رواية عملتان لوجه واحد الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم آية الطري
٣١- اتحاد اضطراري
أنصح ولكن لا تفضح، أنتقد ولكن لا تجرح ، عامل الشخص على حاضره ليس على ماضيه وعامله على عقله ليس على عمره ، وإن لم تسعد أحدهم لا تضايقه...
+
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ❤
+
----------------☆☆☆☆☆
+
صوت الضغط على الزناد تردد في المكان لكن لم يتبعه سوى الصمت، تجعد وجه وائل وهو يعيد الكرة ونفس النتيجة تتكرر في دليل على فراغ سلاحه من الرصاص بينما شادي ثابت في موضعه بعد تلك الحقيقة التي كسرت جزءًا داخله لا يبالي ان خرجت بارودة لتستقر في صدره أم عمره لازال فيه بقية....
+
_" فيه ايه؟؟ "
صاح بها وائل بصدمة بعدما تحطم باب شقته فجأة ودخلت مجموعة من أفراد الشرطة تحاوطه...
+
اقترب أحدهم من شادي سريعًا يُردد بلهفة:
_" انت كويس؟ "
+
انتظر فارس رده لكن بالفعل لم تخرج منه إشارة فجذبه للخارج دون إضافة متفهمًا صدمته في حين قبض زميله على وائل الذي للتو بدأ يستوعب الفخ المُعد جيدًا للقبض عليه...
+
_" أنتم بتعملوا ايه!!! أنتم مش عارفين أنا مين!! "
+
صرخ بها وهو يبعد العساكر عنه ليتدخل أحد الضباط يضع الحديد في يديه وهو يرد ساخرًا:
_" عرفنا يا وائل بيه انت مين كويس، كل كلامك متسجل صوت وصورة... كلامك اللي بيأكد وساختك وسلامة الأدلة اللي وصلتنا ضدك... هاتوه يلا "
1
سيطروا على مقاومته الهوجاء وتم القبض عليه لتُفتح بذلك قضيتين إحداهما جديدة تخص خيانته لقسمه واستغلاله لسلطته والأخرى قديمة تخص شهادة زور أدلى بها منذ سنوات في حق زميلين له ليكن أحد أكبر أسباب سَجنهما ظلمًا...
+
أما بالأسفل أدخله فارس للسيارة دون أي اعتراض منه ووقف يتحدث في الهاتف قائلًا:
_" اللي اتفقنا عليه تم يا باشا بس شادي مش تمام باين عليه مصدوم ومتأثر جدًا "
2
بعدما وصله الرد وافق بطاعة واستقل السيارة التي انطلقت دقائق قصيرة قبل أن تصطف أمام مبنى يعرفه شادي جيدًا حيث يقطن به الأخصائي النفسي المتابع لحالته...
1
نظر فارس له بهدوء وتحدث في احترام:
_" أنا آسف يا أستاذ شادي إن عندي تفصيلة خاصة زي دي بس أظن ده الأفضل ليك دلوقتي ولو سيف موجود كان جابك هنا "
+
نظر شادي للمبنى بضياع ثم هز رأسه وهبط من السيارة ليتبعه فارس سريعًا يقول:
_" تحب أنتظرك ونطلع بعد كدة على القسم، ده يعني لو مستعد للتحقيق في الوقت الحالي! "
+
نظراته شرحت أنه أبعد ما يكون عن الاستعداد فتفهمه فارس وأضاف:
_" تمام خد راحتك أنا هتابع القضية ولو احتاجناك هجيلك بنفسي.... سلام "
+
تحرك شادي لمدخل العمارة خطوات لا يشعر بها ليجد ماهر في انتظاره كما تم التخطيط، استقبله بإهتمام وهو يردد بنبرة ودودة:
_" أهلًا وسهلًا يا شادي اتفضل "
+
مشى معه للداخل قبل أن يتوقف لحظة ويستدير قائلًا دون مقدمات:
_" شكرًا يا ماهر على كل تعبك معايا بس أنا مش محتاج كورس علاج أو تأهيل نفسي أنا محتاج أواجه "
+
قال جملته في ثبات قبل أن يخطو للخارج مرة أخرى دون أن يستمع لنداءات الطبيب الذي لحقه في قلق....
+
---------------
+
مع بزوغ شمس جديدة كانت هناك ضربات خفيفة فوق باب تكسر سكون المكان لتتحرك نحوه تلك الأم التي للتو فرغت من أذكار الصباح بملامح متعجبة من وجود أحدهم في ذلك الوقت الباكر على بابها الذي أصلحته حديثًا بعد واقعة مُروعة لازالت ابنتها تتداوى من أثرها.....
+
_" مين اللي بيخبط" قالتها ماجدة بنبرة مهزوزة متخوفة من تكرار الكرة ليغمض هو عينيه بألم لا يحتمله قلب وجاهد لينطق:
_" سيف "
+
خرجت منه كشربة ماء لقلبها المتعطش، يدها حاربت لتفتح وصوتها الذي ملأه البكاء يردد في لهفة وغبطة:
_" حاضر يا نور عيني حاضر "
+
فتحته بقوة على مصرعه وعينيها تسبق جسدها، أبصرته واقفًا، بالفعل هو، لكن كالجماد كل شيء فيه ساكن، صرخة الفرحة خرجت منها تجذبه لأحضانها ودموعها تهطل كأنها حبيسة سنوات تضم وتعاتب وتبكي وهو صامت...
+
تخرجه من أحضانها وتدخله، تتفحص كل جزء به وهي تسأل وتسأل ما بك! أين كنت! ما بال وجهك مصفرًا ، عيناك ذابلة! ماذا حدث لك! طمئن قلبي بحق الله! لا رد ولا تفاعل....
+
بهدوء اجتازها للداخل نحو غرفة أخته لتصيح مجدة برعب:
_" حرام عليك يابني رد عليا فيك ايه!؟ "
+
التفت لها بعدما ضعف لنبرتها المرتعبة وقال:
_" اطمني لسة عايش... سلمى فين "
+
هزت رأسها بعدم اقتناع ولازالت تبكي وتحرك يدها على وجهه وتقول:
_" مالك!.... قولي مالك... تعالي اقعد بس عشان خاطري تعالي "
+
جذبته معها لكن سحب نفسها من بين يديها بهدوء أقرب للبرود وواصل طريقه لغرفة أخته....
+
والمسكينة عقلها على حافة الجنون من غرابة حاله، لحقته تردد ببكاء يشتد:
_" يا حبيبي أختك في أوضتك وكويسة زي الفل... قولي انت ايه اللي فيك!!! كنت فين وحصل معاك ايه قلب حالك كدة حرام عليك ريحني "
+
ألقى عليها نظرة فارغة قبضت على قلبها دون حديث، ثم اتجه لغرفته وهي ظلت مكانها من الصدمة عاجزة عن تفسير ما به وقبل أن تتبعه مرة أخرى سمعت طرقات على الباب...
+
أما هو فأشعل الأنوار في الغرفة ثم نظر نحو أخته النائمة بأعين دمعت شفقة على حالها واعتذار مبطن بتوعد، مشى نحوها وهو يأخذ نفس عميق، لامس شعرها بلطف ثم مال يقبل رأسها هامسًا بنبرة مبحوحة:
_" سلمى "
+
حمحم ليرفع نبرته وأعاد مناداتها لترد في نعاس:
_" لا مش هقوم دلوقتي أنا تعبانة"
+
نزلت دموعه بصمت و هو يلتقط نفس آخر ويقول في اعتذار مؤلم:
_" سلامتك يا حبيبتي، هسلم عليكِ بس وهسيبك ترتاحي "
+
بدأت تدرك ما يدور ببطء ففتحت عينها تردد بعدم تركيز:
_" شادي انت رجعت امتى "
+
ضحك ضحكة باهتة نابسًا:
_" لا شادي مارجعش، ينفع سيف؟ "
+
_" سيف!!! "
+
خرجت منها في صرخة وهي تنتفض أمامه تنظر له بأعين واسعة، جلس جوارها سريعًا يهديها ويريح جسدها للخلف وهو يقول:
_" براحة ما تتفزعيش كدة... اتوجعتي! "
+
بدأت تبكي هي الأخرى متجاهلة ألمها فضمها لصدره يستطرد باعتذار:
_" أنا آسف... حقك على عيني والله آسف "
+
دخلت ماجدة مع سكر بعدما شكت له وضع ابنها الغريب فاقترب منه يقول:
_" حمدًا لله على السلامة يا سيف لمحتك من البلكونة جيت جري... كنت فين وايه الغيبة الطويلة دي؟ "
+
رمقه لحظة ولم يرد فقط يُحدث أخته بكلمات حانية لتكف عن البكاء، نظرت ماجدة لأخيها كأنه تقول ( أرأيت ؟ )...
+
_" سيبونا لواحدنا شوية " قالها بهدوء وهو ينظر لخاله وأمه التي همت تعترض لكن منعها سكر وهو يأخذها للخارج...
+
عاد بنظره لسلمى وحاوط وجهها بين كفيه وقال:
_" بالله كفاية أنا مش حمل الدموع دي والله بتحرقني يا سلمى، سامحي أخوكِ على فشله في حمايتك... آسف إني كنت السبب في أكبر كوابيسك، وحياتك عندي لأندم كل ايد مستك "
+
تلبسها الذعر وهي ترفض بجنون:
_" لا أوعى مش عايزة ماتقربش منه، بالله عليك يا سيف ابعد عنهم احنا مش قدهم... انت مش هتاخد حقي أنا مش عايزة حقي أنا عايزاك معانا بس أنا نسيت والله وهخف بسرعة وكل حاجة هترجع زي الأول "
+
_" ششش... اهدي... بس خلاص اهدي "
+
بصعوبة سيطر على نوبة خوفها ثم أجلسها في وضع مريح وسأل بجدية:
_" عايزك تحكيلي كل اللي حصل في غيابي بالتفصيل وخصوصًا في اليوم المشئوم ده "
+
ابتلعت ريقها بارتباك مترددة في اخباره بزيارة عارف الديب ثم كلمات كمال لها تخشى أن يورط نفسه معهم بل والأدهى أن اكتشف ماضيها المخزي بابن عدوه...
+
_" اتكلمي يا سلمى ماتخافيش احكي "
+
بدأت تتحدث بتردد، أعلمته بكل ما حدث وعندما وصلت لمقابلة عارف بأمه وحديثه عن ابنه الضائع، ضاع في حيرته اللعينة وعقله رافض ربط الخيوط أو تفسير أي شيء حتى ختمت سلمى كلامها قائلة:
_" كمال قال لماما انه هينتقم من اللي اسمه عارف في ابنه اللي رباته في بيتها هو متخيل انك أخدت بتول بأوامر من عارف... كان بيقول أي كلام "
+
أومأ بصمت ثم تنهد وقال بغضب راقد:
_" يعني الاحتمال الوحيد، انه وصل لبتول عن طريق مراقبته لعارف الديب وأذى أهل بيتي انتقامًا مني على خطفها "
+
هربت عينيها منه كأنه سيقرأ سرها داخلهما لم تقوَ على اخباره بشأن حسام وما حدث بينهما أما هو تشبع باستنتاجه حتى سألته بتيه:
_" هو ليه فاكر انك ابن عارف الديب "
+
برد جسده من تركيبة سؤالها ثم ابتلع غصته وقال:
_" يمكن شاف صورة ليا وفكرني عز ابنه "
+
عقدت حاجبيها وقالت بإدراك:
_" عز اللي المفروض شبهك! "
+
أكد بعينيه لتردف في استنكار:
_" طب ازاي كمال الصيفي يعرف إن عز ابن عارف والراجل نفسه بيدور على ابنه ومايعرفش عنه حاجة... وايه الصدفة اللي تجمع ولادة عز ده معاك في نفس اليوم على حسب كلام عارف، ويكون نسخة منك كمان!!! ده كأنه توأ... "
+
توقفت الكلمة في حلقها وارتخت ملامحها كأنها استوعبت كارثة مرفوضة تمامًا ونظرت لاخيها بصدمة جعلته ينتفض من جوارها كالهارب من فضيحة على وشك الانتشار....
+
_" سيف... ماتمشيش استنى " قالتها بسرعة وهي تلحق به لكن تخطى الجميع ولم يرد على أحد، ترك المنزل بقلب مثقل بشكوك تتأكد في كل عبارة يسمعها.... لكنه عرف كيف سيقطع الشك باليقين...
+
---------------
+
خرجوا من قسم الشرطة فارغي الوفاض لم يتحرك أحد لنجدة ابنتهم من يد من يدعي أنه زوجها، فقد تلاعب في وثيقة الزواج بمساعدة والدها ليزور في عمرها الحقيقي...
+
جلست عتاب على جانب الطريق تضع يدها على رأسها بحسرة وتردد:
_" يعني ايه! لسة هستنى لما يثبتوا أن القسيمة مزورة! يعني شهادة ميلاد بنتي وبطاقتها مش كفاية يثبتوا أنها لسة ماتمتش ١٧ سنة يا ناس!!... "
+
تدخل نوح بعدما انهى حديثه مع المحامي قائلًا بثبات:
_" لا مش هنستنى يا عمة احنا هنثبت الكلام ده وهي بيتها "
+
ثم نظر لنهال وقال:
_" روحوا يا خالة نهال وأنا هقضي كام مشوار وراجع "
+
صرخت عتاب رافضة:
_" رايح فين انت كمان!!! عايزه يرجعك قتيل؟!! تبقى انت وبنت عمتك وأعيش بحسرتي عليكم... انت مش هتتحرك من جانبي "
+
لم يرد فقط أوقف تاكسي وأجبرهما على الصعود بعدما وعدها أنه سيعود سريعًا بينما تحدث مع شخص ما في الهاتف قائلًا:
_" هدفع اللي يقولوا عليه بس تتفق معاهم ان التنفيذ الليلة وهكون معاهم "
+
رد الآخر بتعقل:
_" انت متأكد من اللي بتعمله ده يا نوح خد بالك دي جريمة "
+
لكن نوح لم يكن لديه ذرة تردد رد بإصرار:
_" اللي يتاخد قوة مايتردش غير بيها، ودي الطريقة الوحيدة عشان أرد على راجل اتعدى على حرمة بيتي "
+
أغلق معه ليتفاجأ بمن ينظر له بترقب، دار نوح بعينيه في المكان للحظة ثم عاد ينظر للرجل بتعجب وقال:
_" حضرتك محتاج حاجة "
+
رد بكر وهو يحرك كتفيه ببساطة:
_" أبدًا حابب أتعرف بس "
+
ثم مد يده لنوح الذي بادله السلام بتردد قبل أن يقدم الآخر نفسه:
_" أنا بشمهندس بكر انت نوح مش كدة؟ "
+
استغرب للحظة لكن أكد له بإبتسامة متحفظة:
_" كدة "
+
_" طيب يا نوح من غير لف كتير أنا جايلك بخصوص سهى بنت عمتك"
+
قالها بجدية لتضيق جفون نوح بتساؤل ثم أردف بنبرة منزعجة:
_" انت تعرف سهى منين؟ "
+
أشار للسيارة المصفوفة جانبًا وقال بعدم اكتراث:
_" عربيتي مكيفة على فكرة والقاعدة فيها تخلينا نتفاهم كويس، كلم صاحبك يلغي حجز مع الرجالة اللي طالبهم وأنا هقوم بالواجب ماتقلقش"
+
ارتبك من كلامه لكن نبس بجدية:
_" حجز!! قصدك ايه؟ "
+
رد بكر بابتسامة ماكرة:
_" حجز الكورة يا نوح اللي كنتوا نازلينه في بيت الجزار اياه... بس فيه حد يلعب كورة ٢ بالليل الجو بيبقى برد جدااا الأيام دي "
+
زفر الآخر بضيق ثم استفسر بشك:
_" انت شغال مع عز باشا صح؟ "
+
ضيق عينيه لحظة وهز رأسه بنفي قائلًا:
_" نشوف موضوع عز باشا ده بعدين... إنما أنا بلعب صولو مش تبع حد "
+
لم يجد أمامه اختيار لحل لغز ذلك الرجل الغامض غير أن يطيعه، استقل السيارة جواره وقال بصبر:
_" ممكن بقى تفهمني عرفت الكلام ده ازاي وايه علاقتك بينا؟ "
+
رد الآخر مباشرة يدلي بهوية ليست هويته لكن قريبة من عمله الحقيقي:
_" معاك الرائد بكر صلاح شرطة انترنت "
+
نظر له المسكين ثم لبطاقة التعريف التي أخرجها له ثم تحدث بذهول:
_" يعني كذبت عليا ومش مهندس! "
+
ضحك بكر بخفة وسأل مشدوها:
_" هو ده اللي فرق معاك "
+
صمت نوح للحظة قبل أن يحمحم ويقول بصوت مغلوب على أمره:
_" معلش يا باشا الواحد بيمر بحاجات تشيب... ممكن أعرف برضو عايز مننا إيه "
+
تفحصه بصمت يراجع الصيغة التي سيخبره بها سر ابنة عمه وتورطها مع عصابة كهذه لكن في النهاية بدأ يقول:
_" سهى ليها صاحبة اسمها شهد مش كدة! "
+
سيطر على أفكاره القلقة وقال:
_" آه "
+
استطرد الآخر بنبرة متأسفة:
_" للأسف والدة شهد شغالة مع جماعة مش مظبوطة وبيستغلوا البنات في أعمال سيئة جدا "
+
تحفزت خلاياه ونظر له بانتباه شديد ليعود بكر يستكمل:
_" وسهى واحدة من ضحاياهم "
+
نزلت الجملة كالصاعقة على قلبه الصغير تاهت نظراته الموجهة لبكر وخرج سؤاله متعلثم:
_" ازاي يعني!!... سهى أنا مراقبها كويس مش بتخرج من الحارة أصلا و... "
+
تأفف بكر بخفوت والحديث ثقيل عليه هو أيضا شفقةً بحال الشاب لكن اضطر الاستكمال بنفس الجدية:
_" مش لازم تروح مكان معين هما بيعرفوا يستنفعوا بالضحية وهي في بيتها... يعني تقدر تقول دعارة الكترونية"
+
تحركت رأسه بسرعة وملامحه تغيرت يرفض الحديث بعنف ويستنكر بانفعال:
_" لا مفيش كدة... سهى مش هتعمل كدة أبدا أنا عارفة هي متهورة بس مستحيل توصل لكدة مستحيل.... انت غلطان يا باشا "
+
قبض بكر على ذراعه يمنعه من مغادرة السيارة ووجه له نظرات تحذيرية ثم أمره بصرامة:
_" لو سمحت اضبط أعصابك وامشي معايا للآخر عشان نساعدها... واطمن هي ماتعدتش عن مجرد مكالمات صوتية وبعض الصور كانت منزلاها على جروب مشترك مع بنات تبع الشبكة دي "
+
غلت الدماء في اوردته وهو يصيح بصدمة:
_" وانت شايف ان ده عادي!! اتأكد لو سمحت صدقني أكيد غلطان.. سهى دي تربية ايدي وأنا بقولك هي تخاف تعمل كدة... "
+
_ " مش بمزاجها يابني أفهم... دخلولها من سكة بنات زي بعض وبيتبادلوا الصور والمكالمات لحد ما قدروا يجروها لطريقهم "
+
تجمعت دموع القهر في مقلتيه وارتفعت يديه تطوق رأسه يهز جسده في توتر والدنيا تدور بها دون توقف...
+
شعر بيد بكر على كتفه ثم صوته يقول:
_" استهدى بالله بس احنا معاها وزميلة ليا بقالها فترة بتكلمها وتوجها تعمل ايه وتسايرهم ازاي... بالفعل وصلنا لأفراد منهم، شوية صبر بس ونوصل للقيادة وننهي الفيروس ده "
+
--------------
+
جلس أمامه في تلك القهوة الشعبية، ملامحه باردة لا تُفسر بينما من ظنه والده ينظر له بنظرة كره اعتاد عليها منذ صغره لكن الآن يبدو أنه علم سرها...
+
_" ريحني يا محسن بحق إني لحد اللحظة دي بعاملك كأب... عمري ما زيدت عليك بكلمة ولا رفعت عيني فيك حتى وانت بتضرب وتسب وتلعن فيا "
شقت الكلمات حلق سيف وخرجت مختنقة مترجية حتى ولو لم تؤثر في المسمى محسن..
+
زفر بحنق ونطق في كره شديد وصوته خافت لكنه لاذع:
_" مادام شكيت ما تسأل أمك يا ابن أمك جايلي أنا ليه!، مش كنت شايفني كداب وهي ست شريفة وبفتري عليها ايه اللي جد عرفت قلة أصلها وخيانتها!"
+
لم يتحمل كلمه في حق والدته تطايرت شرارات الغضب من عينيه وأشهر سبابته في تحذير قوي مرددًا بنبرة استعادة جمودها وثباتها:
_" أمي أشرف ست في الدنيا، أنا لو مش ابنك أبقى كمان مش ابنها "
+
تغيرت ملامح الآخر وسأل في ترقب:
_" يعني ايه يعني! "
+
ثم ضحك في تهكم وأضاف:
_" لا يا حبيبي ابنها، هي لو مش أمك كانت اتكسرت قدامي عشان ما أفضحهاش وأفضل مداري عليك وعليها، أوعى تفكرني ساكت وسيبك على اسمي حبًّا فيك وخوف على مشاعرك زي ما أمك خايفة!... لا يا حلو دا بس القرش بيذل... وانت بحر فلوس يالا وبتديها كتير وهي تديني وأنا أسكت.. "
+
ثم أضاف بحقارة:
_" بس خلاص جبت أخري وبعتلك التحاليل لحد البيت وأظن ده اللي جابك ليا دلوقتي "
+
ظل يستمع له ويكتم صرخات القهر داخله حتى آخر جملة، رفع نظراته الخائبة نحو محسن وهمس بجهل:
_" تحاليل ايه؟ "
+
_" التحاليل اللي تبرأني منك، لا أنا ابوك ولا انت ابني، بس أقول ايه حتى دي ماحدش صدقها وجه شادي هنا كدبني كمان، ما هو قريب ست ماجدة ومايتحملش العفشة في حقها "
+
ثم تنهد ببرود وأضاف:
_" بس أنا عذرته لا وكمان باركت جوازه من سلمى، طلع راجل أصيل وافتكر أن ليها أب يبقى وكيلها في كتب كتابها "
+
لم يستفق من صدمته الأولى ليدخل في الثانية، اتسعت عيناه ونبس بشدوه:
_" كتب كتاب مين! سلمى ماتجوزتش انت بتقول ايه؟ "
+
رسم ابتسامة ساخرة متشدقًا:
_" الله! البعيد كان متغرب ولا ايه؟! معقول ماعندكش خبر بجواز أختك! أومال مربيها وصارف عليها وفي الآخر مطلعينك من الحسبة.... اخص!"
+
ثم استطرد في شماتة مقيتة:
_" كدة شكل معاك حق بقى ولا انت ابني ولا ابنها وإلا ماكانتش رضيت ان ابن عمها يوكلني أنا في الجوازة ويركنك "
+
انسحبت أنفاسه واختلطت دقات قلبه بألم ساحق كأن صدره سكنته غربة موحشة، كجزع اقتلع من شجرته ليُرمى به في صحراء جرداء لا مصير أمامه سوى أن يذبل ويموت...
+
لم يشفق محسن على حاله بل كانت البساطة واللامبالاة تنبعث من حديثه وهو يسترسل:
_" بص يا سيف، ماكذبش عليك أني من لما عرفت انك مش ابني وأنا بقول مش معقول ماجدة تخوني، قولت يمكن استلقطتك من المستشفى ورفضت تتخلى عنك وخبت عليا أني ابني الحقيقي مات زي اللي قبله"
+
نظر له سيف بتوهان ليفسر الآخر حديثه:
_" أصل ماجدة كان عندها مشكلة في الخلفة وقبلك ولدت مرتين والعيال بتنزل ميتة، ولما جيت انت حي طيرت بيك من الفرحة وكنت مالي علينا الدنيا لحد ما سمعت كلامها مع أختها انك مش ابني "
+
تسربت الدموع خارج مقلتيه وهو صامت يتمنى أن تكون تلك الدوامة مجرد كابوس وسينتهى مع فتح عينيه بينما محسن يضيف بضجر:
_" مابقيتش طايقك وماقدرتش أواجها غير بعد سنين لما خلفت سلمى والشيطان لعب في عقلي تكون هي كمان مش من صلبي واجهتها وحلفتها على كتاب ربنا وحلفت انها بنتي بس ماقدرتش تحلف انك ابني أبدًا، سكت واستنتها تتكلم تقول انك لا ابني ولا ابنها هي كمان عشان أرتاح وبقيت أطلع غليلي فيك قدامها بس مانطقتش لا بآه ولا بلا، اتمسكت بيك وكل اللي كان طالع عليها أنها شريفة وعمرها ما خانت وإني ظالمها لحد ماجبت آخري وطفشت"
+
_" قصدك اطمنت أن العيل اللي مش من صلبك ده هقدر يصرف على بنتك ومراتك وانت تطلع تشوف حياتك بقى" قالها سيف بسخرية رغم نبرته المذبوحة...
+
ثم وقف كالهلام أن مسته ريح سيسقط، نظر لمحسن نظرة منكسرة وقال بتقطع:
_" هي فعلا ماخانتش هي سكتت، زي ما انت كمان سكت، انت كنت أناني وهي كانت أنانية وأنا كنت المخدوع... بس شكرًا "
+
قالها وانصرف من أمامه يختفى كأنه يتواري من أنظار تخترقه لا يعرف وجه ولا هدف بل لا يعرف هوية لنفسه، يتذكر كلمات عز، نبرته المنكسرة، واخيرًا رفضه في استكمال الحقيقة، لمسه خوفه عليه الذي تجاهله بل ورفضه على أمل أن تكون حيلة من مجرم لاستعطافه لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير...
+
أما عند محسن فاخرج هاتفه يتصل بها وهو يتحدث بنبرة منتصرة معاتبة وكأنه لم يكسر إنسان منذ لحظة:
_" أدي سرك اتكشف يا حنينة كان لازمتها ايه اللفة الطويلة دي كنت عرفتيني انك مستلقطة الواد عشان يسندنا لما يكبر كان زماني ربيته أحسن تربية بس أقول ايه ركبتي دماغك وغرقينا وفي الآخر خسرتيه برضو.... ألا صحيح ابن مين الواد ده يا أم سلمى! "
+
----------------
+
_" خضتني يا عم ! " قالتها بشهقة حينما قابلته على الدرج أمام شقته أثناء نزولها سريعًا من الطابق الذي يعلوه، فابتسم بهدوء معتذرًا:
_" معلش ما انتِ اللي واخدة في وشك ومش شايفة حد "
+
تنهدت وهي تجلس على إحدى الدرجات تحت تعجبه ثم قالت بارهاق:
_" ليا ساعة طالعة نازلة والله يا هندسة، بثينة كل شوية تبعتني أجيب حاجة من جهازها اللي فوق في شقة مؤمن أصل المواعين تحت مش مقضية "
+
ابتسم بكر وجلس جوارها على الدرج يُردف بمزاح :
_" معلش هي متعبة من يومها لو احتاجتوا حاجة تاني قوليلها تطلع هي بقى "
+
_" آه ما أنا هعمل كدة ماعدش فيا نفس الصراحة " قالتها وهي تمسح حبات العرق الوهمية عن جبينها ثم التفتت له تسأل مدعية للمرح:
_" صحيح مين القمر اللي خطفتك امبارح في عربيتها دي؟ "
+
حرك كتفية ببساطة وأجاب:
_" دي روزالين معرفة قديمة هي نفس الدكتورة اللي عالجتك قبل كدة "
+
هزت رأسها بإدراك وهي تردد بالتواء:
_" امممم يعني هي دي اللي فضحتني ليك مش كدة؟ "
+
ضحك بصخب وهي ينفى قائلًا:
_" لا ماتظلميهاش انتِ مفضوحة من أول تحاور بينا في البلكونة "
+
نبست بصدمة:
_" أحيه بتهزر! "
+
_" اللهجة الاسكندراني ظهرت أهي " قالها غامزًا فحمحمت بخجل وسكتت
+
فنظر ليدها وهو يسأل بإهتمام:
_" الحرق اللي في ايدك خف؟ "
+
_" آه انت لسة فاكر "
+
ثم تذكرت حديث بثينة فسألته بفضول:
_" بكر هو أليكسي كلمك؟ "
+
لمعت عينيه وهو ينظر لها بعد تلفظها لاسمه دون لقب ثم أومأ بتيه وقال بهدوء:
_" امممم كلمني وتقريبا طلب ايد بثينة بس كلام مبدئي يعني ما أكدناش حاجة... هو قال هيتواصل معايا تاني بعد فترة ونتعرف أكتر "
+
أومأت بتفهم وهمست بإبتسامة ناعمة:
_" باين عليه بيحبها قوي ربنا يجعل بينهم نصيب "
+
أكد بعينيه قبل أن يردف:
_" انتِ شايفة ان الحب كفاية يكسر كل الحدود اللي بينهم؟ "
+
مدت شفتها كتعبير عن التفكير ثم أكدت:
_" آه الحب كفاية يكسر أي حاجة "
+
_" هو بيكسر فعلًا " همس بها في حسرة نابعة من داخله المُهشم لم تغفل هي عن ملاحظتها...
+
فتنهدت تهون على قلبه برفق وكلمات حانية رقيقة:
_" مش كل اللي بيوجعنا بيضرنا، أغلب الأوقات بنرتاح بعده ونقول كان لازم يحصل "
+
لم تأخذ منه رد بقى صافن في اللاشيء فاقتربت منه في جلستهما ومدت يدها بتردد تضغط على كفه في جرأة فاجأته ثم همست بدعم:
_" على فكرة يا بكر الحب مش دايما بيكسر ساعات بيبني، لو اديت لنفسك فرصة تانية مع حد يستاهل حبك ده "
+
تحركت مشاعره بكلماتها وقربها الخطير ذاك التفت برأسه لتتقابل عينيه مع خاصتها بنظرة منكسرة تبعها صوته الضعيف:
_" خايف مايقدرهوش يا ليلى "
+
شجعته بهمس متقطع:
_" جرب... مش يمكن يقدره "
+
اقتربت المسافة بينهما أكثر مما يجب، لحظة ضعف لم ترفضها هي في بادئ الأمر قبل أن تدرك الخطر وتنتفض واقفة، نظرت له بأعين يغطيها الارتباك مع الندم ثم تركته دون حديث وركضت لأسفل بينما هو فاق من دوامته مصدوم من ذاته وكيف فقد عقله معها لهذه الدرجة من القُرب!!...
+
---------------
+
دخل جناح عز رغم تصريحه بعدم رغبته في رؤية أحد، انعقدت ملامحه فور ما وصله رائحة الكحول مع الدخان وخطى للداخل حتى ليراه يجلس على كرسي هزاز إحدى يديه تحمل زجاجة مشروب والأخرى سيجار كالمبعثر على الأرض....
+
_" يخربيت دماغك انت ايه اللي عامله في نفسك ده؟ " صاح بيها مصطفى بغيظ وهو يقترب ليقف أمام عز الذي لم يهتم بحديث فقط اعتدل يسأله في لهفة:
_" سيف فين دلوقتي؟ "
+
رد الآخر بانفعال:
_" أبوك على أبو سيف، ايه المنظر ده؟ "
+
رماه عز بنظرة حادة وعاد سؤاله بحزم أكبر ليرد مصطفى حانقًا:
_" رجع البيت الصبح وماطولش ونزل... بعدها راح للراجل اللي اسمه محسن بس خد باله اننا بنراقبه وعرف يزوغ مننا "
+
هشم الزجاجة في الأرض وصاح بضيق:
_" كنت عارف انه هيعمل كدة... "
+
ثم صك أسنانه وأكمل باختناق وتقطع كأنه يجلد ذاته:
_ " ياريتني ما قربت منه ولا وريته وشي.... خدت خطوة كلها أنانية كنت عايزة جانبي بس... مافكرتش فيه هو.. حملته وجع أنا حتى مش قادر على نصه "
+
ناظره مصطفى بعين الشفقة واقترب يهدأه:
_" ده لا ذنبك ولا ذنبه يا عز، النهاردا ولا بكرا كان هيعرف، المهم دلوقتي نرجع نور وبتول ونفهم المافيا رد فعلها ايه على حقيقة انك ابن عارف الديب... "
+
أغمض عينيه بألم... فهو يشمئز حتى من ربط اسمه بذلك العارف فما بال سيف!!!!
+
تنهد مصطفى ونبس بجدية:
_" عز انت المفروض تساير فلاديمير.... لازم تحضر الاجتماع "
+
هز رأسه بشرود وقبل أن يرد صدح صوت آخر في المكان جعله يتجمد للحظة:
+
_" لازم نحضر الاجتماع " نعم كان هو بالفعل....
+
_" سيف!! " همس بها عز بذهول وهو يقف بسرعة ملتفتًا للباب ليرى توأمه يقترب بخطوات ثابتة يمرر بصره بين هذين المصدومين ثم ثبتها على عز وسأل بجمود:
_" عندك خطة ولا أخطط أنا؟؟ "
+
رمش بارهاق واقترب يسأل بنبرة خفتت لا اراديًّا:
_" انت كويس؟"
+
_" لا " كان رد قاطع من سيف وهو يرفع كفه أمام عز ثم أكمل بتحذير لا يحتمل النقاش:
_" احنا دلوقتي بينا مصلحة مشتركة مش أكتر... بعدها أنا وأنت مش هيجمعنا طريق "
+
ثم نظر لمصطفى بشك لم يُظهره، هو لا يعرف ما صلته بسنايبر لكن توقع وجوده في مهمة فكتم الأمر داخله فقط أشار عليه نابسًا:
_" راقبت رجالتك بدل ما كانوا هما اللي مراقبيني زي ظلي وزي ما انت شايف وصلت لوكرك بكل بساطة... "
+
زفر عز بضيق وغمغم:
_" انت مش فاهم حاجة! "
+
رد الآخر بعدم اكتراث:
_" ولا يهمني أفهم! ماعنديش مساحة أستقبل جديد... كل اللي عايزه دلوقتي بتول "
+
_" اشمعنى؟ " سأله عز بنبرة ساخرة لتصله إجابة الآخر باردة:
_" حاجة ماتخصكش "
+
ثم أضاف بشيء من اللامبالاة:
_" أنا فهمت انهم كانوا بيهددوك بيها وبعترف أني يمكن ظلمتك بس مش معنى كدة هآمن لها معاك "
+
انفعل عز من نبرة الاتهام التي يوجهها له ونهره بقهر:
_" كفاية بقى ياخي! اللي بتتكلم عليها دي حتة مني.... أنا أكتر واحد ممكن تكون في أمان معاه!!!.... فاهم يعني ايه أبقى ١٤ سنة تحت رحمتهم عشانها، بحلم باليوم اللي أرجعها فيه لحضني وأخدها بعيد عن كل ده!؟؟ "
+
رفع يده فجأة يضغط موضع قلب سيف وهو يكمل بنبرة ملتاعة انكسرت حدتها:
_" حتى انت كنت بتنفس أخبارك... بصبر على دفتني بحياتك.. أنا..."
+
أوقفه سيف سريعًا وهو يبعد يده عنه، رافضًا أي حديث عنهما وغمغم بضيق:
_" أنا وأنت مانتجمعش في جملة، أنا ماعرفكش ومش عايز...
+
ثم ضحك بتهكم مضيفًا:
_" شغل توأمي وتوأمك ده تمحيه... المصلحة اللي بينا هتخلص وهرجع حياتي وسط أهلي وهمسح أي حقيقة تبوظلي ده مش مستعد اخسر حاجة واحدة بسبب وجودك... حتى بتول اعمل حسابك انها برا حياتك عشان مش هتنازل عنها "
+
أطلق كلامه دون مشاعر ثم تبدلت نبرته وهو يستعد للرحيل ناطقًا بإختصار:
_" مستنيك في العربية لو لسة عند رأيك "
+
وقف مبهوتًا من قسوته أو مرعوبًا من حالة الإنكار الغارق بها لكن فجأة غطاه برود ثلجي كما لو لم يحدث شيئًا أو أن داخله لا يحترق الآن أثر كل حرفٍ طعنه من أخيه، ذلك الذي يتبرأ من أخوة لم يُكتب لها أن تُقام بعد،
+
حرك يده على رأسه لحظة يلتقط أنفاسه ثم نظر لمصطفى وأمر في ثبات:
_" جهزلنا هوِّيات للسفر "
+
---------------
+
جاء الليل سريعًا، والمنزل غارق في صمتٍ مطبقٍ بلا ضوءٍ ولا روح...
+
أمها تحبس نفسها داخل غرفتها منذ ذلك الاتصال الغامض الذي أسكتها تمامًا، أما خالها فقد جلس معها قليلًا قبل أن ينصرف في قلقٍ واضح بعد فشله في التواصل مع شادي الغائب منذ أمس.
+
أما هي، فكان قلبها يُعتصر ألمًا بشأن سيف تعجز عن الوصول إليه بكل الطرق، حاولت كثيرًا دون جدوى فاستسلمت للبكاء بعدما غلبتها قلة الحيلة...
+
مرّت الساعات وهي على حالها تنتحب بصوتٍ مكتوم، حتى لم تنتبه لدخوله الآن، ذلك الذي ما أن رأى حالتها حتى أسرع نحوها وهو يردد في فزع:
_"سلمى!!!... فيه إيه؟!!"
+
بلهفة حاول رفع رأسها المدفونة بين يديها، لكنها صدّته بانهيار وهي تهمس برجاءٍ حاد أن يبتعد عنها.
+
_"طيب ماشي ماشي، أنا بعيد أهو.... اهدي بس..."
+
كان يرددها بمسايرةٍ لعلها تهدأ، لكنها مدت يدها السليمة تضرب صدره بغضبٍ مرتعش، وصوتها يتهدج باللوم:
_"كنت فين من امبارح مش بترد؟!!!... سيف رجع بس سابني تاني... مش هيرجع تاني... مش عايزنا بقى غريب خلاص... هيروحلهم وهما مش هيسيبوه... ليه بتختفي لما نكون محتاجينك!!! لو كنت هنا كنت منعته... أنا ماقدرتش أمنعه... ماقدرتش!"
+
ضاق صدره وهو يسمعها، فليس بأفضل حالٍ منها، لكنه تمالك نفسه واقترب يحدثها بنبرةٍ هادئةٍ متماسكة:
_"مين قال كدة!!... وحياتك عندي هجبهولك صاغ سليم بس انتِ اهدي وخدي نفسك."
+
هزّت رأسها نافيةً والدموع لا تفارقها وهي تهمس بيأس:
_"انت مش فاهم حاجة خالص... كل حاجة اتعقدت "
+
قال بثقةٍ وهو يحاول طمأنتها:
_"مفيش حاجة اتعقدت، مش انتِ عايزة سيف؟!"
+
أومأت برجاء، فوعدها بصدقٍ وهو يحاول أن يبدو ثابتًا رغم اضطرابه:
_"والله هجبهولك لحد عندك... هعمل كام مكالمة أعرف مكانه حالًا، وهسمعك صوته كمان، ماشي؟"
+
تعلقت بوعدها تسأل بضغف:
_"بجد؟"
+
ابتسم بإرهاقٍ وهو يرد:
_"بجد "
+
ابتلعت ريقها وبدأت تهدأ تدريجيًا، فاقترب منها بحذر يضمها قليلًا، وقال برفق:
_"براحة كده احكيلي، رجع امتى؟ وإيه اللي حصل بالظبط؟"
+
كادت تعود للبكاء من جديد، لكنه أطلق تنهيدةً ضيقة وقال بتحذيرٍ جاد:
_"من غير عياط عشان أفهمك."
+
بدأت تسرد ما حدث بصوتٍ متقطع، وهو غارقًا في التفكير، صامتًا في صدمة، وقد انصرف عقله مباشرةً إلى ذلك المجهول الذي يتحدث إليه ويُبدي اهتمامًا بالغًا بأمر سيف، غير تلك التحاليل التي أتى بها محسن منذ فترة، بدأ يعيد ترتيب الخيوط بسرعة، وهي تنتظر منه حديثًا حتى سألها أخيرًا بنبرةٍ متوجسة:
_"وعز ده حاليًا في مصر؟"
+
ترددت قليلًا قبل أن تقول:
_"تقريبًا آه... حسيت إن سيف قابله وحصل بينهم كلام."
+
ثم رفعت عينيها نحوه بترددٍ أشد ونبرتها ارتجفت:
_"شادي... هو ممكن يكون توأم سيف فعلًا؟"
+
لم تجد منه ردًا، فقط نظرة غامضة وتنهد ثقيل، ثم ربت على يدها بحنان وهو يقول بهدوء:
_" كفاية تفكير يا سلمى... دماغك مش مستحملة كل ده دلوقتي... استني أجيبلك أكل عشان تاخدي علاجك"
+
رفضت بنبرة متعبة:
_" لا مش عايزة "
+
تأفف وتحرك ليقف ويسحبها معه مرددًا:
_"مفيش منه الكلام ده... يا إما تنسي إني أوصلك بسي زفت"
+
نظرت له بضيقٍ واضح وقالت معترضة:
_"ماتتكلمش عليه كده"
+
خبط رأسها بخفةٍ مازحًا وهو يقول بنبرةٍ بها غضب مصطنع:
_"أقول ونص! هتكبروا عليا ولا إيه؟! صبرك بس لما أشوف وشه... قومي"
+
_" على فين؟"
+
رد وهو يسمح وجهها برفق:
_"لازم تتحركي شوية، ساعديني أعملك أكل، وبعد كده ندخل نشوف ماجدة "
+
سحبها برفقٍ للخارج محاولًا تخفيف حدة الأجواء رغم القلق الذي يتسلل إليه من أن يكون ما استنتجه للتو صحيحًا...
+
جلس يطعمها بيده رغم اعتراضها وعدم رغبتها في الطعام لكن إصراره لم يترك لها مجال للرفض حتى نبست في رجاء:
_" كفاية بقى بالله ما قادرة "
+
وافق في هدوء وأعطاها أدويتها لتأخذها بينما شرد قليلًا لتلاحظ عبوسه فسألته باحتواء:
_" انت كويس؟ "
+
ابتسم لها ابتسامة لا تخلو من الارهاق وهو يهز رأسه فترددت قليلًا قبل أن تعود وتسأل:
_" كنت فين؟ "
+
استنشق نفسًا عميقًا وتفادى الكذب قائلًا:
_" مش وقته "
+
وقف يستعد للذهاب لماجدة لكن همسها الضعيف أوقفه حينما قالت:
_" كنت عندها؟ "
+
عقد حاجبيه واستدار يسأل في شك:
_" قولتِ ايه؟ "
+
لم تقوَ على إعادة سؤالها فوقفت سريعًا تتخطاه وهي تغمغم:
_" مفيش"
+
أمسك يدها يمنعها من الخروج وعاد يسأل بإصرار:
_" مافيناش من حركات العيال دي عيدي اللي قولتيه! "
+
نظرت داخل عينيه بصمت ثقيل وهو مترقب قبل أن تدهشه جملتها المتعلثمة بحروف مختنقة:
_" شادي.... عايزاك تتأكد إني.... مش هعترض على علاقة اختارتها بقلبك "
+
فقط وسحبت يدها سريعًا وخرجت قاصدة باب غرفة أمها بينما هو وقف مشدوهًا لا يفهم ما يدور داخل تلك الفتاة بل حتى الوقت لا يناسب الاستفسار عن شيء....
+
---------------
+
في نهاية ذلك اللقاء السري الذي قدمت فيه كل ما لديها من معلومات بإستثناء تلك الشريحة الصغيرة التي تخفيها داخل كفها في تردد كبير من أن تبرزها له...
+
نظر لها بشك وقال بعدم رضا:
_" هو ده كل اللي وصلتيله نمر عربية لبنت بيقابلها وكام تفصيلة غبية! "
+
رفع حاجبها في ضجر وردت بحدة:
_" لو شغلي مالوش لازمة نوقفه "
+
شدد قبضته ورمقها بغضب قائلًا:
_" مش ملاحظة انك متغيرة ومش في مستواكِ اللي متعودين عليه! فيه ايه؟ "
+
ابتلعت ريقها قبل أن تردد بثبات غير عابئة بشيء:
_" لا اطمن ماشية على الخطة.... أنا وبكر قربنا لبعض جدًا "
+
_" قربتوا ازاي يعني؟ "
+
أردفت بتهكم:
_" زي أي حبيبين "
+
انتظرت رد فعل عنيف منه لكن جاءها بالنقيض حينما استحسن حديثها قائلًا:
_" حلو أوي الخطة كدة ماشية تمام انتِ عارفة هتستغلي ده ازاي "
+
ابتسمت بسخرية وأكدت:
_" امممم عارفة "
+
قالتها وهي تطبق يدها على الشريحة في قرار صارم بعدم تسليمها لهم... ثم سألته بجدية:
_" ايه اللي حصل بين بكر والبنت اللي زقتوها عليه لما كان سكران "
+
ضحك ضحكة مقيتة وهو يتذكر كيف تسلل له وصاحبه في الفترة الأخيرة في شخصية رفيق السوء المدعو علي ثم أردف بعدم اكتراث:
_" مش مهم حصل ايه المهم هو وصله ايه! "
+
_" باين عليه بيعاني من وقتها "
+
رمقها في تحذير مبطن وقال:
_" عندك مشكلة؟! "
+
مدت يدها تفتح باب السيارة وهي ترد ببرود:
_" لا "
+
تركته دون حديث إضافي ومشت وسط الظلام لتعود قبل أن يلاحظ أحد غيابها وهنا استسلمت لألم روحها وتشتتها الذي نضح في هيئة دموع تعلن أنها لم تعد مجرد مهمة تجسسية وستنتهي بل عجزت عن خيانته أو البوح بتلك المعلومات السرية التي حصلت عليا من جهازه، فما خطوتها القادمة يا ترى!!...
+
-------------------
+
لم تسلم هذه الليلة أيضًا من محاولاته القذرة في التقرب منه لكن هذه المرة يتخذ أسلوبًا جديدًا من التهديد والإصرار...
+
وقفت تحتمي خلف كرسي خشبي صغير بينما هو ينهرها بغضب:
_" لو مابطلتيش شغل العيال ده هتندمي يابت... أنا جبت أخري منك وصبري نفد "
+
تحدثت سهى من بين شهقاته تهدد هي الأخرى بضعف وجسدها بأثره يرتجف:
_" والله العظيم لو ماخرجتش وسيبتني هصرخ بأعلى صوتي... حرام عليك أنا مش موافقة أتجوزك، كدة الجواز باطل انت مابتفهمش "
+
احتدت نظراته بغضب ساحق وانقض يسحبها من شعرها التي تخفيه قماشة صغيرة سقطت من شدة جذبه ثم صاح بجبروت:
_" طب صرخي بقى ياختي وشوفي مين هيستجرأ ينجدك من تحت ايدي "
+
صفعات لا تختلف عما عانته في أيامها الأخيرة، ضربات لم تكن لتوجه لأنثى بل طفلة لم تتعدى السابعة عشر، اختراق لحرمة جسدها كأنه لم يعد لها حق في الدفاع عنه، سُحِبت روحها بعيدًا نحو طفولة بالكاد مرت بين أب لا يعرف للأبوة سبيل يحيا لمزاجه ورغباته الدنيئة وأمٍ مثال للكفاح والمعاناة ، آمال وبراءة استُغِلت ونُهِبت من قِبل مَن لا يرحم ولا يهاب لينتهى بها المطاف كسلعة بِيعت وقُبض ثمنها....
+
استسلمت لتيار المصير الذي بات حتميًّا أو هكذا ظنت لكن....
صورته وصدى صوته البعيد واساها قَبل أن تفقد وعيها تمامًا، سرب داخلها شيء من الأمل التي شكت كونه حقيقيًّا...
+
لكنه بالفعل كان، حضر في المكان بمساعدة بكر الذي أطاح بذلك الحقير أرضًا تحت صدمة الرجل ورعبه من ظهور رجلين غريبين من العدم داخل منزله....
+
-----------------
+
لم تسطع الشمس بعد وأُعلن عن وصول الطائرة للأراضي الروسية يهبط منها نسختان للمرة الأولى يقودهما نفس الهدف....
+
هبط عز عن درج الطائرة بتنكره المميز ليكون بالمعني الحرفي سنايبر فقط....
تبعه سيف الذي اتخذ أسلوب التنكر ذاته مع اختلاف بسيط لم يخفِ تطابقهما....
+
نظر كلًا منهما للآخر نظرات تبدو باردة في ظاهرها لكن باطنها يخبئ الكثير..
+
بعد دقائق قليلة وصلا خارج المطار حيث تنتظرهما دراجتان ناريتان ذاتا طابع مميز، تقدم عز أولًا والتقط معطف ثقيل من أصل اثنين ورمى به للآخر نابسًا ببرود:
_" البس عشان متلجش مني بدري "
+
رد سيف بنبرة ساخرة دون أن يلتفت له:
_" حلوة شخصية سنايبر عجبتني "
+
ابتسم الآخر بتهكم:
_" لسة ناوي أبهرك "
+
ثم أضاف بمكر:
_" مش ناوي انت كمان تخرج ڤامبايَر! "
+
ارتفع حاجبيه قليلًا لكن لم يتفاجأ من وجود تلك المعلومة الخطيرة لدى عز، فقط استغرب كونه يعرف كل تلك التفاصيل السرية عنه وبدأت شكوكه تتأكد... هناك شخصية مفقودة لذلك السنايبر خارج حدود المافيا...
+
ارتدى كلًّا منهما خوذته بملامح جامدة لا تُفسر وفي لمح البصر كانتا الدراجتان تسلكان طريقًا واحدًا.... يتسابقان في تحدي يحمل داخله شرارة الاتحاد حتى ولو كان اضطراري....
+
------☆☆☆☆☆☆☆
+
يتبع.....
+
رأيكم في البارت!
+
اضغطوا على النجمة ☆
ولا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله
+
