..."
+
قالتها ليان بنبرة لطيفة وهي تصافحها....
+
بلعت نغم ريقها وأبعدت عينيها عنه بالإكراه مركّزةً على النظر إلى ليان أثناء المصافحة وهي تجيب على مضض...
+
"أهلًا ليان... انتي في المسابقة؟!..."
+
كانت تعلم أنه سؤال فارغ لكنها لم تجد غيره مدعيةً الاهتمام بغريمتها....
+
فأجابتها ليان بخبث...
+
"حاجة زي كده... أيوب هو واحد من ضمن المتسابقين... وإحنا شغالين سوا زي ما انتي عارفة فـ... فواحد يعني..."
+
"واحد؟!..."
+
مضغت الكلمة كمن يمضغ علكة مُرّة بعينين تتوهجان بمشاعر يصعب كبحها.....
+
"بالتوفيق يا أيوب..."
+
خصّته بكلمات بسيطة لم تجد سواها فلم يردّ عليها ولم يبتسم وكأنها هواء....
+
فاحمرّ وجهها حرجًا وطرقت رأسها أرضًا بغيظ... لتجد جاسر يتدخل في الحوار بعد
أن أنهى حديثه مع الشقراء...
+
"إيه ده أيوب عبدالعظيم؟! معقول معانا في المسابقة.... إيه المفاجأة دي؟!"
+
نقل أيوب نظراته بينهما ببغض...
+
"مفاجأة وحشة مش كده؟..."
+
تولى جاسر الرد محاولًا دسّ الإهانة بين كلماته...
+
"بالعكس دي خطوة كويسة مع إن المسابقة كبيرة عليك شويتين...والناس هنا ليهم
معايير معينة في الأزياء... بس مش مشكلة أهو بتكسب خبرة أكتر معانا..."
+
ظهرت السخرية في عيني أيوب وهو يقول بطرافة....
+
"طبعًا... أنا ليا الشرف إني باخد من عصير خبرتك..."
+
كبحت ليان ضحكتها بينما تجهمت نغم وهي تنظر إليه...فيما عقد جاسر حاجبيه بتساؤل
+
"إيه..... بتقول إيه...."
+
فأجابه أيوب بنفس السخرية التي نطقت بها ملامحه وببرود...
+
"ما تاخدش في بالك... الواحد عايش عشان يتعلم... وانت كمان لازم تتعلم معانا..."
+
رفع جاسر رأسه للأعلى باعتداد...
+
"لا أنا اتعلمت كتير ودلوقتي جه دوري إني أعلم وأفيد الناس بخبرتي..."
+
نظر إليه أيوب قليلًا قبل أن يقول بجدية متزنة....
+
"في المجال ده مفيش حاجة اسمها اتعلمت واكتفيت... دي موضة يعني كل يوم في حاجة جديدة بتطلع....وحاجات بتكتشفها وتضيف فيها وهكذا..."
+
شعر جاسر ببعض الحرج أمام الفتاتين فقال باستهجان...
+
"بالظبط... طموحك مش بطال يا أيوب لو اشتغلت على نفسك زي ما بتتكلم كده
ممكن تبقى حاجة..."
+
فقال أيوب بنظرة نارية موجّهة إليه...
+
"دعواتك يا جاسر بيه... إنت والآنسة خطيبتك... هو الفرح إمتى صحيح؟!..."
+
شعرت نغم بالدوار في وقفتها من شدّة الضغط التي تمارسه على نفسها بينهما لتجد جاسر يردّ بتشفٍّ غريب....
+
"قريب أوي... ومتقلقش أول المعزومين إنت... إنت غالي عندنا أوي يا أيوب... مش كده يا نغومة؟!"
+
ضحك أيوب بسخرية معقّبًا...
+
"نغومة..."
+
ضغطت على شفتيها بضيق وصدرها يغلي كمرجل ناري ودون أن تنظر إليهما قالت قبل أن تغادر....
+
"عن إذنكم... هروح أظبط الميكب..."
+
تابعها أيوب بنظرة حانقة وهي تبتعد بينما ركّز جاسر حديثه مع ليان مستفسرًا بفضول...
+
"وإيه الأخبار يا ليان.... انتي سبتي الشركة واشتغلتي مع أيوب.... "
+
أجابته ليان باختصار....
+
"لسه في الشركة... وبقيت شغالة مع أيوب."
+
............................................................
وقفت نغم أمام صورتها المنعكسة في المرآة تنظر إلى وجهها المشع بحمرة الغضب والحرج وأنفاسها اللاهثة من شدة اضطرابها وعينيها الغاضبتين المتقدتين...
+
طالت نظراتها إلى نفسها حتى سالت دموعها عنوةً عنها لتجد نفسها تشهق بصدمة وهي تمسح دموعها بسرعة رافضةً الاستسلام لتلك المشاعر المخزية...
+
ليكن معها لا تبالي... كما أصبحت هي مع غيره... حكايتُهما الخيالية انتهت على أرض الواقع ولن يعودا كالسابق مهما تمنّيا ذلك...
+
بعد فترة خرجت نغم من الحمام ترفع ثوبها الطويل بيديها تسير للأمام دون انتباه حتى كادت أن تسقط على وجهها بعد خطوتين من خروجها لكن ذراعًا قوية منعت سقوطها على الأرض الصلبة لتقع بين ذراعيه وعلى صدره العريض...
+
وعطره الجديد النافذ دلّ عليه فجعل قلبها يقرع بجنون شاهقةً وهي ترفع عينيها الحمراوين إليه...
+
لتصطدم بندبة عنقه القاسية ثم بعينيه
الأشدّ قسوة...
+
"أيــوب..."
+
همست نغم باسمه بشفاهٍ ترتجف كمن وجد ركيزته في وسط أمواجٍ عاتية فتشبّث بها بضياع...
+
"إنتي كويسة؟..... عينِك حمرا..."
+
سألها أيوب وهي بين ذراعيه مستسلمةٌ إليه ومرتاحَة لهذا التقارب الذي بات محرّمًا عليها...
+
"كنتي بتعيطي؟..... في حد زعلك؟"
+
تشع عيناه باهتمامٍ حانٍ يجعلها تريد الصراخ متذلّلة حتى يعودا إلى بعضهما !..
+
اشتاقت إليه ولم تعرف عذاب الحب واشتياقه إلا على يديه...
+
فاق أيوب من ضياعه في بحر عينيها الخائنتين وهو يساعدها على الوقوف بشكلٍ جيد مبتعدًا عنها خطوةً واحدة ثم تنحنح بخشونة قائلًا...
+
"خدي بالك بعد كده..."
+
رأته ينوي المغادرة فقالت بغيرة...
+
"رايح فين؟..... هتروح ليها؟"
+
استدار إليها ينظر الى عينيها بعنف مجيبًا بسخط...
+
"ما إنتي كمان رايحة ليه... وجاية معاه...
عايزة إنتي تعيشي حياتك وأنا أفضل
واقف في مكاني؟.... "
+
اندفع الغضب والغيرة في نظراتها وكلماتها وهي تقول بجنون...
+
"بس ليان مش بتحبك... ومحدش هيحبك
زيّ ما أنا حبيتك... "
1
جالت عينا أيوب في المكان الواقفين فيه حتى رأى شرفةً قريبة منهما فسحبها من ذراعها نحوها وسحب ستائرها عليهما
وهو يواجه عينيها بضراوة قائلًا...
+
"واضح إنك بتحبيني أوي... عشان كده
بقيتي مع غيري..."
+
اقترب منها بخطواتٍ بطيئةٍ مخيفة فيما تراجعت هي للخلف حتى استندت على سور الشرفة خلفها ولم يعد هناك مفر من الرد عليه فقالت بوقاحة...
+
"إنت اللي دخلتها بينا من الأول... كان لازم
أرد كرامتي..."
+
وقف أمامها لا يفصل بينهما شيء ودون أن يلمسها مالَ عليها هامسًا بشراسة...
+
"تردّي كرامتك؟... ليه قفشتيني معاها؟!
إنتي بتقولي أي كلام عشان متطلعيش
نفسك غلطانة..."
+
ضربت أنفاسه الساخنة وجهها فعلى نبض
قلبها بشدة حتى كاد يمزق أضلعها وهي
تُغمض عينيها بضعفٍ لثانيتين ومعهما تابع أيوب بازدراءٍ قتلها بعد أن أحيا نبضها بقربه..
+
"بس هي مبقتش فارقة يا حلاوة.. غلطانة
ولا لأ...اللي بينا انتهى...وده قولتهولِك قبل
ما تلبسي الخاتم اللي في إيدك ده..."
+
يلمع الخاتم في الإضاءة الخافتة بين أصابعها ساخرًا منها ومن قرارها الغبي في نسيانه...
+
فتحت عينيها بجسارة تسأله بغيرةٍ وكأنها الأحقّ به عليه...
+
"اللي بينا انتهى؟!....واللي بينك وبينها؟!"
+
صرخ أيوب في وجهها كأَسَدٍ يزأر...
+
"ملكيش دعوة بيه.... خلصت يا نغم
ودموعِك مش هترجع حاجة ضيعتيها
بإيدك..."
+
ارتعشت أنفاسها كما ارتعش صوتها وكيانها وهي تنفي التهمة عنها قائلةً باهتياج...
+
"مين قالك إني بعيط عشانك؟!...إنت مش فارق معايا أصلًا..."
+
التوى ثغر أيوب في ابتسامةٍ جانبيةٍ باردة
وهو يحدجها بعينين قاسيتين تكادان تجردانها من روحها...
+
"لأ فارق معاكي... وفارق قوي كمان زيّ
ما إنتي لسه فارقة مع ده..."
+
سحب يدها فجأة ووضعها على موضع قلبه النابض بجموح والمتأثر بقربها كما حالها...
+
ثم أضاف بصوتٍ أشبه بنصلٍ حادٍّ يقتل الأمل بطعنةٍ واحدة....
+
"بس أنا اللي مبقتش عايزِك... عشان إنتي قليتي اوي مني ومن نفسك... ودخلتِي بينا واحد زي ده..."
+
نزع كفَّها عن قلبه بعنفٍ كمن ينزع اللحم عن الجلد قائلًا وهو يدفعها للابتعاد عنه بمقتٍ
+
"ارجعي لخطيبك..."
+
تماسكت نغم قبل أن تسقط أرضًا وهي تستدير إليه ناظرةً بصدمة إلى ظهره الصلب وذراعيه العريضتين وهو يسند كلتا يديه على سور الشرفة متجاهلًا النظر إليها حتى تغادر
وتتركه وحده...
+
بلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بغصّة البكاء تداهمها بضراوة فتحركت ساقاها للخروج
+
لكن بعد خطوةٍ واحدة وجدتْه يجذبها من ذراعها لتقع على صدره وتُعتصر بين يديه متأوهًا بالقرب من أذنيها بوجع وهو يدفن وجهه في عنقها بشوق مستنشقًا رائحتها شاعرًا بها بين يديه بعد أن فقد هذا الشعور لأشهرٍ طويلة بسببها...
+
تبادلت معه العناق بقوة وهي تشهق بالبكاء مبللة قميصه بدموعها وهي تقول بصوتٍ متقطعٍ شبه متوسل...
+
"أيــوب...خـلــيـنـا نـرجــع.....خـلــيـنـا نـرجــع
يـاحـبـيـبـي.....انـا آسـفـة....آسـفـة..."
+
احتوى أيوب وجهها بكلتا يديه ينهال بنظراته على ملامحها الجميلة وعينيها الحبيبتين ثم مسح دموعها بحنان ومال برأسه ليستند على جبينها بضعف مغلق جفونه بينما كان إبهامه يسير برقةٍ على وجنتها الناعمة كبتلات الورد
+
أغمضت نغم عينيها مثله باستسلامٍ عاشقة غير رافضة قربه منها....
+
لكن هناك من رفضت العودة ووقفت بينهما بالمرصاد حينها هتفت باسمه بقوةٍ كانت بمثابة دلو ماءٍ باردٍ سقط فجأةً وأطفأ مشاعرهما معًا
+
"أيــوب... "
+
ابتعدا عن بعضهما فجأة لا يعلمان من دفع الآخر كل ما يعرفانه أن الحلم تبخر وعادا
إلى كابوس الواقع...
+
نظرت نغم إلى ليان بحدة فقالت ليان بابتسامةٍ مزدرية...
+
"خطيبِك بيدور عليكي يا نغم هانم... معقول هتخليه يستنى كتير؟"
+
تلاقت عيناها الباكيتان بعينيه المظلمتين للمرة الأخيرة قبل أن تغادر وتتركهما معًا...
+
دلفت ليان إلى الشرفة بعد خروجها ثم صاحت باستهجان....
+
"إيه اللي بتعمله ده يا أيوب؟!"
+
رفض أيوب الحديث أو النظر إليها...
+
"ليان.... لو سمحتي سبيني دلوقتي..."
+
احتقن وجه ليان بالغيظ وهي تقول بتهكّم...
+
"مش محتاجة أقولك إن دي مش أخلاق ولاد البلد...إنهم يبصوا لست مرتبطة براجل تاني"
+
زجرها أيوب وهو على حافة الجحيم...
+
"ليــــان..."
+
ارتعدت من صوته فأخذت خطوةً للخلف
وهي تقول بوجوم...
+
"أوكيه... بس ياريت تحصلني المسابقة بدأت وتصاميمك جاهزة للعرض..."
+
سمع أيوب وقع خطواتها تبتعد فأغمض عينيه بقوة وصدره يعلو كبركانٍ يحتضر....
+
مرر يده بعنفٍ في شعره يكاد ينزعه من جذوره لا يصدق أنه احتواها بين ذراعيه
بعد كل شيء فعلته مؤكدًا لها ولنفسه أنه خسر كرامته على عتبتها....
..............................................................
تغيرت أضواء القاعة شيئًا فشيئًا ثم انحصر الضوء الأبيض على الممرّ الطويل يخترق العتمة... امتدّت الموسيقى بإيقاعٍ حماسي يليق بالاجواء القادمة...
+
بدت الوجوه منتظرة بترقّبٍ حارّ...العيون كلها
نحو المنصة....
+
جلست نغم بجوار جاسر في الصفوف الأمامية
كما جلس أيوب بجوار ليان في الصف نفسه
يفصل بينهما مقعدان.
+
كانت تصاميم جاسر قد انتهت منذ دقائق وقد أبدى الجميع إعجابهم بها مع بعض الملاحظات البسيطة لكن كالعادة كان هو الأفضل في نظر الحاضرين والحكّام....
+
ولم يبقَ سوى مصممٍ واحدٍ أخير جديدٍ في عالم الأزياء وهو( أيوب عبد العظيم)...
+
نطقت مقدمة الحفل اسمه ثم نزلت من على المنصة لتبدأ تصاميمه بالظهور على عارضات الأزياء...
+
بدأ الجميع بالتدقيق في التفاصيل تتلألأ أعينهم ببريق من الإعجاب مع كل تصميمٍ مميزٍ يظهر على المنصة...
+
ظهرت أولى العارضات بخطواتٍ ثابتةٍ متقنة كانت ترتدي فستان من اللون الازرق الفاتح كالبحر في صفاءه....
+
كان الفستان ضيّق من الأعلى يبرز جمال الكتفين وصدرًا مفتوحًا على شكل قلب تتلألأ حوله حبات لامعة كأنها ذرات ثلجٍ صغيرة.....
+
يمتاز الفستان بكمين طويلين من قماشٍ شفافٍ ينسدلان من الكتفين حتى الأرض يمنحانه مظهرًا ملكيًّا يشبه العباءة الخفيفة واللون الأزرق اللامع يعكس الضوء فيبدو الفستان كأنه موجةٌ من بحرٍ صيفيّ......
+
ظهرت العارضة الثانية بثوب أكثر فخامة وتميز من الأول مصنوع من قماشٍ أسود ثقيل واسع من الأسفل على هيئة تنورة ضخمة تتفرّع إلى طبقاتٍ عريضةٍ تلامس الأرض.
+
يتوسّط الصدر كورسيه مستقيم بلا أكمام يلتصق بالجسم حتى الخصر بإتقان ثم ينفتح الفستان بانسيابٍ واسعٍ من هناك يتخلله شقّ أمامي طويل يُظهر الساق بخفرٍ وأناقة....
+
تغطي القماش زخارف فضية متشابكة كأغصانٍ دقيقة تمتد على كامل المساحة تمنحه لمعانًا يشبه انعكاس القمر على سطحٍ داكن....
+
ظهرت العارضة الثالثة والتي كانت ليان على المنصة تقدم الثوب الأخير...
+
كان فستان سهرة أنيق بلونٍ أخضرٍ زمردي تحيط به تطريزاتٌ ناعمة من الخرز اللامع تمتد حتى الخصر...ينسدل القماش من هناك في طبقاتٍ متدرجةٍ واسعة كل طبقة تطوي ما تحتها بانحناءةٍ مرنةٍ كأمواجٍ متتابعة....
الذيل ممتدّ خلفها باناقة يترك أثرًا لونيًّا باهرًا مع كل حركة....
+
حين أُغلقت الإضاءة وانتهى العرض تبددت الدهشة على وجوه الحاضرين إلى إعجابٍ وتشجيعٍ وهم يصفقون بحرارةٍ بعد انتهاء العرض وكان ذلك نادرًا ما يحدث في مثل
هذه المناسبات...
+
لكن يبدو أن التصاميم نالت إعجابهم بشدّة....
+
احتقن وجه جاسر غيظًا وغيرة وهو ينظر نحو أيوب الذي كان ينتظر نظرته على أحرّ من الجمر ليرسل له التحية واضعًا ساقًا فوق الأخرى بثقةٍ واضحة....
+
رأت نغم حركته والزهو في نظرات عينيه لكنها لم تُبالِ بتلك المنافسة أو مع من ستكون الجائزة
+
كان كل ما يشغل فكرها ويحرق قلبها هو رؤية ليان وهي تعرض أمام الجميع تصميمًا يخصّه صمّمه هو بيديه وارتدته هي ببساطةٍ...
+
أطبقت على أسنانها وهي تشيح بوجهها
بعيدًا عنه وفعل جاسر مثلها والغيرة والحقد يتشبعان منه نحو هذا الأيوب الذي أتى من العدم ليهدم سنواتٍ من الشقاء والمعافرة....
+
فقد كان يفصله عن المجد بضعُ خطواتٍ فقط ليُثبت للجميع أنه الأفضل في جيله حتى جاء
أيوب وسحق آماله في طرفة عين...
+
ثم أتت اللحظة الحاسمة وبعد تصويت الحكام والحضور وقفت مقدمة الحفل على المنصة لتُعلن اسم الفائز وكانت الجائزة هذه المرة من نصيبه هو وبجدارة....
+
وكان اسم( أيوب عبد العظيم) كترنيمةٍ عذبةٍ على مسامع نغم التي ابتسمت من قلبها سعيدةً بتلك الخطوة التي خطاها....
+
أما جاسر فكان سماع الاسم بالنسبة له كرصاصةٍ غادرةٍ اخترقت صدره...ظنّ حتى اللحظة الأخيرة أنه هو من سيفوز فتصاميمه التي قدمها لا يُستهان بها.....
+
قال بمرارةٍ مكتومة وهو ينظر إلى نغم...
+
"إنتي بتضحكي يا نغم؟!...... أنا خسرت..."
+
ردّت عليه نغم بجذلٍ استفزّه....
+
"بصراحة تصاميم أيوب مميزة... هو الأحق
بالجايزة عنك...."
+
اشتعلت عينا جاسر غضبًا كأن النار تسكنهما وقال بصدمةٍ مكبوتة..
+
"إنتي بتدافعي عنه كمان....دا بدل ما تقفي في صفي أنا أخسر قدام ده؟!"
+
لم ترد عليه نغم بل أعادت نظرها إلى المنصة حيث كان أيوب يستلم الجائزة وسط تصفيق الحضور وإشادة لجنة التحكيم بروعة تصاميمه....
+
كانت ليان تقف بالقرب منه ترتسم على محياها ابتسامةٌ واسعةٌ وهي تنظر إليه بفخرٍ وهيامٍ لا تخطئهما عين....
+
تلاقت نظراتها بنغم فازدادت ابتسامتها ظفرًا وهي تضع يدها على كتف أيوب في حركةٍ مقصودةٍ تحمل كل معاني الكيد مستعرضةً قربها منه.
+
وما إن التفت إليها أيوب حتى بادرت ليان بجرأة وأحاطته بذراعيها في عناقٍ بدا حارًّا أكثر مما يليق بتهنئةٍ عابرة لكنه كان كافيًا لإشعال قلب نغم التي لم تقدر على إبعاد عينيها عنهما....
3
أصبحت خارج حدود القصة تراها من بعيد كمُتفرجةٍ بعد أن كانت البطلة دون منازع....يتبع
1
دهب عطية
+
الثالث والثلاثون من هنا
