اخر الروايات

رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثلاثون 30 بقلم دهب عطية

رواية اشتد قيد الهوي الفصل الثلاثون 30 بقلم دهب عطية



                                              
كانت الأغاني الشعبية الصاخبة تملأ المكان والزغاريد تتعالى من أفواه الجارات والأحباب وصياح الفتيات يختلط بأبواق سيارة العرسان التي توقفت للتو....أشعل المكان بالحماس
لرؤية العروس وزينتها وثوبها الأبيض ولحظة ظهورهما معًا وهو يمسك يدها ويصعد بها إلى السطح حيث أقيم الزفاف....

+


كل ذلك يبدو مشهدًا مألوفًا في أي فرح عادي لكنه بالنسبة لها كان فيلمًا دراميًا مبتذلًا رأته مرارًا.... فيلمًا تُستبدل فيه الحبيبة القديمة بصورة أخرى لامرأة جديدة بعد أن نفد رحيق
قلبها من قبل وغد...

+


وغد...

+


ومن يلومها إن رأته جرذاً لا يستحق سوى الكراهية والاشمئزاز لبقية حياتها...

+


لم تحب غيره والآن لا تكره سوى هو ومن يلومها لا يعرف هذا الوجع الذي ينحر قلبها بسكين مثلوم لا يرحم....

1


ابتلعت ريقها بصعوبة تشعر بجذوة لهب في حلقها تختنق بها دون موت...رأته متأنقًا ببدلة العريس إلى جوار عروسه بثوبها الأبيض البراق.....

+


هل تعرف العروس أنها تعيش حلمها هي؟

+


تاخذ المكان الذي رسمته في خيالها....

+


بالطبع لا فالعروس تبدو متيمة به عيناها تفضحان شغفها نحوه....

+


الفرق بينهما أن تلك المرأة تناسب حياته ومستواه كما يوحي المشهد قبلت بكل شيء لم تصرّ أو تتمرد فكان وصولها إليه سريعًا.

4


لكن هل الوصول السريع يعني النجاح القريب أم الفشل المؤجل؟

+


لمحت ندى دموع أختها فلكزتها في كتفها واقتربت منها هامسة بين أسنانها...

+


"امسحي دموعك... الناس هتاخد بالها.."

+


ارتفع حاجبا نهاد بدهشة لامست وجنتيها بطرف أصابعها فعرفت أن دموعها الساخنة سالت دون أن تشعر... 

+


وكأن المشهد كله أسرها إلى مكان بعيد شديد البرودة على قلبها....

+


تنفست ندى بضيق هي لم تأتِ إلا لتحمي أختها من اصطدام محتمل أو فضيحة قد تلفت نظر أيوب أو أمها....

+


فربما تصرفت نهاد بجنون كما أحبت هذا الشخص الماثل أمامها والغير مبالي بأحد.

+


خسارة رغم أنها كانت تتوقع فشل علاقته بأختها إلا أنها كان لديها أمل بمحاربته لكنه
لم يقترب من أرض المعركة خطوة وهذا المؤسف في حد ذاته...

+


هل ممكن أن يحارب لأجل تلك المرأة
البسيطة الجالسة الآن بجواره غارقة في خجلها وفرحتها ترسم حلمها الوردي في 
غرفة فوق السطح؟

+


نظرت ندى إلى الغرفة المغلقة المجاورة التي سيدخلانها بعد انتهاء الليلة...

+


هل كانت أختها ستقبل بحياة كتلك؟

2


وهل كان أيوب وأمها سيقبلان بوضع كهذا؟

+


كانت النهاية محسومة منذ البداية لكن كلمة ربما منحت أماني كاذبة جعلت الجرح ينزف بلا توقف....

+



                                      

                
عادت تنظر إلى أختها الصامتة الصامدة 
أمامها تحترق ببطء عيناها المتحجرتان بالوجع تجريان عليهما بعذاب وشفتيها تبتسمان ابتسامة خلفها ألم لا ينضب.

+


هذا الحب الوليد في قلبها سيتحول إلى ندبة لا تندمل أبدًا ومن سيحاول اقتحام قلبها مجددًا سيجد حربًا شرسة لا تكفيها معركة واحدة.....

+


"تعالي... نقوم نسلم عليهم..."

+


قالتها والدتها وهي تنهض عن مقعدها ففعلت ندى بملامح متجهمة بينما نظرت إلى أختها التي وقفت على ساقيها بصعوبة وأخذت خطواتها خلف والدتها التي اقتربت من 
جلست العرسان....

+


"مبروك يا سلامة...ربنا يتمملك على خير... مبروك يا عروستنا..."

+


باركت لهم والدتها بابتسامة واسعة متمنية لهما حياة سعيدة....

+


نهض سلامة وصافح والدتها ببسمة يتيم ممتن لوجودها معه كأم له...

+


وخلفها رآها تأتي فصُعق من وجودها ووقف مكانه مبهوتًا يتأمل جمالها...جمال أميرة هاربة من قصة خيالية هو لم يعد بطلها المنتظر بل أصبحت قصتها لرجل آخر !....

+


ظل سلامة مكانه والابتسامة التي افتعلها منذ ثوانٍ مجمدة على محيّاه منسية في وجودها.

+


"دكتورة نهاد..."

+


همس سلامة بها برسمية شديدة غير مستوعب بعد وجودها هنا وسط الجميع
مثلها مثل الباقين.

+


كيف بدّلتنا الأقدار وجعلتنا أشخاصًا عابرين في محطات بعضنا... وقصتنا أضحت حكاية مطوية في كتب منسية من شدة بأسها !....

+


"مبروك..."

+


كلمة واحدة خرجت منها من جوف محترق محتفظة بيديها الباردتين جوارها وعادت تنظر إلى العروس المبتسمة وكررتها بخفوت أشد.

+


بملامح مغلقة على تعابيرها الحقيقية نظرت إليه للمرة الأخيرة ثم ابتسمت ابتسامة ليست كباقي ابتسامتها التي رآها يومًا... ابتسامة تقطر وجعًا وخزيًا... وكرهًا.

+


آخر المشاعر وأقساها عند الحب أن نصل إلى الكراهية والعداء...

+


هل هذه المشاعر حقيقية أم أنها القشرة التي نحمي أنفسنا بداخلها؟....فما تعرضنا له ليس بهيّن.....

2


رآها تبتعد توليه ظهرها وتعود إلى مقعدها بعد أمتار لتشاهد للنهاية حتى يحين رحيلها من هنا.....

+


فعاد يجلس مكانه بجوار العروس لكن هيهات بين السابق والآن وكأن رؤيتها فتحت عليه أبواب الجحيم وشعر بمدى تسرّعه وحقارته في إفساد حياة اثنين 

+


واحدة خرجت من حياته بأقل الخسائر والأخرى بجواره تنتظر الكثير منه وهو قد 
نفد منه القليل !...

4


سألته عزة بعد أن ابتعدن عنهما...

+


"مين دول يا سلامة... جيرانك؟..."

+



        

          

                
رد سلامة بهدوء وهو ينظر إليها من بعيد..

+


"دي أم أيوب... ودول أخواته البنات..."

+


قالت بدهشة...

+


"دول توأم؟"

+


أومأ برأسه دون تعبير محدد فأضافت عزة بفضول...

+


"سبحان الله شبه بعض أوي... أنا أعرف إنه عنده أخت دكتورة مين فيهم؟"

+


خفق قلب سلامة بالوجع وهو ينطق اسمها بحسرة مريرة...

+


"نهاد... لسه بتدرس... هي اللي قالتلك مبروك من بعيد..."

+


ابتسمت عينا عزة وهي تقول بطيبة...

+


"جميلة وهادية... ربنا يسعدهم عقبالهم..."

+


أطبق سلامة على فمه وهو يتمنى ألا يحدث هذا أبدًا....

1


بينما قالت عزة بمناغشة...

+


"على فكرة شكلك حلو أوي بالبدلة..."

+


ابتسم لها دون تعليق فاسترسلت عابسة معاتبة...

+


"مقولتش يعني رأيك لا في الفستان ولا في المكياج من ساعة ما طلعنا من الكوافير... هو أنا مش عاجباك ولا إيه؟..."

+


رد عليها بفتور...

+


"لو مش عاجباني هتجوزك ليه..."

6


زمت فمها بعد أن أحبطها الرد فقالت....

+


"ردك ناشف...طب اكدب وجملني بكلمة 
حتى واحدة..."

+


طيب خاطرها بالقول...

+


"مش محتاجة مجاملة يا عزة...انتي تعجبي الباشا..."

+


تبرمت عزة وهي تقول بنظرة شغوفة...

+


"وهاخد إيه من البشوات... أنا عايزة أعجبك انت يا سي سلامة... انت سيدي وتاج راسي وجوزي وكل حاجة ليا..."

6


لم يستطع مجاراتها في الحديث فأمام حرارة مشاعرها الصادقة سور جليدي يحيط قلبه ومشاعر أُغلقت على غيرها !.....

1


بعد لحظات شد ذراعه أحد الأصدقاء ومن ضمنهم أيوب للرقص معهم بدل جلوسه الكئيب هكذا...

+


فعل سلامة محاولًا أن يتلاشى صورتها من أمامه وجودها ايضًا حتى يحرق المتبقي بينهما فهو اختار الطريق بنزق وسيكمل 
السير إلى آخره بعناد...

+


سحب بعدها يد عزة برفق ثم نزع سترته وبدأ يرقص معها على الأغاني الشعبية ويصيح مع الكلمات بصخب عالٍ والكل حوله مبتهج وسعيد به وبالعروس التي رغم خجلها تضحك وترقص معه بسعادة....

+


ثم فجأة حملها ودار بها فصاح أصدقاؤه بتشجيع عالٍ بينما هي أخفت وجهها في كتفه شاهقة بخجل صارخ وهو كذلك أغمض عينيه حتى لا يرى مقدار الألم والوجع الذي يسببه لأخرى تتجرع مرارة أفعاله بعذاب....

5


"مش يلا بينا بقى يا ماما..."

+


قالتها ندى وهي تنظر إلى أختها التي تتابع ما يحدث بنظرة شاخصة وملامح رصينة وكأنها تشاهد مشهدًا خارج إطار حياتها....

+



        
          

                
كانت ابتسامة والدتها واسعة مبتهجة وهي ترى سلامة مندمجًا مع عروسته وسعيدًا بها..

+


"شكله بيحبها أوي يا نهاد... مش كده..."

+


الكلمة التي زادت الطين بلّة في قلب ابنتها التي ابتسمت مؤكدة أنه سيحبها يومًا لا محالة فالقلوب متقلبة وهذا هو حالها....

+


"ربنا يسعدهم يا ماما..."

+


قالتها بفتور غريب وكأن قلبها نزف حتى اكتفى فنهضت فجأة تؤيد رأي ندى في
الرحيل قائلة...

+


"ندى عندها حق..كفاية كده عشان مذكرتي.."

+


وأمام إصرارهما على الرحيل نهضت والدتهن وأشارت إلى أيوب أن يأتي حتى يوصلهن إلى البيت وإن شاء أن يعود إلى صديقه فليفعل هو....

+


حين وصلت إلى البيت عزلت نفسها في غرفتها دون أن تتفوه بكلمة واحدة....

+


دلفت إلى فراشها ثم دثرت نفسها تحت الغطاء تذرف عبراتها بصمت وتكتم شهقاتها المتقطعة في الوسادة حتى لا يسمعها أحد...

+


كل ما رأته بعينيها يُعاد أمامها كشريطٍ سينمائي بطيء يحرق روحها وقلبها دون رحمة....

2


وحدها ندى من لاحظت عليها ذلك لكنها فضّلت عدم التدخل وتركتها تُخرج أحزانها وتفضي بأوجاعها فاليوم رأت ما لا يحتمله قلبها ولا يستوعبه عقلها....

+


اليوم كان زفاف حبيبها على أخرى رأته يرقص معها ويصيح مع الموسيقى في موجة صاخبة من الفرح المبالَغ فيه أمامها....

+


بالطبع مبالَغ فيه فهي رأت نظرات عينيه الضائعة نحو أختها وكأنه يفتعل الفرح مشهرًا السيف في قلبها بطعنةٍ أخيرة حتى تذرف آخر قطرة دم من هذا الحب !....
.................................................................
انتهى اليوم وذهب الجميع إلى منازلهم وبعد التهنئة والمباركة دلفت العروس مع خالتها إلى الغرفة التي ستبدأ منها حياتها الزوجية معه.

+


بينما وقف هو بالخارج فوق السطح أمام السور ينظر إلى الشارع الهادئ بعد منتصف الليل والسيارات المصطفّة بجوار العمائر...

+


الهواء البارد يضرب وجهه بينما يُخرج دخان السيجارة ببطء من فمه يتراقص دخانها أمامه ساخرًا كحياته وما وصل إليه.....

+


انتهت قصته معها وبدأت حكايته مع أخرى هي الآن زوجته وأقرب إليه منها أمام الجميع...

+


لكن بالنسبة لقلبه فهو كالرضيع على صرخة واحدة ينادي أمّه أن تأتيه لا يقبل بأحد
سواها ولن يُغنيه غيرها....

+


"أنا همشي أنا بقى يا سلامة.... عزة مستنياك جوه ألف مبروك يا عريس..."

+


قالتها خالتها وهي تقف خلفه ثم ضحكت ضحكة ذات مغزى منتظرة أن يستدير لها
لكنه لم يفعل ولم يُجب عليها....

+


تبرّمت خالتها وهي تقول بوجوم....

+


"هو انت يا خويا هتفضل واقف وقفتك دي بقالك أكتر من ساعتين على حالك ده من ساعة ما الناس مشيت...مالك كده؟"

+



        
          

                
استدار لها سلامة بملامح جافية ألقى السيجارة أرضًا ودعسها أسفل حذائه
قائلاً بفتور...
"مليش... تعبناكي معانا...خدي الباب في
إيدك وانتي خارجة..."

+


نظرت خالتها خلفها حيث السطح الفسيح الخالي سوى من غرفته المغلقة على عزة مطّت فمها واجمة فأي باب هذا الذي 
ستأخذه خلفها؟

+


"طيب هعدي عليكم الصبح... ومعايا الفطار."

+


رفض سلامة بكياسة...

+


"متتعبيش نفسك... ما الخير كتير والحمد لله.... "

+


عادت تبتسم الخالة وهي تترجم الحديث 
من منظورها...

+


"هبقى أجي على العصر كده... مش الصبح أوي يعني..."

+


تنحنح سلامة وهو يسبل عينيه ليس حرجًا فهو صفيق الوجه أكثر منها لكنه لم يرغب
في التحدّث....

1


أشارت له الخالة أن يقترب ففعل بهدوء فقالت الخالة وهي تنظر إلى الغرفة المغلقة على ابنة أختها....

+


"وبقولك إيه يا سلامة...يعني متاخدنيش في الكلام اعتبرني زي أمك..."

+


سمح لها سلامة...

+


"عيني ليكي يا خالتي... قولي..."

+


قالت بابتسامة صغيرة مهتزة تشي بقلقها...

+


"براحة على عزة يعني... ومعلش لو اتكسفت ولا ادلعت عليك حبتين... طول بالك دي برضه بنت بنوت و..."

+


قاطعها سلامة قائلاً بحمية...

+


"اطمني يا خالتي... عزة في عنيا... وأنا مش تلميذ وفاهمك...متخافيش عليها..."

2


ارتاح قلبها وأطلقت إثرها زفرة ارتياح وهي تربت على كتفه...

+


"كتر خيرك يا سلامة... ده العشم برضه 
ربنا يسعدكم يا رب..."

+


ثم غادرت المكان ودموع الفراق والفرح في عينيها كأي أم تتمنى السعادة لابنتها رغم لوعتها من البعد...

+


حين رحلت الخالة من أمامه عاد سلامة إلى الوقوف أمام السور وهو يرمق الحجرة المغلقة عليها بتبلّد ثم أشعل سيجارة جديدة لا يعرف عددها تحديدًا كل ما يعرفه أنها ما قبل الأخيرة في علبة فتحها منذ أن وقف في
هذا المكان....

+


صورتها لا تفارق خياله وقلبه يحترق شوقًا وعشقًا إليها يريد أن يذهب إليها ينتزعها من بيتها وعالمها ويأخذها ويهرب بعيدًا....

+


أخرج الهاتف من جيب بنطاله وراح يفتح صورها صور التُقطت معها وهما على شط البحر بعد الإفطار....

6


كانت قراءة الكف مزحة ثقيلة تحولت إلى حقيقة يتجرعان مرارتها رشفة تلو الأخرى.

+


قرّب الصورة أكثر على وجهها وعينيها كل ما بها الأقرب إلى قلبه والأحب... هل أصبحت صورة لذكرى لن تعود بينهما مجددًا؟...

+


لن تعود يا سلامة... نهاد انتهت كانت محطة وغفلت عنها قاصدًا الهروب إلى أخرى....

1


"سي سلامة..."

+



        
          

                
أتت الأخرى أتت الحياة التي اخترتها بإرادتك فلا تختَر الضيم وكن منصفًا ولو قليلًا...

2


أطلق زفرة متعبة وهو لا يشعر أنه بخير تلك الليلة تحديدًا وكأن الظلام يحيط به من كل مكان عاد صورتها التي لا تفارق عينيه.

+


لا يريد سوى الانفراد بنفسه دون أحد....

+


استدار إلى عزة التي ما زالت كما هي بثوبها الأبيض البراق وحجابها تنتظره أن يساعدها في نزعه لكن كيف وهو يتهرب من النظر إلى عينيها مباشرة وكأنها سترى في عينيه ما يخفيه....

+


أعاد الهاتف إلى جيبه وهو يسألها بصوتٍ مختنق غلبه الحزن...

+


"في حاجة يا عزة؟"

+


ارتفع حاجبها بدهشة من ردّه...

+


"هتفضل واقف مكانك... ادخل الجو برد..."

+


"كمان شوية..."

+


لم تزُل دهشتها بل زادت اتساعًا على محياها وهي تقول باستنكار...

+


"الفجر قرب يأذّن يا سي سلامة وانت بقالك ساعات واقف وقفتك دي... انت رجلك ما وجعتكش؟"

+


لا شيء يضاهي وجع قلبه لذلك كل الأوجاع هينة أمام أن يشفى هذا القلب.

+


"ادخلي يا عزة... عشان متبرديش..."

+


بنظرة مهتمة تشع أنوثة حانية قالت...

+


"طب وانت ادخل...اتعشّى حتى تلاقيك على لحم بطنك من الصبح..."

+


من وقت أن تركها وهو والطعام غرباء عن بعضهما لا يمسّه سوى للحاجة الشديدة في العيش ليس إلا....

+


وكأن كل شيء وأبسط الأشياء بات بلا معنى دونها....

+


"مليش نفس..."

+


اقتربت منه عزة تحمل تنورة ثوبها الواسع بين يديها وهي تأخذ خطواتها نحوه حتى وقفت أمامه وجهًا لوجه تسأله بنظرة معاتبة وقلبها يشتعل من ردوده الفاترة...

+


"مالك يا سي سلامة؟...أنا زعلتك في حاجة؟"

+


بتبلّد مُغيظ رد عليها...

+


"انتي لحقتي تعملي حاجة عشان تزعليني..."

+


قالت عزة بوجوم مفكّرة...

+


"يمكن وإحنا قاعدين في الكوشة زعلتك... ما انت متغير أوي من وقتها... افتح لي قلبك 
أنا مراتك..."

+


عند سماع الكلمة ابتسم وهو ينظر إليها يدمج الكلمة مع وجودها الحي أمامه....

+


ابتسمت عزة مثله وهي تسأله متوجسة...

+


"إيه الابتسامة دي بقى... تكونش تريقة..."

+


هز رأسه نفيًا وهو يقول بصراحة مستشعرًا بالراحة تتسرّب إليه أثناء التحدث معها...

+


"مش تريقة ولا حاجة استغراب بس... إني اتجوزت وبقى عندي ست تاخد بالها مني..."

+


ابتهج وجهها وكأنه ألقى قصيدة غزل فقالت بمزاح...

+



        
          

                
"هو أنا لسه عملت حاجة... ده انت بكرة تلعن أيام العزوبية والسرمحة هنا وهناك..."

+


رفع حاجبه سائلًا بريبة...

+


"ومين قالك إني بتسرمح..."

+


مطّت شفتيها إلى الأمام قائلة بشقاوة حصرية تنبع من قلبها إليه هو فقط...

+


"ما فيش راجل ما لفش ودار... مش لازم حد يقولي... وانت حليوه يا سي سلامة وأكيد كان ليك ماضي..."

+


صُدم سلامة من السؤال...

+


"ماضي.... في ليلة زي دي..."

+


ضحكت وقالت بخبث...

+


"مش هزعل قول قول... حبيت كام مرة..."

+


رد بمزاح..

+


"مية مرة..."

+


شهقت عزة معقّبة بغيرة...

+


"يا مفتري مية مرة... وكلهم حبوك..."

+


نظر لها بزهو قائلاً...

+


"انتي شايفة إيه..."

+


تنهدت وقلبها يرفرف بين أضلعها كطير سعيد ثم قالت بغيرة...

+


"شايفة إني بقيت مية وواحد وده رقم صعب أوي على واحدة تتقبله..."

+


ضحك سلامة بقوة وهو يعقب 
ذاهلًا...

+


"ضحكتيني يا عزة..."

+


نظرت إليه بتوله وقالت بنبرة شغوفة...

+


"وهو أنا بعمل ده كله ليه ما عشان تضحك وترمي ورا ضهرك كله يتعوض يا سي سلامة طالما انت بخير وواقف على رجلك...والله 
كله يتعوض..."

1


كلماتها أصابته في الصميم فتلاشت الابتسامة عن محياه وهو ينظر إليها بدهشة فكيف علمت أنه يبكي على الأطلال....

+


"في حاجات صعب تتعوض..."

1


قالها لسانه قبل أن يفكر فيها عقله فقالت عزة بمساندة حانية...

+


"في الأول بنقول كده بس مع الوقت بنعرف إن ربنا مش بيجيب حاجة وحشة وكله خير..."

4


أومأ لها سلامة وهو يهرب من عينيها قائلاً بصدق...

+


"الحمد لله.... انتي جدعة أوي يا عزة..."

+


قالت عزة بحب...

+


"وانت سيد الرجالة والله..."

+


تنهد سلامة وهو يقول بصوتٍ بعيد...

+


"أكيد ربنا بيحبني عشان كده حطك في طريقي.... وبقيتي من نصيبي..."

2


رفرف قلبها أكثر بضعف وهي تقول
بحياء...

+


"يالهووي إيه الكلام ده... أنا دوخت..."

+


ضحك سلامة وهو ينظر إليها وهي تدّعي أنها ستقع فسندها تلقائيًا قائلاً بعبث...

+


"أنا لسه قولت حاجة..."

+


نظرت إلى عينيه وقالت...

+


"هي لسه فيها قواله....كفاية كده..."

1


تركها سلامة فقالت عزة بلهفة...

+



        
          

                
"هتدخل تتعشّى؟!"

+


نظر إليها سلامة قليلًا ولم يطعه قلبه على كسر خاطرها فقال...

+


"مصممة برضه.... خلاص نتعشّى هنا..."

+


سألته بدهشة وهي تنظر حولها...

+


"هنا؟!"

+


أكد سلامة مضيفًا...

+


"الجو هنا حلو.... أنا ناوي أفرش فرشة 
هنا وأنام..."

2


صعقتها الجملة أكثر من السابقة ففغرت فمها متشدّقة...

+


"تنام هنا؟!"

+


أكد بفتور بتر شغفها وفرحتها...

+


"أيوه.... عشان تبقي براحتك جوه..."

+


ثم استدار سلامة عنها ينظر إلى الشارع مجددًا مشعلًا آخر سيجارة في العلبة بينما
هي بقيت بجواره بثوبها الأبيض تنظر إلى جانب وجهه بحزن وإلى الدخان المنبعث 
من فمه بقهر....
................................................................
وصلت إلى الشركة في موعدها ككل يوم لكن اليوم شعرت بشيء غريب يحدث في بهو الاستقبال الجميع يحدّق فيها بابتسامة واسعة مهنّئة وبين أيدي معظم الموظفين قطعة من الحلوى وكوب عصير....

1


عقدت حاجبيها مندهشة وظهرت الحيرة على ملامحها التي تخفيها نظارتها السوداء الفخمة.

+


ريثما كانت الدهشة تستولي عليها وجدت جاسر يظهر من أحد الزوايا متفاخرًا وهو يوزع الحلوى والعصير على الجميع 

+


معلنًا السبب بصوت مسموع وقد اربدّ وجهها بحمرة الحرج والغضب وهي تترجم ابتسامات الجميع المهنئة لها....

+


كانت قد قرأت الفاتحة في المساء مع عائلته وسط تجهم والدها وعدم رضاه الواضح للجميع ومع ذلك تابعت بعناد حتى النهاية وانتهت الليلة بتحديد موعد الخطوبة بعد أيام....

5


تأففت ولو بيدها لرحلت وتركت هذا الوضع المخجل....

+


حين رآها جاسر وضع ما بيديه جانبًا ثم اقترب منها بابتسامة غريبة تشي بفخر وكأنه حصل على إرث ضخم من خلف هذا الارتباط.

+


"نغومة... أخيرًا وصلتي."

+


نغومة مجددًا... ما هذا الدلال الثقيل على القلب والنفس؟

+


وقف أمامها وكاد أن يميل عليها ليقبّلها من وجنتها فتراجعت خطوة إلى الخلف ناظرة إليه بغضب فمنذ متى أصبح بينهما قبلات
عند السلام؟

+


حافظ جاسر على ماء وجهه وهو يزيد ابتسامته اتساعًا قائلاً بتكلف...

+


"اتأخرتي يعني يا نغومة... "

4


نزعت النظارة عن عينيها وهي ترمقه شزرًا قائلة من بين أسنانها بغيظ...

+


"متقوليش يا نغومة... على الأقل قدام الموظفين.... "

+


نظر جاسر خلفهما ثم عاد إلى عينيها 
مؤيّدًا...

+


"عندِك حق... ممكن يحسدونا."

2



        
          

                
عضّت على باطن خدها وهي تكبح كلمات قد تقلّل من احترامها لنفسها إن قالتها الآن....

+


سألها بلهجة اهتمام ظاهر...

+


"ما قولتيش ليه اتأخرتي؟"

+


أجابته على مضض...

+


"أنا جاية في معادي... أنت إيه اللي جابك هنا؟!"

+


قال جاسر بأسلوب متكلف...

+


"قولت أشوفك وجبت حاجة بسيطة كده أوزعها على الموظفين بمناسبة قراية فاتحتنا اللي كانت إمبارح.... وبالمرة أعزمهم على الخطوبة."

+


أوغر صدرها بالحنق بعد كلماته فقالت 
بوجوم....

+


"بس إحنا متفقناش على كده."

+


استغرب جاسر ردها فأعرب عن ذلك قائلاً...

+


"وهي دي فيها اتفاق يا نغم؟... لازم كل
الناس تعرف...."

+


وقبل أن تصبّ غضبها فوق رأسه السمج رأته ينظر خلفها باهتمام وعينيه تبرقان بسعادة خبيثة مشيرًا إلى الشخص الذي دخل البهو للتو....

+


"أيوب عبد العظيم... مش كده؟"

+


تصلب جسدها وعطره الجديد الفاخر يداهم أنفها بسحر جعل قلبها ينتفض بين أضلعها
كان عطرًا جذابًا مثل الأول رغم زهده والغريب أنه يليق به وبشخصيته القيادية.

+


بلعت ريقها بتوتر وهي تسمع وقع خطواته خلفها شاعرة بعينيه الثاقبتين تخترقان ظهرها المشدود في طقم عصري يظهر رشاقتها.

+


وقف أيوب بجوارها على بعد خطوة منحها نظرة عابرة قبل أن ينظر إلى جاسر الذي يقف أمامهما وهي في الوسط كصورةٍ حقيقية لوضعها الآن بعد أن سمحت لآخر بالدخول بينهما...

+


قال أيوب بابتسامة لم تصل لعينيه...

+


"أهلاً وسهلاً.. جاسر العبيدي فاكرك أنا..."

+


رد الآخر بغرور...

+


"مانا متنساش برضو ولا إيه؟"

+


ظهر التهكم في عيني أيوب قائلاً
بملل...

+


"ولا... خير في حاجة؟!"

2


أومأ جاسر قائلاً...

+


"كنت عايـ..."

+


"صباح الخير يا نغم هانم... "

+


توقف جاسر عن الحديث محتقن الوجه بصدمة بعد أن أردف أيوب بتلك العبارة وهو ينظر في عيني نغم مباشرة والتي أجابته بقلب يقرع رغم أنفها في حضوره...

+


"صباح النور... "

+


مال عليها أيوب هامسًا بشراسة
وتملك...

+


"إيه القرف اللي انتي لابساه ده؟"

+


نظرت إليه بدهشة...

+


"ماله؟... "

1


شملها بنظرة نارية مهيبة وهو يقول من بين أسنانه...

+



        
          

                
"ضيق أوي زي خلقِك.... مخدتيش بالك؟"

4


زمت فمها وهي تنظر أمامها قائلة بجمود...

+


"ومش عايزة آخد بالي... بص قدامك."

+


صاح جاسر فجأة وهو لا يعرف على ماذا يتهامسان في الخفاء....

+


"انت بتقولها إيه؟"

+


نظر إليه أيوب بحدة فمن هو كي يتدخل بينه وبين امرأته ثم أعرب عن ضيقه وهو ينظر إليها بوعيد...

1


"متخدش في بالك يا حلاوة...كمّل كلامك لمؤاخذة قطعتك... أصل في حاجات على الصبح بتحصل بتقفل الواحد...."

+


رفرفت أهدابها بتوتر وهي تصوب نظراتها نحو جاسر الذي أفرغ زخيرته فجأة في وجه أيوب قائلاً...

+


"كنت عايزك تباركلي أنا ونغم..."

+


لم يفهم أيوب بعد...

+


"على إيه؟...ناويين تبقوا شركا وتشتغلوا سوا؟"

+


ضحك جاسر بسماجة قائلاً...

+


"دي حاجة سابقة لأوانها...هنبقى شركا فعلاً بس برا الحياة العملية...."

+


حرك أيوب رأسه مستفسرًا...

+


"مش فاهم والله...أصل أنا فهمي الصبح يدوب...وضح... إزاي برا الحياة العملية؟"

+


رد جاسر وهو يرمق نغم بنظرة حب...

+


"نغم بقت خطيبتي... قارية فاتحة مع كمال الموجي إمبارح والخطوبة كمان كام يوم...طبعا انت معزوم...."

+


تصلبت تعابير وجه أيوب وهو ينقل عيناه بينها وبين هذا السمج...

+


"قارية فاتحة؟!..... مين قرأ فاتحة مين؟!"

+


تمنّت أن تبتلعها الأرض في تلك اللحظة تحديدًا ولا تنظر إلى عينيه التي تكاد تنفثان نارًا لتحرقها حية دون رحمة....

1


ضغطت على شفتيها بقوة وقد بهت وجهها من الخوف فهي فعلت كل ذلك كي تحرق قلبه كما حرق قلبها من شدّة غيرتها عليه...

+


زاد جاسر الطين بلة حين دلّلها كما يفضّل
قائلاً بخبث...

+


"إيه يا نغومة مش ناوية تفرّحي أيوب معانا ولا إيه؟... "

1


ارتفع حاجب أيوب فوق وجه مربّد بالغضب وهو يعقب بازدراء...

+


"نغومة؟!....دا العشم بينكم بقى في العالي."

+


"أمال... بقولك بقت خطيبتي..."

+


قالها جاسر ثم تذكّر شيئًا فأضاف وهو يبتعد عنهما...

+


"استنا هجبلك جاتوه من اللي بوزعه... يمكن تصدّق... "

+


مال عليها أيوب قائلاً بأنفاس متلاحقة ساخنة تشي بغليان صدره...

+


"فرحيني يا نغومة.... قريتي الفاتحة؟"

1


تسلحت بالشجاعة وهي ترفع عينيها الرمادية نحوه تنتقم منه بالرد الباتر...

+



        
          

                
"أيوه.... قريتها يا أيوب... "

+


تحوّلت عينيه إلى ظلام مخيف وهو يقول بشر يتطاير مع كلماته الضارية بالوعيد...

+


"على روحك وروحه... انتي اتهبلتي؟ عجبِك في إيه العبيط ده؟... عشان تبدليني أنا بيه؟"

+


ألمها قلبها بشدة وهو يستجديها أن تصمت لكن عقلها وشيطانها قادها بجنون للهلاك فقالت بصلابة جافية....

+


"أنا مبدلتش حد... إحنا موضوعنا انتهى أصلاً وانت شوفت حياتك مع غيري.... ليان أكيد عارفها اللي ناوي تتجوزها زي ما قولتلي."

+


لم تقدر على إخفاء غيرتها المجنونة عليه فصمتت بأنفاس لاهثة من شدة الغضب...

+


فعقب أيوب وهو يفهم الآن حقيقة تلك المهزلة التي أقدمت عليها...

+


"ليان؟!.... تمام.... صلّحي الهبل اللي عملتيه 
يا نغم يا ما مش هيحصل كويس معاكي ولا معاه...."

+


ألقى تهديدًا صريحًا على مسامعها فزاد عنادها أمام سطوته وقالت بتحدٍّ...

+


"مش هصلّح حاجة عشان مفيش بينا
حاجة.."

1


"فيه حقي فيكي...مش هياخده غيري حتى
لو انتي اللي عايزة ده... سامعة؟"

1


قارعها أيوب بصوتٍ متملّك فأصابتها رجفة في سائر جسدها وهي تنظر إلى عينيه بضياع.

+


تركها تتخبط بين كلماته ونظرة عينيه القويتين القادرتين على سلب عقلها وليس أنفاسها فقط...

+


غادر حيث مكتب المصممين الذي يقضي فيه معظم ساعات عمله....مع ليان....

+


عند تلك الخاطرة تمردت على قلبها رافضة التراجع بينما ظهر جاسر أمامها ينادي على أيوب بسماجة...

+


"الجاتوه يا أيوب.... هو ماله؟"

+


خصها بالسؤال فنظرت إليه قليلاً ثم قالت بضيق مكتوم...

+


"جاسر لو سمحت امشي دلوقتي وكفاية
كده... "

+


سألها جاسر بشك...

+


"انتوا فيه حاجة بينكم ولا إيه؟...ما ترسيني"

+


هزّت رأسها قائلة قبل أن ترحل...

+


"مفيش حاجة بينا... زمالة شغل مش أكتر.. "

+


ثم تركته وغادرت مثل أيوب بينما بقي هو في البهو يشيّع رحيلها بملامح عابسة....
..............................................................
دلف إلى المكتب الخاص بالمصممين فكان فارغًا تمامًا مما أتاح له الانفجار وهو يلقي ما على سطح مكتبه أرضًا بعصبية وصدره يعلو ويهبط بغليان بينما عيناه حمراوان بشكلٍ مخيف....

+


ألقى السِّباب بصوتٍ عالٍ وهو يضرب على سطح المكتب بقبضتيه عدة مرات وحين استدار اصطدم بأحدهم وقبل أن يرفع عينيه شعر بحريقٍ في بطنه مما جعله يتراجع كاتمًا ألمه وهو ينظر إلى قميصه الأبيض الذي وقعت عليه القهوة الساخنة حين اصطدم
بـ...

+



        
          

                
نظر أيوب أمامه بغضبٍ أسود فأخذت ليان خطواتها إلى الخلف تتراجع بخوف بعد أن رأت كل هذا الغضب موجَّهًا نحوها دون 
قصدٍ منها.

+


فهي اقتربت منه بقلق بعد أن رأت عصبيته وقبل أن تكشف عن وجودها خلفه تحرك هو بنفس العصبية فانسكبت القهوة الساخنة
التي بين يديها عليه...

+


وضعت يدها على فمها شاهقة وهي تضع الكوب الفارغ جانبًا مقتربةً منه بحرجٍ شديد واعتذارٍ كبير...

+


"أنا آسفة... آسفة يا أيوب حقيقي مكنتش أقصد..."

+


"ولا يهمك... حصل خير..."

+


قالها وهو يبدأ بفك أزرار القميص فالاحتراق يشتد ألمًا على جلده.... فتح أزرار القميص كاملة ودون نزعه أبعد عن جلده الجزء الملطخ بالقهوة الساخنة....

+


"خليني آخده أنضفه ليك..."

+


ثم توقفت عن الحديث بحرج شاعرةً بالذنب وهي تنظر إلى الدائرة الحمراء في بطنه التي سببتها سخونة القهوة....

+


"أوف... دي احمرت..."

+


لمس أيوب الدائرة التي تسبب له ألمًا طفيفًا بعد فك أزرار القميص....

+


"هتروح... حصل خير..."

+


رمقت ليان الجزء المكشوف من جسده حيث يبرز صدره المشدود المتناثر عليه بضع الشعيرات....

+


عادت إلى عينيه قائلةً بخجل...

+


"أنا آسفة...أنا هنزل أجبلك مرهم للحروق يهدي وجعها..."

+


رفض أيوب وهو يمسك معصمها برفق...

+


"مش مستاهلة يا ليان خليكي... أنا كويس..."

+


توقفت ليان وعادت إليه تنظر إلى يده ثم 
إلى عينيه قائلةً برقة...

+


"إزاي بس يا أيوب....ثواني وجاية... هات قميصك بالمرة أبعته المغسلة..."

+


رفض أيوب وهو ينزع يده عنها بهدوء...

+


"بلاش تتعبي نفسك أنا معايا واحد هنا احتياطي..."

+


ابتسمت ليان مرجحةً...

+


"طب كويس جدًا... أقلع ده أوديه المغسلة والبس التاني عشان ما تبقاش كده..."

+


رد أيوب عليها برفق...

+


"هعمل كده بس هروحه البيت يتغسل..."

+


اعترضت بشدة وهي تقول بإصرار...

+


"أبدًا لازم أوديه المغسلة... اللي حصل لك ده بسببي...خليني أعوضك بحاجة بسيطة..."

+


"يا ليان الـ..."

+


قاطعته قبل أن يكمل بترجٍ....

+


"عشان خاطري يا أيوب... لو سمحت هات القميص..."

+


نظر إليها أيوب وحين رآها مُصرة على فعلها تافف وهو ينزع القميص عنه لتكتمل جاذبيته في عينيها بصدره العريض وذراعيه القويتين حتى معدته مشدودة بخطوطٍ رفيعة وكأنه يمارس الرياضة ليلًا ونهارًا.....

+



        
          

                
حتى تلك الندبة التي تحتل جانب عنقه تزيده جاذبية ونوعًا من الوحشية المحببة لدى النساء لا يُقاوَم....

+


أيوب عبد العظيم لا يُقاوَم لا شكلًا ولا شخصية فكلاهما له سحر فعَّال على 
القلوب....

+


بلعت ريقها مسيطرةً على مشاعرها فهي تنجرف بوقاحة في تفكيرٍ حوله وهذا غير لائق....

+


"ثواني وهجيبلك حاجة تدهنها للحرق ده عشان ما يزيدش عليك..."

+


أخذت منه القميص ثم رحلت من المكتب تاركةً الباب مفتوحًا خلفها...

+


وفي الممر رآتها نغم أثناء طريقها إلى مكتبها ولاحظت القميص بين يديها تقبض عليه 
وبين الحين والآخر تشم رائحته بجرأة...

3


رائحة تبعث عطره الجديد الذي تعلق في أنفها
في الأسفل حتى أصبح معروفًا لديها لذلك اندفعت غيرتها مجددًا وهي توقف ليان دون ترتيب لقول شيءٍ معين..مجرد رؤية ملابسه في يد أخرى وتشمها بهذا الشكل الحميمي تشعل في قلبها غيرةً حارقة...

+


"ليان..."

+


توقفت ليان مرتبكةً وهي تلاحظ وجود نغم أمامها فقالت بتحيةٍ فاترة....

+


"صباح الخير يا نغم..."

+


لم ترد نغم عليها بل ركزت على ما بيدها قائلةً باحتقان...

+


"إيه اللي في إيدك ده؟.."

+


قالت ليان وهي تقبض أكثر على القميص بتمَلُّك...

+


"ده قميص أيوب... هوديه المغسلة..."

+


لوت نغم فمها امتعاضًا والرد أشعل فتيل صبرها...

+


"وليه هتوديه المغسلة..."

+


ردت ليان بأسلوبٍ ملتوي...

+


"حاجة بسيطة... بلاش تشغلي بالك..."

+


تجهمت نغم أكثر وهي تشدد على الكلمات بغيظ...

+


"وليه ما أشغلش بالي إيه اللي خلاه يقلع قميصه وانتي تمسكيه كده..."

+


ظهر الاحتجاج في عيني ليان وهي تقول بحنق...

+


"ومالها مسكتي... وبعدين دي حاجة تخصنا مالهاش علاقة بالشركة..."

+


وصلت نغم إلى أوج غضبها وغيرتها عليه فقالت بعصبية...

+


"يعني إيه تخصكم؟!....وإزاي مالهاش علاقة بالشركة وانتي واقفة قدامي ماسكة قميصه... هاته كده..."

+


وقبل أن تصل إليه نغم أبعدته ليان عن مرمى يدها رافضةً بحدة...

+


"بعد إذنك... ما تدخليش بينا..."

+


ثم تحركت متابعةً طريقها بخطواتٍ غاضبة بينما بقيت نغم مكانها بملامح مشدوهة ونظرةٍ حارقة تنقلها بين ظهر ليان وبين المكتب الذي خرجت منه للتو والمفتوح في آخر الممر الواقفة فيه....

+


"ما أدخلش بينكم؟!..."

+


سمع فجأة الباب يُطرَق وعاصفة هوجاء تندفع نحوه فرفع عينيه إليها وهو ما يزال عاري الصدر وقميصه البديل بين يديه....

+



        
          

                
"في إيه... داخلة كده ليه... إنتي كويسة؟"

+


اقترب منها أيوب والقلق يقوده متناسيًا للحظة ما حدث في الأسفل....

+


أغلقت الباب عليهما بعنف ووقفت عنده بوقاحة تسأله:...

+


"إنتَ قالع هدومك كده ليه؟.... وليه هدومك مع ليان؟...."

+


ارتفع حاجب أيوب وهو يدقق النظر إليها بعينين ثاقبتين غير مستوعبتين غيرتها عليه وكأنها تملك الحق بعد ما آلت إليه علاقتهما...

+


"كنّا بنعمل عريس وعروسة... "

10


اتسعت عيناها مصعوقة من الجواب غير المتوقع منه لذلك نطقت اسمه باهتياج...

+


"إيييـوب..."

+


لوّح أيوب بيده قائلًا بضجر...

+


"مش هو ده اللي بيدور في دماغك... أنا بأكد عليه...يلا اطلعي بره وخدي الباب في إيدك"

+


اقتربت منه نغم بنزق كمن يتقدم من أرض المعركة دون حساب....

+


"بأي حق تكلمني كده وتطردني من شركتي؟"

+


نظر إليها بقوة ساخرًا....

+


"أنا بطردك من المكتب اللي أنا شغال فيه... وشركتك عندك... ارمحي فيها... "

1


ارتفع حاجبها بدهشة مزمجرة...

+


"ارمحي؟!.... حسّن الفاظك....ومتنساش
أنا مين.... "

+


قارعها بأسلوب فظ...

+


"فكّريني... لحسان الذاكرة بعافية حبتين... "

+


نظرت نغم إلى صدره العاري ثم إلى عينيه القويتين وقالت بغيرة....

+


"البس هدومك... هتبرد...وعشان محدش يشوفك كده..."

+


أخذ أيوب خطوات نحوهــا فتراجعت هي تلقائيًا للخلف بينما قال هو بمراوغة...

+


"أنا فعلًا بردان...قرّبي دفّيني... بتبعدي ليه؟"

2


علت وتيرة أنفاسها بشكلٍ ملحوظ وتوهجت وجنتاها خجلًا وغضبًا وهي تشعر بآخر خطواتها تنتهي عند الباب المغلق عليهما فأسندت ظهرها عليه بينما عيناها 
مأسورتان به....

+


"احترم نفسك... "

+


قالتها بصوتٍ مهتز من شدة خجلها بينما عيناها معلقتان بتلك الهالة الرجولية التي تحتويها دون لمسها وهذا ضربٌ من الجنون...

+


رأت بروز عنقه يتحرك والندبة القاسية في جانبه تضيف جاذبية مهلكة إلى هيئته....

+


أسند أيوب ذراعه بجوار رأسها فزادت سطوته على قلبها المرتجف وهو يميل عليها برأسه قائلًا بصوتٍ يملؤه الشوق....

+


"وحشني حضنك أوي.... "

+


تملصت منه بأعجوبة ومن أسفل ذراعه فرت كالدجاجة.....

+


"أيوب لو سمحت... متنساش إني اتقرا فاتحتي... "

+


انطفأ بريق عينيه وعادت الوحشية في نظراته وجاشت مراجله معقبًا بسخط....

+



        
          

                
"وطالما قريتي الفاتحة وراضية ومبسوطة أوي كده.... جاية لحد هنا ومحموقة كده ليه؟"

+


استدارت تحدجه بغضب ثم قالت بتهدج...

+


"عشان دي شركة محترمة... ومينفعش تبقى واقف بالشكل ده... وزميلتك خارجة بالقميص بتاعك في إيدها.... وبتشم فيه... "

+


اندهش أيوب قليلًا من آخر كلمتين فاستغلها لصالحه قائلًا....

+


"أكيد عاجبها البرفان الجديد...ما تقوليلي 
رأيك فيه... "

+


أخذ خطوة نحوها ومال عليها بعنقه لفرق الطول بينهما فقالت وهي تحاول الفرار مجددًا...

+


"ابعد عني... "

+


مسك أيوب ذراعيها وقد انكسرت قشرة الهدوء والمزاح على وجهه وهو يقول 
بصرامة متوعدًا....

+


"أنا سايبك براحتك... بس آخر ما أزهق هتعملي اللي يريحني أنا... "

+


نظرت إلى ذراعها بين يديه وقالت بتمرد...

+


"بأي حق تكلمني كده... وكأن اللي بينا صعب ينتهي بكلمتين... "

+


أكد بنظرة خطيرة وكأنه على وشك صفعها الآن....

+


"عشان دي الحقيقة.... وانتي عارفة إن اللي بينا مش هينتهي بالكلام... "

+


سألته عابسة...

+


"أمال هينتهي إزاي؟..."

+


رد أيوب بصوتٍ خشن عميق...

+


"مفيش طريقة... عشان اللي بينا مش هينتهي ومش بمزاجك تدخلي واحد بأف بينا عشان تضايقيني بيه..."

+


دون تفكير أجابته...

+


"زي ما انتَ بتضايقني بيها... "

+


رد عليها أيوب بعدم اكتراث وهو يرتدي قميصه....

+


"وضايقك ليه... مش محتاج أعمل كده... "

+


ردت بتهكم وهي تنظر إليه بعد أن ارتدى قميصًا آخر للتو...

+


"ما هو باين بدليل إنك واقف قدامي كده.. "

+


زفر أيوب بقلة صبر وهو يخبرها دون مراوغة أكثر....

+


"عشان القهوة اتكبت على القميص... واتلسعت... ارتاحتي؟"

+


ظهرت الدهشة جليه على محياها وهي تقترب منه في اللحظة التالية بقلق تتفحصه بعينيها كأم تفتش في صغيرها...

+


"اتلسعت فين؟..... وريني..."

+


أظهر أيوب الجزء المصاب من بطنه وهو يخفي ابتسامة تهدد بالخروج بينما قالت
هي بانفعال...

+


"الغبية... هي مش شايفة... دي دلقتها كلها عليك... "

+


رد أيوب تلقائيًا...

+


"غصب عنها.... "

+


رمقته ببغض قائلة....

+


"ما تدافعش عنها... اقعد لو سمحت... "

+



        
          

                
فعل كما أمرت مستمتعًا بتلك اللحظة النادرة بينهما وخوفها وحبها الظاهر للأعمى...

+


لماذا العناد يا سيدة الحب... وكل الحب ينبع منكِ لي... لي وحدي...

+


جلس أيوب مرتاحًا على مقعده بينما هي فعلتها للمرة الثانية بتلقائية يذوب معها
مغرمًا بها حد الضياع دونها....

2


كانت قد جلست على ركبتيها أمام سيد قلبها بينما يدها تفتش في حقيبة يدها عن شيء ما....

+


"استنى معايا حاجة في الشنطة هتهديها... "

+


بالفعل أبعدت القميص الذي لم تُغلق أزراره
بعد وبدأت في دهن الجزء المصاب بالحرق برفق..... تأوه أيوب عندما لمسه السائل البارد الذي تحوّل إلى نار على جلده...

+


مالت نغم عليه بحنان تنفخ في إصابته عدة مرات هامسة برقة....

+


"معلش هتلسعك شوية... بطهّر مكانه... "

+


ابتسم أيوب وهو يتأملها تتابع النفخ برقة 
دون كلل أو ملل...

+


"وحشتيني... "

+


همس بها أيوب بصوتٍ أجش وهو يلمس ذقنها بيده كي يرفع عينيها إلى مستوى عينيه...

+


خفق قلبها بين أضلعها بلوعة يتسابق مع أنفاسها المضطربة هامسة له بضعف...

+


"أيـوب...."

+


تحسّس أيوب بشرتها مكان مسكته وهو يقول بصوتٍ عميق اثار مشاعرها بقوة أشبه بصاعقة كهربائية ضربتها فجأة...

+


"متعنديش يا نغم.... انتي بتاعتي... حبيبتي
أنا ومفيش حاجة هتتغير بمزاجك أو غصب عنك..."

+


تمردت نغم برأسٍ أشبه بالفولاذ الصلب...

+


"أنا مش حبيبتك... انت محبتنيش انت كدبت عليّا وعملت دا كله أوامر من العزبي... "

+


انفعل أيوب في وجهها قائلًا بحدة...

+


"خلصنا من العزبي وابنه ومن القرف ده كله... انتي مصدقة نفسك؟... تحلفي بالله إنك واثقة إني مش بحبك؟... "

+


أومأت بلا أدنى تردد...

+


"واثقة والله..."

+


تجهم من ردها فقال بغلاظة....

+


"الله يسخطك قردة... وبرضه هتجوزك...
أصل قردة من بومة مفرقتش كتير..."

10


اتسعت عيناها بصدمة وهي تنهض عن الأرض بعصبية...

+


"أنا بومة!...طب ابقى روح للفراشة بتاعتك"

+


لحق بها أيوب وقبل أن تغادر مسك ذراعها وجعلها تستدير إليه بعنف قائلًا بقلة صبر...

+


"اسمعي... هما كلمتين ملهمش تالت... "

+


توقفت منتظرة القادم فأضاف أيوب مشددًا على الكلمات بشراسة....

+


"لو كملتي في السكة دي متلزمنيش...إيدك لو لبست خاتم راجل تاني يبقى اللي بينا انتهى بإيدك وانتي الجانية على نفسك...."

+



        
          

                
سألته...

+


"يعني إيه؟..."

+


قذف كلماته كالسهام في وجهها....

+


"يعني أنا عارف إنك واخداها عِند...وكنت 
فاكر مخك أكبر من كده وهتعرفي توزني الكلام وتحافظي على اللي بينا وطالما ده محصلش وحصل العكس...

+


"يبقى أنا يا بنت الناس مش غلطان في حقك أنا مش ناقصني حاجة عشان أرجعلك بعد ما تلفّي لفتك مع واحد غيري قدام عيني..."

+


حديث أصاب كرامتها في الصميم مما جعلها تزجره معترضة وهي ترفع حاجبيها بصدمة..

+


"إيه اللي انت بتقوله ده؟...."

+


استهزأ أيوب قائلًا بصوتٍ خافت متألم...

+


"وجعتك صح؟...طب وبالنسبة لوجعي يا بنت الذوات... مش واخداه في عين الاعتبار... "

+


ألجمها الرد والنظرة القاسية في عينيه فتابع أيوب بجدية شديدة...

+


"أنا لحد دلوقتي باقي عليكي وانتي اللي مش باقية على اللي بينا... ومصدقة الهبل اللي في دماغك وشيطانك عاميكي..."

+


أسبلت عينيها هاربة من نظراته وهي تتنهد بصوتٍ مسموع فأنهى أيوب الجدال بقرار لا رجعة فيه....

+


"قُصره هجبلك الناهية... لو إيدك مسكها راجل تاني غيري ولبستي خاتمه يبقى انتي مش لزماني...."

+


رفع كفها أمام أعينهما ثم تركه يسقط جانبها وهو يسترسل بتحذير....

+


"وفكري فيها كويس... عشان والله ما هرجع في كلامي يا نغم...حتى لو انتي اللي جيتي بنفسك بعدها...... انــســي... "

+


دخلت عليهما ليان في تلك اللحظة لترى تقاربهما الشديد والجو المشحون بينهما...

+


قطبت ما بين حاجبيها تنقل النظرات بينهما سائلة ببعض الغيرة...

+


"في حاجة يا أيوب؟...."

+


وقبل أن يجاوب أيوب على سؤال ليان بحقيقة وضعهما دون تردد حتى يؤكد للمجنونة أن قلبه ملك يدها ولم يخفق لغيرها....

+


تفاجأ بها تبتعد عنه بقوة مغادرة المكتب كالإعصار كما دخلت إليه منذ دقائق...

+


تلاقت عينا أيوب مع ليان بصمت....
................................................................
بعد أن انتهت من إعداد الطعام خصيصًا له أصناف يفضلها ساعدتها والدته على معرفتها أكثر باستثناء حساء الملوخية أحبت التنوع فيما يحب وفعلت ذلك....

1


بعدها أخذت حمامًا باردًا معطرًا برائحة الورد الفاخرة فأضحت رائحتها كالبتلات في جمالها وعبيرها...

+


جلست أمام مرآة الزينة تجفف شعرها الطويل برفق وعيناها مثبتتان على انعكاس صورتها حيث انتقت قميصًا من اللون الأحمر الناري قصيرًا فوق ركبتيها بحمالات رفيعة عند الكتف تخفي تفاصيلها بمئزر طويل من 
اللون نفسه....

+



        
          

                
ابتسمت شروق بإغواء وهي تبدأ في انتقاء أسلحتها الأنثوية الفتاكة غير قميصها الناري وشعرها الغجري الذي تركته بجنونه المعتاد.

+


رسمت حدود عيني الغزلان بالكحل العربي ومررت الحمرة النارية على شفتيها لتزيد خطورة الأمر وتضعف مقاومة الحبيب أمامها.

+


حبيبها يجب أن يخضع أمامها على الأقل يرفع راية السلام فهي تعبت من هجره لها فهو لأيام يشن الخصام عليها مكتفيًا بالخروج صباحًا والرجوع في منتصف الليل....

+


اليوم ملت الصمت عن الأمر ستخترق مساحته الخطرة وتفرض حضورها عليه.

+


تشير الساعة إلى الثانية والنصف ما زال لم يصل بعد....

+


تذكرت أنها حدثته عصرًا وادعت أهمية المكالمة معه حتى تحافظ على ماء وجهها فهي اشتاقت إلى سماع صوته الهادئ الوقور.

+


(في حاجة يا شروق؟..)

+


زمت فمها مغتاظة من رده فبرودة أعصابه في أيام الخصام تشعل فتيل صبرها وكأنها لا تعني له شيئًا....

+


"إنت كويس يـا شـيـخ؟.... "

+


قالتها بصوتٍ متردد بين طياته تستجدي عطفه واحتواءه لها....

+


أطلق تنهيدة طويلة مثقلة بالكثير وهو يخبرها بهدوء....

+


(بخير... إنتي كويسة؟)

+


ردت بصدق..... "لا..."

+


سألها ببعض القلق....(مالك؟)

+


تنهدت بعذاب وبصوتٍ أنثوي ملتاع 
قالت...

+


"وبتسأل كمان؟..... يعني مش عارف؟"

+


ازدرد صالح ريقه وهو يتنحنح قائلًا بخشونة واهتمام...

+


(ملك خلصت امتحاناتها؟)

+


مطت شفتيها تجيب بشكلٍ آلي...

+


"كان آخر يوم النهاردة..."

+


عاد يستفسر...

+


(وحلّت كويس؟..... سألتيها؟)

+


أكدت شروق بأمومة...

+


"كل يوم بسألها هي شاطرة ما شاء الله وطمنتني... إن شاء الله تجيب درجات كويسة..."

+


عاد يستفسر بهدوء...

+


(إن شاء الله ربنا ينجحها...أبرار وأمي بخير؟)

+


"كلهم بخير... ما عدا أنا..."

+


قالتها شروق بنبرة ناعمة تذيب الحجر فما بالك برجلٍ اشتاق إلى زوجته التي لم يتم على زواجهما أسبوعان....

+


تافف صالح بضجر مغتاظ من تلاعبها به وتأثيرها عليه....

+


(شـروق... أنا عندي شغل...)

+


امتقع وجهها بغيرة واندفعت كزوجة أبٍ لوهلة تقول بتذمر...

+


"بلاش تتهرب مني يا صالح... بنتك اللي هي بنتك بتكلم معاها عادي...اشمعنى أنا..."

+



        
          

                
زفر صالح عدة مرات قائلًا بقلة صبر...

+


(يا الله يا وليّ الصابرين..إنتِي عايزة إيه بظبط...؟)

+


أجابته بجرأتها المعروفة...

+


"عايزاك إنت... حرام تخصمني كل ده..."

+


حين لم تجد سوى الصمت إجابة قالت 
عابسة...

+


"ساكت ليه؟.... قول أي حاجة..."

+


رد بتجهم...

+


(مفيش حاجة عندي أقولها...)

+


سألته واجمة...

+


"يعني إيه؟..."

+


رد باقتضاب واضح...

+


(يعني لما أهدى هبقى كويس... اقفلي الموضوع وكفاية كده...)

+


أتاه صوتها باستهجان قوي...

+


"إنت ليه صعب في كل حاجة؟...حتى خصامك نار بتحرقني بيها..."

+


حوقل صالح قائلًا بصبر...

+


(لا حول ولا قوة إلا بالله... إيه الكلام ده يا بنت الناس...)

+


قالت شروق بتهدج من شدة انفعالها...

+


"دي الحقيقة يا شـيـخ...إنت بتعاقبني عشان خبيت عليك...مع إني ماكنتش أقصد أقلل منك كان في نيتي إنك هتعرف من صحاب الشأن وظهوري في الصورة ماكنش صح..."

+


تبرم صالح يقارعها بالقول...

+


(والصح إنك تظهري في الصورة قدامي بالشكل ده... مش كده...)

+


قالت بلوعة الشوق...

+


"شـيـخ صـالـح..."

+


أجابها وخفقات قلبه تتمحور حولها دون غيرها.....

+


(فكراني مبسوط بوضعنا ده...)

+


تشاركت مع الخفقات بتوله وهي تقول بصوتٍ خافت حزين....

+


"شكلك بيقول كده..."

+


رد عليها صالح بصوتٍ عميق...

+


(شكلي بيقول... بس اللي جوايا بيقول 
غير كده...)

+


سرى صوته على جسدها بقشعريرة حميمية قالت على أثرها بحرارة....

+


"هستناك النهاردة..."

+


رفض بخشونة...

+


(بلاش تستني.... نامي زي كل يوم...)

+


رفضت وهي تقول بجسارة...

+


"مش هنام هستناك... وخلي العاركة تبقى اتنين يا شيخ.... مش هتفرق كتير..."

1


هكذا انتهت المكالمة التي بدأتها دون أن تبدي سببًا حقيقيًا لها كل ما كانت تريده سماع صوته وإخماد نيران شوقها نحوه....

+


فاضطرم الشوق في قلبها بعد حديثهما المتبادل ما بين عتابٍ وشوق وجدت نفسها تشهر حربها معه 

+


إما أن يستسلم ويتركها تنعم بقرب أحضانه
أو يتركها تعلمه كيف يكون السلام فلا
بديل عندها بعد جفائه معها تلك الأيام....

+



        
          

                
سمعت صوت الباب يُفتح، فازداد نبض قلبها أكثر من الطبيعي لتفيق من شرودها على حضوره إليها....

+


أخيرًا أتى بعد صبرٍ عظيمٍ منها...

+


تركت كل شيء ونهضت لتفتح باب غرفتها تستقبل متحجر القلب... رأته يقف في صالة البيت يضع أكياس الفاكهة جانبًا....

+


لا يتوقف عن شراء ما يتاح في السوق عند عودته من العمل أحيانًا أنواع الفاكهة 
وأحيانًا حلويات شرقية... 

+


وأحيانًا ألعاب وعرائس لملك... وكما يجلب لها يجلب لوالدته وابنته فيصعد إليهما قبل أن يأتي هنا....

+


ورغم أن الوقت يكون متأخرًا ويكونان
نائمين يحرص على وضع كل شيء في الثلاجة مستخدمًا المفتاح حتى لا يوقظ والدته أو يقلقها....

+


في السابق جذبها كونه الشيخ التقي الوقور والآن يسحرها كليًا بكونه الزوج والأب 
الحنون المراعي...

+


لا يتوقف عن كونه رائعًا حتى في خصامه لا يُقاوَم...

+


ظلت واقفة مكانها شاردة فيه كمراهقة هائمة في أستاذها تراقبه من بعيد دون أن يلاحظ.

+


هذا ما تظنه فهو لاحظ وجودها ورفع عينيه الخضراوين عليها ليرى فتنةً نارية متحركة أمامه وشعرًا أسود قادرًا على إضاعته في موجاته الجامحة....

+


عيناها الكحيلتان قصيدة غزل وشفاهها خطيئة تشتهي السقوط فيها...عطرها القوي الذي وضعته يتوغّل إلى أنفه عطرًا يثيره بشكلٍ غريب...

+


بلع ريقه شاعرًا أنه الليلة سيكون فريسة سهلة السقوط... وللعجب لا يمانع !...

+


"حمد الله على السلامة..."

+


أصبحت الصورة كاملة بصوتها الناعم وجسارتها بالقرب منه...

+


عندما لم يرد عليها اقتربت شروق منه متوجسة....

+


"شـيـخ صـالـح..."

+


أين الشيخ؟... رحمة الله عليه..كان رمزًا للثبات حتى أصبح هو والثبات نقيضين لا يجتمعان مع وجودك !...

5


عاد يزدرد ريقه وعطرها الأنثوي يسحر حواسه. قال عابسًا بعدما أصبحت أمامه مباشرة...

+


"ليه صاحيـة لحد دلوقتي؟!.."

+


ركز في حركة شفتيها وهي تخبره..

+


"قولتلك في التليفون إني هستناك..."

+


زاد تجهمه وهو يقول...

+


"وأنا قولتلك بلاش تستنّي... ليه مش بتسمعي الكلام؟..... وبعدين..."

+


تململت شروق تستجدي عطفه بالقول...

+


"وبعدين معاك إنت... أنا مستنياك على العشا. ادخل خد دُشّ وغير هدومك وهتلاقي السفرة جاهزة..."

+


رفض صالح...

+


"مش جعان..."

+


قالت بنظرة حزينة...

+



        
          

                
"بس أنا ميتة من الجوع... ومذنبة نفسي عشانك..."

+


استنكر صالح...

+


"لا حول ولا قوة إلا بالله... ومين طلب منك تذنّبي نفسك..."

+


تأوهت بتعب حقيقي معترفة دون تردد...

+


"قلبي... قلبي اللي طلب يا صالح... الله يسامحه.... ممكن عشان خاطر أغلى حاجة عندك بلاش تنكد عليا وتاكل معايا...النهاردة على الأقل..."

1


نظر صالح إليها قليلاً وأمام الرجاء في عينيها الجميلتين لم يجد جدوى سوى أن يتحرك بهدوء صوب الحمام آمرًا بخشونة...

+


"طلعي ليا هدوم... واغسلي الفاكهة دي وحطيها جنب الأكل....."

+


"من عنيا..."

+


قالتها شروق بسعادة وهي تهرول إلى غرفته لتخرج ملابسه فهو لأول مرة ومنذ أيام لم يبادر بطلب شيءٍ منها يخصه....

+


فمن ضمن الخصام الذي يشنّه بينهما أن لا تفعل له شيئًا ولا حتى كوب شاي وكان هذا بمثابة عقاب كبير لها....

+


بعد لحظات خرج من الحمام ثم توجه نحو سفرة الطعام رآها تقف هناك تضع آخر طبق من يدها وهي تبتسم مشيرة إليه...

+


"الأكل جهز... يلا زمانك على لحم بطنك. خرجت من غير فطار الصبح..."

+


رد صالح وهو يسحب مقعدًا ويجلس عليه

+


"تسلم ايدك..... ليه تعبتي نفسك..."

+


قالت شروق بسعادة وهي تجلس على المقعد الآخر...

+


"عملت الأصناف اللي بتحبها عشان تاكل..."

+


رد صالح وهو يسمّي الله في سره مجيبًا
عليها بهدوء....

+


"أي حاجة من إيدِك كنت هاكلها... مش لازم الحفلة دي..."

+


أسعدها صدق حديثه فقالت بحنو...

+


"بالف لهنا.... مش هنرمي حاجة اطمن... هنطلع فوق منها ناكل منه تاني يوم عادي..."

+


بدأ صالح بالأكل وكان المذاق كالعادة يلعب على حواسه ويفتح شهيته أكثر...

+


"خد دي من إيدي..."

+


قالتها شروق وهي تقرب له قطعة من اللحم بيدها فنظر إليها وقال عابسًا وهو ينظر إلى يديه....

+


"ومالها إيدي أنا..."

+


ضحكت قائلة بحرج...

+


"زيادة الخير خيرين..."

+


تناول من يدها بهدوء ثم في اللحظة التالية سحب مقعدها من الأسفل نحوه أكثر. شهقت متفاجئة من حركته فرأته يقرب ملعقة الأرز من شفتيها مركزًا عينيه عليهما...

+


همست باسمه ثم فتحت فمها تتناول من يده بقلبٍ يرتجف بشوق العالم إليه....

+


"صــالــح..."

+


رد صالح بملامح ثابتة هادئة...

+


"كُلِي كويس عشان ما تقوليش إني مذنبك..."

+



        
          

                
تخضبت وجنتاها قائلة بنبرة أنثوية صادقة...

+


"مستعدة أتذنب من غير أكل وشرب طول عمري... بس ما تبعدش عني..."

+


نظر إلى عينيها وإلى العاطفة الفياضة فيهما والشوق حكاية تُكتب بينهما بالتساوي فكلاهما متعب من البعد...

5


"كده مش هنخلص أكل... افتحي بؤك..." 

+


قالها بصوت أجش وهو يطعمها من اللحم بيده استقبلتها بعينين تلمعان بالدموع... 

+


فالعودة إلى الديار بعد غربة أجمل شعور....

+


أطعمته هي أيضًا مستمتعة بشعور الألفة الذي عاد بينهما والحميمية التي تطفو على نظراتهما...

+


"خد إنت من إيدي دي الأول..."

+


بعد فترة جلس صالح على الفراش يمسّد على معدته الممتلئة شاعرًا بالتخمة بعد تلك الوجبة الدسمة الشهية...

+


"وكأني بقالي أيام ما كلتش..."

+


اقتربت شروق منه وبين يديها كوب
الشاي....

+


"بالف هنا... الشاي..."

+


وضعت الكوب جانبًا بينما ظل هو يتأملها بعينين تشتهيان قربها بعدما تخلصت من مئزرها وبقت بقميص نومها الناري وشعرها الأسود الغجري حرًا طليقًا على ظهرها...

+


"تعالي..."

+


سحبها من يدها حتى تقترب ففعلت صاعدةً على الفراش بجواره.... جلست ثم بذراعيه قربها أكثر حتى ارتاحت على صدره عائدة
إلى موطنها بعد هجر....

+


تنهدت بلوعة وقلبها يقرع بجنون بين أضلعها فهَمَسَت وهي تغلق جفونها بانسيابية....

+


"وحشتني..."

+


سمعت نبضه يعلو أسفل أذنيها كمضخة قوية تضربها وهو يشاركها الشعور بالرد عليها...

+


"وانتي كمان يـا شــروق..."

+


مسدت على صدره بيدها بنعومة قائلة بعتاب..

+


"هونت عليك تخصمني كل ده... وكنت ناوي تكمل لو ما كنتش استنيتك النهاردة..."

+


رد عليها وهو يميل على شعرها يشم رائحته الذكية الممزوجة بالورد ككل ما بها وكأنها معجونة منه....

+


"المحبة على قد العتاب..."

+


تبرمت غير راضية...

+


"يا سلام..."

+


ضمها صالح أكثر إليه قائلاً وهو يدفن أنفه في شعرها الرائع أكثر وكأنه مدمن عليها...

+


"مش مصدقة إنك الأقرب ليا...والمفروض أنا أكون أول واحد تجري عليه وتعرفيه باللي بيحصل..."

+


مرغت وجهها في صدره ورغم جدية الحديث إلا أن اشتياقهما كان أقوى....

+


"يا صـالـح ما أنا قولتلك في التليفون 
ماكنتش عايزة أظهر بالصورة دي..."

+



        
          

                
ثقلت أنفاسه مع حركتها المغوية...

+


"اللي حصل حصل ومش هنتكلم تاني فيه..."

+


رفعت عينيها عليه دون أن تبتعد...

+


"يعني مش زعلان..."

+


استنكر صالح بعد هذا الوضع بينهما...

+


"لو زعلان هاكل معاكي ليه... وهاخدك في حضني ليه دلوقتي..."

+


أكملت عنه قائلة...

+


"لا وكمان خلتني أطلعلك قبلها هدوم... وعملتلك الشاي..."

+


أومأ مبتسمًا وهو يقول بجدية...

+


"ده معناه إننا اتصفينا... بس أوعي تخبي عني حاجة تاني يا شروق...خليكي صريحة معايا حتى لو هنختلف أكيد هنوصل لحل في الآخر..."

+


وافقت على حديثه وهي تبتعد عنه ناظرة 
إلى عينيه بحب....

+


"حاضر... مش هخبي حاجة تانية أبدًا..."

+


مد صالح يده يداعب خصلة مموجة من شعرها سائلًا وعينيه تبحران فوق صفحة وجهها المليح...

+


"إحنا بقالنا كام يوم زعلانين..."

+


أجابته...

+


"تلات أيام..."

+


هز رأسه عابسًا وهو يقول بمداعبة...

+


"متأكدة... حاسس إنهم أكتر... إحلويتي فيهم بزيادة..."

+


ضحكت بخجل قائلة...

+


"بجد... بس أنا علطول حلوة..."

+


أجابها زافرًا بحرارة وهو يميل على عنقها 
يشم عبيرها أكثر...

+


"النهاردة أحلى من كل مرة... وبعدين إيه البرفان ده..."

+


أخبرته شروق دون مواربة بنظرة أنثوية
لئيمة...

+


"ده برفان مش بتحط منه غير الست المتجوزة بس..."

3


سألها مندهشًا بعد أن تأكد ظنه...

+


"وده اشترتي إمتى..."

+


قالت بابتسامة ذات مغزى...

+


"النهاردة..."

+


ضاقت عيناه وهو يشملها بنظرة ملتهمة...

+


"مبيتة النية يعني..."

+


أطلقت ضحكة أنثوية تشع فتنة معها أشرق صدره بمشاعر تضخ بقوة كقلبه الولهان....

+


"وطـلـع الـشـروق..."

1


نطق كلمتين لهما سحر خاص على قلبها فمعهما كانت بدايتهما ولن تكون لهما نهاية.

+


توقفت عن الضحك ناظرة إليه بعينين تشعان عشقًا خالصًا له بينما هو ضاع ضياعًا مقبولًا في عينيها البديعتين.... وفي غمرة الشوق 
مال على شفتيها خطيئة يشتهي السقوط بها

1


"محتاج أدفعك تمن التلات ليالي اللي نمتهم على الأرض... اعرفي إنك إنتي اللي جبتي لنفسك..."

1



        
          

                
همست باسمه بدلال يراه خلق لها وحدها...

+


"شـيـخ صـالـح..."

+


مال بضياع أكثر هامسًا بضعف قرب شفتيها على بُعد شعرة منها....

+


"صبر الشيخ نفد على إيدك...يا غزالة الشيخ..."

2


وكل هذا الجفاء والبعد الذي حدث خلال الأيام الثلاثة السابقة منه ما هو إلا واجهة كاذبة أضحت معالمها وحقيقة اشتياقه وعذابه في بعدها عندما غرق في بحر غرامها من جديد...
.................................................................
"كده خلصنا يا نغم.... إيه رأيك في الميكب؟"

+


ألقت هذا السؤال إحدى أكبر خبيرات التجميل المعروفات في مجالهما....

+


نظرت نغم إلى صورتها المنعكسة في المرآة بتأمل وجهها المتألّق بألوانٍ ناعمةٍ متناسقة تزيد جمالها دون تكلّف....

+


كذلك تسريحة شعرها أكثر من رائعة مع ثوب السهرة النيلي الذي اختارته لمناسبة الليلة.

+


خطبتها اليوم على جاسر العبيدي....

6


كلما رددت تلك الحقيقة بينها وبين نفسها شعرت ببوادر ندم وللحظة تفكّر في التراجع لكن صورة أخرى بجواره تشعل فتيل غيرتها فتسير بجموح إلى ما لا نهاية....

2


بعد لحظات غادرت خبيرة التجميل والمساعدون ثم تحرّكت هي وحدها
إلى الأسفل...

+


قد أُقيمت حفلة الخطبة في الفيلا وحضر الكثير من الضيوف في الأسفل من معارف وأصدقاء وموظفي العمل... أرسل جاسر الدعوة للجميع خصوصًا أيوب وهي متأكدة أنه لن يحضر....

1


تتمنى ذلك....

+


نزلت الدرج بخطوات رقيقة كالأميرة المتوَّجة. لفتت انتباه الجميع فهي ملكة الحفلة بلا منازع....

+


تهامس البعض حول جمال إطلالتها والثوب الأكثر من رائع الذي يلتف حول قَدّها بارزًا أنوثتها دون أن يكشف عن جسدها...

1


ظنّ الجميع أن الثوب من تصاميم جاسر العبيدي أو والدها لكن هناك من أخبرهم أنه تصميم أيوب عبد العظيم مصمم الأزياء الجديد في الشركة وهذه كانت دعاية كبيرة
لم تضعها في حساباتها....

+


فبالفعل الثوب النيلي من تصميم أيوب لكنه لم يصمّمه خصيصًا لها.... بل كان ضمن مجموعة مبهرة من تصاميمه في الشركة وهي اختارت الثوب ونُفِّذ في الشركة واحتفظت به دون أن تعرف في أي مناسبة سترتديه...

+


حتى أتت المناسبة وارتدته دون تفكير والآن وبعد الهمسات المتناثرة حولها علمت أنها تسرّعت في ارتداء تصميم له....

+


لكنها كانت نقطة كبيرة في صالح أيوب فبعض النساء الراقيات في الحفل أخذن رقمه متلهفات لتصميم قريب من ذلك مع بعض إضافة تفاصيل تناسب ذوقهن....

+


وصل الحديث إلى جاسر وهو يقف أسفل الدرج ينتظرها فامتلأ صدره بالحقد وتجهم وجهه فبدلًا من استغلال الفرصة للترويج في مناسبة كبيرة كتلك التي ترصدها الكاميرات والصحافة في كل مكان يحظى أيوب عبد العظيم بالدعاية الكبرى دون ترتيب....

+



        
          

                
ركز على نغم التي سببت تلك الفوضى من حوله فاستقبلها بابتسامة واسعة....

+


ردّت إليه البسمة وهي تضع يدها في يده وسار بها إلى الزاوية المناسبة لهما كي 
يراهما الجميع....

+


"زي القمر يا نغومة....مش مصدق إن كمان شوية هلبسك الخاتم... "

+


زاد عبوس وجهها وهي تشيح بعينيها عنه مجيبة بكلمات متحفظة ثم بدأت تستقبل التهاني من الحضور....

+


بعد دقيقتين انسابت الموسيقى الناعمة من حولهما فبدأ كل ثنائي في الحفل يتراقص على الأوتار الناعمة متعانقًا بحميمية....

+


كانت نغم تجلس بجواره على الأريكة صامتة هادئة تتابع الرقصة بعينين شاردتين في البعيد متذكرةً رقصة كتلك دون موسيقى على الرصيف المظلم في جو بارد ليلًا

+


وقتها كان الخطر خلفهما والمجهول يتربص لهما في الأمام وهما في المنتصف يتميلان
بشغف معًا دون أن يعيرا شيئًا اهتمامًا....

+


كان ضربًا من الجنون.... 

+


ليتها بقيت في تلك الأيام العصيبة كان سيظل هو أيوب حارسها الشخصي وهي نغم ابنة الذوات كما يلقبها والتي يحيطها الخطر من كل مكان وعليه أن يبقى لأجل الأوراق الخضراء كما أخبرها مرارًا.....

+


تغيرنا وتغيرت قناعاتنا حتى أصبحنا هكذا نقف في المنتصف مقيّدين بسلاسل وهمية تُسمى الكبرياء والعناد....

+


"تحبي ترقصي؟..."

+


قالها جاسر ينوي النهوض فرفضت نغم بسرعة وهي تقول....

+


"لا مش عايزة.... مش بعرف..."

+


هندم سترة الحلة حتى لا يلاحظ أحد عودته للجلوس ثم قال بعبث...

+


"معقول... على كده لازم أعلمك... "

+


رفضت واجمة...

+


"بعدين أصلي مش في المود..."

+


ارتفع حاجبه مستغربًا ردّها وهو يقول بجدية

+


"في يوم زي ده ومش في المود... معقولة
مالك يا نغم من ساعة ما قرينا الفاتحة وانتي متغيرة معايا...."

1


تململت نغم فهي تمارس الضغط على نفسها لإنهاء ما بدأته بنزق....

+


"هيكون مالي يعني.... أنا حاسة بس إن الموضوع جه بسرعة... فعشان كده... "

+


عاد جاسر يقنعها بملامح منزعجة فحديثها يشعره بأنه يفرض وجوده في حياتها...

+


"بس دي مجرد خطوبة تعارف زي ما قولتلك فبلاش تفضلي قافشة كده وفكيها معايا حبتين....ده انتي حتى مش بتبصي في
عيني وانتي بتكلّميني..."

1


أعرب عن ما يزيد ضيقه أكثر في آخر جملة فوضحت نغم وهي لا تطيل النظر إليه 
مجددًا....

+


"دي طبيعتي يا جاسر...مش ببص في عين
حد كتير وأنا بكلمه...."

+



        
          

                
بعد لحظات وقفت أمام منصّة عالية قليلًا وبدأت عدسات التصوير تسجل اللحظة
المهمّةوحيث وقفا أمام بعضهما وبدأ جاسر
بفتح العلبة الصغيرة ليظهر خاتم من الألماس
باهظ الثمن....

+


صفّق الحضور بينما رفعت نغم يدها بتردّد 
إليه فألبسها الخاتم ثم رفع يدها إلى مستوى
فمه وطبع قبلة صغيرة عليها...

+


في تلك اللحظة تحديدًا رفعت عينيها إلى زاوية معيّنة لتراه يقف هناك يرصد كل شيء بنظرة قاتمة متوحّشة....

+


انتفضت داخليًا برهبة وخزي من الموقف ومع ذلك حافظت على ثباتها حتى انتهت لحظة ارتداء الخواتم والتصوير مع الأقارب والأصدقاء.....

4


وقفت بالقرب من والدها تطبع القبل على
خده بينما هو يبارك لها أمام الحضور مبتسمًا
ابتسامة زائفة غير راضٍ عن تهوّرها في خطوة مهمّة كهذه.....

+


اقترب منها أيوب بعد أن رأى ما يكفي وامتلأ صدره بقتامة لن يمحوها ندم ولا مرور أعوام.

+


كان يرتدي طاقمًا عصريًا أنيقًا يبرز جسده الرياضي وجاذبيته المهلِكة لقلبها وبين يديه باقة ورد زرقاء فخمة لاقت مع ثوبها النيلي المبهِر.....

+


"مبروك يا نغم هانم...."

+


قالها برسمية شديدة وهو يقدّم لها باقة الورد
الرائعة.....

+


أخذتها منه كالمسحورة وعيناها لا تفارقان عينَيه القويّتين....

+


توجّه أيوب بالحديث إلى والدها قائلًا
بكياسة...

+


"مبروك لنغم يا كمال بيه...عقبال الفرحة الكبيرة... "

+


أومأ له كمال دون تبسّم....

+


بلعت نغم ريقها بصعوبة شاعرة باشتعال في حلقها بينما عاد إليها بعينيه يشملها بنظرة
تخترقها بعنف....

+


"الفستان كأنه معمول عشانك... "

+


قالت بغباء.... "ده تصميمك... "

+


زادت ابتسامته شراسة وهو يقول بصوتٍ
أجوف...

+


"مش محتاجة تقولي لي... محدش بيتوه عن حاجته.... "

+


شعرت أنّ الجملة تحمل في باطنها معنى أقوى
يعريها أمامه فلم يعد بينهما حجاب ساتر....

+


ثم أردف أيوب بنظرة قاسية...

+


"فكريني المرة الجاية أعملك فستان فرحك
هدية مني ليكي...."

+


وقبل أن تنطق جاء جاسر الذي وقف
بجوارها ظاهرًا في الصورة فجأة مجيبًا
بتعالٍ....

+


"هدية مقبولة يا أيوب بس نغم.... محدش هيصمّم فستان فرحها غيري... ولا إيه يا نغومة؟... "

1


التوى فك أيوب بسخرية وهو يرمقهما بقرف
نظرة أصابتها في مقتلها مما جعلها تشيح
بوجهها عنه مبتعدة دون تعليق....

1


فقال جاسر قبل أن يرحل ويتركهما....

+


"بعد إذنك يا أيوب خد راحتك.... وانبسط الحفلة لسه في أولها...."

+


"ليه جيت يا أيوب؟..."

+


لفظ هذا السؤال والدها الجالس على مقعده المتحرّك فنظر له أيوب قائلًا دون تعبير...

+


"جيت أشوف آخرِة اللي بينا... وادّيني شوفته..."

+


قال كمال بوجوم...

+


"نغم بتعاند نفسها... اصبر عليها."

+


رفض أيوب بكبرياء مطعون...

+


"مبقاش في بينا حاجة... وأكيد أنت ما ترضاش ليا وضع زي ده...."

1


تنهد كمال معترفًا...

+


"مفيش راجل يرضى بوضع زي ده بس مصيرها ترجع عن اللي في دماغها وتندم."

1


زادت نظرات أيوب قتامة وهو يقول...

+


"ساعتها مش هتلاقيني... كنت محطة في حياتها وعدّت...وهي كمان بالنسبة ليا كده."

+


لم يجادله كمال كثيرًا فالغد دوماً يحمل
المفاجآت....

+


"يمكن.... محدش عارف بكرة مخبي إيه."

+


أومأ له أيوب وهو ينظر حوله مرة أخيرة قبل
أن يتحرك. تساءل كمال...

+


"رايح فين؟..."

+


أجابه أيوب...

+


"عملت الواجب.... وماشي...."

+


استحسن كمال رحيله من هنا وهو يقول
بجدية...

+


"أتمنى الشغل اللي بينا ما يتأثّرش."

+


قال أيوب بصوتٍ هادئ...

+


"أطمن... أنا بقى الشغل هو رقم واحد دلوقتي... وأي حاجة تانية تتأجل."

1


شعر كمال بالفخر وكأنّه ينظر إلى صورة
منعكسة له في شبابه لكنها أكثر احترافية
ونضجًا لذلك صعودها سيكون أيسر منه...

+


"برافو يا أيوب... هو ده اللي أنا عايزه."

+


خرج أيوب من الباب أمام عينيها الحزينتين النادمتين اللتين تشيّعان رحيله من بعيد بينما باقة الورد التي أهداها لها تقبع بين ذراعيها تضمها إلى صدرها بعذاب....

11


وكل قصص الحب الرائعة تنتهي أمام كبرياء
مُصقَل بالعناد.....يتبع

1


دهب عطية

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close