رواية سبر اغوار قلبي ولكن الفصل الثلاثون 30 بقلم نورهان سامي
قصــــة..( سبر أغوار قلبى و لكن ).
30
فتح مراد صفحته على الفيس بوك و بدأ بتصفحها .. كان نظر سارة معه فلفت انتباهها شئ فقالت بجدية : ثوانى كده يا مراد .. ارجع للبوست اللى فوق
عاد مراد و هو ينظر لها و يقول بتساؤل : ده ؟ ثم حول نظره إليه مجدداً لينفتح فمه على أخره من الدهشة و هو يقول : ده خالو أدهم , صح ؟
قرأت عيناها فى سرعة الكلمات المكتوبة تعليقاً على الصورة التى تتضمن أدهم الجاثى على ركبته أمام شابة مقعدة تمضى بدفتر تعرفه جيداً فقد سبق لها و مضت بواحد مثله .. كانت الكلمات كالتالى " هل تتسائل ماذا يعنى الحب السامى المجرد من المصالح ؟ الإجابة ستكون بسيطة للغاية عندما تعلم أن هذا الشاب اليافع تقدم بطلب الزواج بطريقة فريدة من نوعها من حبيبته المقعدة ليساندها فى رحلة علاجها ! لم يعر اهتماماً بإعاقتها و لم ينتظر حتى يضمن أنها ستشفى و تعاود المشى مجدداً بل تزوجها ليثبت لها أنه سيظل يحبها إن شفيت أو بقيت على حالها .. حقاً ما أروعهما !
أغلقت اللاب توب سريعاً خشية أن تلاحظ أمها ما ارتكبه أبنها الأحمق من وراءهم ثم صاحت بمراد قائلة : أدخل ذاكر يلا
منال باستغراب : فى ايه يا سارة مالك ؟ قفلتى اللاب كده ليه ؟ و ماله أدهم ؟
سارة بارتباك : مفيش يا ماما .. مفيش ثم نظرت لمراد و قالت بصرامة : روح ذاكر يلا
تأفف مراد و غادر إلى غرفته لتنظر منال إلى سارة و تقول بصرامة : فى ايه يا سارة ؟ شوفتى ايه خلى حالك يتشقلب كده ! ثم أردفت بتساؤل : ماله أدهم !
سارة بارتباك : يا ماما مفيش عادى عادى
قامت منال و فتحت اللاب توب ليظهر البوست أمامها .. حاولت سارة أن تهدأها بالكلمات قبل أن تنتابها موجة غضب لن تستطيع إيقافها فقالت برجاء : ماما أنا مش عايزاكى تتعصبى .. أكيد عنده أسبابه أنه ميقولناش .. و بعدين مش أنتِ كنتى عايزاه يتجوز أهو اتجوز و كمان بنت بيحبها .. كون إنها مش بتمشى ده شئ مايعيبهاش و هى راحة تتعالج اهى يعنى فى احتمال تمشى .. أنا عارفة إنه غلطان بس احنا لازم نلتمسله الأعذار و نعرف هو ليه اتجوز من ورانا !
نظرت لها منال خالية التعابير ثم قالت بدعاء : ربنا يشفهالك يا حبيبى و ترجعولنا بالسلامة
نظرت لها سارة بفم فاغر من الدهشة لرد فعلها .. لماذا هى هادئة إلى هذا الحد المريب ! هل هذا هو الهدوء الذى يسبق العاصفة ! لكنه لو كان كذلك لماذا تدعى لهما ! خرجت الكلمات من فمها بعد معاناة و هى تصيح بدهشة : حبيبك مين ! ابنك اتجوز من وراكى و أنتِ بتقولى حبيبى بدل ما تتصلى بيه تمرمطى بكرامته الأرض .. أردفت بتساؤل قائلة بانفعال : حبيبك إزاى يعنى مش فهماكى !
جلست منال و قالت بجدية : و مين قالك إنه اتجوز من ورايا ! أنا عارفة
سارة بدهشة : عارفة إنه اتجوز !
اؤمأت برأسها و قالت بجدية : ايوه
Flash Back
بعدما انتهوا من صلاة الفجر جماعة كعادتهم .. ذهبت سارة و مراد ليناموا ليظل أدهم جالساً مع والدته .. نظرت له منال بابتسامة و قالت بتساؤل : أدهم عايز تقول ايه يا حبيبى ؟
حك يديه بخصلات شعره و قال بنصف عين : لسة زى ما أنتِ يا منال بتحسى بيا و بتفهمينى من غير ما اتكلم
ابتسمت منال و قالت بعتاب : مش ابنى اللى حملت فيه 9 شهور و كنت بحس بكل حركة بيتحركها جوايا .. انت حتة منى يا حبيبى إزاى مش عايزنى أحس بيك
ابتسم أدهم لها و قال بجدية : مش أنا قررت أفرحك بيا
ابتسمت له بسعادة و قالت بفرحة : بجد يا أدهم .. أخيراً هاتتجوز
اؤمأ برأسه فقالت منال بجدية : أحكيلى عنها
ابتسم أدهم و قال بجدية : بحبها و ده كفاية
ظلت منال تنظر له لبعض الوقت فقد قلقت بعدما سمعت عبارته ثم قالت بجدية : و أنا مش هاكرهلك إنك تتجوز واحدة بتحبها بالعكس أنا هابقى مبسوطة بس كفاية ديه ليك مش ليا .. أنا لازم أعرف ابنى هايتجوز مين ؟
نظر لها أدهم بارتباك و قال بجدية : أنتِ كمان لو عرفتيها هاتحبيها
منال بابتسامة : و أنا متاكدة من كده مدام أنت بتحبها .. صمتت قليلاً و قالت بتساؤل : هى البنت صاحبة البيرفيوم !
حرك أدهم رأسه نافياً و قال بجدية : أسمها تالا
منال بضيق : أنا هافضل أخد كلمة كلمة من بقك كده ! ماشيلى بنظرية الرأى بالتنقيط .. احكيلى عنها .. اتعرفتوا إزاى ! عرفتها منين !
تنهد تنهيدة طويلة كان طولها كافياً ليؤلف فيها كذبة جديدة ليقنع أمه بها فهو على يقين أنها إذا علمت الحقيقة لن ترضى بالأمر برمته فقال : أسمها تالا بتدرس أخر سنة كلية ألسن .. أردف بتساؤل قائلاً : فاكرة ساعة الجامعة لما كنت باخد كورسات !
اؤمأت منال برأسها فقال بجدية : كنت قريب من هناك و الدكتور اللى كان بيدينى الكورسات كان واحشنى فروحت أسلم عليه فشوفتها هناك .. حسيت انها مختلفة عن أى واحدة شوفتها و فى حاجة بتجذبنى ليها .. صمت قليلاً كى يجمع شتات كذبته بطريقة أكثر احترافية حتى لا تشك به و تميز صحة كلامه من عدمه .. أكمل قائلاً بدلائل حتى يوثق كذبته : فاكرة لما كنت بخرج كل سبت و اربع فى وقت معين !
اؤمأت برأسها فأكمل بجدية : عرفت أنها بتاخد كورس أسبانى فبقيت أحضره عشان اقرب منها .. حبيتها بالرغم أنها .. صمت قليلاً و هو يأخذ نفسا ًطويلا ً ليشعل به فتيل القنبلة الذى سيلقيها على مسامع أمه .. بالرغم أنها مقعدة !
ثارت ثائرتها و قالت بحدة : يعنى ايه مقعدة ! بعد ما قعدت 30 سنة من غير جواز تتجوز واحدة تخدمها
أدهم بجدية : ماما أهدى يا حبيبتى احنا بنتناقش .. ماتخلنيش أندم إنى حكيتلك
كلماته أثارت براكين غضبها فقالت : هو حضرتك كمان ماكنتش عايز تقوللى .. كنت هاتقوللى بعد ما تتجوزها و تجيبوا عيال
أدهم بنافذ صبر : ماما لو سمحتى أهدى
بالكاد استطاعت احتواء غضبها و قالت بضيق : عايزنى أهدى إزاى يا أدهم و أنت بتقوللى إنك عايز تتجوز واحدة مقعدة .. ده أنا بتمنى يا أبنى اليوم اللى تتجوز فيه و أشوفك بتتزف مع عروستك .. قولى إزاى هاتقدر تعيش مع واحدة مقعدة زيها حياة طبيعية .. دى عايزة حد معاها 24 ساعة يشوف طلباتها و يلبيها .. يوم ما تحب تحب واحدة مقعدة .. سيبت كل بنات مصر و ألمانيا و اخترت المقعدة .. المقعدة ديه هاتعمل بيها ايه ؟ .. أردفت بجدية قائلة : عارفة إنك هاتقوللى إنك بتحبها بس الحب لوحده مش كفاية يا أبنى .. الحب مش كفاية .. هاييجى يوم و تزهق منها و من إعاقتها
كان يعلم جيداً أن هذا سيحدث و أن مواجهة أمه بجزء من الحقيقة لن يكون سهلاً على الأطلاق .. تنهد بضيق و قال بجدية : فكرت فى كل اللى بتقوليه ده ومش أنا بس اللى فكرت فيه .. هى كمان معترضة على جوازنا خايفة تكون عبء و عالة عليا و إنى ماتحملهاش و أزهق منها بعد كده .. و من شروطها الأساسية للموافقة على جوازنا إن العملية اللى هاتعملها تنجح
ظلت أمه صامتة لبعض الوقت ثم قالت بجدية : طب و الله بنت كويسة أهى .. استنى بقى لما ترجع تمشى تانى و ساعتها نبقى نشوف حكاية جوازك منها ديه
قام أدهم و قال بجدية : مش أنا اللى أعمل كده يا ماما و أنتِ عارفة كده كويس ..صمت قليلاً و قال بجدية : أنا هاتجوزها و هاسافر معاها بكره و اقف جمبها فى محنتها .. مشيت يبقى الحمد لله .. مامشيتش يبقى برده الحمد لله و هاتفضل مراتى .. مفيش حاجة هاتتغير
قدحت عيونها غضباً و قالت و هى تضغط على أسنانها تهكماً : يعنى ايه الكلام اللى أنت بتقوله ده !
أدهم بجدية : صدقينى أنا مش هابقى راجل لو ماعملتش اللى أنا بقوله ده و اتخليت عنها فى أكتر وقت هى محتجانى فيه جمبها
استشاطت غضباً منه و قالت بضيق : هاتبقى راجل يعنى لما تكسر كلامى و تعمل حاجة أنا مش راضية عنها و رافضاها
تنهد بنافذ صبر و قال بجدية : ماما تخيلى أنا كنت متجوزها و هى بتمشى و بعد كده عملت حادثة أدت لعدم قدرتها على المشى .. ساعتها كنتِ هاتقوليلى طلقها
ظلت صامتة لبعض الوقت و قالت بضيق : أنا مش موافقة على الجوازة دى يا أدهم .. قلبى مش راضى عنها
تنهد أدهم بنافذ صبر و قال بعتاب : ده بدل ما تشجعينى على اللى بعمله و تدعيلى و تدعليها إن العملية تنجح
تجمعت الدموع بمقلتيها و قالت : يا أبنى أنا أم و أنت أبنى اللى تعبت فى تربيته و تعليمه لحد ما بقى راجل يسد عين الشمس و الناس بتحكى و تتحاكى بيه . . حس بيا ماقدرش أشجعك على حاجة زى ديه
اقترب أدهم منها و ضمها إليه بحنان و قال بجدية : تربيتك ليا علمتنى أبقى راجل مابقاش ندل .. علمتنى ماتخلاش عن الحاجة اللى عايزها بسهولة بالعكس كنتِ دايماً تشجعينى عشان أوصل لهدفى .. أنا عارف إنك عايزالى أحسن واحدة فى الدنيا .. بس أنا عايز أقولك إن مفيش أحسن من تالا و إنك بمجرد ماتشوفيها هاتحبيها علطول .. أردف قائلاً بجدية : أنتِ عارفة إنى مابحبش أعمل حاجة أنتِ مش راضية عنها عشان عارف و متأكد إن طول ما أنتِ مش راضية طريقى عمره ما هيبقى سالك و هيبقى كله أسلاك و شوك .. صمت قليلاً و أكمل برجاء : أنا مش عايز منك غير إنك تبقى راضية عنى و تدعيلى و تدعيلها إن ربنا يقومها بالسلامة و العملية تنجح
ظلت صامتة لبعض الوقت تفكر فى كلامه ثم قالت بابتسامة و هى تتحسس وجهه بحنان : يا بختها بيك يا حبيبى .. هاتتجوز راجل يعتمد عليه متربى تربية صح .. ابتسمت برضا و قالت بجدية : ربنا يباركلك يا أبنى و يكتبلك الخير و يشفيهالك
ضمها أدهم إليه بحنان و قال بفرحة : كنت عارف إنك هاتفهمينى
منال بجدية : ربنا معاك يا حبيبى و يكتبلك الخير .. أهم حاجة إنك تبقى سعيد و مبسوط .. صمتت قليلاً و أردفت برجاء : بس أمانة عليك يا أدهم لما تخف إن شاء الله و ترجع تمشى تانى تجيبها و تيجى تعيشوا معايا و تستقر هنا و بلاش منها حكاية السفر ديه
قبلها أدهم من جبينها ثم انحنى ليقبل يدها كعادته و أردف بابتسامة : هى ترجع تمشى تانى بس و أنا هاعملك كل اللى نفسك فيه
ابتسمت منال لفرحته الظاهرة بعينه و قالت بتساؤل : بتحبها أوى كده يا أدهم !
أدهم بابتسامة : أنا عارف إنك بتحسى بيا يبقى أكيد عارفة الإجابة على سؤالك
ابتسمت منال و قالت بتساؤل : أسألك أخر سؤال و تجاوبنى عليه
اؤمأ أدهم برأسه لتقول بتساؤل : مين البنت بتاعت البيرفيوم ؟
ابتسم أدهم و قال بجدية : واحدة كانت محتاجة مساعدة فتالا ساعدتها و كانت طالبة مساعدتى أنا كمان
ابتسمت منال و قال بتساؤل : طب و الخناقة اللى اتخانقتها كانت ايه أسبابها !
أدهم بنصف عين : أنتِ قولتى سؤال واحد بس .. أردف قائلاً و هو يتثائب عمداً : أنا لازم أروح أنام عشان أبقى فايق بكره .. ادعيلى توافق تتجوزنى
ابتسمت منال و قالت بدعاء : ربنا معاك و توافق ثم أردفت قائلة كأى أم مصرية أصيلة : و بعدين هى تطول تتجوز واحد زيك .. هى كمان هاتتقمر دى المفروض تحمد ربنا إنك بصتلها و عايز تتجوزها
أدهم بنصف عين : ايه يا منال هانبتدى شغل الحموات ده ! أهدى شوية
لم تعلق على كلماته بل قالت بتساؤل : انت هاتتقدملها إزاى ؟
أخبرها أدهم بما سيقوم به لتقول هى بجدية : أدهم أكتبوا الكتاب بس و لما ترجعوا من السفر نعمل الفرح .. أنا نفسى افرح بيك مش كفاية مش هاحضر كتب كتابك
أدهم بابتسامة : حاضر يا حبيبتى من عنيا الأتنين .. أهم حاجة رضاكى عنى و دعاؤك .. أردف قائلاً بجدية : أنا هاروح أنام بقى عشان أبقى فايق بكره .. قبل يدها و ذهب إلى غرفته !
Back
نظرت سارة لها بغيظ و قالت بضيق : ماشى يا أدهم بقى كده متقوليش .. و أنا اللى كنت فاكرة إنك سافرت فى شغل
منال بجدية : كل حاجة جت بسرعة يا سارة ده كويس إنه قاللى و بعدين أنا كده كده كنت هاقولك بس كنت عايزة اتأكد إنه اتجوزها الأول
سارة بابتسامة : مش مشكلة أهم حاجة إنه يبقى مبسوط .. أردفت بنصف عين : بس عرف يضحك عليكى بكلمتين و حضن كالعادة يا منمن و يخليكى راضية .. سبحان الله ساعات بحس أن الواد ده بيسحرلك
ابتسمت منال و قالت بجدية : بحبه يبقى مبسوط يا سارة .. مابحبش أنكد عليه و أزعله .. أردفت قائلة : و بعدين أنتِ عارفة إن دماغ أخوكى أنشف من الحجر و هايعمل اللى فى دماغه فى الأخر فبخاف أغضب عليه و أزعل منه يحصله حاجة
ابتسمت لها سارة متفهمة ثم حولت نظرها للصورة مجدداً و قالت بابتسامة دهشة : بس أول مرة أعرف أنه رومانسى كده .. لا و البصة اللى بصنها لبعض بتدل أن كل واحد فيهم شايل حب دفين للتانى
منال بجدية : ربنا يسهله و يشفهاله يا سارة عشان أنا عارفة إنه مش هايسيبها لو العملية مانجحتش .. صمتت قليلاً و تأملت الصورة و هى تقول : شكلها بنت ناس و طيبة و لبسها محترم .. ربنا يسهلهم
سارة بابتسامة : أمين يا رب
منال بتساؤل : هو أخوكى هو اللى منزل الصورة ديه
سارة بجدية : لا يا ماما ده كالعادة الشعب المصرى لما بتعجبه حاجة بيصورها و ينزلها و
يعلق عليها كمان من غير وجه حق
منال بجدية : ما أنا بقول برده هو أكيد مش هايبقى فاضى انه ينزل صور زمانه فى الطيارة دلوقتى .. ربنا يباركله و يوصله بالسلامة
سارة بجدية : أمين يا رب .. لفت انتباهها توتة التى نامت أمام التلفاز فقالت بجدية : هاقوم أوديها أوضتها
منال بجدية : ماتشليهاش يا سارة .. سيبينى أنا هاقوم أشيلها
سارة بجدية : لا يا ماما أنا هاشيلها ماتتعبيش نفسك
منال بنافذ صبر : أسمعى الكلام بقى و ماتتعبيش نفسك
اؤمأت سارة برأسها و قالت باستسلام : ماشى يا ماما
كان جالسا ًبجانبها فى الطائرة يتأملها بشغف و هى نائمة .. حفر كل تفاصيلها بذاكرته .. لم يكن يعلم أن تفاصيلها جميلة إلى هذا الحد .. لا يصدق أنها أخيراً أصبحت زوجته بموافقتها .. كاد أن يموت من فرط سعادته بها فهى الأن أصبحت تحمل اسمه .. كانت رأسها تتكأ على الكرسي بطريقة غير مريحة على الأطلاق لاحظها هو فاقترب منها بحرص خشية أن يوقظها و يؤرق نومها .. عدلها برفق لتسكن رأسها على كتفه و من ثم حاوطها بيده لينشئ لها حصنا ًمريحا ًخاصا ًبها وحدها حتى تنعم بنومة منعمة بين أحضانه التى فتحت خصيصاً للعمل على راحتها و احتوائها .. احتضن كف يدها الصغير بيده الضخمة التى احتضنتها و ابتسم لها فقد كان فى أقصى حالات الفرحة بسبب قربه منها إلى هذا الحد .. أسند رأسه على رأسها و نام هو الأخر !
فتح أحمد عيونه التى أغلقها منذ دقائق قليلة للراحة ليجدهما على وضعيتهما تلك .. ابتسم ابتسامة صغيرة و هو على يقين أنه اختار الشخص المناسب الذى سيغير حياة ابنته إلى الأفضل .. ربما يكون قراره فى قرب أدهم من تالا هو التعويض الوحيد الذى يحاول فيه أن يكفر عن جميع أفعاله الماضية !
كانت جالسة بغرفتها تشعر بالضجر من حياتها فأخرجت هاتفها و ظلت تتابع حسابها على الفيس بوك لتجد خبر زواج أدهم بتالا الذى انتشر سريعاً بكل صفحاته .. ابتسمت هى بسعادة حقيقة و تمنت لو كانت معها فى مثل هذا الوقت لكن للأسف الشديد منعها هذا الرجل الذى يلقب نفسه بوالدها !
نزلت لأسفل فهى لا تطيق الإنتظار أكثر من هذا حتى تتحدث مع والدها .. دقت غرفة المكتب و دخلت .. ليقول عبد العزيز بصرامة دون أن يرفع نظره عن الأوراق التى أمامه : أنا سمحتلك تنزلى ! أطلعى على أوضتك يلا
ذهبت أسيل بتجاهه و سحبت الأوراق من أمامه و ألقتها بعدم اكتراث على الأرض و قالت برجاء : أسمعنى بقى مش كل حاجة الشغل الشغل .. نفسى فى مرة نقعد مع بعض يوم واحد بس تسمعنى فيه و نتكلم مع بعض كأب و بنته .. نفسى تهتم بيا و تنصحنى و تقولى على الصح صح و الغلط غلط .. مش تسيبلى السايب فى السايب يا تحبسنى فى أوضتى .. فاكر إن أهم حاجة الفلوس و البيزنيس و بس .. فاكر إنك لما تغرقنى فلوس و تجبلى هدايا فى كل مرة تسافر فيها إنك كده أديت دورك كأب .. بتدينى الحنان و الحب على هيئة فلوس ورق أقل حاجة ممكن أعملها بيها إنى أعملها مناديل وأنشف دموعى بيها .. تقدر تقولى احنا بقلنا قد أيه مقعدناش على سفره واحدة و اتجمعنا .. فاكر أصلاً قعدنا مع بعض كام مرة على سفرة واحدة .. صمتت قليلاً و قالت من بين دموعها : أنا عارفة إنى كنت مجرد عروسة لعبة جبتها من الخدامة عشان تسكت بيها نينة و تعملها اللى هى عيزاه و ترضيها عشان ماتتكلمش ولا تقولك طلق مراتك اللى مابتخلفش .. أنت جبتنى و ركنتنى على الرف و نسيت إن العروسة اللعبة اللى الخدامة خلفتها و باعتها عشان خاطر الفلوس بتحس و ليها مشاعر و أحاسيس و إنها مش مجرد عروسة جبتها تفرح بيها شوية و بفضلها تاخد لقب أب اللى كنت هتموت عليه .. العروسة نفسها إن حد يهتم بيها و يخلى باله منها .. كل اللى كنت بتعمله عشان تريح ضميرك من ناحيتى إنك ترميلى فلوس زى ما رميت للخدامة فلوس و خليتها تتخلى عن بنتها بكل سهولة فى سبيل قرشين .. للدرجة دى الفلوس سحراكوا و مخلياكوا تمشوا وراها مغيبين .. للدرجة دى سواء غنى أو فقير حياته كلها مبنية على دايرة أسمها الفلوس و إزاى يكتر اللى عنده أكتر و أكتر .. زادت فى البكاء و قالت بعتاب : ليه حرمتنى من أمى الحقيقية اللى كانت ممكن تسد الفراغ اللى جوايا بشوية حنان .. ليه سيبتنى مع أم عمرى ما حسيت ناحيتها إنها أمى ببساطة عشان كانت بتكرهنى و بتغير عليك منى
قطع كلامها صوت كريمة و هى تقول من بين دموعها : أيوة بكرهك و بغير منك .. عايزانى أحبك إزاى و أمك الحقيقية كانت الخدامة .. الخدامة اللى قدرت إنها تاخذ جوزى منى و تحققله أمنيته اللى عجزت أنا سنين عن تحقيقها و لسة لحد دلوقتى عاجزة عن تحقيقها .. أمنيته اللى كان دايماً بيحسسنى إنها بالنسبة له عادى و إنه مش مهتم لكن كان واضح فى عينيه إنه هايموت على طفل يشيل أسمه و يقوله يا بابى .. تخيلى لما حماتك تقولك أنتِ مش ست أصلاً .. أنتِ الشكل الظاهرى ممكن يكون ست لكن أنتِ عمرك ما هتكونى ست .. الست الحقيقية هى اللى بتحمل و تخلف لجوزها و تجبله عيال يشيلوا أسمه فى المستقبل .. أنت مش نافعة أصلاً .. ست خربانة .. أكنه شئ بمزاجى و إنى أنا اللى مش عايزة أفرحه و أجبله البيبى اللى نفسه فيه .. تخيلى كسرتى كـــــست بعد ما تسمع الكلام ده و ضمور كل خلايا جسمى اللى كانت بتحاول تقنع نفسها إنها خلايا لواحدة ست .. تخيلى بنت الأكابر لما ترضى إن جوزها يتجوز الخدامة بتاعتها .. عارفة يعنى ايه جوزى يتجوز الخدامة بتاعتى .. يعنى بين يوم و ليلة اتساوى أنا و الخدامة و نبقى فى نفس المكانة .. تخيلى كمية العذاب اللى أنا كنت فيها لما شوفته بيتجوز الخدامة .. تخيلى حالتى لما كان بيروحلها و يسيبنى .. تخيلى قد ايه كنت بتقطع من جوايا و أنا عارفة أن جوزى اللى قلبى ماحبش غيره مع واحدة تانية و برضايا عشان أحققله أمنيته هو و مامته .. تخيلى مدى الألام اللى كنت فيها لما شوفت نظرة الفرحة اللى فى عينه لما عرف إنها حامل .. النظرة اللى عجزت أنا عن تحقيقها للبنى أدم اللى كنت اتمنى له الرضا يرضى .. تخيلى وصلت بيا أنى ببقى عايزة اسأله أنت بتشوف مين فينا أحلى .. شوفتى وصلت لأيه .. اهتمامه اللى زاد ليها و نسيانه ليا .. كان كل ما بيشوفها بتعمل حاجة يزعقلها عشان تقعد تستريح .. ماكنتش عارفة ده خوف عليها ولا خوف على الجنين اللى فى بطنها .. بس أيا ً كان السبب أنا كنت بموت بالبطئ .. و لما أنتِ جيتى .. هو طلقها فعلاً زى ما كان الإتفاق بس فضلت عايشة معانا عشان أنتِ ماكنتيش بتسكتى مع حد غيرها .. حاولت كتير إنى أخليكى بنتى و اتعامل معاكى كأم كان نفسها تشيل بنتها بس أنتِ ماكنتيش بتدينى فرصة لده .. أول ما كنت أمسكك كنتى تعيطى .. لحد أما بقى عندك أربع سنين .. كنت خلاص جبت أخرى إنها تقعد معايا فى مكان واحد .. بمجرد ما بشوفها بفتكر إنها كانت بتشاركنى فى جوزى .. مشيتها و بعتها تشغل عند ناس تانين بحجة إنها ماتضعفش و تقولك الحقيقة .. لما هى بعدت حاولت أقرب منك و اعتبرك بنتى اللى ماجبتهاش بطنى بس ماقدرتش ماقدرتش .. أنتِ كنتى شبهها أوى .. أى حاجة فيكى كانت بتفكرنى بيها .. كنت بحس إنها انتهت شراكتها معايا فيه عشان أنتِ تخشى بشراكة جديدة معايا .. عرفتى أنا ليه بكرهك و بغير منك !
كان يقف بين شطين .. شط ابنته و شط زوجته .. يستمع لكلام كل واحدة فيهما و قلبه يبكى عليهما بعد أن رفعا كل الستائر و ألقياها بعيداً و أظهرا خفايا القلوب و ما تكنه و تطمره منذ زمن بعيد أمامه .. لم يكن يعلم أن كل واحدة منهما تكن كل هذه الأحاسيس المشحونة بالكره و الحقد تجاه الأخرى .. تحملا بين طياتهما مجموعة من آهات .. و ببساطة كان هو البذرة التى أنبتت فى صدورهما الحقد و الكراهية تجاه بعضهما .. لا يعلم هل كان أنانياً ليدوس قلب زوجته و يوحله بين وحل الألم و العذاب ! .. أم كان أنانياً عندما استغل تلك الفتاة التى لم تكمل السابعة عشر من عمرها ليحقق مطلبه هو و يزيح زن أمه عنه !.. أم كان أنانياً عندما أتت فتاته إلى النور ليتركها و يهملها هكذا ! أم كان أنانياً عندما ترك كل من حوله ليغمس نفسه فى دوامة العمل التى لا تنتهى و لا تتوقف ! لا يدرى .. حقاً لا يدرى !
وجد نفسه يقوم و يقترب منهما بعد أن دهست قدماه الأوراق المتناثرة على الأرض .. سحب كريمة بيد تجاهه من جهة و باليد الثانية سحب أسيل تجاهه من الجهة الأخرى لتصطدما بصدره فى الوقت ذاته .. لم يشعر بنفسه الا و هو يضمهما اليه بقوة ليجهشوا ثلاثتهم بالبكاء !
فتحت عيناها بتثاقل و هى تشعر براحة غريبة لا تعرف مصدرها .. لا تعرف غير أنها نامت لأول مرة نومة مريحة لا تشوبها الكوابيس .. اشتمت عبق تلك الرائحة التى تغلغلت بتفاصيلها و اخترقت أعماقها إلى أن وصلت لجذورها و جعلتها تبتسم تلقائياً .. أحست بتلك الذراع التى تحاوط كتفها و من ثم تلك اليد التى تبتلع يدها بشكل كامل داخل فكها الكبير الذى يطبق عليها بإحكام.. بدأت أذنها تستمع تلك الدقات التى جعلتها تميز بسهولة أنها ملتصقة التصاقاً إلى قلب أحد ما .. أرادت أن ترفع رأسها لكنها أحست بثقل عليها .. صوبت نظرها إلى المكان التى تسند عليه رأسها لتجد ظلاما ً دامسا ً.. كولا حلة سوداء بقميص أسود مفتوحة أول زرائره لتكشف عن ذلك الصدر العريض الذى يتميز بلونه القمحى .. بدأت الرؤية تتضح لها شيئاً فشيئاً إلى أن أدركت أنها ما هى إلا بين أحضان أدهم !
تسارع نسق تنفسها و تدفقت الدماء إلى عروقها انتشلت يدها من قبضته بعنف و دفعت صدره بباطن يدها بقوة لا تدرى من أين جلبتها ! .. ليبتعد هو عنها و تبتعد هى عنه بمقدار متساوى و اتجاه معاكس طبقا ًلقانون نيوتن الثالث .. لم تستطع التحكم بيدها التى نزلت على وجهه لتترك عليه بصمة لن ينساها طوال عمره !
نظرت ليدها التى صفعته ثم حولت نظرها ببطء يتخلله الرعب لوجهه الذى التهب غضباً و جفناه اللذان يرتعشان و هو يعض شفتيه السفلى حتى كاد أن يمزقها و يقطعها بأسنانه من فرط غضبه !
أرجعت نظرها إلى أسفل سريعاً لتلاحظ قبضة يده التى يعتصرها بغضب .. تمنت لو كانت تمشى حتى تركض من أمام عيونه الغاضبة التى ترشقها بسهامه النارية .. انكمشت فى نفسها خوفاً و قالت بخوف واضح و الكلمات تتقطع بين شفتيها : أنا أسفة .. أسفة و الله ماعرفش أنا عملت كده إزاى !
استيقظ أحمد على همهماتها الخائفة و قال بتساؤل : فى ايه !
ملك نفسه بصعوبة بالغة و ابتلع غضبه ثم قال بضيق : مفيش حاجة
نظر أحمد لوجهه الأحمر و قال بتساؤل : أنت وشك أحمر كده ليه !
ضغط أدهم على أسنانه بغضب و قال بضيق و هو ينظر لها : من النوم
اؤمأ أحمد بعدم اكتراث مصطنع و هو على يقين أن لبنته يداً فى لون وجهه الأحمر .. أرجع رأسه للوراء مجدداً و أصطنع النوم !
ظلت صامتة لبعض الوقت تفكر فيما فعلته بعد قليل و هى تفرك يدها بتوتر بالغ .. جمعت شتات أفكارها و قررت أن تعتذر عما بدر منها و توضح له أنه كان رد فعل على فعله .. تنحنحت و قالت بأسف و هى تنظر إلى الأرض : أدهم أنا أسفة .. لم تسمع له رد فنظرت له و قالت بأسف : أنا عارفة إنى غلطت لما ضربتك بس و الله كان رد فعل على اللى أنت عملته .. ظل صامتا ًينظر لها بدون أى تعابير على وجهه لتقول هى بغيظ : أدهم رد عليا ماتسبنيش أتكلم مع نفسى كده
نظر لها أدهم بضيق و قال بتهكم : لو رديت عليكى دلوقتى ردى مش هايعجبك فخلينى ساكت أحسن عشان مازعلكيش و لو زعلتك هازعلك جامد فأسكتى و سيبينى ساكت
تنهدت بضيق و قالت بتبرم : ما أنا قولتلك أسفة أعمل ايه تانى !
قام بنافذ صبر حتى لا ينفعل عليها و ذهب للحمام .. غسل وجهه بالماء البارد لعله يبرد غضبه .. تنهد بنافذ صبر و خرج ليتجه ناحية المضيفة و يطلب منها فنجاناً من القهوة .. ذهب و جلس بجانبها مجدداً و أرجع راسه للوراء و أغلق عيونه .. ظلت تنظر له بضيق لأنه يتجاهلها .. ماذا ستفعل أكثر من أنها اعتذرت له ! هل تترجاه و تنزل تقبل قدمه حتى يرضى عنها ! لقد أخطأ و تلقى عقاب خطأه .. يجب أن تعلمه أنها ليست سهلة حتى لا يتركها كما فعل ماجد معها .. تنهدت بضيق و أرجعت رأسها هى الأخرى للوراء و أغلقت عينها .. فتحت عينها على صوت تلك المضيفة و هى تقول لأدهم : حضرتك طلبت قهوة بس احنا بنوزع الغداء دلوقتى .. فممكن حضرتك تتغدا الأول و بعد كده أجيب لحضرتك القهوة
ابتسم أدهم مجاملة لها و اؤمأ برأسه لتضع طعام الغداء أمامه و من ثم تضعه أمام أحمد و تالا !
نظرت له بغيظ و قالت بتلقائية دون أن تشعر : ما أنت بتعرف تضحك و تبتسم أهو
أستشعر الغيرة بنبرتها فقال ببرود : أه بعرف أضحك و أبتسم و أهزر كمان عايزة حاجة ! .. أردف قائلاً بصرامة : كلى يلا
نظرت له بغيظ و قالت بعند لعله يلح عليها أن تأكل : مش عايزه اكل .. مش جعانة
نظر لها بعدم اهتمام مصطنع و قال : براحتك و بدأ بتناول الطعام فى صمت !
ضغطت على أسنانها بغيظ و قالت بضيق : ميت مرة أقولك ماتقوليش براحتك ديه .. أنا عارفة إنه براحتى بس ماتقوليش براحتك
نظر لها ببرود ثم حول نظره لــ أحمد و أيقظه برفق ليتناول غداءه ! .. اعتدل أحمد فى جلسته و ذهب للحمام ليغسل يده ووجهه .. نظرت تالا لــ أدهم الذى أكمل تناوله للطعام و لم يعيرها أى اهتمام .. ترقرقت الدموع فى عيونها و هى تقول : أنا هاقولك لأخر مرة أسفة و إنى ماكنتش أقصد إنى أمد ايدى عليك بس ده كان رد فعلى لما .. صمتت قليلاً و هى تقول بخجل و الكلمات تخرج عنوة من فمها : لما لقيتك حاضنى و ماسك ايدى .. نظرت أمامها لأسفل و قالت من بين دموعها : أنت حر تسامحنى ولا لا بس أنا عملت اللى عليا و اتأسفت لك بدل المرة .. ظلت تتذكر كم مرة تأسفت له لكن لم تساعدها ذاكرتها على التذكر فقالت بضيق : مش فاكرة كام بس اتأسفت لك كتير
رفع وجهها بانامله إليه و هو يقول بعتاب : مش قولتلك قبل كده طول ما أنا عايش على وش الأرض عايز أشوف رأسك مرفوعة دايماً
مسحت دموعها بعفوية و قالت بتساؤل : خلاص مابقتش زعلان
ابتسم أدهم مطمئناً إياها و قال بابتسامة : لا مابقتش زعلان ثم تحولت نبرته بحزم : بس لو اتكررت تانى هاتشوفى وش تانى خالص و و القلم هايترد لك عشرة و ساعتها هايتنكد عليكى و هايبقى يومك زى أسمى .. صمت قليلاً و قال بجدية : و حقك عليا لو كنت خضيتك بس رقبتك كانت هاتوجعك لو كنتِ فضلتى على النومة اللى كنتى نيماها
ابتسمت تالا له ابتسامة صغيرة فقال هو بجدية : يلا خليكى بنوتة شاطرة و كلى
أتى أحمد و جلس بمقعده و هو يقول بابتسامة : يلا يا حبيبتى كلى
بدأت بتناول الطعام ليتنحنح أدهم و هو يقول : تالا
نظرت له باستغراب و قالت بتساؤل : نعم !
أدهم بجدية : أخبار أسيل ايه ؟
نظرت له بغيظ و قالت إجابة مختصرة من بين أسنانها : كويسة
أدهم بتساؤل : قصدى عاملة ايه معاكى بعد موضوع مامتها ده
تالا بجدية : مفيش حاجة اتغيرت بينى و بينها لسة زى ما احنا الحمد لله
صمت ثوانى يصيغ فيها السؤال الذى أراد سؤاله لها ثم قال بجدية : لو كنتى مكان أسيل و حد اضطر يكدب عليكى عشان يساعدك كنت هاتسمحيه بسهولة زى ما سمحتك كده !
عندما استمع أحمد لكلماته المتسائلة وقف الطعام بحلقه و ظل يسعل بشدة .. ضربه أدهم على ظهره ضربات خفيفة .. لم تمر ثوانى طويلة الا و أتت المضيفة و هى تحمل كوب ماء و أعطته لــ أحمد .. شرب أحمد كوب الماء و أخذ نفسه .. لتقول تالا بخضة : انت كويس يا بابا
اؤمأ أحمد برأسه و أرجع رأسه للوراء .. تنهدت تالا بارتياح و قالت لــ أدهم بتساؤل : أنت بقى كنت بتسألنى هايبقى رد فعلى ايه لو كنت مكان أسيل , صح ؟
اؤمأ أدهم برأسه لتعبس تالا و هى تقول بحيرة : مش عارفة بس مافضلش أبقى فى مكانها عشان ماضمنش رد فعلى ساعتها
تنحنح أحمد و قال بضيق : كلوا و بلاش كلام فارغ .. الكلام مش هايطير .. ضغط على قدم أدهم ضغطه صغيرة و هو يقول بابتسامة : كل يا حبيبى و سيبها تاكل
لم يعره أدهم اهتماماً فقد كان يفكر فى كلماتها التى أخافته و أقلقته .. لماذا لم تقل له إجابة سهلة و بسيطة و هى أنها لو كانت بمكان أسيل كانت ستسامح مثلما فعلت أسيل ! ليخبرها هو بكل الحقيقة و يزيل هذا الحمل الثقيل على قلبه .. لماذا أعطته إجابة عائمة حائرة !
تالا بتساؤل : أدهم هو أنت كنت بتسأل ليه ؟
ابتسم أدهم لها ابتسامة مصطنعة و قال بجدية : عادى مجرد سؤال خطر على بالى
اؤمأت برأسها باستغراب و أكملت طعامها !
بعدما انتهوا من ماسورة بكائهم التى فتحت لتخرج كل ما فى قلوبهم .. ابتعدت كريمة عنه و غادرت الغرفة بهدوء .. كادت أسيل أن تفعل المثل لكنه أوقفها قائلاً بتساؤل : عرفتى منين ؟ كريمة اللى قالتلك مش كده ؟
أسيل بضيق : مش هاتفرق مين اللى قالى المهم إنى عرفت و خلاص .. عرفت بعد ما أمى الحقيقية ماتت
نظر لها عبد العزيز بدهشة و قال بتساؤل : عائشة ماتت !
اؤمأت برأسها و قالت بعتاب : ليه ماقولتليش ! ليه خبيت عليا الفترة ديه كلها و حرمتنى منها .. حتى لو كانت خدامة على الأقل هى أمى اللى كنت هلاقى معاها الحنان و الإهتمام اللى ملقتهوش معاكوا !
تنهد عبد العزيز بألم و قال بجدية : أسيل ممكن تطلعى على أوضتك عشان أنا مش قادر اتناقش أو أتكلم دلوقتى .. نتكلم بعدين
اؤمأت برأسها بعدم اكتراث فهى لم تكن تنتظر منه شئ أكثر من هذا ثم قالت بتساؤل : ينفع أروح جامعتى ولا ايه ؟
اؤمأ براسه و قال بجدية : ينفع
أرادت أن تغادر غرفة المكتب لكنه أوقفها قائلاً بجدية : أسيل صدقينى ماكنش ينفع أقولك الحقيقة .. ماكنش ينفـ..
قاطعته أسيل بتبرم و قالت بجدية : أى كلام هاتقوله هايبقى ردى الوحيد عليه ماعدتش تفرق .. أنا كنت عايزة أقول كلمتين كان نفسى أقولهم من زمان و قولتهم و خلاص
عبد العزيز بتساؤل : مين اللى قالك يا أسيل ؟
أسيل بملل : ماعدتش تفرق .. صدقنى ماعدتش تفرق .. خرجت من غرفة المكتب لتصعد إلى غرفتها لكنها عادت إليه مجدداً و قالت بسخرية حاولت اخفاءها : أسفة على ازعاجك بكلامنا اللى ملهوش لازمة .. أسيب حضرتك لشغلك .. أغلقت الباب وراءها و صعدت إلى غرفتها لتتركه جالس يفكر و هو يعيد ترتيب حياته برأسه من جديد !
وصلوا أخيراً إلى وجهتهم .. دخل أدهم و هو يحمل الحقائب إلى ذلك المنزل المصنوع على الطراز الألمانى و أحمد و تالا وراءه .. وضع الحقائب من يده و جلس على أقرب كرسى له يأخذ نفسه .. نظرت للمنزل بانبهار شديد فقد أعجبها أثاثه المنتقى بهذا الذوق الرفيع .. قام أدهم و أحضر بعض المياه و ارتشفها دفعة واحدة ثم قال لــ أحمد بتساؤل : حضرتك كلمت الدكتور اللى هايقوم بالعملية
اؤمأ أحمد برأسه إيجاباً و قال بجدية : إن شاء الله من بكره هانروح عشان تتأهل لعمل العملية
اؤمأ أدهم برأسه بتفهم و قال بجدية : طب تمام أوى
نظرت تالا لــ أحمد و قالت بتساؤل : هو مفيش خدامة أو أى واحدة هنا ؟
أدهم بتساؤل : عايزة حاجة أعملهالك ؟
هزت تالا رأسها رفضاً و قالت بجدية : لا بس أنا متعودة أنى مبقاش لوحدى و أن يبقى فى حد معايا دايماً بيساعدنى
أدهم بجدية : أنا معاكى قوليلى أنتِ عايزة ايه و أنا فى أى وقت أعملهولك
هزت رأسها نافية و قالت بحرج : لا ماتتعبش نفسك ثم نظرت لــ أحمد و قالت بقلق : أكيد فى خدامة صح ؟
اؤمأ أحمد برأسه و قال بجدية : أيوة يا حبيبتى فيه بس كنت مديها أجازة من ساعة ما سافرت
اقترب أدهم منها و قال بجدية : لو عايزة أى حاجة أطلبيها عقبال ما هى تيجى من أجازتها
نظرت له بحرج فهى لا يمكنها أن تطلب مساعدته لها أبداً .. تنهدت بضيق و تمنت لو أتت أسيل معها أو حتى مارى لتخلصها من تلك الثياب التى تخنقها و تبدلها بثياب أخرى مريحة .. كما أنها تريد أن تتؤضأ للصلاة و أشياء أخرى كثيرة لن تستطيع أن تطلبها منه .. نظرت لــ أحمد و قالت برجاء : ممكن تتصل بيها دلوقتى تخليها تيجى
ابتسم أحمد و قال بجدية : حاضر يا حبيبتى
مرت الأيام و تالا تتأهل لعمل العملية بمساعدة أطباء مهارين ذوى صيت عالى و ممرضات محترفات .. لم يتركها أحمد و أدهم لحظة واحدة .. بل بقيا بجانبها يشجعانها و يغرسان بها الأمال و يمدناها بطاقة إيجابية حتى تكمل لنهاية الطريق ! كان وجود أدهم بجانبها فى تلك الأوقات يفرق معها بشدة .. كانت تقع بحبه يوما ًبعد يوم و تتعلق به أكثر و أكثر .. بالرغم من ذلك كانت مشاعرها له دفينة لا أحد يعرفها غيرها و غير أدهم الذى يترجمها من عيونها التى يستطيع قراءتها بسهولة بالغة .. لم تصرح له لغوياً و لو لمرة واحدة أنها تحبه ! و هو لم يطالبها أبداً بمصارحة لغوية لحبها فقد كان يكفيه نظراتها إليه التى تبث إليه الكثير و الكثير من المشاعر الفياضة .. أتى اليوم المحدد للعملية .. كانت جالسة تدعى الله و تناجيه بأن تنجح العملية حتى تستطيع بدء حياة جديدة مع أدهم .. ذلك الشاب الذى تجزم أنه لا يوجد مثله بمثل هذه الأيام .. طول الأيام الماضيةلم يتركها لحظة واحدة وحدها إلا ليصلى فروضه الذى لم يفوت إحداهن !
دخل إليها بابتسامته التى عشقتها و قال بتساؤل : حبيبة قلبى عاملة ايه ؟
ابتسمت له ابتسامة صغيرة قلقة و قالت بتوتر : الحمد لله بس خايفة أوى يا أدهم .. خايفة العملية ماتنجحش
ربت على يدها بحنان و قال بجدية : تفائلوا بالخير تجدوه .. إن شاء الله خير .. أردف قائلاً بجدية : و بعدين سواء نجحت أو لا .. حبى ليكى مش هايتغير صدقينى
ابتسمت له نصف ابتسامة و قالت بقلق : ربنا يسترها
أخرج هاتفه و اتصل بمنال .. ظل يتحدث معها لبعض الوقت ثم قال بجدية : منمن أوعى تنسينا من دعائك
منال بدعاء : ربنا يشفهالك يا حبيبى و يعدى العملية على خير .. أردفت بجدية قائلة : أدهم هات تالا أكلمها
أدهم باستغراب : عايزة تالا ؟
منال بجدية : أيوة يا حبيبى أيه الغريب فى كده .. عايزة أكلم مرات أبنى
أدهم بجدية : طب ثوانى يا ماما خليكى معايا
اقترب أدهم من تالا و قال بابتسامة : ماما عايزة تكلمك
بلعت ريقها بصعوبة و قالت بتساؤل : عايزة تكلمنى أنا !
اؤمأ أدهم برأسه لتقول هى بتوتر و هى تطرقع أصابعها : بس أنا معرفهاش يا أدهم و عمرى ما كلمتها
ابتسم أدهم لها و قال بجدية : ماتخفيش مش هتاكلك .. ماما طيبة جيداً و هاتحبيها إن شاء الله
أخذت الهاتف من يده بعدما طمأنها و قالت بصوت خافت : السلام عليكم
منال بجدية : السلام عليكم يا حبيبتى .. عاملة ايه ؟
تالا بتوتر : الحمد لله كويسة .. إزاى حضرتك يا طنط
منال بجدية : أنا كويسة الحمد لله .. أردفت قائلة بجدية : عايزاكى تبقى قوية كده و عندك
