اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل الثالث 3 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل الثالث 3 بقلم فاطمة علي


الفصل الثالث.
أحد أقسام الشرطة.
كان الرائد "أحمد العباسي" ذو الثلاثون ربيعًا من عمره، طويل القامة، أسمر البشرة والأحداق، مدبب الأنف؛ يتجه نحو مكتبه بخطى واثقة، ثابتة وهو يهاتف أحدهم بجواله موزعًا بعض التحيات لعساكره وزملائه قبل أن يفتح له العسكري المرابض أمام غرفة مكتبه بابها، ليدلف بكبرياء ملتقطًا سلاحه من جانبه واضعة إياه أعلى سطح مكتبه وهو يحتل مقعده بجدية هاتفًا بصرامة :
- قولتلك ما يغبش عن عينك يا بني آدم، ده اللي هيوصلنا لمصدر القرف ده.

وأنهى اتصاله مُلقيًا هاتفه أعلى سطح مكتبه وهو يضغط الزر الأيمن بجانب مكتبه مستدعيًا العسكري الذي ولج مؤديًا تحيته العسكرية المعتادة، ليردد بصرامة وحزم :
- شوفلي النقيب "عبد الرحمن الشهاوي" فين، وخليه يجيني فورًا.

أدى العسكري التحية بموافقة وهو يستدير مغادرًا ليصطدم بـالنقيب "عبد الرحمن الشهاوي" (شاب في الخامسة والعشرون من عمره يختلف كليًا عن توأمه داليدا، بطوله الفارع، وبشرته الداكنة، وأعينه الزرقاء التي تشكل ثنائيًا مذهلًا مع خصلاته السوداء اللون) الذي ولج مندفعًا بكامل جديته هاتفًا بسخط بعض الشيء :
- مش تفتح يا ابني.

حمحم العسكري بارتباك سيطر على كامل جسده وهو يردد معتذرًا :
- آسف يا فندم.. سيادة الرائد كان طالبك.
حرك "عبد الرحمن" رأسه بموافقة وهو يشير له بيده نحو الباب مرددًا بجدية :
- وأنا جيت.. روح شوف شغلك انت. واتجه نحو المقعد الأمامي للمكتب يحتله بتنهيدة عميقة بعدما أوصد العسكري الباب مغادرًا، ليضيق "أحمد" أحداقه بتعجب متسائلًا : - فيه إيه؟

سحب "عبد الرحمن" نفسًا عميقًا ملأ به صدره قبل أن يزفره بهدوء مع كلماته الحانقة :
- لسه قابض على واحدة قاتلة جوزها.
حرك "أحمد" رأسه بتعجب وهو يسترخي بظهره إلى ظهر المقعد مرددًا بلامبالاة:
- وإيه الجديد؟.. ما كل يوم بنقبض على واحدة قاتلة جوزها، وواحد قاتل مراته. أردف "عبد الرحمن" بحزن وأسى :
- دول عرسان مكملوش خمس شهور، وكمان لسبب تافه جدًا ميخليش واحدة تقتل جوزها.. فيها إيه لما واحد يطلب من مراته عشا.. حتى لو اتخانقوا سوا.. توصل إنها تقتله؟!

زفر "أحمد" زفرة قوية وهو يستقيم بجذعه إلى الأمام مستندًا بساعديه أعلى سطح المكتب وهو يردد بثبات :
- ربنا يرحمه ويغفر له.. وهي هتاخد عقابها اللي تستاهله.. خلينا في المهم.

تنهد "عبد الرحمن" بجدية مستقيمًا بجلسته هو الآخر صاغيًا بكامل حواسه وهو يحرك رأسه بتأييد، ليردد "أحمد" بابتسامة غامضة :
- عايزك تستعد الليلة دي عندنا طالعة حلوة.

انفرجت ابتسامة واسعة بثغر الأول ليردد بسعادة وهو يغمز له بطرف عينه :
- قربنا ولا إيه؟

أماءَ له "أحمد" برأسه بموافقة مرددًا بشرود غامض :
- الليلة.. مش عايز مخلوق غيرنا يعرف الميعاد، لما نشوف هيعرفوا تحركاتنا ازاي!
******************
شقة "مروان".
كان يحتل تلك الأريكة الوثيرة بمكتبه حديث الطراز كباقي شقته وهو يستلقي عليها باسترخاء تام واضعًا حاسوبه النقال أعلى صدره يضع خطة عمله بفيلمه للأيام القادمة، رسم صورًا تخيلية لتنفيذ الأحداث كما بالرواية تمامًا فهي لا تحتاج أي تعديل أو إضافة فـ "أمجد الصواف" استوفى جميع معايير النجاح والتفوق.

تسللت رائحتها المميزة إلى أنفاسه الهادئة ليسدل أجفانه للحظات متلذذًا عطرها قبل أن يرفعهما ثانية متمتمًا بعشق :
- "هيا".

ترددت أصداء كلمته بأذنها للحظات وهي تقترب منه حاملة بيدها فنجان قهوته الصباحي مرددة بابتسامة واسعة :
- هو فيه غيرها؟

اعتدل ليجلس وهو يضع حاسوبه أعلى سطح المنضدة أمامه مطوفًا إياها بنظرة عشق وله هامسًا بسعادة :
- لأ طبعًا.. بس إيه الصباح الفل ده.. دكتورة "هيا سمير " بذات نفسها جايبالي قهوتي!

ناولته إياها بنظرة طفولية متذمرة وهي تغمغم بدلال :
- طب بذمتك بتشرب قهوة حلوة كده من إيد حد غيري؟

رفع يده الحرة يلتقط يدها، يقربها من شفاهه ويطبع عليها قبلة ممتنة، عاشقة هامسًا :
- لأ طبعًا.. مهما أشرب أغلى أنواع القهوة وفي أغلى الكافيهات مفيش فنجان بيعدل دماغي غيرك ففنجانك انتِ يا "يوكا".

ورفع أنظاره لها بصدمة مستطردًا بهلع :
- توعي تكوني بتحطي فيه مخدرات.

ضيقت "هيا" أعينها بتفكير للحظات قبل أن تميل بجذعها نحوه محاصرة إياه بكلا ذراعيها المستندة على ظهر الأريكة خلفه وهي تبدل نبرة صوتها الناعمة لنبرة أكثر إجرامًا :
- ما هو الكيف بيذل صاحبه، وكان لازم أسيطر عليك وأخد كل أملاكك ليا ولعيالي.

انكمش جسد "مروان" بين يديها وهو يرمقها بنظراتٍ هلعة مغمغمًا بتلعثم :
- أنا كنت حاسس.. ما هي ظبطة الدماغ دي مش بريئة.. قوليلي أنا بقيت مدمن إيه؟

اقتربت "هيا" بجسدها منه أكثر وهي تصطنع معالم الإجرام مرددة باستنكار:
- عشان تروح تتعالج منه وتخرج عن سيطرتي؟

ازدرد "مروان" ريقه بتوتر وأنفاسها الحارة تلفح بشرته بقوة وهو يحدق بتركيز عميق قبل أن تسقط أنظاره على شفاهها المنفرجة لتتحول نظراته إلى نظرات أكثر خبثًا ووقاحة وهو ينقض عليها بقبلة انقطعت لها أنفاسها للحظات طويلة قبل أن تعلن رايات استسلامها له وتسترخي جميع خلاياها المتشنجة وتبادله بقبلة أكثر عشقًا.
****************
كان "أمجد " يحتسي قهوته الصباحية في مقهاه المفضل وهو يتصفح بعض الأخبار الإلكترونية الخاصة بنجاح روايته وترشحه لأحد الجوائز الأدبية الكبرى، ليجد من يقترب منه بهدوء مرددًا بابتسامة واسعة : - أستاذ "أمجد الصواف"؟

ما أن تسللت تلك الكلمات إلى مسامعه حتى رفع رأسه نحو صاحبها هذا الرجل الأربعيني ذو البشرة الحنطية والشعر الأسود الذي غزاه شيب قليل، وجسده العريض الذي يُزيد من ضخامته قليلًا والذي طوفه "أمجد" من أعلاه حتى أخمص قدميه مرددًا بابتسامة متوارية :
- أؤمرني.

ازادت ابتسامة الرجل اتساعًا وهو يرفع يُسراه إلى صدره مرددًا بود كبير :
-حضرتك مش عارفني؟

قطب "أمجد" جبينه ببعض الضيق ماطًا شفاهه بلامبالاة مردفًا :
-لا والله محصليش الشرف.

هتف الرجل بتلقائية وهو يشدد من ضغط يده على صدره :
- "مالك لبيب" .

حرك "أمجد" رأسه بنفي مرددًا :
- لاسم فعلًا مش غريب عليا، بس للأسف معرفش حضرتك.
- "مالك لبيب" المصحح اللغوي لرواياتك كلها.

أفصح بها "مالك" قبل أن ينهض "أمجد" من مقعده بابتسامة حافية وهو يمد يده نحوه مرددًا بترحاب وسعادة :
-أهلًا بيك يا أستاذ "مالك".. أخيرًا اتقابلنا.

كانت يد "مالك" اليسرى هي من تصافح يد "أمجد" لينهش الفضول عقله وهو يرمق يُمناه المُهدلة إلى جواره، ليلحظ "مالك" هذا وهو يسحب يده من يده ضاغطًا بها كُم قميصه الخاوي مرددًا بابتسامة رضا :
- مبتور.

اعترت الصدمة قسمات "أمجد" وهو يغمغم بخفوت مستنكر :
- إيه؟!.. ازاي؟

أجابه "مالك" بابتسامة واسعة من ثغره قبل أن يردد بعتاب خفيف :
-نقعد الأول وبعدين أحكيلك.

حرك "أمجد" رأسه بأسف وهو يُشير نحو المقعد الفارغ أمامه وكذلك إلى نادل المطعم مرددًا :
-أه طبعًا اتفضل استريح.. تحب تشرب إيه؟

جلس "مالك" و هو يوزع أنظاره الممتنة ما بين "أمجد" الجالس قُبالته والنادل الواقف إلى جواره مرددًا :
- يبقى قهوة سادة.

أكد "أمجد" على النادل الذي غادر لتوه، ليلتفت بأنظاره ثانية نحو "مالك" الذي تنهد بحزن شديد مرددًا بألم رافق كل أحرفه :
-الحكاية من سنتين، لما كنت رايح المدرسة وبعدي الطريق اللي بعديه كل يوم مرتين لمدة خمستاشر سنة، بس المرة دي كانت مختلفة شوية.. عربية طايشة سايقها واحد طايش خبطتني وجريت، مفوقتش غير بعدها بأسبوع.. لقيت نفسي مرمى على سرير عناية مركزة في مستشفى حكومي .. بعدها قعدت أتعالج سنة كاملة.

وهبط بأنظاره نحو كُمه المُهدل مرددًا بتنهيدة حارة :
-الحمد لله إنها جت على قد كده.. أنا كنت في عداد الأموات لولا ستر ربنا.. طبعًا سبت الشغل في المدرسة واكتفيت بشغل التدقيق ، وده معجبش مراتي فأخدت الواد اللي حيلتنا وسافرت الصعيد عند أهلها.

رفع كلاهما رأسيهما إلى النادل الذي قطع حديث "مالك" قبل أن يضع قهوته مغادرًا، لتتلاقى الأعين بحزن شديد وتنهد "أمجد" تنهيدة حارة مرددًا بتساؤل قاتل :
- ومسكوا اللي عمل كده؟

حرك "مالك" رأسه بنفي وهو يلتقط فنجانه مرددًا بلامبالاة:
- لا طبعًا.. اطبخت كويس.

ضيق "أمجد" عينه باستنكار مرددًا : - ليه؟!

انفرجت شفاه "مالك" بابتسامة جانبية متهكمة صاحبت كلماته المتألمة:
-كان فيهم ابن واحد تقيل.. كانوا راجعين من الديسكو عاملين دماغ عالية، دماغ خليتهم يدوسوا على الغلابة اللي زينا.

تنهد "أمجد" تنهيدة قوية وهو يلتقط فنجان قهوته مرددًا :
-دا أنت حكايتك تتعمل رواية يا "مالك".

ارتشف "مالك" رشفة خفيفة من فنجانه وهو يرسم ابتسامة واسعة على محياه مرددًا بدهشة :
-رواية مرة واحدة يا أستاذ "أمجد"... أنا حكايتي دي زي حكاية ناس كتير حوالينا، وانت رواياتك دايمًا مختلفة في فكرتها وحبكتها وتفاصيلها.. تعرف إني بستنى رواياتك على أحر من الجمر.. وبقراها مرة واتنين وتلاتة قبل ما أراجعها.

اتسعت ابتسامة "أمجد" وهو يردد بسعادة :
- دي شهادة أعتز بيها طبعًا يا أستاذ "مالك".. يلا استعد بقا للجديد، أيام بسيطة وتكون عندك.
تضاعفت ابتسامة "مالك" وهو يوجه احدى روايات "أمجد الصواف" نحوه مرددًا بسعادة :
- توقيع حضرتك بقا على القديمة الأول.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close