رواية ميراث الحنايا الفصل الثاني 2 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
المكان: بيت الحنايا – المجلس الداخلي
الوقت: قبل صلاة المغرب بقليلفهد ممدد على طاولة التغسيل،
جسمه ملفوف بـ كفن أبيض ناعم،
ملامحه هادئة... كأنه نايم بس.سارة واقفة فوق راسه،
بثوبها الأسود، وشالها على كتفها،
عجزت تجلس... كأن ركبها ترفض تنطوي،
بس قلبها؟ منثني من جوّا.الخادمة شريفة كانت عند الباب، تبكي وتهمس:
– "يُمّه هدّي... راح لمكان أرحم."الجدة سارة ما ردّت.
بس رفعت يدها، ومدّتها لجبينه،
ومسحت عليه برقة...
كأنها تحاول تحفظ ملامحه بعقلها.وقالت بصوت مكسور...:
"فهد...
يا سَتر هالعيلة...
وين كنت بتروح وتخليني؟""كنّا نتخانق ونرضى،
كنّا نختلف ونتلاقى،
بس عمري ما تصوّرت إنك تمشي قبلي."صمت لحظة، ثم همست:
"ليش ما ودعتني؟
ليش خليتني أفتح عيوني وما ألقاك؟"دمعتها نزلت... وحدة بس.
وكأنها خجلانة منها.شريفة قربت، حطّت يدها على كتفها وقالت:
– "كأنّه كان مستني أحد... ما طلع النفس الأخير إلا بعد ما طمن قلبه."
الجدة التفتت لها ببطء، وقالت:
"كان مستني وصيته.......
المكان: مدخل بيت الحنايا
الوقت: بعد صلاة المغرب مباشرة⸻
السماء تغرق في الظلمة شوي شوي،
وريحة المسك والهيل تطلع من باب المجلس،
والبيت واقف كأنه ينتظر شي ما بعد رجع له من سنين.سيارة سوداء فخمة وقفت قدام مدخل البيت الطيني.
نزل سلمان أول،
ثوبه رمادي غامق، شماغه ملفوف،
خطواته ثقيلة بس ثابتة...
ورأسه مرفوع، كأنه يقول: "أنا هنا... بس ناقص."نور نزلت وراه،
كعبها يدق على حجر المدخل،
عيونها تمشي بكل زاوية في البيت،
ما تغير فيها شي... إلا نظرة التعب اللي ما كانت موجودة قبل.ووراهم:
• علي (٢٠ سنة): ما طالع أحد، ماسك شنطة، ويمشي ورا أبوه بهدوء.
• أشواق (١٧ سنة): عيونها مليانة دمع، تمسك طرف عباية أمها، ومتحفزة تبكي.
• وهدان (١١ سنة): نازل من السيارة ببطء، يمسح عيونه بكم ثوبه، بس ما نطق ولا كلمة.سلمان وقف عند باب البيت، حط يده على جدار الطين، كأنه يلمس ذاكرته بيده.
ما قال شي... بس لحظته كانت كأنها تنهيدة خمسين سنة.نور همست:
"كلهم جوّا... حتى اللي ما يحبوننا."
ما رد.
بس قال:
"اللي جوّا... عيلتي."
ودخل.
وراه دخلت نور، وبعدها علي، ثم أشواق، وأخيراً وهدان...
وما كان فيه أحد عند الباب... بس الجدران نفسها تحسّبت لخطوتهم.
المكان: بوابة بيت الحنايا
الوقت: بعد المغرب – الجو بارد، والسماء مظلمة، والمكان ساكن
⸻
تاكسي رمادي قديم وقف قدام بوابة القصر الطيني.
بابه الخلفي انفتح...
ونزل سلطان أول،
واقفه ثابتة، عيونه تمشي بين الجدران كأنها تحفظ الوجع اللي فيهم.
لف على الجهة الثانية...
فتح الباب، ومد يده...
نزلت منيرة.
ثوبها أسود، عبايتها ملفوفة، ويدها ماسكة طرفها بشدة.
عيونها حمراء، ما فيها دموع زيادة... كأنها جفّت وهي بالطائرة.
مطلق نزل بعدها،
عمره عشرين،
صمته ثقيل، بس خطواته راجلة،
شايل شنطة صغيرة، يطالع أمه كل شوي، كأنّه خايف عليها تقع.
رزان نزلت آخر وحدة،
عيونها طايحة على البيت من أول ما قربوا...
قالت بهمس وهي تتمتم:
"ما تغيّر... كأنّه مجمد على نفس ريحته."
منيرة التفتت لها، همست:
"وإحنا اللي تغيّرنا."
سلطان وقف قدام الباب،
وشاف الحنايا مطفّية أنوارها من بعيد،
بس رغم كل الظلمة... حس إن فهد واقف هناك،
ينتظرهم... بنفس ابتسامته القديمة.
"ما كنا جاهزين ترانا، فهد..."
قالتها منيرة بصوت يكسر القلب.
وفتحت البوابة.....
ودخلوا.
المكان: المجلس الداخلي – بيت الحنايا
الوقت: بعد صلاة المغرب
⸻
سلمان مشى بخطوات ثقيلة داخل الممر الطويل،
كأن كل زاوية في البيت تقول له:
"ما عاد فهد هنا..."
وصل لباب المجلس، ووقف لحظة...
سمع صوت شريفة من داخل، تقول بهمس:
"يُمّه... خلاص يكفي، لا تنهارين قدامهم، ترى بيشوفونك ضعيفة."
دخل سلمان...
وشاف المشهد اللي خذله كل قوته.
فهد ممدّد على طاولة التغسيل، ملفوف بالكفن الأبيض،
وسارة، أمه، واقفة فوق راسه،
عيونها ساكنة... بس فمها يرتجف،
كأن كل الآيات اللي كانت تقراها طاحت منها.
هدى كانت جالسة جنب أمها، تحاول تهديها...
بس يدها ترتعش، ودمعتها تنزل بدون استئذان.
سلمان وقف عند الباب،
عيونه على كفن أبوه،
شفايفه تهمس:
"يا يمّه... وش اللي صار؟"
وما قدر يمسك نفسه...
ركبته ضعفت، ويده تغطي وجهه،
وانهار يبكي بصوت مكتوم، كأن كل صلابته تكسرّت بهاللحظة.
دخل وقتها ناصر من الجهة الثانية،
بجنبه نجلاء، ووراهم جوري.
جوري مسكت يد أمها بقوة، ونجلاء وقفت ورا ناصر...
ساكتة، بس عينها تدور على كل وجه بالمكان.
سارة رفعت راسها... وشافت نجلاء.
عين بعين.
صمت مر... طويل... كأن الدنيا كلها نطفت.
ولا أحد تكلم.
ولا أحد اعترض.
ولا أحد حتى عطاهم نظرة عتاب.
الجميع كان مكسور بما فيه الكفاية.
المكان: المجلس الداخلي
الوقت: بعد صلاة المغرب بلحظات
⸻
الجميع كان واقف حول فهد...
جثته المغسولة مغطّاة بالكفن الأبيض،
وفي حضن الحزن هذا... منيرة وصلت.
نزلت عيونها على كفن أبوها،
كأنها ما صدقت إلا لما شافته...
ركضت، جثت عند راسه،
وبكت، بكاء اللي فقدت جذرها.
"يمّه... وش قلنا؟ وش قلنا؟
كنت أجيك... والله كنت آجي."
انهارت، حطت جبينها على جبينه المكفن،
دموعها تقطر عليه... والوقت ساكن.
ناصر شاف أخوه سلمان طايح عالأرض يبكي، وركض له،
شاله بيدينه، وقال له:
"قوم... لا تخلّي أبوك يشوفك كذا، قوم."
جوري كانت واقفة ورا أمها نجلاء،
طالعِت البيت... الجدران، الحيطان، الأرض...
كل شي ما شافته من سنين.
عينها تمدعت...
بس ما نزلت دمعة...
إلا لما شافت صورة جدها فوق الطاولة.
رزان؟
كانت واقفة بعيد...
عيونها تدور في المكان،
ما تدري تحزن؟ تضايق؟ تنهار؟
لين صرخت "يمّه!" وركضت تبكي،
حضنت أمها منيرة بقوة... وقالت بصوت متكسر:
"ليش حسّيت إنّي أعرفه؟ وأنا ما أعرفه؟"
علي واقف بعيد...
عيونه ناشفة،
بس صوته داخل راسه يصيح.
سلمان شافه، وراح له، حط يده على كتفه وقال:
"خذ إخواتك... وادخلوا.
ما نبيهم يشوفون كل ذا..."
علي بس ناظر، وما تكلم، بس حرّك راسه،
وخدّه سحبه شوي بكمّه وهو ياخذ أشواق و وهدان ويمشيهم من المجلس.
وفي وسط كل ذا... صوت الجدة سارة ارتفع، حاد، واضح، مثل ما هي دايم:
"شريفة... أمل... نورة!"
"نضّفوا البيت، نضّفوا المجلس، ارجعوا المواعين، غيّروا الفرش."
"بيت الحنايا ما ينكسر،
حتى في عزّ موته، لازم يرجع نظيف،
جاينا ناس، وعندنا عزاء... نرجّع للبيت صرامته."
الخادمات تحركوا، كل وحدة بعين تدمع، والثانية تشيل وتكنس.
نجلاء واقفة بعيد،
ما قالت شي، بس عيونها علقت على سارة.
سارة التفتت...
العين في العين.
نظرة ما فيها عتاب،
ولا ترحيب،
ولا ندم...
نظرة ما أحد قدر يفسّرها.
حب؟
كره؟
حنين؟
ماحد يدري.
وبعد لحظات صمت... الكل وقف عند راس فهد،
وكل واحد رفع يده، وقال:
"اللهم اغفر له...
وارحمه...
وثبته عند السؤال."
الثالث من هنا
