اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم صابرين


31- مَن منا الحياة ظلمته أكثر
فصل يوم الجمعة نزلته بدري يوم هدية ليكم علشان التعليقات الكتير اللي كانت الفصل الفات، وهكذا الأمر تدلعوني ادلعكم ❤️👀
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
أعاد شريط تسجيل مغادرة كاظم من فيلا عائلته للمرة التي لا يعلم عددها فصاح به يونس بضيق شديد لا يفهم لما يعيده :
-انا مش فاهم انت بتعيد تسجيل الفيديو ليه؟؟
تنهد سفيان ببطء وهو يرفع صورتين من بين أوراق عديدة متناثرة أمامهما على الطاولة المستطيلة التي يجلسان عليها، وقد كانت إحدى الصور تعود لكاظم بينما الأخرى لأخيه عادل :
-انت شايف وجه الشبه ما بينهم دول كأنهم توأم بإختلاف بسيط في الملامح
-عادي يعني مش اخوات، عمرك ما شوفت اخين شبه بعض ومش توأم
زفر سفيان على مهل يشعر بالتعب فها هم منذ يومين يجلسان في مبنى أمن الدولة من أجل البحث عن كاظم والذي اختفى وكأنه لم يعد له وجود على سطح الأرض
يومان مرا ببطء مزعج بعد أن نشروا اسم كاظم وصورته على جميع دورات التفتيش بكل المحافظات القريبة من الإسكندرية، بل وجاري البحث عنه في المحافظات البعيدة رغم استحالة خروجه من الإسكندرية، فلم يظهر داخل أي سيارة مرت وقد تم تفتيش كل السيارات حتى سيارات النقل الضخمة تم تفتيشها :
-الواد ده يا إما لسه في إسكندرية يا إما طلع برا مصر من البحر
تحدث يونس بهدوء وإرهاق لا يقل عن الآخر :
-مش هيقدر يطلع مفيش مركب خرجت من أي ميناء في إسكندرية من غير ما تتفتش تفتيش ذاتي، حتى الشرطة البحرية واخدين بالهم كويس، الاحتمال الأقوى أنه ممكن يكون اتقتل
-مستبعدش بصراحة، وده كمان لاني حاسس إنه وراه ناس هما اللي بلغوه أنه اتكشف، فيا إما قتلوه بجد علشان يخلصوا منه أو هما خفوه في مكان محدش يعرفه، بس هيروح فين مش هيقدر يطلع برا مصر لا بري ولا بحري ولا جوي حتى
دلف أمين وهو ضابط هنا لكن ذو رتبة أقل لذا يعمل تحت يد سفيان :
-باشا عادل الدخيلي رجع إسكندرية وعرف باللي حصل لأخوه وبعتنا علشان نجيبه ونستجوبه زي ما استجوبنا باقي عيلته
هز سفيان برأسه هزة بسيطة، ثم وقف من على المقعد ملتقطًا هاتفه ومفاتيح سيارته، من ثم قال :
-يونس خليك موجود لما يستجوبوا عادل وبعدها ابقى ارجع بيتك ارتاح شوية علشان تعرف تكمل
عقد الآخر حاجبيه متسائلًا قبل رحيل الآخر :
-هو انا لسه هكمل، مش خلاص كده القضية هيهتم بيها أمن الدولة والشرطة خرجت من الموضوع
-خرجت من الموضوع ازاي يعني، فيه سفاح طليق يا حضرت الظابط ثم انت لسه معايا في القضية دي، ومش هتفرق أمن دولة من شرطة أهم حاجة الواد ده يجي حي أو ميت
خرج من الغرفة وتركهما بها ليقول يونس محدثًا أمين :
-هو سفيان رايح فين؟؟
-تقريبًا يا باشا رايح للبنت اللي اتاخدت في الرجلين في القضية دي، أصله محمل نفسه ذنب اللي حصلها
وآماء يونس بعدم اهتمام ثم وقف من مكانه مستعدًا لسماع عادل الدخيلي فيما سيقوله عن أخيه وهذا بعد أن اكتشف أنه سفاح إسكندرية الشهير، والسؤال الأهم الذي سيُطرح على عادل
هل كان يعلم أن أخيه قاتل؟!
أما بالنسبة إلى سفيان توقف بسيارته أمام مشفى يبعد عن جهاز أمن الدولة بعدة دقائق، سار بين الأروقة متجهًا إلى الغرفة الموجودة بها هاجر وقد كان لا تزال على نفس وضعيتها منذ آفاقت وعلمت أنها فقدت الجنين، تجلس ضاممة قدميها إلى صدرها بدون أي رد فعل، لم تصرخ لم تبكي لم تثور حتى
هى صامتة فقط وكأن الصدمة افقدتها النطق
تحدثت معه الطبيبة وهى تحدق في هاجر التي تستند بذقنها على قدميها اللتان تضمانهما إلى صدرها بذراعيها :
-لازم تخرج الكبت اللي جواها، غلط عليها السكوت ده
-انا اقدر اطلعه بس ممكن تتعرض لنوبة صرع تانية؟؟
نفت الأخرى برأسها تمد له التحاليل التي اجروها لهاجر :
-لأ هى مش هتتعرض لأي نوبة تانية علشان اكتشفنا إني في سم كان في جسمها هو اللي كان بيعمل تحفيز وإثارة للجهاز العصبي واحنا اديناها دواء مضاد والحمد لله السم بدأ يختفي من جسمها
حدق بها سفيان مذهول ثم عاد بنظره لهاجر متسائلًا لنفسه :
-عملت ايه علشان تتسم؟؟ كل شوية اكتشف فيها حاجة تحيرني أكتر
عاد بنظره للطبيبة ثم قال :
-هاخد نسخة من التحليل وحالتها علشان نشوف مين حاول يقتلها
دلف سفيان بعد أن طرق الباب لربما يستدعي انتباهها، وبالفعل نظرت هاجر بطرف عينها له ثم عادت تنظر أمامها بصمتها القاتل، سحب الآخر مقعد حديدي وجلس عليه ثم قال :
-عاملة ايه النهاردة يا لوزة؟؟
-هاجر
ابتسم سفيان لأنها أجابت وكذلك الطبيبة فمن الجيد أنها ردت عليه فمر يومين ولم تتحدث بكلمة واحدة، تحدث سفيان بنفس الرد الذي رده عليها في أول مقابلة لهما :
-لأ لوزة علشان انتي عيوطة وأي واحدة عيوطة بيبقى اسمها لوزة
دفنت هاجر وجهها بين قدميها ولم تجب فقال سفيان وقد قرر استخدام أسلوب علم النفس العكسي، وبوقاحته المعتادة أجبرها على رفع رأسها له حين قال :
-خلاص بقى انتي هتأفوري ليه، قاعدة في جو المكتئبة البائسة الدنيا مش هتوقف يعني
رمقته هاجر بضيق شديد لوقاحته هذه إذ قالت :
-اطلع برا انتي بني آدم قليل الذوق سبيني في حالي وامشي
استند سفيان على فخذيه مستفزًا اياها أكثر حتى تكسر قوقعتها وتخرج :
-طب انتي تعرفي انك هتورثي في أملاك الدخيلي هيبقى عندك ملايين كتير، في واحدة بقى هيبقى معاها ملايين وتقعد قعدتك دي
تبًا له، وتبًا للملايين التي يتحدث عنها، وتبًا لآل الدخيلي جميعًا والذين لم يأتوا عليها سوى بالآلام الجسدية والنفسية حتى باتت تتمنى الموت
امسكت بقارورة مياه بجانب الفراش وبكل قوتها ألقتها عليه ولولا أن تفادها الآخر لكانت اصطدمت في رأسه، بينما هاجر فاض كيلها وانتهى صبرها وكأن فقدانها للجنين للمرة الثالثة جعاها تنفجر وتخرج مخزون الأحزان والهم الذي تحملته لسنوات بعد أن أخذوا منها الأمل الذي كانت ستحيا لأجله :
-مش عايزة منهم حاجة مش عايزة حاجة من حد سيبوني في حــالــي
اقتربت منها الطبيبة بسرعة حتى تهدئها ولكن اوقفها سفيان يريد أن تخرج هاجر جميع ما في جعبتها، والأخرى انفجرت بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فأخذت تلقي وتحطم أي شئ تطوله يديها من أدوية أو محاليل حتى أنها حطمت الزجاج :
-كل اللي عملوه فيا ده علشان الفلوس، قتلت عيالي علشان ميورثوش مع عيالها، حكموا عليا الناس اني اتجوزت واحد أكبر مني عمري بمرة ونص علشان طمعانة في فلوسه وانا اتجوزته غصب عني
ألقت بجسدها على الفراش وأخذت تمزق في الوسائد ومازالت تصرخ وتهزي وسفيان يطالعها بصمت ينتظر سكونها ولكن أخطأ فحالتها لن تستكين بل ستزيد الأمر سوءًا، إذ امسكت بشظايا الزجاج المكسور ووضعته على رسغها تنتوي قطع شرايينها
وهنا انتفض هو والطبيبة التي حاولت منعها بالكلام والذي في حالة هاجر ما كان ليجدي نفعًا، وقد كان سفيان تصرفه أسرع إذ أمسك بذراعيها وابعدهما عن بعضهما ولأجل إيقاف جسدها عن الحركة العنيفة حاصرها بينه وبين الحائط صارخًا بها أن تترك قطعة الزجاج والتي من قوة قبضتها عليها أصبح كفها يسيل بالدماء :
-ســيـبيـها
-لأ
-بقولك ســيـبيـها
وصرخت به هاجر بنفس القوة رافضة تركها فعكس سفيان الوضعية وادار جسدها بسرعة بحيث أصبح ظهرها مواجهًا لصدره، بينما أمسك برسغيها بيدٍ واحدة والأخرى انتشل منها قطعة الزجاج وألقى بها بعيدًا
اخذت الأخرى تنتفض بشكل هيستيري حتى يتركها فأمرته الطبيبة بتركها حتى لا تصاب بإنهيار حاد، افلتها سفيان ببطء فهبطت الأخرى أرضًا تبكي بقوة، أرادوا منها الانفجار والآن لن يستطيعوا إخماد بكائها
-انا هديها مهدئ
نطقت بها الطبيبة وهى تهم بالخروج فجميع الأدوية القتها هاجر أرضًا، بينما الأخرى هزت رأسها بنفي، لا تريد أن تنام بفعل المهدئات كما كان يفعل معها الطبيب أثناء مرضها بالهلاوس والصرع سابقًا :
-مش عايزة مهدئات مش عايزة
نظرت إلى سفيان برجاء شديد فقال الآخر بهدوء وهو يعيد ترتيب خصلات شعره التي فسدت بسبب ما حدث :
-متديهاش مهدئ يا دكتورة انا عايز اتكلم معاها انا هخليها تهدى
وبعد محاولات إقناع الطبيبة أن المهدئ حل أفضل حتي تنام، استسلمت وتركت سفيان مع هاجر التي كانت ترفض المهدئ وكأنهم سيعطون لها سم
نظر سفيان إليها يرى دموعها تهبط بغزارة وكأنها لم تبكي لسنوات، لم يطلب منها أن تهدأ بل تركها تبكي كما تريد وظل هو يجلس أرضًا مثلها على مقربة منها، مستندًا بظهره على الحائط
وبعد دقائق طويلة انتبه أن كفها مجروح فأخذ الشاش الملقى أرضًا ومد يدها حتى يسحب كفها، واقترابه منها جعل جسد هاجر يرتد للخلف رافضة اقترابه بينما قال الآخر بنبرة هادئة حنونة لم تسمعها منه من قبل، وكانت نبرته تعاكس تصرفه إذ سحب كفها بحزم رغمًا عنها وأخذ يدلفه بالشاش الأبيض :
-هلفلك الجرح وانادي حد يطهره
قطع الشاش وربطه ببطء حتى لا تتألم والأخرى تحدق به بصمت رغم حالتها المزرية وجفونها المتورمة، والدموع التي جفت على وجهها أفسدت نقاء بشرتها البيضاء
لم يرفع سفيان عينيه لها رغم علمه أنها تحدق به، بل قال بهدوء شديد :
-عايزة تنتحري وتروحيله كافرة أومال ايه مسلمة ومحجبة ولا مش عارفة انتي الإنتحار حرام!؟
عادت الدموع تتبلور في عينيها البنية ثم قالت كلمة واحدة وصفت بها العواصف التي ترعد بداخلها :
-تعبت
-لو كل واحد تعب قرر ينتحر مش هيفضل حد في الدنيا دي، عُمر الإنتحار ما كان الحل
نطق بها بقوة وهو يحدق في عينيها غاضبًا من محاولتها لإزهاق روحها بهذا التهور، بينما هاجر همست بحزن شديد وملامح وجهها جامدة :
-انا حاولت انتحر ست مرات قبل كده ودي السابعة
ختمت حديثها وهى ترفع كمها عن معصمها تريه أثر جروح غائرة ومقطبة بل وهناك حروق وكأنها حاولت حرق نفسها حية، من ثم قالت تراه يرمقها بذهول يغلفه الغضب :
-من عشر سنين بالظبط كنت بستعجب ليه واحد ممكن ينتحر، ايه الوحش اللي شافه وعلشانه مش عايز يكمل في الدنيا، دلوقتي اكتشفت اني الدنيا والناس وحشين أوي، والبني آدم ممكن يمر بحاجات تخليه مش طايق يقعد فيها ولو لثانية واحدة كمان
-ايه اللي شوفتيه في الدنيا والناس يخليكي تحاولي تنتحري سبع مرات؟!
ورغم هدوء نبرته إلىٰ أنه غاضب منها بشدة ولكن يريد أن يسمعها، فيبدو أن لطف وهدوء هاجر الذي كان يراه ما هو إلا سطح هادئ لطيف لبحر أعماقه هائجه مخيفة، ابتسمت هاجر بمرارة وودت لو أن تضحك عاليًا ولكن بسخرية منه :
-شوفت ايه من الدنيا والناس؟! انا شوفت حاجات كتير أكبر من سني وقوة تحملي، كنت بتظلم واسكت، اتقهر واسكت، اتذل واسكت، الدنيا خدت مني ابويا وامي في يوم واحد وانا لسه عندي ١٨ سنة
-ابويا وامي برضو ماتوا في يوم واحد، الموت خطفهم مني في لحظة واحدة
سالت الدموع من عيون هاجر ثم استرسلت :
-اتغصبت على راجل أكبر مني بخمسة وعشرين سنة
-اتغصبت اني اتحمل موتهم علشان خاطر اخويا اللي ملوش حد غيري، اتغصبت اتحمل مرض اخويا واكتم انا جوايا علشانه
-انا حملت تلات مرات وسقطوني، حرموني منهم قبل ما اشوفهم
صاحت بها وكأنه تخبره أنها تعاني أكثر منه بينما سفيان أجابها بنبرة هادئة رغم قسوة ما يقول :
-ابني خبطته عربية قدام عيوني وهو لسه عمره تلات سنين ومات بين ايديا
-انا كانوا بيحطولي دواء في الأكل علشان يجننوني لحد ما جالي صرع وبقيت مريضة هلاوس
-وانا فضلت تلات سنين وسط جماعة إرهابية على أساس اني واحد منهم وشايف اللي قتلوا ابويا وامي رايحين جايين قدامي ومطلوب مني اتحمل لحد ما اقبض عليهم، انتي لو اتحملتي المرض انا اتحملت عذاب جهنم على الأرض بعد ما اتكشفت ولولا إني في عمري بقية كان زمان تحت التراب
لا تعلم لما آلامها قلبها عليه وشعرت بالفعل أن هناك من يعاني مثلها وليست هى الوحيدة التي ظلمتها الحياة :
-انا عشت سنين مع راجل مش بحبه
-وانا عشت سنين برضو مع ست معيشاني في هم ونكد وخنقة، وحتى موت ابني حملتني سببه
بكت هاجر مرة أخرى وهذه المرة لا تعلم اتبكي حالها أم حاله هو، لا تدري من منهم الحياة ظلمته أكثر، أبتسم سفيان يعلم أنها تشعر بالسوء الشديد ولكنه يحمد ربه على كل حال لربما بلاء الدنيا أهون من بلاء الآخرة :
-حالتي زي حالتك وعمري ما حاولت انتحر، أحمديه حتى على البلاء يا هاجر انتي متعرفيش إرادة ربنا، ده بيقولك لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع، مش الدنيا ولا الناس دي إرادته هو وبيهم أو من غيرهم هتحصل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استمعت إلى آذان العصر يصدح من المأذنة وينتشر صداه بسرعة بسبب الخلاء الذين يعيشون فيه، فهم يسكنون في قلب الحقول حيث مساحات واسعة من النباتات الخضراء وقد كان في هذه الأثناء موسم القمح ولا تزال السنابل خضراء اللون
حدقت في نبتة الريحان التي تزرعها والدتها على السطح داخل علبة بلاستيكية مستديرة وكأن اللون الأخضر الذي يحيطهم من الثلاث جهات لا يكفي، تنسى هذه النبتة دائمًا ربما لا أحد يتذكرها سوى والداها فهى التي تهتم بها وتسقيها
تنهدت بقوة وهى تطالع كفيها المربوطين بالشاش الأبيض يفسد نقاؤه بقع حمراء من ذلك المطهر، سوف تعود إلى الإسكندرية مرة أخرى قريبًا وهذا لأن اختبارات نصف العام على أبواب، نادمة على أنها أصرت على الدراسة هناك وعاندت والدتها التي اخبرتها ألا تغترب وتذهب لمحافظة أخرى
كم بكت حتى تدعها تدرس هناك ولولا موافقة والدها وأن ياسر قدم أوراقها هناك قبل أن يغلق باب القبول ما كانت حقًا لتستطيع الذهاب
لم يشغل بالها ما حدث في الأيام السابقة فما كان يشغلها هو أنها خطيبة ياسر دون علمها، كيف يفعل والدها بها شيئًا كهذا ويوافق دون أن يخبرها حتى، تفكر منذ يومين في المشادة التي ستحدث بينها وبين والديها حين تخبرهم بالأمر، لا تعلم اترفض أم تقبل ولكنها ناقمة على الجميع بسبب إخفاء الأمر عنها
صدح صوت والدتها وهو تصعد الدرج وكم بدت غاضبة من سبابها المتواصلة التي تلقيها عليها، لا تعلم ماذا حدث فهى تجلس هنا منذ نصف ساعة ولم تفعل شئ و..... ويبدو أن هذا هو السبب
اقتربت منها والدتها وهى تصيح بها غاضبة :
-انا بنادم بقالي ساعة مرداش ليه
تبسمت لها عائشة ضاحكة حتى تخفف من حدة والدتها :
-فين ساعة تلاقيكي لسه قايلها من خمس دقايق
التقطت والدتها بعض الملابس المعلقة على حبال الغسيل ثم قالت :
-طب قومي يلا إلبسي علشان نروحوا خطوبة أيمن ولد عمك
تكاسلت الأخرى عن الأمر فهى لا تحب الخروج من المنزل أبدًا وإن أرادت شيئًا من الخارج تبعث نور فالأخرى عكسها تحب الحركة كثيرًا :
-لأ انا مش هروح
استدرات إليها الأخرى بضيق لا تدري لما تسير ابنتها عكس الناس فجميع الفتيات يحببن الخروج خاصةً إلى حفلات الخطوبة والزفاف، إلا ابنتها تفضّل الجلوس في المنزل ولا تخرج حتى إلى محل البقالة الذي يقع على أول الشارع :
-وانا مش هروح واسيبك هنا ثم ابوكي اتصل وقال لازم نروحوا انا وانتي علشان ده ولد أخوه ولازم نعملوا الواجب في غيابه، انا لو عليا مش عايزة أروح علشان مرت عمك بس أبوك قال نروحوا وأيمن جه بنفسه ودعاني وقال هيزعل لو مجتش
لوت عائشة شفتيها بتهكم ثم قالت :
-معرفش ايه اللي لم عمي جابر على كوثر أكنك حطيتي وردة جنب قشرة موز معطنة
قهقهت والدتها "صفية" بعلو على تشبيه ابنتها لزوجة عمها وقد كان الوصف صحيح تمامًا، فجابر شقيق زوجها رجل طيب صالح لا يحب المشاكل ولم يسبق وأن قال كلمة سيئة لأحد
بينما زوجته كوثر عكس ما قيل تمامًا فهى خبيثة ماكرة، تبحث عن المشاكل للجميع ولا تحب الخير لأحد، ولا تآمن لها سرًا ابدًا
دائمًا ما يكون في كل بيت وعائلة شوكة تؤذي الجميع ولا أحد يسلم من شرها سواءً كانت زوجة عم، أو عمة، أو حماة، أو حمى، أو حتى زوجة ابن، وكوثر هى الشوكة في عائلتهم
-طب يلا قومي واوعي يا عيشة تقولي لحد على اللي حصلك هناك لا انتي ولا اللي حصل لأختك، اديكي شايفة مرت عمك الناصحة عملت ايه لما عرفت اللي حصل لشروق وطلعت على البت إنها اتلبست بعفريت والبلد كلها ملهاش سيرة غيرها ورايحين جايين يقولوا بت حسين صفوان اتلبست
ضاقت عائشة بشدة وظهر هذا واضحًا على ملامحها فقالت صفية وهى تربت على كتف ابنتها، تعطي لابنتها درسًا في الحياة :
-الناس يا بنتي تحب تنقل الكلام وتعدل عليه وبدال ما يقولوا عليكي كانت محبوسة في الكلية لحد الفجر هيقولوا كانت دايرة على حل شعرها لحد الفجر، الناس مش ملايكة، لو حد سالك مالك ايه اللي حصل قوليلهم وقعت من على السلم في الكلية وبس
أعطت لها الملابس التي جفت ثم اكملت :
-يلا قومي نزلي دول والبسي عارفة لبسك هيقعد سنة، انا هودي للطير وجاية
دلفت صفية من باب صغير يفصل سطح منزلهم إلى قسمين إذ كانت تربي أنواع كثيرة من الطيور كما هو شائع في جميع بيوت أهل الصعيد، وقفت عائشة على الباب ترى والدتها تلقى بعض البرسيم إلى أرانبها الصغار
تحدثت بتردد قلقة من رؤية ياسر في الخطوبة فهى لم تتحدث معه منذ آخر محادثة معهم في القطار، ولم تراه بعدها رغم أنه اتصل عليها وأتى إلى هنا مع والدته بحجة واجب زيارة المريض، وهى ادَّعت أنها نائمة ولم تخرج، وقد كان ياسر هو صاحب فكرة أنها سقطت من على الدرج فلا يعلم أحد بالحقيقة سوى والدتها وشروق وياسر وحسن فقط :
-ماما هو ياسر مقالش حاجة لما جه هنا؟!
-حاجة زي ايه؟؟
نطقت بها الأخرى وهى مشغولة فيما تعمل فقالت عائشة بثبات تود كشف المستور الآن :
-حاجة زي انه اتقدملي وانتوا وافقتوا من غير ما تقولولي على حاجة؟!
اعتدلت الأخرى في وقفتها ولم تُصدم من حديثها هذا بل قالت مستفسرة :
-ياسر هو اللي قالك ولا نورهان
-هى نورهان كمان عارفة؟؟ لأ ده شكل العيلة كلها عارفة وانا آخر من يعلم ولا أكني العروسة!؟ كنت فاكرة اني حكاية الجواز على الغيابي دي خلصت ولا انتوا كنتوا ناويين تقولوا ليا على الفرح!؟
هزت صفية رأسها بنفي وقد كانت تعلم أن هذه المواجهة ستحدث وها هى قد حدثت :
-لأ لما كنتي تكبري كنا هنقولولك مكناش عايزين حاجة تأثر عليكي انتي كنتي في ثانوي وقتها يعني مستقبلك كله
ابتسمت عائشة بسمة متهكمة ثم قالت :
-ويا ترى بقى لسه ليا رأي ولا خلاص كده
-ليكي رأي طبعًا بس هو ياسر وحش علشان ترفضيه ده شغال في شركة بترول وأكتر واحد بيكسب في ولاد عمامه كلهم، وكمان رايدك وشاريكي ودخل البيت من بابه ويبقى ولد عمك وولد خالتك
مسحت عائشة وجهها بعصبية من فرض الأمر هذا، تشعر حقًا بالغضب من كونهم وافقوا دون العودة إليها وكأنها بدون أهمية، ورغم أن العناد ليس من صفاتها إلىٰ أنها عاندت في هذا الأمر قائلة :
-طب ولو قولت مش عايزاه ورافضة الموضوع
تركت صفية ما بيديها وخرجت لها ثم تحدثت معها برزانة وعقلانية :
-وماله ياسر يا بتي ده انا مربياه وعمره لا عمل حاجة غلط ولا لسانه قال العيبة ولا مسك سجارة حتى، أبوه رباه راجل ومعلمه الحلال من الحرام، وكمان خالتك ثناء هتحبك قوي يعني مش هتبقى ليكي عمة تطلع عينك معاها
بحثت عائشة عن حجة بسرعة لتقول :
-بس ياسر كبير قوي يا ماما ده أكبر من بعشر سنين
-دول عشر سنين هما عشرين؟! ثم ابوكي أكبر مني بسبع سنين وعمك عبد الجواد أكبر من خالتك بتسع سنين
لم يبدو الإقتناع على ابنتها فقالت ساحبة نفسها من الموضوع :
-بصي عندك ابوكي لما يتصل قولوليه اللي انتي عايزاه يوافق يوافق يرفض يرفض انتوا حُرين، بس ياسر زين ومؤدب ونعرفوه والقريب أحسن من الغريب
تركتها وهبطت بينما ظلت عائشة تحدق في الحقول الخضراء التي يطل عليها بيتهم من جهة الغرب، ربما ياسر بالفعل ليس بالشاب السيئ لكن الفارق بينهم لا يعجبها، وكونهم اخفوا عنها الأمر _حتى لو لمصلحتها انذاك الحين كما قالت_ لا يعجبها
لكن هناك سؤال لم تطرحه على نفسها ولم تفعل من قبل لكونها كانت تظن أن ياسر يحب شقيقتها.... هل ياسر يعجبها؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقف أمام نافذة البهو المطلة على الشارع، متابعًا الشمس وهى تتجه ببطء ناحية الغروب وقد بدأت اشعتها تندمج مع البحر ونتج عن هذا انعكاسات ضوئية كثيرة، منها انعكاس مر من خلال زجاج النافذة منعكسًا على عينيه البنية
اعتلت ابتسامة جذابة على شفتيه يتذكر رد فعل براءة بعد أن طلب منها يدها بشكل مباشر، لقد هربت ولم تعطي له الرقم أو تعطي له إجابة، حتى أنها لم تدلف للعمليات معه وبعثت علا متحججة بكذب أنها تشعر بإعياء مفاجئ
أسند رأسه على الزجاج يتخيل أنه وفي يوم من الأيام قد تكون براءة زوجته، سوف يفتح الموضوع مع والده والذي سيعود الليلة من سفره، الكثير من المواضيع ستقال الليلة ومنهم عن تحديد علاقة رقية وعمر
وعلى سيرة رقية، أبصرها تخرج من غرفتها وفي يدها حقيبتها ثم اتجهت إلى باب الشقة وكأنها على وشك الخروج رغم أنها ترتدي منامة شتوية :
-رايحة فين يا رقية!؟
نطق بها مستفهمًا وهو يقترب منها واضعًا كفيه داخل كنزته الشتوية، ورغم أن السؤال كان عاديًا ونطق به يوسف بطريقة عادية، إلىٰ أن رقية ترجمته بطريقة أخرى وشعرت أنهم فقدوا ثقتهم بها، ولهم الحق في هذا
طأطأت رأسها أرضًا، من ثم اجابته :
-نازلة عند نور وبراءة أقعد معاهم شوية ولو مش مصدقني تـ
-لأ انا مصدقك
نطق بها يوسف مقاطعًا إياها وتركها تذهب لعلمه أنها لم تخرج من يومين من المنزل وهذا شئ لم تفعله رقية _صاحبة الحركة المفرطة_من قبل، ورغم أن يونس غائب إلىٰ أنها نفذت عقابه، ليس خوفًا منه وإنما لأنها تعلم أنها مخطئة
رن هاتف والدته على الشاحن بعد ذهاب رقية فاتجه إليه مسرعًا فوالدته مشغولة في المطبخ لإعداد الطعام لزوجها العائد من السفر، ابتسم بإتساع عندما رأي أن المتصل هو يونس فأجاب سريعًا وهو ينادي على والدته حتى تأتي :
-تعالي يا ماما يونس بيتصل، الو يا ابني انت فين؟؟ ده انت لو في حرب أكتوبر مش هتقطع بينا كده
ابتسم يونس بإرهاق وصوت أخيه أعطاه بعض الطاقة ليعود للمنزل على الأقل :
-حاسس اني دماغي هتفرقع من الصداع يا يوسف والله، ومعنديش الصدر الحنين اللي يجيبلي كوباية مياه وقرص بنادول
تبتسم يوسف وعلم أنه يقصده، وقبل أن يتحدث اختطفت عبلة منه الهاتف هاتفة بلهفة :
-ايوه يا يونس انت فين يا حبيبي انا قلقانة عليك أوي
-انا كويس يا ماما بس علشان الشغل والقضية وكل شوية تتصل علينا الدوريات في واحد شبه السفاح والتحقيق مع أهله، مقدرش من ده كله اتصل عليكم ولا أنام حتى
اشفقت الأخرى على ابنها، فحتى إن كان بعد أشهر سيكمل الثلاثين يظل صغيرها في النهاية :
-وطبعًا مش بتاكل يا يونس، هتقطع نفسك في الشغل يعني ولا هى مصر كلها مفيش فيها ظابط غيرك، بقولك ايه لازم ترجع علشان ترتاح وعلشان باباك راجع الليلة دي وانا عايزة نتلم على سفرة واحدة إحنا الخمسة مش كل شوية واحد فيكم يغيب عن البيت
آماء يونس وكأنها تراه ثم قال متحججًا :
-ماشي انا ساعة كده وجاي سلام دلوقتي
أغلق مع والدته ثم والىٰ انتباهه للذي أمامه إذ كان يجلس رفقة بعض الضباط أمام زجاج يظهر من خلفه عادل وهو يجلس أمام ظابط يفصلهم طاولة مستطيلة بينما الآخر يطرح عليه نفس الأسئلة التي طُرحت على باقي عائلة كاظم :
-أستاذ عادل أنت كنت فين أثناء حادثة قتل فريال واللي كانت خطيبة كاظم أخوك
-انا كنت مسافر علشان شغل في شرم الشيخ ومعرفتش اني فريال اتقتلت، أصلًا فريال فركشت مع كاظم
كان رده هادئ هدوء مبالغ به بشدة فقال الضابط وهو يدرس رودود أفعاله بتركيز :
-أخوك كاظم الدخيلي هو سفاح إسكندرية انت تعرف ده؟؟
ولم يبدو على عادل تفاجئ بالأمر بل اكتفى بهزة رأس نافية فقط فقال الضابط بشك :
-مش شايف اني رد فعلك على معرفتك بالموضوع غريب
-وصلني الخبر علشان كده نزلت إسكندرية وأكيد رد الفعل اللي انت عايزه خلاص اتعمل
-ايه رأيك في القضية المتهم فيها أخوك تفتكر أنه يعملها
-آه
وهذه المرة كانت المفاجأة للضابط فجميع العائلة قالت لا بإستثناءه هو، استند بذراعيه على الطاولة ثم قال :
-يعني انت تعرف أنه قتال قتلة وكنت متستر عليه
نفى عادل سؤاله هذا هاتفًا بذكاء :
-لأ سؤالك مكنش كده، سألتني إذا كنت أشك انه يقتل وانا قولتلك آه بس مقولتش إذا كنت أعرف انه قتل والإجابة على دي لأ
تنهد الآخر وعلم أنه يتعامل مع رجل ذكي :
-ليه تشك انه اخوك ممكن يقتل يا أستاذ عادل؟؟
-علشان هو مجنون سيكوباتي بيحب يشوف الدم مستبعدش أنه يطلع قتال قتلة
-عندك ما يثبت انه كده؟؟
-انا عارف انه كده من سنين وقولتله يتعالج وهو راح لدكتور نفسي فعلًا وقاله أنه مريض سيكوباتي بيأذي الناس ومش بيحس بأي ندم
-ايه اسم الدكتور ده!؟
-لا معرفش مقالش اسمه
أستمر استجوابه عشر دقائق أخرى وقد كانت ردوده الهادئة _عكس ردود أفعال باقي العائلة_ تدعو إلى الشك، تحدث يونس وهو يرى عادل يرحل من باب آخر :
-انتوا مراقبين تليفوناتهم ومراقبينهم كويس صح
آماء له أمين بإيجاب فقال أحد الضباط الجالسين بنبرة آمرة :
-تحطوا مراقبة مكثفة على ده بالذات هدوءه يقلق مش بعيد يكون عارف انه أخوه قتال قتلة وبيستهبل بهدوءه ده
أما عادل خرج من جهاز أمن الدولة ثم فتح باب سيارته وقد تفاجأ من أن سائقه قد تغير رغم أنه يرتدي نفس الملابس، لم يدم هذا الاندهاش كثيرًا وصعد السيارة فانطلق السائق بسرعة عادية هاتفًا بهدوء شديد :
-انت متراقب
-أكيد لازم أكون متراقب مش اخويا طلع السفاح
-لازم أخوك يخرج برا البلد، انت عارف لو أتقبض عليه نهايته هتبقى ايه وكمان هيجرك معاه يا عادل
تنفس عادل بعمق لا يفهم كيف تم كشف أخيه الأخرق هذا، بالطبع قد قتل فريال وهو مسكور فمنذ أن انفصلت عنه وهو لا يتوقف عن تجرع الكحليات :
-هو فين دلوقتي؟ ازاي اختفى وانتوا مش عارفين هو فين؟!
-انا المعلومات اللي عندي بتقول أنه هو هددهم لما حاولوا يخرجوه من البلد وبعدها اختفى ومش عارفين له طريق والمطلوب منك توصله قبل ما البوليس يوصله
نظر له السائق في المرآة وهو يعلم مع من يتعامل فهذا عادل الدخيلي، رجل الأعمال الشهير وهو الوجه الارستقراطي لأعمال عائلة الدخيلي الاستثمارية
وخلف رُقيه ونبله وهذه الملامح الوسيم الهادئة يقبع ضبع مفترس ينتظر من يزعجه فقط حتى يقضي عليه، فأمامكم رجل بوجهان، وجه راقي هادئ وآخر سفاح قاتل
ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن سفاح الإسكندرية شخصان وليس واحد، أحدهم هادئ في قتله والآخر مجنون سيكوباتي، والأثنان هما أبناء حاتم الدخيلي الذكور وكلاهما يقتلان لأسباب مختلفة
ربما معظم الضحايا كانت من نصيب كاظم فهو يقتل ليشبع غريزته في سفك الدماء، بينما عادل العكس يخرج طاقة مكبوتة في داخله كما يزعم، وفي النهاية كلاهما قاتلان حقيران ولكن ذكيان
فلم يتوقع أحدهم أن السفاح اثنين وليس واحد...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وقفت أمام شقة رقم خمسة في الطابق الثالث وقد كانت تعود هذه الشقة للفتيات والمتواجد بها الآن هما نور وبراءة فقط، طرقت الباب وقد قررت التونس بهما فهى لا تخرج منذ يومين ولم تعتاد هذا أبدًا، حتى عمر لا ترد على مكالماته ورسائله
يالا سخرية القدر تحاول منذ أسابيع أن تجعله يتعود على وجودها حتى تعود علاقتهما كما كانت، وعندما تعود تنسحب هى مجبرة، وكأن القدر يأبى أن يجتمعا مرة أخرى
فتحت نور الباب بعدما أبصرتها رقية من العين السحرية، ابتسمت لها بمجاملة تدعوها للدخول :
-اتفضلي يا رقية تعالي
دلفت رقية وفي يدها حقيبتها وقد أخرجت منها كيس أسود واعطته لنور بحذر فأخذته منها الأخرى بتعجب :
-ايه ده!؟
-دي مقادير كيكة انا جبتها وعايزة اعملها بنفسي بس تقفي معايا وانا بعملها، امي بصراحة مشغولة أوي وانا عايزة اعملها مفاجأة يعني لبابا علشان راجع من السفر وكده
تبسمت لها نور ولم تمانع بل فتحت الكيس تتأكد من أن المقادير كاملة :
-تمام نعملوا كيكة وماله، انتي عايزاها شوكلاتة ولا سادة ولا تحبي تعملي الاتنين في بعض
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب فلم يسبق لها وأن رأت كعكة مختلطة :
-هو ممكن نعمل الاتنين في بعض
-ايوه اسمها كيكة تايجر هى هتحتاج شغل بس حلوة عملتها قبل كده
-ماشي نعمل دي، معلش هتعبك يا نور بس مش معايا اخت بنت ومش بعرف أعمل حاجة في المطبخ لوحدي
نطقت بها رقية بإحراج فقالت نور بمزاح حتى لا تحرجها :
-مش بتعرفي تعملي حاجة في المطبخ لوحدك وانتي في السن ده يا فرحة أمك بيكي يا رقية
نظرت إلى الكيس ثم قالت :
-طب احنا كده هنحتاج بيض تاني وكاكاو وكريم شانتيه علشان الزينة ولو تجيبي لوح شوكولاتة أو مكسرات هطلعك الكيكة دي تورتة
-بصي انا عايزة اعمل حاجة كده ينبهروا بيها وكمان عايزة اعملها بأيدي علشان اتفشخر كده وأقول اني انا اللي عملاها
ختمت حديثها بحماس شديد فدائمًا ما تصاب بإحباط من أخويها عندما تفشل في صنع شئ في المطبخ فلم تستطع ولو لمرة أن تصنع شئ جيد ينبهروا به، كل محاولاتها فاشلة
-طب مين هيجيب باقي الطلبات
تساءلت بها نور فأجابتها رقية وهى تخرج هاتفها :
-هتصل على البواب يجيبها بس يعني انتي عندك وقت؟!
-يا بنتي انا فاضية فضى الكلاب تعالي تعالي دي انتي جيتي من السماء بعد ما كنت هطُق من الزهق
دلفت رقية إلى البهو خلفها وهى تتصل على البواب وقد املته الطلبات خلف نور التي كانت تملي عليها ما تحتاجه من أجل صنع كعكة لذيذة ذو شكل جذاب، تساءلت رقية وهى تضع هاتفها على الوضع الصامت :
-اومال براءة فين مش شايفاها يعني
-بتاخد دش
اعتدلت رقية في جلستها ثم سألتها عن ذلك الحساب، رغم أنها تعلم ما حدث من جهة حمزة، إلىٰ انها أرادت أن تسمعه من جهة نور، بينما الأخرى انقلبت ملامحها بإنزعاج ثم قالت :
-انا اتصدمت فيه كنت فكراه بني آدم راقي ومحترم طلع ز
كادت أن تسبه علانيةً ولكنها تراجعت بسرعة مستغفرة ربها ثم أضافت :
-يلا ربنا يصلح حاله، انا غيرت الحساب خالص من وراء الرسايل اللي كانت بتوصلي ده التليفون كان بيهنك من كتر الرسايل
دلفت براءة إلى البهو بخصلات ندية ترفعها إلى الأعلى ولتوها خرجت من المرحاض، ولكنها استمعت إلى صوت نور تتحدث مع أحد في البهو فأرادت أن تعلم مع مَن، وقد شعرت بالريبة من وجود رقية فهل بعثها يوسف لكي تتحدث معها
تعترف كم كانت خرقاء عندما تركته وركضت في الممر هربًا منه فقد أصابها الارتباك والخجل الشديد من طلبه الصريح للزواج منها، لا يحدث هذا عندهم في الصعيد فلا يطلب رجل من امرأة الزواج بهذه الطريقة المباشرة
بل يذهب هو أو أحد من أقاربه من أجل تحديد موعد لمقابلة والدها، وإن وافق والدها سيراها ويجلس معها في رؤية شرعية، لكن إن لم يوافق والدها لن يراها أبدًا
لا تدري اهو يعلم بهذه التقاليد عندهم أم لا، وحتى هى لا تدري ما العمل فلا تستطيع أن تعطيه الرقم فإن سأله والدها من أن أين أتى برقمه هل سيقول له من ابنتك، ربما هذا شيئًا عاديًا لكن في عرف الصعيد عندهم ليس بعادي
ابتسمت لها رقية ولم تكن على علم بعد بما فعله يوسف لذا تعاملت مع براءة بشكل عادي :
-ازيك يا براءة ايه الأخبار
اكتفت الأخرى بهزة بسيطة ولم تسألها عن سبب قدومها بل انسحبت من المكان حتى تمشط خصلات شعرها قائلة :
-الحمد لله تمام
طرق الباب فعادت براءة للغرفة بينما تحركت رقية حتى تفتح عندما وجدت نور تبحث عن شيئًا ترتديه على رأسها، أخذت منه المقادير ثم قالت :
-شكرًا يا عم جمال لما أنزل هبعتلك الفلوس
أغلقت الباب ثم قالت بنبرة متحمسة لصنع كعكة حتى تراضي بها اخويها فهى تعلم أنهم يفضلون الكعك أكثر من أي شئ :
-يلا نعمل الكيكة
دلفت خلف نور إلى المطبخ وكم كانت قلقة من أن يفسد الكعك فهى تعلم نفسها فاشلة في كل ما يخص أمور المطبخ، أخرجت الخلاط ثم ابتعدت طالبة من رقية الاقتراب :
-تعالي يلا علشان تحطي المقادير
-بس انا مش حافظاها
أخرجت نور هاتفها حيث تحتفظ بوصفات البسكويت والكيك فعقلها ليس بدفتر لذا تحتفظ بملف يخص هذه الأمور :
-عندي ملف للكيكة والبسكويت والنواعم هبقى ابعته ليكي، انا هقولك تحطي ايه وانتي تحطيه بس خلي بالك انا معلمة غليظة ولو الكيكة باظت هيبقى من وراكي انتي مش من ورايا انا
آماءت رقية بإيجاب مستعدة لخوض التجربة وتحمل النتائج :
-يلا توكلي على الله طلعت حلوة هياكلوها طلعت وحشة هياكلوها برضو غصبًا عنهم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
استمع إلى صوت الجرس ودون إجابة، هبطت يده من على أذنه بيأس من أن تجيب رقية على مكالماته أو رسائله، لما لا تجيب عليه؟! حتى أنها ترى الرسائل ولا ترد
زفر بضيق وهو يحدق في الجدران المقشرة والمتصدعة حوله، يشعر أنها تضيق عليه تقيد حريته، سحب علبة الدواء الموضوعة على الكومود ثم أخرج منها قرص وابتلعه بمساعدة الماء
ألقى بالعلبة الشفافة دون إهتمام ثم فتح حاسوبه المحمول والذي كانت متصل بتلك الفلاشة التي وجدها في شقة والديه حيث أخبره سفيان
أخذ يقلب في الصور وعقله لا يتذكر الجميع، يشعر برؤيته لرقية معه وكأنه حضر تلك الصور وتلك المشاهد، هناك ومضات تأتي من حين لآخر داخل عقله
ظل ينظر للصور والفيديوهات قرابة الساعة ليس وكأنه شاهدهم ثلاث مرات من قبل، مد أنامله إلى صورة رقية متحسسًا الشاشة وكأنه يلمسها بالفعل، رأي هذه الأعين السوداء من قبل، وهذا الشعر الأسود الطويل، وهذه البشرة الناعمة
ابتسم بحب للصورة ولا يدري أعاد قلبه يتذكر رقية أم أن عقله بدأ يحبها ويشتاق إليها بشكل لا إرادي بعد معرفته أنه كان يحبها، وهذا واضح من الصور إذ كان في أغلب الفديوهات يطالعها بنظرات شغوفة وكأن نظراته تنطق بحبه لها
يبدو أن هذا الدواء له مفعول بالفعل فبدأ يتذكر لحظات مشوشة، ولكن لما تتجاهله رقية وهو من أعتاد على رؤيتها في كل مكان يذهب له، هل تعكس الأدوار الآن حتى يشتاقها؟!
ويبدو أن طريقتها فعالة فبدأ يشعر بالحنين لرؤيتها
استمع إلى صوت جدته وهى تناديه من أجل الغداء، استقام من على الفراش وقد أصابه دوار حاد مع ارتفاع في نبضات قلبه، منذ الأمس وهو يعاني من هذا الأمر وقد ظن أنه ربما فقر في الدم أو ما شابه
لكن هذه البرودة التي تجتاح أطرافه منذ الصباح لا تطمئنه، علىٰ صوت جدته مرة أخرى فحاول أن يقف وهذه المرة سقط على الفراش وهو يضع يده على صدره بألم لهذه النغزات التي تضرب داخل صدره لسرعة خفقان قلبه
علىٰ تنفسه في الغرفة وهو يشعر بحرارة شديدة رغم برودة الأجواء فلما الحرارة إذًا؟؟ طرقت جدته على الباب وهى تناديه :
-يا عمر انت نايم ولا صاحي
-انا صاحي
نطق بها بصوت منخفض متعب لم يصل إليها ففتحت الباب حتى ترى ماذا يفعل وقد ابصرته يجلس على الفراش ويبدو عليه الإعياء، اقتربت منه بخطوات بطيئة وهى تستند على عكازها هاتفة بلهفة :
-مالك يا عمر؟؟
جلست بجانبه متحسسة جبينه المتعرق بغزارة وقد كانت درجة حرارته شبه مرتفعة رغم أن عمر يشعر أن جسده يغلي، تحدث بضعف مستندًا على صدر جدته :
-دايخ ومش... مش عارف اخد نفسي
-دايخ ليه يمكن ضغطك واطي تعالي نقيس الضغط في الصيدلية اللي تحت
-مش قادر أقوم
وبالكاد سمعت ونس جملته هذه فعلمت أنه متعب بشدة ولا تعلم حقًا مما فكان صباحًا بخير، نادت على حنان بصوت فزع قلق على حفيدها قائلة :
-بت يا حنان انتي يا بت
أتت حنان على صوتها فقالت ونس بسرعة وهى تحيط بعمر بذراعيها تريد أن تجعله يتمدد على الفراش :
-روحي بسرعة نادي الدكتور اللي في الصيدلية عمر تعبان ومش عارف ياخد نفسه
أسرعت الأخرى للخارج بخطوات مهرولة فيبدو أن عمر متعب بحق، ولسرعتها اصطدمت في سفيان الذي كان يصعد الدرج بملامح مرهقة، امسك بها بسرعة قبل أن تسقط فقالت الأخرى بفزع :
-ألحق يا باشا الأستاذ عمر تعبان أوي فوق
-عمر؟! عمر اخويا؟؟
نطق بها سفيان بفزع وقد تلاشى التعب تمامًا، وبدلًا من كونه كان يصعد الدرج بخطوات متكاسلة أخذ الدرج في ثلاث خطوات، دفع الباب الذي كان مفتوحًا متجهًا إلى غرفة أخيه والذي كان ممد على الفراش يلتقط أنفاسه بصعوبة، وجدته تجلس بجانبه لا تدري ماذا تفعل فلا هى طبيبة ولا تستطيع القراءة حتى تأتي بأي دواء من الثلاجة
ولج للغرفة بسرعة وهو يتفحص أخيه بخوف حقيقي :
-مالك يا عمر مالك؟؟
أخذ يفك السترة الثقيلة التي يرتديها لربما تطبق على أنفاسه وهو يحادث جدته بفزع :
-ماله حصله ايــه؟!
-مش عارفة والله هو كان كويس دخلت اناديه علشان الغداء لقيته دايخ وبيقولي مش عارف أخد نفسي
وضع عمر يده على صدره فوق نبضاته المتسارعة بقوة ثم تحدث بصوت متحشرج بسبب أنفاسه المسلوبة :
-قلبي يا سفيان هيـ.... هيقف
وشعر سفيان بالضغط الشديد على عقله وكأنه توقف فلا يريد أن يخسر أخيه كما خسر والديه، دلف الطبيب الصيدلي أو لنقول الشاب الذي يقف في الصيدلية فالأطباء ذو التخصص الصيدلي لا يقفون في الصيدليات يكتفون بكتابة اسمهم عليها :
-وسعوا كده علشان يتنفس
أوصل ذراع عمر بجهاز الضغط الذي أحضره من الصيدلية ليجد أن ضغط عمر عالي بشدة فقال :
-هو بيعاني من الضغط أو السكر أو القلب، نبضات قلبه عالية وضغطه عالي
-لأ مش بيعاني من حاجة زي كده خالص
نطقت بها ونس بسرعة فقال الشاب وهو يفك جهاز الضغط من على ذراعه :
-يبقى اخد دواء غلط، انت بتاخد دواء معين
أشار عمر بعينيه إلى العلبة الشفافة الموضوعة على الكومود فألتقطها الشاب وأخرج هاتفه يبحث عن مكوناتها :
-انت بتاخد ده من امتى؟؟
-يومين وده التالت
نطق بها عمر بتعب شديد وقد زادت نبضات قلبه بطريقة لا تحتمل فقال سفيان بشك وهو يحدق في العلبة الناقصة :
-عمر انت اخدت منها قد ايه دي؟؟
-كل يوم قرصين يعني ست لحد دلوقتي
وصاح به الشاب بغضب وذهول بعدما تبين مكونات الدواء واضراره وفوائده :
-ستة ازاي انت عايز تنتحر؟! دي دواء تقيل جدًا في التلات أيام كنت تاخد حباية أو تلاتة بالكتير
شعر سفيان بالفزع على أخيه خاصةً وان عمر أصبح كمن ينازع الموت على الفراش، فصاح بالشاب الصيدلي قائلًا :
-طب اتصرف اكتبله على دواء أعمل حاجة
-لأ دواء ايه ده لازم يتنقل على المستشفى حالًا وإلا هيجيله ذبحة صدرية يموت فيها
"كان كام بنت قالوا اني جاية على البنات أوي وفي الواقع انا هاجي على الشخصيات كلها علشان روايتنا واقعية وهو ده الواقع وهى دي الدنيا لازم الكل يدوق الحلو الوحش فيها ✋🏻🙂"



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close