اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل الثالث 3 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل الثالث 3 بقلم الكاتبة ام حمدة


الفصل الثالث - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
********************

مغمضة العينين، مسدله الجفنين، تنام على سريرها وقد غطت كامل جسدها ولم يظهر منها أي شيء، دخلت الجدة فطالعها الظلام ثم خرجت ودخلت غرفتها وأغلقت بابها واتجهت للحمام توضأت وصلت ركعتين قبل نومها، ودعت الله بقلب خاشع أن يعطي صغيرتها القوة والصبر وأن يحميها من كل شر ثم خلدت للنوم.
بعد خروج جدتها أزاحت الغطاء من على رأسها وتأملت سقف غرفتها، فنزلت دمعة يتيمة مسحتها وأغلقت عينيها وهي تردد لنفسها بأن هذا لا يهم، ونامت تغتصب عينيها وتلزمها بسلطانها وتأمرها بأن تدخلها لعالم الأحلام، فما كان منها سوى أن تمتثل لأوامر سيدتها وتأخذها لعالم تعرف بأنها ستكون الفائزة فيه دائما.
صدح صوت الآذان يعلن عن بزغ فجر يوم جديد، وصباح مشرق مليء بالأمل، استيقظت متعبة منهكة القوى كأنها لم تنم أبدا, ولم تذق عينيها الراحة، رمشت عدة مرات وصوته ينعش خلاياها الميتة ويجبرها على الحياة بأن هذا لا يهم، المهم هو الأرحم بها منهم, هو يعلم ما بها من ألم وحزن، هو الوحيد الذي يعلم ما يخبأه لها المستقبل، فبيده كل شيء، ورحمته واسعة، والدنيا زائلة، ويبقى وجهه الذي فطر السموات والأرض.
رددت خلف الآذان ثم نهضت بقوة وعزيمة ودخلت الحمام، اغتسلت وتوضأت ثم توجهت للقبلة بقلب خاشع، وصلت وسلمت نفسها للذي خلقها وتوكلت عليه .
خرجت بعد أن قرأت وردها من القرآن، ودخلت للمطبخ تعد طعام الإفطار وهي تدندن بلحن أغنية، بعد أن انتهت خرجت تسقي الزرع، وتتنفس الهواء العليل, ورياح خفيفة تداعب شعرها الأسود الطويل المسترسل على ظهرها بنعومة، يرفعه للأعلى ثم يحط على ظهرها فيغدوا كشلال من المياه السوداء.
حركت رأسها بكل اتجاه تتأمل المنزل الذي يتكون من طابق أرضي واحد يقع بالوسط، وتمتد حوله مساحة شاسعة من الأرض المزروعة بالأشجار والورود، تذكرت كيف كان المكان بالماضي...كانت أرض جرداء و بإلحاحها على جدتها بأن يقوموا بزراعة بعض المزروعات ليستغلوا المكان الخالي رضخت الجدة لما تريده، وكان اقتراحها في محله فقد أعطا المنزل جمالا ورونقا رائعا وفاحت حوله شذى الورود التي قامت بزراعتها بنفسها ونسقتها بشكل جذاب، وزرعت أيضا بعض فسائل النخيل بطريقة مرتبة، وبالجهة الآخر فرشته بحشائش خضراء وأحاطتها بشتلات من الورود وتركتها هكذا ليستطيعوا الجلوس عليها بعد فرش بساط ليتأملوا جمال المكان.
رفعت رأسها للسماء وشاهدت الشمس تتلألأ بنورها وتبزغ وتعلن عن دفئها لمن يحتاج إليها، أغمضت عينيها تنتشي بهذا اليوم الجميل والمنعش الذي أدفأ صدرها وأفرح قلبها .
خرجت الجدة وهي تهلل وتسبح، فأغلقت مريم صنبور المياه واتجهت لجدتها وسلمت عليها:
" صباح الخير أمي ".
" صباح النور يا بنتي، هل نمتي جيدا؟؟ ".
" نعم أمي، نمت كالأطفال ".
قالتها بتهكم، لم تهتم الجدة لردها وتغاضت عنه، فهي لا تريد فتح موضوع الحفل من جديد وتعرف مدى قوة ابنتها وعدم اهتمامها لحديث تلك العقربة.
تأملت مريم ثم قالت:
" أين حمود؟؟.. لم أره منذ البارحة؟؟ ".
" من يسأل عن شيخ الرجال ويبحث عنه، فقد وصل الآن ".
" تعال يا فتى فأنا لم أرك منذ الأمس ".
اقترب منهما وطبع قبلة على رأس جدته، ثم شقيقته وجلس بالقرب من جدته.
مد يده ورفع الغطاء عن الفطور وأطلق صفيرا عاليا وفرك يديه وعينيه تتحرك بنهم على أصناف الطعام المتنوعة.
" هل سيزورنا شخص ما؟؟ ".
" لا.. لما تقول هذا؟؟ ".
سألته مريم.
" لأني أرى وليمة من الطعام فاعتقدت بأن ضيوفا سيزوروننا، ولكن لا يهم فهذا الطعام كله لنا وحدنا ".
فأطلق ضحكة شريرة وهو يعود لفرك يده، ثواني وقد أطلق صرخة ألم من الضربة التي حطت على رأسه.
" أمي... لما ضربتني؟!.. أنا لم أفعل شيء بعد لكي أضرب!! ".
" هذه الضربة كي تتأدب يا ولد، فمن يراك الآن تتحدث عن الطعام سيعتقد بأنك لا تأكل أبدا وأننا نحرمك من الطعام "
" لا أقصد هذا يا أمي ولكن....".
قاطعته جدته:
" هيا يا حمود، تناول فطورك لنغادر، سنذهب للمزرعة ولا أريد التأخير ".
باشروا بتناول الطعام بأجواء مرحة من قبل محمد الفتى البشوش والمرح، والغضب من جدته التي تتوعده بالتأديب، وضحك مريم على مناوشاتهم إلى أن تحدث محمد وقاطع مرحهم:
" هل سمعت آخر الأخبار يا جدتي؟؟.. لقد أحضرتها طازجة ولم يعلم بها أحد بعد؟؟ ".
تحدثت معه جدته دون أن تعطيه أي اهتمام وهي تتناول طعامها.
" حمود.. تناول طعامك بسرعة سنتأخر ".
" يبدوا أنك لا تريدين الاستماع للأخبار الجديدة؟؟.. لكن سأقول، هل تعرفين أن سلطان سيتزوج!! ".
رفعت الجدة رأسها وتأملت من تجلس أمامها، ورأتها تتناول طعامها بهدوء وصمت، فتنهدت بضيق وقالت:
" وهل هذه أخبارك الطازجة؟؟ ".
" هل كنت تعرفين يا أمي؟؟ ".
هزت رأسها وقالت بأسف ظهر بصوتها:
" نعم... ".
" وهل أنت موافقة على هذا الزواج؟؟ ".
" ولما أرفض وهو قد اختارها!! ".
" لأنها مطلقة!! ".
نهضت مريم من مكانها وهي تحمد الله على نعمه.
" إلى أين يا مريم لم تنهي طعامك؟؟ ".
" لقد انتهيت يا أمي، وسأذهب لأجهز بعض الأشياء لنحملها معنا ".
أومأت الجدة برأسها وتحركت مريم، وللحظات شعرت برجفة تجتاح جسدها، فاحتضنت نفسها وتوقفت على عتبة الباب، والكلمة تتردد صداها... سيتزوج...
فأخذت أحداث الأمس تعود إليها كشريط سينمائي...
عندما دخلت غرفتها ووقفت جامدة بمنتصف غرفتها وعيونها تنظر لنقطة وهمية بالجدار، لا تعرف لما أثرت كلماتها وتغلغلت كالسم بين أوردتها وهذا ليس بجديد عليها, لطالما قذفتاها بأبشع الكلمات حينما تلتقيان، لكنها دائما ما تصدهما وينتهي الأمر كأنه لم يكن...
لكن هذه المرة شعرت باختلافها، بشيء تريد أن توصله لها بكلماتها المبهمة، أرادت أن تحط من قدرها، بأنها فتاة غير مرغوبة أبدا وعليها أن ترضى بأنصاف الرجال. خلعت عباءتها وتركتها تسقط على الأرض ثم انسلت شيلتها ووقعت على الأرض وخطت خطوات للأمام تريد الخروج فحلقها يشتعل بحرقة آلمتها كأن أشواك تغرز بداخل بلعومها، فأرادت شرب ماء ليطفئ جوفها وما كادت تخطوا خطوة واحدة حتى تعلقت قدمها بالهواء وهي تسمع تلك الكلمة التي كانت كخنجر سدد إليها، وطعنت عدة طعنات لترديها قتيلة مضجرة بدمائها.
سمعت رنة السعادة بصوته وهو يحدث جدته، فتصلب جسدها بمكانه يأبه الرحيل، يجبرها على الاستماع.
قالها بسعادة بالرغم من أن وجهه لم يظهر مظهر الفرح إلا أن صوته أوضح مدى سروره بهذا الارتباط.
تحركت الجدة من أمامه وجلست بمكانها المفضل واتكأت للخلف وأغمضت عينيها بحسرة، وتحدثت:
" لم أعهدك تخفي عني أمورك يا سلطان؟؟ ".
" جدتي لما تقولين هذا؟!! ".
" هل أنا آخر من يعلم برغبتك بالزواج من سلمى؟؟ ".
أخفض رأسه دليلا لصدق حدسها بأن الأمر قد انتهى ولن تستطيع فعل شيء.
" اذهب يا سلطان، وعد لحفلتك ".
" جدتي.. هل غضبتي؟؟.. أرجوك لا تغضبي، فأنا يهمني رضاك عني ".
" حقا!!.. والدليل على ذلك أنني آخر من يعلم ".
اقترب منها وطبع على رأسها وكفها قبلة.
" سامحيني يا جدة، أخطأت بحقك وأطلب العفو وأنا تحت يديك، إن لم تريدي مني أن أتزوج سلمى فلن أتزوجها ".
تأملته الجدة للحظات تعرف بأنه رجل يفي بوعده، إن قالت لا سيفعل، هزت رأسها بحزن وأسى وقالت:
" لا يا بني، لن أمنعك ممن تريد، لكن هل أنت متأكد من اختيارك؟؟.. وأنها المرأة المناسبة لتكون زوجتك؟؟ ".
صمت قليلا ثم أجاب:
" نعم، واثق مما أريده ".
" على بركة الله ".
أغلقت الباب ووضعت جبهتها عليه تستمد منه صلابته، لهذا قالت لها ( أم سلمى ) ما قالته، أرادت أن تخبرها بأمر زواج ابنتها من ابن عمها.
تراجعت للخلف وهمست لنفسها...
"وما شأني أنا بزواجه من أخرى؟؟"
لتنسل نبضة من بين خلجاتها تعلن عن رحيلها.
عادت لواقعها على نداء الخادمة فطالعتها بنظرات غائبة عن الواقع، فتحركت بعد أن نفضت رأسها وهي تحث نفسها على النسيان، فقد انتهى الأمر وهي تعرف هذا مسبقا وانزوت من بين شفتيها ابتسامة مريرة وقالت:
" ((الطيور على أشكالها تقع ))".
**************
مرت الأيام والشهور وأقبلت أيام أخرى تحمل البهجة والفرح للعائلة، وانتشر الفرح بالأجواء, وأعلن عنها بكل جريدة، وعلقت الألواح بالشوارع، فهذا فرح عائلة النعيمي وهي من أشهر العائلات في أبو ظبي، لنفوذها الكبير بين الإمارة وامتلاكها مشاريع وعقارات وأراضي تجارية.
وهذا زواج سلطان بن أحمد النعيمي الذي يعمل بسلك الاستخبارات الدولية، ويحمل رتبة عالية بالرغم من صغر سنه بسبب دراسته المتواصلة وحصوله على شهادة في القانون الجنائي، فما كان منه سوى أن ارتقى سلم النجاح وارتفع اسمه ليتردد صداه بجميع إمارة أبو ظبي.
علقت الزينة، وذبحت الذبائح، وجهزت الولائم، فهذا الزواج سيشهد عليه الجميع، وسيحضره أكبر الشيوخ والأمراء.
جلس متربع كرسيه بلباسه التقليدي بدشداشته البيضاء، وحمدانية على رأسه و
( العقال ) الأسود يتوسط رأسه، و ( البشت ) بيده، وابتسامه تتألق بوجهه زادت وجهه وسامة، يتوافد عليه الجميع يباركون له زواجه ويدعون له بالذرية الصالحة.
وبمكان آخر تألقت العروس بأبهى حلة بفستانها وطرحتها الطويلة التي تمسكان بها طفلتان صغيرتان، وابتسامة نصر توهج بها وجهها، فهي قد أصبحت حرم سلطان أحمد النعيمي.
جلست على كرسيها المذهب وتحيطه الورود الحمراء, وزين بشرائط من الساتان البيضاء بطريقة جميلة ومتناسقة،ونظرة الاستعلاء تطل من عينيها، بداخلها تعرف أنهم يتهامسون عنها كيف استطاعت أن توقعه بشباكها وهو الرجل العصامي وهي امرأة مطلقة, فتخبرهم نظراتها بالذكاء والحيلة ولمعت عيناها عندما تتذكر ما فعلته لتنال منه، فتتسع شفتيها شيء فشيء مهنئة نفسها بفوزها الساحق على بنات جنسها.
*********************
آلام جسيمة تشعر بها تسري بجسدها تكاد تفتك بها، قلبها ينبض بقوة يكاد يخرج من بين أضلاعها، تتألم، دموعها تنهمر على وجنتيها، وصدرها يعتصر وجعا، أصوات الموسيقى تصل لأذنيها فتزيدها سهدا، تحاملت على نفسها ونهضت بصعوبة، فتهالك جسدها على السرير الرطب المبتل من دموعها والعرق المتصبب من جلدها، كأن أحدهم سكب الماء على فراشها، ارتعشت أطرافها، وشعرت بالبرودة تنخر عظامها، فأنت بخفوت فهي لا تريد إخافة جدتها ولا تريد إفساد فرحتها بزواج سلطان.
رفرفت برموشها تزيح الدموع العالقة، فاستجمعت قواها ونهضت بصعوبة، أزاحت الغطاء من على جسدها ووضعت قدمها على الأرض, فشهقت بقوة من برودة الرخام على قدميها المشتعلتين من الحرارة، بحثت عن خفيها ووجدته وبعد جهد كبير ارتدته ووقفت، فشعرت بالغرفة تدور ويكاد السقف أن يقع عليها، فتراجعت للخلف وسقطت على السرير بوضعية الجلوس، أخفضت رأسها ووضعته بين كفيها وتناثر شعرها الطويل المبتل حول وجهها، وصوت أنفاسها اللاهثة تسمع بأرجاء الغرفة، حادثت نفسها وأنبتها بأن هذا ليس بوقت المرض، كان عليها أن تذهب للمستشفى بوقت شعورها ببداية مرضها، لكنها خمنت بأنها إنفلونزا وستختفي بسرعة كما هي العادة. لكنها لم تختفي بل زادت من أوجاعها، واجتاحت كامل جسدها وتكالب عليها الألم اليوم بالذات، هذا اليوم مهم للجميع.
سخرت بضيق فهذا زواج العصر، هزت رأسها وتمنت بعدها أنها لم تفعل فلقد عاودها الدوار، ظلت جالسة لدقائق ثم حاولت مرة أخرى النهوض ونجحت، فاتجهت للحمام بخطوات بطيئة، دخلت تحت رشاش الماء البارد بعد أن خلعت ملابسها أرادت أن تخفف من حدة الحمى التي أصابتها، فشهقت بصوت مرتفع للبرودة التي غطت جسمها وتمسكت بالجدار تستمد القوة منه وهي تتنفس بصعوبة وبسرعة كبيرة، لكنها وقفت صامدة تحت وطأة وجع الماء البارد.
خرجت من تحت الماء وهي تشعر بقليل من الانتعاش، ولفت جسدها بمنشفة كبيرة واتجهت نحو دولابها بخطوات متأنية خشية عودة الألم، بحثت عن فستانها الجديد الذي أصرت عليها جدتها أن ترتديه بالحفلة ورضخت تحت إصرارها بشرائه، وبغفلة من الجدة اشترت جلابية أخرى وهي ما سترتديها فيستحيل أن ترتدي ذلك الفستان " يستحيل أن تكون محط سخرية النساء!! ".
ارتدتها على مضض فلقد عاودها الألم، فتناولت حبتين من المسكن لعله يريحها مما تشعر به .
عادت للوقوف أمام مرآتها ودون أي تأمل لشكلها الشاحب بدأت برفع شعرها الأسود الطويل بشكل أنيق خلف رأسها وتركت غرتها تسقط بغزاره فوق جبهتها ثم كحلت عينيها بكحل أسود عربي بطريقة متقنة زادت من جمالها ووسعها، ولمسة خفيفة من ملمع الشفاه باللون الوردي الشفاف، وهذه المرة احتاجت لأحمر الخدود لتخفي اصفرار وجهها وتعطي الحياة لوجهها الشاحب.
تطلعت لشكلها ولم يعجبها ما رأت, فتناولت المنديل من على الطاولة ورفعته لتزيل ما وضعته، صرخة حادة باسمها أوقفت يدها بالهواء، فالتفتت لمصدر الصرخة ووجدت جدتها تقف عند الباب تتأملها، فزفرت والتفتت بكامل جسدها لجدتها.
" إياك أن تزيليه ولا تحاولي ثني !! هيا أظن أنك قد انتهيت، فالسيارة تنتظرنا بالخارج ".
" لكن أمي...".
لم تكمل جملتها فالفراغ هو ما طالعها، سحبت الهواء لرئتيها فشعرت بالقليل من الألم لكنها تستطيع أن تحتمله.
ارتدت حذاءها المسطح ثم عباءتها الخالية من الزينة ووضعت شيلتها المحددة بنقوش بسيطة على أطرافها غير ملفتة للنظر على رأسها وخرجت متجهة للسيارة.
" أمي... أين حمود؟؟ ".
" لقد ذهب منذ وقت طويل مع أبناء عمه ".
تطلعت إليها تدقق بها جيدا ثم سألتها:
" ما بك وما بال صوتك خشن، هل أنت مريضة؟؟ ".
" أنا بخير ولا أعاني من المرض ".
" هل تظنين بأنني عمياء؟؟ فأنا منذ فترة أراك تذبلين ووجهك غادرته الحياة؟؟ ".
ضحكت من قول جدتها بصوت مبحوح وتحدثت:
" أنت تبالغين أمي فأنا بخير، حسنا ربما هي نزلة برد أصابتني لكنني أشعر بأنني بخير ".
وعندما لم تسمع أي رد من جدتها، أعادت تأكيدها بقوة:
" صدقيني أنا بخير!! ".
تفرست بها الجدة للحظات بعيونها الحادة وهزت رأسها.
" الآن فقط سأتركك لأننا متأخرون،ولكن بيننا حديث آخر عندما نعود ".
هزت رأسها ودخلت السيارة وتحركت بهم للفندق الذي سيقام به حفل الزفاف.

ترجلت من السيارة ورفعت رأسها تتأمل الفندق الفخم والسيارات الغفيرة التي جاءت لتهنئ العروس والعريس بهذه المناسبة السعيدة، ارتجف جسدها من الهواء البارد الذي لفحها وشعرت بالألم يعاودها فيبدوا أن المسكن لم يقم بأفعاله العجيبة.
دلفت للقاعة التي زينت ببذخ وترف يظهر مدى ثراء العائلة وأغمضت عينيها للضوء الساطع، فعينيها لم تتحمل نوره.
فتحتهما على أصوات الترحيب بهما، سلمت وباركت لمن جاء يهنئ الجدة بزواج حفيدها المخضرم.
خلعت شيلتها وتركتها تتوسد كتفيها وتطلعت النسوة إليها بانبهار لجمالها، جمال لم تره هي، تحركت تسلم على من تعرفه بابتسامة اغتصبتها فخرجت باهتة، تجولت بالمكان بصعوبة والمرض شعرت به يفتك بجسدها الضعيف, فتقلص وجهها لموجة ألم كبيرة وتمسكت بأحد الكراسي بشدة تستمد صلابته لتكتم صوت أنينها الذي يكاد يفلت فتسطع صرختها بالمكان.
تنفست شهيق وزفير فلقد قرأت بأحد الكتب أن تتنفس بهدوء وأن تنسى الألم فكثرة التركيز فيه يزيده، تنفست إلى أن رحلت الموجة.
لاحقتها نظرات الجميع عيونهم مصوبة ناحيتها وبتلقائية مسدت جلابيتها الواسعة الخضراء المطرزة بخيوط ذهبية لظنها أنهم ينظرون لبدانتها فأسرعت بخطواتها ناحية الطاولة التي تجلس عليها جدتها
فجلست بصعوبة وبانت ملامحها التي تألمت من فعلتها فانحنت الجدة ناحيتها
" مريم حبيبتي هل أنت بخير؟؟ ".
" أنا بخير لا تقلقي ".
قالتها بصوت خافت متألم، لكن الجدة لم تصدقها فاقتربت منها أكثر وفتحت فمها تريد الحديث فقاطعتها إحدى المهنئات وانشغلت معها بحديث آخر أراح مريم، التي لا تعرف ما تقول لجدتها ما أن تعرف بمدى ألمها حتى ستأخذها للمشفى وتترك الحفل وهذا ما لا تريده، أن يتحدثوا عنها وينظروا إليها على أنها مفسدة الأفراح.
سمعت نداء جدتها باسمها تناديها، أرادت أن تصرخ باسمها فلم تستطع التفوه بحرف واحد، فتحت فمها ثم أغلقته، وشعرت بدبابيس تثقب حنجرتها فدمعت عينيها من شدة الألم, وضعت كفها على موضع الألم تشد عليه بقوة، لكن مع كل لمسة شعرت بها موجعه،ثم شعرت بطعم مر يسري بحنجرتها، فنهضت بسرعة وهي تضع يدها على فمها وتسرع بخطاها ناحية الحمام ودموعها تضفر من عينيها وتزامن ركضها بخروج العروس تتهادى بمشيتها على الممر بكامل جمالها فشاهد الناس خروجها ودموعها، ما أن ظهرت العروس فسرت الهمهمات بين الحضور ووصلت لأذني الجدة المذعورة لركض ابنتها، فنهضت تريد اللحاق بها، فأوقفتها والدة سلمى التي رأت بكاء مريم وابتعادها السريع ما أن لمحت ابنتها فأصابها الفرح وتقدمت تشمت فيها.
" ما بها مريم يا أم أحمد؟؟ ".
أرادت الجدة مقاطعتها، لكن أم سلمى واصلت إعاقتها من الذهاب خلف حفيدتها
" هذا نصيب يا أم أحمد، وأفهمي مريم بأن سلطان اختار ابنتي لتكون زوجته، وعليها الآن أن تزيله من ذهنها ".
صرخت الجدة باستنكار ضعيف فهذا ما كانت تخشاه، أن تكون ابنتها مريم متعلقة بسلطان لهذا هي حزينة منذ أن سمعت بخبر زواجه.
" أنت مخطئة بما تقولين؟؟ ".
" هذا ما تقولينه أنت؟!! اذا بما تفسرين بكاء مريم ما أن رأت ابنتي؟؟ ".
" مريم مريضة ".
" هل هذا عذرها؟!! أنها تشعر بالمرض!! ".
" لا أسمح لك بكلمة أخرى بحقها، والآن ابتعدي علي الذهاب للحاق بها ".
رفعت رأسها وانصدمت لرؤية التجمهر حولها، فهي لم تنتبه لصوتهما العالي, فأغمضت عينيها بحسرة فبالتأكيد سيسري هذا الخبر بين الحضور كالنار بالهشيم.
تحركت مسرعة بما تستطيع به عظامها الحركة باتجاه المكان الذي ذهبت فيه ابنتها، وفتحت الباب وتجولت عيناها بالمكان تبحث عنها والغضب والخوف ينهش صدرها لو كانت تلك هي الحقيقة!!
لحظات وخرجت مريم مترنحة, وأثار الدموع على وجهها، مدت يدها تمسك بمقبض الباب بقوة ونظرت للأمام بعيون زائغة، وهي ترى جدتها تتحدث إليها وتسألها عن شيء ما، والغضب يظهر على ملامحها، لم تسمع ما قالته فالطنين بأذنيها منعها من سماعها، وعينيها غشاها الظلام وبعدها أسلمت جفنيها، وسقطت مغشي عليها عند قدمي جدتها التي وقفت مصدومة مما حدث.

***************


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close