رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثلاثون 30 بقلم صابرين
30- هى حبيبة كاتب الظل؟؟
الفصل النهاردة جميل جدًا مفيش فيه أي صدمة بالعكس ده اغلبه فرشات، واعتقد بعضكم هيحب ذكاء وكاريزما السفاح في الفصل ده 

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي 
يناير
ذلك الشهر قارس البرودة والذي يتميز بأنه أول السنة الميلادية، كانت مدينة إسكندرية بالذات باردة عن باقي محافظات مصر، والكسل ينتشر في جميع الأجساد بسبب تلك البرودة حتى أن بعضهم قد يتكاسلون عن الاستحمام متحججون أن الأجواء باردة
وهذا الشهر يتميز أيضًا بالاختبارات إذ كانت الدولة بأكملها طلابها ومعلميها وأولياء الأمور يستعدون لبدأ الاختبارات وستقف مراقب لأول مرة في حياتها على طلاب أثناء أداء الإختبار
وإن كنتم تظنون أنها ستشعر بهم وبمحنتهم وتساعدهم على الغش فأنتم مخطئون بالطبع، فما ذنب من اجتهد وسهر ودرس من أجل أن يحصل على أعلى الدرجات ليأتي آخر يلهو ويلعب طوال العام ويحصل على الدرجات العليا بسبب الغش
صبرًا لأولئك الحمقى ستخرج عليهم عقدها النفسية غدًا وهو أول يوم في اختبارات نصف العام، لن تُدعي نورهان ولن تكون ابنة ابيها ان لم تذقهم الويل غدًا
تشعر في بعض الأحيان حقًا أنها شريرة؟!
ارتشفت القليل من القهوة الذائبة أو ما يسمى "النسكافية" داخل الكوب الزجاجي القابع بين كفيها، يبعث حرارته لهما في هذا الجو قارس البرودة، ورغم أنها تغلق جميع المنافذ التي قد يتسلل منها الهواء
وأيضًا ترتدي ثلاث قطع من الملابس العلوية وبنطالين، إلىٰ أن جسدها لا يحتمل البرودة ابدًا لذا قامت بالتدثر أسفل الغطاء الثقيل ولفته حولها لتبقى هى في المنتصف لا يظهر منها سوى وجهها وكفيها
نظرت حولها إلى الصمت الذي يكتسح الأجواء وهذا لأنها تجلس بمفردها في الشقة بعد أن عادت شروق وعائشة إلى قريتهم الصغيرة لنيل قسطًا من الراحة من كم الكوارث التي مروا بها، لا تدري لما ليست معهم ألم تكن ستتعرض للإختطاف أم أن هذا لا يُحتسب شيئًا كارثيًا؟!
ولكنها ظلت في الإسكندرية _مرغمة_ حتى تبقى مع براءة والتي بالمناسبة ذهبت صباحًا إلى المشفى بتكاسل شديد كعادتها تناجي ربها وتقول "متى تنتهي فترة التدريب اللعينة هذه"
سحبت هاتفها بعدما أنهت الكوب وقد تركته على الكومود بجانب الفراش، لتبدأ في تصفح شبكات التواصل الإجتماعي بعد أن انزوت عنها لثلاث أيام بسبب المصائب التي كانت تقع على رؤوسهن من كل حدبٍ وصوب
عقدت حاجبيها بتعجب واندهاش لكم الرسائل المجهولة التي تتقافذ عليها في ماسنجر التطبيق، تكاد تجزم أن الهاتف سيتوقف من كم الرسائل، سارعت بسرعة وأغلقت الإنترنت حتى تمنع كم الاشعارات التي انهالت على الهاتف
فتحت أول دردشة من حساب لا تعرفه وقد سقطت عليها الصدمة تقرأ المكتوب مرة واثنين وثلاثة
"انتي بجد حبيبة كاتب الظل؟؟"
مَن؟! هى حبيبة كاتب الظل؟؟ بالتأكيد هذه مزحة سخيفة!!
فتحت رسالة أخرى وقد كان نفس المضمون لكن بكلمات أخرى
"انتي طالما تعرفي كاتب الظل؟! اكيد تعرفي شكله ارجوكي ابعتي صورة له نفسي بجد أشوف شكله"
ما بال القوم هل جنو؟! ولولا أن هناك فوق المائة رسالة عن نفس الأمر لقالت أنها فتاة تريد المزاح ليس أكثر، عادت وفعَّلت الإنترنت ولم تبالي بتلقي المزيد من الإشعارات ومنها طلبات صداقة بكم لا تستطيع عدَّه، وقد توجهت مباشرةً إلى حساب كاتب الظل لربما تفهم شيئًا ولا تبقى هكذا كالحمارة
اصطدمت عيناها بآخر منشور له منذ يومين وقد كانت جملة غزلية متوقعة من كاتب لكن ما جعل الصدمة والبلاهة تستولي على عقلها هو أنه يضع اسمها أسفل هذا الغزل مشيرًا إليها أو ما يسميه المتصفحون "منشن"
جملة غزلية جميلة كفيلة بأن تجعل المشارة إليه بهذه الحديث تصاب بخجل لكن ما كانت تشعر به نور في هذه اللحظة هى البلاهة ولا شعور غيرها
كيف يشير إليها بحديثٍ كهذا وهو لا يعلمها وهى حتى لا تعلمه، حسنًا هى تعلم أنه كاتب مشهور غامض يخفي نفسه أسفل جملة "كاتب الظل " وقد سبق ورأت صور له وهو في معرض الكتاب ينشرها محبين كاتب الظل ويكون متخفيًا أسفل كمامة وقبعة بلسان طويل
هذه فقط المعلومات التي تعلمها عنه، هى نفسها لا تعلم ما هو اسمه الحقيقي ولم تهتم حتى وليست من عشاقه، هى فقط تحب القراءة بكل أنواعها وكتابته تجذب انتباهها وتقرأها، وإن عجبتها تضغط لايك، حتى لا تكلف نفسها وتكتب تعليقًا فهى من القراء الصامتين يكتفون بتسجيل الإعجاب لا أكثر ولا أقل
أخذت تقرأ التعليقات المكتوبة والتي تنقسم إلى قسمين، البعض يتساءل إن كانت خطيبته أم لا تزال حبيبة، والبعض الآخر وأغلبه فتيات يحسدنها على أنها حبيبة شخصية مشهورة رومانسية ككاتب الظل
ربي على ماذا يحسدنها وهى لا تعلمه من الأساس، وعلى الأرجح لقد أخطأ في كتابة اسم الحساب حين قام بالإشارة، كاتب الظل يحب فتاة وربما تكون خطيبته بالفعل _وهى لا تبالي حقًا_ تمتلك نفس اسمها الثلاثي وهذا شئ وارد وأخطأ في الإشارة إلى الحساب المطلوب
أجل هذا السبب الأكثر منطقية
عادت للدردشات تبحث عن حساب كاتب الظل ترى إن كان راسلها أم لا وعندما لم تجده تأكدت أنه أخطأ في كتابة اسم الحساب فجل من لا يسهو كما يقال
أغلقت الإنترنت عندما دق جرس الباب، تركت الهاتف هابطة من على الفراش لتلسعها برودة السيراميك ورغم هذا أكملت سيرها حتى ترى من الطارق، نظرت من العين السحرية لتبصر حمزة ومعه رجل غريب لا تعلمه
أصابها الارتباك وقد التقطت خمار الصلاة والجيب الأسود التي تصلي بها، من ثم فتحت الباب وهى تعدل الكنزة الصوفية التي ترتديها، ابتسم حمزة ببعضٍ من اللباقة ثم قال :
-صباح الخير معلش يا نور جبت نقاش ياخد سقف المطبخ بالمعجون علشان دخان الحريق طبع عليه
ضمت الأخرى كفها داخل جيب الكنزة دليلًا على توترها ثم قالت :
-بس انا قاعدة وحدي جوا مقدرش اخليكم تدخلوا
همهم حمزة ولم يكن يعلم أنها تجلس بمفردها فقد ظن أن براءة معها، فكر قليلًا في حل، والدته ليست بالمنزل وكذلك والده ورحمة فلا أحد غير كريم
أخرج هاتفه وقد اتصل على ابنة عمه حتى تهبط وتجلس مع نور حتى لا تكون بمفردها وتطمئن قليلًا، هبطت رقية بعد قليل فقال حمزة وهو يضع هاتفه مجددًا داخل جيب بنطاله :
-معلش يا رقية تدخلي مع نور علشان عايز أصلح سقف المطبخ وهى قاعدة لوحدها فـقلقانة
وآماءت الأخرى بهدوء ثم دلفت مع نور والتي عادت بسرعة إلى المطبخ ملقية عليه نظرة سريعة، حامدة ربها أنها غسلت الأطباق صباحًا وإلا كانت تعرضت لإحراج شديد الآن، استدارت عائدة للخلف ثم سألت ذلك الرجل قائلة :
-طب هى البوهية مش هقع على الأرض والمطبخ على كده؟؟
-وهى ايه بوهية دي؟!
نطق بها حمزة متعجبًا هذا اللفظ فقال الرجل وهو يفهم حديثها :
-لا يا أستاذة انا هحط ورق على الحاجة علشان ميقعش المعجون عليها وكمان دي شكلها بقعة صغيرة يعني مش هعمل السقف كله
-تمام ينفع بس اسحب حاجة من جوا
ختمت حديثها وقد دلفت بسرعة للمطبخ وسحبت كوبان فارغان وصنية صغيرة ثم خرجت بهما متجهةً للبهو حيث كانت تجلس رقية لتسألها بشئٍ من الحرج وهى تضع الأكواب على جنب :
-رقية هنزل أجيب علبة عصير وجاية معلش خلي بالك علشان لو طلبوا حاجة
وتحدثت الأخرى بسرعة قبل أن تتحرك :
-وتنزلي ليه ما تقولي للبواب اللي قاعد تحت يجيبلك اللي انتي عايزاه
-طب لو انزل اقوله ما انزل اشتري بالمرة؟؟
ضحكت رقية بخفة ثم قالت مخرجة هاتفها :
-ثواني اتصلك عليه انتي عايزة ايه من تحت
-علبة عصير من اللتر دي أو جزازة "ازازة" ساقع أي حاجة تتشرب
طلبت رقية من بواب البناية أن يحضر زجاجة عصير ويحضرها الطابق الثالث، بينما جلست نور مع رقية تسألها بنبرة عادية :
-عاملة ايه انتي!؟
-انا تمام انتي اللي مختفية من وقت ما سافروا البنات
رفعت نور منكبيها بعدم إهتمام فبعد سفر عائشة وشروق لم تخرج بالفعل ولا حتى للمدرسة التي أخذت إجازة ما قبل الاختبارت، ورغم أن باقي المدرسين يذهبوا لإثبات حضورهم لكنها لا تذهب، بل تنتوي العودة إلى بلدها بعد أن تنتهي فترة الاختبارات هذه ولا تعود مرة أخرى إلى الإسكندرية :
-عادي الجو برد ومش بطلع علشان مفيش حاجة اطلع علشانها
-شكلك كائن بيتوتي
نطقت بها رقية بمزاح فقالت الأخرى بنفي :
-لا بالعكس انا بحب اطلع مش بحب اقعد كتير في البيت بزهق، وحتى في البلد انا اللي بجيب طلبات البيت كلها من برا علشان معنديش اخوات اولاد، وما بصدق نروحوا عند حد من قريبنا، عكس اختي عائشة مش بتحب تطلع من البيت خالص لا هى ولا براءة، شغليهم خدامين في البيت بس يطلعوا برا لأ
دق الباب فتحركت حتى تفتحه وقبلها التقطت هاتفها وفتحت جرابه مخرجة ورقة من فئة الخمسون جنيهًا حتى تدفع ثمن علبة العصير، دلفت وأغلقت الباب بعدما شكرت حارس البناية، ثم صبت العصير في الكوبين ووضعتهم فوق الصنية متجهةً إلى المطبخ
كنوع من الضيافة التي اعتادتها من والدتها شديدة الكرم وقد حفظت عنها هذا التصرف متذكرة حديثها "الضيف لما يدخل البيت الملايكة تفضل تدعي لأهل البيت لحد ما يمشوا والرسول قال لا يؤمن أحدكم حتى يكرم ضيفه"
حمحمت بحرج وهى تقف خلف حمزة مع حفظ مسافة :
-أستاذ حمزة
استدار حمزة لصوتها فرفعت الأخرى الصنية حتى يأخذها منها، فقال حمزة متعجبًا سرعة ضيافتها :
-انتي لحقتي أمتى تعملي عصير؟!
-اشتريته
نطقت بها بهدوء وهى تضع الصنية على رخام المطبخ وقبل أن تخرج التقطت كوب آخر حتى تضايف رقية فهى ضيفة أيضًا، وضعت الكوب أمام رقية التي كانت تحدق في هاتفها ثم قالت :
-اتفضلي يا رقية
ابتسمت لها الأخرى بمجاملة ثم شكرتها لتقول نور متسائلة عن أمر السفاح متذكرة رسالة شروق البارحة، ولكنها لم ترى يونس منذ أن خرج من شقتهم بعد إدلاء شروق بأن اسم القاتل كان كاظم ومن بعدها لم تراه حتى تسأل :
-صحيح قبضوا على السفاح ده ولا لسه!؟
-لأ لسه للأسف السفاح ده ذكي جدًا رغم إني اتبعت لكل لجان التفتيش اسمه بس مظهرش خالص ولا حتى عرفوا إذا خرج برا إسكندرية ولا لأ، فص ملح وداب كأنه عرف انه اتكشف، واحساسي بيقولي اني السفاح ده مش لوحده أكيد وراء حد، مستحيل يبقى بالذكاء الخارق ده اللي يخليه يكتشف من العدم أنه سره انكشف
تمتمت نور بعدة كلمات معتادة منها حتى تنهي الحوار حين تنخرط في الحديث عن أحد، هى لا تحب أن تغتاب أحدًا فليس من عادتها أن تتحدث عن أحد غائب لا بالخير ولا بالسوء، هى لا تحب الحديث من الأساس بل تفضل الصمت أكثر :
-ربنا يهدي ويصلح الحال
فتحت هاتفها عندما وجدت رقية عادت تحدق في هاتفها الخاص، وقد انهالت الإشعارات مرة أخرى فور أن فتحت الإنترنت جاذبة انتباه رقية والتي قالت ضاحكة ولا تزال صوت الإشعارات يصدح من هاتف نور :
-ايه كمية الاشعارات دي؟! ده انتي شخص مهم بقى؟؟
برمت الأخرى شفتيها بتهكم ثم قالت :
-ولا مهمة ولا حاجة، واحد مشهور عملي منشن بالغلط وناس كتير بعتالي فكراني خطيبته
-مين بقى المشهور ده ينفع أعرف؟؟
نطقت بها رقية بفضول لا ينسلخ عنها فأدارت نور الهاتف لها تريها المنشور وصاحب الحساب، وهنا أصاب الأخرى الذهول وقد انتقلت عينيها ببطء ناحية المطبخ حيث كان يقف حمزة مع الرجل حتى ينتهي من عمله
حمحمت بهدوء وادعت أنها لا تعلم صاحب الصفحة ثم قالت :
-ده ايه الكلام الحلو ده ما يمكن مش غلطان وقاصدك انتي ثم تعرفي مين ده؟؟
-لأ طبعًا معرفوش ده كاتب تحت اسم مستعار، انا قرأت كتير ليه بس معرفوش معرفة شخصية ولا حتى اعرف اسمه الحقيقي، ثم اكيد مش قاصدني، انا اعرفه منين وهو يعرفني منين؟!
ابتسمت رقية متعجبة من فعل حمزة هذا فما المغزى من هذا المنشور إن كانت نور لا تعلم أنه هو :
-طب ما تبعتيله خاص وتسأليه
-وابعتله ليه ما يولع، انا مش مضايقني غير الرسايل الكتير دي مش عارفة ارد اقول ايه؟؟ ومش عايزة أرد أصلًا
ضحكت الأخرى بشدة من جملتها الأولى وودت لو يسمع حمزة حديثها هذا ولكن الآخر لم يصله الصوت بسبب كون المطبخ بعيد عن غرفة الضيوف، وقفت نور عندما خرج حمزة وذلك الرجل معه وعلى الأرجح انتهى عمله
تنحنحت نور ترى حمزة يدفع للرجل وقد ألقى نظرة خاطفة عليها يراها تقف متوترة فرجح أنه بسبب وقوف رجلين غريبين بجانبها، دعا الرجل للخروج وقد شكرها قبل أن يخرج :
-معلش تعبناكِ
سارعت الأخرى في الحديث تسأله عن المبلغ الذي دفعه فهى ترى أنه من عدم الذوق أن يحرقوا المطبخ وهو من يدفع ثمن التصليحات :
-هو انت دفعت كام؟؟
تعجب حمزة سؤالها هذا ولم يجبها بل سألها سؤالًا آخر :
-ليه السؤال؟!
-علشان ادفع انا لأننا اللي بوظنا المطبخ ومن أفسد شئ عليه اصالحه.
ابتسم لها حمزة فاخفضت الأخرى رأسها فور أن ابصرت ابتسامته بينما قال الآخر بهدوء وهو يضع كلتا يديه داخل جيوب كنزته الشتوية :
-لأ مفيش مشكلة دي سكينة معجون مش حاجة يعني، وأهم ما في الموضوع اني محدش حصله حاجة من النار
-لا معلش قولي دفعت كام وانا هدفعه
-وانا برضو لا مش هقول علشان مش هتدفعي
تدخلت رقية في الحوار إذ دفعت حمزة من أمام نور ناحية الخارج مبتسمة له ابتسامة متهكمة ثم همست :
-خلاص يا عم عرفنا إنك جنتل مان اطلع بقى وكفاية سبِّيل للبت
اغلقت الباب بعدما ودعت نور فقال حمزة بضيق شديد لإخراجه فقد كان يريد أن يتحدث معها للمزيد من الوقت وهذا بعد أن تحجج بأمر تبيض سقف المطبخ لرؤيتها فقط، فهى مختفية منذ سفر شقيقتها وابنة عمها أي منذ ما يقارب اليومين ونصف، والآن هذه الخرقاء افسدت الأمر :
-انتي يا بت طالعة رخمة لأخوكي كده ليه؟؟
دقت رقية على شقة عمها ليفتح كريم الباب بعد ثواني يبصر أمامه رقية وأخيه، قطم من الجزرة التي بيده وقد وجدها ملقاة في المطبخ حين كان يبحث عن طعام كقارض خرج من بياته الشتوي بسبب شعوره بالجوع :
-خير يارب
ابتعدت رقية من أمام الباب مشيرة لحمزة بالدخول إذ قالت :
-ادخل يا عم الرومانسي خطتك اتقفشت
عاد كريم للخلف حتى يدلفوا بينما قال حمزة متسائلًا وهو يجلس على ذراع الاريكة :
-خطة ايه؟!
اجابته رقية وهى تقف أمامهما وقد تركت الباب مفتوحًا بينما أخرجت هاتفها وأتت بحساب كاتب الظل وآخر منشور قد نشره ثم عرضته أمامهما قائلة :
-ايه رأيك في آخر حاجة نشرها أخوك يا كريم
لم يعطي حمزة أي رد فعل غير أنه رفع إحدى حاجبيه بينما أخذ كريم الهاتف هاتفًا باستغراب لا يفهم ما الغريب :
-ايه عادي غزل بالفصحى بيكتب زيه كتير
-بص كده على المنشن اللي تحته
-نورهان علي صفـ
لم يكمل باقي جملته وأشار إلى شقة الفتيات هاتفًا بذهول شديد :
-نورهان اللي هى نورهان دي؟!
نظر إلى أخيه وقد اعتدل في جلسته ثم استرسل :
-حمزة انتي معجب بنور!؟
-لأ السؤال مش كده، السؤال يا حمزة لو انت معجب بنور وعارف إنها مش عارفة إنك الكاتب ده، ليه منشنت ليها؟! إلا إذا
نطقت بها رقية وقد تركت السؤال معلقًا فقال حمزة وهو في حالة من الهدوء الشديد :
-إلا إذا فكراني بتسلى مثلًا
-انت لو بتعمل كده يا حمزة فأحب أقولك لأ نور مش من البنات دي ولا هتيجي كده أبدًا، دي أصلًا مدايقة بسبب الموضوع وناس كتير بتبعتلها رسايل فاكرين إنها حبيبتك زي ما انتي موضح
اعتدل حمزة في جلسته فلم يتوقع أن تؤول الأمور لهذه الدرجة :
-انا مش بتسلى يا رقية انا بس عايز أعرف فضولها هيخليها تكلمني خاص، عايز أعرف هتفضل متمسكة بعفتها وحياءها ولا هتقول انا محدش شايف انا بعمل ايه ولا حد هيعرف انا بكلم مين
-لا يا حمزة معتقدش إنها كده
نطق بها كريم بشكل نافي فلا يعتقد أن نور وبنات عمها وشقيقتها قد يكونَّ من هذا النوع، وقد أكدت رقية على هذا متذكرة حديث نور :
-هى فعلًا مش كده حتى رفضت لما قولتلها ادخلي خاص وأسأليه إذا كان غِلط في المنشن
أخرج حمزة هاتفه وفتح منصة الفيس بوك وقد وجدها متصلة بالإنترنت فأرسل إليها رسالة
"توقعت تبعتي تسألي بس تأخرتي فقولت ابعت انا"
وقف كريم بجانب أخيه وعندما قرأ الرسالة صاح مذهولًا :
-انت بعتلها
-عايز اعرف ردها يا كريم، عايز اعرف آخرها
وضعت رقية كلتا يديها في خصرها لا تعجبها طريقته هذه إذ قالت :
-وليه تعمل كده في الضلمة، ليه متخطبهاش وتعمل كده في النور يا حمزة
وأجابها حمزة بنبرة جادة بما يدور في خلده منذ أن شعر الإعجاب ينمو بداخله بإتجاه نور :
-علشان في الخطوبة كل طرف بيحاول يبين أحسن ما عنده وانا مش عايز كده، ثم انا عملتيها منشن على كلام يحرك أي بنت حتى لو بالفضول، عايز أعرف هتنجذب ولا هتفضل مصرة على تقاليدها ودينها وانا اتمنى كده بصراحة
زفر كريم وهو يرى أن نور لم ترد ولم ترى الرسالة بعد :
-بس يا حمزة هي ممكن تغلط هى بشر مش ملاك، ثم ليه ده كله هو انت علشان خطبت وفشكلت بقيت معقد
صمت حمزة ولم يجبه، لا يدري ما نهاية ما يفعله ولكنه لا يريد أن يتسرع مرة أخرى كما فعل سابقًا، وايضًا لا يريد أن يخطب فتاة لا يشعر بإتجاهها بأي مشاعر، هو معجب بنور يعترف بهذا، وصدها وتهربها يزيد إعجابه، فلا يُعجب ابدًا الرجل بامرأة تلقي بنفسها وترخص من كرامتها
كما أن الكثير من الفتيات يظهرن بالوجه الجميل ذو الأخلاق العالية أمام الناس، وفي الظل ينجذبون خلف عالم الإنترنت الأسود تحت مسمى لا أحد يرانا أو يعلم عن الأمر شئ، وهو يريد أن يعلم نور من أي نوع من الفتيات
-شافتها
نطق بها بسرعة وزاد تركيزه بينما وقفت رقية بجانبه على اليمين وكريم على اليسار يريدون أن يعلموا ماذا ستفعل نور، بينما على الناحية الأخرى كانت نور تحدق في هذه الرسالة وقد ظلت دقيقة كاملة بدون أي رد فعل
مدت اناملها النحيفة تكتب ردًا عاديًا يروي قليلًا من فضولها لمعرفة من هذا بما أنه هو من أرسل
"انت تعرفني؟"
"آه"
"تعرفني منين؟؟"
"معجب"
ولا تنكر أن قلبها قد دق بطريقة غريبة لهذه الكلمة وقد ترددت في الإجابة على رسالته، وعلى الناحية الأخرى تحدث كريم مذهولًا من أخيه :
-هو انت داخل حامي كده ليه!؟ ما تصبر شوية
وتحدثت رقية على الجانب الآخر وهى تقرض أصابعها :
-متنجذبيش للكلام ده يا نور انتي انضف من كده، ده ذئب بشري
ارتفع إحدى حاجبي حمزة بتهكم شديد ثم قال :
-ايه ذئب بشري دي هو انا رايح اعتدي عليها؟! الملافظ سعد يا رقية
-ردت ردت
نطق بها كريم بسرعة فنظر حمزة يقرأ رسالتها والتي تكونت من أربع كلمات مختصرة
"وانت شوفتني قبل كده؟! "
ورد عليها بسرعة ردًا بديهيًا
"آه شوفتك ومش عارف اخرجك من دماغي"
"وعرفت حسابي منين؟؟ وعرفت اسمي منين!؟"
-ذكية
نطقت بها رقية بابتسامة متسعة تقرأ ما أرسله حمزة
"عندي طرقي الخاصة"
تنفست نور بعمق وقد سئمت هذه الدردشة السخيفة فما الفرق من محادثة ولد أمام العلن أو خلف الشاشة، كلاهما حرامًا ولا يجوز
" طب بص بقى لو انت عندك وقت فاضي وعايز تتسلى يا عم الفاضي فبنات الناس مش تسلية والدنيا دي سلف ودين، واللي بتعمله دلوقتي هيتردلك في يوم من الأيام، في امك في اختك في مراتك في بنتك، اتقي الله في أهل بيتك وبنات الناس"
وما إن أرسلت هذه الرسالة حتى حظرت رقمه تمامًا ثم اتجهت إلى مدير الحسابات وقامت بتسجيل دخول جديد بحساب جديد حتى لا تزعجها هذه الرسائل مرة أخرى وهذه المرة لم تكتب اسمها بل كتبت اسمًا مستعارًا حتى لا يصل لها من الاسم مرة أخرى
صفقت رقية بقوة لهذا الرد الحاد الناري بينما قال كريم يرى الإبتسامة تكاد تشق وجه أخيه :
-مش قولتلك مش من النوع ده، دي بنت ناس متربية يا حمزة وانا لو مكانك مش هسيبها من ايدي
أدار حمزة رأسه له ولا تزال الابتسامة تحتل وجهه، ثم سأله سؤال لا علاقة له بما قال :
-ابوك هيرجع أمتى يا كريم؟!
-ليه السؤال؟؟
-علشان أقوله اني معجب بواحدة وعايز اتقدم ليها بشكل رسمي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سحب قد كبير من النيكوتين المتواجد داخل السيجارة القابعة بين انامله، من ثم زفرها في الهواء متابعًا السحابة الرمادية التي كونتها والتي نافس لونها لون الغيوم الملبدة في السماء فهذا هو يناير، أمطار متواصلة، غيوم دائمة
ألقى بسيجارته أرضًا بعدما انهاها وأخذ يحدق في كم السجائر التي شربها وهو يفكر في حل للمعضلة التي سقط بها، لقد كُشف أمره وعلمت الشرطة أنه هو السفاح، وفي الواقع هو لا يخاف الشرطة بل لا يخاف أحدًا من الأساس وتفكيره الآن ليس لكيف يخرج نفسه من الأمر بل يفكر كيف يختمه بختامٍ يليق به
فعلى أي حال طالما كُشف فهو ميت سواءً من الشرطة أو ممن يعمل أسفل ايديهم، إذًا فليمت ميتة هو يختارها وليس غيره يختارها، وهذا لا يعني بالطبع أنه يود الإنتحار فكما سمع من قبل الإنتحار محرم كما أنه سيكون من العار عليه أن يكون قاتلًا محترفًا وفي النهاية يموت منتحرًا، هذا لا يليق
أعاد رأسه للخلف متابعًا السحب الكثيفة في السماء وأخذ يتذكر منذ يومين حين وصل له خبر أنه تم كشف أمره
كان حينها في طريقه إلى مطروح فقد كان يريد أن يصفي ذهنه بعد موت حبيبته فريال، تلك الخرقاء لو لم تكن رفضت أن تكمل الزيجة لكانت حية الآن، لكن ماذا يقول الطمع قل ما جمع وهى أرادت رجلًا آخر وفضلته عليه إذًا فلتذهب للجحيم ولتقرئ له السلام من والده هناك
كان صوت أحد المغنين الأسبان يصدح في السيارة، يحب أن يستمع إلى الموسيقى الإسبانية عندما يكون حزينًا، وعندما يكون سعيدًا، وعندما يقتل ضحاياه، هو يعشق هذه اللغة لهذا أصر على أن يكون تعليمه أسبانيًا عكس جميع اخوته
أبصر أثناء قيادته الهاتف يضئ وقد كان الهاتف من ماركة "نوكيا" يستخدمه لإتمام مهامه لأن الهاتف من طراز قديم ولا يهتم له أحد، توقف بالسيارة على جانب الطريق ثم أجاب بنبرة غير مبالية :
-انا في أجازة دلوقتي مش هاخد مهمات
اعتدل في جلسته يستمع للطرف الآخر وهو يقول بنبرة حادة :
-انت فين يا بني آدم كارتك اتحرق يا كاظم لازم تختفي خالص
فهم الآخر من هذه الجملة المطمسة أنه تم كشف أمره لكن كيف؟؟ أتلك الفتاة تعرفت عليه وشهدت باسمه، يتذكر أنه لم يقل سوى كلمة كاظم كيف وصلت له من كلمة :
-انا في طريقي لمطروح بس لسه مخرجتش من إسكندرية
-ومتخرجش منها ولا تتحرك بالعربية اسمك متوزع على كل الدورات والأقسام، أصل زي ما بيقولوا التور لما بيقع بتكتكر سكاكينه
خرج كاظم من السيارة وأغلق الباب بعنف رغم ملامح وجهه الهادئة هدوء أقرب إلى اللامبالاة :
-اعتبر ده تهديد!؟
-آه يا سفاح إسكندرية اعتبره تهديده
-طب خد بالك بقى مش انا اللي اتهدد واسم سفاح إسكندرية انا اللي عملته مش انتوا وانتوا بس استغليتوا الدوشة اللي كنت بعمله وبشغل الرأي العام والصحافة بيها علشان تشتغلوا انتوا في شغلكم الوسخ ضامنين اني الشرطة مشغولة بحاجة تانية
ابتسم ابتسامة مخيفة متابعًا صمته والذي يدل على صدمته مما سمع، ثم قال :
-ولا فاكر اني مش عارف انتوا في ضهري ليه أكيد يعني مش كاسر شوكتكم وانا مش بقتل علشانكم علفكرة، ده علشان مزاجي أصل مش البودرة والمخدرات وحدها اللي ممكن تبقى إدمان فيه حاجات ألعن من كده ممكن الواحد يبقى مدمن عليها، وانا كيفي قتل الناس، خاف على نفسك وعلى اللي معاك لاني زي ما قتلت أكتر من ميت واحد من غير ولا دليل عليا وكنت باصطادهم بسهولة أقدر اقتلكم زيهم
استمع إلى ضحكات الآخر الساخرة من على الناحية الأخرى ثم قال :
-من غير ولا دليل اومال البوليس عرف ازاي إنك السفاح يا شاطر
أخرج كاظم علبة سجائره مشعلًا واحدة ثم هتف بعدم إهتمام :
-تقدر تقول انتقمت من واحدة وانا في عدم وعي مني، للأسف كنت سكران وقتها ومأخدتش بالي اني في حد في الحمام، ده كويس اني روحت وانا متخفي بس بنت الايه دي معرفش عرفتني ازاي مع اني كـكاظم الدخيلي مش مشهور أوي كده
-وغلطتك دي هتغرقك وانت لو أتقبض عليك انسى إنك تعيش لحظة كمان، ومش البوليس هو اللي هيقتلك يا كاظم
نفث الآخر الدخان في الهواء متابعًا انتشاره ببطء :
-قولتلك مش انا اللي يتقالي الكلام ده ثم انا لسه متقبضش عليا
-تمام ابعتلي لوكيشن بمكانك وانا هبعت رجالة تجيبك وهجهزلك سفرية برا مصر
ضحك كاظم بشكل مباغت غير متوقع ادهش الآخر على الناحية الأخرى بينما قال كاظم بعد أن خفتت ضحكاته مدركًا لعبته القذرة التي ينتويها :
-هو انت فاكرني مولود إمبارح، ده انا في مجال القتل ده من أكتر من عشر سنين، خليني اعدل من جملتك دي علشان متقالتش كده، بس قبلها هحكيلك حكاية صغيرة، انا روحت من شهرين تلاتة كده لدكتور نفسي قولت افضفض شوية، حكيتله بقى عن كل البلاوي اللي عملتها وعن عقدي النفسية وعن اني سفاح إسكندرية اللي مجنن البلد وعن اني بعشق اشوف الدم قدامي ومش بحس بأي ذرة ندم وانا بقتل حد، تخيل كده قالي اني مريض سيكوباتي؟ آه والله يا باشا زي ما بقولك قالي كده وبصراحة متوقعتش الإجابة دي
هز سيجارته مسقطًا رمادها أرضًا وكأن لديه الوقت كله، وليست البلاد مقلوبة عليه :
-كان عايز يبلغ عني وكان ناوي يخدرني، شوف الواطي فتحتله قلبي وفتحت جروحي وهو كان هيبلغ عني ولا اكنه حالف قسم بعدم إخراج أسرار المرضى!؟ صحيح الدكاترة دول ملهمش أمان، روحت ايه بقى قلبت الآية قبل ما يخدرني اديته رصاصة الرحمة، صعب عليا بصراحة بس هو اللي كان عايز يغدر الأول
ابتسم ابتسامته المخيفة ضاغطًا على السيجارة وقد فركها تمامًا داخل كفه غير مبالي بلسعاتها :
-وانتوا بقى عايزين تعملوا فيا زي ما عملت في الدكتور، عايزين السر يموت معايا قبل ما احكي مع اني علفكرة مكنتش هحكي، انا آه قاتل بس مش غدار، وانت بقى تبعت ليا رجالتك زي ما قولت بس مش علشان تخرجني برا البلد يا باشا، تؤ تؤ علشان تخرجني برا الدنيا
ازدرد الآخر لعابه بتوتر من كشف كاظم لمخططه بكل هذه السهولة، يبدو أنه بالفعل اذكى مما كان يتوقع، ولما لأ وهو قتل بالفعل أكثر من مئة شخص دون دليل واحد على شكله أو اسمه أو من هو :
-كاظم انا عايز اساعدك صدقني
-قالوا للحرام احلف
وما إن ختم حديثه حتى أغلق الخط في وجهه، ثم ألقى بالهاتف داخل السيارة، سحب هاتفه الآخر وأخرج منه الشريحة ووضعها بجيبه هى والهاتف مغلقًا، دلف إلى السيارة مرة أخرى مغيرًا وجهته تمامًا إذ دلف إلى الصحراء متوغلًا بها فميزة أهالي الصحراء أن لا أحد يعلم ماذا يجري في الدنيا من حولهم، وهذا المكان لن يصل له أحد بل ولن يكتشفوا أنه هناك
والآن تتسائلون كيف مر يومين وهو بداخل الصحراء بدون ماء أو طعام، في الواقع لقد ظل ليوم كامل بعدما فرغ البنزين من السيارة وقد وجد رحالة وللحق تعجب أن البدو لا يزالون متواجدين بعدما يأس أن يجده أحد
وها هو يجلس معهم بعدما ادعى أنه تاه في الصحراء من رفاقه أثناء قيامهم برحلة سفاري وهم صدقوه وآووه إلىٰ أن يجدوا وسيلة تعيده، وإلى ذلك الوقت سيفكر فيما سيفعله...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دار بذلك المقعد المتحرك يمينًا ويسارًا بدون هدى يفكر في أخيه المختفي عن المنزل منذ أكثر من يومين ولم يتصل عليهم إلا مرة واحدة قد طمأنهم عليه وأنه قد لا يستطيع أن يتحدث معهم هذه الفترة بسبب انشغاله الشديد في القضية
هو يخاف عليه كثيرًا، يكاد يجزم أنه يقلق عليه أكثر من أي شخص آخر فمن يتحدث عنه هو توأمه ومن قضى معه تسعة أشهر في رحم واحد وتسعٌ وعشرون عام معًا دون أن يفترقا
امسك بقلمه يطرق على سطح المكتب وهو يغمض عينيه بإرهاق شديد، طرق الباب بطرقات هادئة فسمح للطارق بالدخول بالتزامن مع فتحه لجفنيه مبصرًا تلك السمراء الحنطية التي تسرق منه جزء من تفكيره هذه الفترة
-اتفضلي يا براءة
نطق بها بهدوء وهو يستند بذراعيه على سطح المكتب متابعًا دلوفها للداخل وتركت الباب مفتوحًا، وقفت أمام المكتب محتفظة بكفيها داخل زي التمريض الذي ترتديه :
-صباح الخير يا دكتور معلش هو الدكتور اللي بيدربني عايزني انزل شفت ليلي، ايه معناه ده بقى؟؟
حاول يوسف كتم ابتسامته، حسنًا ظن أنه فقدها ولن يستطيع جعلها تعود للعمل تحت تدريبه لكن ها هو القدر يسوقها له مرة أخرى :
-عادي ده شئ طبيعي
-طبيعي ازاي مش فاهمة انا بقالي تسع شهور تقريبًا في المستشفى عمري ما نزلت شفت ليلى ومش هينفع أنزل شفت ليلى أصلًا
عاد يوسف بظهره على المقعد ثم قال بجدية شديدة :
-براءة انتي اصلًا المفروض تتعاملي معاملة متدربين سنة الامتياز، تنزلي في كل الأقسام نسا وتوليد، جراحة، باطنة، مخ واعصاب، أطفال، وكمان زيك زي أي متدرب طول سنة الامتياز ليهم شفت ليلى وصباحي، بس انتي تقريبًا مش واخدة بالك إني تدريبك هنا بواسطة من والدي وعمي محفوظ وكمان إسماعيل وعلشان التلاتة دول المدير حطك تحت تدريبي وتنزلي معايا عمليات بس، وكمان راعىٰ طلب عمي محفوظ انك منزليش شفت ليلي علشان مغتربة وهو وافق رغم أنه ده أسلوب مش نظامي بس علشانه وعلشان انتي المتدربة الوحيدة في المستشفى يعني مش هيكون حد معاند فيكي، وافق
رمشت الأخرى بأهدابها بعدم استعاب فضحك الآخر بخفة ثم وقف واستدار حول المكتب مستقرًا أمامه وأمامها هى أيضًا ثم قال :
-تقريبًا محدش اداكي خبر عن الموضوع
نفت براءة برأسها فبالفعل لا تعلم عن الأمر شئ أو أنها تعامل بتميز هنا، تحدث يوسف بسؤال آخر ويعجبه حقًا صدمتها هذه فكيف لطالبة تمريض ألا تعلم نظام سنة الامتياز :
-ولا حتى كنتي مستغربة إزاي بتنزلي عمليات بس
ومرة أخرى نفت برأسها ثم أضافت بحيرة :
-يعني انا المفروض دلوقتي اعمل ايه!؟
-ولا حاجة انتي فاضلك تلات شهور بس وعامةً التمريض بياخد خبرة أكتر بعد ما ينزل شغل ويتثبت في الوظيفة، سنة الامتياز وتدريب المعهد والكلية مجرد إجراءات عادية
-بس انا مقدرش انزل شفت ليلى والدكتور ده مصر انزل، ينفع تتكلم معاه حضرتك، لو كان إسماعيل هنا كنت قولتله بس هو أجازة
ويوسف في هذه اللحظة حمد الظروف التي جعلت إسماعيل يسافر الصعيد مع حسن وشروق لأسباب لا يعلمها هو، فأجاب براءة بكذب مدعيًا الجدية :
-لا دكتور طاهر مش بيحب يخالف النظام خالص، للأسف مش هيوافق حتى لو اتكلمت معاه
ابتأست ملامح براءة بشدة فقال يوسف بمكر لا يظهر عليه في العادة :
-بس اقدر اساعدك، انتي ليكي خدمة عندي من وقت ما كان المحافظ هنا واعتقد ده وقت اني اردهالك
ركزت حواسها معه فأردف الآخر وقد اتسعت الابتسامة على وجهه رغمًا عنه :
-تكملي فترة التدريب دي معايا
لم يرى أي ضيق أو امتعاض ظهر على وجهها وقد تعجب هذا حقًا فقد خالفت توقعاته، يبدو أنها أعقل مما كان يظن، ورغم أنها بدت تفكر في الأمر بجدية إلىٰ انه أردف بإعتذار قد تأخر قليلًا :
-براءة انا آسف بجد لو كنت بضغط عليكي مكنتش أعرف إنك بتعاني من انيميا حادة
وبعد تفكير براءة في هذا الأمر رأت أنه لم يخطئ في شئ ذلك اليوم لقد فعل المعتاد من أي طبيب، بل هى كانت المخطئة وهى من اهملت في صحتها ودواءها رغم أنها تعلم أنها مريضة انيميا :
-لا انت مش غلطان انا اللي قصرت في دواء الفيتامينات وقصرت في الأكل، بس الحمد لله على كل حال
-لازم تاخدي الدواء بإنتظام مينفعش تهملي فيه طالما عندك انيميا ونقص فيتامينات حاد يبقى لازم تتغذي كويس
تعجبت براءة نبرته الصارمة وكأنه يؤنبها على فعلتها هذه وقد تدارك الآخر نفسه معالجًا الأمر :
-هو انتي من زمان عندك انيميا؟ اتولدتي كده يعني!؟
-لا أثر الموضوع عليا في الإعدادية كنت باخد فترة تدريبية مكثفة لحفظ القرآن كنا بنقعد سبع ساعات في اليوم نحفظ ولما نرجع البيت نراجع كل اللي حفظناه واليوم اللي بعده نتسأل فيه ونرجع نحفظ تاني، كنت مش باكل حرفيًا من الضغط وجالي هبوط حاد وكان بيغمى عليا كتير ومن وقتها وانا بعاني مع الأنيميا دي
ابتسم يوسف وقد تعجب أنها تحفظ القرآن، أجل هذا الأمر ليس بعجيب لكن لم يكن يتوقع :
-انتي بتحفظي القرآن يا براءة؟! في الجزء الكام؟؟
ضمت الأخرى كفيها داخل جيوبها وقد استوعبت ان هذه المحادثة طالت زيادةً عن المطلوب لذا هتفت بإختصار :
-انا الحمد لله خاتمة ومعايا قراءات
اتسعت ابتسامته منبهرًا من قولها وقد تضخم إعجابه لها فلطالما كان يريد أن يتزوج من فتاة تحفظ القرآن فأمثالهن يستطعن تربية الأبناء بطريقة صحيحة وسليمة، كما أن خلقهن يكون عالي فلا توجد فتاة خاتمة للقرآن وتكون أخلاقها سيئة :
-ما شاء الله يا براءة
شعرت براءة بالحرج من نظراته هذه فقالت وهى تعود عدة خطوات للخلف :
-طب انا موافقة ارجع تحت تدريبك بس شوف هتقول ايه لدكتور طاهر مش عارفة هيوافق ولا لأ
-وميوافقش ليه ماسك عليكي ذلة ده انا ما صدقت
وبالطبع لم يقل هذا بصوت مرتفع فبالكاد سمع نفسه، امسك هاتفه يأتي باسم طاهر تزامنًا مع قوله عندما رأى براءة على وشك الرحيل :
-استني يا براءة علشان في عملية بعد ربع ساعة وهتدخلي معايا
برمت الأخرى شفتيها بتهكم متمتمة :
-ايه السرعة دي هو لحق؟!
استدارت له وملامح الضيق تعلو وجهها فقال يوسف متوجسًا :
-لو انتي تعبانة يعني
-لأ مش تعبانة يا دكتور ماشي هغير الزي وجاية
نطقت بها بإستسلام، بقى ثلاثة أشهر إذًا لتتحملهم، ابتسم يوسف سعيدًا أنها ستكون معه مرة أخرى :
-لو قابلتي سمية قوليلها متجهزش للعملية علشان انا كنت قولتلها تجهز
آماءت بهدوء ثم رحلت متجهة لغرفة الممرضات وقد وجدت سمية تجلس هناك بمفردها تعبث في شئ وعندما فتح الباب انتصبت متوقفة عما كانت تفعل، عقدت حاجبيها بتعجب ولم تعلم ماذا كانت تفعل :
-انتي كنتي بتعملي ايه؟؟
-وانتي مالك
رد وقح فظ منها جعلها ترفع حاجبيها بتهكم ولم ترد التشابك معها، ليس لكونها لا تستطيع أو جبانة فلا تعرف من هى براءة أثناء المشاجرات، ولكنها لا تريد أن تتعب نفسها فلا طاقة لها :
-احترمي نفسك ده أولًا، ثانيًا دكتور يوسف بيقولك متجهزيش للعملية اللي جاية علشان انا اللي هدخل معاه
واتسعت عيني الأخرى بذهول وها هى تُخرج وجهًا لا تتعامل به من الجميع إذ صاحت بنبرة سوقية قائلة :
-ليه يا حبيبتي تدخلي معاه؟! مش انتي تحت تدريب دكتور تاني ولا انتي كل شوية هتلقحي نفسك عليه
ولا تكذب إن قالت أنها لم تُصدم من حديثها هذا، وعند هذا الحد لم تصمت لها لتُخرج هى أيضًا شخصية غير تلك الكسولة الغير مبالية بالحياة فبما تتهمها هذه المجنونة التي تجالس الجثث :
-ألقح نفسي على مين يا ماما هو انتي فاكراني مين
-واحدة من غير كرامة، مش ساب تدريبك روحتي أكيد اتحايلتي عليه علشان ترجعي تاني
اشتعلت أعين براءة بغضب لوقاحته هذه هى لا تبالي بأحد، وظلت تسعة أشهر تحاول عدم الاحتكاك بأحد حتى تمر سنة تدريبها على خير وبدون مشاكل، ولكن لسمية رأي آخر إذ كانت تصر على إخراج أسوء ما بها، ولها ما تريد
اقتربت منها بخطوات هادئة وملامحها أصبحت حادة مخيفة بحق رغم برودها، فهذه هى براءة كسولة غير مبالية بالحياة ولا تهتم لها، وإن أصابها أحد بسوء ولو بكلمة تصبح شخصية أخرى باردة حادة اللسان تجعل خصمها يلعن معرفته بها، فحتى والديها يشكيان شخصيتها المعقدة هذه :
-حبيبتي انا مش بتحايل على حد ولا في دماغي حد، ولو انتي منفسنة وغيرانة عليه فهو مش في دماغي اولعي بيه
وضعت الأخرى يدها في خصرها ترمقها بنظرة متحدية :
-خلاص تروحي زي الشاطرة للدكتور طاهر وسيبي خالص الدكتور يوسف وعدي الكام شهر اللي فاضلين ليكي على خير
ضحكت براءة ضحكة ساخرة بدون روح، فقط صوت ساخر خرج من حنجرتها على هيئة ضحكة :
-يا حلوة مش عايزاني ابوس ايدك بالمرة، انتي عقلك مهيئلك اني هسمع كلامك؟!
قاطع هذه المشاجرة دخول إحدى الممرضات تستعجل براءة من أجل عملية جراحية فقالت سمية من بين أسنانها لا تدري لما لا تخرج براءة من تفكير يوسف فكلما أراد شيئًا يقول براءة :
-انتي شكلك سحراله علفكرة كل شوية براءة براءة، ايـــه مفيش غير براءة في المستشفى
طالعتها براءة بغضب شديد فهل الآن تتهمها بالسحر؟!
عادت بنظرها لزميلتهن تلك ثم قالت :
-علا هو دكتور يوسف فين؟؟
-رايح على أوضة العمليات
-تمام قوليله جاية
كادت أن تتحرك حتى تغير ملابسها فجذبتها سمية بعنف من ذراعها قائلة :
-لا يا حبيبتي ولا هتروحي ولا تيجي وزي ما كنتي مع دكتور طاهر تفضلي قاعدة وملكيش دعوة بدكتور يوسف انا بقولك أهو وإلا أقسم بالله ارجعك بلدكم بفضيحة
خرجت من الغرفة وهى على أي حال ترتدي زي العمليات، وتركت خلفها براءة مصدومة من وقاحة سمية ولكن إن كانت تظن أنها ستخاف فهى أكبر مخطئة فتمتاز براءة بالعناد والعصيان والرد الصاع بأربع وليس فقط صاعين
أرتدت بسرعة زي العمليات الجراحية ثم لحقت بسمية والتي ما إن وصلت لغرفة العمليات حتى استقبلها يوسف ببسمة متعجبة :
-ايه يا سمية هى براءة مقالتش ليكي اني هى اللي هتكون معايا في العمليات؟!
-لا يا دكتور قالتلي بس تعبت وداخت فجأة وقالت ليا أروح انا علشان هى مش هتقدر تقف
عقد يوسف حاجبيه بقلق من تعبها المفاجئ فكانت بخير منذ دقائق، تحدثت سمية وهى تدعوه للدخول :
-يلا يا دكتور عندنا عملية مهمة
والآخر تخطاها تمامًا مسرعًا بخطواته في الإتجاه المعاكس حيث كانت تهرول براءة نحوه وبالكاد تلتقط أنفاسها فقال بقلق من ركضها وصعوبة تنفسها :
-خلاص اقفي متجريش
توقفت الأخرى بالفعل مستندة على الحائط نادمة على ركضها هذا تشعر وكأنها أصبحت عجوزًا في الخمسين وليس فتاة لم تكمل ربيعها الثالث بعد
اقتربت سمية منهما بخطوات غاضبة لتقول وهى تسندها مدعية التعاطف :
-بتجري ليه وانتي تعبانة يا براءة تعالي اقعدي
نظرت الأخرى إلى يوسف مبتسمة بهدوء ماكر بعدما هدأ قلبها عن الخفق بقوة، فلم تكن براءة بالشخص السهل فهى من أنصار عامل الآخرين بالمثل :
-ها يا دكتور يلا ندخل العمليات
-عمليات ايه انتي تعبانة لازم ترتاحي دلوقتي
-لأ ومين قالك اني تعبانة؟! سمية؟؟
نطقت بها بمكر ثعلبٍ لتعلم سمية خطتها لذا قالت مسرعة :
-خلاص بقى مش هتفرق انا أو انتي المهم العملية تتعمل
لم يفهم يوسف ماذا يحدث خاصةً وأن هناك نظرات بين الاثنين لا يفهمها هو :
-هو فيه ايه بالظبط؟؟
ابتسمت براءة ببرود شديد رغم الغضب الذي يلتمع في عينيها :
-مفيش يا دكتور سمية قالت إني تعبانة أو قصدي كدبت وقالت كده علشان تدخل معاك انت العمليات، معلش غيرانة مني عليك
ازدرد يوسف لعابه بصعوبة يبصر صدمة سمية الواضحة وإحراجها مما قالت براءة، وبرد غير متوقعة لهما قال يوسف :
-عيب يا براءة اللي بتقوليه ده
رمقته الأخرى بصدمة وكانت سمية لا تقل ذهولًا عنها فقال يوسف بهدوء مبالغ به بالنسبة إليهما :
-تقدري تمشي انتي يا سمية انا آسف على اللي اتقال ده
رمقته براءة بتهكم واضح تبصر رحيل سمية والتي لم تجد من يقال بعد هذا الموقف، أما هى فضلت الرحيل أيضًا فقالت وهى تهم بهذا :
-هبعتلك علا يا دكتور انا حاسة اني مش هعرف ادخل العمليات دلوقتي
وفي حركة غير متوقعة منه وجدته يضع كفه على الحائط يمنعها من التحرك فنظرت له بحدة على هذه الحركة قائلة :
-نزل ايدك انا عايزة أعدي
-هو اللي قولتيه بجد ولا ده حوار؟؟
وكانت اجابتها حادة والعجب راقت ليوسف فلم يرى هذا الجانب الحاد منها من قبل، وحقًا يرى أنه أفضل من جانبها الكسول ذاك :
-انا مش بحور يا دكتور هى اللي عايزة كده وقالتها بالنص، ده بتقولي اني سحرالك علشان كل لما بتنادي على ممرضة بتقول يا براءة
-والله كلام منطقي انا حاسة إنك سحرالي فعلًا، انا مش على لساني غير اسمك
وكانت هذه جملة غزلية منه والأخرى فهمتها بشكل خاطئ إذ صاحت به مخرجة إياه من الفقاعة الوردية التي بدأت تسحبه :
-سحرالك ايه انت كمان وانا مالي كل لما تنادي تقول يا براءة
دفعت يده بعنف حتى تمر ثم قالت :
-هنادي علا تساعدك في العملية، معلش فيه واحدة مش عاجبها أساعدك انا، وانا مش ناقصة صداع
لم يبالي الآخر بكل ما قالت هذا فهو يعلم أن سمية معجبة به ولكنه لا بشغل بالًا لها، ليس تكبرًا منه ولكنه لا يرى أنها تناسبه، نادى على براءة قبل أن تبتعد قائلًا :
-براءة انا عايز رقم والدك
رفعت الأخرى إحدى حاجبيها بتعجب ثم هتفت بنبرة ساخرة :
-ليه هتشتكيله مني وتقوله بنتك نوتي مش سامعة الكلام
نفى يوسف بهزة بسيطة منه ثم قال وعلى شفتيه ابتسامة جذابة :
-لأ عايز اطلب منه ايد بنته أصل مش عارف اطلعها من دماغي، حتى لساني مش بينطق غير اسمها
