رواية علي دروب الهوي الفصل الثلاثون 30 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الثلاثون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
وصل آدم الفيلا خاصة عز، صف السيارة وترجل منها وداخله يخبره بثمة أمرًا لا يَسُر، يُقلِقه، ولج الفيلا بقلبٍ غير مطمئن فاستقبله عز بإبتسامة هادئة لم يحبها آدم، وما زاد توجسه نظرات نهال التي تقف على استحياء، وعدم مواجهة ڤاليا له.
ابتلع ريقه واقترب مباشرةً من عز وصافحه والقلق يطغو في نبرته عندما تساءل:
_ هو فيه حاجة يا أونكل؟
أشار عز إلى الأريكة يدعوه للجلوس مُمهدًا للحديث:
_ اقعد يا حبيبي الأول...
جلس آدم على طرف الأريكة، واختلس نظرة أخيرة على ڤاليا ذات الرأس المُنحني، ثم انتبه على صوت عز الذي بدأ كلامه بنبرةً متوترة:
_ آدم يا حبيبي أنت عارف إن كل شيء قسمة ونصيب، ومش كل اللي عايزينه بيكون مقدر ومكتوب لينا...
_ هو فيه إيه يا أونكل، ياريت حضرتك تكلمني بكل بصراحة، مش بحب التمهيدات دي..
هتفها آدم بنفاذ صبر، فأجبر عز على التصريح بما دعاه للمجيء من أجله وهو يُعطيه عُلبة الحُلي:
_ كل شيء وقسمة نصيب يا آدم، ڤاليا هتبقى بتظلمك معاها لو كملت في العلاقة دي..
اهتز كيان آدم بشدة؛ شعر بقلبه يخفق بقوة، حالة مريبة قد تملكت منه جعلته غير قادر على التحدث، حمحم ليُساعد كلماته الحبيسة على الخروج فقال:
_ ممكن أفهم إيه السبب؟ يعني لو أنا كنت عملت حاجة ممكن أغيرها..
_ أنت معملتش أي حاجة يا آدم والله، بس الموضوع قبول وراحة وڤاليا للأسف مش حاسة بالحاجات دي..
هتفها عز ناهيًا الحوار فشعر آدم بغصة في حلقه، اختلس نظرةً على ڤاليا الواقفة على مسافة قريبة وهو يُحادث عز:
_ ممكن يا أونكل أتكلم مع ڤاليا لوحدنا...
شعر عز بالآسى حِيال محاولاته البائسة التي لن تجدي نفعًا مع إبنته، تنهد ورفض طلبه حتى لا يُصعب الأمر على كليهما:
_ آدم يا حبيبي، متصعبش الأمور على نفسك وعليها، لو فيه كلام كان يتقال صدقني مُكناش قاعدين دلوقتي بنتكلم..
هز آدم رأسه بخيبة أمل كبيرة، أخذ عُلبة الحُلي ونهض وعينيه تهربان من عيون الآخرين، سار حتى وقف بجوار ڤاليا فألقى نظرةً أخيرة عليها قبل ذهابه، خرج من الفيلا ووقف على الباب يستنشق الهواء الذي فقده في الداخل.
شعر باختناقٍ يلتف حول عنقه فجأة، ففتح بعضًا من أزار القميص ثم توجه إلى السيارة وقام بالجلوس خلف الطارة، وألقى العُلبة جانبًا، أخذ يتنفس وهو يُتابع بنظره الفيلا ثم انطلق بالسيارة مبتعدًا عن المكان.
عاد إلى البيت، وصف السيارة بإهمالٍ ثم ترجل وهو بالكاد يرى أمامه، جر قدميه بِثقل حتى دلف الفيلا فاستقبلته والدته وهي تصرخ بغضبٍ:
_ أبوك اتجوزها عليا!! بعد كل سنين الحرمان اللي أنا عشتها على أمل يرجع ليا في يوم ندمان وفي الآخر يرجع لها!!
لم يُعقب آدم وكأنه لم يستمع لحرفٍ مما قيل، مر بجوارها وتابع صعوده إلى الطابق العلوي حيث غرفته تحت نظراتها المستشاطة، لم تقبل حورية عدم مبالاته لأمرها، وصعدت الدرج خلفه بخُطواتٍ
ثائرة حتى بلغت غرفته ووقفت تنهره مُعنفة:
_ هو أنت مش سامعني؟ ولا حاسس بلي اللي أنا حاسة بيه!!
_ أنا وڤاليا سيبنا بعض..
قالها آدم بصوتٍ مهزوز فأجبر والدته على الصمت، انتباها الدهشة ووقفت تتطلع به بعيون مُتسعة لا تصدق ما وقع على أذنيها، وبعد مدة كانت قد استوعبت ما سمعته وتوجهت ناحيته ثم جلست بجواره تربت على ذراعه ورددت بهدوءٍ متأثرة لحالته:
_ إيه اللي حصل بس يا حبيبي، احكيلي..
***
اهتز رنين هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، فاستيقظ من نومه اثر ذبذبات الهاتف، سحب الهاتف لكي لا يُقلق تلك الغافية بجواره وأخفض الصوت، ثم تأفف حين قرأ إسم المتصل، تفقد الوقت فشعر بثمة أمر طارئ وربما عليه الإيجاب.
نهض وابتعد عن الفراش ليُجيب:
_ إيه يا حورية؟ يارب يكون فيه حاجة تستاهل الرن في وقت متأخر زي دا
بِسخريةً أجابت:
_ آسفة إني قطعت عليك ليلتك يا عريس، بس ابنك محتاجك، ابنك أولى بيك من الهانم اللي جنبك دي!
لم يتقبل قاسم سماع تراهات أكثر واندفع بها بانفعالٍ شديد:
_ احترمي نفسك وأنتِ بتتكلمي، وآدم ماله فيه إيه؟
_ ڤاليا سابته وحالته حالة ومش...
لم يسمعها لأكثر، بل أنهى الإتصال فور عِلمه، ثم نظر في الفراغ أمامه بصدمةٍ، لا يصدق ما سمعه، حتمًا هو في حال يرثى له، أخذ قاسم نفسًا وعاد إلى الغرفة، اقترب من أحلام وتردد في إيقاظها لكن لابد من إعطائها خبرًا بذهابه.
_ أحلام..
قالها بهدوءٍ حارصًا على عدم تسبُب الذعر لها، بينما قلقت أحلام على صوته فنظرت إليه بريبة مرددة سؤالها:
_ قاسم، في إيه؟
حاول طمأنتها بصوته الرخيم:
_ متقلقيش مفيش حاجة، بس آدم انفصل عن خطيبته، فأنا لازم أروح أفهم في إيه وأكون جنبه..
انتفضت من مكانها وتساءلت قلِقة:
_ يا خبر! ليه كدا؟
رفع قاسم كتفيه مُبديًا عدم معرفته بالأمر ثم أولاها ظهره ليُبدل ملابسه وقال:
_ مش فاهم حاجة لما هروح هفهم منه..
اعتدلت أحلام في جلستها وقد أنارت الإضاءة، ثم تابعت ما يفعله قاسم وقد راودتها فكرةً ضاق صدرها من خلفها، أخذت نفسًا عميق وزفرته قبل أن تردف:
_ ممكن يكون حصل كدا بسبب جوازنا؟
توقف قاسم عما يفعل ونظر إليها لبرهة قبل أن يُظهر استيائه من ظنها:
_ ليه تفكري كدا؟ بس عشان ترتاحي فعز عمره ما يعمل كدا فيا ولا في ابني عشان مسائل شخصية ودا أولًا تاني حاجة حتى لو كان الموضوع كدا فالكل يضربوا دماغهم في أقرب حيط، أنا أعمل اللي أنا عايزه!
اقتربت منه أحلامه بملامح متوترة حزينة وأردفت:
_ أنا مش عايزة أكون سبب إن حياة حد تبوظ..
دنا منها قاسم وملس بيده على وجهها وهتف كلماته الحنونة ليُطمئن قلبها الجميل:
_ أنتِ ملكيش أي علاقة بالموضوع صدقيني، بعيد أوي عنك يا أحلام، لو فكرنا فيها يعني..
اطمني يا حبيبتي أنا هروح دلوقتي وهاجي الصبح وهقولك السبب عشان تطمني..
أسرعت أحلام في رفض عودته مُعللة:
_ لا خليك جنبه، مش لازم تيجي لغاية ما يكون كويس..
ضاق قاسم بعينه معاتبًا إياها بنظراته ثم لامها بلطفٍ:
_ لحقتي تزهقي مني؟
اتسعت حدقتيها بذهولٍ ونفت ذلك بقولها:
_ لا طبعًا، بس أنت لازم تكون جنب ابنك في ظروفه دي..
_ ما أنا رايح له أهو
قالها ثم غمزها مشاكسًا:
_ بس يعني كنت مستني تقوليلي مستنياك على نار، أو ترجعلي بالسلامة يا جوزي يعني أي حاجة من الكلام اللي الواحد مسمعوش طول حياته دا
حدجته أحلام بعيون واسعة مذهولة مما يُردده، ثم أطلقت ضحكاتها وقالت من بين ضحكها:
_ يووه أنت عايزني أقولك مستنياك على نار؟
_ وماله؟ وحشة؟
تساءل قاسم بنبرة مازحة فهللت أحلام وهي تدفعه خارج الغرفة:
_ يلا يا قاسم ابنك مستنيك على نار يا حبيبي
نظر إليها مستاءً وهو يردد:
_ لا أنا عايزِك أنتِ، هو هعمل بيه إيه؟
هزت رأسها مستنكرة ما يتحدث به الآن، وهللت غير مصدقة:
_ أنت في إيه ولا إيه بجد؟ روح لابنك يلا
جمد قدميه بالأرض ولم يتحرك قبل أن يسمع منها ما يريده:
_ طب مش ماشي غير لما أسمعها..
شهقت أحلام بغير تصديق لتلك التصرفات المراهقة، قهقهت عاليًا وهي تردد ما يود سماعه من بين ضحكها المستمر:
_ روح يلا مستنياك على نار، بس متتاخرش أصل أتلسع
ثم انفجرا كليهما ضاحكين، تلك اللحظة لم تعد أحلام تستطع النظر في وجهه من وراء خلجها المفرط فدفعته إلى الخارج وهي تردد:
_ امشي بقى
وفي النهاية نجحت في إخراجه من البيت، بينما ركب قاسم سيارته وتحرك بها متجهًا إلى الفيلا الأخرى، بعد مرور مدة ليس بقصيرة وصل إلى وِجهته، صف السيارة وولج الفيلا في هدوءٍ، قابلته حورية بنظراتٍ مشتعلة أحرقته.
لكنه لما يآبى لها وكأنها نكرة ليس لها وجود، صعد حيث غرفة آدم ودلف الغرفة بعد أن طرقت الباب مُعلنًا عن وصوله، تفاجئ آدم بوجوده، اعتدل في جلسته وسأله بجدية بعد أن تفقد الوقت:
_ أنت بتعمل إيه هنا في الوقت دا؟
عقد قاسم حاجبيه بغرابةٍ وهو يردد:
_ وأنا المفروض أكون فين وأنت في حالتك دي؟ ما طبيعي أكون هنا جنبك..
بمزاجٍ غير سوي أردف آدم وهو يهرب بعينه:
_ قوم روّح يا بابا، أنا مش قادر اتكلم في حاجة..
_ لا مش همشي، وبعدين ضروري تتكلم عشان تخرج من حالتك دي، فهمني إيه اللي حصل؟
قالها قاسم حاسمًا الأمر بعدم ذهابه فما كان من آدم إلا أن قص عليه تحت إصرارٍ منه:
_ أونكل عز كلمني أروح عندهم، وفجأة لقيته بيعطيلي الدهب وبيقولي كل شيء قسمة ونصيب..
قطب قاسم جبينه بغرابةٍ وتساءل بريبة:
_ فجأة كدا؟ ومقالش أسبابها إيه؟
تشدق ساخرًا قبل أن يُخبره وعينيه تجوب الغرفة دونًا عن والده:
_ بيقول إن العلاقات راحة وقبول وهي ملقتهمش معايا..
ثبت بصره على قاسم وأضاف بنبرة مختنقة:
_ أنا عملت لها كل حاجة عشان أحس إنها راضية وهي مرضتش! مرتاحتش معايا وأنا كنت مسهل لها كل سُبل الراحة، حتى الحاجات اللي كانت بتضايقني فيها كنت باجي على نفسي واتغاضى عنها عشان مضايقهاش بكلامي أو متفتكرش إني بحاول أسيطر عليها.. أنا معملتش أي حاجة غلط!
أخذ قاسم نفسًا زفره على مهلٍ بعد أن استمع إلى آدم ثم ربت على فخذه وقال بنبرة حكيمة:
_ هي مبتتحسبش كدا يا حبيبي، وزي ما قالك عز الموضوع قُبول وراحة ومش شرط عشان أنت عملت كل اللي عليك تكون البنت مرتاحة، دي حاجة مش بإرادتها، سبحان الله هو اللي بيخلق جوانا الراحة لأشخاص مُعينين لو طلبوا مننا نبلع الزلط هنعمل كدا بكل حب ومش هنبص أبدًا إن دي سيطرة، وأنت من الأول كنت حاسس إن فيه حاجة غلط في تعاملها معاك يعني متفاجئتش، وهو في الأول والآخر نصيب..
أقنع عقلك إنها مش نصيبك، ودي مش آخر الدنيا، أنت لسه صغير وقادر تتخطاها وتحب تاني بس أهم حاجة تكون واثق من اختيارك، متتسرعش غير لما تحس إن الراحة دي متبادلة من البداية
رفع قاسم يده ووضعها خلف آدم، ثم ربت على ظهره بحنانٍ يأزره في محنته واستأنف بإبتسامة هادئة:
_ هون على نفسك يا حبيبي.. لو كل الناس فهمت إن اللي بيحصل دا تخطيط ربنا بحاجة أحسن لينا في المستقبل مكنش حد زعل أبدًا، مش بيقولك أنت تحلم بنجمة وبتدابير ربنا يعطيك قمر..
شد قاسم على ظهره وردد مازحًا:
_ اضحك بقى يواد، مش كفاية إني عريس وجاي لك لغاية عندك!
ابتسم آدم بسمةً لم تتعدى شفتيه ثم سأله بجدية:
_ هو أنت إزاي فِلت من ماما، أنا حسيت إنها لو شافتك آسف يعني هتعملك بانيه!
قهقها كليهما حتى قطع ضحكهما قاسم قائلًا:
_ أيوا كدا اضحك محدش أخد منها حاجة..
ثم أخذا يتسامران معًا ولم يُكفا عن الضحك لمدة، حتى شعرا كلاهما بالنعاس فخلع قاسم حذائه وسترته وجاور آدم الذي قال مازحًا:
_ أوعى يا بابا تكون أخد حاجة كدا ولا كدا وتفكرني العروسة!
تفاجئ قاسم من وقاحة آدم، وقام بضربه بعنفٍ في ذراعه فانفجر آدم ضاحكًا وهلل عاليًا:
_ أنا بطمن على نفسي بس!
هز قاسم رأسه في استنكارٍ، وشاركه الضحك، يكفيه رؤية ابتسامته التي نجح في رسمها على محياه في تلك الظروف الذي يمر بها.
***
في الصباح الباكر، وصلت زينب برفقة عبدالله إلى المستشفى، صف السيارة أمام بابها والتفتت بجسده إليها وتساءل بجدية يُخالطها القلق:
_ أنتِ جايبانا هنا ليه؟ أنتِ تعبانة ومش عايزة تقولي؟
نفت بحركة من رأسها ثم أخبرته ما جائا لأجله:
_ جاية أقابل الدكتور اللي كان متابع حالتي المرتين اللي كنت جيت فيهم هنا..
ضاق عبدالله بعينه فلم يستشف السبب خلف ما تقوله متسائلًا بفضول:
_ ليه؟
أجابته بسلاسة:
_ هحاول أقنعه يعملي تقرير طبي بحالتي وقتها بتاريخ قريب عشان أرفع قضية على حمادة!!
فغر عبدالله فاهه بصدمةٍ، لم يكن سهلًا البتة تصديق ما سمعه بسهولة، انتبهت زينب على شروده فلوحت بيدها أمام وجهه لتجذب انتباهه، فقطعت عليه حبال أفكاره وقالت:
_ أنت روحت فين كدا؟
_ مش مصدق اللي أنتِ عايزة تعمليه!
هتفها ثم تقوس ثغره للجانب وغمزها وأضاف:
_ بس عجبني، يلا انزلي
ابتسمت زينب وهرولت خارج السيارة وكذلك عبدالله، وباحثا كليهما عن الطبيب الذي عالجها عندما وصلت إلى هنا، أخذا وقتًا ليس قصيرًا في البحث عنه حتى وجدوه أمامهما فأسرع عبدالله إليه وأمسك ذراعه بعد بحثٍ طال:
_ دكتور لو سمحت..
رمقه الطبيب بعيون ضائقة محاولًا تذكر ذلك الوجه، فقال عبدالله:
_ حضرتك مش فاكرني؟
ثم أشار إلى زينب الواقفة خلفه وسأله وهو يشير إليها:
_ طب مش فاكر زينب؟ كانت جت مرتين هنا وهي حامل و....
قاطعه الطبيب بترديده:
_ أيوا أيوا افتكرتكم..
تنهد عبدالله براحةٍ وقال:
_ كنا عايزين حضرتك في موضوع مهم.. كنت قولت لي وقتها لو عايز أعمل تقرير طبي عن حالتها واعمل محضر، ينفع تعمل التقرير دا دلوقتى؟
عقد الطبيب حاجبيه وهو يتذكر المدة اللي مرت:
_ بس دا عدى عليها وقت كبير...
مال عبدالله بقرب الطبيب هامسًا:
_ بص يا دكتور، إحنا عايزين نعمل محضر في جوزها بكل اللي عمله فيها، أنا ياما قولتلها وقتها بس هي مردتش كانت باقية على العشرة معاه، بس هي معدتش قادرة تستحمل، فلو ينفع تعمل لنا تقرير طبي عن حالتها وقتها ولو ينفع يتعمل بتاريخ قريب ياريت تعمله، إحنا حقيقي محتاجينه جدًا..
أطال الطبيب النظر في عبدالله، ثم نظر خلفه حيث تقف زينب وسألها بعملية:
_ جوزك فعلًا اللي كان بيعمل فيكي كدا
أكدت زينب بالإيجاب على سؤاله:
_ أيوا والله
أخذ الطبيب نفسًا أخرجه بقوة وقال وهو يوليهما ظهره:
_ تعالوا معايا..
تَبِعاه حتى غرفته، ثم جلس الطبيب على مقعده وأمسك فأرة الحاسوب ونظر إلى زينب وسألها بعملية:
_ حضرتك مش فاكرة كنتي هنا يوم إيه بالظبط؟
تناوبت زينب النظر مع عبدالله ثم وضعت يدها على بطنها وكاد يتساقط دمعها لكنها تمالكت حالها وأجابته بذلك التاريخ التي لم تنساه مطلقًا، فحرك الطبيب رأسه وهو يُردد:
_ تمام أوي..
كتب تاريخ تواجدها فظهر أمامه وضعها الصحي وقتها، فغر فاهه وردد بعينين واسعتين مذهولًا:
_ دا أنتِ أجهضتي وقتها!!
لمعت عينيها متأثرة، وأكدت بإيماءة من رأسها فبدأ الطبيب يكتب تقريره الطبي عن حالتها والأضرار الناتجة عن ضرب ذلك الزوج ثم انتهى ورفع عينيه في زينب وقال:
_ التقرير دا يجيب له عقوبة مشددة، الإجهاض دا جناية والحكم فيها بيكون صعب، ربنا يقويكي على اللي جاي..
أخذت زينب منه التقرير ثم شكرته، فاستأذنا منه وغادرا المستشفى، ركبا السيارة فتساءل عبدالله بجدية:
_ ودلوقتي؟
نظرت زينب إلى التقرير المُمسِكة به وقالت بِبُغضٍ:
_ على قسم الشرطة!
***
استيقظ عاصم من نومه، وبدل ملابسه بأخرى تليق بخروجه، ترجل الدرج فوجد صبا تضع الفطور على السفرة، فتجمدت قدميه مكانه وهو يتابع ما تفعله، ثم تابع خُطواته متجهًا نحوها وتساءل وهو يتطلع بالفطور مذهولًا:
_ هو حد جاي لنا ولا إيه؟
وقفت صبا وقالت وهي تُحرك رأسها نافية:
_ لا دا ليك أنت!
كان ردها مفاجئة قوية له، ولم يمنع ابتسامته العذبة التي تشكلت على محياه، فلاحظت صبا انعكاس حالته وأسرعت في إيضاح الأمور إليه:
_ كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع.. أو بصراحة
هما موضوعين!
ضاق عاصم بعينيه عليها فقالت وهي تدعوه للجلوس:
_ اقعد الأول..
ترأس عاصم الطاولة، فجلست صبا إلى جواره وبدأت تتنفس بعض الهواء قبل أن تهتف:
_ الموضوع الأول هو إني عايزة أرجع الشغل.. حاسة إني محتاجة ارجع أعمل الحاجة اللي كنت بحبها يمكن دا يساعدني أكتر ارجع لنفسي القديمة..
مد عاصم يده وأخذ الخبز وبدأ بتناول الطعام بعد سماعه طلبها ثم قال:
_ طيب حلو، مفيش مشكلة سهلة دي..
إلتوى ثغر صبا ببسمةٍ هادئة تُمهد لتلك القُنبلة التي ستُفجرها، أخذت نفسًا عميقًا وأردفت:
_ أنا هرفع قضية على حمادة، هاخد حقي منه!
توقفت الُلقيمات عن النزول إلى معدته، لم يهضم ذلك الخبر المفاجئ، ترك بقية الخبز وأمسك زجاجة المياه وأخذ يشرب الكثير حتى استطاع بلع الطعام، أخذ نفسًا بهدوء وزفره على مهلٍ قبل أن ينظر إليها ويردد:
_ بلاش يا صبا..
صعقت صبا مما قاله ورمقته بعيون مذهولة، فلم تنتظر منه ردًا كهذا، حاولت أن تتحلى بالصبر وتساءلت بنبرة جامدة:
_ ليه بلاش؟ مش دا حقي والمفروض كان يحصل من وقتها!!
_ ومحصلش، وأنتِ دلوقتي متجوزة عاصم سليمان فأعتقد مش هتفرق معاكي حاجة..
هاجمها بأسلوبٍ فظ، فاستشفت صبا ما وراء ثورته ورفضه، تراجعت للخلف ورفعت حاجبيها غير راضية عن رفضه:
_ آه يعني عشان أنا متجوزة عاصم سليمان مينفعش أخد حقي عشان أحمي إسمه!
أغمض عاصم عينيه قبل أن يُخرِج كلماته بضيقٍ يحاول إخفائه:
_ لا الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة..
_ أومال؟، فهمني أنت، بصراحة آخر حد أتوقعه يرفض هو أنت يا عاصم، حسيت إني أول ما هقولك أنت أكتر واحد هتدعمني..
قالتها صبا بحزنٍ ثم أضافت بنبرة متفهمة:
_ بس أنت معاك حق، اسمك مينفعش برده يتقال عنه حاجة وحشة، ودي مش حاجة سهلة، وأنا آخر حاجة أتمناها إنك تتأذى ولو نفسيًا بسببي..
أخرجت تنهيدة مهمومة ونظرت إليه لبرهة قبل أن تقول آخر ما لديها:
_ إحنا ممكن نتطلق على فكرة وبكدا محدش هيقول عنك حاجة...
_ بس يا صبا..
هتفها أمرًا فلم تتوقف عن الحديث وتابعت:
_ دا الحل اللي قدامنا ويرضي الطرفين
فازداد انفعال عاصم وهو يأمرها بالتوقف:
_ اسكتي يا صبا..
لم تصمت بل تابعت إيجاد حلولا:
_ الحل الوحيد إن اسمك يفضل نضيف إننا نطلق...
تلك اللحظة؛ ضرب عاصم الطاولة بعنفٍ فأجبرها على الصمت، نظر إليها بعينين حمراوين يشع منهما الغضب وأخذ يهتف عاليًا:
_ اسمي إيه اللي بتتكلمي عنه؟! أنت لو عملتي كدا فأنتِ هتقطعي آخر وصل بينا، أنتِ متعرفيش ممكن أهلي يعملوا إيه لما يعرفوا، دا آخر أمل ليا معاكي وأنتِ عايزة تقطعيه!
تفاجئت صبا بتفكيره، وتأثرت للغاية لحالته، كم كانت غبية عندما اتخذته ملجأً لهروبها، كم تصرفت بحماقة عندما وضعت شرطًا بعدم إتمام زيجاتهما وهي أمامه طيلة الوقت، حتمًا سيبني آمالا ويتعلق بالوصول إليها يومًا.
هبت صبا واقفة وقالت بحسمٍ:
_ كنت غبية لما فكرت إني لما أقولك أننا مينفعش مننا حبيبين يبقى بكدا أكون عملت اللي عليا، أنت اتعلقت بيا اكتر وأنا مش هسمح أظلمك معايا أكتر من كدا.. أنا هرفع القضية يا عاصم.. لو أنت شايف إن دا آخر وصال بينا فللأسف هقولك أيوا..
زفرت أنفاسها الحبيسة وأضافت مسترسلة:
_ وعشان أنا مشوفتش منك غير كل خير هطلب إن الجلسات تكون سرية عشان أحافظ على اسمك
ومكنش سببت لك أي اضرار..
تركته وصعدت إلى الطابق العلوي تحت صدمته، كان يُطالع أمامه بعقلاٍ مُشتت وقلبٍ ينبض بقوة محاولًا هضم افتراقهما الذي على مشارف حافته.
بينما أبدلت صبا ملابسها وترجلت، وقفت أمامه وأردفت بنبرة جافة:
_ أنا رايحة المستشفى..
أخذ الآخر نفسًا ثم نهض وقال بجمودٍ دون النظر إليها:
_ تمام، يلا هنروح سوا
أسرعت صبا في رفض مرافقته لها مرددة:
_ أنا هروح لوحدي..
قاطعها عاصم بحسمٍ وهو يُطالعها بضيق:
_ هنروح سوا يا صبا.. ومتخافيش يا دكتورة المرافقة دي مفيش من وراها أي تفكير من اللي أنتِ خايفة منه..
ثم توجه ناحية الباب دون إضافة المزيد قاطعًا عليها أي دروبٍ للرفض، فتوجهت صبا خلفه بعد أن زفرت أنفاسها بضيقٍ، استقلت السيارة بجواره ثم تحرك عاصم مبتعدًا عن البيت متجهًا إلى المستشفى.
وبعد مرور مدة؛ وصلا كليهما، فترجل عاصم عندما فُتح له الباب من قِبل عامل الأمن، وكذلك فتح العامل الآخر الباب الخاص بصبا، توجه عاصم إليها وهو على دراية بالإستقبال الحافل الذي سينالونه من خلف اسمه المعروف.
وكان ذلك مُراده من مرافقتها، حتى تعلم من تزوجت وتتحسر على تركها له، لا يدري لماذا فكر بتلك السطحية لكنه يود أن يرى الندم في عينيها عندما تعرف مكانته ومن يكون جيدًا.
مد لها ذراعه لتتعلق به لكنها نظرت إليه مستاءة ورددت هامسة:
_ عاصم!
بصوتٍ جاف قال:
_ عاصم سليمان طلاما داخل مكان مع مراته يبقى لازم تمسك في ايده
مال بقرب أذنها وأضاف بخفوت:
_ الناس متعرفش اتفاقنا، وأنا يهمني صورتي قدامهم..
تراجع للخلف وتطلع في خضراوتيها قبل أن يُستريل بجمودٍ:
_ مش شكلي برده يهمك يا دكتورة؟
كانت صبا مُتفاجئة من تلك المعاملة المفاجئة، لم تحبها، فنظرت إليه بعينين توحيان إليه عتابًا استشفه عاصم لكنه ظل ثابتًا على ذلك الوجه الذي يتلبسه، أعاد مد ذراعه فزفرت صبا أنفاسها ثم تعلقت في ذراعه وسارت إلى جواره تحت نظرات الجميع التي وقعت عليهما.
استقبلتهما إدارة المستشفى استقبالًا حافل واوصلاهما إلى غرفة صبا التي جُهزت لها خصيصًا في الدقائق الأخيرة قبل وصولهما، تعجبت صبا مما يحدث لكنها لم تُعلق وانتبهت على حديث رمزي:
_ مبروك الجواز يا عاصم بيه، مبروك الجواز يا صبا هانم!
تفاجئت صبا بذلك اللقب الثقيل والتي لم تتقبله البتة وأبدت إنزعاجها منه:
_ أنا دكتورة صبا يا دكتور رمزي مش صبا هانم!
_ أنا آسف لحضرتك يا دكتورة
اعتذر لها رمزي تحت نظرات صبا المذهولة من تصرفاته الخرقاء، فلم يكن معها هكذا من قبل، حاولت بألا تُعقب ووقفت حتى انسحب رمزي ثم جائتا ممرضتين حاملتان مشروبات استقبال وحلوى لذيذة ذات شكل شهي، وضعن ما معهن على المكتب ثم انصرفن مسرعتين.
تفقدت صبا ما يحدث أمام عاصم الذي استند بظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه عند صدره يشاهد حجم المكانة التي وُضعت بها فقط لأنها زوجته، قطع ذلك الصمت بترديده المغرور وهو يتفقد معالم المكتب:
_ حلو المكتب مش بطال، دول جهزوه وإحنا يدوب في الطريق!!
التفتت صبا ناظرة إليه فهي على دراية بتلك اللعبة التي يلعبها ليُريها حجم مكانته بين الناس، أخذت نفسًا وأردفت معاتبة بهدوءٍ:
_ مش لايق عليك اللي بتعمله، عاصم اللي عرفته عجبني فيه شهامته وجدعنته وإنه بيعمل الخير من غير مقابل ولا بيستخدم اسمه ولا إسم عيلته عشان يبهر أو يندم اللي قدامه!!
تفاجئ عاصم بكلماتها التي وصفت تصرفاته، اعتدل في وقفته وأنزل يديه إلى جواره واستمع إلى بقية حديثها:
_ وتبقى غلطان لو فاكر إني وافقت نتجوز عشان اسم عيلتك اللي أنا أصلًا معرفوش، ودا مش تقليل منك أبدًا، بس دا جهل مني، دايرة معلوماتي صغيرة أوي مبخرجش عنها.
اقتربت منه بِضع خُطوات وأضافت بلومٍ:
_ ولو أنت قاصد تندمني عشان مش فارق معايا الحياة دي فأنت برده غلطان ومقرأتش شخصيتي صح، أنا لا المناصب ولا الفلوس بتبهرني قد شخصية البني آدم وانسانيته، ودا اللي بحاول أوصله ليك ويمكن اللي تاعبني إني مش عايزاك تتحول لشخص غير عاصم اللي أنا عرفته واتعاملت معاه..
شعر عاصم بِصغر حجمه لحظتها، فهو افتعل شيئًا لا يُشبهه ولا يليق به، أغمض عينيه محاولًا جمع شتاته قبل أن يردد:
_ أنا ماشي يا دكتورة، لو احتجتيني كلميني..
لم يضيف المزيد وانصرف خارج الغرفة، بينما نفخت صبا بضيقٍ فلقد ضاق صدرها مما يحدث، ألقت نظرة أخيرة على المكتب ثم حملت حقيبتها وخرجت متجهة إلى مكتب المدير، وقفت أمامه وبنفاذ صبر قالت:
_ أنا عايزة أرّجع مكتبي القديم..
***
تجمع الثلاثة حول الطاولة، فلقد حرص قاسم على تناول الفطور معًا ربما ينفع آدم ذلك، كان عابسًا شاردًا لا يُشاركهما الطعام ولا الحديث، فقطع قاسم عليه حبال شروده بقوله:
_ كدا مش هينفع يا آدم، ليك حق تزعل يا حبيبي لكن فيه حاجات مينفعش تقف، الحياة مش بتقف، لازم تاكل وتتكلم وتروح شغلك ومع الوقت هتتخطى..
_ مش قادر، حاسس إن كل حاجة تقيلة على قلبي ومعنديش ذرة طاقة أعمل أي حاجة، أنا بفكر اطلب إجازة
قالها بفتورٍ شديد فعقب قاسم على حديثه:
_ ولو إني مرجحش طلب الإجازة دا لأنك وقتها هتقعد أنت وعقلك مع بعض ومش هتبطل تفكير، بس لو أنت حاسس إنك هتبقى أحسن كدا، خد إجازة أخرج فيهم مع صحابك، سافر لك يومين في أي مكان تروق لك فيهم على نفسك المهم تكون كويس..
أماء آدم بتفهمٍ ثم نهض فتساءل قاسم بجدية:
_ رايح فين؟ اقعد كمل أكلك
_ لا مش قادر آكل حاجة، أنا هروح اخلص إجراءات طلب الإجازة..
هتفها وغادر سريعًا قبل مُقابلة أي اعتراضاتٍ، بينما سحب قاسم المنشفة الصغيرة التي كانت أسفل عنقه ومسح يده وفمه ثم وضعها على الطاولة ونهض، فكان له نصيبًا من تعكير صفوه من وراء كلمات حورية التي صاحت بها:
_ مش قادر يكمل أكله، قام يجري زي المراهقين عشان يروح لخطافة الرجالة
تفاجئت حورية بسبابته التي وُضعت فجأةً في وجهها محذرًا إياها:
_ أنا لغاية دلوقتي عامل حساب لابنك اللي فوق دا، كلمة تانية ملهاش لازمة مش يهمني ابني وهـَهِينك جامد
قالها وغادر على الفور تحت نظراتها التي يتطاير منهما أدخنة النيران التي اتقدت داخلها، صرت أسنانها ببغضٍ شديد وهمست بينها وبين نفسها:
_ يارب ما تتهنى لحظة واحدة معاها يا قاسم!
في الخارج، ركب قاسم سيارته وتوجه بها إلى بيت المزرعة حيث موطن حبيبته التي اشتاق إليها بين عشية وضحاها، كان يقود بسرعة كبيرة يَعُد الثوانِ حتى يصل إليها وينال عناقًا حار هو في حاجة إليه ليمحي أي توترٍ قد عاشه منذ قليل.
وبعد مرور وقتًا لا بأس به، وصل إلى البيت وترجل من السيارة فوجدها تقف أمام الباب عند سماعها بوق سيارته تستقبله بإبتسامةٍ سعيدة، توجه بقربها وقبل أن تُردف ترحيبها كان قد ألقى بنفسه بين ذراعيها، فاتسعت عيون أجلام تلقائيًا ولامته بحرجٍ شديد:
_ إحنا في الجنينة يا قاسم ممكن حد يشوفنا
دون مبالاةٍ لتصرفه الجرئ أجاب كلماتها:
_ ما يشوفوا براحتهم، واحد ومراته إيه العيب في كدا يعني؟
ابتسمت بخجلٍ ثم حاوطت ظهره بذراعيه متبادلة معه العناق فكان لروحهما شفاءًا ضمدا جروحًا لا زال لها أثرًا داخلهما، تراجع قاسم بعد أن اكتفيا الآن فأسبقت أحلام متسائلة:
_ ابنك كويس؟
_ هيبقى كويس، الحياة هتنسيه..
قالها مُكتفيًا بذلك الرد فترددت أحلام في سؤاله لكن فضولها قادها لمعرفة السبب:
_ هو أنت قولت هو زعلان من إيه؟
قطب قاسم جبينه لغرابة سؤالها ثم أجابها:
_ انفصل عن خطيبته، أنتِ لحقتي تنسي؟
ردت وهي تلوح بيدها:
_ إحنا كنا متأخر ومكنتش فايقة..
هز قاسم رأسه متفهمًا وقال:
_ طب تعالي ندخل جوا أحسن
***
مساءًا، عاد عاصم من عمله، دلف البيت وبحث عن صبا فلم يجدها، تفقد الوقت، ثم حاول الإتصال بها فلم يصل إليها فكان هاتفها مغلق، أخذ نفسًا وفكر قليلًا أين يجدها في ذلك الوقت المتاخر، فكان بيت قاسم أول ما جاء في خاطره.
فتوجه إليه مباشرةً، طرق الباب وبعد قليل فتحت له زينب الباب، وابتسمت له بخجلٍ مرحبة به:
_ أهلًا يا باشمهندس، اتفضل
بودٍ يُخالطه الحرج تساءل:
_ هي صبا موجودة هنا؟
بحاجبان معقودين ردت:
_ لا مشوفتهاش النهاردة خالص، هو فيه حاجة؟
شرح لها عاصم الوضع الذي وقع به:
_ هي راحت المستشفى الصبح، وبكلمها موبايلها مغلق مش عارف هي خلصت ولا لسه؟!
أومأت زينب بالفهم، ثم سألته:
_ هي الساعة كام؟
_ ١٠
قالها بعد أن تفقد ساعة يده، فحاولت زينب طمأنته بقولها:
_ لا متقلقش لسه قدامها ساعة على ما تخلص، كان عبدالله دايمًا بيروح لها على ١١!!
صعق عاصم مما وقع على أذنيه، وحدق بها مذهولًا فشعرت زينب بفداحة ما اقترفته وأسرعت في توضيح الأمر له:
_ عمي محمود بابا صبا كان مكلف عبدالله يوديها ويجيبها من المستشفى، أنت أكيد عارف إنه كان بيشتغل على عربية بيوصل الناس..
رفع عاصم حاجبيه عندما فهم الأمر لكن داخله يخبره بثمة أمرًا أكبر مما أخبرته عنه زينب، أخرج تنيهدة معها شعوره السيء الذي شعر به من خلف كلماتها، وحاول إنهاء الحوار بينهما فقال:
_ طب تمام، هروح أنا بقى عشان أطلب آكل على لما صبا ترجع يكون وصل.. آسف على الإزعاج
بإبتسامة ودودة أردفت:
_ مفيش إزعاج يا باشمهندس..
أولاها عاصم ظهره ليُغادر فترددت زينب فيما تود فعله كثيرًا أخذت وقتًا حتى أقنعت عقلها بأن الأمر إنساني فقط، عادت إلى الداخل وقامت بوضع الطعام المُتبقي عندهم في الفرن الكهربائية لترتفع حرارته، ثم وضعته في أوانٍ وحملتهم في صينية، خرجت من البيت متجهة إلى البيت المجاور.
طرقت الباب ووقفت أمامه وقتًا حتى فتح لها عاصم وتفاجي كليهما ببعض، فكان عاصم يقف أمامها عاري الصدر محاوطًا خصره بمنشفةٍ تُخفي بقية جسده، تتساقط بعض القطرات من شعره.
وسرعان ما أخفضت زينب رأسها في حياء شديد، فأسرع عاصم بالوقوف خلف الباب وأبدى اعتذاره عن صورته التي ظهر بها:
_ أنا آسف والله فكرت صبا رجعت، وأنا عارف إن هي مفيش معاها مفتاح...
بصعوبة بالغة قابلتها في الحديث حاولت الرد عليه بعد أن ابتلعت ريقها مراتٍ عديدة من فرط التوتر:
_ ولا يهمك، أنا كنت جايبة لكم أكل... هحطه على الباب
انحنت زينب بجسدها ووضعت الصينية أرضًا وسرعان ما انصرفت من أمام الباب، بقلبٍ يخفق بشدة، وحاولت نسيان ما رأته حتى يتبخر توترها، بينما أخرج عاصم رأسه من خلف الباب يتأكد من ذهابها أولًا قبل أن يخرج بكامل جسده، حمل الصينية فتغلغلت رائحة الطعام الذكية إلى أنفه وزادته جوعًا.
كان يود انتظار صبا لكنه لم يستطع، فطالبت معدته بالطعام، جلس بنفس هيئته وبدأ بتناول الطعام الذي شعر لوهلة أنه لم يتذوق بجماله من قبل.
أغمض عينيه لبرهة مستمعتًا بذلك المذاق الشهي، والذي حثه على تناول الطعام بشراهة لم يتناول مثلها من قبل، حتى شعر بامتلاء معدته فتراجع للخلف متحسسًا بطنه في حركات دائرية وهو يردد:
_ لما دا أكل أومال اللي كنت باكله دا إيه؟
نهض وصعد إلى الأعلى ليرتدي ملابسه ثم ترجل ثانيةً على صوت قرع الجرس، فتح الباب وكانت صبا من جاءت ويبدوا عليها التعب، دلفت بخُطاها وقد انتبهت على الطعام فاقتربت منه بمعدة تطالب به، جلست على الكرسي وتساءلت بفضول:
_ مين اللي جايب الاكل دا؟
رد عاصم بتلقائية:
_ اخت عبدالله!
_ زينب؟!
رددتها صبا بريبة، وكادت تسأل عن بقية الأمر لكن قرع الجرس قد أوقفها، بينما توجه عاصم إلى الباب وقام بفتحه فظهرت هيئة ذلك الرجل الأربعيني فاتسعت عيونها حينما ظهر لعينيها بوضوحٍ، انتفضت من مكانها فجأة وهللت دون تصديق:
_ جلال!
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
وصل آدم الفيلا خاصة عز، صف السيارة وترجل منها وداخله يخبره بثمة أمرًا لا يَسُر، يُقلِقه، ولج الفيلا بقلبٍ غير مطمئن فاستقبله عز بإبتسامة هادئة لم يحبها آدم، وما زاد توجسه نظرات نهال التي تقف على استحياء، وعدم مواجهة ڤاليا له.
ابتلع ريقه واقترب مباشرةً من عز وصافحه والقلق يطغو في نبرته عندما تساءل:
_ هو فيه حاجة يا أونكل؟
أشار عز إلى الأريكة يدعوه للجلوس مُمهدًا للحديث:
_ اقعد يا حبيبي الأول...
جلس آدم على طرف الأريكة، واختلس نظرة أخيرة على ڤاليا ذات الرأس المُنحني، ثم انتبه على صوت عز الذي بدأ كلامه بنبرةً متوترة:
_ آدم يا حبيبي أنت عارف إن كل شيء قسمة ونصيب، ومش كل اللي عايزينه بيكون مقدر ومكتوب لينا...
_ هو فيه إيه يا أونكل، ياريت حضرتك تكلمني بكل بصراحة، مش بحب التمهيدات دي..
هتفها آدم بنفاذ صبر، فأجبر عز على التصريح بما دعاه للمجيء من أجله وهو يُعطيه عُلبة الحُلي:
_ كل شيء وقسمة نصيب يا آدم، ڤاليا هتبقى بتظلمك معاها لو كملت في العلاقة دي..
اهتز كيان آدم بشدة؛ شعر بقلبه يخفق بقوة، حالة مريبة قد تملكت منه جعلته غير قادر على التحدث، حمحم ليُساعد كلماته الحبيسة على الخروج فقال:
_ ممكن أفهم إيه السبب؟ يعني لو أنا كنت عملت حاجة ممكن أغيرها..
_ أنت معملتش أي حاجة يا آدم والله، بس الموضوع قبول وراحة وڤاليا للأسف مش حاسة بالحاجات دي..
هتفها عز ناهيًا الحوار فشعر آدم بغصة في حلقه، اختلس نظرةً على ڤاليا الواقفة على مسافة قريبة وهو يُحادث عز:
_ ممكن يا أونكل أتكلم مع ڤاليا لوحدنا...
شعر عز بالآسى حِيال محاولاته البائسة التي لن تجدي نفعًا مع إبنته، تنهد ورفض طلبه حتى لا يُصعب الأمر على كليهما:
_ آدم يا حبيبي، متصعبش الأمور على نفسك وعليها، لو فيه كلام كان يتقال صدقني مُكناش قاعدين دلوقتي بنتكلم..
هز آدم رأسه بخيبة أمل كبيرة، أخذ عُلبة الحُلي ونهض وعينيه تهربان من عيون الآخرين، سار حتى وقف بجوار ڤاليا فألقى نظرةً أخيرة عليها قبل ذهابه، خرج من الفيلا ووقف على الباب يستنشق الهواء الذي فقده في الداخل.
شعر باختناقٍ يلتف حول عنقه فجأة، ففتح بعضًا من أزار القميص ثم توجه إلى السيارة وقام بالجلوس خلف الطارة، وألقى العُلبة جانبًا، أخذ يتنفس وهو يُتابع بنظره الفيلا ثم انطلق بالسيارة مبتعدًا عن المكان.
عاد إلى البيت، وصف السيارة بإهمالٍ ثم ترجل وهو بالكاد يرى أمامه، جر قدميه بِثقل حتى دلف الفيلا فاستقبلته والدته وهي تصرخ بغضبٍ:
_ أبوك اتجوزها عليا!! بعد كل سنين الحرمان اللي أنا عشتها على أمل يرجع ليا في يوم ندمان وفي الآخر يرجع لها!!
لم يُعقب آدم وكأنه لم يستمع لحرفٍ مما قيل، مر بجوارها وتابع صعوده إلى الطابق العلوي حيث غرفته تحت نظراتها المستشاطة، لم تقبل حورية عدم مبالاته لأمرها، وصعدت الدرج خلفه بخُطواتٍ
ثائرة حتى بلغت غرفته ووقفت تنهره مُعنفة:
_ هو أنت مش سامعني؟ ولا حاسس بلي اللي أنا حاسة بيه!!
_ أنا وڤاليا سيبنا بعض..
قالها آدم بصوتٍ مهزوز فأجبر والدته على الصمت، انتباها الدهشة ووقفت تتطلع به بعيون مُتسعة لا تصدق ما وقع على أذنيها، وبعد مدة كانت قد استوعبت ما سمعته وتوجهت ناحيته ثم جلست بجواره تربت على ذراعه ورددت بهدوءٍ متأثرة لحالته:
_ إيه اللي حصل بس يا حبيبي، احكيلي..
***
اهتز رنين هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، فاستيقظ من نومه اثر ذبذبات الهاتف، سحب الهاتف لكي لا يُقلق تلك الغافية بجواره وأخفض الصوت، ثم تأفف حين قرأ إسم المتصل، تفقد الوقت فشعر بثمة أمر طارئ وربما عليه الإيجاب.
نهض وابتعد عن الفراش ليُجيب:
_ إيه يا حورية؟ يارب يكون فيه حاجة تستاهل الرن في وقت متأخر زي دا
بِسخريةً أجابت:
_ آسفة إني قطعت عليك ليلتك يا عريس، بس ابنك محتاجك، ابنك أولى بيك من الهانم اللي جنبك دي!
لم يتقبل قاسم سماع تراهات أكثر واندفع بها بانفعالٍ شديد:
_ احترمي نفسك وأنتِ بتتكلمي، وآدم ماله فيه إيه؟
_ ڤاليا سابته وحالته حالة ومش...
لم يسمعها لأكثر، بل أنهى الإتصال فور عِلمه، ثم نظر في الفراغ أمامه بصدمةٍ، لا يصدق ما سمعه، حتمًا هو في حال يرثى له، أخذ قاسم نفسًا وعاد إلى الغرفة، اقترب من أحلام وتردد في إيقاظها لكن لابد من إعطائها خبرًا بذهابه.
_ أحلام..
قالها بهدوءٍ حارصًا على عدم تسبُب الذعر لها، بينما قلقت أحلام على صوته فنظرت إليه بريبة مرددة سؤالها:
_ قاسم، في إيه؟
حاول طمأنتها بصوته الرخيم:
_ متقلقيش مفيش حاجة، بس آدم انفصل عن خطيبته، فأنا لازم أروح أفهم في إيه وأكون جنبه..
انتفضت من مكانها وتساءلت قلِقة:
_ يا خبر! ليه كدا؟
رفع قاسم كتفيه مُبديًا عدم معرفته بالأمر ثم أولاها ظهره ليُبدل ملابسه وقال:
_ مش فاهم حاجة لما هروح هفهم منه..
اعتدلت أحلام في جلستها وقد أنارت الإضاءة، ثم تابعت ما يفعله قاسم وقد راودتها فكرةً ضاق صدرها من خلفها، أخذت نفسًا عميق وزفرته قبل أن تردف:
_ ممكن يكون حصل كدا بسبب جوازنا؟
توقف قاسم عما يفعل ونظر إليها لبرهة قبل أن يُظهر استيائه من ظنها:
_ ليه تفكري كدا؟ بس عشان ترتاحي فعز عمره ما يعمل كدا فيا ولا في ابني عشان مسائل شخصية ودا أولًا تاني حاجة حتى لو كان الموضوع كدا فالكل يضربوا دماغهم في أقرب حيط، أنا أعمل اللي أنا عايزه!
اقتربت منه أحلامه بملامح متوترة حزينة وأردفت:
_ أنا مش عايزة أكون سبب إن حياة حد تبوظ..
دنا منها قاسم وملس بيده على وجهها وهتف كلماته الحنونة ليُطمئن قلبها الجميل:
_ أنتِ ملكيش أي علاقة بالموضوع صدقيني، بعيد أوي عنك يا أحلام، لو فكرنا فيها يعني..
اطمني يا حبيبتي أنا هروح دلوقتي وهاجي الصبح وهقولك السبب عشان تطمني..
أسرعت أحلام في رفض عودته مُعللة:
_ لا خليك جنبه، مش لازم تيجي لغاية ما يكون كويس..
ضاق قاسم بعينه معاتبًا إياها بنظراته ثم لامها بلطفٍ:
_ لحقتي تزهقي مني؟
اتسعت حدقتيها بذهولٍ ونفت ذلك بقولها:
_ لا طبعًا، بس أنت لازم تكون جنب ابنك في ظروفه دي..
_ ما أنا رايح له أهو
قالها ثم غمزها مشاكسًا:
_ بس يعني كنت مستني تقوليلي مستنياك على نار، أو ترجعلي بالسلامة يا جوزي يعني أي حاجة من الكلام اللي الواحد مسمعوش طول حياته دا
حدجته أحلام بعيون واسعة مذهولة مما يُردده، ثم أطلقت ضحكاتها وقالت من بين ضحكها:
_ يووه أنت عايزني أقولك مستنياك على نار؟
_ وماله؟ وحشة؟
تساءل قاسم بنبرة مازحة فهللت أحلام وهي تدفعه خارج الغرفة:
_ يلا يا قاسم ابنك مستنيك على نار يا حبيبي
نظر إليها مستاءً وهو يردد:
_ لا أنا عايزِك أنتِ، هو هعمل بيه إيه؟
هزت رأسها مستنكرة ما يتحدث به الآن، وهللت غير مصدقة:
_ أنت في إيه ولا إيه بجد؟ روح لابنك يلا
جمد قدميه بالأرض ولم يتحرك قبل أن يسمع منها ما يريده:
_ طب مش ماشي غير لما أسمعها..
شهقت أحلام بغير تصديق لتلك التصرفات المراهقة، قهقهت عاليًا وهي تردد ما يود سماعه من بين ضحكها المستمر:
_ روح يلا مستنياك على نار، بس متتاخرش أصل أتلسع
ثم انفجرا كليهما ضاحكين، تلك اللحظة لم تعد أحلام تستطع النظر في وجهه من وراء خلجها المفرط فدفعته إلى الخارج وهي تردد:
_ امشي بقى
وفي النهاية نجحت في إخراجه من البيت، بينما ركب قاسم سيارته وتحرك بها متجهًا إلى الفيلا الأخرى، بعد مرور مدة ليس بقصيرة وصل إلى وِجهته، صف السيارة وولج الفيلا في هدوءٍ، قابلته حورية بنظراتٍ مشتعلة أحرقته.
لكنه لما يآبى لها وكأنها نكرة ليس لها وجود، صعد حيث غرفة آدم ودلف الغرفة بعد أن طرقت الباب مُعلنًا عن وصوله، تفاجئ آدم بوجوده، اعتدل في جلسته وسأله بجدية بعد أن تفقد الوقت:
_ أنت بتعمل إيه هنا في الوقت دا؟
عقد قاسم حاجبيه بغرابةٍ وهو يردد:
_ وأنا المفروض أكون فين وأنت في حالتك دي؟ ما طبيعي أكون هنا جنبك..
بمزاجٍ غير سوي أردف آدم وهو يهرب بعينه:
_ قوم روّح يا بابا، أنا مش قادر اتكلم في حاجة..
_ لا مش همشي، وبعدين ضروري تتكلم عشان تخرج من حالتك دي، فهمني إيه اللي حصل؟
قالها قاسم حاسمًا الأمر بعدم ذهابه فما كان من آدم إلا أن قص عليه تحت إصرارٍ منه:
_ أونكل عز كلمني أروح عندهم، وفجأة لقيته بيعطيلي الدهب وبيقولي كل شيء قسمة ونصيب..
قطب قاسم جبينه بغرابةٍ وتساءل بريبة:
_ فجأة كدا؟ ومقالش أسبابها إيه؟
تشدق ساخرًا قبل أن يُخبره وعينيه تجوب الغرفة دونًا عن والده:
_ بيقول إن العلاقات راحة وقبول وهي ملقتهمش معايا..
ثبت بصره على قاسم وأضاف بنبرة مختنقة:
_ أنا عملت لها كل حاجة عشان أحس إنها راضية وهي مرضتش! مرتاحتش معايا وأنا كنت مسهل لها كل سُبل الراحة، حتى الحاجات اللي كانت بتضايقني فيها كنت باجي على نفسي واتغاضى عنها عشان مضايقهاش بكلامي أو متفتكرش إني بحاول أسيطر عليها.. أنا معملتش أي حاجة غلط!
أخذ قاسم نفسًا زفره على مهلٍ بعد أن استمع إلى آدم ثم ربت على فخذه وقال بنبرة حكيمة:
_ هي مبتتحسبش كدا يا حبيبي، وزي ما قالك عز الموضوع قُبول وراحة ومش شرط عشان أنت عملت كل اللي عليك تكون البنت مرتاحة، دي حاجة مش بإرادتها، سبحان الله هو اللي بيخلق جوانا الراحة لأشخاص مُعينين لو طلبوا مننا نبلع الزلط هنعمل كدا بكل حب ومش هنبص أبدًا إن دي سيطرة، وأنت من الأول كنت حاسس إن فيه حاجة غلط في تعاملها معاك يعني متفاجئتش، وهو في الأول والآخر نصيب..
أقنع عقلك إنها مش نصيبك، ودي مش آخر الدنيا، أنت لسه صغير وقادر تتخطاها وتحب تاني بس أهم حاجة تكون واثق من اختيارك، متتسرعش غير لما تحس إن الراحة دي متبادلة من البداية
رفع قاسم يده ووضعها خلف آدم، ثم ربت على ظهره بحنانٍ يأزره في محنته واستأنف بإبتسامة هادئة:
_ هون على نفسك يا حبيبي.. لو كل الناس فهمت إن اللي بيحصل دا تخطيط ربنا بحاجة أحسن لينا في المستقبل مكنش حد زعل أبدًا، مش بيقولك أنت تحلم بنجمة وبتدابير ربنا يعطيك قمر..
شد قاسم على ظهره وردد مازحًا:
_ اضحك بقى يواد، مش كفاية إني عريس وجاي لك لغاية عندك!
ابتسم آدم بسمةً لم تتعدى شفتيه ثم سأله بجدية:
_ هو أنت إزاي فِلت من ماما، أنا حسيت إنها لو شافتك آسف يعني هتعملك بانيه!
قهقها كليهما حتى قطع ضحكهما قاسم قائلًا:
_ أيوا كدا اضحك محدش أخد منها حاجة..
ثم أخذا يتسامران معًا ولم يُكفا عن الضحك لمدة، حتى شعرا كلاهما بالنعاس فخلع قاسم حذائه وسترته وجاور آدم الذي قال مازحًا:
_ أوعى يا بابا تكون أخد حاجة كدا ولا كدا وتفكرني العروسة!
تفاجئ قاسم من وقاحة آدم، وقام بضربه بعنفٍ في ذراعه فانفجر آدم ضاحكًا وهلل عاليًا:
_ أنا بطمن على نفسي بس!
هز قاسم رأسه في استنكارٍ، وشاركه الضحك، يكفيه رؤية ابتسامته التي نجح في رسمها على محياه في تلك الظروف الذي يمر بها.
***
في الصباح الباكر، وصلت زينب برفقة عبدالله إلى المستشفى، صف السيارة أمام بابها والتفتت بجسده إليها وتساءل بجدية يُخالطها القلق:
_ أنتِ جايبانا هنا ليه؟ أنتِ تعبانة ومش عايزة تقولي؟
نفت بحركة من رأسها ثم أخبرته ما جائا لأجله:
_ جاية أقابل الدكتور اللي كان متابع حالتي المرتين اللي كنت جيت فيهم هنا..
ضاق عبدالله بعينه فلم يستشف السبب خلف ما تقوله متسائلًا بفضول:
_ ليه؟
أجابته بسلاسة:
_ هحاول أقنعه يعملي تقرير طبي بحالتي وقتها بتاريخ قريب عشان أرفع قضية على حمادة!!
فغر عبدالله فاهه بصدمةٍ، لم يكن سهلًا البتة تصديق ما سمعه بسهولة، انتبهت زينب على شروده فلوحت بيدها أمام وجهه لتجذب انتباهه، فقطعت عليه حبال أفكاره وقالت:
_ أنت روحت فين كدا؟
_ مش مصدق اللي أنتِ عايزة تعمليه!
هتفها ثم تقوس ثغره للجانب وغمزها وأضاف:
_ بس عجبني، يلا انزلي
ابتسمت زينب وهرولت خارج السيارة وكذلك عبدالله، وباحثا كليهما عن الطبيب الذي عالجها عندما وصلت إلى هنا، أخذا وقتًا ليس قصيرًا في البحث عنه حتى وجدوه أمامهما فأسرع عبدالله إليه وأمسك ذراعه بعد بحثٍ طال:
_ دكتور لو سمحت..
رمقه الطبيب بعيون ضائقة محاولًا تذكر ذلك الوجه، فقال عبدالله:
_ حضرتك مش فاكرني؟
ثم أشار إلى زينب الواقفة خلفه وسأله وهو يشير إليها:
_ طب مش فاكر زينب؟ كانت جت مرتين هنا وهي حامل و....
قاطعه الطبيب بترديده:
_ أيوا أيوا افتكرتكم..
تنهد عبدالله براحةٍ وقال:
_ كنا عايزين حضرتك في موضوع مهم.. كنت قولت لي وقتها لو عايز أعمل تقرير طبي عن حالتها واعمل محضر، ينفع تعمل التقرير دا دلوقتى؟
عقد الطبيب حاجبيه وهو يتذكر المدة اللي مرت:
_ بس دا عدى عليها وقت كبير...
مال عبدالله بقرب الطبيب هامسًا:
_ بص يا دكتور، إحنا عايزين نعمل محضر في جوزها بكل اللي عمله فيها، أنا ياما قولتلها وقتها بس هي مردتش كانت باقية على العشرة معاه، بس هي معدتش قادرة تستحمل، فلو ينفع تعمل لنا تقرير طبي عن حالتها وقتها ولو ينفع يتعمل بتاريخ قريب ياريت تعمله، إحنا حقيقي محتاجينه جدًا..
أطال الطبيب النظر في عبدالله، ثم نظر خلفه حيث تقف زينب وسألها بعملية:
_ جوزك فعلًا اللي كان بيعمل فيكي كدا
أكدت زينب بالإيجاب على سؤاله:
_ أيوا والله
أخذ الطبيب نفسًا أخرجه بقوة وقال وهو يوليهما ظهره:
_ تعالوا معايا..
تَبِعاه حتى غرفته، ثم جلس الطبيب على مقعده وأمسك فأرة الحاسوب ونظر إلى زينب وسألها بعملية:
_ حضرتك مش فاكرة كنتي هنا يوم إيه بالظبط؟
تناوبت زينب النظر مع عبدالله ثم وضعت يدها على بطنها وكاد يتساقط دمعها لكنها تمالكت حالها وأجابته بذلك التاريخ التي لم تنساه مطلقًا، فحرك الطبيب رأسه وهو يُردد:
_ تمام أوي..
كتب تاريخ تواجدها فظهر أمامه وضعها الصحي وقتها، فغر فاهه وردد بعينين واسعتين مذهولًا:
_ دا أنتِ أجهضتي وقتها!!
لمعت عينيها متأثرة، وأكدت بإيماءة من رأسها فبدأ الطبيب يكتب تقريره الطبي عن حالتها والأضرار الناتجة عن ضرب ذلك الزوج ثم انتهى ورفع عينيه في زينب وقال:
_ التقرير دا يجيب له عقوبة مشددة، الإجهاض دا جناية والحكم فيها بيكون صعب، ربنا يقويكي على اللي جاي..
أخذت زينب منه التقرير ثم شكرته، فاستأذنا منه وغادرا المستشفى، ركبا السيارة فتساءل عبدالله بجدية:
_ ودلوقتي؟
نظرت زينب إلى التقرير المُمسِكة به وقالت بِبُغضٍ:
_ على قسم الشرطة!
***
استيقظ عاصم من نومه، وبدل ملابسه بأخرى تليق بخروجه، ترجل الدرج فوجد صبا تضع الفطور على السفرة، فتجمدت قدميه مكانه وهو يتابع ما تفعله، ثم تابع خُطواته متجهًا نحوها وتساءل وهو يتطلع بالفطور مذهولًا:
_ هو حد جاي لنا ولا إيه؟
وقفت صبا وقالت وهي تُحرك رأسها نافية:
_ لا دا ليك أنت!
كان ردها مفاجئة قوية له، ولم يمنع ابتسامته العذبة التي تشكلت على محياه، فلاحظت صبا انعكاس حالته وأسرعت في إيضاح الأمور إليه:
_ كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع.. أو بصراحة
هما موضوعين!
ضاق عاصم بعينيه عليها فقالت وهي تدعوه للجلوس:
_ اقعد الأول..
ترأس عاصم الطاولة، فجلست صبا إلى جواره وبدأت تتنفس بعض الهواء قبل أن تهتف:
_ الموضوع الأول هو إني عايزة أرجع الشغل.. حاسة إني محتاجة ارجع أعمل الحاجة اللي كنت بحبها يمكن دا يساعدني أكتر ارجع لنفسي القديمة..
مد عاصم يده وأخذ الخبز وبدأ بتناول الطعام بعد سماعه طلبها ثم قال:
_ طيب حلو، مفيش مشكلة سهلة دي..
إلتوى ثغر صبا ببسمةٍ هادئة تُمهد لتلك القُنبلة التي ستُفجرها، أخذت نفسًا عميقًا وأردفت:
_ أنا هرفع قضية على حمادة، هاخد حقي منه!
توقفت الُلقيمات عن النزول إلى معدته، لم يهضم ذلك الخبر المفاجئ، ترك بقية الخبز وأمسك زجاجة المياه وأخذ يشرب الكثير حتى استطاع بلع الطعام، أخذ نفسًا بهدوء وزفره على مهلٍ قبل أن ينظر إليها ويردد:
_ بلاش يا صبا..
صعقت صبا مما قاله ورمقته بعيون مذهولة، فلم تنتظر منه ردًا كهذا، حاولت أن تتحلى بالصبر وتساءلت بنبرة جامدة:
_ ليه بلاش؟ مش دا حقي والمفروض كان يحصل من وقتها!!
_ ومحصلش، وأنتِ دلوقتي متجوزة عاصم سليمان فأعتقد مش هتفرق معاكي حاجة..
هاجمها بأسلوبٍ فظ، فاستشفت صبا ما وراء ثورته ورفضه، تراجعت للخلف ورفعت حاجبيها غير راضية عن رفضه:
_ آه يعني عشان أنا متجوزة عاصم سليمان مينفعش أخد حقي عشان أحمي إسمه!
أغمض عاصم عينيه قبل أن يُخرِج كلماته بضيقٍ يحاول إخفائه:
_ لا الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة..
_ أومال؟، فهمني أنت، بصراحة آخر حد أتوقعه يرفض هو أنت يا عاصم، حسيت إني أول ما هقولك أنت أكتر واحد هتدعمني..
قالتها صبا بحزنٍ ثم أضافت بنبرة متفهمة:
_ بس أنت معاك حق، اسمك مينفعش برده يتقال عنه حاجة وحشة، ودي مش حاجة سهلة، وأنا آخر حاجة أتمناها إنك تتأذى ولو نفسيًا بسببي..
أخرجت تنهيدة مهمومة ونظرت إليه لبرهة قبل أن تقول آخر ما لديها:
_ إحنا ممكن نتطلق على فكرة وبكدا محدش هيقول عنك حاجة...
_ بس يا صبا..
هتفها أمرًا فلم تتوقف عن الحديث وتابعت:
_ دا الحل اللي قدامنا ويرضي الطرفين
فازداد انفعال عاصم وهو يأمرها بالتوقف:
_ اسكتي يا صبا..
لم تصمت بل تابعت إيجاد حلولا:
_ الحل الوحيد إن اسمك يفضل نضيف إننا نطلق...
تلك اللحظة؛ ضرب عاصم الطاولة بعنفٍ فأجبرها على الصمت، نظر إليها بعينين حمراوين يشع منهما الغضب وأخذ يهتف عاليًا:
_ اسمي إيه اللي بتتكلمي عنه؟! أنت لو عملتي كدا فأنتِ هتقطعي آخر وصل بينا، أنتِ متعرفيش ممكن أهلي يعملوا إيه لما يعرفوا، دا آخر أمل ليا معاكي وأنتِ عايزة تقطعيه!
تفاجئت صبا بتفكيره، وتأثرت للغاية لحالته، كم كانت غبية عندما اتخذته ملجأً لهروبها، كم تصرفت بحماقة عندما وضعت شرطًا بعدم إتمام زيجاتهما وهي أمامه طيلة الوقت، حتمًا سيبني آمالا ويتعلق بالوصول إليها يومًا.
هبت صبا واقفة وقالت بحسمٍ:
_ كنت غبية لما فكرت إني لما أقولك أننا مينفعش مننا حبيبين يبقى بكدا أكون عملت اللي عليا، أنت اتعلقت بيا اكتر وأنا مش هسمح أظلمك معايا أكتر من كدا.. أنا هرفع القضية يا عاصم.. لو أنت شايف إن دا آخر وصال بينا فللأسف هقولك أيوا..
زفرت أنفاسها الحبيسة وأضافت مسترسلة:
_ وعشان أنا مشوفتش منك غير كل خير هطلب إن الجلسات تكون سرية عشان أحافظ على اسمك
ومكنش سببت لك أي اضرار..
تركته وصعدت إلى الطابق العلوي تحت صدمته، كان يُطالع أمامه بعقلاٍ مُشتت وقلبٍ ينبض بقوة محاولًا هضم افتراقهما الذي على مشارف حافته.
بينما أبدلت صبا ملابسها وترجلت، وقفت أمامه وأردفت بنبرة جافة:
_ أنا رايحة المستشفى..
أخذ الآخر نفسًا ثم نهض وقال بجمودٍ دون النظر إليها:
_ تمام، يلا هنروح سوا
أسرعت صبا في رفض مرافقته لها مرددة:
_ أنا هروح لوحدي..
قاطعها عاصم بحسمٍ وهو يُطالعها بضيق:
_ هنروح سوا يا صبا.. ومتخافيش يا دكتورة المرافقة دي مفيش من وراها أي تفكير من اللي أنتِ خايفة منه..
ثم توجه ناحية الباب دون إضافة المزيد قاطعًا عليها أي دروبٍ للرفض، فتوجهت صبا خلفه بعد أن زفرت أنفاسها بضيقٍ، استقلت السيارة بجواره ثم تحرك عاصم مبتعدًا عن البيت متجهًا إلى المستشفى.
وبعد مرور مدة؛ وصلا كليهما، فترجل عاصم عندما فُتح له الباب من قِبل عامل الأمن، وكذلك فتح العامل الآخر الباب الخاص بصبا، توجه عاصم إليها وهو على دراية بالإستقبال الحافل الذي سينالونه من خلف اسمه المعروف.
وكان ذلك مُراده من مرافقتها، حتى تعلم من تزوجت وتتحسر على تركها له، لا يدري لماذا فكر بتلك السطحية لكنه يود أن يرى الندم في عينيها عندما تعرف مكانته ومن يكون جيدًا.
مد لها ذراعه لتتعلق به لكنها نظرت إليه مستاءة ورددت هامسة:
_ عاصم!
بصوتٍ جاف قال:
_ عاصم سليمان طلاما داخل مكان مع مراته يبقى لازم تمسك في ايده
مال بقرب أذنها وأضاف بخفوت:
_ الناس متعرفش اتفاقنا، وأنا يهمني صورتي قدامهم..
تراجع للخلف وتطلع في خضراوتيها قبل أن يُستريل بجمودٍ:
_ مش شكلي برده يهمك يا دكتورة؟
كانت صبا مُتفاجئة من تلك المعاملة المفاجئة، لم تحبها، فنظرت إليه بعينين توحيان إليه عتابًا استشفه عاصم لكنه ظل ثابتًا على ذلك الوجه الذي يتلبسه، أعاد مد ذراعه فزفرت صبا أنفاسها ثم تعلقت في ذراعه وسارت إلى جواره تحت نظرات الجميع التي وقعت عليهما.
استقبلتهما إدارة المستشفى استقبالًا حافل واوصلاهما إلى غرفة صبا التي جُهزت لها خصيصًا في الدقائق الأخيرة قبل وصولهما، تعجبت صبا مما يحدث لكنها لم تُعلق وانتبهت على حديث رمزي:
_ مبروك الجواز يا عاصم بيه، مبروك الجواز يا صبا هانم!
تفاجئت صبا بذلك اللقب الثقيل والتي لم تتقبله البتة وأبدت إنزعاجها منه:
_ أنا دكتورة صبا يا دكتور رمزي مش صبا هانم!
_ أنا آسف لحضرتك يا دكتورة
اعتذر لها رمزي تحت نظرات صبا المذهولة من تصرفاته الخرقاء، فلم يكن معها هكذا من قبل، حاولت بألا تُعقب ووقفت حتى انسحب رمزي ثم جائتا ممرضتين حاملتان مشروبات استقبال وحلوى لذيذة ذات شكل شهي، وضعن ما معهن على المكتب ثم انصرفن مسرعتين.
تفقدت صبا ما يحدث أمام عاصم الذي استند بظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه عند صدره يشاهد حجم المكانة التي وُضعت بها فقط لأنها زوجته، قطع ذلك الصمت بترديده المغرور وهو يتفقد معالم المكتب:
_ حلو المكتب مش بطال، دول جهزوه وإحنا يدوب في الطريق!!
التفتت صبا ناظرة إليه فهي على دراية بتلك اللعبة التي يلعبها ليُريها حجم مكانته بين الناس، أخذت نفسًا وأردفت معاتبة بهدوءٍ:
_ مش لايق عليك اللي بتعمله، عاصم اللي عرفته عجبني فيه شهامته وجدعنته وإنه بيعمل الخير من غير مقابل ولا بيستخدم اسمه ولا إسم عيلته عشان يبهر أو يندم اللي قدامه!!
تفاجئ عاصم بكلماتها التي وصفت تصرفاته، اعتدل في وقفته وأنزل يديه إلى جواره واستمع إلى بقية حديثها:
_ وتبقى غلطان لو فاكر إني وافقت نتجوز عشان اسم عيلتك اللي أنا أصلًا معرفوش، ودا مش تقليل منك أبدًا، بس دا جهل مني، دايرة معلوماتي صغيرة أوي مبخرجش عنها.
اقتربت منه بِضع خُطوات وأضافت بلومٍ:
_ ولو أنت قاصد تندمني عشان مش فارق معايا الحياة دي فأنت برده غلطان ومقرأتش شخصيتي صح، أنا لا المناصب ولا الفلوس بتبهرني قد شخصية البني آدم وانسانيته، ودا اللي بحاول أوصله ليك ويمكن اللي تاعبني إني مش عايزاك تتحول لشخص غير عاصم اللي أنا عرفته واتعاملت معاه..
شعر عاصم بِصغر حجمه لحظتها، فهو افتعل شيئًا لا يُشبهه ولا يليق به، أغمض عينيه محاولًا جمع شتاته قبل أن يردد:
_ أنا ماشي يا دكتورة، لو احتجتيني كلميني..
لم يضيف المزيد وانصرف خارج الغرفة، بينما نفخت صبا بضيقٍ فلقد ضاق صدرها مما يحدث، ألقت نظرة أخيرة على المكتب ثم حملت حقيبتها وخرجت متجهة إلى مكتب المدير، وقفت أمامه وبنفاذ صبر قالت:
_ أنا عايزة أرّجع مكتبي القديم..
***
تجمع الثلاثة حول الطاولة، فلقد حرص قاسم على تناول الفطور معًا ربما ينفع آدم ذلك، كان عابسًا شاردًا لا يُشاركهما الطعام ولا الحديث، فقطع قاسم عليه حبال شروده بقوله:
_ كدا مش هينفع يا آدم، ليك حق تزعل يا حبيبي لكن فيه حاجات مينفعش تقف، الحياة مش بتقف، لازم تاكل وتتكلم وتروح شغلك ومع الوقت هتتخطى..
_ مش قادر، حاسس إن كل حاجة تقيلة على قلبي ومعنديش ذرة طاقة أعمل أي حاجة، أنا بفكر اطلب إجازة
قالها بفتورٍ شديد فعقب قاسم على حديثه:
_ ولو إني مرجحش طلب الإجازة دا لأنك وقتها هتقعد أنت وعقلك مع بعض ومش هتبطل تفكير، بس لو أنت حاسس إنك هتبقى أحسن كدا، خد إجازة أخرج فيهم مع صحابك، سافر لك يومين في أي مكان تروق لك فيهم على نفسك المهم تكون كويس..
أماء آدم بتفهمٍ ثم نهض فتساءل قاسم بجدية:
_ رايح فين؟ اقعد كمل أكلك
_ لا مش قادر آكل حاجة، أنا هروح اخلص إجراءات طلب الإجازة..
هتفها وغادر سريعًا قبل مُقابلة أي اعتراضاتٍ، بينما سحب قاسم المنشفة الصغيرة التي كانت أسفل عنقه ومسح يده وفمه ثم وضعها على الطاولة ونهض، فكان له نصيبًا من تعكير صفوه من وراء كلمات حورية التي صاحت بها:
_ مش قادر يكمل أكله، قام يجري زي المراهقين عشان يروح لخطافة الرجالة
تفاجئت حورية بسبابته التي وُضعت فجأةً في وجهها محذرًا إياها:
_ أنا لغاية دلوقتي عامل حساب لابنك اللي فوق دا، كلمة تانية ملهاش لازمة مش يهمني ابني وهـَهِينك جامد
قالها وغادر على الفور تحت نظراتها التي يتطاير منهما أدخنة النيران التي اتقدت داخلها، صرت أسنانها ببغضٍ شديد وهمست بينها وبين نفسها:
_ يارب ما تتهنى لحظة واحدة معاها يا قاسم!
في الخارج، ركب قاسم سيارته وتوجه بها إلى بيت المزرعة حيث موطن حبيبته التي اشتاق إليها بين عشية وضحاها، كان يقود بسرعة كبيرة يَعُد الثوانِ حتى يصل إليها وينال عناقًا حار هو في حاجة إليه ليمحي أي توترٍ قد عاشه منذ قليل.
وبعد مرور وقتًا لا بأس به، وصل إلى البيت وترجل من السيارة فوجدها تقف أمام الباب عند سماعها بوق سيارته تستقبله بإبتسامةٍ سعيدة، توجه بقربها وقبل أن تُردف ترحيبها كان قد ألقى بنفسه بين ذراعيها، فاتسعت عيون أجلام تلقائيًا ولامته بحرجٍ شديد:
_ إحنا في الجنينة يا قاسم ممكن حد يشوفنا
دون مبالاةٍ لتصرفه الجرئ أجاب كلماتها:
_ ما يشوفوا براحتهم، واحد ومراته إيه العيب في كدا يعني؟
ابتسمت بخجلٍ ثم حاوطت ظهره بذراعيه متبادلة معه العناق فكان لروحهما شفاءًا ضمدا جروحًا لا زال لها أثرًا داخلهما، تراجع قاسم بعد أن اكتفيا الآن فأسبقت أحلام متسائلة:
_ ابنك كويس؟
_ هيبقى كويس، الحياة هتنسيه..
قالها مُكتفيًا بذلك الرد فترددت أحلام في سؤاله لكن فضولها قادها لمعرفة السبب:
_ هو أنت قولت هو زعلان من إيه؟
قطب قاسم جبينه لغرابة سؤالها ثم أجابها:
_ انفصل عن خطيبته، أنتِ لحقتي تنسي؟
ردت وهي تلوح بيدها:
_ إحنا كنا متأخر ومكنتش فايقة..
هز قاسم رأسه متفهمًا وقال:
_ طب تعالي ندخل جوا أحسن
***
مساءًا، عاد عاصم من عمله، دلف البيت وبحث عن صبا فلم يجدها، تفقد الوقت، ثم حاول الإتصال بها فلم يصل إليها فكان هاتفها مغلق، أخذ نفسًا وفكر قليلًا أين يجدها في ذلك الوقت المتاخر، فكان بيت قاسم أول ما جاء في خاطره.
فتوجه إليه مباشرةً، طرق الباب وبعد قليل فتحت له زينب الباب، وابتسمت له بخجلٍ مرحبة به:
_ أهلًا يا باشمهندس، اتفضل
بودٍ يُخالطه الحرج تساءل:
_ هي صبا موجودة هنا؟
بحاجبان معقودين ردت:
_ لا مشوفتهاش النهاردة خالص، هو فيه حاجة؟
شرح لها عاصم الوضع الذي وقع به:
_ هي راحت المستشفى الصبح، وبكلمها موبايلها مغلق مش عارف هي خلصت ولا لسه؟!
أومأت زينب بالفهم، ثم سألته:
_ هي الساعة كام؟
_ ١٠
قالها بعد أن تفقد ساعة يده، فحاولت زينب طمأنته بقولها:
_ لا متقلقش لسه قدامها ساعة على ما تخلص، كان عبدالله دايمًا بيروح لها على ١١!!
صعق عاصم مما وقع على أذنيه، وحدق بها مذهولًا فشعرت زينب بفداحة ما اقترفته وأسرعت في توضيح الأمر له:
_ عمي محمود بابا صبا كان مكلف عبدالله يوديها ويجيبها من المستشفى، أنت أكيد عارف إنه كان بيشتغل على عربية بيوصل الناس..
رفع عاصم حاجبيه عندما فهم الأمر لكن داخله يخبره بثمة أمرًا أكبر مما أخبرته عنه زينب، أخرج تنيهدة معها شعوره السيء الذي شعر به من خلف كلماتها، وحاول إنهاء الحوار بينهما فقال:
_ طب تمام، هروح أنا بقى عشان أطلب آكل على لما صبا ترجع يكون وصل.. آسف على الإزعاج
بإبتسامة ودودة أردفت:
_ مفيش إزعاج يا باشمهندس..
أولاها عاصم ظهره ليُغادر فترددت زينب فيما تود فعله كثيرًا أخذت وقتًا حتى أقنعت عقلها بأن الأمر إنساني فقط، عادت إلى الداخل وقامت بوضع الطعام المُتبقي عندهم في الفرن الكهربائية لترتفع حرارته، ثم وضعته في أوانٍ وحملتهم في صينية، خرجت من البيت متجهة إلى البيت المجاور.
طرقت الباب ووقفت أمامه وقتًا حتى فتح لها عاصم وتفاجي كليهما ببعض، فكان عاصم يقف أمامها عاري الصدر محاوطًا خصره بمنشفةٍ تُخفي بقية جسده، تتساقط بعض القطرات من شعره.
وسرعان ما أخفضت زينب رأسها في حياء شديد، فأسرع عاصم بالوقوف خلف الباب وأبدى اعتذاره عن صورته التي ظهر بها:
_ أنا آسف والله فكرت صبا رجعت، وأنا عارف إن هي مفيش معاها مفتاح...
بصعوبة بالغة قابلتها في الحديث حاولت الرد عليه بعد أن ابتلعت ريقها مراتٍ عديدة من فرط التوتر:
_ ولا يهمك، أنا كنت جايبة لكم أكل... هحطه على الباب
انحنت زينب بجسدها ووضعت الصينية أرضًا وسرعان ما انصرفت من أمام الباب، بقلبٍ يخفق بشدة، وحاولت نسيان ما رأته حتى يتبخر توترها، بينما أخرج عاصم رأسه من خلف الباب يتأكد من ذهابها أولًا قبل أن يخرج بكامل جسده، حمل الصينية فتغلغلت رائحة الطعام الذكية إلى أنفه وزادته جوعًا.
كان يود انتظار صبا لكنه لم يستطع، فطالبت معدته بالطعام، جلس بنفس هيئته وبدأ بتناول الطعام الذي شعر لوهلة أنه لم يتذوق بجماله من قبل.
أغمض عينيه لبرهة مستمعتًا بذلك المذاق الشهي، والذي حثه على تناول الطعام بشراهة لم يتناول مثلها من قبل، حتى شعر بامتلاء معدته فتراجع للخلف متحسسًا بطنه في حركات دائرية وهو يردد:
_ لما دا أكل أومال اللي كنت باكله دا إيه؟
نهض وصعد إلى الأعلى ليرتدي ملابسه ثم ترجل ثانيةً على صوت قرع الجرس، فتح الباب وكانت صبا من جاءت ويبدوا عليها التعب، دلفت بخُطاها وقد انتبهت على الطعام فاقتربت منه بمعدة تطالب به، جلست على الكرسي وتساءلت بفضول:
_ مين اللي جايب الاكل دا؟
رد عاصم بتلقائية:
_ اخت عبدالله!
_ زينب؟!
رددتها صبا بريبة، وكادت تسأل عن بقية الأمر لكن قرع الجرس قد أوقفها، بينما توجه عاصم إلى الباب وقام بفتحه فظهرت هيئة ذلك الرجل الأربعيني فاتسعت عيونها حينما ظهر لعينيها بوضوحٍ، انتفضت من مكانها فجأة وهللت دون تصديق:
_ جلال!
