رواية علي دروب الهوي الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الحادي والثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
اخترقت صبا صدره حين عانقته بكل ما أوتيت من قوة، بادلها الآخر عناقًا حار فهُما لم يروا بعضهما منذ أعوامٍ، كانا يُذبيان الجليد التي بُنيته أعوام الغربة بذلك العناق الحميمي.
حتى سقط نظر جلال على ذلك المصدوم مما يحدث أمامه، فلم يمنع ابتسامته من التشكيل على شفتيه، أبعد صبا عنه فتعجبت صبا من إبعاده لها ونظرت إليه بحاجبين معقودان فأشار جلال بعينه إلى عاصم وابتسامته لم تفارق وجهه.
فنظرت صبا حيث ينظر جلال حتى استشفت الأمر ولم تستطع منع ضحكتها أيضًا وبادرت بتعريف بعضهما البعض وهي تُشير بالتناوب بينهما:
_ باشمهندس عاصم، جلال أخويا..
شعر عاصم ببعض الراحة وزفر أنفاسه المتوترة، ثم شكل بسمةً ودودة ورحب به:
_ أهلًا بيك نورت بيتنا..
بادله جلال المصافحة الودية ثم انفجر ضاحكًا وأردف مازحًا:
_ بس أنت يا راجل تسيب مراتك تحضن أي راجل متعرفوش كدا؟
كتم عاصم ابتسامته الخجولة وهو يحك مؤخرة رأسه بإحراج شديد وحاول توضيح الأمر:
_ أنا معرفش حد في عيلة صبا فخمِنت إن أكيد أنت من عيلتها..
غمزه جلال وشاكسه بأسلوبٍ طريف:
_ خمِنت ولا اتمنيت؟
إزداد خجل عاصم الذي تلونت وجنتيه بالحمرة، فبادرت صبا بإنهاء الحوار حتى لا يأخذهم إلى طريقٍ هي ليست بحاجته، حمحمت ورحبت بشقيقها:
_ ادخل جوا، أنت وحشتيني أوي
ربت جلال على ظهرها بقوة وهو يُبادلها الشوق:
_ وأنتِ كمان يا حبيبة أخوكي.. مش متخيلة وحشاني قد إيه، أنا أول حاجة عملتها لما خرجت من الحبس نزلت مخصوص عشان أشوفك أنتِ وماما وبابا..
_ حبس!!
رددتها صبا بصدمةٍ فزم جلال شفتيه بحزنٍ قبل أن يردف:
_ دا أنا شوفت أيام!! أومال مكنتش بعرف أوصل ليكم ليه؟
حدجته صبا بعيون واسعة مذهولة؛ ثم دعته إلى الداخل مُتلهفة لمعرفة ما مر به:
_ تعالى اقعد واحكي لي إيه اللي حصل معاك..
اقترب جلال بخُطاه من الأريكة وجلس أعلاها بتعبٍ ثم أخرج تنيهدة مهمومة قبل أن يبدأ حديثه، لكنه تفاجئ بانسحاب عاصم عندما قال:
_ طب أنا هطلع فوق، خدوا راحتكم.. عن إذنك يا أستاذ جلال، وحمد الله على سلامتك
_ الله يسلمك، بس تطلع ليه أقعد معانا أنت بقيت من العيلة خلاص..
هتفها جلال ليمحي الحرج بينهما ويُشعره بأنهما عائلة واحدة، بينما ألقى عاصم نظرةً علي صبا قبل تم يُبدي رفضه:
_ لا معلش، خليكم براحتكم أحسن..
ثم انصرف سريعًا تحت نظرات جلال المبهمة، فأعاد النظر إلى شقيقته وسألها مستفسرًا:
_ هو ماله في إيه؟
زفرت صبا أنفاسها لتُخبره بالأمر الذي يجهله:
_ أنا وعاصم مش زي ما أنت فاهم، جوازنا صوري.. على الورق بس
_ نعم!!
أردفها جلال مذهولًا وقد ظهرت على تقاسيم وجهه الإستياء الشديد مما أخبرته به وهلل:
_ يعني إيه صوري؟ ودا في شرع مين دا؟
تحولت ملامح صبا إلى الخزي وقالت بنبرة حزينة:
_ هفهمك كل حاجة، بس احكي لي أنت الأول، كنت محبوس ليه؟
شهيقًا وزفيرًا فعل جلال قبل أن يقُص عليها حقيقة ما عاشه:
_ مفيش ياستي أنا ومراتي اتطلقنا، وطبعًا عشان أنا في دولتها ميحقش ليا أخد العيال، فأنا روحت لهم المدرسة واخدتهم من وراها وهي بلغت فيا..
كانت تصغي إليه بدهشة مُشكلة على تقاسميها، وهتفت غير مُصدقة ما يقع على أذنيها:
_ وبعدين، كمل كمل
تابع جلال ما لم يُنهيه من القصة:
_ الولاد ضغطوا على ولدتهم وجت خرجتني بس بشرط مقربش منهم نهائي..
فغرت صبا فاها بصدمة كبيرة تزداد كلما أخبرها شيئًا وأردفت متسائلة باهتمام لمعرفة ما سيفعله:
_ طب وأنت هتعمل إيه؟ معتش هتشوف ولادك فعلًا؟
_ لأ طبعًا، أنا بس أول ما خرجت حسيت إني محتاج لكم ومحتاج أقعد وسطكم أرتب أفكاري كويس وبعدين هرجع تاني وأحاول معاها، ربنا يسهل
قالها جلال ثم دنا بجسده منها وتساءل بجدية:
_ المهم سيبك مني، إيه حوار جوازك الصوري دا؟
اقتربت منه صبا بعد أن تفقدت السُلم وتأكدت أنه خالٍ لا يقف عليه عاصم وسألته:
_ هو أنت متعرفش حاجة خالص؟
قطب جبينه وهو يردد بعدم فهم:
_ حاجة إيه؟ أنا كل اللي عرفته لما نزلت وقابلت أمك وأبوكي إن محصلش نصيب بينك وبين عبدالله والباشمهندس تقريبًا شافك في المستشفى واتقدم لك وكان عايز جواز سريع..
تملك الأسى والتأثر الشديد حيال كلماته عنها ورددت بحزنٍ يُسيطر على صوتها المتسائل:
_ هما قالولك كدا؟
شعر جلال بِثَمة ما لا يعلمه من خلف نبرتها وسؤالها المُبهم وبادرت بسؤالها:
_ هو الموضوع غير كدا؟
انتباتها حالة من الشجن لحظتها، تأثرت بما عاشته وما عرضته عليه ذاكرتها تلك اللحظة، أخذت تتنفس بعض الهواء حتى لا تتأثر نبرتها بما يحدث داخلها وقالت وهي تتطلع في عينيه:
_ ياريتك كنت موجود، مكنتش عِشت كل اللي عِشته دا!
ثم أخذت تقُص عليه ما عاشته منذ تلك الليلة العصيبة إلى يومها هذا تحت صدمةٍ أو لو أنه كان هناك وصفًا أدق لما يعيشه جلال الآن، فغر فاهه محاولًا جمع الكلمات التي هربت فجأة ولم يعرف ماذا يعلق.
فوجد نفسه يسحب يدها ويضُمها إلى صدره بحنانٍ أرغمها على البكاء، وكم من الندم راودها لحظتها، ناهيك ألمها الذي تضاعف الآن وكأنها تعيش تلك الحادثة للتو، بعد فترة؛ تراجعت للخلف ومسحت براحة يدها عبراتها وحاولت الإبتسام وهي تردد:
_ بس كويس إنك رجعت، عشان تسندني في اللي جاي..
رمقها جلال بطرف عينيه فاستشعرت سؤاله وأجابته على الفور:
_ هرفع قضية وهاخد حقي!
تلك الأثناء أغمض جلال عينيه لبرهة قبل أن يعاود النظر إليها من جديد وهو يتساءل عن كل ما جال في خاطره:
_ أنتِ إزاي عشتي كل دا لوحدك؟
ثم تشنجنت عروق عنقه وخرجت نبرته حادة غاضبة:
_ وإزاي بابا مراحش قتل الحيوان دا وقتها وأخد حق عرضك اللي انتهك؟ إزاي استسلم بالشكل دا؟
تساقطت عبرات صبا رغم محاولاتها في التماسك أمامه ورددت بنبرة مهزوزة:
_ أنا عشت أسوأ ليلة عدت عليا يا جلال، ليلة رمتني في بحر عميق ومن وقتها وأنا مش عارفة أخرج منه، ولا مني بغرق وبموت ولا مين عايشة كويس!
إزداد نحيبها وهي تخبره بندمها الشديد:
_ ليلة خلتني أشوف كل حاجة في عيني سودة، فجأة أبويا بقى خايف من الفضيحة، وفجأة ملقتش عبدالله جنبي، ملقتش حد يداوي اللي كنت حاسة بيه، يا جلال أنا جسمي كان بيوجعني أوي أوي وحتى مهانش على حد يقولي تعالي نروح المستشفى حد هناك يسكن وجعك دا!
تأثر جلال لحالتها وبكى بشدة، ثم ربت على يدها وقال:
_ بس أنتِ مش حاسة إنك اتسرعتي أوي في إنك تاخدي قرار زي قرار الجواز دا؟
مسحت عبراتها التي لا تتوقف عن النزول واضافت:
_ كنت تايهة وضعيفة وعقلي واقف، بتعلق في أي قشاية تنقذني، والله مكنتش مستنية أي حاجة غير إنهم يحضنوني لغاية ما أكون كويسة، بس أنا ملقتش دا، وسط اللي حصلي وسط ما أنا لسه مفوقتش ولا خرجت منه ألاقي الكل بينسحب فجأة، ملقتش حد جنبي ولا حد طبطب عليا، أبويا فجأة بقى واحد تاني وعايز يجوزني وخلاص، وبعد ما كان رافض عبدالله لأنه شايفه أقل مني فجأة وافق عليه، وفجأة برده عرض عليا اتجوز عاصم اللي هو نفسه ميعرفش مين دا بس عشان يخلص مني وخلاص
حبيبي اللي حبيته ملقتهوش، بغض النظر عن اللي معرفته بعدها بس أنا ملقتهوش وقتها، مكنش موجود!!
كل دا فجأة حصل في ليلة، أنا كنت فاكرة إني بجوازي من عاصم بنتقم لنفسي وببعد عن اللي اتخلوا عني من غير ما أفرض عليهم وجودي، بس الحقيقة هي إني عاقبت نفسي بالجوازة دي، أكبر عقاب ممكن الإنسان يعمله حق نفسه، أنا لا قادرة اتأقلم ولا أعيش طبيعي، وعلقت بيا إنسان عايش على أمل إني أحبه في يوم، ووجعت قلب إنسان تاني بفراقي عنه، أنت متخيل أنا عملت في نفسي وفي اللي حواليا إيه؟!!
تحشرجت نبرتها من فرط البكاء، فتوقفت عن الحديث لتضبُط وتيرة أنفاسها المرتفعة، وظلت تردد بندم يشوبه ضعف حيلتها:
_ أنا غلطت بس والله غصب عني، مكنش قدامي حلول تانية ولا طريق تاني أمشي فيه غير الجوازة دي، ياريتك كنت موجود يا جلال مكنش كل دا حصل..
حاول جلال تهدئتها بضمه المستمر إلى صدره، فهي الآن ليست بحاجة سوى عناقًا دافئ يُحاول به تضميد ولو جزءًا من جِراحها، هدأت صبا تدريجيًا حتى تبخر بكائها وهدأ صدرها عن الصعود والهبوط بقوة.
فأبعدها جلال عنه وتفقد خضراوتيها اللذان فقدا رونقهما، ثم أردف بصوتٍ أجش:
_ طب إيه؟ مش ناوية تصلحي الغلط وتنهي الجواز دا؟
_ طبعًا هنهيه، بس مش هينفع دلوقتي!
قالتها صبا فأثارت ريبة جلال الذي تساءل بجدية وحزمٍ:
_ ليه مش هينفع دلوقتي؟
أخذت صبا شهيقًا عميق قبل أن تخبره قائلة:
_ أنا لو انسحبت دلوقتي وسيبت عاصم متعلق بيا كدا هوجعه أوي، وأنا مش عايزة كدا، عاصم وقف جنبي وساعدني ومشوفتش منه غير كل خير، فأنا حابة أرد له الخير دا، ومش صح أبدًا أسيبه دلوقتي، لازم الأول أصلح اللي بوظته عشان وقت انفصالنا يكون هو نفسه راضي بالقرار دا وشايف إنها خطوة صح.
عقد جلال مابين حاجبيه وهو يتساءل بفضولٍ حول ما ستفعله شقيقته:
_ ودا هيحصل إزاي؟
ابتسمت صبا بحماسٍ وهتفت:
_ هقولك..
أخذت تُملي عليه ما تود فعله حتى انتهت فبادر جلال بسؤالها:
_ طب عاصم وفهمنا ناوية على إيه، طب وعبدالله؟
تلك اللحظة خفق قلبها بشدة، وشعرت بالإرتباك يراودها، حمحمت وحاولت إخفاء تلك الحالة التي تملكت منها ورددت بصوتٍ رقيق مهزوز:
_ ماله عبدالله؟
ابتسم جلال بخفة لحالتها التي أصبحت عليها، وأوضح ما يقصده من وراء سؤاله:
_ ناوية معاه على إيه؟
ازدردت صبا قبل أن تعاود رفع عينيها في عيني شقيقها وأردفت بنبرةٍ بها مزيج من الحزن واللهفة:
_ عبدالله بالذات مينفعش أفرض نفسي عليه بعد اللي حصل..
ابتسمت بخجل صريح وأضافت:
_ مش هكذب لو قولت إني مش نفسي نرجع أوي لبعض، ونعوض اللحظات اللي فاتتنا، ونعيش ليالي وإحنا سوا بدل اللي ضيعناها في بُعادنا، بس أنا هكون أنانية لو روحت له وقولتله حقيقة مشاعري دي..
أخفضت صبا رأسها وفركت أصابع يدها وهي توضح مخزى كلامها:
_ يمكن هو معتش عايزني في حياته بعد اللي عملته فيه وجوازي من واحد تاني، أنا متأكدة إن لسه ليا مكان في قلبه، بس يمكن هو يستاهل فرصة أحسن مني، عبدالله طيب ويستاهل يتعوض عن اللي أنا عيشته فيه، صعب أوي عليا إني أتخيله مع حد تاني، بس زي ما اختارت الأول إني أبعد لازم أسيب له مطلق الحرية في حياته ومستقبله، هو أولى يعرف عايز يكمل مع مين ومين اللي يستاهل تكون في حياته حتى لو مش أنا!
كلماتها آلمت قلب جلال للغاية، يصعُب عليه رؤية ابنته التي ترعرت على يديه تعيش ألم الحب ولا تعيش لذة الوصول إليه، ربت على كتفها وسألها باهتمام ونبرةً هادئة:
_ طب وأنتِ يا صبا؟ مش نفسك ليها حق عليكي، ناوية تعملي معاها إيه؟
تشدقت صبا ببسمة ساخرة يكسوها الحزن قبل أن تجيبه:
_ أنا اللي يهمني دلوقتي إني أصلح الغلط اللي عملته في حياة اللي حواليا، أعتقد دا هريحني..
شد جلال على يدها يأزرها ثم هتف بثقة كبيرة:
_ متحمليش هم لأي حاجة بعد كدا، أخوكي في ضهرك يا حبيبي أخوكي
لمعت عيون صبا متأثرة وسرعان ما ألقت بنفسها للمرة التي لا تعلم كم بين أحضانه لتكتسب من عناقه قوة تساعدها على تخطي الماضي والوصول إلى أهدافها القادمة.
****
في الصباح الباكر؛ وقفت زينب تُحضر الفطور مع والدتها، بينما جلس عبدالله في غرفة الطعام على الأريكة التي يعلوها النافذة الزجاجية يكتُب دراسة جدوى مبسطة حتى يقدمها لأبيه.
في الجوار؛ يقف قاسم أمام الطاولة يطرق بأصابعه عليها وهو يُحادث آدم في الهاتف:
_ ها قدمت طلب الإجازة؟
أجابه مختصرًا:
_ أيوا واتوافق لي عليه..
_ طيب عال أوي، ناوي تعمل إيه؟
تساءل قاسم مهتمًا لما سيُقبل عليه فردّ آدم وهو يهز رأسه:
_ مش عارف لسه محددتش، هبقى أعرفك
_ تمام يا حبيبي، ابقي كلمني
هتفها قاسم ثم أنهيا كليهما الإتصال، وضع قاسم الهاتف أعلى الطاولة وأسقط بصره على ذلك الشارد، فتوجه إليه دون تردد وسأله مستفسرًا:
_ بتعمل إيه يا عُبد؟
رفع عبدالله رأسه ونظر إليه وهو يُجيبه:
_ بحاول أحسب التكلفة اللي هتغطي المشروع، يعني دراسة جدوى بسيطة كدا..
هز قاسم رأسه بتفهمٍ ثم التقط الورقة من بين يديه وقام بتقطيعها تحت نظرات عبدالله المذهولة مما يفعله، نهض وقبل أن يسأله هو بادر قاسم بالحديث:
_ أنت مالك ومال التكلفة، أنت قولتلي على مشروعك أنت وصحابك وخلاص ملكش دعوة بالباقي، في خلال شهر أو أقل إن شاء الله هنكون واقفين في الإفتتاح..
نجح قاسم في رسم البسمة على وجه عبدالله؛ ثم انتبها كليهما على مجيء زينب برفقة أحلام، ثم وضعن الطعام وجلس الجميع حول المائدة، بينما ترأسها قاسم الذي أغمض عينيه مستمتعًا بتلك الرائحة الشهية وأبدى إعجابه الشديد:
_ الله الله، إيه الروايح دي دا الواحد مكنش بياكل على كدا..
ثم بدأ بتناول الطعام بشهية كبيرة، رفع بصره في أحلام عندما تناول من البيض وقال بصوتٍ خشن حاد:
_ آخر مرة تحطي إيديك في الأكل تاني يا أحلام، أنتِ فاهمة؟!
تفاجئ الجميع وخصيصًا أحلام التي رمقته بذهولٍ متسائلة عن السبب:
_ ليه يا خويا الأكل وحش؟ معجبكش؟
_ لا بس حلاوته زايدة وأنا أخاف يجي لي السكر!
تغزل بطعامها بأسلوبٍ مشاكس، أجبرهم على الضحك، بينما لكزته أحلام بخفة في ذراعه معاتبة إياه:
_ خضتني والله، وبعدين بعد الشر عنك إن شالله عدوينك
مال قاسم بجسده منها فكان قريبًا للغاية من وجهها وتساءل بلهفة لسماع إجابة سؤاله:
_ قد كدا بتخافي عليا؟
بنبرةٍ مُتيمة تخشى إصابته بمكروهٍ ردت أحلام:
_ أومال، مش راجلي لازم أخاف عليه
_ راجلك!! بس؟
تساءل بهمسٍ فأجابت الأخرى من بين ضحكها الخجول:
_ وحبيبي..
فهلل قاسم عاليًا عند سماعه ذلك:
_ الله الله الله
ثم انتبها كليهما على النظرات المراقبة لهما في صمت، تفقداهما ثم انفجروا أربعتهم ضاحكين على ما يحدث، بينما علق عبدالله ساخرًا:
_ أنا بقول أخد زينب ونرجع الحارة ونسيبكم على راحتكم..
أخذت أحلام حديثه على محمل الجد وأبدت رفضها بانزعاج:
_ لا طبعًا محدش منقول من هنا.. والله لو عملتوها تلاقوني سبقاكم
تجهمت تعابير قاسم وأظهر تذمره من كلماتها:
_ وتسبيني يا أحلام؟
نظرت إليه وقد رققت من نبرتها وهتفت:
_ لا مقدرش، هبقى أخدك معايا
قهقه قاسم وكذلك الآخرين، ثم تابعوا تناول طعامهم في صمتٍ قطعته أحلام بسؤالها:
_ ابنك عامل إيه مع خطيبته؟
وكانت الصدمة الذي تلقاها قاسم وقد ترك الخبز من يده على الطاولة وحدجها غير مُصدقًا سؤالها، أطال النظر بها قبل يُردد:
_ آدم معتش خاطب يا أحلام، أنت نسيتي؟
أغمضت أحلام عينيها مستاءة من تناسيها الأمر وقالت معتذرة:
_ معلش والله نسيت خالص..
_ نسيتي إيه بس دا الموضوع كان مبقالوش يومين!
هتفها بعدم تصديق لمدة نسيانها الغير معقولة، فتحدثت أحلام بلامبالاةٍ:
_ أنت عايز كل اللي عديت بيه الفترة اللي فاتت دي ومنساش
ثم أضافت مازحة:
_ كويس إن أنا لسه فاكراكم..
أخذا الجميع حديثها على محمل المزاح إلا من قاسم الذي لم يخفض نظره منها وحالة من القلق قد سيطرت عليه.
***
بعد مرور بضعة أيام؛ صباح يوم الخِطبة، خرجت ليلى من غرفتها باحثة عن زكريا كعادتها من كل صباح في الأيام الماضية، وجدته يخرج من الغرفة الأخرى وبيده قميصًا باللون الأبيض وبنطال أسود كلاسيكي.
نظر إليها وقال:
_ ليلى عايز القميص دا يتكوى كويس..
اقتربت منه وأخذت القميص ثم تفقدته جيدًا قبل أن ترفع نظرها عليه متسائلة بفضولٍ:
_ القميص دا جديد؟
أماء زكريا وهو يُوليها ظاهره عائدًا إلى الغرفة، فأثار غيظها منه، هرولت خلفه وهتفت بحنقٍ:
_ أنت حتى مسألتش أنا هلبس إيه يوم خطوبة أختك! روحت اشتريت لنفسك وأنا مش مهم، أولع..
تفاجئ زكريا بثورتها والتفت إليها وتحدث ببرودٍ:
_ أنتِ لسه عروسة يا ليلى يعني أكيد عندك حاجات تلبسيها، إلبسي أي حاجة على لما تتعدل وابقي هاتي اللي أنتِ عايزاه..
لم تتقبل كلماته التي زادتها حنقًا منه وصاحت مندفعة:
_ هي المشكلة في اللبس؟
تأفف زكريا وصاح متسائلًا:
_ أومال إيه المشكلة يا ست ليلى؟
أجابته بانفعالٍ يخالطه العتاب:
_ المشكلة إنك مفكرتش فيا، فكرت في نفسك بس روحت اشتريت لنفسك واللي في البيت دي حتى السؤال لو محتاجة حاجة متسألش!!
خرج زكريا عن شعوره واندفع بها بغضبٍ عارم:
_ أوف بجد موال وحوار على الصبح عشان اشتريت ليا حتة قميص أحضر بيه خطوبة اختي، يا ساتر يارب..
اقترب منها ثم التقط من يدها القميص بعنفٍ وهو يهتف:
_ هاتي أنا هنزل لأمي تكويه واقعدي أنتِ مع نفسك بقى.. دي مبقتش عيشة!
لم تحرك ليلى ساكنًا بل تجمدت مكانها حتى استمعت إلى صوت إغلاق الباب فتساقط دمعها بحزنٍ بالغ كما لم تشعر به من قبل..
وفجأة اختل توازنها وسقطت دون أن تشعر، حتى وجدت نفسها بين أحضان أرضية الغرفة، فلم تمتلك القدرة لحظتها على النهوض وبقيت مكانها تبكي فكان للبساط نصيبًا من تلقي دموعها أعلاه حتى جفت عينيها.
فاعتدلت ونظرت في الفراغ أمامها لبرهة قبل أن تساعد نفسها على الوقوف، ثم خرجت باحثة عن هاتفها وقامت بالإتصال على عليا التي أجابت بعد ثوانٍ:
_ صباح الخير يا لولو
بصوتٍ باكي حاولت إظهاره طبيعيًا قدر الإمكان وردت:
_ صباح النور..
ترددت كثيرًا في طلب منها فستانًا لكنها مضطرة إلى ذلك فقالت:
_ بقولك يا عليا، عندك فستان ينفع أخده منك النهاردة بس..
تفاجئت عليا بطلبها، ثم رددت بعفوية:
_ إيه دا أنتِ مجبتيش فستان، طب مقولتيش ليه كنا نزلنا سوا جـ..
قاطعتها ليلى بحرجٍ:
_ الظروف جت كدا بقى، لو مش عندك خلاص..
_ لا لا عندي طبعا، هقول لماما تطلعولك لأن أنا مشيت مع خلود روحنا للميك أب أرتست
قالتها عليا مسرعة فعلقت ليلى بإيجازٍ:
_ تمام
ثم أنهت عليا الإتصال وقامت بعمل مكالمة أخرى، وانتظرت حتى أجابتها والدتها فقالت:
_ ماما.. لو سمحت طلعي الفستان اللي أنا كنت هلبسه في الحنة لـ ليلى..
_ نعم؟ ودا ليه إن شاء الله؟
تساءلت هناء غير راضية عن عرضها، فاضطرت عليا إلى التوضيح:
_ مجابتش فستان تلبسه يا ماما، لو سمحتي طلعيه بسرعة..
بغير رضاء لإخراج ذلك الفستان هتفت هناء:
_ ما تاخد أي فستان من بتوعك اشمعنا دا يعني؟ دا لسه جديد وبتاع الحنة المفروض محدش يشوفها بيه قبلك
بإصرار تام أردفت عليا:
_ لأ أنا حابة إنها تلبس حاجة جديدة زينا كلنا، عشان خاطري طلعيه، لو عرفت أنك طلعتي حاجة تانية بجد هزعل
وافقت هناء تحت ضغطٍ منها، فأخذته هناء من الخزانة ثم صعدت إلى الطابق الكائن به شقة ليلى، قرعت الجرس ففتحت لها ليلى بعينين حمراوين لاحظتها هناء لكنها لم تود سؤالها لكي لا تخجلها.
ناولتها الفستان وقالت بنبرة ودودة:
_ اتفضلي يا ليلى، مش محتاجة حاجة تانية؟
نفت ليلى بحركة من رأسها وقالت باقتضاب:
_ شكرًا
فغادرت هناء، بينما تفقدت ليلى الفستان وتفاجئت عندما وجدته نفسه الذي اشترته عليا خصيصًا لـليلة الحناء خاصتها، وضعته بحذرٍ على الفراش ووقفت تطالعه وداخلها يرفض بشدة ارتداءه قبلها.
قطع عليه حبال أفكارها رنين الهاتف، فقامت بالإيجاب:
_ إيه يا عليا؟
_ ماما طلعت لك الفستان؟
تساءلت باهتمامٍ فقالت ليلى:
_ ايوا، بس أنا مش هلبسه، دا بتاع حنتك ولسه جديد وأنتِ المفروض أول واحدة تلبسه..
بنبرةٍ حاسمة لا تقبل النقاش هتفت عليا:
_ مفيش حاجة اسمها المفروض، أنا وأنتِ واحد ومش فارقة مين تلبسه أول واحدة، ليلى بجد هزعل أوي لو ملبستهوش..
بتردد شديد قالت:
_ بس..
قاطعتها عليا بإصرار:
_ والله هزعل..
أخذت ليلى نفسًا ولم تريد إحزانها فقبلت بارتداءه:
_ خلاص هلبسه..
_ طب احلفي..
أرادت عليا أخذ منها قسمًا حتى يطمئن قلبها؛ فأردفت ليلى بحسمٍ:
_ خلاص والله هلبسه..
أخفضت ليلى رأسها في حياء وأضافت ممتنة:
_ شكرًا يا عليا
_ شكرًا على إيه يا عبيطة أنتِ، ما قولنا إحنا واحد، يلا روحي جهزي نفسك عشان متتأخريش..
قالتها عليا مازحة ثم أنهت الإتصال لتقوم بدورها مع شقيقتها بينما أمسكت ليلى بالفستان ثم وضعته عليها ووقفت أمام المرآة تتفقده، فظهرت على وجهها ابتسامة فرحة عندما وجدته يليق على جسدها.
***
بعد غروب الشمس، وصل وليد الذي يرتدي حُلة كلاسيكية سوداء جعلته جذابًا وزادته وسامة إلى مركز التجميل الذي فيه خلود، دلف المكان فوجدها تقف في زاويةٍ لا تريده أن يراها.
فابتسم بخفة وتوجه نحوها لرؤياها فتفاجئ بها تدور حول نفسها لكي لا يراها فتوقف ثم هتف مازحًا:
_ إحنا هنلعب قط وفار كتير، أوقفي يابت أنا دوخت..
ضحكت خلود ثم التفتت إليه بكامل هيئتها التي ظهرت إليه بوضوحٍ، فشعر بقلبه ينبض بحيوية، تشكل على ثغره ابتسامة عذبة وهو يتفقد جمالها الهادئ الرقيق التي حرصت على الخروج بتلك الهيئة، وكذلك فستانها ذو اللون الكريمي الناعم الذي ينساب على جسدها كأنه خصص لها فقط، فأخذ وليد نفسًا وتغزل بجمالها:
_ إيه القمر دا؟
أخفضت خلود نظرها بحياء شديد وهي تبتسم بخفة، ثم تفقدت هيئته الوسيمة التي سرقت قلبها وتراقص الفؤاد لجماله الذي سيكون لها بمفردها وقالت بحياء:
_ وأنت كمان شكلك جميل..
ابتسم وليد بعذوبة وبصوتٍ رخيم قال وهو يُعطيها باقة الزهور:
_ اتفضلي..
أخذتها منه ثم تعلقت في ذراعه عندما مَدهُ لها وتحركا إلى الخارج ثم استقلا سيارة عبدالله الذي أصر على ركوبهما معه مثلما فعل مع زكريا لكن الفارق الآن أنها سيارته تعود إليه.
كانت هناك سيارتان تسير خلفهما إحداهما تضم بها عليا وحازم، والأخرى يقودها زكريا الذي قام بتأجيرها خصيصًا ليوم مميز كهذا.
بعد مرور مدة ليس قصيرة؛ وصلا إلى المنطقة خاصتهم فترجل الجميع ووقفا أمام السيارات ثم انضم إليهم بعض شباب المنطقة وكذلك بس الأطفال والجيران، أخرج وليد من الصندوق الخلفي للسيارة بعض الألعاب النارية والألعاب المضيئة ثم ناول صديقيه مثله وقاموا بإشعال النيران بهم فاتقدت شرارة حمراء قوية من فوهتها.
ملئت السماء بذلك الدخان الأحمر المُتطاير وهما يُلوحان بيدهم ويتراقصون على أنغام الأغاني الشعبية الصادرة من السيارات خاصتهم.
كان وقتًا ممتعمًا لهما معًا حيث أظهروا فرحتهم لوليد تلك الأثناء بتصرفاتٍ تلقائية مثل أن قاما زكريا بالإنحناء ليساعد عبدالله وليد على الجلوس أعلى كتفيه، وكذلك فعل عبدالله الذي جلس على كتفي حازم وبدأ يرقص مع وليد بمهارة واحترافية سعيدًا بخِطبة صديقه.
وبعد مدة انتهوا مما يفعلوه ثم صعدوا جميعهم إلى بيت العم محمد المُقام به الحفل، أخذ وليد مكانه الذي خُصص لهما، وتفقد الزحام الذي أمامه وردد مازحًا:
_ هنعمل الخطوبة على الضيق، هي فعلًا بقت على الضيق مفيش مكان حد يقف فيه
انفجرت خلود ضاحكة وهتفت سؤالها من بين ضحكها:
_ إيه اللي جاب الناس دي كلها هنا محدش قالهم حاجة
مال وليد قليلًا بقُرب أذنها وهو يُخبرها بصوتٍ منخفض حتى لا يقع على مسامع الآخرين:
_ يا بنتي الناس دول أهلنا وجاين يفرحوا لنا مش محتاجين عزومة
_ أيوا بس أنا حرانة أوي، مفيش هوى خالص
قالتها خلود وهي تُلوح بيدها أمام وجهها على أمل إيجاد الهواء، انضمت إليهما عليا التي أعطت خلود تلك المِروحة اليدوية المصنوعة من الورق وهتفت:
_ هوي على نفسك الجو صعب أوي..
أخذها منها وليد وقام هو بالتهوية على خلود التي ابتسمت بخجل فردد هو بعد أن غمزها:
_ أي خدمة..
فزدادت ابتسامتها خجلًا، على الجانب الآخر كان يقف زكريا وتجاوره ليلى التي إلتزمت الصمت، لم توجه إليه الكلام، فقط تقف ليكون مظهرهما لائق أمام الجميع، ثم انتبهت على رنين هاتفه ولهفته في الرد بإبتسامة عريضة قد تشكلت تلقائيًا على شفتيه عندما قرأ الإسم الذي يتوسط شاشة هاتفه.
شعرت ليلى بالريية وخصيصًا بعد انسحابه إلى الخارج، فلم تتردد وخرجت خلفه على الفور ربما تعلم من يكون المتصل، وجدته يُرسل بعض الكتابات ثم أعاد وضع الهاتف في جيبه ليعود فوجدها أمامه، صر زكريا أسنانه ولم يعطها وجه بل عاد إلى الداخل وانشغل بين الجميع دون أن يكترث لها.
بينما لم تكن هي مطمئنة لما يحدث، حتمًا هناك أمرًا غير أخلاقي يقوم به، نجح شيطان أفكارها في إدخال تلك الأفكار السيئة إلى عقلها فزادتها اختناقًا وغيرة وعزمت على معرفة الحقيقة.
انتهت الخِطبة بعد وقتٍ وقام الشباب بالخروج للتنزه بعدها؛ قضوا وقتًا ممتعًا حتى تأخر الوقت وعادوا جميعًا إلى البيت، صعدا وليد برفقة خلود وخلفها عليا التي تساند ليلى.
ولجت عليا إلى بيتهم وكذلك ليلى التي صعدت إلى بيتها تاركين خلود مع وليد بمفردهما بينما كان زكريا بالأسفل مع عبدالله يتسامر معه فيما هم مقبلون عليه.
_ كان يوم حلو أوي
قالتها خلود بسعادة فوافقها وليد الرأي قبل أن يتغزل بها:
_ أحلى مافيه أنتِ!
تلونت وجنتيها بالحمرة وهربت من عينيه اللذان يتطلعان بها، ثم انتبهت على سؤاله:
_ ها، هتلبسي النقاب امتى
نظرت إليه بعيون جاحظة وهي تردد بعدم تصديق:
_ قول والله!
ضحك وليد على حالتها وتحدث بنبرة جادة:
_ مش أمك كانت عايزة العريس وأنا وعدتك وقتها إني هقنعهالك، أديني جبت لك العريس ومعتش عندها موانع!
تذكرت خلود ذلك المساء الذي وعدها فيه بإقناع والدتها، لم يخطر ببالها لحظة أنه سيقوم بكل تلك الترتيبات من أجل أن ترتدي النقاب، لم تُفارق البسمة وجهها وسألته بفضولٍ:
_ بس أنت متأكد إنك عايزني ألبسه فعلًا الفترة دي؟
أكد وليد إصراره على ارتدائها له بقوله:
_ أيوا متأكد، أنا أصلًا من وقت ما سمعت إنك عايزة تلبسي النقاب حسيت بإحساس غريب وقتها، حسيت إني عايزك فعلًا تداري عن عيون الشباب ومحدش يشوفك غيري أنا، واحساسي دا وقتها اللي خلاني أفكر يا ترى ليه فكرت فيكي كدا بالشكل دا وفي الآخر عرفت..
أنهى جملته بإبتسامة عذبة، وقد رأى السعادة تشع من عينين خلود التي لا يسع قلبها السعادة، قفزت خلود عاليًا بفرحة عارمة وبتلقائية غير مُسبقة التفكير قامت باحتضانه مُظهرة مدى سعادتها بقراره.
تلك اللحظة، تفاجئ وليد بل وصعق من تلك التي اخترقت صدره وتعلقت في رقبته حتى تنعم بعناقٍ، اهتز داخله بشدة، وشعر بإضطراباتٍ غير مسبوقة لم تراوده من قبل.
كان مستسلمًا لتصرفها كأنه مغيب العقل، لكنه لم يبادلها العناق، فلقد استاء من تصرفها الأرعن المفاجئ، كانت يديه بعيدة عن جسدها وكذلك هو حاول التراجع حتى يضع مسافةً بين جسديهما.
تلك الأثناء؛ كان زكريا صاعدًا السُلم بعد أن ذهب عبدالله وتفاجيء بذلك الوضع الحميمي الذي يحدث أمام عينيه، فلم يتقبل رؤيتهما على ذلك الوضع وصاح بغضبٍ هز أرجاء البيت:
_ خلود!!
***
عاد عبدالله إلى بيت المزرعة، صف سيارته جانبًا وقبل أن يدخل إليه قام بتفقد البيت المجاور التي تسكن فيه صبا، وقف يشاهد نوافذ البيت على أمل رؤياها فوالله لقد فاض به الشوق.
كاد يدلف البيت لكنه تريث عندما وجد باب البيت المجاور يُفتح، وتفاجئ بخروج زينب برفقتها، إزداد قلبه خفقانًا باقترابها منه، اقتربت زينب منه برفقة صبا التي لم تبعد عينيها لثانية عن عينيه، فهناك لغة بين أعينهم قد خُلقت في الأيام الأخيرة، يتحاوران ويُبديان مدى اشتيقاهما لبعض دون حديث.
خرج عبدالله من شروده بها على صوت زينب المتحدثة:
_ عبدالله، صبا عايزة تتكلم معاك في موضوع..
لم يحرك عبدالله ساكنًا بل ظل يتطلع بها في إنتظار سماع ما تريد التحدث به معه، حمحمت صبا بعد أن أشاحت بصرها عنه بصعوبة وأردفت:
_ أنا عملت محضر النهاردة ضد حمادة!
ابتعلت ريقها لتواصل:
_ وطبعا الإجراءات القانونية محتاجة شهود على الحادثة..
تحشرج صوتها ولم تعد تستطيع مواصلة الكلام عندما تذكرت تلك الليلة حينما وقعت بين يدي عبدالله بعد ما حدث لها، جاهدت على إخراج كلماتها التي باتت أكثر صعوبة:
_ محتجاك تشهد معايا.. طبعًا مش هتكون لوحدك، طنط أحلام وكل اللي شافوني يومها محتاجاهم معايا..
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه دون تعليق صوتي على الأمر، ثم انتبه ثلاثتهم على وصول سيارة قاسم وترافقه بها أحلام، تعجبا من وقوف ثلاثتهم معًا وتوجها إليهما فبادر قاسم بالحديث:
_ يارب دايمًا متجمعين في الخير..
أخفضت صبا رأسها في خجلاٍ بينما لم يُبعد عبدالله نظره عنها قط، فتولت زينب الكلام وأخبرته بحقيقة وقوفهم:
_ صبا بلغت عن حمادة، ومحتاجة عبدالله وماما يشهدوا معاها..
تدخلت أحلام معلقة:
_ طبعًا يا حبيبتي هنشهد، ربنا ينصرك يارب
اكتفت صبا ببسمةٍ باهتة ثم انتبهت على سؤال قاسم الجاد:
_ أنتِ وكلتي محامي يا صبا؟
رفعت عينيها في عينيه ونفت بحركة من رأسها قبل أن تجيبه:
_ لا لسه، أنا يدوب عملت محضر، إن شاء الله بكرة أدور على حد كويس
_ لا لا متتعبيش نفسك، مِتر صادق المحامي بتاعي هيتبنى قضيتك أنتِ وزينب عشان الكلب اللي اسمه حمادة ياخد جزاءه
قالها قاسم بحسمٍ للأمر بينما لمعت عيني صبا بامتنان كبير وشكرته على لطفه:
_ شكرًا جدًا يا عمي..
_ العفو يا دكتورة، أنتِ زي بنتي، زيك زي زينب بالظبط
قالها قاسم بتلقائية فنظرن إليه الفتاتان بحبٍ وامتنان لـ كلماته اللطيفة التي طيبت خاطر كلتاهن، ثم انضم إليهم عاصم الذي وصل للتو من عمله، التفتت صبا وتراجعت بِضع خُطوات لتترك له مجالًا للوقوف معهم فكانت قريبة للغاية من عبدالله الذي وصل إليه عبير رائحتها.
أسقط نظره على يدها الموضوعة خلف ظهرها وشعورًا لا إرادي قد قاده إلى لمس يدها، فحرك يده بقربها فلمس نعومتها التي قشعر بدنه أثره لمسته السريعة، على المقابل شعرت صبا وكان صاعقًا كهربائي قد صعق جسدها فجأة على الرغم من لمسته التي لم تكاد تشعر بها من خفتها.
لكنه لم يدرك ماذا فعل بها، الكثير من المشاعر والأسئلة والاضطرابات قد هاجموها فجأة، ولكن الأهم من بينهم، هل هو قاصدًا لمسته أم أنها حركة غير مرتب التخطيط لها؟
رمقته بطرف عينيها فوجدته ما زال مُثبتًا بصره عليها، فتسارعت نبضاتها وسرعان ما هربت من نظراته وحاولت إلهاء عقلها مع الجميع حتى لا تفتعل شيئا أحمق.
كان قاسم يتبادل الحديث مع عاصم عن انفصال ڤاليا وآدم حيث علق عاصم برأيه:
_ كل إحساس صعب مع الوقت بيقل... ربنا يكتب لهم الخير
ربت قاسم على كتف عاصم بامتنان لـ تفهمه، ثم وجه عاصم بصره على زينب الواقفة وقال بحماسة:
_ مفيش أكل النهاردة كمان يا شيف زينب ولا إيه؟
سؤاله كان محض انتباه الآخرين، حيث صُوبت الأنظار جميعها على زينب غير قادرين على فهم ما تفوه به عاصم للتو، بينما جحظت عينيها بصدمة عندما شعرت بمحاصرتها من الجميع الذين ينتظرون منها إجابة على سؤال عاصم المبهم.
***
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
اخترقت صبا صدره حين عانقته بكل ما أوتيت من قوة، بادلها الآخر عناقًا حار فهُما لم يروا بعضهما منذ أعوامٍ، كانا يُذبيان الجليد التي بُنيته أعوام الغربة بذلك العناق الحميمي.
حتى سقط نظر جلال على ذلك المصدوم مما يحدث أمامه، فلم يمنع ابتسامته من التشكيل على شفتيه، أبعد صبا عنه فتعجبت صبا من إبعاده لها ونظرت إليه بحاجبين معقودان فأشار جلال بعينه إلى عاصم وابتسامته لم تفارق وجهه.
فنظرت صبا حيث ينظر جلال حتى استشفت الأمر ولم تستطع منع ضحكتها أيضًا وبادرت بتعريف بعضهما البعض وهي تُشير بالتناوب بينهما:
_ باشمهندس عاصم، جلال أخويا..
شعر عاصم ببعض الراحة وزفر أنفاسه المتوترة، ثم شكل بسمةً ودودة ورحب به:
_ أهلًا بيك نورت بيتنا..
بادله جلال المصافحة الودية ثم انفجر ضاحكًا وأردف مازحًا:
_ بس أنت يا راجل تسيب مراتك تحضن أي راجل متعرفوش كدا؟
كتم عاصم ابتسامته الخجولة وهو يحك مؤخرة رأسه بإحراج شديد وحاول توضيح الأمر:
_ أنا معرفش حد في عيلة صبا فخمِنت إن أكيد أنت من عيلتها..
غمزه جلال وشاكسه بأسلوبٍ طريف:
_ خمِنت ولا اتمنيت؟
إزداد خجل عاصم الذي تلونت وجنتيه بالحمرة، فبادرت صبا بإنهاء الحوار حتى لا يأخذهم إلى طريقٍ هي ليست بحاجته، حمحمت ورحبت بشقيقها:
_ ادخل جوا، أنت وحشتيني أوي
ربت جلال على ظهرها بقوة وهو يُبادلها الشوق:
_ وأنتِ كمان يا حبيبة أخوكي.. مش متخيلة وحشاني قد إيه، أنا أول حاجة عملتها لما خرجت من الحبس نزلت مخصوص عشان أشوفك أنتِ وماما وبابا..
_ حبس!!
رددتها صبا بصدمةٍ فزم جلال شفتيه بحزنٍ قبل أن يردف:
_ دا أنا شوفت أيام!! أومال مكنتش بعرف أوصل ليكم ليه؟
حدجته صبا بعيون واسعة مذهولة؛ ثم دعته إلى الداخل مُتلهفة لمعرفة ما مر به:
_ تعالى اقعد واحكي لي إيه اللي حصل معاك..
اقترب جلال بخُطاه من الأريكة وجلس أعلاها بتعبٍ ثم أخرج تنيهدة مهمومة قبل أن يبدأ حديثه، لكنه تفاجئ بانسحاب عاصم عندما قال:
_ طب أنا هطلع فوق، خدوا راحتكم.. عن إذنك يا أستاذ جلال، وحمد الله على سلامتك
_ الله يسلمك، بس تطلع ليه أقعد معانا أنت بقيت من العيلة خلاص..
هتفها جلال ليمحي الحرج بينهما ويُشعره بأنهما عائلة واحدة، بينما ألقى عاصم نظرةً علي صبا قبل تم يُبدي رفضه:
_ لا معلش، خليكم براحتكم أحسن..
ثم انصرف سريعًا تحت نظرات جلال المبهمة، فأعاد النظر إلى شقيقته وسألها مستفسرًا:
_ هو ماله في إيه؟
زفرت صبا أنفاسها لتُخبره بالأمر الذي يجهله:
_ أنا وعاصم مش زي ما أنت فاهم، جوازنا صوري.. على الورق بس
_ نعم!!
أردفها جلال مذهولًا وقد ظهرت على تقاسيم وجهه الإستياء الشديد مما أخبرته به وهلل:
_ يعني إيه صوري؟ ودا في شرع مين دا؟
تحولت ملامح صبا إلى الخزي وقالت بنبرة حزينة:
_ هفهمك كل حاجة، بس احكي لي أنت الأول، كنت محبوس ليه؟
شهيقًا وزفيرًا فعل جلال قبل أن يقُص عليها حقيقة ما عاشه:
_ مفيش ياستي أنا ومراتي اتطلقنا، وطبعًا عشان أنا في دولتها ميحقش ليا أخد العيال، فأنا روحت لهم المدرسة واخدتهم من وراها وهي بلغت فيا..
كانت تصغي إليه بدهشة مُشكلة على تقاسميها، وهتفت غير مُصدقة ما يقع على أذنيها:
_ وبعدين، كمل كمل
تابع جلال ما لم يُنهيه من القصة:
_ الولاد ضغطوا على ولدتهم وجت خرجتني بس بشرط مقربش منهم نهائي..
فغرت صبا فاها بصدمة كبيرة تزداد كلما أخبرها شيئًا وأردفت متسائلة باهتمام لمعرفة ما سيفعله:
_ طب وأنت هتعمل إيه؟ معتش هتشوف ولادك فعلًا؟
_ لأ طبعًا، أنا بس أول ما خرجت حسيت إني محتاج لكم ومحتاج أقعد وسطكم أرتب أفكاري كويس وبعدين هرجع تاني وأحاول معاها، ربنا يسهل
قالها جلال ثم دنا بجسده منها وتساءل بجدية:
_ المهم سيبك مني، إيه حوار جوازك الصوري دا؟
اقتربت منه صبا بعد أن تفقدت السُلم وتأكدت أنه خالٍ لا يقف عليه عاصم وسألته:
_ هو أنت متعرفش حاجة خالص؟
قطب جبينه وهو يردد بعدم فهم:
_ حاجة إيه؟ أنا كل اللي عرفته لما نزلت وقابلت أمك وأبوكي إن محصلش نصيب بينك وبين عبدالله والباشمهندس تقريبًا شافك في المستشفى واتقدم لك وكان عايز جواز سريع..
تملك الأسى والتأثر الشديد حيال كلماته عنها ورددت بحزنٍ يُسيطر على صوتها المتسائل:
_ هما قالولك كدا؟
شعر جلال بِثَمة ما لا يعلمه من خلف نبرتها وسؤالها المُبهم وبادرت بسؤالها:
_ هو الموضوع غير كدا؟
انتباتها حالة من الشجن لحظتها، تأثرت بما عاشته وما عرضته عليه ذاكرتها تلك اللحظة، أخذت تتنفس بعض الهواء حتى لا تتأثر نبرتها بما يحدث داخلها وقالت وهي تتطلع في عينيه:
_ ياريتك كنت موجود، مكنتش عِشت كل اللي عِشته دا!
ثم أخذت تقُص عليه ما عاشته منذ تلك الليلة العصيبة إلى يومها هذا تحت صدمةٍ أو لو أنه كان هناك وصفًا أدق لما يعيشه جلال الآن، فغر فاهه محاولًا جمع الكلمات التي هربت فجأة ولم يعرف ماذا يعلق.
فوجد نفسه يسحب يدها ويضُمها إلى صدره بحنانٍ أرغمها على البكاء، وكم من الندم راودها لحظتها، ناهيك ألمها الذي تضاعف الآن وكأنها تعيش تلك الحادثة للتو، بعد فترة؛ تراجعت للخلف ومسحت براحة يدها عبراتها وحاولت الإبتسام وهي تردد:
_ بس كويس إنك رجعت، عشان تسندني في اللي جاي..
رمقها جلال بطرف عينيه فاستشعرت سؤاله وأجابته على الفور:
_ هرفع قضية وهاخد حقي!
تلك الأثناء أغمض جلال عينيه لبرهة قبل أن يعاود النظر إليها من جديد وهو يتساءل عن كل ما جال في خاطره:
_ أنتِ إزاي عشتي كل دا لوحدك؟
ثم تشنجنت عروق عنقه وخرجت نبرته حادة غاضبة:
_ وإزاي بابا مراحش قتل الحيوان دا وقتها وأخد حق عرضك اللي انتهك؟ إزاي استسلم بالشكل دا؟
تساقطت عبرات صبا رغم محاولاتها في التماسك أمامه ورددت بنبرة مهزوزة:
_ أنا عشت أسوأ ليلة عدت عليا يا جلال، ليلة رمتني في بحر عميق ومن وقتها وأنا مش عارفة أخرج منه، ولا مني بغرق وبموت ولا مين عايشة كويس!
إزداد نحيبها وهي تخبره بندمها الشديد:
_ ليلة خلتني أشوف كل حاجة في عيني سودة، فجأة أبويا بقى خايف من الفضيحة، وفجأة ملقتش عبدالله جنبي، ملقتش حد يداوي اللي كنت حاسة بيه، يا جلال أنا جسمي كان بيوجعني أوي أوي وحتى مهانش على حد يقولي تعالي نروح المستشفى حد هناك يسكن وجعك دا!
تأثر جلال لحالتها وبكى بشدة، ثم ربت على يدها وقال:
_ بس أنتِ مش حاسة إنك اتسرعتي أوي في إنك تاخدي قرار زي قرار الجواز دا؟
مسحت عبراتها التي لا تتوقف عن النزول واضافت:
_ كنت تايهة وضعيفة وعقلي واقف، بتعلق في أي قشاية تنقذني، والله مكنتش مستنية أي حاجة غير إنهم يحضنوني لغاية ما أكون كويسة، بس أنا ملقتش دا، وسط اللي حصلي وسط ما أنا لسه مفوقتش ولا خرجت منه ألاقي الكل بينسحب فجأة، ملقتش حد جنبي ولا حد طبطب عليا، أبويا فجأة بقى واحد تاني وعايز يجوزني وخلاص، وبعد ما كان رافض عبدالله لأنه شايفه أقل مني فجأة وافق عليه، وفجأة برده عرض عليا اتجوز عاصم اللي هو نفسه ميعرفش مين دا بس عشان يخلص مني وخلاص
حبيبي اللي حبيته ملقتهوش، بغض النظر عن اللي معرفته بعدها بس أنا ملقتهوش وقتها، مكنش موجود!!
كل دا فجأة حصل في ليلة، أنا كنت فاكرة إني بجوازي من عاصم بنتقم لنفسي وببعد عن اللي اتخلوا عني من غير ما أفرض عليهم وجودي، بس الحقيقة هي إني عاقبت نفسي بالجوازة دي، أكبر عقاب ممكن الإنسان يعمله حق نفسه، أنا لا قادرة اتأقلم ولا أعيش طبيعي، وعلقت بيا إنسان عايش على أمل إني أحبه في يوم، ووجعت قلب إنسان تاني بفراقي عنه، أنت متخيل أنا عملت في نفسي وفي اللي حواليا إيه؟!!
تحشرجت نبرتها من فرط البكاء، فتوقفت عن الحديث لتضبُط وتيرة أنفاسها المرتفعة، وظلت تردد بندم يشوبه ضعف حيلتها:
_ أنا غلطت بس والله غصب عني، مكنش قدامي حلول تانية ولا طريق تاني أمشي فيه غير الجوازة دي، ياريتك كنت موجود يا جلال مكنش كل دا حصل..
حاول جلال تهدئتها بضمه المستمر إلى صدره، فهي الآن ليست بحاجة سوى عناقًا دافئ يُحاول به تضميد ولو جزءًا من جِراحها، هدأت صبا تدريجيًا حتى تبخر بكائها وهدأ صدرها عن الصعود والهبوط بقوة.
فأبعدها جلال عنه وتفقد خضراوتيها اللذان فقدا رونقهما، ثم أردف بصوتٍ أجش:
_ طب إيه؟ مش ناوية تصلحي الغلط وتنهي الجواز دا؟
_ طبعًا هنهيه، بس مش هينفع دلوقتي!
قالتها صبا فأثارت ريبة جلال الذي تساءل بجدية وحزمٍ:
_ ليه مش هينفع دلوقتي؟
أخذت صبا شهيقًا عميق قبل أن تخبره قائلة:
_ أنا لو انسحبت دلوقتي وسيبت عاصم متعلق بيا كدا هوجعه أوي، وأنا مش عايزة كدا، عاصم وقف جنبي وساعدني ومشوفتش منه غير كل خير، فأنا حابة أرد له الخير دا، ومش صح أبدًا أسيبه دلوقتي، لازم الأول أصلح اللي بوظته عشان وقت انفصالنا يكون هو نفسه راضي بالقرار دا وشايف إنها خطوة صح.
عقد جلال مابين حاجبيه وهو يتساءل بفضولٍ حول ما ستفعله شقيقته:
_ ودا هيحصل إزاي؟
ابتسمت صبا بحماسٍ وهتفت:
_ هقولك..
أخذت تُملي عليه ما تود فعله حتى انتهت فبادر جلال بسؤالها:
_ طب عاصم وفهمنا ناوية على إيه، طب وعبدالله؟
تلك اللحظة خفق قلبها بشدة، وشعرت بالإرتباك يراودها، حمحمت وحاولت إخفاء تلك الحالة التي تملكت منها ورددت بصوتٍ رقيق مهزوز:
_ ماله عبدالله؟
ابتسم جلال بخفة لحالتها التي أصبحت عليها، وأوضح ما يقصده من وراء سؤاله:
_ ناوية معاه على إيه؟
ازدردت صبا قبل أن تعاود رفع عينيها في عيني شقيقها وأردفت بنبرةٍ بها مزيج من الحزن واللهفة:
_ عبدالله بالذات مينفعش أفرض نفسي عليه بعد اللي حصل..
ابتسمت بخجل صريح وأضافت:
_ مش هكذب لو قولت إني مش نفسي نرجع أوي لبعض، ونعوض اللحظات اللي فاتتنا، ونعيش ليالي وإحنا سوا بدل اللي ضيعناها في بُعادنا، بس أنا هكون أنانية لو روحت له وقولتله حقيقة مشاعري دي..
أخفضت صبا رأسها وفركت أصابع يدها وهي توضح مخزى كلامها:
_ يمكن هو معتش عايزني في حياته بعد اللي عملته فيه وجوازي من واحد تاني، أنا متأكدة إن لسه ليا مكان في قلبه، بس يمكن هو يستاهل فرصة أحسن مني، عبدالله طيب ويستاهل يتعوض عن اللي أنا عيشته فيه، صعب أوي عليا إني أتخيله مع حد تاني، بس زي ما اختارت الأول إني أبعد لازم أسيب له مطلق الحرية في حياته ومستقبله، هو أولى يعرف عايز يكمل مع مين ومين اللي يستاهل تكون في حياته حتى لو مش أنا!
كلماتها آلمت قلب جلال للغاية، يصعُب عليه رؤية ابنته التي ترعرت على يديه تعيش ألم الحب ولا تعيش لذة الوصول إليه، ربت على كتفها وسألها باهتمام ونبرةً هادئة:
_ طب وأنتِ يا صبا؟ مش نفسك ليها حق عليكي، ناوية تعملي معاها إيه؟
تشدقت صبا ببسمة ساخرة يكسوها الحزن قبل أن تجيبه:
_ أنا اللي يهمني دلوقتي إني أصلح الغلط اللي عملته في حياة اللي حواليا، أعتقد دا هريحني..
شد جلال على يدها يأزرها ثم هتف بثقة كبيرة:
_ متحمليش هم لأي حاجة بعد كدا، أخوكي في ضهرك يا حبيبي أخوكي
لمعت عيون صبا متأثرة وسرعان ما ألقت بنفسها للمرة التي لا تعلم كم بين أحضانه لتكتسب من عناقه قوة تساعدها على تخطي الماضي والوصول إلى أهدافها القادمة.
****
في الصباح الباكر؛ وقفت زينب تُحضر الفطور مع والدتها، بينما جلس عبدالله في غرفة الطعام على الأريكة التي يعلوها النافذة الزجاجية يكتُب دراسة جدوى مبسطة حتى يقدمها لأبيه.
في الجوار؛ يقف قاسم أمام الطاولة يطرق بأصابعه عليها وهو يُحادث آدم في الهاتف:
_ ها قدمت طلب الإجازة؟
أجابه مختصرًا:
_ أيوا واتوافق لي عليه..
_ طيب عال أوي، ناوي تعمل إيه؟
تساءل قاسم مهتمًا لما سيُقبل عليه فردّ آدم وهو يهز رأسه:
_ مش عارف لسه محددتش، هبقى أعرفك
_ تمام يا حبيبي، ابقي كلمني
هتفها قاسم ثم أنهيا كليهما الإتصال، وضع قاسم الهاتف أعلى الطاولة وأسقط بصره على ذلك الشارد، فتوجه إليه دون تردد وسأله مستفسرًا:
_ بتعمل إيه يا عُبد؟
رفع عبدالله رأسه ونظر إليه وهو يُجيبه:
_ بحاول أحسب التكلفة اللي هتغطي المشروع، يعني دراسة جدوى بسيطة كدا..
هز قاسم رأسه بتفهمٍ ثم التقط الورقة من بين يديه وقام بتقطيعها تحت نظرات عبدالله المذهولة مما يفعله، نهض وقبل أن يسأله هو بادر قاسم بالحديث:
_ أنت مالك ومال التكلفة، أنت قولتلي على مشروعك أنت وصحابك وخلاص ملكش دعوة بالباقي، في خلال شهر أو أقل إن شاء الله هنكون واقفين في الإفتتاح..
نجح قاسم في رسم البسمة على وجه عبدالله؛ ثم انتبها كليهما على مجيء زينب برفقة أحلام، ثم وضعن الطعام وجلس الجميع حول المائدة، بينما ترأسها قاسم الذي أغمض عينيه مستمتعًا بتلك الرائحة الشهية وأبدى إعجابه الشديد:
_ الله الله، إيه الروايح دي دا الواحد مكنش بياكل على كدا..
ثم بدأ بتناول الطعام بشهية كبيرة، رفع بصره في أحلام عندما تناول من البيض وقال بصوتٍ خشن حاد:
_ آخر مرة تحطي إيديك في الأكل تاني يا أحلام، أنتِ فاهمة؟!
تفاجئ الجميع وخصيصًا أحلام التي رمقته بذهولٍ متسائلة عن السبب:
_ ليه يا خويا الأكل وحش؟ معجبكش؟
_ لا بس حلاوته زايدة وأنا أخاف يجي لي السكر!
تغزل بطعامها بأسلوبٍ مشاكس، أجبرهم على الضحك، بينما لكزته أحلام بخفة في ذراعه معاتبة إياه:
_ خضتني والله، وبعدين بعد الشر عنك إن شالله عدوينك
مال قاسم بجسده منها فكان قريبًا للغاية من وجهها وتساءل بلهفة لسماع إجابة سؤاله:
_ قد كدا بتخافي عليا؟
بنبرةٍ مُتيمة تخشى إصابته بمكروهٍ ردت أحلام:
_ أومال، مش راجلي لازم أخاف عليه
_ راجلك!! بس؟
تساءل بهمسٍ فأجابت الأخرى من بين ضحكها الخجول:
_ وحبيبي..
فهلل قاسم عاليًا عند سماعه ذلك:
_ الله الله الله
ثم انتبها كليهما على النظرات المراقبة لهما في صمت، تفقداهما ثم انفجروا أربعتهم ضاحكين على ما يحدث، بينما علق عبدالله ساخرًا:
_ أنا بقول أخد زينب ونرجع الحارة ونسيبكم على راحتكم..
أخذت أحلام حديثه على محمل الجد وأبدت رفضها بانزعاج:
_ لا طبعًا محدش منقول من هنا.. والله لو عملتوها تلاقوني سبقاكم
تجهمت تعابير قاسم وأظهر تذمره من كلماتها:
_ وتسبيني يا أحلام؟
نظرت إليه وقد رققت من نبرتها وهتفت:
_ لا مقدرش، هبقى أخدك معايا
قهقه قاسم وكذلك الآخرين، ثم تابعوا تناول طعامهم في صمتٍ قطعته أحلام بسؤالها:
_ ابنك عامل إيه مع خطيبته؟
وكانت الصدمة الذي تلقاها قاسم وقد ترك الخبز من يده على الطاولة وحدجها غير مُصدقًا سؤالها، أطال النظر بها قبل يُردد:
_ آدم معتش خاطب يا أحلام، أنت نسيتي؟
أغمضت أحلام عينيها مستاءة من تناسيها الأمر وقالت معتذرة:
_ معلش والله نسيت خالص..
_ نسيتي إيه بس دا الموضوع كان مبقالوش يومين!
هتفها بعدم تصديق لمدة نسيانها الغير معقولة، فتحدثت أحلام بلامبالاةٍ:
_ أنت عايز كل اللي عديت بيه الفترة اللي فاتت دي ومنساش
ثم أضافت مازحة:
_ كويس إن أنا لسه فاكراكم..
أخذا الجميع حديثها على محمل المزاح إلا من قاسم الذي لم يخفض نظره منها وحالة من القلق قد سيطرت عليه.
***
بعد مرور بضعة أيام؛ صباح يوم الخِطبة، خرجت ليلى من غرفتها باحثة عن زكريا كعادتها من كل صباح في الأيام الماضية، وجدته يخرج من الغرفة الأخرى وبيده قميصًا باللون الأبيض وبنطال أسود كلاسيكي.
نظر إليها وقال:
_ ليلى عايز القميص دا يتكوى كويس..
اقتربت منه وأخذت القميص ثم تفقدته جيدًا قبل أن ترفع نظرها عليه متسائلة بفضولٍ:
_ القميص دا جديد؟
أماء زكريا وهو يُوليها ظاهره عائدًا إلى الغرفة، فأثار غيظها منه، هرولت خلفه وهتفت بحنقٍ:
_ أنت حتى مسألتش أنا هلبس إيه يوم خطوبة أختك! روحت اشتريت لنفسك وأنا مش مهم، أولع..
تفاجئ زكريا بثورتها والتفت إليها وتحدث ببرودٍ:
_ أنتِ لسه عروسة يا ليلى يعني أكيد عندك حاجات تلبسيها، إلبسي أي حاجة على لما تتعدل وابقي هاتي اللي أنتِ عايزاه..
لم تتقبل كلماته التي زادتها حنقًا منه وصاحت مندفعة:
_ هي المشكلة في اللبس؟
تأفف زكريا وصاح متسائلًا:
_ أومال إيه المشكلة يا ست ليلى؟
أجابته بانفعالٍ يخالطه العتاب:
_ المشكلة إنك مفكرتش فيا، فكرت في نفسك بس روحت اشتريت لنفسك واللي في البيت دي حتى السؤال لو محتاجة حاجة متسألش!!
خرج زكريا عن شعوره واندفع بها بغضبٍ عارم:
_ أوف بجد موال وحوار على الصبح عشان اشتريت ليا حتة قميص أحضر بيه خطوبة اختي، يا ساتر يارب..
اقترب منها ثم التقط من يدها القميص بعنفٍ وهو يهتف:
_ هاتي أنا هنزل لأمي تكويه واقعدي أنتِ مع نفسك بقى.. دي مبقتش عيشة!
لم تحرك ليلى ساكنًا بل تجمدت مكانها حتى استمعت إلى صوت إغلاق الباب فتساقط دمعها بحزنٍ بالغ كما لم تشعر به من قبل..
وفجأة اختل توازنها وسقطت دون أن تشعر، حتى وجدت نفسها بين أحضان أرضية الغرفة، فلم تمتلك القدرة لحظتها على النهوض وبقيت مكانها تبكي فكان للبساط نصيبًا من تلقي دموعها أعلاه حتى جفت عينيها.
فاعتدلت ونظرت في الفراغ أمامها لبرهة قبل أن تساعد نفسها على الوقوف، ثم خرجت باحثة عن هاتفها وقامت بالإتصال على عليا التي أجابت بعد ثوانٍ:
_ صباح الخير يا لولو
بصوتٍ باكي حاولت إظهاره طبيعيًا قدر الإمكان وردت:
_ صباح النور..
ترددت كثيرًا في طلب منها فستانًا لكنها مضطرة إلى ذلك فقالت:
_ بقولك يا عليا، عندك فستان ينفع أخده منك النهاردة بس..
تفاجئت عليا بطلبها، ثم رددت بعفوية:
_ إيه دا أنتِ مجبتيش فستان، طب مقولتيش ليه كنا نزلنا سوا جـ..
قاطعتها ليلى بحرجٍ:
_ الظروف جت كدا بقى، لو مش عندك خلاص..
_ لا لا عندي طبعا، هقول لماما تطلعولك لأن أنا مشيت مع خلود روحنا للميك أب أرتست
قالتها عليا مسرعة فعلقت ليلى بإيجازٍ:
_ تمام
ثم أنهت عليا الإتصال وقامت بعمل مكالمة أخرى، وانتظرت حتى أجابتها والدتها فقالت:
_ ماما.. لو سمحت طلعي الفستان اللي أنا كنت هلبسه في الحنة لـ ليلى..
_ نعم؟ ودا ليه إن شاء الله؟
تساءلت هناء غير راضية عن عرضها، فاضطرت عليا إلى التوضيح:
_ مجابتش فستان تلبسه يا ماما، لو سمحتي طلعيه بسرعة..
بغير رضاء لإخراج ذلك الفستان هتفت هناء:
_ ما تاخد أي فستان من بتوعك اشمعنا دا يعني؟ دا لسه جديد وبتاع الحنة المفروض محدش يشوفها بيه قبلك
بإصرار تام أردفت عليا:
_ لأ أنا حابة إنها تلبس حاجة جديدة زينا كلنا، عشان خاطري طلعيه، لو عرفت أنك طلعتي حاجة تانية بجد هزعل
وافقت هناء تحت ضغطٍ منها، فأخذته هناء من الخزانة ثم صعدت إلى الطابق الكائن به شقة ليلى، قرعت الجرس ففتحت لها ليلى بعينين حمراوين لاحظتها هناء لكنها لم تود سؤالها لكي لا تخجلها.
ناولتها الفستان وقالت بنبرة ودودة:
_ اتفضلي يا ليلى، مش محتاجة حاجة تانية؟
نفت ليلى بحركة من رأسها وقالت باقتضاب:
_ شكرًا
فغادرت هناء، بينما تفقدت ليلى الفستان وتفاجئت عندما وجدته نفسه الذي اشترته عليا خصيصًا لـليلة الحناء خاصتها، وضعته بحذرٍ على الفراش ووقفت تطالعه وداخلها يرفض بشدة ارتداءه قبلها.
قطع عليه حبال أفكارها رنين الهاتف، فقامت بالإيجاب:
_ إيه يا عليا؟
_ ماما طلعت لك الفستان؟
تساءلت باهتمامٍ فقالت ليلى:
_ ايوا، بس أنا مش هلبسه، دا بتاع حنتك ولسه جديد وأنتِ المفروض أول واحدة تلبسه..
بنبرةٍ حاسمة لا تقبل النقاش هتفت عليا:
_ مفيش حاجة اسمها المفروض، أنا وأنتِ واحد ومش فارقة مين تلبسه أول واحدة، ليلى بجد هزعل أوي لو ملبستهوش..
بتردد شديد قالت:
_ بس..
قاطعتها عليا بإصرار:
_ والله هزعل..
أخذت ليلى نفسًا ولم تريد إحزانها فقبلت بارتداءه:
_ خلاص هلبسه..
_ طب احلفي..
أرادت عليا أخذ منها قسمًا حتى يطمئن قلبها؛ فأردفت ليلى بحسمٍ:
_ خلاص والله هلبسه..
أخفضت ليلى رأسها في حياء وأضافت ممتنة:
_ شكرًا يا عليا
_ شكرًا على إيه يا عبيطة أنتِ، ما قولنا إحنا واحد، يلا روحي جهزي نفسك عشان متتأخريش..
قالتها عليا مازحة ثم أنهت الإتصال لتقوم بدورها مع شقيقتها بينما أمسكت ليلى بالفستان ثم وضعته عليها ووقفت أمام المرآة تتفقده، فظهرت على وجهها ابتسامة فرحة عندما وجدته يليق على جسدها.
***
بعد غروب الشمس، وصل وليد الذي يرتدي حُلة كلاسيكية سوداء جعلته جذابًا وزادته وسامة إلى مركز التجميل الذي فيه خلود، دلف المكان فوجدها تقف في زاويةٍ لا تريده أن يراها.
فابتسم بخفة وتوجه نحوها لرؤياها فتفاجئ بها تدور حول نفسها لكي لا يراها فتوقف ثم هتف مازحًا:
_ إحنا هنلعب قط وفار كتير، أوقفي يابت أنا دوخت..
ضحكت خلود ثم التفتت إليه بكامل هيئتها التي ظهرت إليه بوضوحٍ، فشعر بقلبه ينبض بحيوية، تشكل على ثغره ابتسامة عذبة وهو يتفقد جمالها الهادئ الرقيق التي حرصت على الخروج بتلك الهيئة، وكذلك فستانها ذو اللون الكريمي الناعم الذي ينساب على جسدها كأنه خصص لها فقط، فأخذ وليد نفسًا وتغزل بجمالها:
_ إيه القمر دا؟
أخفضت خلود نظرها بحياء شديد وهي تبتسم بخفة، ثم تفقدت هيئته الوسيمة التي سرقت قلبها وتراقص الفؤاد لجماله الذي سيكون لها بمفردها وقالت بحياء:
_ وأنت كمان شكلك جميل..
ابتسم وليد بعذوبة وبصوتٍ رخيم قال وهو يُعطيها باقة الزهور:
_ اتفضلي..
أخذتها منه ثم تعلقت في ذراعه عندما مَدهُ لها وتحركا إلى الخارج ثم استقلا سيارة عبدالله الذي أصر على ركوبهما معه مثلما فعل مع زكريا لكن الفارق الآن أنها سيارته تعود إليه.
كانت هناك سيارتان تسير خلفهما إحداهما تضم بها عليا وحازم، والأخرى يقودها زكريا الذي قام بتأجيرها خصيصًا ليوم مميز كهذا.
بعد مرور مدة ليس قصيرة؛ وصلا إلى المنطقة خاصتهم فترجل الجميع ووقفا أمام السيارات ثم انضم إليهم بعض شباب المنطقة وكذلك بس الأطفال والجيران، أخرج وليد من الصندوق الخلفي للسيارة بعض الألعاب النارية والألعاب المضيئة ثم ناول صديقيه مثله وقاموا بإشعال النيران بهم فاتقدت شرارة حمراء قوية من فوهتها.
ملئت السماء بذلك الدخان الأحمر المُتطاير وهما يُلوحان بيدهم ويتراقصون على أنغام الأغاني الشعبية الصادرة من السيارات خاصتهم.
كان وقتًا ممتعمًا لهما معًا حيث أظهروا فرحتهم لوليد تلك الأثناء بتصرفاتٍ تلقائية مثل أن قاما زكريا بالإنحناء ليساعد عبدالله وليد على الجلوس أعلى كتفيه، وكذلك فعل عبدالله الذي جلس على كتفي حازم وبدأ يرقص مع وليد بمهارة واحترافية سعيدًا بخِطبة صديقه.
وبعد مدة انتهوا مما يفعلوه ثم صعدوا جميعهم إلى بيت العم محمد المُقام به الحفل، أخذ وليد مكانه الذي خُصص لهما، وتفقد الزحام الذي أمامه وردد مازحًا:
_ هنعمل الخطوبة على الضيق، هي فعلًا بقت على الضيق مفيش مكان حد يقف فيه
انفجرت خلود ضاحكة وهتفت سؤالها من بين ضحكها:
_ إيه اللي جاب الناس دي كلها هنا محدش قالهم حاجة
مال وليد قليلًا بقُرب أذنها وهو يُخبرها بصوتٍ منخفض حتى لا يقع على مسامع الآخرين:
_ يا بنتي الناس دول أهلنا وجاين يفرحوا لنا مش محتاجين عزومة
_ أيوا بس أنا حرانة أوي، مفيش هوى خالص
قالتها خلود وهي تُلوح بيدها أمام وجهها على أمل إيجاد الهواء، انضمت إليهما عليا التي أعطت خلود تلك المِروحة اليدوية المصنوعة من الورق وهتفت:
_ هوي على نفسك الجو صعب أوي..
أخذها منها وليد وقام هو بالتهوية على خلود التي ابتسمت بخجل فردد هو بعد أن غمزها:
_ أي خدمة..
فزدادت ابتسامتها خجلًا، على الجانب الآخر كان يقف زكريا وتجاوره ليلى التي إلتزمت الصمت، لم توجه إليه الكلام، فقط تقف ليكون مظهرهما لائق أمام الجميع، ثم انتبهت على رنين هاتفه ولهفته في الرد بإبتسامة عريضة قد تشكلت تلقائيًا على شفتيه عندما قرأ الإسم الذي يتوسط شاشة هاتفه.
شعرت ليلى بالريية وخصيصًا بعد انسحابه إلى الخارج، فلم تتردد وخرجت خلفه على الفور ربما تعلم من يكون المتصل، وجدته يُرسل بعض الكتابات ثم أعاد وضع الهاتف في جيبه ليعود فوجدها أمامه، صر زكريا أسنانه ولم يعطها وجه بل عاد إلى الداخل وانشغل بين الجميع دون أن يكترث لها.
بينما لم تكن هي مطمئنة لما يحدث، حتمًا هناك أمرًا غير أخلاقي يقوم به، نجح شيطان أفكارها في إدخال تلك الأفكار السيئة إلى عقلها فزادتها اختناقًا وغيرة وعزمت على معرفة الحقيقة.
انتهت الخِطبة بعد وقتٍ وقام الشباب بالخروج للتنزه بعدها؛ قضوا وقتًا ممتعًا حتى تأخر الوقت وعادوا جميعًا إلى البيت، صعدا وليد برفقة خلود وخلفها عليا التي تساند ليلى.
ولجت عليا إلى بيتهم وكذلك ليلى التي صعدت إلى بيتها تاركين خلود مع وليد بمفردهما بينما كان زكريا بالأسفل مع عبدالله يتسامر معه فيما هم مقبلون عليه.
_ كان يوم حلو أوي
قالتها خلود بسعادة فوافقها وليد الرأي قبل أن يتغزل بها:
_ أحلى مافيه أنتِ!
تلونت وجنتيها بالحمرة وهربت من عينيه اللذان يتطلعان بها، ثم انتبهت على سؤاله:
_ ها، هتلبسي النقاب امتى
نظرت إليه بعيون جاحظة وهي تردد بعدم تصديق:
_ قول والله!
ضحك وليد على حالتها وتحدث بنبرة جادة:
_ مش أمك كانت عايزة العريس وأنا وعدتك وقتها إني هقنعهالك، أديني جبت لك العريس ومعتش عندها موانع!
تذكرت خلود ذلك المساء الذي وعدها فيه بإقناع والدتها، لم يخطر ببالها لحظة أنه سيقوم بكل تلك الترتيبات من أجل أن ترتدي النقاب، لم تُفارق البسمة وجهها وسألته بفضولٍ:
_ بس أنت متأكد إنك عايزني ألبسه فعلًا الفترة دي؟
أكد وليد إصراره على ارتدائها له بقوله:
_ أيوا متأكد، أنا أصلًا من وقت ما سمعت إنك عايزة تلبسي النقاب حسيت بإحساس غريب وقتها، حسيت إني عايزك فعلًا تداري عن عيون الشباب ومحدش يشوفك غيري أنا، واحساسي دا وقتها اللي خلاني أفكر يا ترى ليه فكرت فيكي كدا بالشكل دا وفي الآخر عرفت..
أنهى جملته بإبتسامة عذبة، وقد رأى السعادة تشع من عينين خلود التي لا يسع قلبها السعادة، قفزت خلود عاليًا بفرحة عارمة وبتلقائية غير مُسبقة التفكير قامت باحتضانه مُظهرة مدى سعادتها بقراره.
تلك اللحظة، تفاجئ وليد بل وصعق من تلك التي اخترقت صدره وتعلقت في رقبته حتى تنعم بعناقٍ، اهتز داخله بشدة، وشعر بإضطراباتٍ غير مسبوقة لم تراوده من قبل.
كان مستسلمًا لتصرفها كأنه مغيب العقل، لكنه لم يبادلها العناق، فلقد استاء من تصرفها الأرعن المفاجئ، كانت يديه بعيدة عن جسدها وكذلك هو حاول التراجع حتى يضع مسافةً بين جسديهما.
تلك الأثناء؛ كان زكريا صاعدًا السُلم بعد أن ذهب عبدالله وتفاجيء بذلك الوضع الحميمي الذي يحدث أمام عينيه، فلم يتقبل رؤيتهما على ذلك الوضع وصاح بغضبٍ هز أرجاء البيت:
_ خلود!!
***
عاد عبدالله إلى بيت المزرعة، صف سيارته جانبًا وقبل أن يدخل إليه قام بتفقد البيت المجاور التي تسكن فيه صبا، وقف يشاهد نوافذ البيت على أمل رؤياها فوالله لقد فاض به الشوق.
كاد يدلف البيت لكنه تريث عندما وجد باب البيت المجاور يُفتح، وتفاجئ بخروج زينب برفقتها، إزداد قلبه خفقانًا باقترابها منه، اقتربت زينب منه برفقة صبا التي لم تبعد عينيها لثانية عن عينيه، فهناك لغة بين أعينهم قد خُلقت في الأيام الأخيرة، يتحاوران ويُبديان مدى اشتيقاهما لبعض دون حديث.
خرج عبدالله من شروده بها على صوت زينب المتحدثة:
_ عبدالله، صبا عايزة تتكلم معاك في موضوع..
لم يحرك عبدالله ساكنًا بل ظل يتطلع بها في إنتظار سماع ما تريد التحدث به معه، حمحمت صبا بعد أن أشاحت بصرها عنه بصعوبة وأردفت:
_ أنا عملت محضر النهاردة ضد حمادة!
ابتعلت ريقها لتواصل:
_ وطبعا الإجراءات القانونية محتاجة شهود على الحادثة..
تحشرج صوتها ولم تعد تستطيع مواصلة الكلام عندما تذكرت تلك الليلة حينما وقعت بين يدي عبدالله بعد ما حدث لها، جاهدت على إخراج كلماتها التي باتت أكثر صعوبة:
_ محتجاك تشهد معايا.. طبعًا مش هتكون لوحدك، طنط أحلام وكل اللي شافوني يومها محتاجاهم معايا..
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه دون تعليق صوتي على الأمر، ثم انتبه ثلاثتهم على وصول سيارة قاسم وترافقه بها أحلام، تعجبا من وقوف ثلاثتهم معًا وتوجها إليهما فبادر قاسم بالحديث:
_ يارب دايمًا متجمعين في الخير..
أخفضت صبا رأسها في خجلاٍ بينما لم يُبعد عبدالله نظره عنها قط، فتولت زينب الكلام وأخبرته بحقيقة وقوفهم:
_ صبا بلغت عن حمادة، ومحتاجة عبدالله وماما يشهدوا معاها..
تدخلت أحلام معلقة:
_ طبعًا يا حبيبتي هنشهد، ربنا ينصرك يارب
اكتفت صبا ببسمةٍ باهتة ثم انتبهت على سؤال قاسم الجاد:
_ أنتِ وكلتي محامي يا صبا؟
رفعت عينيها في عينيه ونفت بحركة من رأسها قبل أن تجيبه:
_ لا لسه، أنا يدوب عملت محضر، إن شاء الله بكرة أدور على حد كويس
_ لا لا متتعبيش نفسك، مِتر صادق المحامي بتاعي هيتبنى قضيتك أنتِ وزينب عشان الكلب اللي اسمه حمادة ياخد جزاءه
قالها قاسم بحسمٍ للأمر بينما لمعت عيني صبا بامتنان كبير وشكرته على لطفه:
_ شكرًا جدًا يا عمي..
_ العفو يا دكتورة، أنتِ زي بنتي، زيك زي زينب بالظبط
قالها قاسم بتلقائية فنظرن إليه الفتاتان بحبٍ وامتنان لـ كلماته اللطيفة التي طيبت خاطر كلتاهن، ثم انضم إليهم عاصم الذي وصل للتو من عمله، التفتت صبا وتراجعت بِضع خُطوات لتترك له مجالًا للوقوف معهم فكانت قريبة للغاية من عبدالله الذي وصل إليه عبير رائحتها.
أسقط نظره على يدها الموضوعة خلف ظهرها وشعورًا لا إرادي قد قاده إلى لمس يدها، فحرك يده بقربها فلمس نعومتها التي قشعر بدنه أثره لمسته السريعة، على المقابل شعرت صبا وكان صاعقًا كهربائي قد صعق جسدها فجأة على الرغم من لمسته التي لم تكاد تشعر بها من خفتها.
لكنه لم يدرك ماذا فعل بها، الكثير من المشاعر والأسئلة والاضطرابات قد هاجموها فجأة، ولكن الأهم من بينهم، هل هو قاصدًا لمسته أم أنها حركة غير مرتب التخطيط لها؟
رمقته بطرف عينيها فوجدته ما زال مُثبتًا بصره عليها، فتسارعت نبضاتها وسرعان ما هربت من نظراته وحاولت إلهاء عقلها مع الجميع حتى لا تفتعل شيئا أحمق.
كان قاسم يتبادل الحديث مع عاصم عن انفصال ڤاليا وآدم حيث علق عاصم برأيه:
_ كل إحساس صعب مع الوقت بيقل... ربنا يكتب لهم الخير
ربت قاسم على كتف عاصم بامتنان لـ تفهمه، ثم وجه عاصم بصره على زينب الواقفة وقال بحماسة:
_ مفيش أكل النهاردة كمان يا شيف زينب ولا إيه؟
سؤاله كان محض انتباه الآخرين، حيث صُوبت الأنظار جميعها على زينب غير قادرين على فهم ما تفوه به عاصم للتو، بينما جحظت عينيها بصدمة عندما شعرت بمحاصرتها من الجميع الذين ينتظرون منها إجابة على سؤال عاصم المبهم.
***
