رواية علي دروب الهوي الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم تسنيم المرشدي
الفصل التاسع والعشرون
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
سكون حل لثوانٍ بعد ذلك التصريح المُباشر، لم يُبعد عبدالله نظره عنها، بل كان ينظر إليها مُصدومًا مما وقع على مسامعه، لم يُحرك ساكنًا حتى تفاجئ بيدها التي تُوضع على يده وهي تُردف سؤالها:
_ أنت ساكت ليه؟
سحب يده سريعًا وتفقد المكان من حوله، ثم حمد الله داخله أنه لم يتم رؤياهم، ابتلع ريقه وقال:
_ وهي دي حاجة يترد عليها؟ أنتِ واعية قولتي إيه ولا أنتِ مش فاهمة حجم المصيبة اللي أنتِ قولتيها؟!
أخذت ڤاليا نفسًا وزفرته بقوة قبل أن تُجيب:
_ أنا عارفة إن الموضوع حساس بس...
قاطعها عبدالله بهجومٍ فاجئها:
_ حساس إيه، لا دا أنتِ فعلًا مش شايفة حجم المصيبة! أنتِ بتعترفي لاخو خطيبك بحُبك؟ وآدم دا إيه؟ قاعد على دِكة الإحتياطي؟
كان هجومه قاسيًا ولم تتحمله، لكنها جاهدت نفسها وتابعت شرح مشاعرها بنيةٍ حسنة:
_ أنا مفيش جوايا حاجة لأدم، من وقت ما اتقدم وأنا مش مرتاحة و....
قاطعها ثانيةً باندفاعه المُبالغ:
_ ميخُصنيش، مرتاحة ولا لأ ميخُصنيش، دي حاجة بينك وبينه هو، لكن دا ميديكيش الحق إنك تيجي تقوليلي بحبك وأنتِ مع اخويا!!
تجمعت الدموع في عينيها، وتحشرج صوتها اثر بكائها الحبيس:
_ بس أنا عارفة إن علاقتكم مش قوية ولا...
للمرة الثالثة التي يهاجمها بها ولا يدعها تُواصل حديثها حيث هدر بها شزرًا:
_ ولو، آه علاقتي بيه مش أحسن حاجة..
ضرب عبدالله صدره بقوة وهو يُتابع:
_ بس دا أخويا، بينا دم! واللي أنتِ قولتيه دا ميصحش، ولا حتى ينفع تفكري فيه بينك وبين نفسك! مش مرتاحة معاه فشكلي الخطوبة لكن متستنيش مني حاجة..
تلك اللحظة فشلت ڤاليا في التماسُك وأنهمرت دموعها على مقلتيها، فأسرعت في مسحهم حتى لا يراها أحدهم في تلك الحالة المذرية، بينما شعر عبدالله بالإختناق الشديد مما يحدث، أغمض عينيه يحاول كبح جماح غضبه ثم أعاد النظر إليها وحاول التحدث بصوتٍ هادئ لكنه لم يخلو من التشنج:
_ بصي يا بنت الناس، إحنا مش موبايلات من اللي عندك بتبدلي فيهم، أنا وآدم بينا الراجل اللي هناك..
أشار إلى والده فنظرت ڤاليا حيث يُشير ثم تابع عبدالله استرساله:
_ علاقتي بيه آه مش أحسن حاجة، بس أنا لا تربيتي ولا أخلاقي تسمح لي مجرد تفكير إني
أبص لك بصة غير أخوية، حتى دي موصلتش ليها، أنا دخلت بيتكم بغرض الشغل وأنتِ كنتي مجرد
باب رزق، فأنا جدعنة مني هعمل نفسي مسمعتش حاجة وأنتِ تشيلي الكلام دا من دماغك عشان الدنيا متقعش في بعض!
رمقها عبدالله شزرًا ثم قال قبل أن ينسحب:
_ عن إذنك..
وسرعان ما تحرك من أمامها تاركًا إياها بمفردها، وقفت ڤاليا تتابع تحركاته بعيون لا تتوقف عن البكاء، كلماته يتردد صداها في عقلها فسببت لها وخزة قوية في قلبها، لم يكن هينًا رفضه لها بتلك الطريقة القاسية.
لقد شعرت بصِغر شأنها، وعدم قيمتها بعد حديثه معه، كيف صرحت بمشاعرها دون النظر لتلك العواقب التي أمامها، كيف لم تمنع قلبها من البوح عن حبه للشخص الخاطئ، لماذا هو إذًا إن لم يكن سيصبح لها؟
أولت المكان ظهرها وهرولت إلى الخارج وهي بالكاد ترى أمامها بسبب بكائها الذي يشوش رؤيتها، ركبت السيارة التي جاءت بها وأمرته بالعودة إلى بيتهم تاركة خلفها أذيال خيبتها مُتحسرة على حبها الذي انتهى قبل أن يبدأ عصِره.
****
بعد فترةٍ؛ قام عبدالله بالإتصال على عز، الذي أجاب بعد مدة، فحمحم عبدالله وجاهد على إخراج نبرته شوية غير مشحونة بالغضب:
_ عز بيه..
فرّد الآخر بودٍ:
_ إزيك يا عبدالله..
_ الحمدلله
قالها ثم بدأ ما ود قوله:
_ أنا عايز أبلغك إني مش هقدر أكمل شغل معاك، أنا آسف لأني وعدتك وخلفت بوعدي، بس غصب عني أنا مش هقدر أكمل، بس بكرة إن شاء الله هيكون عندك واحد ثقة مكاني..
تعجب عز من نبرته وانسحابه من العمل فجأةً وسأله مستفسرًا عن السبب:
_ مفيش مشكلة طلاما دا في مصلحتك، بس ليه حاسس إن صوتك مندفع؟ هو فيه حاجة حصلت؟
لم يُخبره عبدالله على الرغم من صوته الداخلي الذي يحثه على إخباره حتى لا تتفاقم الأمور بين العائلتين من وراء ذلك الحب المزعوم لكنه لم يُفصح:
_ مفيش سبب يا عز بيه، أنا آسف مرة تانية، سلام..
أنهى عبدالله الإتصال ووقف برفقة صديقيه وعقله مشغولًا بتصريح ڤاليا وما سيترتب عليه لاحقًا، بينما نظر عز طويلًا إلى الهاتف عندما أنهى عبدالله الإتصال ثم تفاجئ باقتحام ڤاليا مكتبه، وما آثار رعبه، بكائها وانهيارها بذلك الشكل الغير مفهومه.
هب واقفًا واقترب منها بوجهٍ قلِق، وسألها متوجسًا خيفة مما قد أصابها:
_ في إيه يا حبيبتي، أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه؟
_ أنا مخنوقة أوي يا دادي!!
قالتها بصوتٍ بالكاد فهمه عز، خفق قلبه رعبًا وقام بضمها إلى صدره حتى تهدأ ثم تساءل بجدية وهو يُمسد على حجابها:
_ مالك بس، حصل إيه لكل دا؟
كانت تطلق شهقاتٍ قوية تهز جسدها، فساعدها عز على الجلوس ثم أحضر لها كوب من الماء وناولها إياه، فأخذته ثم ارتشفت منه القليل بيدين مرتجفتين وبدأت تقُص عليه ما فعلته حتى تفاجئت باندهاشه أو ربما صدمته فازداد نحيبها عندما تأكدت أنها افتعلت كارثة.
فغر عز فاهه بصدمةٍ؛ حاول تجميع الكلمات ليرد بها عليها لكنه لم يجد، أخذ ثوانٍ حتى نطق:
_ إيه اللي عملتيه دا ڤاليا؟
أغمض عينيه مستاءً من حماقة تصرفها قبل أن يواصل بنبرة مندهشة:
_ إزاي تقولي لعبدالله بحبك؟؟
دا أخو آدم! اللي هو خطيبك!
أنتِ عقلك كان وأنتِ بتعملي كدا؟ إزاي مفكرتيش في العواقب اللي هتحصل بعد كدا؟ وآدم هنقوله إيه؟ معلش good luck في المرة الجاية أصل بنتي طلعت بتحب أخوك؟
نهض عز ودار حول مِكتبه وهو لا يستطع هضم السخافة الحادثة، بينما لم تكف ڤاليا عن البكاء وتحدثت بنبرةٍ متلعثمة:
_ يا دادي أنا من الأول مكنتش مُتقبلة آدم، وأنت عارف كدا كويس، ضغطّوا عليا إني أعطي له فرصة وعملت كدا عشانكم بس مقدرتش، مقدرتش أحبه ولا حاسة من نحيته بحاجة خالص، عكس عبدالله من أول ما شوفته وأنا مرتاحة جدًا في كلامي معاه، حسيت بحاجات غصب عني نحيته، والله مش بإيدي..
توقف عز عن المشي وأخفض بصره عليها وقال بحدةٍ:
_ حسيتي بمشاعر وحصل اللي حصل وهنقول كان غصب عنك، لكن مش قادرة تمسكي نفسك، تروحي تقولي للولد إنك بتحبيه؟ منتظرة منه إيه مثلًا يقولك انفصلي عن آدم ويلا نرتبط؟ دي علاقة مستحيلة! مينفعش يا حبيبتي، دا حتى هو لو قِبل أنا مش هقبل لأسباب كتير، أولهم علاقتي بقاسم هتتهز لأني اوردي عملت فجوة وخلقت كُره بين ولاده، وعشان مش هكون مأمن عليكي مع واحد مفرقش معاه مشاعر أخوه عشانك! طب ما هيتخلى عنك في أي وقت..
أخذ نفسًا عميق زفره بقوة ثم بحث عن هاتفه وردد عندما ربط إتصال عبدالله ورفضه في مواصلة العمل بما أخبرته به ابنته:
_ عشان كدا عبدالله اعتذر ورفض يكمل في الشغل..
قام بمعاودة الإتصال عليه وانتظر حتى جائه الرد فقال عز:
_ أنا ڤاليا حكيت لي اللي حصل، وصدقني مش لاقي كلام يوصف أنا حاسس بإيه ولا مش عارف المفروض اعتذر منك ولا إيه التصرف الصح، بس رجاء مني يا عبدالله محدش يعرف باللي حصل.. أنا مش حابب علاقتي مع قاسم تتوتر بسبب تصرفات متهورة
قال كلماته وعينيه يُعاتبان بها ڤاليا المُكورة على نفسها تبكي في صمت وهي تتابع مكالمة والدها، فحمحم عبدالله وأردف بصوتٍ أجش:
_ دا برده نفس رأيي يا عز بيه، مش حابب حد يعرف حاجة، أتمنى منك تقدر تسيطر على أنسة ڤاليا عشان مش عايز الموضوع يوصل لطريق مش هيجيب غير مشاكل!
_ إن شاء الله مفيش مشاكل، بعتذر لك تاني عن اللي حصل..
هتفها عز بخزي شديد، ثم تطلع في إبنته وهز رأسه باستنكارٍ، جلس مقابلها وتحدث بهدوءٍ أرغم حاله على تلبُس ثوبه:
_ هنكلم آدم يجي البيت ونعرفه إنك مش مرتاحة وننهي الموضوع دا، أنا كنت غلطان من الأول لما فكرت ندي له فرصة وأنتِ مش مرتاحة، ودي كانت النتيجة، كفاية عبث لغاية كدا
أخذ عز يبحث عن رقم آدم وتابع حديثه قبل أن يقوم بالإتصال عليه:
_ وأنتِ تنسي موضوع عبدالله دا، متفكريش فيه نهائي، لأنه مستحيل، لأ مستحيل إيه دا من سابع المستحيلات إنه يحصل!
ثم قام بالإتصال على آدم وتحدث بلطفٍ فور إجابة الآخر:
_ آدم يا حبيبي، فاضي النهاردة بليل تيجي نتكلم شوية؟
***
استيقظ عاصم بثِقل في رأسه، لم ينجح في تحريكها جيدًا، قاوم ذلك الشعور المؤلم واعتدل من نومه فتفاجئ بوجوده في غرفة صبا، تفحص المكان ثانيةً بغرابةٍ ثم نهض وخرج من الغرفة باحثًا عنها.
أصابه الصداع عندما وقف فجأة فأمسك رأسه محاولًا السيطرة على الألم لكنه فشل، ترجل الدرج وتوجه ناحية المطبخ عندما خرجت منه أصواتًا تدل على وجود صبا به، وقف على الباب وبنبرةٍ متعبة قال:
_ هي الساعة كام؟
أخذت صبا تتنفس محاولة نسيان ما جعلها تعيشه بالأمس وقالت بإسلوبٍ جاف:
_ الساعة ٧
اتسعت مقلتي عاصم بدهشة وررد مذهولًا:
_ أنا نمت كل دا؟
وسرعان ما ازداد آلم رأسه فتشنجت تعابير وجهه، فعلِمت صبا ما يمر به وقالت:
_ تأثير الخمور بيعمل كدا، مكنتش أعرف إنك بتشرب الحاجات دي!
رمقها عاصم بطرف عينيه ومزيج من المشاعر قد أحس به لحظتها، فلقد خالط خجله واستيائه من شرب الخمور غضبه منها لأنها من دفعته إلى ذلك، تنهد واختصر إجابته:
_ دي أول مرة في حياتي أعمل كدا..
عاتبته صبا بإسلوبٍ يخلو من المشاعر:
_ أنت مش عارف إنها حرام؟ وغلط على الجسم؟
لو يُعقب عاصم، واكتفى برمقها بنظراتٍ تُحملها اللوم، فشعرت بما يرمي إليه من خلال نظراته، وسرعان ما أولته ظهرها وقالت:
_ هعملك قهوة تفوقك..
ثم أخذت تحضر قدح القهوة، بينما راود عاصم سؤالًا خشى إخراجه لكن فضوله قد دفعه للسؤال عنه خصيصًا بعد تعامل صبا معه بجفاء مبالغ، فأخذ يتنهد قبل أن يهتف:
_ هو فيه حاجة حصلت امبارح؟
تفاجئت صبا بسؤاله واهتز داخلها، لكنها تصنعت جهلها وتساءلت:
_ حاجة إيه؟
_ مش عارف أي حاجة، أصل أنا قمت لقيت نفسي في أوضتك.. فخوفت يكون صدر مني أي موقف وأنا مش فايق..
أردفها عاصم يآمل عدم افتعاله لشيءٍ حقير، فنفت صبا وجود شيء قد أحدثه بقولها:
_ أنت رجعت مش شايف قدامك ونمت فسيبت لك الأوضة وخرجت، بس كدا
شعر عاصم بالراحة تغلف صدره، انتهت صبا من عمل القهوة وقامت بسكبها في الفنجان خاصته، فرفع عاصم يده يتناولها من يدها لكنها أبت إعطائها له مُعللة:
_ مينفعش قهوة على معدة فاضية.. لازم تاكل الأول
ثم أخذت تحضر له شطيرة تحت نظرات عاصم المتابعة لها، انتهت صبا مما تفعله ثم وضعتها أمامه وجلست مقابله فتساءل الآخر باهتمامٍ:
_ مش هتاكلي معايا؟
_ سبقتك وآكلت..
قالتها بإيجاز، فبدأ عاصم بتناول الشطيرة حتى سقط على مسامعه الضجة التي في الخارج فعقد ما بين حاجبيه وهو يتساءل:
_ إيه الدوشة اللي برا دي؟
ألقت صبا نظرة على النافذة التي تجاوره قبل أن تجيبه:
_ دا كتب كتاب بابا عبدالله على مامته
تفاجئ عاصم مما قيل وردد:
_ إيه دا؟ فجأة كدا؟ أومال مراته الأولى نظامها إيه؟
رفعت صبا كتفيها مُبدية عدم عِلمها، فأبدى عاصم استيائه:
_ إيه التهور دا؟
انزعجت صبا من تعليقه وهتفت بهجومٍ:
_ إيه التهور في كدا؟ هما مش بينهم ابن؟ وبعدين على حد عِلمي إنهم كانوا قصة حب ولظروف خاصة أجبرتهم يبعدوا عن بعض أكتر من ٣٠ سنة.. أعتقد كفاية بُعد طلاما الحب لسه موجود
تقوس ثغر عاصم ببسمةٍ باهتة وردد:
_ يعني أنتِ عايزة تقولي إن الحب مهما مر عليه سنين بينتصر في الآخر؟
_ لما بيكون الحب متبادل ليه لأ؟
قالتها مُتعمدة لتُبعد اي ذرة أمل قد تكون داخله، فهز عاصم رأسه بتفهمٍ وأبعد عينيه عنها وتابع تناول شطيرته ليرتشف قهوته ربما يشعر بالتحسن.
****
غربت الشمس وحل الليل، انصرف جميع الحضور وبات المكان خاليًا إلا من أصحاب البيت، حيث أسبق عبدالله بالحديث وقال:
_ أنا هاخد زينب ونتعشى برا..
_ تمام يا حبيبي، خلي بالكم من بعض
هتفتها أحلام بحبٍ ثم انسحب عبدالله متجهًا إلى سيارته فاستأذنت زينب منهما وتَبِعته إلى السيارة، بينما ولجا قاسم وأحلام إلى البيت بعد أن غادرا الآخرين.
صعدا إلى غرفتهما، فكانت أحلام تسبِقه بخُطاها، قامت بفتح الباب وفوجئت بالفراش المُزين بالورود الحمراء والشموع التي تملأ الغرفة، وبعض البلالين التي تنسدل بخيط رفيع من السقف.
فاستدارت مسرعة ونظرت إليه بذهولٍ، فلقد فاجئها تصرفه اللطيف ورددت:
_ إيه دا؟ عملت كل دا امتى؟ أنت مسبتنيش لحظة؟
اقترب منها قاسم وشكل إبتسامة سعيدة على شفتيه قبل أن يُخبرها بصوتٍ عذب:
_ أنا طلبت من اللي عملوا ديكور الحديقة يعملوا الأوضة وقت كتب الكتاب عشان متحسيش بحاجة وتكون مفاجأة، ها حلوة؟
_ أوي أوي
أشدت بجمالها وهي تتطلع بالغرفة بعيون ساحرة خطفتها الزينة، ثم عادت ناظرة إليه بوميضٍ مُحبةَ مُتيمة بساكن قلبها وزوجها ثم هتفت:
_ أنت بتعملي حاجات كأني لسه بنت عشرين يا قاسم!!
دنا منها قاسم وملس على وجنتها بحنانٍ وهو يهمس بعذوبة:
_ أنتِ في نظري لسه زي أول مرة شوفتك فيها..
توقف عن الحديث فاتسعت حدقيته فجأة وقال بجدية:
_ تسمح لي أعمل حاجة مفتقدها من ٣٢سنة!!
ضاق نظر أحلام في محاولة معرفة ما يقصده، لكنها فشلت في الوصول لما يرمي إليه فتساءلت مستفسرة:
_ حاجة إيه؟
أخذ قاسم نفسًا ولم يُخرجه، بل حَبِسه حتى فاجئها بعناقه الحار الذي شعر فيه بِدفء يُضمد فقدانها الأعوام الماضية، تلك الأثناء بادلته أحلام الشعور نفسه فزفر أنفاسه بعد أن وضع رأسه على كتفها كطيرٍ شردَ عن سِربه وعاود إليه من جديد، شعور لا يُضاهى بثمن، حينها أغمض قاسم عينيه مُستمتعًا بلذة الوصول.
***
في مكانٍ آخر قطع عبدالله مسافةً لا بأس بها؛ كان يقود ولا يعلم إلى اين يذهب، كان صامتًا جامدًا يآكل عقله التفكير، يزداد بُغضًا من أفعال شقيقته التي تُفاجئه بها.
لم يعد يتحمل، فلقد فاق التفكير قدرته، صف السيارة على جانب الطريق فنظرت إليه زينب متعجبة من أمره وقالت متسائلة:
_ وقفت هنا ليه؟
استشنق عبدالله أكبر قدر من الهواء قبل أن ينظر إلى يمينه رامقها بنظراتٍ ساخطة وهو يهتف:
_ أنتِ إيه اللي خلاكي تبعتي رسالة لصبا تقوليلها فيها إني مش عايزها؟
فغرت زينب فاها وقد حلت الصدمة على وجهها ورددت بدهشة:
_ رسالة إيه؟ أنا مبعتش حاجة!!
تحلى عبدالله ببعض الصبر ليواصل حواره معها، لكنه لم يستطع السيطرة على نبرته التي خرجت متشنجة وكذلك عروق عنقه التي برزت من قوة خروج كلماته:
_ فيه رسالة اتبعتت لها يوم اللي حصل من موبايلك!
شعرت زينب باتهام موجه إليها من خلف كلماته وأسلوبه الفظ معها، دمعت عينيها وردت بصوتٍ يُهدد بالبكاء وهي تحدق بأصابعها التي تفركهم بتوترٍ:
_ أنا عارفة إني عملت حاجات كتير تخليك تشك فيا، لكن دي والله معملتهاش، أنا آه كنت وحشة معاك بس مش للدرجة دي!!
ثم حركت رأسها يسارًا حيث يجلس عبدالله وأضافت وعبرانها تتساقط في صمتٍ:
_ والله ما عملت كدا..
_ أومال اتبعتت إزاي؟
تساءل بجدية من بين أسنانه المتلاحمة فنظرت إليه زينب بعتابٍ وهو تُخبره:
_ يعني بعد كل اللي حصل وأنت لسه بتسأل؟
لم يستوعب عقله دنائة ذلك الوغد وخرج عن هدوئه المصطنع حيث ضرب الطارة أمامه وهتف عاليًا بغضبٍ عارم:
_ ايوا إزاي بس، دا كأنه مِرتب كل حاجة بالمِلي عشان يبعدنا عن بعض، عمل عملته وراح نام جنبك عشان يبعد الشُبهات عنه وبعدها على طول يتقبض عليا وأنا بكلمها في الموبايل وقبل ما أعطيها رد على سؤالها، وبعدها يبعت رسالة يقولها إني مش عايزها فتروح تتجوز واحد غيري! إزاي قدر يرتبها بالشكل دا؟
إزاي عمل كل حاجة بالدقة دي وهو لوحده؟
إيه ساحر!!
مسخر جن معاه عشان اللعبة القذرة دي تمشي مستقيم كدا؟
عاد عبدالله برأسه مستندًا على المقعد، ثم أغلق عينيه بأحد إصبعيه، كان في وضعٍ لا يسمح معه النقاش الآن، مر بِضع دقائق حتى تحدثت زينب حاسمة قرارها:
_ أنا عايزة أطلق منه رسمي يا عبدالله، مش عايزة أي حاجة تربطني بالبني آدم دا!
وكأنها أنارت إليه الحل، فقام عبدالله بسحب هاتفه من جيب بنطاله ثم قام بالإتصال على آدم، انتظر ثوانٍ حتى أتاه الرد:
_ أيوا؟
حمحم عبدالله وعرّف عن نفسه بجمودٍ:
_ أنا عبدالله..
صمت حل لثانية قبل أن يقطعه آدم قائلًا:
_ إيه يا عبدالله، معاك..
_ أنا عايز حمادة عشان يطلق أختي عند المآذون، ياريت لو تعرفه يجي بكرة، عايز الموضوع دا ينتهي بسرعة..
قالها عبدالله محاولًا الإختصار بينما اكتفى آدم بترديد:
_ تمام
صمت الطرفين حتى أنهى الإتصال دون سلام، لم يتطلع في شقيقته، بل تحرك بالسيارة وعاد بها إلى بيت المزرعة، ثم هتف قبل نزولها:
_ لو حد سألك رجعتي ليه قولي عبدالله جاله شغل..
اكتفت زينب بالإيماء ثم ترجلت في هدوء، فتابع عبدالله قيادته حتى اختفى من أمامها، فولجت هي إلى الحديقة، لكنها لم تحب أن تزعج والدتها في يومٍ مميز كهذا، وفضلت البقاء في الحديقة، وما أن جلست حتى هاجمتها ذكرياتها مع حمادة فترقرقت العبرات من عينيها حزنًا على تلك الثغرات التي كانت عمياء عنها.
كيف تغاضت النظر عن شخصية غير سوية مثله؟ كيف قبلت بالعودة إليه بعد إهانته لها وضربه المبرح الذي تسبب بالأخير إجهاض جنينها؟ كيف كانت بتلك الحماقة؟
هل هذا ما يُسمى الحب؟ أن يلغي الإنسان كرامته ويضع عصابة عينين حتى لا يرى أخطاء الطرف الآخر؟ تيقنت حينها كانت أكثر غباءًا عندما قبلت به زوجًا ورفضت وليد الذي يتحلى بالأخلاق الحميدة والأسلوب اللين، البار بوالدته، مقيم الصلاة!!
كم تمنت لحظتها أن يُعاد الزمن مجددًا حتى لا تكرر خطأها ثانيةً، ربما كانت الآن تتناول العشاء الرومانسي معه، أو يخرجان في نزهةٍ ويأتي لها بالزهور الحمراء التي تحبها.
تلك الأثناء؛ في البيت المجاور خرج عاصم ليذهب إلى أصدقائه فسمع همهماتٍ جانبية، فقاده الفضول لمعرفة صاحب الصوت، توجه دون تردد إلى بيت قاسم ومر من خلال باب الحديقة فوجدها زينب تبكي بشدة، نظر في الأرجاء ربما يجد رفيقًا لها فلم يرى أحد.
فقرر الذهاب إليها ربما هي واقعة في مشكلةٍ وبحاجة إلى المساعدة، تفاجئت زينب بقدومه فأسرعت في مسح دموعها ثم هبت واقفة تستقبله، وقف عاصم وهو لا يدري أين يبدأ الحديث بالتحديد، ابتلع ريقه وحاول إيجاد الكلمات فأردف بتعلثمٍ:
_ آسف لو دخلت فجأة، بس أنا سمعت صوت زي عياط وقلقت، فحبيت أطمن..
حمحم عاصم وهو يجوب بعينه المكان من حوله ثم عاود النظر إليها وتساءل:
_ أنتِ كويسة؟
جاهدت زينب على التصرف كما لو كانت بخير، فأومات بتأكيدٍ قبل أن تجيبه:
_ أنا كويسة.. شكرًا لاهتمام حضرتك..
ابتسم عاصم وقال مازحًا:
_ لا بلاش تكليف، إيه حضرتك دي قوليلي يا باشمهندس!
نجح عاصم في رسم الإبتسامة على ثغرها، فشاركها الضحك ثم قالت هي:
_ ماشي يا باشمهندس..
كان مرتبكًا بعض الشيء، لم تكف عينيه عن التطلع يمينًا ويسارًا، تعجبت زينب من حالته المريبة وسألته مستسفرة:
_ هو حضرتك بتدور على حاجة؟
_ لأ، بس هو فيه سؤال حاسس إني هكون متطفل لو سألته..
هتفها على أمل سماحها له بعرض سؤاله، فرحبت زينب بذلك وأردفت بتلقائية:
_ طبعًا اتفضل أسأل
_ أنتِ بتعملي إيه هنا في وقت زي دا، يعني متفهمنيش غلط بس المنطقة هنا مقطوعة ويُستحسن إن في الوقت دا تكوني في البيت مش هنا لوحدك!
قالها وانتظر ردها، بينما أطالت زينب النظر به، وحاولت الإتيان بإجابةٍ، نظرت حيث موطن البيت قبل أن تُعطيه ردًا بحرجٍ:
_ هو أنا مش معايا مفتاح ومحبتش أزعجهم، فقعدت هنا على لما عبدالله يرجع..
حرك عاصم رأسه بتفهمٍ ثم أشار إلى بيته قائلًا:
_ طيب تعالي اقعدي عندنا لغاية ما عبدالله يرجع، بلاش تقعدي لوحدك هنا
أبدت زينب رفضها التام:
_ لا أنا مرتاحة هنا وهو أكيد مش هيتأخر
عاتبها عاصم بنظراته وأصر على اصطحابها إلى منزله:
_ صدقيني الأحسن إنك تقعدي في البيت، فيه هنا حيوانات شرسة بتخرج بليل، وبعدين أنتِ هتقعدي مع صبا أنا أصلًا كنت خارج
نظرت إليه مطولًا تفشل في أخذ قرار فحسم عاصم أمرها:
_ متفكريش كتير، تعالي
أسبق بخُطاه إلى البيت خاصته، فتَبِعته زينب على استحياء شديد، قام عاصم بفتح الباب ودعاها إلى الداخل وقال وهو يُسير إلى الأعلى:
_ هنادي صبا.. لحظة
فأسرعت زينب بالتحدث بخجلٍ يسيطر عليها:
_ أنا بجد حاسة إن وجودي هنا ملوش لزوم، عبدالله مش هيتاخر و...
قاطعها عاصم هاتفًا:
_ مش فاهم ليه الحزازية دي مش صبا تبقى جارتك وصاحبتك، ودا بيتها يعني مفيش داعي للحرج خالص، ثواني هنادي عليها
وما أن أنهى جملته حتى صعد سريعًا إلى الطابق العلوي لكي لا يواجه اعتراضًا آخر لبقائها هنا، توجه إلى غرفة صبا وحاول فتح الباب لكنه كان موصدًا من الداخل، فاضطر إلى الطرق عليه حتى جائه صوتها الخائف خشية إعادة ما أحدثه البارحه:
_ عايز إيه؟
أجابها عاصم بهمسٍ حتى لا يصل صوته إلى أذني زينب:
_ أخت عبدالله تحت وأنا قولتلها هنادي عليكى تقعدي معاها..
فتحت صبا الباب وحدجته بعيون ضائقة متسائلة عن سبب مجيئها:
_ زينب بتعمل إيه هنا في وقت زي دا؟
شرح لها عاصم ما حدث بإيجاز ثم أنهى حديثه قائلًا:
_ انزلي يلا عشان أنا خارج..
ترجلت معه صبا فاستأذن عاصم منهن وغادر على الفور، بينما وقفت صبا أمام زينب تفشل في استقبالها بشكلٍ مريح، فكيف تفعل وهي تشعر بالنفور الشديد منها، قاومت صبا شعورها وقالت وهي تشير إلى الأريكة:
_ اقعدي..
استشعرت زينب ما خلف معاملتها الجافة بعد ما علِمته مؤخرًا من عبدالله، واستغلت الفرصة لنفي التهمة من عليها، جلست أولًا وانتظرت حتى جلست صبا ثم هتفت بحرج:
_ على فكرة مش أنا اللي بعت الرسالة..
تشدقت صبا ساخرة وهتفت بلا مبالاةٍ:
_ معدتش فارقة مين اللي بعتها!
_ لا تفرق يا صبا، أنا لا يمكن أعمل كدا في اخويا! يمكن علاقتنا مكنتش أحسن حاجة بس أنا مش وحشة لدرجة أفرق بينكم.. أنا حقيقي مش عارفة اتبعتت إزاي من موبايلي بس هو مفيش غير..
أخفضت زينب رأسها في خجلٍ سيطر عليها ولم يُمكنها من التطلع في عيني صبا لحظتها، ازدردت ثم استأنفت:
_ مفيش غير حمادة اللي ممكن يكون عمل كدا!
_ ومين السبب إنه يخليه يعمل كدا؟ مش أنتِ؟!
هاجمتها صبا بعنفٍ غير متقبلة سماع اسم ذلك الوغد، فدمعت عيني زينب وقالت:
ـ أنا مكنتش أعرف إنه كدا..
ثم رفعت عينيها بها وأخذت نفسًا طويلًا قبل أن تسألها بقلبٍ يرفض سماع الإجابة لكنها تود معرفة الحقيقة:
_ هو فعلًا حمادة اللي عمل فيكي كدا؟!!
تفاجئت صبا بسؤالها، فكان آخر ما توقعته ذلك السؤال الأخرق، فهبت واقفة وصاحت عاليًا:
_ أنتِ لسه بتسألي؟ لسه معرفتيش حقيقته، الحيوان دا اللي دمرلي حياتي، أنا حياتي واقفة من وقت اللي حصل، مش قادرة أعيش طبيعي ولا قادرة اتخطى، ولا حتى علاجي فرق معايا بنسبة كويسة، كله بسببه هو، أنا لو أطول أخنقه بإيدي والله ماهتردد أبدًا بس هو يظهر قدامي!
أولتها صبا ظهرت تقاوم حاجتها في البكاء، بينما نهضت زينب بقلبٍ ينفطر حزنًا على ما أصابها، ثم هتفت ببغضٍ وكُره شديدين:
_ أنا هساعدك ناخد حقنا منه يا صبا...
اندهشت الأخرى مما وقع من كلماتٍ لم تتوقعها منها على مسمعها، التفتت بجسدها إليها وأطالت النظر بها غير مُصدقة فأكدت زينب على نواياها في الإنتقام لهن:
_ حطي إيدك في ايدي وهنقدر سوا نسجنه وناخد حقنا منه..
رفعت زينب يدها على بطنها ثم قالت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ وحق ابني أو بنتي اللي راحوا بسببه!
تساقطت عبراتها كهطول الأمطار المفاجئ وهي تتابع مسترسلة:
_ أنا اتعلمت بس متأخر، بعد ما تقريبًا خسرت حب وثقة أهلي، وبعد ما خسرت جنيني اللي راح من قبل ما اشوفه وألمسه..
وضعت زينب يدها على يسار صدرها حيث موضع قلبها وتحدثت بنبرة فظة تعكس مدى كُرهها إليه:
_ أنا بكرهه ونفسي أعمل أي حاجة تبرد اللي حاسة بيه، أنتِ مش متخيلة كنت عايشة على أمل واحد بس إنه ميكنش جه جنبك، مش عشان لسه جوايا حاجة ليه، بس عشان كُرههي لنفسي ميزديش إني كنت مغفلة بإرادتي!! كنت معمية بحب مش موجود، كنت موهومة بحاجات لما بفتكرها مش عارفة إزاي عديتها بسهولة كدا وكنت شيفاها أمور عادية وبتحصل بين أي اتنين متجوزين.. أنا هساعدك تاخدي حقك منه يا صبا يمكن دا يغفر لي عندك وعند عبدالله شوية..
تأثرت صبا للغاية من كلمات زينب التي ضاعفت الألم داخل قلبها، ثم فتحت ذراعيها فلم تتردد زينب وألقت نفسها بين أحضان صبا، وباتت كلتاهن تبكيان متحسرتين على ما مررن به من خلف ذلك الوغد متوعدتين له أشر وعيد.
***
أحضرت ليلى وجبة العشاء ثم خرجت من المطبخ، فألقت نظرةً على زكريا الذي يتفحص هاتفه، وضعت الصينية أمامه وجلست ثم انتبها كليهما على رنين هاتف زكريا، فكان قريبًا من ليلى التي مدت يدها تلقائيًا لتأتي له به.
لكن سرعان ما إلتقطه منها قبل أن تلمس الهاتف وقال:
_ هاتي..
رمقته ليلى بطرف عينيها ورددت مستاءة من تصرفه:
_ أنا كنت هجيبهولك..
لم يُعلق بل نهض وابتعد عنها ثم أجاب على الإتصال وهو يغلق باب الغرفة التي دلفها، تحت نظرات ليلى المذهولة من تصرفه، وشعرت بريبة في الأمر لكنها حاولت ألا تعطي اهتمامًا كبيرًا، فزكريا بات غريب الأطوار مؤخرًا.
بعد دقيقتين خرج من الغرفة وقال:
_ أنا نازل، هقابل عبدالله ووليد..
_ والأكل؟
قالتها فهتف الآخر وهو يتوجه ناحية الباب:
_ كُلي أنتِ، هبقى أكل أي حاجة برا
ثم انصرف سريعًا دون إضافة المزيد، لم تخفض ليلى نظرها عن الباب الذي اختفى خلفه، زفرت أنفاسها وخرجت من شرودها ثم تطلعت بالطعام ولم تشعر بحاجتها إلى تناوله، فلقد فقدت شهيتها.
نهضت لتُعيد ما أحضرته إلى أماكنه، ثم ولجت غرفتها وألقت بنفسها على الفراش، حدقت بالسقف وهي تفكر في تلك الفترة العصيبة التي تمر ببطءٍ، ولا يتغير شيء بها، بل تزداد الأمور تعقيدًا بينهما، للمرة المئة قد راودها شعور الندم حيال عدم حرصها والتي تجني ثماره الآن.
****
في قهوتهما المعتادة؛ جلس الشباب يتناولون شطائر الكبدة خاصة العم حسن المفضلة لديهم، وتناولا أطراف الحديث عن العمل المشترك الذي سيبدأونه معًا، فتحدث عبدالله بعملية:
_ إحنا عايزين نشوف إيه الحاجة المشتركة بينا، يعني إيه الحاجة اللي إحنا التلاتة بنعملها زي بعض ودي الحاجة اللي نقدر نفتح فيها مشروع!
تبادل الثلاثة النظرات فلم يصلا زكريا ووليد إلى مراد عبدالله من الحديث فبدأ الآخر يوضح قصده:
_ يعني مثلًا أنا بشتغل على عربيات من زمان، وزكريا بيصلحهم، ووليد شغال في مصنع ضفاير العربيات، يبقى كدا إحنا التلاتة فاهمين كويس أوي في إيه؟؟؟
_ في العربيات!!
ردداها الشابين في آنٍ واحد، فهلل عبدالله عاليًا:
_ عليكم نور، إيه بقى الحاجة اللي ممكن نفتحها تخص العربيات ونكون فاهمين فيها؟
أخذوا يفكرون لبعض الوقت حتى قطع زكريا ذلك الصمت باقتراحه:
_ ممكن نفتح مركز صيانة كبير، يعني مش على قد ملاكي بس، يبقى ملاكي ونقل وكل حاجة ماشية على الطريق
_ هو تفكير حلو، بس دا تخصصك أنت إحنا بقى هنعمل إيه؟
هتفها عبدالله بعملية، فعاودوا من جديد يفكرون حتى اقترح تلك المرة وليد:
_ ممكن نفتح مكان لبيع قطع غيار العربيات..
_ حلو دا برده.. بس عارفين الأحلى فين؟
أثار عبدالله فضولهما، ثم ابتسم وهو يخبرهم بحماسة:
_ نفتح مركز متكامل، نص صيانة صيانة عربيات ونص قطع غيار، يعني الزبون يدخل بعربية كارو يخرج بيها BMW، ها قولتوا إيه؟
لاحظ عبدالله وميض عينيهما اللامع، قبل أن يقطعه وليد مرددًا بيأس:
_ الكلام حلو، بس اللي أنت بتتكلم فيه دا كبير علينا أوي، إحنا يدوب كل واحد معاه اللي يأكله يومه يابني..
نظر إليه عبدالله شزرًا قبل أن يُبدي استيائه:
_ حد قالك إنك هتدفع جنيه! المشروع كله أبويا اللي متكفل بيه وإحنا يدوب هنشغله..
دنا منه زكريا واستند بمرفقيه على الطاولة أمامه وأردف بصوتٍ أجش:
_ أيوة يا صاحبي، بس إحنا كدا مدفعناش حاجة، يبقى هنشتغل إزاي؟
تأفف عبدالله بتذمرٍ لإحباطهما له وهلل بفتورٍ:
_ يا جماعة أنتوا بتقفلوها ليه؟ أبويا وعايز يعملي المشروع، هنشتغل مع بعض دي اللي مزعلاكم أوي يعني؟!، خلاص هتشتغلوا عندي حلو كدا؟
تبادلا الشابين النظرات قبل أن يهتفان معًا:
_ إذا كان كدا ماشي
ثم انطلقت نوبة ضحك بينهم، وأخذوا يتسامرون حول العمل وما سيحتاجونه للبدء فيه، حتى قطع عليهم لحظتهم رنين هاتف زكريا، فتفقد المتصل ثم استأذن منهم قائلًا:
_ هرد على المكالمة دي وراجع لكم..
ابتعد عنهما مسافةً لا بأس بها، حتى لا تقع كلماته على مسامعهم وأجاب:
_ المكالمات اللي كل شوية دي متنفعش، قولتِلك هكلِمك وقت ما أكون لوحدي!
على دروب الهوى
بقلمي تسنيم المرشدي
***
سكون حل لثوانٍ بعد ذلك التصريح المُباشر، لم يُبعد عبدالله نظره عنها، بل كان ينظر إليها مُصدومًا مما وقع على مسامعه، لم يُحرك ساكنًا حتى تفاجئ بيدها التي تُوضع على يده وهي تُردف سؤالها:
_ أنت ساكت ليه؟
سحب يده سريعًا وتفقد المكان من حوله، ثم حمد الله داخله أنه لم يتم رؤياهم، ابتلع ريقه وقال:
_ وهي دي حاجة يترد عليها؟ أنتِ واعية قولتي إيه ولا أنتِ مش فاهمة حجم المصيبة اللي أنتِ قولتيها؟!
أخذت ڤاليا نفسًا وزفرته بقوة قبل أن تُجيب:
_ أنا عارفة إن الموضوع حساس بس...
قاطعها عبدالله بهجومٍ فاجئها:
_ حساس إيه، لا دا أنتِ فعلًا مش شايفة حجم المصيبة! أنتِ بتعترفي لاخو خطيبك بحُبك؟ وآدم دا إيه؟ قاعد على دِكة الإحتياطي؟
كان هجومه قاسيًا ولم تتحمله، لكنها جاهدت نفسها وتابعت شرح مشاعرها بنيةٍ حسنة:
_ أنا مفيش جوايا حاجة لأدم، من وقت ما اتقدم وأنا مش مرتاحة و....
قاطعها ثانيةً باندفاعه المُبالغ:
_ ميخُصنيش، مرتاحة ولا لأ ميخُصنيش، دي حاجة بينك وبينه هو، لكن دا ميديكيش الحق إنك تيجي تقوليلي بحبك وأنتِ مع اخويا!!
تجمعت الدموع في عينيها، وتحشرج صوتها اثر بكائها الحبيس:
_ بس أنا عارفة إن علاقتكم مش قوية ولا...
للمرة الثالثة التي يهاجمها بها ولا يدعها تُواصل حديثها حيث هدر بها شزرًا:
_ ولو، آه علاقتي بيه مش أحسن حاجة..
ضرب عبدالله صدره بقوة وهو يُتابع:
_ بس دا أخويا، بينا دم! واللي أنتِ قولتيه دا ميصحش، ولا حتى ينفع تفكري فيه بينك وبين نفسك! مش مرتاحة معاه فشكلي الخطوبة لكن متستنيش مني حاجة..
تلك اللحظة فشلت ڤاليا في التماسُك وأنهمرت دموعها على مقلتيها، فأسرعت في مسحهم حتى لا يراها أحدهم في تلك الحالة المذرية، بينما شعر عبدالله بالإختناق الشديد مما يحدث، أغمض عينيه يحاول كبح جماح غضبه ثم أعاد النظر إليها وحاول التحدث بصوتٍ هادئ لكنه لم يخلو من التشنج:
_ بصي يا بنت الناس، إحنا مش موبايلات من اللي عندك بتبدلي فيهم، أنا وآدم بينا الراجل اللي هناك..
أشار إلى والده فنظرت ڤاليا حيث يُشير ثم تابع عبدالله استرساله:
_ علاقتي بيه آه مش أحسن حاجة، بس أنا لا تربيتي ولا أخلاقي تسمح لي مجرد تفكير إني
أبص لك بصة غير أخوية، حتى دي موصلتش ليها، أنا دخلت بيتكم بغرض الشغل وأنتِ كنتي مجرد
باب رزق، فأنا جدعنة مني هعمل نفسي مسمعتش حاجة وأنتِ تشيلي الكلام دا من دماغك عشان الدنيا متقعش في بعض!
رمقها عبدالله شزرًا ثم قال قبل أن ينسحب:
_ عن إذنك..
وسرعان ما تحرك من أمامها تاركًا إياها بمفردها، وقفت ڤاليا تتابع تحركاته بعيون لا تتوقف عن البكاء، كلماته يتردد صداها في عقلها فسببت لها وخزة قوية في قلبها، لم يكن هينًا رفضه لها بتلك الطريقة القاسية.
لقد شعرت بصِغر شأنها، وعدم قيمتها بعد حديثه معه، كيف صرحت بمشاعرها دون النظر لتلك العواقب التي أمامها، كيف لم تمنع قلبها من البوح عن حبه للشخص الخاطئ، لماذا هو إذًا إن لم يكن سيصبح لها؟
أولت المكان ظهرها وهرولت إلى الخارج وهي بالكاد ترى أمامها بسبب بكائها الذي يشوش رؤيتها، ركبت السيارة التي جاءت بها وأمرته بالعودة إلى بيتهم تاركة خلفها أذيال خيبتها مُتحسرة على حبها الذي انتهى قبل أن يبدأ عصِره.
****
بعد فترةٍ؛ قام عبدالله بالإتصال على عز، الذي أجاب بعد مدة، فحمحم عبدالله وجاهد على إخراج نبرته شوية غير مشحونة بالغضب:
_ عز بيه..
فرّد الآخر بودٍ:
_ إزيك يا عبدالله..
_ الحمدلله
قالها ثم بدأ ما ود قوله:
_ أنا عايز أبلغك إني مش هقدر أكمل شغل معاك، أنا آسف لأني وعدتك وخلفت بوعدي، بس غصب عني أنا مش هقدر أكمل، بس بكرة إن شاء الله هيكون عندك واحد ثقة مكاني..
تعجب عز من نبرته وانسحابه من العمل فجأةً وسأله مستفسرًا عن السبب:
_ مفيش مشكلة طلاما دا في مصلحتك، بس ليه حاسس إن صوتك مندفع؟ هو فيه حاجة حصلت؟
لم يُخبره عبدالله على الرغم من صوته الداخلي الذي يحثه على إخباره حتى لا تتفاقم الأمور بين العائلتين من وراء ذلك الحب المزعوم لكنه لم يُفصح:
_ مفيش سبب يا عز بيه، أنا آسف مرة تانية، سلام..
أنهى عبدالله الإتصال ووقف برفقة صديقيه وعقله مشغولًا بتصريح ڤاليا وما سيترتب عليه لاحقًا، بينما نظر عز طويلًا إلى الهاتف عندما أنهى عبدالله الإتصال ثم تفاجئ باقتحام ڤاليا مكتبه، وما آثار رعبه، بكائها وانهيارها بذلك الشكل الغير مفهومه.
هب واقفًا واقترب منها بوجهٍ قلِق، وسألها متوجسًا خيفة مما قد أصابها:
_ في إيه يا حبيبتي، أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه؟
_ أنا مخنوقة أوي يا دادي!!
قالتها بصوتٍ بالكاد فهمه عز، خفق قلبه رعبًا وقام بضمها إلى صدره حتى تهدأ ثم تساءل بجدية وهو يُمسد على حجابها:
_ مالك بس، حصل إيه لكل دا؟
كانت تطلق شهقاتٍ قوية تهز جسدها، فساعدها عز على الجلوس ثم أحضر لها كوب من الماء وناولها إياه، فأخذته ثم ارتشفت منه القليل بيدين مرتجفتين وبدأت تقُص عليه ما فعلته حتى تفاجئت باندهاشه أو ربما صدمته فازداد نحيبها عندما تأكدت أنها افتعلت كارثة.
فغر عز فاهه بصدمةٍ؛ حاول تجميع الكلمات ليرد بها عليها لكنه لم يجد، أخذ ثوانٍ حتى نطق:
_ إيه اللي عملتيه دا ڤاليا؟
أغمض عينيه مستاءً من حماقة تصرفها قبل أن يواصل بنبرة مندهشة:
_ إزاي تقولي لعبدالله بحبك؟؟
دا أخو آدم! اللي هو خطيبك!
أنتِ عقلك كان وأنتِ بتعملي كدا؟ إزاي مفكرتيش في العواقب اللي هتحصل بعد كدا؟ وآدم هنقوله إيه؟ معلش good luck في المرة الجاية أصل بنتي طلعت بتحب أخوك؟
نهض عز ودار حول مِكتبه وهو لا يستطع هضم السخافة الحادثة، بينما لم تكف ڤاليا عن البكاء وتحدثت بنبرةٍ متلعثمة:
_ يا دادي أنا من الأول مكنتش مُتقبلة آدم، وأنت عارف كدا كويس، ضغطّوا عليا إني أعطي له فرصة وعملت كدا عشانكم بس مقدرتش، مقدرتش أحبه ولا حاسة من نحيته بحاجة خالص، عكس عبدالله من أول ما شوفته وأنا مرتاحة جدًا في كلامي معاه، حسيت بحاجات غصب عني نحيته، والله مش بإيدي..
توقف عز عن المشي وأخفض بصره عليها وقال بحدةٍ:
_ حسيتي بمشاعر وحصل اللي حصل وهنقول كان غصب عنك، لكن مش قادرة تمسكي نفسك، تروحي تقولي للولد إنك بتحبيه؟ منتظرة منه إيه مثلًا يقولك انفصلي عن آدم ويلا نرتبط؟ دي علاقة مستحيلة! مينفعش يا حبيبتي، دا حتى هو لو قِبل أنا مش هقبل لأسباب كتير، أولهم علاقتي بقاسم هتتهز لأني اوردي عملت فجوة وخلقت كُره بين ولاده، وعشان مش هكون مأمن عليكي مع واحد مفرقش معاه مشاعر أخوه عشانك! طب ما هيتخلى عنك في أي وقت..
أخذ نفسًا عميق زفره بقوة ثم بحث عن هاتفه وردد عندما ربط إتصال عبدالله ورفضه في مواصلة العمل بما أخبرته به ابنته:
_ عشان كدا عبدالله اعتذر ورفض يكمل في الشغل..
قام بمعاودة الإتصال عليه وانتظر حتى جائه الرد فقال عز:
_ أنا ڤاليا حكيت لي اللي حصل، وصدقني مش لاقي كلام يوصف أنا حاسس بإيه ولا مش عارف المفروض اعتذر منك ولا إيه التصرف الصح، بس رجاء مني يا عبدالله محدش يعرف باللي حصل.. أنا مش حابب علاقتي مع قاسم تتوتر بسبب تصرفات متهورة
قال كلماته وعينيه يُعاتبان بها ڤاليا المُكورة على نفسها تبكي في صمت وهي تتابع مكالمة والدها، فحمحم عبدالله وأردف بصوتٍ أجش:
_ دا برده نفس رأيي يا عز بيه، مش حابب حد يعرف حاجة، أتمنى منك تقدر تسيطر على أنسة ڤاليا عشان مش عايز الموضوع يوصل لطريق مش هيجيب غير مشاكل!
_ إن شاء الله مفيش مشاكل، بعتذر لك تاني عن اللي حصل..
هتفها عز بخزي شديد، ثم تطلع في إبنته وهز رأسه باستنكارٍ، جلس مقابلها وتحدث بهدوءٍ أرغم حاله على تلبُس ثوبه:
_ هنكلم آدم يجي البيت ونعرفه إنك مش مرتاحة وننهي الموضوع دا، أنا كنت غلطان من الأول لما فكرت ندي له فرصة وأنتِ مش مرتاحة، ودي كانت النتيجة، كفاية عبث لغاية كدا
أخذ عز يبحث عن رقم آدم وتابع حديثه قبل أن يقوم بالإتصال عليه:
_ وأنتِ تنسي موضوع عبدالله دا، متفكريش فيه نهائي، لأنه مستحيل، لأ مستحيل إيه دا من سابع المستحيلات إنه يحصل!
ثم قام بالإتصال على آدم وتحدث بلطفٍ فور إجابة الآخر:
_ آدم يا حبيبي، فاضي النهاردة بليل تيجي نتكلم شوية؟
***
استيقظ عاصم بثِقل في رأسه، لم ينجح في تحريكها جيدًا، قاوم ذلك الشعور المؤلم واعتدل من نومه فتفاجئ بوجوده في غرفة صبا، تفحص المكان ثانيةً بغرابةٍ ثم نهض وخرج من الغرفة باحثًا عنها.
أصابه الصداع عندما وقف فجأة فأمسك رأسه محاولًا السيطرة على الألم لكنه فشل، ترجل الدرج وتوجه ناحية المطبخ عندما خرجت منه أصواتًا تدل على وجود صبا به، وقف على الباب وبنبرةٍ متعبة قال:
_ هي الساعة كام؟
أخذت صبا تتنفس محاولة نسيان ما جعلها تعيشه بالأمس وقالت بإسلوبٍ جاف:
_ الساعة ٧
اتسعت مقلتي عاصم بدهشة وررد مذهولًا:
_ أنا نمت كل دا؟
وسرعان ما ازداد آلم رأسه فتشنجت تعابير وجهه، فعلِمت صبا ما يمر به وقالت:
_ تأثير الخمور بيعمل كدا، مكنتش أعرف إنك بتشرب الحاجات دي!
رمقها عاصم بطرف عينيه ومزيج من المشاعر قد أحس به لحظتها، فلقد خالط خجله واستيائه من شرب الخمور غضبه منها لأنها من دفعته إلى ذلك، تنهد واختصر إجابته:
_ دي أول مرة في حياتي أعمل كدا..
عاتبته صبا بإسلوبٍ يخلو من المشاعر:
_ أنت مش عارف إنها حرام؟ وغلط على الجسم؟
لو يُعقب عاصم، واكتفى برمقها بنظراتٍ تُحملها اللوم، فشعرت بما يرمي إليه من خلال نظراته، وسرعان ما أولته ظهرها وقالت:
_ هعملك قهوة تفوقك..
ثم أخذت تحضر قدح القهوة، بينما راود عاصم سؤالًا خشى إخراجه لكن فضوله قد دفعه للسؤال عنه خصيصًا بعد تعامل صبا معه بجفاء مبالغ، فأخذ يتنهد قبل أن يهتف:
_ هو فيه حاجة حصلت امبارح؟
تفاجئت صبا بسؤاله واهتز داخلها، لكنها تصنعت جهلها وتساءلت:
_ حاجة إيه؟
_ مش عارف أي حاجة، أصل أنا قمت لقيت نفسي في أوضتك.. فخوفت يكون صدر مني أي موقف وأنا مش فايق..
أردفها عاصم يآمل عدم افتعاله لشيءٍ حقير، فنفت صبا وجود شيء قد أحدثه بقولها:
_ أنت رجعت مش شايف قدامك ونمت فسيبت لك الأوضة وخرجت، بس كدا
شعر عاصم بالراحة تغلف صدره، انتهت صبا من عمل القهوة وقامت بسكبها في الفنجان خاصته، فرفع عاصم يده يتناولها من يدها لكنها أبت إعطائها له مُعللة:
_ مينفعش قهوة على معدة فاضية.. لازم تاكل الأول
ثم أخذت تحضر له شطيرة تحت نظرات عاصم المتابعة لها، انتهت صبا مما تفعله ثم وضعتها أمامه وجلست مقابله فتساءل الآخر باهتمامٍ:
_ مش هتاكلي معايا؟
_ سبقتك وآكلت..
قالتها بإيجاز، فبدأ عاصم بتناول الشطيرة حتى سقط على مسامعه الضجة التي في الخارج فعقد ما بين حاجبيه وهو يتساءل:
_ إيه الدوشة اللي برا دي؟
ألقت صبا نظرة على النافذة التي تجاوره قبل أن تجيبه:
_ دا كتب كتاب بابا عبدالله على مامته
تفاجئ عاصم مما قيل وردد:
_ إيه دا؟ فجأة كدا؟ أومال مراته الأولى نظامها إيه؟
رفعت صبا كتفيها مُبدية عدم عِلمها، فأبدى عاصم استيائه:
_ إيه التهور دا؟
انزعجت صبا من تعليقه وهتفت بهجومٍ:
_ إيه التهور في كدا؟ هما مش بينهم ابن؟ وبعدين على حد عِلمي إنهم كانوا قصة حب ولظروف خاصة أجبرتهم يبعدوا عن بعض أكتر من ٣٠ سنة.. أعتقد كفاية بُعد طلاما الحب لسه موجود
تقوس ثغر عاصم ببسمةٍ باهتة وردد:
_ يعني أنتِ عايزة تقولي إن الحب مهما مر عليه سنين بينتصر في الآخر؟
_ لما بيكون الحب متبادل ليه لأ؟
قالتها مُتعمدة لتُبعد اي ذرة أمل قد تكون داخله، فهز عاصم رأسه بتفهمٍ وأبعد عينيه عنها وتابع تناول شطيرته ليرتشف قهوته ربما يشعر بالتحسن.
****
غربت الشمس وحل الليل، انصرف جميع الحضور وبات المكان خاليًا إلا من أصحاب البيت، حيث أسبق عبدالله بالحديث وقال:
_ أنا هاخد زينب ونتعشى برا..
_ تمام يا حبيبي، خلي بالكم من بعض
هتفتها أحلام بحبٍ ثم انسحب عبدالله متجهًا إلى سيارته فاستأذنت زينب منهما وتَبِعته إلى السيارة، بينما ولجا قاسم وأحلام إلى البيت بعد أن غادرا الآخرين.
صعدا إلى غرفتهما، فكانت أحلام تسبِقه بخُطاها، قامت بفتح الباب وفوجئت بالفراش المُزين بالورود الحمراء والشموع التي تملأ الغرفة، وبعض البلالين التي تنسدل بخيط رفيع من السقف.
فاستدارت مسرعة ونظرت إليه بذهولٍ، فلقد فاجئها تصرفه اللطيف ورددت:
_ إيه دا؟ عملت كل دا امتى؟ أنت مسبتنيش لحظة؟
اقترب منها قاسم وشكل إبتسامة سعيدة على شفتيه قبل أن يُخبرها بصوتٍ عذب:
_ أنا طلبت من اللي عملوا ديكور الحديقة يعملوا الأوضة وقت كتب الكتاب عشان متحسيش بحاجة وتكون مفاجأة، ها حلوة؟
_ أوي أوي
أشدت بجمالها وهي تتطلع بالغرفة بعيون ساحرة خطفتها الزينة، ثم عادت ناظرة إليه بوميضٍ مُحبةَ مُتيمة بساكن قلبها وزوجها ثم هتفت:
_ أنت بتعملي حاجات كأني لسه بنت عشرين يا قاسم!!
دنا منها قاسم وملس على وجنتها بحنانٍ وهو يهمس بعذوبة:
_ أنتِ في نظري لسه زي أول مرة شوفتك فيها..
توقف عن الحديث فاتسعت حدقيته فجأة وقال بجدية:
_ تسمح لي أعمل حاجة مفتقدها من ٣٢سنة!!
ضاق نظر أحلام في محاولة معرفة ما يقصده، لكنها فشلت في الوصول لما يرمي إليه فتساءلت مستفسرة:
_ حاجة إيه؟
أخذ قاسم نفسًا ولم يُخرجه، بل حَبِسه حتى فاجئها بعناقه الحار الذي شعر فيه بِدفء يُضمد فقدانها الأعوام الماضية، تلك الأثناء بادلته أحلام الشعور نفسه فزفر أنفاسه بعد أن وضع رأسه على كتفها كطيرٍ شردَ عن سِربه وعاود إليه من جديد، شعور لا يُضاهى بثمن، حينها أغمض قاسم عينيه مُستمتعًا بلذة الوصول.
***
في مكانٍ آخر قطع عبدالله مسافةً لا بأس بها؛ كان يقود ولا يعلم إلى اين يذهب، كان صامتًا جامدًا يآكل عقله التفكير، يزداد بُغضًا من أفعال شقيقته التي تُفاجئه بها.
لم يعد يتحمل، فلقد فاق التفكير قدرته، صف السيارة على جانب الطريق فنظرت إليه زينب متعجبة من أمره وقالت متسائلة:
_ وقفت هنا ليه؟
استشنق عبدالله أكبر قدر من الهواء قبل أن ينظر إلى يمينه رامقها بنظراتٍ ساخطة وهو يهتف:
_ أنتِ إيه اللي خلاكي تبعتي رسالة لصبا تقوليلها فيها إني مش عايزها؟
فغرت زينب فاها وقد حلت الصدمة على وجهها ورددت بدهشة:
_ رسالة إيه؟ أنا مبعتش حاجة!!
تحلى عبدالله ببعض الصبر ليواصل حواره معها، لكنه لم يستطع السيطرة على نبرته التي خرجت متشنجة وكذلك عروق عنقه التي برزت من قوة خروج كلماته:
_ فيه رسالة اتبعتت لها يوم اللي حصل من موبايلك!
شعرت زينب باتهام موجه إليها من خلف كلماته وأسلوبه الفظ معها، دمعت عينيها وردت بصوتٍ يُهدد بالبكاء وهي تحدق بأصابعها التي تفركهم بتوترٍ:
_ أنا عارفة إني عملت حاجات كتير تخليك تشك فيا، لكن دي والله معملتهاش، أنا آه كنت وحشة معاك بس مش للدرجة دي!!
ثم حركت رأسها يسارًا حيث يجلس عبدالله وأضافت وعبرانها تتساقط في صمتٍ:
_ والله ما عملت كدا..
_ أومال اتبعتت إزاي؟
تساءل بجدية من بين أسنانه المتلاحمة فنظرت إليه زينب بعتابٍ وهو تُخبره:
_ يعني بعد كل اللي حصل وأنت لسه بتسأل؟
لم يستوعب عقله دنائة ذلك الوغد وخرج عن هدوئه المصطنع حيث ضرب الطارة أمامه وهتف عاليًا بغضبٍ عارم:
_ ايوا إزاي بس، دا كأنه مِرتب كل حاجة بالمِلي عشان يبعدنا عن بعض، عمل عملته وراح نام جنبك عشان يبعد الشُبهات عنه وبعدها على طول يتقبض عليا وأنا بكلمها في الموبايل وقبل ما أعطيها رد على سؤالها، وبعدها يبعت رسالة يقولها إني مش عايزها فتروح تتجوز واحد غيري! إزاي قدر يرتبها بالشكل دا؟
إزاي عمل كل حاجة بالدقة دي وهو لوحده؟
إيه ساحر!!
مسخر جن معاه عشان اللعبة القذرة دي تمشي مستقيم كدا؟
عاد عبدالله برأسه مستندًا على المقعد، ثم أغلق عينيه بأحد إصبعيه، كان في وضعٍ لا يسمح معه النقاش الآن، مر بِضع دقائق حتى تحدثت زينب حاسمة قرارها:
_ أنا عايزة أطلق منه رسمي يا عبدالله، مش عايزة أي حاجة تربطني بالبني آدم دا!
وكأنها أنارت إليه الحل، فقام عبدالله بسحب هاتفه من جيب بنطاله ثم قام بالإتصال على آدم، انتظر ثوانٍ حتى أتاه الرد:
_ أيوا؟
حمحم عبدالله وعرّف عن نفسه بجمودٍ:
_ أنا عبدالله..
صمت حل لثانية قبل أن يقطعه آدم قائلًا:
_ إيه يا عبدالله، معاك..
_ أنا عايز حمادة عشان يطلق أختي عند المآذون، ياريت لو تعرفه يجي بكرة، عايز الموضوع دا ينتهي بسرعة..
قالها عبدالله محاولًا الإختصار بينما اكتفى آدم بترديد:
_ تمام
صمت الطرفين حتى أنهى الإتصال دون سلام، لم يتطلع في شقيقته، بل تحرك بالسيارة وعاد بها إلى بيت المزرعة، ثم هتف قبل نزولها:
_ لو حد سألك رجعتي ليه قولي عبدالله جاله شغل..
اكتفت زينب بالإيماء ثم ترجلت في هدوء، فتابع عبدالله قيادته حتى اختفى من أمامها، فولجت هي إلى الحديقة، لكنها لم تحب أن تزعج والدتها في يومٍ مميز كهذا، وفضلت البقاء في الحديقة، وما أن جلست حتى هاجمتها ذكرياتها مع حمادة فترقرقت العبرات من عينيها حزنًا على تلك الثغرات التي كانت عمياء عنها.
كيف تغاضت النظر عن شخصية غير سوية مثله؟ كيف قبلت بالعودة إليه بعد إهانته لها وضربه المبرح الذي تسبب بالأخير إجهاض جنينها؟ كيف كانت بتلك الحماقة؟
هل هذا ما يُسمى الحب؟ أن يلغي الإنسان كرامته ويضع عصابة عينين حتى لا يرى أخطاء الطرف الآخر؟ تيقنت حينها كانت أكثر غباءًا عندما قبلت به زوجًا ورفضت وليد الذي يتحلى بالأخلاق الحميدة والأسلوب اللين، البار بوالدته، مقيم الصلاة!!
كم تمنت لحظتها أن يُعاد الزمن مجددًا حتى لا تكرر خطأها ثانيةً، ربما كانت الآن تتناول العشاء الرومانسي معه، أو يخرجان في نزهةٍ ويأتي لها بالزهور الحمراء التي تحبها.
تلك الأثناء؛ في البيت المجاور خرج عاصم ليذهب إلى أصدقائه فسمع همهماتٍ جانبية، فقاده الفضول لمعرفة صاحب الصوت، توجه دون تردد إلى بيت قاسم ومر من خلال باب الحديقة فوجدها زينب تبكي بشدة، نظر في الأرجاء ربما يجد رفيقًا لها فلم يرى أحد.
فقرر الذهاب إليها ربما هي واقعة في مشكلةٍ وبحاجة إلى المساعدة، تفاجئت زينب بقدومه فأسرعت في مسح دموعها ثم هبت واقفة تستقبله، وقف عاصم وهو لا يدري أين يبدأ الحديث بالتحديد، ابتلع ريقه وحاول إيجاد الكلمات فأردف بتعلثمٍ:
_ آسف لو دخلت فجأة، بس أنا سمعت صوت زي عياط وقلقت، فحبيت أطمن..
حمحم عاصم وهو يجوب بعينه المكان من حوله ثم عاود النظر إليها وتساءل:
_ أنتِ كويسة؟
جاهدت زينب على التصرف كما لو كانت بخير، فأومات بتأكيدٍ قبل أن تجيبه:
_ أنا كويسة.. شكرًا لاهتمام حضرتك..
ابتسم عاصم وقال مازحًا:
_ لا بلاش تكليف، إيه حضرتك دي قوليلي يا باشمهندس!
نجح عاصم في رسم الإبتسامة على ثغرها، فشاركها الضحك ثم قالت هي:
_ ماشي يا باشمهندس..
كان مرتبكًا بعض الشيء، لم تكف عينيه عن التطلع يمينًا ويسارًا، تعجبت زينب من حالته المريبة وسألته مستسفرة:
_ هو حضرتك بتدور على حاجة؟
_ لأ، بس هو فيه سؤال حاسس إني هكون متطفل لو سألته..
هتفها على أمل سماحها له بعرض سؤاله، فرحبت زينب بذلك وأردفت بتلقائية:
_ طبعًا اتفضل أسأل
_ أنتِ بتعملي إيه هنا في وقت زي دا، يعني متفهمنيش غلط بس المنطقة هنا مقطوعة ويُستحسن إن في الوقت دا تكوني في البيت مش هنا لوحدك!
قالها وانتظر ردها، بينما أطالت زينب النظر به، وحاولت الإتيان بإجابةٍ، نظرت حيث موطن البيت قبل أن تُعطيه ردًا بحرجٍ:
_ هو أنا مش معايا مفتاح ومحبتش أزعجهم، فقعدت هنا على لما عبدالله يرجع..
حرك عاصم رأسه بتفهمٍ ثم أشار إلى بيته قائلًا:
_ طيب تعالي اقعدي عندنا لغاية ما عبدالله يرجع، بلاش تقعدي لوحدك هنا
أبدت زينب رفضها التام:
_ لا أنا مرتاحة هنا وهو أكيد مش هيتأخر
عاتبها عاصم بنظراته وأصر على اصطحابها إلى منزله:
_ صدقيني الأحسن إنك تقعدي في البيت، فيه هنا حيوانات شرسة بتخرج بليل، وبعدين أنتِ هتقعدي مع صبا أنا أصلًا كنت خارج
نظرت إليه مطولًا تفشل في أخذ قرار فحسم عاصم أمرها:
_ متفكريش كتير، تعالي
أسبق بخُطاه إلى البيت خاصته، فتَبِعته زينب على استحياء شديد، قام عاصم بفتح الباب ودعاها إلى الداخل وقال وهو يُسير إلى الأعلى:
_ هنادي صبا.. لحظة
فأسرعت زينب بالتحدث بخجلٍ يسيطر عليها:
_ أنا بجد حاسة إن وجودي هنا ملوش لزوم، عبدالله مش هيتاخر و...
قاطعها عاصم هاتفًا:
_ مش فاهم ليه الحزازية دي مش صبا تبقى جارتك وصاحبتك، ودا بيتها يعني مفيش داعي للحرج خالص، ثواني هنادي عليها
وما أن أنهى جملته حتى صعد سريعًا إلى الطابق العلوي لكي لا يواجه اعتراضًا آخر لبقائها هنا، توجه إلى غرفة صبا وحاول فتح الباب لكنه كان موصدًا من الداخل، فاضطر إلى الطرق عليه حتى جائه صوتها الخائف خشية إعادة ما أحدثه البارحه:
_ عايز إيه؟
أجابها عاصم بهمسٍ حتى لا يصل صوته إلى أذني زينب:
_ أخت عبدالله تحت وأنا قولتلها هنادي عليكى تقعدي معاها..
فتحت صبا الباب وحدجته بعيون ضائقة متسائلة عن سبب مجيئها:
_ زينب بتعمل إيه هنا في وقت زي دا؟
شرح لها عاصم ما حدث بإيجاز ثم أنهى حديثه قائلًا:
_ انزلي يلا عشان أنا خارج..
ترجلت معه صبا فاستأذن عاصم منهن وغادر على الفور، بينما وقفت صبا أمام زينب تفشل في استقبالها بشكلٍ مريح، فكيف تفعل وهي تشعر بالنفور الشديد منها، قاومت صبا شعورها وقالت وهي تشير إلى الأريكة:
_ اقعدي..
استشعرت زينب ما خلف معاملتها الجافة بعد ما علِمته مؤخرًا من عبدالله، واستغلت الفرصة لنفي التهمة من عليها، جلست أولًا وانتظرت حتى جلست صبا ثم هتفت بحرج:
_ على فكرة مش أنا اللي بعت الرسالة..
تشدقت صبا ساخرة وهتفت بلا مبالاةٍ:
_ معدتش فارقة مين اللي بعتها!
_ لا تفرق يا صبا، أنا لا يمكن أعمل كدا في اخويا! يمكن علاقتنا مكنتش أحسن حاجة بس أنا مش وحشة لدرجة أفرق بينكم.. أنا حقيقي مش عارفة اتبعتت إزاي من موبايلي بس هو مفيش غير..
أخفضت زينب رأسها في خجلٍ سيطر عليها ولم يُمكنها من التطلع في عيني صبا لحظتها، ازدردت ثم استأنفت:
_ مفيش غير حمادة اللي ممكن يكون عمل كدا!
_ ومين السبب إنه يخليه يعمل كدا؟ مش أنتِ؟!
هاجمتها صبا بعنفٍ غير متقبلة سماع اسم ذلك الوغد، فدمعت عيني زينب وقالت:
ـ أنا مكنتش أعرف إنه كدا..
ثم رفعت عينيها بها وأخذت نفسًا طويلًا قبل أن تسألها بقلبٍ يرفض سماع الإجابة لكنها تود معرفة الحقيقة:
_ هو فعلًا حمادة اللي عمل فيكي كدا؟!!
تفاجئت صبا بسؤالها، فكان آخر ما توقعته ذلك السؤال الأخرق، فهبت واقفة وصاحت عاليًا:
_ أنتِ لسه بتسألي؟ لسه معرفتيش حقيقته، الحيوان دا اللي دمرلي حياتي، أنا حياتي واقفة من وقت اللي حصل، مش قادرة أعيش طبيعي ولا قادرة اتخطى، ولا حتى علاجي فرق معايا بنسبة كويسة، كله بسببه هو، أنا لو أطول أخنقه بإيدي والله ماهتردد أبدًا بس هو يظهر قدامي!
أولتها صبا ظهرت تقاوم حاجتها في البكاء، بينما نهضت زينب بقلبٍ ينفطر حزنًا على ما أصابها، ثم هتفت ببغضٍ وكُره شديدين:
_ أنا هساعدك ناخد حقنا منه يا صبا...
اندهشت الأخرى مما وقع من كلماتٍ لم تتوقعها منها على مسمعها، التفتت بجسدها إليها وأطالت النظر بها غير مُصدقة فأكدت زينب على نواياها في الإنتقام لهن:
_ حطي إيدك في ايدي وهنقدر سوا نسجنه وناخد حقنا منه..
رفعت زينب يدها على بطنها ثم قالت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ وحق ابني أو بنتي اللي راحوا بسببه!
تساقطت عبراتها كهطول الأمطار المفاجئ وهي تتابع مسترسلة:
_ أنا اتعلمت بس متأخر، بعد ما تقريبًا خسرت حب وثقة أهلي، وبعد ما خسرت جنيني اللي راح من قبل ما اشوفه وألمسه..
وضعت زينب يدها على يسار صدرها حيث موضع قلبها وتحدثت بنبرة فظة تعكس مدى كُرهها إليه:
_ أنا بكرهه ونفسي أعمل أي حاجة تبرد اللي حاسة بيه، أنتِ مش متخيلة كنت عايشة على أمل واحد بس إنه ميكنش جه جنبك، مش عشان لسه جوايا حاجة ليه، بس عشان كُرههي لنفسي ميزديش إني كنت مغفلة بإرادتي!! كنت معمية بحب مش موجود، كنت موهومة بحاجات لما بفتكرها مش عارفة إزاي عديتها بسهولة كدا وكنت شيفاها أمور عادية وبتحصل بين أي اتنين متجوزين.. أنا هساعدك تاخدي حقك منه يا صبا يمكن دا يغفر لي عندك وعند عبدالله شوية..
تأثرت صبا للغاية من كلمات زينب التي ضاعفت الألم داخل قلبها، ثم فتحت ذراعيها فلم تتردد زينب وألقت نفسها بين أحضان صبا، وباتت كلتاهن تبكيان متحسرتين على ما مررن به من خلف ذلك الوغد متوعدتين له أشر وعيد.
***
أحضرت ليلى وجبة العشاء ثم خرجت من المطبخ، فألقت نظرةً على زكريا الذي يتفحص هاتفه، وضعت الصينية أمامه وجلست ثم انتبها كليهما على رنين هاتف زكريا، فكان قريبًا من ليلى التي مدت يدها تلقائيًا لتأتي له به.
لكن سرعان ما إلتقطه منها قبل أن تلمس الهاتف وقال:
_ هاتي..
رمقته ليلى بطرف عينيها ورددت مستاءة من تصرفه:
_ أنا كنت هجيبهولك..
لم يُعلق بل نهض وابتعد عنها ثم أجاب على الإتصال وهو يغلق باب الغرفة التي دلفها، تحت نظرات ليلى المذهولة من تصرفه، وشعرت بريبة في الأمر لكنها حاولت ألا تعطي اهتمامًا كبيرًا، فزكريا بات غريب الأطوار مؤخرًا.
بعد دقيقتين خرج من الغرفة وقال:
_ أنا نازل، هقابل عبدالله ووليد..
_ والأكل؟
قالتها فهتف الآخر وهو يتوجه ناحية الباب:
_ كُلي أنتِ، هبقى أكل أي حاجة برا
ثم انصرف سريعًا دون إضافة المزيد، لم تخفض ليلى نظرها عن الباب الذي اختفى خلفه، زفرت أنفاسها وخرجت من شرودها ثم تطلعت بالطعام ولم تشعر بحاجتها إلى تناوله، فلقد فقدت شهيتها.
نهضت لتُعيد ما أحضرته إلى أماكنه، ثم ولجت غرفتها وألقت بنفسها على الفراش، حدقت بالسقف وهي تفكر في تلك الفترة العصيبة التي تمر ببطءٍ، ولا يتغير شيء بها، بل تزداد الأمور تعقيدًا بينهما، للمرة المئة قد راودها شعور الندم حيال عدم حرصها والتي تجني ثماره الآن.
****
في قهوتهما المعتادة؛ جلس الشباب يتناولون شطائر الكبدة خاصة العم حسن المفضلة لديهم، وتناولا أطراف الحديث عن العمل المشترك الذي سيبدأونه معًا، فتحدث عبدالله بعملية:
_ إحنا عايزين نشوف إيه الحاجة المشتركة بينا، يعني إيه الحاجة اللي إحنا التلاتة بنعملها زي بعض ودي الحاجة اللي نقدر نفتح فيها مشروع!
تبادل الثلاثة النظرات فلم يصلا زكريا ووليد إلى مراد عبدالله من الحديث فبدأ الآخر يوضح قصده:
_ يعني مثلًا أنا بشتغل على عربيات من زمان، وزكريا بيصلحهم، ووليد شغال في مصنع ضفاير العربيات، يبقى كدا إحنا التلاتة فاهمين كويس أوي في إيه؟؟؟
_ في العربيات!!
ردداها الشابين في آنٍ واحد، فهلل عبدالله عاليًا:
_ عليكم نور، إيه بقى الحاجة اللي ممكن نفتحها تخص العربيات ونكون فاهمين فيها؟
أخذوا يفكرون لبعض الوقت حتى قطع زكريا ذلك الصمت باقتراحه:
_ ممكن نفتح مركز صيانة كبير، يعني مش على قد ملاكي بس، يبقى ملاكي ونقل وكل حاجة ماشية على الطريق
_ هو تفكير حلو، بس دا تخصصك أنت إحنا بقى هنعمل إيه؟
هتفها عبدالله بعملية، فعاودوا من جديد يفكرون حتى اقترح تلك المرة وليد:
_ ممكن نفتح مكان لبيع قطع غيار العربيات..
_ حلو دا برده.. بس عارفين الأحلى فين؟
أثار عبدالله فضولهما، ثم ابتسم وهو يخبرهم بحماسة:
_ نفتح مركز متكامل، نص صيانة صيانة عربيات ونص قطع غيار، يعني الزبون يدخل بعربية كارو يخرج بيها BMW، ها قولتوا إيه؟
لاحظ عبدالله وميض عينيهما اللامع، قبل أن يقطعه وليد مرددًا بيأس:
_ الكلام حلو، بس اللي أنت بتتكلم فيه دا كبير علينا أوي، إحنا يدوب كل واحد معاه اللي يأكله يومه يابني..
نظر إليه عبدالله شزرًا قبل أن يُبدي استيائه:
_ حد قالك إنك هتدفع جنيه! المشروع كله أبويا اللي متكفل بيه وإحنا يدوب هنشغله..
دنا منه زكريا واستند بمرفقيه على الطاولة أمامه وأردف بصوتٍ أجش:
_ أيوة يا صاحبي، بس إحنا كدا مدفعناش حاجة، يبقى هنشتغل إزاي؟
تأفف عبدالله بتذمرٍ لإحباطهما له وهلل بفتورٍ:
_ يا جماعة أنتوا بتقفلوها ليه؟ أبويا وعايز يعملي المشروع، هنشتغل مع بعض دي اللي مزعلاكم أوي يعني؟!، خلاص هتشتغلوا عندي حلو كدا؟
تبادلا الشابين النظرات قبل أن يهتفان معًا:
_ إذا كان كدا ماشي
ثم انطلقت نوبة ضحك بينهم، وأخذوا يتسامرون حول العمل وما سيحتاجونه للبدء فيه، حتى قطع عليهم لحظتهم رنين هاتف زكريا، فتفقد المتصل ثم استأذن منهم قائلًا:
_ هرد على المكالمة دي وراجع لكم..
ابتعد عنهما مسافةً لا بأس بها، حتى لا تقع كلماته على مسامعهم وأجاب:
_ المكالمات اللي كل شوية دي متنفعش، قولتِلك هكلِمك وقت ما أكون لوحدي!
