رواية أصل وصورة الفصل الثاني 2 بقلم صافيناز يوسف
الحلقة الثانية
.
.
.
وقفت ليان عند مقدمة السفينة تتأمل البحر الممتد حولها علي مرمى البصر.. تأملها عاصم من مكانه علي احد المقاعد المتراصة علي سطح السفينة. . شعرها الاشقر المتطاير وثوبها الصيفي البسيط.. الابيض اللون ذو النقاط الحمراء المتناثرة عليه.. كانت تبدو كجنيات البحر التي طالما قصت عليه جدته قصتها.. راقبها بفضول وهي تستند علي السياج وتتأمل البحر بشرود .. اقترب منها احد اصدقاؤها.. فالتفتت له وعلي وجهها ابتسامة مرحة اسرته بجمالها. .
اما هي فقد كانت تتأمل البحر وتشكو له.. فرغم مظهرها المرح يمتلئ قلبها بالحزن.. لقد جرحت قلب شقيقتها رغما عنها.. هي دائما الفتاة المستهترة.. وليلى الصورة العاقلة.. ولكن هاشم بك والدها لم يسأل نفسه لماذا أصبحت هكذا.. لم يدر بخلده ولو لثانية واحدة انها تشتاق لوالدتها التي تراها مرة واحدة في العام.. انها كانت تتألم وهي تراه ينهار بعد ان هربت والدتها ماري منه وسافرت الي بلدها.. انها لامت نفسها اكثر مما لامها هو علي هروب ماري.. كانت في العاشرة عندما غادرتهم والدتها ودموعها في عينيها.. ظنت انها السبب ربما شقاوتها هي السبب.. اعتذرت منها.. وعدتها ان تكون هادئة كليلى ولكنها قبلتها قبلة اخيرة.. وحملت حقيبتها ورحلت في صمت..
والان هي تهرب .. تهرب من اثمها.. تهرب من نظرات شقيقتها المتهمة.. وعتاب والدها الحاد.. تهرب بهذه الرحلة مع مجموعة اصدقاؤها علي متن تلك السفينة التي ستقلها الي والدتها في فرنسا.. كان الامر كله مجرد رهان .. رهان احمق بينها وبين اصدقاؤها ان سامر لن يستطيع التمييز بينها وبين ليلى.. وبالفعل ارتدت ثوب من اثواب ليلى وصففت شعرها بنفس تسريحتها..
وذهبت لمقابلة سامر بعد ان اعطته ميعاد في احد الاماكن العامة.. ولكنه اخذها الي احد الاماكن المظللة .. وحاول تقبيلها. . عندها جاءت ليلى وصفعته وصفعتها..وانهت الخطبة .. وواجهتها وهي تبكي.. دوما كانت ليلى حائطها الصد ضد العقاب.. غالبا كانت تلام بدلا منها .. ولكن يومها رأت ليان في عينيها نظرة خيبة الامل.. ذكرتها بنظرة والدتها ماري وهي ترحل.. هنا أصرت ليان ان ترحل هي.. ربما تعيد هذه الرحلة حساباتها..
انتبهت من شرودها علي تربيت علي كتفها.. التفتت لتجد كريم صديقها وابن احد اكبر رجال الاعمال في البلد.. ابتسمت له وهي تقول: صباح الخير..
قال كريم وهو يشير بعينه الي عاصم: اتعرفين هذا الرجل..
نظرت ليان اليه وهي تضيق عينيها ثم قالت: نعم رأيته مرتين .. هل تذكر هو الرجل الذي ظنني اريد الانتحار..
وانفجرت في الضحك من هول الفكرة.. ابتسم كريم ثم قال: هذا الرجل هو الد اعداء ابي في مجال الاعمال.. يستحوذ علي نصيب كبير من الشركات والاسهم في كل المجالات التي تتوقعينها..
تأملته بفضول وهي تستمع لكلمات صديقها.. تساءلت هل يمكن لهذا الشاب ان يجابه اكبر رجال الاعمال وهو في سنه هذا..
قال كريم: لا تستخفي به.. فهو حذر للغاية .. ولا يمكن الايقاع به بسهولة..
نظرت له بتحد وهي ترفع حاجبها وتقول: حسنا لنقيم رهانا.. اراهنك اني استطيع الايقاع به قبل ان نصل فرنسا اي في خلال هذا الاسبوع..
نظر لها كريم باستخفاف وهو يقول: اراهنك بأنك لا تستطيعين..
قالت وهي تنظر في عينيه بتحد: واذا فزت..
قال كريم: حسنا ..اذا فزت سأعترف ببراعتك في مكبر الصوت في السفينة قبل ان نغادر مباشرة..
قالت ليان وقد تملكتها روح التحدي: اتفقنا..
...................................
راقبها عاصم من خلف نظارته الشمسية وهي تتحدث بحماس لرفيقها .. ثم صافحته.. كانت تبدو كشعلة من الحماس.. تساءل كيف تبدو هادئة هكذا وعلي وجهها مسحة الحزن تلك.. ثم تتبدل في لحظة لتتحول لشعلة من نشاط.. تركها الشاب اما هي فاستدارت .. كانت تبدو وكأنها تنظر اليه.. ارتسمت علي وجهها ابتسامة ماكرة اصابته بالارتباك.. اتراها شعرت بنظراته المختلسة لها..
رآها تتوجه اليه في ثقة.. ولكن شعر بنظراتها تتخطاه التفت ليجد صديقتيها التي كانت تركض خلفهما صباحا يلوحان لها وقد جلستا علي الارائك بجواره..
لوحت لهما بابتسامة.. وهي تخطو بجوار الاريكة التي يستلقي عليها صدمت قدمها في احدى قوائم الاريكة لتصيح وتسقط علي اريكته.. قام مسرعا يري ما اصابها..
اقترب منها لتتسلل لانفه رائحة البحر ممتزجة بعطر الزهور.. اغمض عينيه وقد لفه عطرها الرقيق.. ولكن تأوهها الرقيق انتزعه من شروده القصير..
خرج صوته اجش رغما عنه : ماذا حدث.. هل انت بخير..
انحت وامسكت قدمها وقالت وهي تتأوه برقة: اه.. ابدو كالحمقاء.. لقد صدمت قدمي في احد قوائم الاريكة..
قال وهو ينظر لشعرها المتدلي بجواره وكأنه يرجوه ان يعيده مكانه علي ظهرها : هل تأذت كثيرا.. يمكنك الاستراحة هنا ريثما احضر لك دهان للكدمات..
اعتدلت ونظرت له بأبتسامة : شكرا لك.. انت لطيف حقا..
كانت خصلات من شعرها قد تدلت علي وجهها فانشغلت بإزاحتها.. ود لو ازاحها هو .. ليتسنى له لمس تلك البشرة البيضاء المشربة بالحمرة.. قام مسرعا قبل ان يتهور ويقدم علي فعل قد يكون جزاؤه فضيحة في ارجاء السفينة. .
قال بصوت اجش وهو يقبض يده : ارتاحي هنا وسوف اذهب لاحضار دهان للكدمات..
همست وهي تسبل جفنها: شكرا..
استدار واسرع للداخل.. راقبته ريثما اختفي.. واشارت لفيفان ورضوى .. اتوا وهن يتضاحكن عليه.. غمزتها فيفان: يالك من ماكرة.. لقد اصبت الرجل بصاعقة كهربائية..
وضعت رضوي يدها قرب قدمها وهي تقلد ليان: اه يا قدمي..
فلكزتها ليان وهي تضحك.. وقالت: هل اخبركما كريم بأمر الرهان..
قالت فيفان: نعم ،ولكن انسيت نتاج اخر رهان..
غامت عينا ليان.. ثم قالت: الامر مختلف هنا..
هزت فيفان كتفها وقالت: فعلا المرة الماضية اذيت شقيقتك اما اليوم فستؤذين شخصا غريبا..
نظرت لها ليان وقد تطايرت شرارات الغضب من عينيها وهي تقول: وما شأنك انت..
قالت رضوى وهي تحاول تهدأة الامور: لا تغضبي لي لي.. فيفي تخاف عليك فقط.. فليس كل شيء نعقد عليه رهانا..
التفتت لها ليان وهي تقول: بل كل شيء في هذه الدنيا ليس مجرد الا رهان.. اربح او اخسر فيه.. رهان علي الصداقة .. علي الامومة.. علي الابوة.. علي القلوب.، علي الحب..
صمتت قليلا ثم استطردت وقد غامت عيناها بالدموع : كل شيء رهان.. فلماذا اترك احدهم ليقامر علي حسابي بينما استطيع انا ان اجعله موضع رهاني القادم ..
كادت فيفان ان ترد عليها عندما لمحت عاصم اتيا من بعيد حاملا كيسا من الثلج وعبوة دهان..
اقترب منهم وهو يلقي التحية بمرح.. جلس علي اريكة اخرى بجوارها وهو يمد يده بالدهان.. شكرته برقة.. وانحنت تدهن اصبع قدمها بهدوء.. ثم منحته ابتسامة رائعة وهي تقول: لا تقلق سأصبح بخير..
انزلت قدماها ووقفت ثم قالت هامسة: اشكرك مرة اخرى.. نتقابل قريبا..
قال بلهفة: ولكني لم اعرف حتى اسمك..
قالت بدلال وهي ترف عينيها: اسمي لي لي.. وانت..
قال بهدوء: عاصم..
قالت بابتسامة لطيفة: حسنا الى اللقاء يا عاصم..
وتأبطت ذراع احدي صديقتيها وغادرته وقد تركت بداخله تساؤلات واعجاب وحذر بدأ في التلاشي..
........،،...............................................
دخلت ماري من باب المنزل بعد يوم عمل طويل.. كانت تحمل مشترياتها لاسبوع.. وضعتها علي الطاولة في المطبخ.. وتأوهت وهي تجلس علي المقعد في تعب.. نظرت الي المنزل الفارغ حولها.. يوما ما كان يضج بضحكات طفلتين رضيعتين.. قبل ان يصر هاشم علي العودة بهما الي مصر وتضطر للعودة معه مرغمة.. تاركة بلدها وعملها .. لتبدأ من جديد في بلد غريب عنها تحت ظروف غير مواتية بالمرة.. ولكن قدرتها علي الاحتمال تقلصت مع تناقص اهتمام هاشم بها.. فهاشم حبيبها الذي عشقته يوما ورضيت ان تتزوجه رغم اختلاف الاعراق والأديان اهملها.، جعلها تتمني ان تختفي من حياته ربما يشعر بها.. تحول لرجل شرقي صرف.. كل اهتمامه بعمله وعمله فقط.. اما الزوجة فهي للبيت وتربية الاولاد وفقط..
حاولت مرارا اشعال جذوة الحب في قلبها قبل ان تنطفئ.. اعدت له العشاء الرومانسي والمفاجآت وغيرها ولكنه كان دوما مرهقا من العمل.. كان مصرا علي اطفاء جذوة الحب في قلبها لتتحول الي اعتياد او عشرة او ما شابه.. ولكنها لم تكن ترضى الا بالحب والحب فقط.. لا تقبل بانصاف الحلول ابدا.،
وعندما اتمت بناتها العاشرة.. قبلتهما وتركت البيت ودموعها علي وجنتيها.. ثار وهاج وماج.. ثم هدأ وتوسل اليها ان تعود ولكنها كانت تعلم انها ان عادت ستعود لما كانت عليه.. صمت اذنيها عن توسلاته الكثيرة واصرت علي الرحيل والفراق.. واليوم بعد عشرسنوات كاملة تشعر بالخواء بدونه وبدون بناتها الحبيبات.. قاطع شرودها صوت الهاتف.. انتفضت فلم يكن احدا عادة يتصل بها علي هاتف المنزل.. فهو دوما صامت..
اسرعت اليه وقالت بتردد: مرحبا..
قال هاشم بالفرنسية: هل ليان عندك يا ماري..
تسارعت دقات قلبها لدى سماعها لصوته.. حاولت تمالك نفسها وهي تقول : ليان.. ماذا تقصد.. اهي ليست عندك..
صاح هاشم : لقد سافرت بدون علمي وتركت لي خطابا انها ستذهب اليك وهذا منذ يومين..
تعرقت يدا ماري حتي كاد الهاتف ينزلق من بين يدها وقالت بتوتر: لا لم تأت بعد..
تنهد هاشم وقال: حسنا ربما ركبت سفينة فكما تعلمين هي تخشى ركوب الطائرات كثيرا. . عندما تصل ابلغيني..
همهمت ماري: حسنا..
قال هاشم بحنو: كيف حالك ماري..
ارتجفت ماري وهي تسمع نبرة الحنان في صوته .. ماذا تقول له.. اتقول انها ما زالت وحيدة.. تشعر بالخواء بدونه.. انها خلال العشر سنوات حزمت حقائبها آلاف المرات لتعود اليه ولكن منعها كبرياؤها في الحظة الاخيرة.. وكبرياؤها المأفون هذا هو ما دفعها لتقول له الآن: انا بخير حال هاشم .. كيف حالك انت. . وليلى..
قال هاشم بحزن: ليلى تمر بفترة عصيبة يا ماري.. فترة تحتاج فيها الي والدتها لتقف معها.. ليلى تحتاجك يا ماري..
اغمضت ماري عينيها وهي تتنهد بحزن.. فقد كانت ليلى جافة المشاعر كوالدها.. لم ترضى يوما ان تأتي اليها كما تفعل ليان.. بل فضلت ان تمكث مع والدها.. ليلى النسخة الشرقية منها حاكمتها وادانتها ..
قالت ماري بحزن: هل يمكن ان تجعلها تأتي الي..
قال هاشم وهو يقبض يده بشدة: لا لن تأتي اليك وانت تعرفين ذلك ماري.. ليلى لا تعتبرك والدتها اصلا.. لا تذكرك بالخير او بالشر.. هي تعتبرك غير موجودة اصلا ماري.، وانت لا تريدين ان تأتي لتريها وهي في امس الحاجة اليك.. أشعر انها كانت محقة.. وداعا ماري ولا تنسي ان تجعلي ليان تحدثني عندما تصل فلي حديث طويل معها..
انهي المكالمة بحدة.. لتنظر هي الي الهاتف في يدها بحزن.. فمازال طبعه كما هو.. مازال يحاكم ويدين ويصدر الاحكام من مجرد بضع كلمات تفوهت بها.. لم ينتظر ان تدافع عن نفسها. . ان يتفهم دوافعها ولكن هيهات هذا هو هاشم.. مثال الرجل الشرقي المتعجرف..
تركت المطبخ بعد ان وضعت مشترياتها مكانها .. لم تتناول غداءها فقد فقدت شهيتها.. ودخلت الي غرفتها تستلقي وهي تفكر فيه كما تفعل في كل لحظة فراغ في حياتها..
.
.
.
وقفت ليان عند مقدمة السفينة تتأمل البحر الممتد حولها علي مرمى البصر.. تأملها عاصم من مكانه علي احد المقاعد المتراصة علي سطح السفينة. . شعرها الاشقر المتطاير وثوبها الصيفي البسيط.. الابيض اللون ذو النقاط الحمراء المتناثرة عليه.. كانت تبدو كجنيات البحر التي طالما قصت عليه جدته قصتها.. راقبها بفضول وهي تستند علي السياج وتتأمل البحر بشرود .. اقترب منها احد اصدقاؤها.. فالتفتت له وعلي وجهها ابتسامة مرحة اسرته بجمالها. .
اما هي فقد كانت تتأمل البحر وتشكو له.. فرغم مظهرها المرح يمتلئ قلبها بالحزن.. لقد جرحت قلب شقيقتها رغما عنها.. هي دائما الفتاة المستهترة.. وليلى الصورة العاقلة.. ولكن هاشم بك والدها لم يسأل نفسه لماذا أصبحت هكذا.. لم يدر بخلده ولو لثانية واحدة انها تشتاق لوالدتها التي تراها مرة واحدة في العام.. انها كانت تتألم وهي تراه ينهار بعد ان هربت والدتها ماري منه وسافرت الي بلدها.. انها لامت نفسها اكثر مما لامها هو علي هروب ماري.. كانت في العاشرة عندما غادرتهم والدتها ودموعها في عينيها.. ظنت انها السبب ربما شقاوتها هي السبب.. اعتذرت منها.. وعدتها ان تكون هادئة كليلى ولكنها قبلتها قبلة اخيرة.. وحملت حقيبتها ورحلت في صمت..
والان هي تهرب .. تهرب من اثمها.. تهرب من نظرات شقيقتها المتهمة.. وعتاب والدها الحاد.. تهرب بهذه الرحلة مع مجموعة اصدقاؤها علي متن تلك السفينة التي ستقلها الي والدتها في فرنسا.. كان الامر كله مجرد رهان .. رهان احمق بينها وبين اصدقاؤها ان سامر لن يستطيع التمييز بينها وبين ليلى.. وبالفعل ارتدت ثوب من اثواب ليلى وصففت شعرها بنفس تسريحتها..
وذهبت لمقابلة سامر بعد ان اعطته ميعاد في احد الاماكن العامة.. ولكنه اخذها الي احد الاماكن المظللة .. وحاول تقبيلها. . عندها جاءت ليلى وصفعته وصفعتها..وانهت الخطبة .. وواجهتها وهي تبكي.. دوما كانت ليلى حائطها الصد ضد العقاب.. غالبا كانت تلام بدلا منها .. ولكن يومها رأت ليان في عينيها نظرة خيبة الامل.. ذكرتها بنظرة والدتها ماري وهي ترحل.. هنا أصرت ليان ان ترحل هي.. ربما تعيد هذه الرحلة حساباتها..
انتبهت من شرودها علي تربيت علي كتفها.. التفتت لتجد كريم صديقها وابن احد اكبر رجال الاعمال في البلد.. ابتسمت له وهي تقول: صباح الخير..
قال كريم وهو يشير بعينه الي عاصم: اتعرفين هذا الرجل..
نظرت ليان اليه وهي تضيق عينيها ثم قالت: نعم رأيته مرتين .. هل تذكر هو الرجل الذي ظنني اريد الانتحار..
وانفجرت في الضحك من هول الفكرة.. ابتسم كريم ثم قال: هذا الرجل هو الد اعداء ابي في مجال الاعمال.. يستحوذ علي نصيب كبير من الشركات والاسهم في كل المجالات التي تتوقعينها..
تأملته بفضول وهي تستمع لكلمات صديقها.. تساءلت هل يمكن لهذا الشاب ان يجابه اكبر رجال الاعمال وهو في سنه هذا..
قال كريم: لا تستخفي به.. فهو حذر للغاية .. ولا يمكن الايقاع به بسهولة..
نظرت له بتحد وهي ترفع حاجبها وتقول: حسنا لنقيم رهانا.. اراهنك اني استطيع الايقاع به قبل ان نصل فرنسا اي في خلال هذا الاسبوع..
نظر لها كريم باستخفاف وهو يقول: اراهنك بأنك لا تستطيعين..
قالت وهي تنظر في عينيه بتحد: واذا فزت..
قال كريم: حسنا ..اذا فزت سأعترف ببراعتك في مكبر الصوت في السفينة قبل ان نغادر مباشرة..
قالت ليان وقد تملكتها روح التحدي: اتفقنا..
...................................
راقبها عاصم من خلف نظارته الشمسية وهي تتحدث بحماس لرفيقها .. ثم صافحته.. كانت تبدو كشعلة من الحماس.. تساءل كيف تبدو هادئة هكذا وعلي وجهها مسحة الحزن تلك.. ثم تتبدل في لحظة لتتحول لشعلة من نشاط.. تركها الشاب اما هي فاستدارت .. كانت تبدو وكأنها تنظر اليه.. ارتسمت علي وجهها ابتسامة ماكرة اصابته بالارتباك.. اتراها شعرت بنظراته المختلسة لها..
رآها تتوجه اليه في ثقة.. ولكن شعر بنظراتها تتخطاه التفت ليجد صديقتيها التي كانت تركض خلفهما صباحا يلوحان لها وقد جلستا علي الارائك بجواره..
لوحت لهما بابتسامة.. وهي تخطو بجوار الاريكة التي يستلقي عليها صدمت قدمها في احدى قوائم الاريكة لتصيح وتسقط علي اريكته.. قام مسرعا يري ما اصابها..
اقترب منها لتتسلل لانفه رائحة البحر ممتزجة بعطر الزهور.. اغمض عينيه وقد لفه عطرها الرقيق.. ولكن تأوهها الرقيق انتزعه من شروده القصير..
خرج صوته اجش رغما عنه : ماذا حدث.. هل انت بخير..
انحت وامسكت قدمها وقالت وهي تتأوه برقة: اه.. ابدو كالحمقاء.. لقد صدمت قدمي في احد قوائم الاريكة..
قال وهو ينظر لشعرها المتدلي بجواره وكأنه يرجوه ان يعيده مكانه علي ظهرها : هل تأذت كثيرا.. يمكنك الاستراحة هنا ريثما احضر لك دهان للكدمات..
اعتدلت ونظرت له بأبتسامة : شكرا لك.. انت لطيف حقا..
كانت خصلات من شعرها قد تدلت علي وجهها فانشغلت بإزاحتها.. ود لو ازاحها هو .. ليتسنى له لمس تلك البشرة البيضاء المشربة بالحمرة.. قام مسرعا قبل ان يتهور ويقدم علي فعل قد يكون جزاؤه فضيحة في ارجاء السفينة. .
قال بصوت اجش وهو يقبض يده : ارتاحي هنا وسوف اذهب لاحضار دهان للكدمات..
همست وهي تسبل جفنها: شكرا..
استدار واسرع للداخل.. راقبته ريثما اختفي.. واشارت لفيفان ورضوى .. اتوا وهن يتضاحكن عليه.. غمزتها فيفان: يالك من ماكرة.. لقد اصبت الرجل بصاعقة كهربائية..
وضعت رضوي يدها قرب قدمها وهي تقلد ليان: اه يا قدمي..
فلكزتها ليان وهي تضحك.. وقالت: هل اخبركما كريم بأمر الرهان..
قالت فيفان: نعم ،ولكن انسيت نتاج اخر رهان..
غامت عينا ليان.. ثم قالت: الامر مختلف هنا..
هزت فيفان كتفها وقالت: فعلا المرة الماضية اذيت شقيقتك اما اليوم فستؤذين شخصا غريبا..
نظرت لها ليان وقد تطايرت شرارات الغضب من عينيها وهي تقول: وما شأنك انت..
قالت رضوى وهي تحاول تهدأة الامور: لا تغضبي لي لي.. فيفي تخاف عليك فقط.. فليس كل شيء نعقد عليه رهانا..
التفتت لها ليان وهي تقول: بل كل شيء في هذه الدنيا ليس مجرد الا رهان.. اربح او اخسر فيه.. رهان علي الصداقة .. علي الامومة.. علي الابوة.. علي القلوب.، علي الحب..
صمتت قليلا ثم استطردت وقد غامت عيناها بالدموع : كل شيء رهان.. فلماذا اترك احدهم ليقامر علي حسابي بينما استطيع انا ان اجعله موضع رهاني القادم ..
كادت فيفان ان ترد عليها عندما لمحت عاصم اتيا من بعيد حاملا كيسا من الثلج وعبوة دهان..
اقترب منهم وهو يلقي التحية بمرح.. جلس علي اريكة اخرى بجوارها وهو يمد يده بالدهان.. شكرته برقة.. وانحنت تدهن اصبع قدمها بهدوء.. ثم منحته ابتسامة رائعة وهي تقول: لا تقلق سأصبح بخير..
انزلت قدماها ووقفت ثم قالت هامسة: اشكرك مرة اخرى.. نتقابل قريبا..
قال بلهفة: ولكني لم اعرف حتى اسمك..
قالت بدلال وهي ترف عينيها: اسمي لي لي.. وانت..
قال بهدوء: عاصم..
قالت بابتسامة لطيفة: حسنا الى اللقاء يا عاصم..
وتأبطت ذراع احدي صديقتيها وغادرته وقد تركت بداخله تساؤلات واعجاب وحذر بدأ في التلاشي..
........،،...............................................
دخلت ماري من باب المنزل بعد يوم عمل طويل.. كانت تحمل مشترياتها لاسبوع.. وضعتها علي الطاولة في المطبخ.. وتأوهت وهي تجلس علي المقعد في تعب.. نظرت الي المنزل الفارغ حولها.. يوما ما كان يضج بضحكات طفلتين رضيعتين.. قبل ان يصر هاشم علي العودة بهما الي مصر وتضطر للعودة معه مرغمة.. تاركة بلدها وعملها .. لتبدأ من جديد في بلد غريب عنها تحت ظروف غير مواتية بالمرة.. ولكن قدرتها علي الاحتمال تقلصت مع تناقص اهتمام هاشم بها.. فهاشم حبيبها الذي عشقته يوما ورضيت ان تتزوجه رغم اختلاف الاعراق والأديان اهملها.، جعلها تتمني ان تختفي من حياته ربما يشعر بها.. تحول لرجل شرقي صرف.. كل اهتمامه بعمله وعمله فقط.. اما الزوجة فهي للبيت وتربية الاولاد وفقط..
حاولت مرارا اشعال جذوة الحب في قلبها قبل ان تنطفئ.. اعدت له العشاء الرومانسي والمفاجآت وغيرها ولكنه كان دوما مرهقا من العمل.. كان مصرا علي اطفاء جذوة الحب في قلبها لتتحول الي اعتياد او عشرة او ما شابه.. ولكنها لم تكن ترضى الا بالحب والحب فقط.. لا تقبل بانصاف الحلول ابدا.،
وعندما اتمت بناتها العاشرة.. قبلتهما وتركت البيت ودموعها علي وجنتيها.. ثار وهاج وماج.. ثم هدأ وتوسل اليها ان تعود ولكنها كانت تعلم انها ان عادت ستعود لما كانت عليه.. صمت اذنيها عن توسلاته الكثيرة واصرت علي الرحيل والفراق.. واليوم بعد عشرسنوات كاملة تشعر بالخواء بدونه وبدون بناتها الحبيبات.. قاطع شرودها صوت الهاتف.. انتفضت فلم يكن احدا عادة يتصل بها علي هاتف المنزل.. فهو دوما صامت..
اسرعت اليه وقالت بتردد: مرحبا..
قال هاشم بالفرنسية: هل ليان عندك يا ماري..
تسارعت دقات قلبها لدى سماعها لصوته.. حاولت تمالك نفسها وهي تقول : ليان.. ماذا تقصد.. اهي ليست عندك..
صاح هاشم : لقد سافرت بدون علمي وتركت لي خطابا انها ستذهب اليك وهذا منذ يومين..
تعرقت يدا ماري حتي كاد الهاتف ينزلق من بين يدها وقالت بتوتر: لا لم تأت بعد..
تنهد هاشم وقال: حسنا ربما ركبت سفينة فكما تعلمين هي تخشى ركوب الطائرات كثيرا. . عندما تصل ابلغيني..
همهمت ماري: حسنا..
قال هاشم بحنو: كيف حالك ماري..
ارتجفت ماري وهي تسمع نبرة الحنان في صوته .. ماذا تقول له.. اتقول انها ما زالت وحيدة.. تشعر بالخواء بدونه.. انها خلال العشر سنوات حزمت حقائبها آلاف المرات لتعود اليه ولكن منعها كبرياؤها في الحظة الاخيرة.. وكبرياؤها المأفون هذا هو ما دفعها لتقول له الآن: انا بخير حال هاشم .. كيف حالك انت. . وليلى..
قال هاشم بحزن: ليلى تمر بفترة عصيبة يا ماري.. فترة تحتاج فيها الي والدتها لتقف معها.. ليلى تحتاجك يا ماري..
اغمضت ماري عينيها وهي تتنهد بحزن.. فقد كانت ليلى جافة المشاعر كوالدها.. لم ترضى يوما ان تأتي اليها كما تفعل ليان.. بل فضلت ان تمكث مع والدها.. ليلى النسخة الشرقية منها حاكمتها وادانتها ..
قالت ماري بحزن: هل يمكن ان تجعلها تأتي الي..
قال هاشم وهو يقبض يده بشدة: لا لن تأتي اليك وانت تعرفين ذلك ماري.. ليلى لا تعتبرك والدتها اصلا.. لا تذكرك بالخير او بالشر.. هي تعتبرك غير موجودة اصلا ماري.، وانت لا تريدين ان تأتي لتريها وهي في امس الحاجة اليك.. أشعر انها كانت محقة.. وداعا ماري ولا تنسي ان تجعلي ليان تحدثني عندما تصل فلي حديث طويل معها..
انهي المكالمة بحدة.. لتنظر هي الي الهاتف في يدها بحزن.. فمازال طبعه كما هو.. مازال يحاكم ويدين ويصدر الاحكام من مجرد بضع كلمات تفوهت بها.. لم ينتظر ان تدافع عن نفسها. . ان يتفهم دوافعها ولكن هيهات هذا هو هاشم.. مثال الرجل الشرقي المتعجرف..
تركت المطبخ بعد ان وضعت مشترياتها مكانها .. لم تتناول غداءها فقد فقدت شهيتها.. ودخلت الي غرفتها تستلقي وهي تفكر فيه كما تفعل في كل لحظة فراغ في حياتها..
