اخر الروايات

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم الكاتبة شموسة

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم الكاتبة شموسة


الفصل التاسع والعشرون

(1)




ترك كامل هاتفه والتقط خط بسمة القديم يضعه في هاتفها الحديث ثم حاول اللجوء لحسابها على الانترنت قبل أن يسألها" كلمة السر يا باسمة الخاصة بحسابك في شركة الخطوط على الانترنت"

جاءه صوتها" اعتقد أنه تاريخ ميلادي"

بمجرد أن أدخله وبدأ الحساب في تحميل البيانات واستعادة جهات الاتصال اهتز الهاتف بوصول عدة رسائل نصية على الخط القديم أغلبها إعلانات وإشعارات لكن من بينها اسم أظلم وجه كامل حينما قرأه وفار الغضب في رأسه فضغط على الرسالة ليقرأ " حمدا لله على سلامتك من الحريق يا باشمهندسة .. أسأل الله أن يحفظك دوما من كل شر "

اشتعلت مراجل الغضب و الغيرة في رأس كامل ..فظل يحدق في الهاتف ليمنع رغبة تتعاظم في قتل أحدهم .

خرجت بسمة بعد قليل لتجده متسمرا يحدق في هاتفها فسألته بتوجس" ما الأمر .. لم تستطع استعادة الارقام المسجلة؟ عموما لا بأس هناك جزء كان على حساب جوجل استعدت ما كان مسجلا عليه "

رفع إليها عينين مقلوبتين يسألها بصوت خافت مخيف " هل هو معتاد على مراسلتك ؟

عقدت بسمة حاجبيها وسألته باندهاش "من ؟؟"

رد بوجه مخيف " ذلك الطبيب البيطري في مزرعتكم"

اتسعت عيناها بعدم فهم ورددت " دكتور مهاب؟!!"

علا صوته قليلا يقول بلهجة غاضبة " أجل دكتور زفت .. هل هو معتاد على مراسلتك؟"

تحركت نحوه وخطفت الهاتف من يده تقول بعبوس وقد شعرت بالارتباك " أرني"

أمسك بذراعها يصيح بغضب " ردي يا بسمة على السؤال"

كانت مرتبكة أكثر مما يتحمله الموقف بسبب خوفها من غضب كامل فهتفتبلهجة متألمة " ذراعي يا كامل "

تطلع في يده التي تقبض على ذراعها ثم تركها بخشونة وهو يحدجها بنظرة نارية فتأملت حالته وقالت بضيق شديد " أنا لا أحب هذا الجانب فيك يا كامل "

رد بلهجة متعالية " هذا أنا .. (ثم قبض على ذراعيها معا يهزها قائلا ) ردي على السؤال لماذا تراوغين؟"

رفعت ذقنها بكبرياء تقول بانفعال " أنا لا أراوغ.. لكن يراودني سؤال ملح في ذهني حاليا أبحث له عن إجابة .. هل إجابتي على سؤالك ستصدقها أم لا ؟.. لأني لا أنوي أن أجيب على سؤال ستكون إجابتي عليه غير معتد بها"

عبس وجهه وعقد حاجبيه لبرهة ثم رد بهدوء وتلقائية فاجأتها " أنا أصدق كل ما قلتِه وستقولينه يا باسمة "

رده التلقائي أراح قلبها وحدد لها إطار وشكل ما ستعانيه مع كامل ألا وهو الغيرة لكن خروج الأمر عن دائرة الشك فيها كان بمثابة حياة أو موت بالنسبة لها فبلعت ريقها وردت بثقة " الإجابة لا .. فهو ليس معتادا على مراسلتي بشكل عام ولم يراسلني أبدا منذ أن تزوجت "

ترك كامل ذراعيها وأشاح بوجهه يلقي سبة من بين أسنانه المطبقة ثم حدق في الفراغ يرفع قبضته يعض عليها بقوة والغضب يتراقص من عينيه قبل أن يلتقط الهاتف من يدها بخشونة ويسرع بالإمساك بهاتفه فسألته بعبوس "ماذا تفعل؟"

قال بأنفاس لاهثة منفعلة " أسجل رقمه لأتصل به وأتصرف معه "

عقدت حاجبيها وهتفت باعتراض "كامل....."

قبل أن تسترسل قال بوعيد وهو يحدث نفسه" لا لا هذا الـ **** يحتاج لأن أذهب له وألقنه درسا"

لم تفهم معنى السبة التي قالها وهو يتحدث بلهجة بلده لكنها هتفت بغيظ " كامل!"

صرخ فيها قائلا " ماذا تريدين من زفت ؟"

قالت تحاول أن تهدئ من روعه "ماذا تنوي أن تفعل؟"

رد باستهجان لسؤالها " سأضع حدودا للأخرين في التعامل معك أنا لا أقبل بهذا أبدا"

حاولت التعامل مع انفعاله وتهوره بهدوء فقالت "كامل أنت تعقد الأمور"

هتف قائلا باستهجان وقد استفزه كلامها " أنا أعقدها؟!!! .. أنا؟!! .. وهل هناك زوج سيقبل بأن يراسل رجل زوجته ؟!"

قالت معترفة " أنا لا أنكر بأنه تصرف جرئ منه لكن "

صرخ محتدا " وهل من المفترض أن أمرر هذا التصرف الذي تصفينه (بالجريء) بينما هو وقح ويحتاج للرد عليه بقسوة ؟!!"

سحبت نفسا عميقا واخرجته بزفرة تقول مهدئة " دعنا منه يا كامل وها أنا غيرت رقمي وسأكسر هذه الشريحة رغم أني كنت أنوي الاحتفاظ بالخطين "

قال بتصميم ولهجة غاضبة " لا هذهإهانة لي ولك ولن أمررها أبدا لابد أن يعرف كل شخص حدوده "

هتفت وقد ازداد توترها فلم تكن قد استقرت أعصابها بعد " كامل أرجوك كف عن العصبية أنت توترني"

شعر بأنه يضغط عليها بانفعالاته ونظراتها المتوسلة له استدرت عطفه لكن غضبه كان على اشده فلم يجد حلا إلا بمغادرة المكان فتحرك من أمامها دون رد وانصرف من الشاليه غاضبا بعد أن صفع الباب خلفه ..

زفرت بسمة تحاول أن تهدئ من روعها فلم تكن مستعدة بعد لمواجهة أي نوع من الانفعال .. وجلست على السرير تلتقط هاتفها وتحدق في رسالة مهاب وهي تشعر بالغيظ منه ومن كامل .. لكنها أخبرت نفسها بأن عليها أن تتقبل كامل بغيرته المبالغة وأن تتعامل معها .. وفكرت في حيرة هل انفعاله وغضبه يعني بأنه سيتم الغاء ما يرتب له الليلة أم أن عليها أن تستعد وترتدي ذلك الفستان المبهر الذي أحضره لها ؟.

××××
قبيل الغروب

وقفت بسمة في غرفتها تشعر بالحماس والتوتر وهي ترتدي ذلك الفستان المبهر بعد أن غادرت خبيرة التجميل الشاليه قبل قليل..

لقد تفاجأت بالمرأة تدق على باب الشاليه بعد مغادرة كامل فأرسلت له رسالة على الواتساب تسأله إن كان ما رتب له في المساء قد ألغي أم لا يزال قائما.. فرد عليها باقتضاب بأن الخطة لا تزال كما هي .. فساعدتها خبيرة التجميل في وضع كريمات على كتفيها وذراعيها في ذلك الفستان المكشوف الذي اختاره لها كامل.

أما الأخير فقد وصل قبل قليل لكنه دخل فورا للباحة الخلفية مع بعض العاملين في الفندق يجهز شيئا ما وانشغلت هي مع خبيرة التجميل في غرفتها وها هي محبوسة في الغرفة حتى يعطيها كامل الاذن بالخروج .

تأملت شكلها بذلك الفستان الفضي المبهر الذي لم تصدق بأنها سترتديه.. إنه باللون الفضي من قماش الساتان الناعم الأملس عاري الكتفين والذراعين ملفوف على جسدها بتصميم عروس البحر .. القماش مطوي بثنيات عريضة مائلة تلف الجذع وتحدده مع شريط مائل أعلى الصدر بفصوص لامعة بارزة ومثله في جانب من جوانب الفستان عند الخصر وتستمر الثنيات المائلة المطوية لما بعد الخصر بالتبادل فيما بينها كالضفيرة حتى أسفل الردفين .. لينسدل بعدها الفستان بنعومة حتى الأرض ملفوفا حول ساقيها من الأمام ومسدلا بما يشبه الذيل الطويل قليلا من الخلف وقد دهنت وجهها وكتفيها وذراعيها العاريين المرقطين بكريم لإخفاء العلامات وارتدت صندلا مكشوفا بكعب عال من فصوص فضية تشبه الموجودة بشريط الفستان .

أما شعرها فقد صففته خبيرة التجميل مرفوعا للأعلى على شكل ( شينيون ) منتفخ يغطي رأسها كله من الخلف وارتدت قرطين ماسيين رقيقين في أذنيها .

سمعت باب الشاليه الخارجي يفتح وفهمت بأن العمال الموجودون قد رحلوا قبل أن يرسل لها كامل على الواتساب لتخرج إلى منطقة حمام السباحة في الباحة الخلفية للشاليه.

رفعت بسمة ذيل الفستان في يديها وتركت غرفتها تقطع الشاليه حتى باب الشرفة الأرضية التي تطل على حمام السباحة وسحبت نفسا عميقا تشعر بالتوتر قبل أن تخرج ليلفت انتباهها حمام السباحة المغطى بالبالونات الحمراء بشكل مبهر لكن ما كان أكثر إبهارا هو كامل نفسه .. ذلك الرجل الذي أحبته وتزوجته والذي يقف بجوار الطاولة مرتديا حلة رسمية وكأنه عريس ..يقف بانتظارها شامخا واثقا من نفسه يضع يدا في جيبه والأخرى بجواره ..

بنظرة سريعة نظرت حولها للبالونات المعلقة على الشجر العالي والقلب الكبير الذي صنع من الورود البيضاء والوردية خلف الطاولة مكتوب بداخله بالورود ( بسمة وكامل ) أما الطاولة نفسها فكان عليها عشاء رومانسي ويتوسطها شمعدان رقيق به بعض الشموع التي لم تشعل بعد.

ورغم المفاجأة وكل هذا الإبهار حولها لكن عيناها عادتا بسرعة لتأمل كامل ووسامته وحضوره الذي يملأ فراغ قلبها فلا يترك فيه ذرة شاغرة للانبهار بشيء غيره ..بل يملأ عليها كيانها كله ..

كان وسيما أنيقا شامخا وكان متوترا ..هكذا أحست وهي تتحرك نحوه ببطء وثقة وتتأمل عينيه اللتين تتراقصان طربا فوق تفاصيلها .

أما هو فكاد قلبه أن يتوقف وهو يتأمل جمالها المبهر .. وقوامها الرائع المغري وزينة وجهها الهادئة الراقية التي تبرز زرقة عينيها بلون سماوي رائق لم يره بهذه اللمعة من قبل .

وقفت بسمة أمامه يفصلهما متر واحد ولاحظت بطرف عينيها على يمينها ناحية حمام السباحة كاميرا مثبتة على بُعد مسلطة على وقفتهما فابتسمت لكامل بارتباك ووقفت صامتة تنتظر الخطوة القادمة .

تنحنح كامل يقول بصوت هادئ يسيطر عليه ارتباك شديد لم يتوقعه " قبل أي شيء أريد أن أحكي لك عن قصة .. قصة شاب جاء إلى هذا البلد قبل عشر سنوات .. كان في الرابعة والعشرين من عمره فارا هو وأسرته من الحرب في بلده ..و لم يكن راضيا عن وجوده هنا وسعى بشتى الطرق للحصول على تأشيرة هجرة لأي بلد أجنبي .."

ضيقت بسمة عينيها المكحلتين الجميلتين تحت رموشها السوداء الطويلة بينما سحب كامل نفسا وأكمل" هذا الشاب تعرف على عدد كبير من الفتيات كأي شاب عابث .. فتيات من مختلف الطبقات والجنسيات .. وبعد ست سنوات أي قبل أربع سنوات من الآن كان موعده مع قدره "

سقط قلب بسمة بين قدميها وهي تحاول استيعاب ما علاقتها هي بموعده مع القدر قبل أربع سنوات .. وطردت بسرعة فكرة خبيثة تحاول أن تصور لها أن المقصودة بانة وعادت لتركز في استرساله وهو يقول " فاتنة .. كانت تقف في شرفتها وأوقعت كوبا من القهوة على سيارة كان يمر بجوارها صدفة ليتطور الأمر لمشاجرة مع مالكة السيارة المتصابية وزوجها الشاب"

رمشت بسمة بعينيها وبدأت تشعر بالتشوش .. ما يقوله يذكرها بذكرى قديمة حدثت لها لكنها لا تفهم علاقة كامل بها.. بل لا تفهم كيف عرف كامل بها فحدقت فيه باتساع عينيها وكأن مقلتيها الزرقاوين يساعدان عقلها على الاستيعاب ليكمل هو" وقف الشاب يشاهد تلك الفاتنة التي أسرت عينيه من أول لحظة ولم يكن يعلم بأنها قد أسرت قلبه أيضا .. بعدها أخذ يتردد مرارا وتكرارا على صالون الحلاقة المواجه للبناية التي تسكن فيها فقط ليراها .."

هذه المرة لم يسقط قلبها بين قدميها وإنما أغشي عليه وتوقف عن النبض فبلعت ريقها وتقبضت بقوة وهي تسمع " ولأنه يعلم نفسه ويعلم أن عينيه قد تنبهران بإحداهن ثم يفقد الاهتمام بعدها تريث كثيرا في أي خطوة للتعرف عليها .. حتى جاء يوم كان يزور فيه الشارع الذي تسكن فيه ولمحها في الشارع .. وبالرغم من سنوات عمره الثلاثين وبالرغم من كبرياءه وعنجهيته تتبعها كالمراهقين بل إنه لم يفعلها من قبل حتى وهو مراهق .. ( وأضاف بغصة ) ولم يخف عليه حزنها وشرودها .. حين وصلت لأحد المولات وبالتحديد لأحد مراكز التسوق الكبيرة فيه تتبعها يتمنى أن يتحدث معها ليعرف إن كانت مرتبطة أم لا حتى أنه ساعدها حينما أوقعت ما على أحد الأرفف "

راقب كامل اتساع عينا بسمة وجحوظهما وهو يضيف " وبعدها تتبعها حتى المقهى الذي دخلته وطلبت قهوة سريعة .. يومها أخذ يتأملها عن قرب وشعر بأن شعوره يتطور معه لأكثر من مجرد إعجاب بجمالها .. كان يستشعرها حزينة يائسة حائرة .. والتقط لها صورا على هاتفه وهي شاردة في فنجانها .. "

بدأ قلب بسمة بالتسارع في صدمة وهي تحاول فهم واستيعاب ما يقوله .. إن كل ما يقصه يثبت بأنه كان موجودا ذلك اليوم في المول لكن لا تذكره .. بل الآن تذكره .. وشردت عيناها قليلا في الأرض تتذكر وجهه كطيف خاطف في الذاكرة في ذلك المتجر بجوار الرف .. لمحة سريعة من وجهه وهيئته الضخمة قبل أن يخفض وزنه ثم أسرعت برفع أنظارها المصدومة لكامل الذي لا يريد التوقف عن اعترافه ليقول" بعدها وقبل أن يتخذ خطوة تجاهها للتعرف عليها بعد أن وصل لحالة من الفضول تجاهها غير مسبوقة حدث شجار بينه وبين أحد المعارف بخصوص بنت من بلده تهور وتواصل معها بدون علم زوجها ورغم نيته السليمة كان سوء تصرف منه سبب له حرجا شديدا أمام الجميع .. "

وضعت بسمة يدها على شفتيها المطليتين باللون الوردي وشهقت متسعة العينين وهي تربط خيوط القصة ببعضها بصدمة كبيرة .. يوم المشاجرة كان كامل يعرفها .. حين حدق فيها وظنت بأنه سيؤذيها كان يعرفها ..

كامل كان معجبا بها !!!..

ركزت في حديث كامل لتفهم أكثر فقال الاخير " في هذه المشاجرة تلقى صدمة عمره .. وجد تلك الفاتنة تقف على باب فيلاتهم تشاهد ما يحدث وفهم بأنها تقرب لأحد الشابين الذين كان يتشاجر معهما .. وبالرغم من المفاجأة إلا أنه ظل يمني نفسه بأنها ربما أخت سيد صبره أحد الشابين اللذين تشاجرا معه المهم أنه في نفس اليوم أسرع نحو الشارع الذي تسكن فيه وسأل عنها ليتفاجأ بأنها متزوجة .."

ساد الصمت لثوان ومقلتا بسمة ترتعشان بذهول فوق وجه كامل لا تعرف بما ترد بل لا تعرف كيف تصدق ما يقال ليضيف كامل " كانت صدمته شديدة لكنه حذف صورها فورا من هاتفه وقرر ألا يفكر فيها مرة أخرى .. ونجح في ذلك بعد أن انغمس أكثر في الحياة الصاخبة مع الفتيات لكنها ظلت تزوره في أحلامه بعينيها الحزينتين وكلما زارته كان يخبر نفسه بأن الأمر مجرد تخريف ذكوري .."

أسرعت بسمة بقطع المسافة بينهما بسرعة وألقت بنفسها عليه تحيط عنقه بذراعيها بقوة وهي تهمس بغير تصديق " كامل .. كامل ما الذي تقوله!! .. كامل!! "

ابتسم كامل وضمها إليه يقبل كتفها العاري ثم قال بعد برهة وهو يبعدها برفق مستشعرا ارتجاف جسدها " لا تقاطعي الاعتراف من فضلك وقفي مكانك ( قالها وهو يمسح دمعة من تحت عينيها بإبهامه ثم أردف ) ظل الحال على هذا المنوال حتى بعد أن علم صدفة بطلاقها ..كان الأمر منتهيا بالنسبة لعقله .. لكن يبدو أن قلبه كان له رأي أخر .. والقدر أيضا كان له تدبيرا أخر .. فقد تعرف هو وتوأمه ..قدريا .. على شاب هو ابن عمدة بلدهم ونشأت بينهم صداقة قوية حتى أن هذا الشاب دعاهما لحضور زفاف أخته في نفس الوقت كان صاحب الحكاية قد تلقى أخيرا تأشيرة هجرة لأمريكا .. المهم أنه لم يكن ينوي أن يذهب لحفل زواج أخت صديقه وكلف أخوه بالذهاب بالنيابة عنهما لكنه بمجرد أن سمع باسم القرية التي كان يعلم مسبقا بأن هذه الفاتنة منها انتابه الفضول لأن يعرف حالها بعد ثلاث سنوات من طلاقها .. وكأنه كان يريد أن يراها مرة أخيرة قبل وداع هذا البلد للأبد .. لكنه لم يكن يعرف بأنه كان على موعد مع قدره .. كان على موعد معها .. مع أجمل عينين رآهما في حياته.. "

بدأت الدموع تنهمر بغزارة من عيني بسمة دون استيعاب وقلبها ينافس قلبه في النبض ليكمل كامل " حاول أن يعاند نفسه بأنه لم يقع في هواها .. استأجر البيت الذي تملكه وهو لا يعلم بأنه ملكها ..فقط ليكون بجوارها .. تحجج بحجج كثيرة ليحضر للقرية ليراها .. حتى واجه نفسه وما يفعل وعلم بأنه لا يريد أن يؤذيها بأفكاره عمن سبق لهن الزواج .. خاف عليها من نفسه فقرر أن يودعها ليسافر للأبد فهو يعلم بأن وضعها لن يكون قابلا للتجربة .. "

أسرعت بسمة بالتعلق بعنقه وتقبيل شفتيه وكأنها تطلب منه الرأفة بقلبها المصدوم فحاوط كامل خصرها الرشيق وقبّلها بعمق بقبلة طويلة ثم أبعدها لكنه لم يترك خصرها بل أردف أمام عينيها بصوت متهدج ومشاعر جياشة " لكنه لم يستطع أن يفعلها.. لم يستطع السفر ..قلبه انتزع منه حين حاول .. فعاد إليها .. عاد وهو على أمل أن يمنح نفسه فرصة معها .. عاد ليعترف لصاحبه بمشاعره ويطلب منه التوسط له ليرتبط بها.."

شهقت بسمة حين تذكرت ما قاله لها مفرح ولم تصدقه بينما أضاف كامل " كان ينوي أن تكون خطبة طويلة حتى يهزم فيها أفكاره وبعدها حدث ما حدث واضطر لأن يختار بينها وبين الهجرة فاختارها هي مقابل أن يحضر والده ليطلب يدها رسميا أمام أهل بلدتها "

مسحت شفتيه الملطختين بطلاء شفتيها بإبهامها وهي تقول بارتجاف وبصوت باك "لماذا لم تخبرني حينما تزوجنا بكل هذا؟"

رد كامل وهو يتحسس خصرها "لأنك لم تكوني على استعداد لسماع أو استيعاب أي شيء .. ولأني كنت أخشى إن أتممت زواجي بك بدون أن أنجح في السيطرة على أفكاري فأؤذيك بها "

غمغمت بسمة باكية وهي لا تزال ترتجف "كامل أنا .. أنا غير قادرة على الاستيعاب أنا .. أنت .. ( ثم هتفت بصوت متهدج بالعاطفة) كامل أنت جائزتي .. هذا ما أشعر به الآن .. أنت جائزتي بعد كل ما مررت به .. ( ونظرت لعمق عينيه تقول بلهجة عاشقة ) أنت أروع جائزة .. جائزة لا تقدر بثمن "

اتسعت ابتسامته وقال " هل تعلمين أني عدت لأكتب الخواطر بعد انقطاع دام خمس عشرة سنة بسببك؟ .. كنت أنظم بعض الخواطر أيام المراهقة وعدت حينما رأيتك ( وتنحنح يقول بحرج بعد أن اختلس نظرة سريعة للكاميرا ) دعيني أخبرك ببعض مما كتبته لك "

دارت عيناها الجميلة ترسمان وجهه بانبهار بينما تنحنح كامل يقول بصوت رجولي عذب :



بسمتي أنتِ..

ووجعي..

وجنوني ..

والصاعقة التي شطرت قلبي إلى نصفين.

بُليت بعشقك ..

فانصهرت..

واحترقت ..

وهزمني الموج الأزرق في عينيك مرتين.

فاقبليني قدرا..

ووطنا ..

ومطرا ..

يُنبِت نُوّار العشق في قلبين.

واشرقي بشمسك على حياتي.

يا حياتي ..

فلن تهربي من قدرنا .. كعاشقين.

بعينين مغشيتين بالدموع راقبته وهو يخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة ويلتقط منها خاتما من الألماس وضعه في بنصرها بجوار حلقة الزواج الذهبية ثم رفع يدها لشفتيه يقبلها .. فتعلقت بسمة بعنقه من جديد ولم يعرف من منهما بدأ بتقبيل الأخر .. في قبلة طويلة تعانق الروح تخللها بعض همهمات لبسمة تقول " لا أجد حاليا ما أقوله .. أنا مصدومة وسعيدة وعلى وشك الإغماء ومن الجيد أنك تصور هذا الاعتراف لأني سأحتاج لأسمعه آلاف المرات بل ملايين المرات "

××××

بعد عدة ساعات

انسحبت بسمة تترك كامل مستغرقا في النوم والتقطت قميصه من على طرف السرير لترتديه على جسدها العاري ثم أسرعت للخارج وهي تمسك بهاتفها بعد أن أرسلت لمليكة على الواتساب تسألها إن كانت مستيقظة فأجابتها الأخيرة بالإيجاب .

في طريقها لمغادرة الغرفة بخطوات متسللة لمحت الفستان الفضي الذي قضت به أحلى سهرة في حياتها والذي سمعت به أروع اعتراف في الكون لمحته ملقى على الكرسي .. واستعادت تفاصيل السهرة التي بكت في أغلبها غير قادرة على الاستيعاب .. فقد رقصت معه بعد العشاء الرائع على أنغام الموسيقى رقصة هادئة بين أحضان كامل الذي ألقى على مسامعها المزيد من كلمات الغزل ..

كانت سهرة استثنائية .. انتهت بلحظات حميمية مشتعلة تفيض بالمشاعر.. ليلة لن تنساها أبدا وستحفظ تاريخها .. تاريخ أهم يوم في حياتها .

خرجت من الغرفة وهي تطلب رقم مليكة وجلست على أول أريكة وجدتها على يمينها تقول بصوت متحشرج خافت "كيف حالك يا مليكة"

قالت الأخيرة بقلق "ماذا حدث هل أنتِ بخير ؟.. فلست معتادة على مهاتفتي في هذا الوقت المتأخر "

حاولت بسمة التماسك وأخذت تمسح في الدموع التي تتدفق دون إرادة منها فقالت مليكة مذعورة وقد وصل إليها نحيبها الخافت "تكلمي يا بسمة"

قالت الأخيرة بسرعة "لا تقلقي أنا بخير ..لكن ما يحدث معي هذا الأسبوع من صدمات قوي ومرهق لأعصابي حتى الأخبار السعيدة"

"خير إن شاء الله"

أوضحت بسمة بصوت متهدج " كامل يا مليكة .. كامل اعترف لي بحبه .. كامل كان يعرفني قبل طلاقي أتصدقين! .. ( واضافت باكية بخفوت رغما عنها ) وحين حضر للقرية حضر لرؤيتي قبل سفره "

رفع كامل رأسه من فوق الوسادة يبحث عن بسمة ثم سمع همسا يأتي من الصالة فتساءل عمن تحدثه في هذا الوقت المتأخر .

ترك السرير وتحرك نحو باب الغرفة المفتوح ليسمع بسمة وهي تقول " أنا لا أصدق يا مليكة حتى الآن بأنه يحبني كل هذه السنين .. أنا من الصدمة لم أخبره حتى كم أحبه .. لساني عاجز عن الكلام ..عن التعبير فما قاله أروع من أن يقال عنه شيء "

ابتسم كامل بسعادة جمة وتراجع عائدا للسرير يتركها لتثرثر مع صاحبتها وعبارتها (لم أخبره كم أحبه ) ترن في أذنه فاستلقى على السرير يهدئ من تراقص قلبه في صدره قلبه الذي يعاني من تخمة المشاعر .. في الوقت الذي قالت مليكة بتأثر "يا الهي لا أصدق ..أنا سعيدة جدا .. سعيدة جدا يا بسمة لهذا الخبر .. كنت أكيدة بأن الله سيجبر بخاطرك كنت أكيدة من عدله .. حين خرجت من تجربتك السابقة كنت دوما أقول لك لعله خير فإن لم يعوضك في الدنيا فسيكتب لك الكثير من الحسنات في الآخرة والحمد لله أن جبر الله بخاطرك "

مسحت بسمة دموعها وسألت مليكة" وأنت ماذا فعلت عند الطبيبة؟.. سامحيني لم أستطع الاتصال بك"

ردت مليكة وقد عاد لها وجومها" كان لقاء كارثيا "

"لماذا؟!!"

أجابت بلهجة متألمة " لم أستطع التفوه بشيء ..وانفجرتُ في البكاء الشديد ولم تفلح الطبيبة في تهدئتي فسمحت لي بالمغادرة "

شعرت بسمة بالأسف الشديد لكنها قالت مشجعة "لا بأس إنها أول جلسة فقط "

عادت بعض الحياة لصوت مليكة وهي تقول " لكن هناك خبر حلو اسعدني بشدة "

"خيرا؟!"

أوضحت بتأثر " مفرح وافق أخيرا على أن نقوم بعملية تلقيح صناعي "

اتسعت عينا بسمة وقالت متفاجئة "حقا يا مليكة!!!"

بعد قليل تسللت بسمة لتعود بجوار كامل الذي افاق من غفوة حين شعر بعودتها فضمها إليه لتغرق في صدره ولسانها عاجز عن الشكر لله .. وكل ما تفكر فيه أنها قد نالت جائزة تلقي كل هذا الحب من الرجل ..الذي أحبته بشدة .


بعد ثلاثة أيام
صباحا
نزل جابر من الدور العلوي وتطلع إلى يمينه أثناء نزوله على المطبخ حيث تقف أم هاشم منذ الفجر ومط شفتيه .
إن خالاته وعمته سيزورونهم اليوم لأول مرة بعد العرس وقد أصرت أم هاشم على إعداد مأدبة على شرفهن ..
لا ينكر أنه يشعر بالامتنان والفخر لكنه كان يرى أنها لا تزال عروس ومن الممكن الاعتماد على الطعام الموجود بالثلاجة كطعام للمأدبة لكنها أصرت برأس يابس أن تعد الطعام بنفسها ..وعلى ما يبدو ستكون مأدبة ضخمة لأنها منذ مساء أمس وهي مختفية في المطبخ ولم تنم إلا ساعتين قبل الفجر استيقظت بعدها لاستكمال ما تفعل .
ألقى تحية الصباح على أمه فردتها له مع ابتسامة ليتحرك ناحية المطبخ ويقول متصنعا العبوس" صباح الخير يا أم هاشم "
كان قلبها قد قام بعروض راقصة في صدرها منذ أن سمعت خطواته على السلم فردت وهي تلف المحشي "صباح الرضا "
داعبت تحيتها قلبه كالعادة لكنه تجاهل ذلك وهو ينظر لحلة المحشي بحاجب مرفوع وشعور صبياني يتملكه بافتقادها فقال بلهجة متحفزة" هل سأفطر أم سأذهب لعملي بدون فطور؟"
قالت وهي تلف إصبع محشي الكرنب "طبعا الافطار سيكون جاهزا حالا "
قال معاندا "لن آكل المزيد من ( النواشف ) والجبن لقد أصبحت معدتي بخير أريد إفطارا حقيقيا "
ردت بهدوء وهي تغسل يدها جيدا على الحوض وتجففها بمنشفة نظيفة" طبعا .. لقد أخبرتني بذلك ليلة أمس .. وأعددت لك وليمة فطور بالهناء والشفاء على بدنك"
لم يجد ما يشاكسها به .. يريد أن يخانقها ويشعر بالغيظ فقال بلهجة متحفزة " واليوم سآكل من هذا الطعام الذي تطبخينه منذ أمس لا مزيد من الأكل المسلوق في هذا البيت يكفينا أن البيت كله يأكل طعاما مسلوقا كل الأيام الماضية"
وضعت طبقا ساخنا فوق صينية بجوار أطباق أخرى واستدارت إليه ترفع سبابتها إلى عينيها الواحدة تلو الأخرى وتقول بهدوء "من عينيّ "
راقبها وهي تولي له ظهرها وتكسر البيض في المقلاة ..ترتدي ثوبا قطنيا بدون أكمام باللون الأبيض المصفر كالتيشيرت لكنه طويل وواسع حتى ركبتيها منقوش برسمة لشخصية كرتونية لبطة لديها فيونكة وردية .. وتلف مريلة مطبخ حمراء مرقطة بالأسود على خصرها النحيف بينما شعرها الذي جاءت فتاة يوم أمس للبيت لفرده مرفوعا بعقدة فضفاضة فوق رأسها بمشبك .
انتهت من وضع بعض الأطباق على صينية كبيرة وهمت بحملها فاقترب منها يحملها لتقول بإصرار" أنا سأحملها "
رد بلهجة جادة وهو يأخذ منها الصينية" هل ستصلبين رأسك في هذا أيضا !"
اتسعت ابتسامتها اللؤلؤية تتوسط الغمازتين ثم قالت بتلك الطريقة التي تشعره بأن عليه قص جزءا زائدا في لسانها" يا جابر لا يصح .. كيف سأضع لهن طعاما بائتا من الثلاجة عيب والله في حقي وحقك "
رغم تفهمه لما تقول لكنه مط شفتيه وتحرك بالصينية للخارج يضحك على نفسه وهو يعترف في سره بأنه افتقدها الساعات الماضية وبأنه يشفق عليها من المجهود.. إنها متفانية بشكل يغيظه .
وضع الطعام على منضدة السفرة وشعر فجأة بالوحدة فهتف باستنكار" هل سأفطر وحدي يا هانم !"
جاء صوتها من الداخل تقول "أنا قادمة ..اصب الشاي"
ابتسمت نجف وهي تتأمل ابنها الذي جلس يسألها" وأنت يا أمي ألن تفطري ؟"
ردت بهدوء" أفطرت والحمد لله قبلكما .. بالهناء والشفاء"
قال وهو يشمر ذراعيه " كنا طلبنا من الفتاة التي كانت تأتينا لتساعد في عمل البيت أن تحضر لتساعد أم هاشم أشعر بأنها أجهدت نفسها"
قالت أمه تؤيده" عرضت عليها يا بني والله لكنها رفضت "
خرجت أم هاشم من المطبخ تحمل صينية عليها كوبين من الشاي فقال لها بغيظ" هل صلبت رأسك في هذا الأمر أيضا ؟.. لماذا لم تحضري الفتاة لتساعدك لا أعتقد بأن هذا سينتقص منك أن يساعدك أحد "
قالت بنفس الابتسامة وهي تجلس "أبدا والله .. الأمر وما فيه أني لا أطيق أن يدخل أحد المطبخ معي اسأل بيت عمي سيؤكدون لك هذا الكلام ولا أثق إلا فيما تفعله يدي وخصوصا في النظافة فما الداعي لأن تحضر الفتاة ولا تفعل شيئا .. سأطلبها حينما أرغب في المساعدة في تنظيف الشقة "
قالتها وهي تناوله الرغيف فأخذه منها مغتاظا من رأسها اليابس يداري اعجابا بقوة شخصيتها والتي تناقض حالتها حينما تكون بين ذراعيه .. فشعر بالاشتعال في جسده كحاله منذ أن زفت إليه .
قطع الرغيف وهو يقطع عن رأسه أفكاره التي باتت قليلة الحياء فيما يخصها ومنحها نصفه ثم بدأ في الأكل .
بعد قليل سألته" متى سيحضرن بالضبط ؟"
رد وهو يمضغ الطعام وقلبه سعيد بتلك الجلسة الدافئة رغم بساطتها "بعد الظهر إن شاء الله .. وأنا سأذهب لأنهي بعض الأمور السريعة في المحل ثم أمر لإحضار ميسة بعد صلاة الظهر لتحضر معهن هي الأخرى"
بلعت ما في فمها بصعوبة وغمغمت وهي تحافظ على ملامحها عادية" إن شاء الله"
أسبلت أهدابها تقلب اللقمة في يدها تداري شعورا بالغيرة عليه .. شعور كانت تروضه قديما وتواجه نفسها كلما شعرت به بأن كاميليا زوجته وبأنه يستحق التمتع بامرأة جميلة .. لكنه بات شعورا قاتلا يذبحها وهي تتخيل أنه سيرى زوجته السابقة وربما بثتها نظراته شوقه إليها فهي لا تزال في فترة العدة..
أسرعت بتوبيخ نفسها وطلبت منها التماسك .. فإن كان مشتاقا لكاميليا فليكتب له الله ما يهون عليه ويريح قلبه حتى لو كان ذلك عذابا لها .. المهم كما وعدت نفسها إن حدث وشعرت بأنه يقترب من صلح الذبابة الخضراء عليها بالانفصال فورا فهي لن تقبل أبدا بأن تكون لديها ضرة ..
سحبت نفسا عميقا وحشرت اللقمة في فمها حشرا وتبعتها برشفة من كوب الشاي الساخن لتبتلع ما تفكر وتشعر به .
××××
كانت تشده شدا في بهو الفندق بعد أن أوصلتهم إحدى عربات نقل النزلاء من الشاليه إلى مبنى الفندق في ذلك المنتجع الشهير .. وكان هو يضع يديه في جيبي بنطاله يتحرك معها بتثاقل وبرود مرتديا ملابس رياضية سوداء ورمادية مريحة وحذاءً رياضيا ابيض اللون ترتدي هي الأخرى واحدا مثله ولكن أصغر مقاسا منه بكثير وفوقه ملابس رياضية بنطال قطني رمادي اللون بخطين ورديين من الجانبين وقميص طويل نسبيا يغطي فخذيها وفوقه ستره قصيرة مفتوحة بدون أكمام بنفس قماش ولون البنطال وكل منهما يضع قبعة رياضية سوداء فوق رأسه فبديا كثنائي .
استمرت في سحبه تمسك بساعده وهو يجاريها بخطوات ثقيلة ثم نظرت حولها تسأله "أين المطعم؟"
فأشار لها يمينا لتشده ناحية اليمين .
على باب المطعم وقفت بسمة تتطلع في الجالسين على الموائد وبدأ حماسها يقل .. فقد اعتراها ارتباكا مفاجئا استشعره كامل فأخرج يده من جيب بنطاله ووضعها على ظهرها يقول" ألن ندخل؟"
غمغمت بارتباك "آه طبعا"
قال بلهجة متهكمة "ما دمتِ مترددة في التواجد مع الناس لماذا اخرجتنا من خلوتنا في الشاليه!"
استدارت إليه ترفع عينين ناريتين وهي تقول بهمس من بين أسنانها" كامل اسكت ولا تتحدث.. نحن محبوسان منذ خمسة أيام تقريبا ولم نر أحدا "
رفع كتفيه يرد ببرود "أين المشكلة ما دمنا مستمتعيّن (ومال بجذعه ينظر لعينيها قائلا بابتسامة عابثة تزين ثغره ) ألست مستمتعة معي يا باشمهندسة .. أخبريني إن قصرت في شيء"
اشتعل وجهها الذي تغطي البقع فيه بكريم مخصص لإخفاء عيوب البشرة فاستشعر حرجها قبل أن تولي له ظهرها قائلة وهي تداري ابتسامة خجلة تداعب شرقيته "هيا يا كامل"
وضع يده على ظهرها يقودها نحو موائد الطعام المصطفة وسحب طبقا كبيرا ناولها إياه ثم سحب أخر لنفسه وتحرك يضعها في مقدمة المسيرة للمرور على الطاولات لاختيار من اصناف طعام الفطور الشرقية منها والغربية والتي توقفت عند بعضها باستفسار فكان يميل عليها ليخبرها باسم الصنف وكلما اختار صنفا ووضع منه في طبقه حشرت رأسها بينه وبين طبقه لتنظر إليه عن قرب ثم تطلب منه أن يضع لها مثله.
بعد قليل بحثا عن طاولة شاغرة وبالقرب من الواجهة الزجاجية التي تطل على الحديقة في الخارج وضعا طبقيهما ليختار لها كامل المقعد المواجه للزجاج حتى يكون ظهرها لغالبية الجالسين فزفرت في سرها ولم تعترض بل جلست في صمت ليقول كامل وهو يعدل لها بحركة خاطفة شعرها الذي يخرج من مؤخرة القبعة الرياضية على هيئة ذيل حصان "سأذهب لأحضر الخبز "
اعتدلت في مقعدها لعدة ثوان تتطلع في الطبقين ثم قررت أن تترك الطاولة وتلحق بكامل لتحضر كوبين من العصير في الوقت الذي كانت فيه عينان تتابعانها بفضول .
بعد قليل كانا قد انتهيا من الإفطار وانتقلا لطاولة في حديقة المطعم فلم تكن حرارة الطقس قد اشتدت بعد فتطلع كامل عبر الزجاج للمطعم ثم قال وهو يستقيم واقفا "سألحق بالمطعم قبل أن يرفع موائد الإفطار لأحضر صنفا حلوا رأيتهم يضعونه .. سيعجبك جدا "
هزت رأسها بموافقة وراقبته بعينين غائمتين وهو يدخل للمطعم فلا تزال تحلق فوق تلك الغيمة الوردية التي تطفو فوقها منذ إتمام زواجهما وخصوصا بعد ذلك الاعتراف الأسطوري الذي قام به قبل أيام .. ثم أسرعت بفتح هاتفها لتستعيد تسجيل ذلك الاعتراف للمرة التي فقدت عدها حتى أنها حفظت كل حرف وخلجة وحركة فيه في الوقت الذي اقترب منها أحدهم يقول بلهجة مهذبة " صباح الخير يا هانم "
رفعت إليه عينيها الزرقاوين بتساؤل وردت التحية بلباقة وهي تتطلع في رجل خمسيني قصير القامة يرتدي شورت ملون وقميص فوقه ونظارة شمس غالية الثمن قدم نفسه لها وهو يرفع النظارة عن عينيه قائلا" مدحت الساكت المنتج السنيمائي ..أتمنى أن تكوني قد سمعت عني "
ابتسمت بسمة بمجاملة واستقامت واقفة حينما أحست بأنه ينوي سحب المقعد للجلوس وقالت له "تشرفنا أي خدمة "
قال مدحت وهو يعطيها بطاقة تعريف ويتطلع فيها بنظرات منبهرة "الحقيقة أن الهانم فائقة الجمال وأرى أنه ليس من العدل ألا يتوج هذا الجمال بالظهور على شاشة السينما"
رفعت بسمة حاجبيها بمفاجأة واندهاش ثم نظرت في البطاقة وعادت إليه تقول بابتسامة مصدومة "السينما !!"
قال بحماس وهو يدقق في ملامح وجهها "من حسن حظك أن الفنان أحمد حلمي يبحث عن وجه جديد لبطولة فيلمه القادم وأنا أرى أن جمالك سيكون مبهرا ولا تقلقي ستخضعين لدروس في التمثيل إن لم تكوني تجيدينه"
افلتت ضحكة عصبية منها وهي تقول باعتذار" شكرا لست مهتمة بهذا العرض "
قال الرجل بإصرار وحماس " هذه فرصة جيدة جدا فكثير من الفتيات يتمنين أن يحظين بدور صغير في أي فيلم كبداية لكنك بإمكانك أن تبدئي كبطلة لو نجحت في اختبارات التمثيل هل ذلك الضخم الطويل هو زوجك؟"
قبل أن تجيبه لمحت كامل قادما بتحفز وهو يتطلع في ظهر الرجل فاتسعت عيناها وقالت بسرعة" أرجوك أنا غير مهتمة بهذا الأمر فهلا غادرت"
قال مدحت بإصرار وهو يسحب المقعد ويهم بالجلوس مشيرا لها على مقعدها" تفضلي واعطني فرصة لأقنعك لن تخسري شيئا"
صمتت تهرش في مؤخرة رأسها بينما قبض كامل على كتف الرجل يقول "تتفضل أين وبما ستقنعها إن شاء الله!"
استدار الرجل يرفع رأسه لكامل ويقول رغم شعوره بالخوف من عدائيته الواضحة على وجهه" اهدأ أنا لا اقصد شيئا سيئا (ومد يده لجيب قميصه يخرج بطاقة العمل وقال وهو يناولها له ) مدحت الساكت المنتج السنيمائي"
هدر كامل بغضب وهو يأخذ البطاقة ويتطلع فيها "ساكت أم متكلم ماذا تريد منها تكلم قبل أن افقد اعصابي "
اشفقت بسمة على الرجل الذي بدا مرتبكا وفارق الطول بينهما واضح لكن الأخير بدا خبيرا في التعامل مع الناس فقال بابتسامة مهدئا "أنت زوجها أليس كذلك ؟"
ومد يده لكامل مهادنا فتطلع الأخير في يد الرجل بوقفته المتخصرة المتحفزة وقال بتهديد" ماذا تريد منها ومن سمح لك بالجلوس !"
أعاد مدحت يده لجيبه وقال بسرعة" أنا كنت احاول أن اقنعها بالعمل في السينما فالهانم وجهها ..."
قاطعه كامل مرددا باستهجان" نعم !.. سينما !! (ثم اشار له بيده للمغادرة وهو يقول بلهجة حاول كثيرا أن يجعلها لبقة) تفضل بالمغادرة من فضلك "
قال مدحت بمحاولة أخيرة للإقناع متعجبا من رد فعله المبالغ فيه " ستكون ملازما لها في كل لحظة صدقني "
دفعه كامل من كتفه يقول وقد وصل لذروة العصبية "لا تستفزني "
شهقت بسمة وقالت وهي تخشى أن يتهور كامل فيعقد الأمر "هيا يا كامل لنعود"
ناظره مدحت باستهجان وغضب لكنه ابتعد للخلف وهو يواجهه بنظراته فزمجر كامل بتهديد جعل سكرتيرة الفندق التي اقتربت منه تنكمش للخلف قليلا برعب ثم نادت عليه" كامل بك "
بنفس النظرة المتحفزة حرك عينيه نحوها فقالت بارتباك "أنا جاكلين سكرتيرة المدير وعلمت بأنك طلبت مقابلته لكنه لم يحضر للمكتب بعد هل هناك أي مشكلة استطيع حلها ؟"
تنحنح كامل وحاول أن يقلل من تحفز ملامحه وأخرج بطاقة عمله ويقول لها بهدوء "لا بأس أنا كامل نخلة من مطعم **** كنت أود أن أتحدث معه بشيء يخص العمل عموما أنا سأكون هنا لبضع ساعات قبل أن أغادر إن حضر وكان وقته يسمح أبلغيني من فضلك "
ابتسمت بمجاملة وحيته مغادرة بعد أن نظرت في البطاقة ووعدته بالرد .. فتتبعتها عينا بسمة تتطلع بامتعاض في تنورتها السوداء الضيقة القصيرة جدا بينما نظر كامل لمدحت الذي اتخذ إحدى الطاولات في الحديقة مكانا له فقال لبسمة "هيا لنعود للشاليه"
آثرت الأخيرة السلامة ولم تعترض بل تحركت معه نحو إحدى سيارات الجولف الصغيرة التي ركباها.
بمجرد أن تحرك السيارة التفتت إليه وقالت متخصرة وهي ترفع ذقنها ذا طابع الحسن بكبرياء" لماذا لم تأخذ رأيي قبل أن ترفض عرض الرجل ماذا لو ..."
أشهر قبضته في وجهها وسألها بلهجة خطرة "ماذا لو ماذا؟"
شهقت وهتفت بلهجة استنكارية تمثيلية" هل تنوي أن تضربني يا كامل !"
رد من بين أسنانه" لا ..سأضع لك علامة على وجهك بقبضتي حتى لا ينظر لك أحد مرة أخرى "
عدلت من وضع القبعة على رأسها بحركة مختالة وهي تنظر أمامها ثم قالت بمباهاة لتغيظه أمام مقلتيه اللتين تتابعانها من طرف عينيه "فكرة العمل في السينما أعجبتني لم لا"
مد يده وأمسك بفكها ليدير وجهها إليه قائلا" على جثتي يا باشمهندسة .. (ثم تطلع إلى شفتيها وأضاف هامسا بلهجة خاصة ) لكن إن كان لديك رغبة في التمثيل فدعيني أكتب لك سيناريوهات ونمثلها سويا فيما بيننا "
أفلتت فكها من يده ورفعت سبابتها في وجهه قائلة" أنت بالذات لا .. فكل أفكارك وسيناريوهاتك ستكون وقحة"
تحركت عينا كامل يمينا حيث يجلس سائق السيارة في المقعد الأمامي فانتبهت بسمة لوجوده واحمر وجهها ولم تعرف إن كان قد سمع ما قالت أم لا لكنها أسرعت بدفن وجهها في كفيها بحرج شديد بينما ضحك كامل مقهقها ولم يخبرها بأن السائق يضع سماعات لا سلكية في أذنه بل طوق ذراعه حول عنقها كأنه سيخنقها وأخذ رأسها المنكس إلى صدره مستمرا في استفزازها بضحكاته الساخرة .
××××


بعد الظهر
قالت نجف وهي تحضن ميس وتقبلها بعاطفة قوية "جدتك اشتاقت لك يا نور عيني"
قالت أم ياسين وهي تسحبها من حضنها "اتركي لنا فرصة لنرحب بالبنت يا نجف فنحن اشتقنا إليها مثلك"
في نفس الوقت كانت عينا جابر تتبعان أم هاشم التي تدخل المطبخ وهي تقول لإحدى خالاته التي عرضت المساعدة "والله أبدا لا أحتاج للمساعدة سلمت يدك"
فاقترب يقول لخالته" أتركيها إن رأسها يابس وسأحطمه لها قريبا "
ابتسمت خالته وربتت على صدره تقول بمحبة" لا والله فهي مثل العسل ما شاء الله بارك الله لكما يا حبيبي"
تركته خالته لتعود لمقعدها بينما تأمل جابر تلك العباءة الأنيقة جدا التي ترتديها أم هاشم من اللون الوردي الهادئ من قماش الشيفون بينما الأكتاف التي تنزل باتساع بكمين قصيرين من التل العسلي الشفاف المطعم ببعض الخرز المذهب .. وهو نفس التل بالخرز الذي يغطي جوانب العباءة البارزة كالزعانف الصغيرة على الجانبين بطولها حتى الأرض وسمرة كتفيها وذراعيها واضحة من تحت القماش الشفاف ..
أما شعرها المفرود فكان مسدلا على ظهرها فبدا أطول من هيئته الطبيعية ترفع جانبيه إلى مؤخرة رأسها بمشبك بسيط وعيناها مكحلتان بالأسود فزادت من دفء مقلتيها في الوقت الذي كانت شفتاها المكتنزتان ملونتين بلون وردي أنيق .
خرجت أم هاشم بعد قليل تحمل صينية ضخمة فأسرع جابر إليها يحملها منها لتناظرهما ميس بحقد بعد أن دارت بعينيها في الشقة التي تغيرت كليا في الوقت الذي غمزت خالات جابر وعمته لبعضهن يضحكن بهمس وهن يرينه يحمل الصينية عنها ليضعها فوق المنضدة ..
تطلع جابر في الطعام يتمتم بـ(ما شاء الله ) وشعوره بالامتنان والفخر كبير بتلك المائدة العامرة التي أعدتها أم هاشم لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بشفقة شديدة عليها فقال لها هامسا وهي ترص الأطباق فوق المائدة " سلمت يديك مقدما .. تبدين مرهقة "
طالعته بعينيها الدافئتين وقالت بابتسامة "مرهقة لكن سعيدة أتمنى أن يعجبهن طعامي( وأسبلت أهدابها تلملم ابتسامة خجلة مضيفة وهي لاتزال ترتب الأصناف فوق المنضدة ) وأن يعجبك فهذه هي المرة الأولى التي ستأكل منه بعد الطعام المسلوق"
زينت الابتسامة شفتيه ورد هامسا " يقولون (الخطاب يتضح من عنوانه ) والمسلوق كان رائعا رغم أنه مسلوق كما أن الرائحة شهية جدا (وأضاف بلهجة أكثر خفوتا منتهزا فرصة أنه يولي ظهره للحاضرات ) يبدو أن كل شيء متعلق بك سيكون شهيا يا بنت الشيخ زكريا "
شعر بارتباكها وهي ترمقه بنظرة جانبيه وتقول " قلت لك كلامك حلو "
شاكسها قائلا " كنت تكملين العبارة بـ (كأخلاقك) ولكن يبدو أنك قد غيرت رأيك بعدما تزوجتني فعليا ووصفتني بقلة الحياء (ووضع يده على صدره يقول ممازحا بلهجة تمثيلية ) عموما أنا أسف لصدمتِك فيّ لكن عليك تحمل قدرك معي يا بنت الناس "
كتمت ضحكتها بصعوبة وأدارت وجهها الذي أحمر بعيدا عن الجميع بينما تنحنح جابر واستدار للحاضرات لكنه لم يستطع أن يمحو تلك الابتسامة السعيدة المتراقصة على وجهه وعينيه والتي لاحظتها قريباته بوضوح ليسمعنه يقول "تفضلن للطعام "
قالت إحدى خالاته لميس" لم تسلمي على أم هاشم يا ميس"
قالت أم هاشم من أمام السفرة " سألتها عن حالها عندما وصلت ولم ترد فلم أرغب في الضغط عليها "
قالت نجف " سلمي على أم هاشم يا ميس "
ردت الأخيرة بعدائية" لا أريد "
قال جابر الذي تعمد عدم اجبارها على تحية أم هاشم عند وصولهما حتى تعتاد وجودها أولا" لماذا يا ميس؟"
ردت الأخيرة بحاجبين معقودين " لأنها سوداء قبيحة وأنا لا أحبها "
هتف جابر بلهجة غاضبة" ميسة ما هذا الكلام؟!!"
ناظرته الأخيرة بمقلتين مقلوبتين بتحدي بينما تحركت أم هاشم نحو المطبخ تقول " سامحك الله يا بنت الغالي "
قالت نجف وهي تغمز لجابر وتأخذها في حضنها" لماذا هذا الكلام يا ميس؟!"
ردت الأخيرة بشفتين مقوستين للأسفل وهي على وشك البكاء " أنا لا أحبها (ونظرت لوالدها وأضافت) لأنها سرقت أبي "
قال جابر باستنكار " من أين أتيت بهذا الكلام السخيف؟! "
أجابت ميس " أمي"
عوجت أم ياسين شفتيها يمينا ويسارا وغمغمت" أسكت يا لساني "
أسبل جابر جفنيه يشعر بالضيق وفي الوقت نفسه يحدث نفسه بأنها صغيرة ومن الطبيعي أن ترى الامور من وجهة نظر طفلة بالإضافة لما تبثه أمها في رأسها من سموم بينما شعرت الجالسات بالحرج من أم هاشم حتى أنهن لم يقمن من مكانهن لتخرج الأخيرة من المطبخ قائلة" تفضلن (ونظرت لجابر الشارد تقول باستنكار ) لماذا لم تدعوهن للجلوس على السفرة يا جابر !"
نفض جابر عنه الشرود بينما قالت إحدى خالاته وهي تستقيم واقفة" والله لم يكن هناك داع لتعبك يا أم هاشم جئنا للمباركة فقط"
قالت أم هاشم بمحبة وهي تضع صينية الرقاق باللحم الساخنة على المنضدة " وهل هذا يصح أن تزرن بيت جابر دبور ولا نضيفكن "
جلست نجف على المائدة تشعر بالفخر وبسعادة لم تشعر بها من قبل أمام قريباتها وهي ترى المائدة التي تضم ما لذ وطاب من اصناف الطعام من صنع زوجة ابنها بينما قالت أم ياسين بلهجة مجاملة" نحن من تأخرن عليك في الزيارة لكن كما تعلمين كانت ابنة صفية على وشك الولادة وكنا مشغولات بها العقبى لك إن شاء الله "
اشتعل وجه أم هاشم وتقافز قلبها في صدرها وهي تسمع تلك الدعوة فغمغمت بعينين غائمتين من وقفتها توزع الطعام" مبارك لكم جعله الله ذرية صالحة (ونظرت لجابر الذي اتخذ مقعده على السفرة تسأله ) متى سنذهب للزيارة يا جابر ؟"
رد جابر بابتسامة "إن شاء الله سأرتب موعدا (ثم نظر لميس التي تلتصق بجدتها نجف وقال) ميسة ستجلس بجوار أبيها "
فردت أم هاشم مؤيدة "طبعا وأنا سأعد لها أفضل طبق هل تحبين المعكرونة بالباشاميل أم الرقاق؟"
قالت ميس بلهجة عدائية وهي تتخذ مقعدها بجوار جابر" لا أريد منك شيئا"
جز جابر على أسنانه وتقبض يحاول التماسك بينما قالت نجف لها بلهجة عاتبة "لا لا هذه ليست أخلاق ميس المؤدبة التي أعرفها"
شعرت ميس بالحرج ونظرت لوالدها المسبل أهدابه لتتدخل أم هاشم قائلة وهي تجلس بجوار جابر من الناحية الأخرى "حسنا أعدي لها أنت طبقها يا خالتي "
ناولت نجف طبقا لميس فأكلت بصمت بينما أعدت أم هاشم طبقا لجابر الذي قال لها بخفوت " أرجو ألا تحزني من كلام ميسة"
ردت بخفوت مماثل " بالطبع لا فهي لا تزال طفلة ( ووضعت أمامه عدة أطباق وهي تقول بصوت عال ولهجة ممازحة لتعيد الأجواء المتعكرة لصفائها) كما اتفقنا يا جابر مع كل لقمة تقول أمامهن (رائع بديع ممتاز)"
ناظرها بطرف عينه ثم قال مشاكسا "جابر دبور لا يكذب"
ردت بابتسامة وغمازتين حلوتين "هذا ليس كذبا هذه مجاملة لزوجتك أمام أهلك"
جادلها يقول متحكما في ابتسامة " وماذا أقول لو لم يعجبني؟!"
ردت بهدوء "رائع بديع ممتاز"
رفع حاجبيه وهتف باستنكار "نفس الكلمات!!"
هزت رأسها مؤكدة .. فابتسمت الجالسات وهن يتابعنهما ليقول جابر "حاضر .. (واضاف بلهجة تمثيلية منبهرة ) طعام رائع بديع ممتاز "
قالت بلهجتها الساخرة وهي تربت على كتفه فخشخشت أساورها " هكذا بدون أن تتذوق !.. ما شاء الله على الثقة "
رد عليها مناكفا " ليست ثقة بل دبلوماسية تحاشيا للنكد "
ضحكت الموجودات وشاركتهن أم هاشم التي قالت " جبر الله بخاطرك والله ( ثم عقدت حاجبيها تقول وهي تتطلع في السفرة أمامها ) نسيت المخلل "
استقامت واقفة فقالت نجف " اجلسي يا بنيتي "
بينما قال جابر متذمرا" لا يهم يا أم هاشم اجلسي وكلي"
قالت وهي تتجه نحو المطبخ "لا طبعا كيف سنأكل الطعام بدونه"
غمغمت واحدة من خالاته " والله الطعام ما شاء الله رائع ولا يحتاج للمخلل .. أنا لم أتذوق محشي بهذه الروعة من قبل "
غمغمت أم ياسين وهي تراقب جابر الذي يلعب بملعقته بالطعام ولم يبدأ بعد في انتظار زوجته "سبحان الله امرأة تُميت البيت وأخرى تُحييه "
رفع جابر انظاره عن الطعام واختلس نظرة سريعة لميس ثم قال لعمته عبر المائدة" لا داعي لهذا الكلام يا عمتي الآن"
صمتت عمته بامتعاض بينما ربت جابر على ابنته يهمس لها " لم يعجبني اسلوبك أبدا فالبنت المؤدبة لا تتصرف أبدا بدون تهذيب"
احمرت وجنتا ميس فأضاف جابر وهو يمسد على ظهرها بحنان "لنا حديث معا إن شاء الله "
عادت أم هاشم من المطبخ فقال جابر متهكما" هل أحضرت المخلل وارتاحت نفسيتك ؟!"
هزت رأسها بالإيجاب وهي توزع أطباق المخلل على السفرة ثم جلست بجواره تسأله بهمس "لماذا لم تأكل؟"
قال بخفوت "منتظر الست أم هاشم ترحمنا وتجلس لآكل"
ابتسمت شاعرة بالإطراء وتراقصت دقات قلبها فهمست وهي تضع المزيد من الطعام أمامه "سلمت يا رب"
ثم تأملت بفرحة كبيرة السفرة التي أعدتها وشكل الأطباق التي أخرجتها من النيش وغمغمت في سرها بسعادة
"الحمد لك والشكر لك يا الله"
بعد قليل قالت أم ياسين بصدق وهي تهم بالقيام من مقعدها "ما شاء الله عليك طبيخك رائع سلمت يدك"
ردت أخرى "صدقت يا أم ياسين ما شاء الله لم نأكل ألذ منه والله "
تطلع جابر في أم هاشم بإعجاب وتابعها وهي تحاول هي وأمه الالحاح على عمته لتأكل المزيد ثم راقبها وهي تقود عمته للحمام لتغسل يدها وعاد للطعام أمامه معترفا بأنه ألذ طعام أكله في حياته .
ما هذه المخلوقة التي تزداد حلاوة وغلاوة يوما بعد يوم.
لقد خطفت عقله وأسرت قلبه وعينيه وألهبت مشاعره إلى حد لم يحدث معه أبدا .. بل إنها باتت تشعره بأنه لا يزال مراهقا وكل ما يصدر منها أو يخصها يتوله به .
وكلما زادت السعادة والشعور بأنه على قيد الحياة شعر بالندم على كل لحظة تأخر فيها عن الارتباط بها .. لكنه رغم ذلك الشعور المُر بسنوات عمره التي ضاعت .. إلا أنه سيظل حامدا شاكرا لله أن رزقه إياها فما أجمل من أن تكون هدية الله له.. زوجة .
××××
بعد ساعة
قالت أم هاشم في المطبخ بارتباك " تحرجت منها يا جابر .. تعرف بأن بسمة لا تسكن هنا وحين اتصلت تخبرني بأنها ستمر على البلدة لعدة ساعات وتستأذني لأن تمر عليّ هي ومليكة لبعض الوقت لم أملك فرصة للاعتذار "
قال جابر يهدئها" لا بأس ما المشكلة"
قالت مفسرة " أشعر بالحرج من أهلك أن أتركهن لأستقبل صاحباتي"
قال بهدوء " طبيعي أن العروس تأتيها الكثير من الزيارات بدون ترتيب .. كما أن بسمة كما قلت لا تسكن في البلدة .. لا تقلقي سأشرح لهن .. (وتحرك مغادرا للمطبخ وهو يقول ) أنا سأذهب لأعيد ميس هل ينقصك شيء؟"
دارت الشعور الحارق بالغيرة في صدرها وأجابت" هات طبقا من الحلويات الشرقية أو الجاتوه فما عندنا قارب على الانتهاء "
عند باب المطبخ أدار وجهه لها يتطلع فيها قائلا بلهجة مغازلة" حاضر نحضر الحلو للحلو "
××××


بعد ساعة أخرى

ترجل كامل من سيارته الضخمة بملامح مغلقة أمام مزرعة الوديدي فبعد أن أوصل بسمة لبيت صاحبتها العروس وسلم على جابر مباركا واعتذر من عدم استطاعته للدخول.. ترك بسمة عند أم هاشم وتوجه هو لينفذ المهمة التي جاء بسببها إلى البلدة اليوم ..

ففي طريقهما للعودة للعاصمة اقترحت بسمة أن يمرا على البلدة مادامت في طريق عودتهما .. وذلك حتى تزور صاحبتها العروس وتسلم على أمها ..فلاقى هذا الاقتراح الترحيب منه حتى ينفذ ما كان ينوي على أن يقوم به في زيارة خاصة للبلدة غدا أو بعد غد.

دخل كامل مزرعة الوديدي فحياه بعض العمال وقبل أن يسأل عن الحاج سليمان لمح الدكتور مهاب أمامه آتيا من بعيد يتحدث في الهاتف .. فذهبت كل وعوده لنفسه بالتعقل والهدوء والتصرف بدون عصبية أدراج الرياح واندفع نحوه وقد أعماه الغضب من أن ينتبه لوقوف الحاج سليمان يمينا على باب إحدى الغرف ومعه وليد وبعض الرجال من أهل البلدة كانوا يتفقون معهما على شراء بعض العجول .

بمجرد أن لمحه سليمان تهللت اساريره وقال للواقفين بمفاخرة وهو يعدل العباءة المعلقة على كتفيه " لا تؤاخذوني لقد جاء صهري كامل نخلة تعرفونه طبعا"

قبل أن يتحرك سليمان للترحيب بكامل عقد حاجبيه حينما رآه هو والواقفون متجها باندفاع نحو نقطة ما بداخل المزرعة ثم جحظت عيناه وهو يراه يعاجل الطبيب البيطري بلكمة قوية في وجهه جعلته يرتطم بالحائط بقوة ويقع منه الهاتف هاتفا بصوت مخيف "إياك أن تتجرأ مرة أخرى وترسل رسالة على الهاتف لزوجتي"

تبادل سليمان ووليد النظرات المحرجة من الواقفين والغير مصدقة لما سمعوه ثم أسرعا إليهما وأمسكا بكامل الذي هم بلكم مهاب مرة ثانية بينما الأخر يناظره بارتباك وتفاجؤ ليقول سليمان مهدئا "ماذا يحدث هنا ؟؟ ماذا تعني بهذا الكلام يا كامل؟!!"

ناظر الطبيب الناس بتوتر وهو يمسح أنفه التي بدأت بالنزف بينما اقترب وليد من مهاب يقول باستهجان " يراسل من؟ ما المناسبة؟!!"

أسرع أحد الواقفين وساعده عامل من عمال المزرعة بالإمساك بوليد الذي يناظر مهاب باستهجان وتحفز بينما هتف سليمان "هل جننت يا دكتور؟!!"

شعر كامل بالضيق الشديد حينما وجد حوله الرجال المرافقين لوليد وسليمان فلم يكن يحب أن يعرف أحد بما حدث بينما أحس مهاب بالحرج وبالندم على ما فعل لكنه لم يستطع كبح جماح نفسه لحظة أن أرسل الرسالة في صباح اليوم التالي للحريق حينما سمع بالخبر فقال مدافعا عن نفسه ومبررا "أنا كنت فقط أطمئن عليها مثل باقي أهل البلدة ألم يطمئن عليها أهل البلدة أيضا!"

أكلت الغيرة قلب كامل إلى حد كان يشعر فيها بفقد السيطرة على أعصابه وهو يرى الاهتمام الواضح ببسمة في عيني الطبيب فعاد إليه جنونه وهدر فيه قائلا والناس يلجمونه " ومن طلب منك أن تطمئن عليها هل أنت مختل عقليا !"

أسرع مهاب بالقول وهو يشعر بأن وليد وسليمان ربما سيطردانه من العمل "الرسالة كانت كبرقية تهنئة على نجاتها لا أكثر .. عموما أنا أعتذر لم أقصد أي إساءة فالباشمهندسة مثال للاحترام والأدب ..أنا فقط كنت أطمئن عليها بعد الحادث وأتمنى لها السلامة لكنها لم ترد عليّ أبدا ولم تراسلني من قبل أبدا أبدا"

انفعل كامل وحاول الإفلات ممن يمسكونه لكنهم تمسكوا به جيدا فهدر قائلا بصوت مخيف "أنا لست منتظرا منك لأن تعرفني من هي بسمة الوديدي .. وأهل البلدة لم يطلبوا منك شهادة في حقها فهم يعرفونها جيدا"

تدخل أحدهم مهدئا" اهدأ يا كامل باشا الدكتور من خارج البلدة وعلى ما يبدو لا يعرف عاداتنا وتصرف بحسن نية "

ناظره كامل بنظرة مخيفة وهتف" بحسن نية بسوء نية كله عندي سواء (ونظر لمهاب المنكمش على نفسه ومد يده يقبض على ملابسه هادرا بتحذير) بسمة الوديدي خط أحمر هل فهمت ؟.. إن مرت من أمامك لا ترفع عينك حتى ولا تلقي بالسلام .. ولو تجرأت مرة أخرى بمحاولة التواصل معها سأقتلك .. هل تسمعني.. سأقتلك ( وأضاف بلهجة ذات مغزى وكأنه يوصل رسالة ما .. ما دام الأمر قد أصبح على مرأى ومسمع من الواقفين ) هذا الكلام ليس لك وحدك ولكن لكل من تسول له نفسه محاولة التعرض لها في أي وقت "

قال وليد بلهجة غاضبة منتهزا الفرصة للتشديد على رسالة كامل بعد أن وصله همس أهل البلدة عن بدير العسال المغرم ببسمة والذي دخل خلفها للنار "لست وحدك من سيقوم بقتله يا كامل فأنا أيضا سأقتل من يتجرأ على أختي وسألقي بجثته للكلاب"

تدخل الحاضرون مهدئين وموضحين بأن الطبيب لا يقصد وبأنه لا يوجد من يمكن أن يتطاول على الباشمهندسة بينما غمز البعض لبعضهم وتبادلوا النظرات مفسرين بكل ثقة بأن رسالة كامل موجهة لبدير العسال بالذات فبالتأكيد قد رآه يدخل النار خلفها ولهذا يريد أن يحذره .. أما سليمان فجز على أسنانه يشعر بالغيظ من كامل الذي تسبب في فضيحة ومن مهاب الذي تجرأ بما فعل وناظره بنظرة مخيفة متوعدا.. قبل أن يدعو كامل للذهاب للبيت للضيافة .

××××

نظرت إحدى خالات جابر على باب غرفة الضيوف المفتوح على الصالة وقالت هامسة للأخريات" ما شاء الله صاحبتيها واحدة حفيدة الباشا.. والثانية بنت الوديدي التي تزوجت من الشاب الغريب عن البلد"

ردت نجف بفخر" الحقيقة هي تستحق كل خير والثلاثة كن زميلات زين بالمدرسة أيضا"

سألت أم ياسين باندهاش" حقا "

هزت نجف رأسها مؤكدة في الوقت الذي قالت بسمة في الغرفة وهي تحضن أم هاشم للمرة الخامسة منذ أن حضرت" الف مبروك يا مشمش "

قالت أم هاشم متفحصة وجهها" لا أرى أي شيء في وجهك "

عادت بسمة لمقعدها وقالت بامتعاض" أنا أخبئهم بالكريمات (ورفعت كمها تريها المنظر فتركت مليكة التي سبقت بسمة في الحضور حينما علمت بمجيئها مقعدها واقتربت لتشاهد هي الأخرى ثم غمغمت وهي تعود لمقعدها" لا تقلقي مادامت بسبب الصدمة إن شاء الله ستختفي مع الأيام (وأضافت مهمومة ) اتمنى أنا أيضا أن تكون الكدمات الزرقاء في جسدي لسبب أخر ليس عضويا "

سألتها بسمة باهتمام " هل لا زالت تظهر تلك العلامات في جسدك"

هزت مليكة رأسها وأضافت" أعتقد بأن الطبيبة النسائية التي سنذهب إليها من أجل الأمر الذي أخبرتكن عنه ستطلب بعض التحاليل لتطمئن على سبب هذه العلامات"

ساد الصمت لدقائق ثم ناظرت بسمة أم هاشم وقالت لتغير الموضوع المقلق" ما هذا الجمال يا مشمش ( ونظرت لمليكة غامزة ثم عادت وقالت لأم هاشم) انظري يا مليكة كيف أن الزواج يزدها حلاوة وجمالا"

ضحكت أم هاشم وردت "والله أنت من تملكين عينين حلوتين تريا كل شيء حلوا "

غمزتها بسمة وسألتها بصوت خافت "ما أخبار الزواج؟"

نظرت أم هاشم لمليكة ثم غمغمت ضاحكة قبل أن تكتم فمها بيدها" لا تحرجاني يا بنات عيب"

ضحكت بسمة وقالت بإصرار" لا لا أنت بالذات أريد أن أعرف رأيك ..علمت من مليكة بأن الأمور بينكما طبيعية والحمد لله"

حاولت أم هاشم التماسك ومناظرتها بجدية لكنها لم تستطع فانفجرت ضاحكة تحاول أن تكتم صوت ضحكتها حتى لا يصل للضيفات في الصالة فأصابت صاحبتيها بعدوى الضحك قبل أن تقول بخفوت خجل " الزواج رائع جدا جدا بصراحة (ومررت أنظارها بينهما تقول) أنا سعيدة جدا يا بنات ..لم أتوقع أن أعيش أيام كهذه من السعادة (وازداد خفوت صوتها وهي تضيف ) أروع لحظة أمر بها حينما أراني في عينيه أنثى مرغوب فيها .. والله بعد تلك الأيام التي مررت بها مع جابر أنا راضية بكل شيء .. وقانعة بكل شيء يأتي بعد ذلك "

غمغمت بسمة بفرحة كبيرة في قلبها " ما شاء الله أدام الله عليك السعادة يا مشمش"

اختلست مليكة نظرة نحو الباب الداخلي للغرفة ثم قالت بلهجة متهكمة تقلدها بصوت خافت "أشعر بأنه لن يقترب مني أبدا يا بنات "

ردت أم هاشم بنفس الخفوت تجادلها "قلت لكما الرجل أخلاقه عالية ويشفق على فتاة مثلي محرومة من قلة الحياء "

قالتها وقهقهت ضاحكة فناظرتها مليكة بغيظ لتسرع بسمة بالقول "اتركيها لي أنا يا مليكة .. فأنا من سأخنقها وأتخلص منها "

وتركت مقعدها تنقض على أم هاشم تحاول خنقها بينما الأخرى تضحك فقالت مليكة وهي تنظر نحو الباب بتوبيخ "اششش ستفضحانا"

عادت بسمة لمكانها بعد أن عدلت من قميصها الذي ترتديه فوق البنطال الجينز وقالت" أنقذك مني الضيوف بالداخل (ثم قالت بجدية وبلهجة معتذرة) أشعر بالحرج منهم بصراحة أن حضرت فجأة وأخذتك منهن"

ردت أم هاشم "ليس هناك مشكلة جابر شرح لهن الموقف (ثم نظرت لأكياس الهدايا التي جلبتها معها بسمة ومليكة في أول زيارة لهما لصاحبتهما بعد زواجها وقالت بلهجة لائمة) والله يا بنات أنتما تحرجاني بهذه الهدايا لم يكن هناك داع فخيركما يغرقني والله "

قالت بسمة بمحبة " هذه هدايا بسيطة فالمنتجع الذي كنا فيه كان السوق فيه محدود وغالبية المنتجات سياحية (ثم أضافت مشاكسة وهي تتأمل عباءتها المميزة) ولكن ما هذه الأناقة يا مشمش من أين حصلت على هذه العباءة المميزة ( وقبل أن تجيبها استدارت لمليكة تقول بلهجة بائسة ) لماذا لم تشتري لي واحدة مثلها يا ست مليكة "

ابتسمت الأخيرة وردت "شعرت بأن هذا الطراز يليق بها هي أكثر "

ردت بسمة مشاكسة تقول بلهجة متفاخرة" كل شيء يليق ببسمة الوديدي حبيبتي "

اتسعت ابتسامة مليكة وهي تتأملها .. تشعر بأنها قد عادت كما كانت قبل أعوام كثيرة مضت .. عادت بسمة المنطلقة الطفولية الدافئة .. في الوقت الذي قالت فيه أم هاشم لتناكفها" يبدو أن الوضع مع الرجل الغامض على أعلى مستوى اللهم صل على النبي "

وضعت بسمة يدها على فمها تقلدها مغمغمة " لا تحرجاني يا بنات عيب "

انفجرن ضاحكات ثم أسرعن بكتم ضحكهن بصعوبة لتقول أم هاشم لبسمة بهمس "هل علمت بالمصيبة التي فعلتها في اليوم التالي من زواجي؟"

عقدت بسمة حاجبيها ومررت النظرات بينها وبين مليكة ثم أجابت نافية ..فنظرت أم هاشم لمليكة تسألها" ألم تخبريها ؟"

هزت مليكة رأسها نافية ..لتقول أم هاشم بخفوت" سأحكي لك في الهاتف عن مغامراتي"

لترد بسمة ضاحكة "استرها يا رب"

ناظرتهما مليكة بغبطة وشعرت بالشفقة على مفرح .. فلم تستطع هي اسعاده مثلما تسعد باقي النساء أزواجهن .. ووعدت نفسها أن تحاول أن تتحدث مع الطبيبة النفسية المرة القادمة .. رغم أنها لا تريد والأمر صعب ولا ترغب في استعادته .. لكن يكفي على مفرح هذا الحد من المعاناة ..فلم يهنأ مثل باقي الرجال بزوجاتهن .

خرجت مليكة من شرودها على قول بسمة بخفوت" هل علمتن بأنني قد تلقيت عرضا للعمل بالسينما ؟"

ناظرتها صاحبتيها بعيون متسعة وشهقات خافتة لتقول بسمة ضاحكة بسعادة مشرقة "سأحكي لكما"

قبل أن تسترسل رن هاتفها فأسرعت بالرد" نعم أمي .. أنا منتظرة كامل حتى يأتي ليأخذني لعندك .. ( واتسعت عيناها تقول بجزع ) ماذا .. تشاجر مع الدكتور مهاب !!"
××××

في المساء

قولي حاجة أي حاجة

قول بحبك قول كرهتك

قول قول

قول وما يهمكش حاجة

قولي عايزك .. قولي بعتك

بس قولي أي حاجة

أي حاجة يا حبيبي

حرك كامل مقلتيه نحو بسمة التي تتطلع في نافذة السيارة بوجه عابس ترفض التحدث معه .. فقد تركت صاحبتيها واستقلت أحد التكاتك لتذهب لبيت والدها حينما علمت بخبر مشاجرته في الوقت الذي كان هو يتلقى توبيخا من مفرح الذي كان يصف ما فعله بالتهور والتسبب في فضيحة لكنه لم يكن مقتنعا بأنه قد أخطأ .. كان عليه أن يضع حدا لمهاب هذا حتى لا يكررها وأن يوصل رسالة شديدة اللهجة لبدير فلم ينس أبدا تلك اللحظة التي تفاجأ به يدخل فيها البيت المحترق ورأى اللهفة في عينيه ولولا أنه لم يكن في حالة نفسية تسمح لكان ألقى به هو في النار.. وها هي بسمة تخاصمه منذ أن ركبا السيارة ولا تتحدث معه..

مد يده يعلي الصوت أكثر وعبد الحليم مستمر في غنائه

لو في قلبك شكوى مني

اشكي مني لوم عليا

وإن لقيت الحق عندي

اديهولك من عنيا

ادارت بسمة وجهها بحدة ومدت يدها تخفض الصوت فقال كامل بعبوس" لماذا اخفضته؟"

هتفت بعصبية "اسكت يا كامل "

هدر بانفعال " اسكت يا كامل.. اسكت يا كامل .. هل كنت تريدينني أن أمرر الموضوع وأترك له الأمر ليتمادى؟.. هذه المرة أرسل لك رسالة للاطمئنان المرة القادمة سيتصل ليدردش معك .. هل تعتقدين بأني سأقبل بهذه المهزلة ؟"

صرخت باستهجان " بهذه الطريقة يا كامل؟!.. فضحت الأمر بهذه الطريقة وأعطيت الفرصة لمن لا يسوى بأن يتحدث عني "

قال بحدة وحمائية " سأقطع لسان أي شخص قد يتحدث عنك .. أنا قصدت أن أفعل هذا حتى أوصل رسالة للجميع "

ناظرته بغضب تسأله وهي تكتف ذراعيها "هل سنعيش مع غيرتك المبالغ فيها هذه كثيرا ؟"

"أمسك بذقنها يقول بلهجة مغازلة ليهدئ من انفعالها "معذور والله معذور.. فمن يرى هذه الفتنة لابد أن يجن حينما ينظر إليها غيره"

أفلتت ذقنها من بين أصابعه بخشونة وهي تداري ابتسامة تريد البزوغ على وجهها ووجنتين حمراوين وتتطلع في النافذة بجوارها بينما عاد كامل ينظر للطريق قائلا بانتصار "ضحكتِ ..ها قد ضحكتِ معناها تصالحنا"

عادت تنظر إليه وهتفت تحافظ على عبوسها "من قال بأني صالحتك ؟!.. لن أصالحك حتى تعدني أن تتوقف عن غيرتك هذه "

رد بلهجة جدية" هذا الأمر خارج عن إرادتي صدقيني فليس هناك رجل يريد أن يحرق دمه يا باسمة .. وأنا قلت لك من قبل أعرف نفسي جيدا وبأني إن وقعت في الحب ستحرقني الغيرة على من أحب"

تطلعت فيه وقد أحست في صوته بالألم وتذكرت اعترافه الناري لها ليلة الحريق ومشاعره تجاه زوجها السابق ووساوسه التي تعذبه في علاقته معها .. ورغم شعورها بالمرارة التي ستظل مصاحبة لها لفترة لا يعلمها إلا الله لمشاعره هذه ..لكنها بعدما تأكدت من قوة مشاعره نحوها .. وبعدما وصلت لنقطة الثقة المطلقة فيه وفي حبه ومشاعره ودعمه .. بدأت ترى الأمور من وجهة نظر إضافية ..وجهة نظره هو .. وشعرت بالألم والتعاطف معه رغم رغبتها في أن تحطم رأسه .. لكن أي شعور بالانتقاص لم يعد موجودا .. فقد استطاع هو أن يثبت لها في أيام قليلة وببراهين لا تحمل معها الشك أنه يحبها ولا يراها ناقصة وبأن عذابه ينبع من غيرته الشديدة عليها فقررت بينها وبين نفسها أن تتحمل غيرته هذه مهما كانت خانقة ومعصبة فكامل يستحق منها ذلك بعد كل ما قدمه لها .

مد كامل يده وعلا صوت الأغنية من جديد وأخذ يغني مع عبد الحليم وهو يمرر نظراته بينها وبين الطريق .

كل كلمة كل همسة

روحي دايما شايلهالك

كل دمعة كل فرحة

أجري دايما وأحكيهالك

كان يبدو وسيما وخفيف الظل .. ومختلفا عن كامل المتعجرف البارد الذي قابلته قبل عدة شهور .. هي أيضا اختلفت .. تشعر بأنها تحررت من شرنقة سُجنت فيها وقتا طويلا ثم خرجت منها بسمة أخرى .. بسمة مختلفة عن تلك التي كانت قبل سنوات ..

غريبة هي الحياة .. كيف تغير قناعتنا لأمور كنا نراها دربا من المستحيل .. وكيف تقذف بنا من جهة لجهة أخرى .. وتبدل أحوالنا من حال إلى حال أخر.

تحكمت في ابتسامة حانية مصرة على احتلال شفتيها وهي تشاهد لحظة من لحظات تخليه عن قشرته الباردة وقالت بمناكفة "لا تتوقع بأننا قد تصالحنا .. فاليوم ستبيت في غرفة الألعاب عقابا لك على تهورك "

عبس وجهه وقال بلهجة استنكارية "نعم ماذا قلت؟!!"

بتدلل أنثوي رفعت ذقنها الجميل وقالت بكبرياء "ما سمعته"

هتف وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق "اسمعي يا باشمهندسة .. أيام الدلال وصبري عليك انتهت.. ومن الآن فصاعدا مهما كنا متخاصمين لن يبيت أحد منا بعيدا عن الأخر"

عقدت حاجبيها الجميلين تناظره بعبوس فأضاف بعد أن تطلع في الطريق ثم عاد إليها" والموضوع الخاص ليس له أي علاقة إن كنا متخاصمين أم متصالحين"

تخصرت بسمة وهتفت باستهجان "نعم .. ماذا قلت؟!!"

××××

في نفس الوقت كان الشرر يتطاير من عيني بدير الذي قال في الهاتف بلهجة خطرة "يهددني بالقتل! .. أنا بدير العسال يهددني بالقتل! "

قال بسطاويسي على الناحية الأخرى بملل "هو لم يذكرك بالاسم يا بدير لكن أهل البلدة هم من يقولون بأنه يقصدك ( وأضاف بلهجة موبخة ) وهذا بالطبع لأنهم لم ينسوا بعد ما حدث من سيادة العاشق قبل أسبوع "

تجاهل بدير لهجته الموبخة وشعوره بالضيق مما يصله من همس أهل البلدة رغم أنه حاول التبرير أكثر من مرة بأن ما فعله هو شهامة منه وقال لابن عمه" أنا أعرف بأنه يرسل لي هذه الرسالة .. هل يتوقع بأني سأخاف؟.. أنا سأريه ما هو ثمن الوقوف في وجه بدير العسال وتحديه "

سأله بسطاويسي بقلق " علامَ تنوي يا مجنون؟"

غمغم بدير بضيق " فيما بعد .. أنا لا أنسى أبدا .. لكني أصبر .. أصبر حتى تحين اللحظة المناسبة للانتقام .. ووقتها سيندم على تحدي بدير العسال "

زفر ابن عمه ثم سأله بملل "هل فعلت شيئا في الموضوع الذي فاتحتك فيه؟"

هتف الأخر بغيظ " ماذا سأفعل يا بسطاويسي بالله عليك .. لم تنتهي عدتها بعد يا أخي .. أصبر"

تنحنح بسطاويسي وقال شاعرا بالحرج "أنا أعرف .. كنت أقول أن نحصل على موافقتها المبدئية ..عموما لا بأس"

دخل عماد الغرفة على بدير يناظره بنظرة أحس الأخير منها بأنه كان يتنصت عليه فقال لابن عمه "اذهب الآن وسنتحدث فيما بعد "

أغلق الخط وقال لعماد بوجوم" ألن تكف عن التلصص"

قال عماد ببراءة مزيفة "سامحك الله أنا أتلصص !"

ناظره بدير بريبة وهو يخمن ما سيطلبه في الوقت الذي قال فيه عماد "أريد أي نقود ..لقد خسرت في البورصة اليوم وأريد أن أعوض خسارتي"

قال بدير بحنق" قلت لك مليون مرة المضاربة في البورصة غير مضمونة ها أنت قد خسرت مبلغا كبيرا"

قال عماد بإصرار "أريد نقودا لتعويضها"

رد بدير ببرود وهو يضع الهاتف في جلبابه " أسف لقد حصلت على نصيبك من أرباح الزراعة هذا الشهر"

قال عماد بحدة "أريد سلفة من الشهر القادم"

تحرك يهم بترك الغرفة قائلا " لم يأت الشهر القادم ولم نبع أي شيء منه بعد لنحصل على النقود"

تطلع عماد في ظهره هاتفا "اعطني من أموالك من تلك التجارة التي أنا وأنت نعلمها"

رد الأخر " لا أملك سيولة حاليا"

قال عماد باستنكار " أتدير ظهرك لي يا بدير!"

رد بدير وقد وصل لباب الغرفة " حتى تتعلم من أخطائك وتكف عن المضاربة في البورصة وخسارة أموالك "

صرخ عماد " بدير أنا أحتاج للمال"

ألقى بدير برأسه للخلف بصمت في وقفته عند الباب ثم قال بعد برهة دون أن يلتفت إليه "لا بأس ولكن ستكتب لي إيصالات أمانة"

عقد عماد حاجبيه وهتف باستنكار " ستأخذ على أخيك إيصالات أمانة!!"

أدار له وجهه يقول من فوق كتفه " لا تؤاخذني فالإنسان منا لا يعرف الموت من الحياة ..إن وافقت أخبرني حتى أجهز لك الإيصالات والنقود "

قالها وتحرك مغادرا بينما جز عماد على ضروسه ثم ألقى بسبة من بين أسنانه يشتمه.

××××

كان يتملكها الخجل الشديد وهي تخرج من الحمام بقميص نوم قصير إلى منتصف فخذيها من الحرير باللون البيج مطبوع عليه وردات حمراء .. كان بحمالات رفيعة حمراء مكشكش من على الجذع بخصر مرتفع.

خلعت خف الحمام المبلل وخطت حافية القدمين على سجاد الغرفة بعد أن اغتسلت لكنها حافظت على شعرها المفرود جافا لليلة أخرى قبل أن تغسله ويعود لتجعيده .

رفع جابر عينيه عن المصحف وهو يمد يده بالريموت بطريقة آلية ليغلق مكيف الهواء حينما شعر بخروجها من الحمام خوفا عليها من أن تمرض لكنه بمجرد أن أغلقه ووقعت عيناه عليها تجمد في جلسته وارتسمت ابتسامة من نوع خاص على وجهه ثم سحب عينيه بصعوبة عنها وحاول التركيز فيما يقرأ.

لقد توقع بأنها مجهدة بعد إجهاد أمس واليوم في التحضير للمأدبة لذا قرر أن يتحكم في لهفته عليها كرجل ويتركها لتنام الليلة لكنه لم يكن يعلم بأنها ترغب في شيء أخر والحقيقة أن تلك الرغبة تسعده بشدة .. هي بكليتها قادرة على أن تسعده وتؤلمه بسهولة ودون افتعال ..

حين وقفت أم هاشم أمام المرآة توليه ظهرها رفع عينيه مجددا فوجد أن القميص عاري من عند الظهر إلا من أربطة رفيعة باللون الأحمر مربوطة عكس بعضها كرباط الحذاء تنعكس سمرتها اللامعة منه .. هذا قبل أن تفرد شعرها الذي يصل إلى منتصف ظهرها فيغطيه.. بينما ساقاها المنحوتتان بدقة مزينتان بالحناء .. فأطرق جابر يحاول أن ينتهي من القراءة أولا ويعطيها الفرصة لأن تستعد كما تريد.

أما هي فكانت تختلس له النظر في المرآة وقلبها يدق بشدة .. لن تكذب على نفسها ولن تنكر .. إنها تريده .. وتريد تلك اللحظات التي يشعرها فيها بأنها أنثى .. تحب أن ترى انعكاس صورتها في عينيه مؤطرة بإطار من الرغبة المشتعلة .. وتنوي ألا تمرر أية لحظة معه إلا وهي مستمتعة برفقته تنهل من حنانه ودلاله وانسانيته ومن رجولته الطاغية .. لذا ارتدت هذا القميص الذي تمنت منذ أن اشترته أن ترتديه أمامه مشجعة نفسها بذلك القدر الهين من الثقة في أنوثتها الذي بثه فيها الأيام الماضية.. رغم ذلك الخوف من الرفض الذي لا يزال يسكن كالفزاعة بداخلها.

أخذت تدهن ساعديها بكريم ذي رائحة فواحة فصدق جابر وأغلق المصحف بعد أن أيقن بأنه قد فقد تركيزه واستقام واقفا يترك مقعده ويقترب منها أمام المرآة.. ثم قال وهو يقف بجوارها بمنامته الصيفية الجديدة ككل شيء فيه "ظننتك مجهدة و ستنامين بسرعة"

اسبلت أهدابها وقالت بصوت خافت دون أن تنظر إليه وهي مستمرة في دهن الكريم على يديها" سأنام بالتأكيد .. هل من المعقول أن أبقى مستيقظة.. لكني كنت اغتسل قبل النوم "

ابتسم وهو يبعد شعرها ليضعه على كتفها ثم تحسس بكفه ظهرها قائلا بمداعبة حانية" هل أخبرتك بأن الطعام اليوم كان أحلى طعام أكلته في حياتي؟"

ابقت على أنظارها مسبلة وحافظت على تنفسها طبيعيا ثم هزت رأسها نافية .. فعقد حاجبيه وسألها بشك "هل أنت متأكدة أني لم أخبرك بذلك ؟"

تلاعبت ابتسامة شقية على شفتيها المحرضتين على انفلات أعصابه وهزت رأسها مؤكدة.. ففرد ذراعه خلف ظهرها ليدنيها منه ثم قال بلهجة حانية وكفه يتحرك بخفة على ذراعها" أنت تحبين الاطراء إذن.. وتريدين مني أن أعيدها على مسامعك "

أفلتت منها ضحكة فأشاحت بوجهها بعيدا عنه فضحك جابر بدوره ثم قال لها وهو يتأمل قدها في القميص الحرير" ستنامين بهذا الشكل؟"

غمغمت بلهجتها الساخرة" كل واحد ينام بالهيئة التي تعجبه يا جابر"

ضحك مرة أخرى وتحرك يحيط ذراعيه حول خصرها ويحتضنها من الخلف ثم مال ليطبع قبلة على كتفها الناعم فدغدغ دفئه مشاعرها قبل أن تسمعه يقول بجوار أذنها وهو يناظرها في المرآة "لا يوجد نوم الآن فقد سبق السيف العذل "

تراقص قلبها في صدرها وهي تشعر بيده تتجول على قدها بمغازلة حسية تفعل فيها الأفاعيل قبل أن يرفع اصابعه ليسحب وجهها ناحيته قائلا "أتعلمين ما هو السيف الذي سبق العذل؟"

هزت رأسها نافية وهي تغوص في عينيه وحضنه بوقفة جانبيه فهمس أمام شفتيها " السيف هو قدك النحيف هذا .. لامع .. قاطع .. حاد .. فيغري العين ويقطع الأمور من عقالها فلا أستطيع أمامه التحكم في نفسي و.. يذبح .. يذبحني ويهدر دمي يا بنت الشيخ "

عبارته الأخيرة قبضت قلبها فاستدارت بكليتها تحيط ذراعيها بعنقه وعانقته قائلة بلهفة" بعيد الشر عنك من الذبح والدماء .. (وهمست بتوسل رقيق) أرجوك لا تقول هذا الكلام مرة أخرى"

حضنها مستمتعا بدفئها ثم أبعد وجهها عن كتفه وحضن صدغها بكفه ينوي أن يتمتع ببعض الدفء المشع من عينيها لكن شفتيها الماكرتان أفلتتا زمام صبره فمال يطبق عليهما بلهفة .

استسلمت أم هاشم لقبلته باشتياق وحرمان.. تلك القبلة التي تدخلها في عالم موازي لا تفكر إلا فيه ولا تتنفس إلا به.

حين اطلق جابر سراح شفتيها ابتعد قليلا يتطلع في تفاصيل القميص ثم قال بلهجة آمرة " لا ترتدي الأسود بعد اليوم فالألوان تليق بك "

ردت بلهجة ساخرة " تقصد تبرز السواد"

رفع حاجبه يقارعها " بل تميزه وتوضح كم هو مختلف ..كما أنك لست بسوداء رغم أنها كلها خلقة الله ..أنت سمراء وسمرتك محببة حلوة ومسكرة كالخمر(ورفع عينيه عنها مفكرا) إن أردتُ أن أشبهك بشيء ماذا أقول؟"

اسرعت بالقول "الباذنجان "

عقد حاجبيه وسألها بتشوش "ما به؟"

أجابت بابتسامة شقية " أنا أشبه الباذنجان"

هتف باستنكار " نعم ؟!!"

ثم تطلع فيها لبرهة عاقدا حاجبيه قبل أن ينفجر ضاحكا فشاركته الضحك ليقول بعد قليل وهو ينظر في عينيها مليا "رغم أني لا اجد اتفاقا في اللون بينك وبين الباذنجان فهذا أسود وأنت سمراء كالشكولاتة الفاتحة المخلوطة بالحليب"

قالها ببطء يضغط على الحروف فتأملت العبارة ببطء من بين شفتيه ليضيف جابر بعدها "لكني سأتجاوز عن اللون وأقول ملساء ناعمة كالحرير مثله .. قشرة داكنة تخفي لُبا ناصع البياض .. أنا كنت أحب الباذنجان أما الآن أحببته بشدة فهو مشبع ولذيذ "

كان أمام عينيها بكل ما فيه يعزف على أوتار قلبها فيدغدغها فعادت لتعانقه مرة أخرى وتقول وهي ترفرف فوق السحاب "ألم أقل لك بأن كلامك حلو !"

تحسست يديه ظهرها برغبة قوية في الوصال وشفتاه تطبعان قبلات على عنقها ثم أبعد وجهها وقال "الحلو لا يخرج إلا للحلو "

قالها وعاد يطبق على شفتيها الشهيتين من جديد فاستسلمت لقبلاته ولشقاوته قبل أن يحملها جابر فوق ذراعيه فتعيش تلك اللحظة التي تشعر فيها بأنها لا تزن إلا وزن ريشة على الأرض ليرقدها على السرير ثم يخيم فوقها كخيمة مشتعلة يدلل تفاصيلها بشفتيه ويديه.

أما هي فكعادتها في تلك اللحظات بينهما أخذت تتأمل ملامحه عن قرب كلما حانت لها الفرصة ممسكة على رغبات بداخلها لأن تكون فاعلا مشاركا وليس مفعولا به فقط ..

وكأن جابر يقرأ أفكارها حين رفع رأسه بعد قليل يتطلع في عينيها قائلا بأنفاس ثقيلة "لماذا أشعر بأنك لا زلت متحفظة خائفة رغم شعوري بأنك لست من هذا النوع؟"

سألته ببراءة" ماذا تعني .. هل .. أفعل شيئا خاطئا؟.. (وتضخمت عقدت النقص عندها لتضيف بلهجة متألمة ) أنا لا أعرف ما الذي يرضيك ربما لو شرحت..."

أطبق على شفتيها يخرس هذرها بقبلة أخرى ثم افلتهما يقول بأنفاس متسارعة وعيناه تتجولان على صفحة وجهها حلو القسمات" أنت أنثى رائعة يا أم هاشم (ومال يهمس في أذنها ) وساخنة جدا (ثم عاد يتطلع في عينيها مضيفا) لكني أشعر بأنك امرأة معطاءة في هذا الجانب ومتطلبة أيضا لكنك متحفظة وتحاولين الالتزام بحدود معينة ..بينما لغة جسدك تخبرني بكل شيء"



رفعت أصابعها تتحسس لحيته التي خالطها الشيب مبكرا وقالت مفسرة "أنا أحب كل ما تمنحه لي .. فهو جميل ومبهر جدا"

قرب وجهه من وجهها يقول أمام عينيها بصوت متهدج من عاطفة فياضة ما عاد يعرف لها أولا من آخر "لكنك ترغبين في المزيد طلبا ومنحا "

أخذت أنفاسه العطرة إلى صدرها وهي ترد هامسة " ربما لا أريد أن أزعجك بهذا (المزيد).. أنا يكفيني فقط لمحة رضا وكفاية في عينيك في كل مرة نلتقي فيها ..( وأضافت بلهجة دغدغت قلبه من صدقها ) أريدك سعيدا يا جابر ربما لن أكون كالأخريات لكن يكفيني أن أحقق لك قدرا بسيطا من الرضا والاكتفاء "

رفع رأسه عنها يتأملها من علو ..

لماذا تؤلم قلبه بكلماتها .. لماذا ؟..

أهو ما تعرضت له من انتقاص وتنمر ؟..أم تأخرها في الزواج؟ ..أم أن هناك شيئا أخر يجهله؟ ..

قال بلهجة حارة الانفاس" كوني معي على سجيتك ولا تتحفظي ..فأنا لست ذلك الرجل الذي ينكر على زوجته التعبير عن مشاعرها ورغباتها"

تطلعت في عينيه تسأله بتردد "حتى لو كنت طامعة ؟"

رد ببساطة انفجر بسببها قلبها "من طمع فيما يملك فما ظلم "

عبارته أفقدتها عقلها .. وشجعتها على القفز فوق الحواجز بجسارة فرفعت رأسها وهي لا تزال تتحسس لحيته وأطبقت على شفتيه بعنفوان وتملك تعلن عن نفسها .. عن مطالبها .. عن رغباتها .. عن حقها المسلوب .. فيه .

جنت جنون مشاعره بما فعلت فطوقها جابر بذراعيه بقوة وهو يبادلها قبلة بأخرى أكثر جموحا أضحى بعدها التريث بينهما ضربا من الخيال ..والصبر نوعا من الجنون ..واللهفة كالنار تأكل الأعصاب أكلا .. فكان اللقاء بينهما أكثر تأججا وحميمية وافتتانا ..

لقاء كطوفان هادر سيستكين بعده كل شيء منعما بالهدوء والدفء والشعور بالشبع ..

لقاء .. سينتهي كالعادة بقبلة على موضع القلب .

××××

بعد عدة أيام
في منتصف الليل
كان مفرح لا يزال يسب ويلعن ويشتم كحاله طوال طريق العودة للقرية .. لقد اكتشف بأنه أضاع هاتفه بمجرد وصوله للعاصمة .. ولا يعرف أين بالضبط ..
هل أضاعه في الاستراحة التي مر عليها في طريق الذهاب ليبتاع كوبا من الشاي ويدخل الحمام؟.. أم أضاعه في السوبر ماركت الكبير الذي مر عليه قبل صعوده لمنزله في العاصمة ليبتاع بعض المشتريات المطلوبة للمبيت؟ .. كل ما يعلمه أنه قد اكتشف قبل صعوده للشقة بأنه لا يملك هاتفه .. بحث في المشتريات في المقعد الخلفي للسيارة وقلب في سيارته وجيوبه وعاد يسأل في السوبر ماركت ولم يعثر عليه وكلما اتصل به من هواتف عامة يجده مغلقا ..
المشكلة أن رقم المستورد الأجنبي الذي كان سيقابله صباح الغد مسجل على الهاتف والوقت قد تأخر به وهو يبحث عن هاتفه فلم يستطع أن يستعيد خطه فلن يجد أيا من منافذ بيع خطوط الهاتف تعمل في طريق عودته وفكر في أنه وحتى لو استعاده لن يجد عليه الارقام المسجلة فلابد من أن تستعيدها له مليكة عبر الانترنت فهي الأكثر علما منه في تلك الأمور .. المشكلة الأكبر أنه يخشى ألا تكون قد قامت بتحديث لرفع جهات اتصاله على الانترنت صباح اليوم كعادتها معه قبل أن يغادر للعاصمة .
زفر في حنق وهو يقترب من مدخل البلدة شاعرا بالغيظ من أن مليكة والولدين لا يبيتون في البيت الليلة بل في سرايا الصوالحة وقد تأخر الوقت وليس أمامه إلا أن يقضي الليلة في بيت العمدة ثم يستيقظ مبكرا ليذهب لمليكة ويستعير خط أحد الولدين بشكل مؤقت ويطلب منها أن تستعيد من حسابه على الانترنت أرقامه حتى يتصل بذلك المستورد ويطلب تأخير الموعد لبضع ساعات .. وشرد قليلا فيما ستفعله مليكة فيه فهرش في مؤخرة عنقه قائلا من بين أسنانه" ستقتلني مليكة هذه المرة ..يا منجي من المهالك يا رب "
××××
في وسط الحقول ..حيث الليل يتشح بملابس الحداد .. تحرك الملثم فوق دراجته بسرعة رتيبة هادئة يقطع ممرات الحقول نحو وجهة معينة على أطراف البلدة .. فلمحه من بعيد رجل عجوز كان قد أخذ على عاتقه كبعض الأفراد مؤخرا حراسة حقله الصغير بالتناوب مع ولديه خوفا من ذلك الملثم ..
فبعد ما حدث في حريق بيت الجد صالح وتداول الشائعات عن أن أصابع الاتهام تشير لهذا الملثم معتبرين ما حدث للبيت تحذيرا منه لتصعيد مستوى الحرائق بدأ الخوف يزداد وأصاب أهالي البلدة نوعا من التحفز والاستنفار ..حتى العمدة أوصى أهل البلد أن يبلغوا عن أي شخص مشكوك في أمره فورا .
لهذا حين لمحه العجوز من بعيد ضيق عينيه ليتأكد مما يراه تحت الأضواء الخافتة ثم قفز من جلسته أمام كومة من النار بجوار حقله تاركا (الجوزة)* التي كان يدخنها وتسارعت أنفاسه هاتفا " هو ..هو الملثم "
شمر جلبابه يهم بالجري خلفه لكنه تراجع بتوجس خاصة وأنه بعيد جدا وبالتأكيد لن يسمح له سنه بالعدو كل هذه المسافة فشعر بالارتباك وأخذ ينظر حوله لا يعرف ماذا يفعل قبل أن يسرع بإخراج هاتفه من جيب جلبابه ويبحث عن رقم معين ثم يهتف بأنفاس متسارعة " ألو .. حاج عويس .. معك الحاج مندور أبو صبيح "
××××
قال مصطفى الزيني بلهجة ساخرة لجابر الجالس أمامه على الأريكة " اشتقنا لك والله يا جابر .. فلا أصدق بأنك تسهر معي اليوم حتى منتصف الليل"
تراقصت ابتسامة على شفتي جابر وقال وهو يضرب كفا بكف "ألن ننتهي من لهجتك المتهكمة هذه؟.. تشعرني بأني انقطعت عنك بعد زواجي وهذا غير صحيح ألم أكن أتصل بك وأراك في صلاة الجمعة وفي بعض اللقاءات السريعة"
استمر مصطفى في مناكفته فقال " أنت قلتها لقاءات سريعة .. لم نحظ منذ زواجك بهذه السهرة (ونظر في ساعته يقول بلهجة تمثيلية جزعة ) يا إلهي لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل وأنت أصبحت تدخل بيتك كالدجاج من المغرب ولا تخرج منه إلا صباح اليوم التالي"
اتسعت ابتسامة جابر وغمغم بحرج "يبدو أنني لن اتخلص من تهكمك هذه الليلة"
ابتسم مصطفى واعتدل في جلسته المستريحة في مقعده الوثير يشعر بالفرح لتلك السعادة التي تشع من عيني صاحبه .. بل يشعر به مختلفا .. أخف روحا .. وأصغر سنا فقال بلهجة متهكمة" لا إطلاقا أنا فقط أعبر عن سعادتي أنك لا زلت تذكرني وتذكر جلساتنا حتى بعد أن تزوجت وعدت شابا ما شاء الله لا قوة إلا بالله ( وأضاف بلهجة ماكرة ) لا أقصد طبعا بأنك كنت عجوزا"
تراقصت الابتسامة مجددا على شفتي جابر وغمغم بلهجة راضية "الحمد لله رب العالمين"
تنحنح حمزة في الدخول وسلم على جابر الذي رحب به بمحبة قبل أن ينتحي بوالده على باب الغرفة ليهمس له بشيء في الوقت الذي فتح جابر هاتفه ليتأكد من أن أم هاشم قد استلمت الرسالة التي أرسلها لها قبل ساعتين بأنه سيبقى قليلا مع مصطفى وعليها أن تنام إن أرادت فوجدها قد ردت عليه قائلة (بل سأنتظرك أنا أشاهد التلفاز مع خالتي فهي لم تنم بعد ).
ابتسم وهم بإعادة الهاتف لمكانه لكنه لمح رسالة من ميس قد أرسلتها له على الواتساب قبل ساعتين ولم يفتحها فضغط عليها واتسعت عيناه حينما وجدها قد ارسلت له صورة لها تقول (أحببت أن أرسل لك صورتي بالفستان الذي اشتريته لي ) ..
كانت ميس في الصورة تقف أمام المرآة فيظهر انعكاس شكلها فيه بينما انعكاسا أكبر يحتل غالبية مساحة الصورة بالمقارنة بمساحة صورة ابنته لكاميليا ترتدي فيها قميص بيتي بحمالات ويبدو جسدها الأبيض المكتنز ظاهرا فيه بينما شعرها المصبوغ بالأصفر ترفعه بعقدة فوق رأسها وشفتاها مطليتان بلون فاقع هي من تمسك بالهاتف وتصور ميس.. فشعر جابر بالانزعاج وأسرع بمسح الصورة وهو يفترض حسن النية وأن أمها لم تكن تعرف بأنها قد أرسلت صورة كهذه .. لكن عقله أخذ يقارعه بأن كاميليا هي من التقطت لها الصورة بالإضافة لأن وضعية الصورة غريبة .. لماذا تصورها عبر المرآة؟.. و لماذا لم تصور صورة عادية للبنت؟ .. بالتأكيد تقصد ارسال الصورة بهذه الطريقة ..
شعر جابر بالاشمئزاز وعدم الفهم وهو يعيد وضع الهاتف أمامه على الطاولة بينما قال مصطفى متهكما وهو يعود لمكانه" ماذا؟.. هل انتهى الوقت المسموح لك به في التأخير؟"
عاد جابر للابتسام ليقول مصطفى بابتسامة هادئة" كان حمزة يطمئنني على تحاليل أمه"
سأله جابر بقلق "أهي بخير؟"
هز مصطفى رأسه وأجاب " الحمد لله التحاليل كلها بخير"
قال جابر مبتسما " أنت هو القلِق يا مصطفى"
رد الأخر معترفا " هذا حقيقي ..أتمنى أن تنتهي فترة الحمل على خير"
قال جابر مشجعا " إن شاء الله لا تقلق"
غمغم مصطفى بلهجة ذات مغزى " والعقبى لك يا عريس"
ابتسم جابر ثم قال بعد برهة" أريدك أن تضيف لذلك المبلغ الشهري الذي تعطيه لذلك الولد عصفور المبلغ الذي أخبرتك به بدون أن تخبره عني فيعلم الله أني سأفعل ذلك فقط من أجل والده المريض وأنه لولا ما اقترفه من أخطاء في المحل والدلائل التي تشير لتورط أمه فيما حدث لي ليلة زواجي لأبقيت عليه يعمل عندي لكني لا أسمح بالخطأ مرتين وهو شاب غير أمين"
سأله مصطفى عاقدا حاجبيه " هل طردته كما كنت تنوي؟"
هز جابر رأسه وقال بوجوم " أجل فأخطائه كثرت وأخرها كان أنه يؤخر ارسال الطلبات للزبائن متحججا بضغط العمل حتى يحصل على إكرامية إضافية لسعيه في الإسراع بتسليم البضاعة"
هز مصطفى رأسه باستهجان ثم قال "لا تقلق سأضيف المبلغ الخاص بك على الشهرية كما اتفقنا من قبل وليجعله الله في ميزان حسناتنا "
غمغم جابر "اللهم أمين"
××××
في نفس الوقت في البيت الملاصق كان العمدة يتفتت من الغيظ بسبب محاولته للاتصال بمفرح رغم أنه يعلم بأنه يبيت في العاصمة الليلة لكن هاتف الأخير كان مغلقا بينما وقف أمامه عويس شيخ الغفر ينتظر تعليماته بعدما هرع إليه منذ قليل ليخبره بذلك الاتصال الذي تلقاه من الحاج مندور.
ورغم أن العمدة كان يعلم بأن مفرح بعيد المسافة لكنه أراد أن يخبره بما حدث ويستشيره فيما سيفعل وحين لم يرد قال لشيخ الغفر " هل استدعيت كل الغفراء عندنا؟ "
قال عويس مؤكدا "بالطبع .. ولابد أنهم قد انضموا لمن كان عليه الدور في وردية الليلة وينتظرون من عمدتنا التعليمات في الخارج "
تكلم العمدة آمرا "أسرع إذن بمن هو موجود حاليا إلى تلك المنطقة التي قال عنها مندور وليلحق بك الباقين .. مشطوا المنطقة لا أريده أن يفلت منكم .. واحذروا أن يكون خطيرا أو مسلحا هيا لا نريده أن يفر هذه المرة "
أسرع عويس بالقول "أوامرك حضرة العمدة"
بعد دقائق اقترب مفرح من بيت العمدة ولاحظ استنفارا من الغفر أمام بوابة البيت فأوقف السيارة في الشارع وترجل منها بنظرات متسائلة في الوقت الذي هرول عويس إليه يقول بحماس "جئت في وقتك يا باشمهندس مفرح لقد كان العمدة يحاول الاتصال بك"
سأله بحاجبين معقودين " ماذا حدث؟"
هتف عويس بحماس لاهثا " الرجل الملثم ظهر الليلة فقد أخبرني واحد من أهل البلدة منذ قليل "
قال مفرح باهتمام " هل أنت متأكد أنه هو؟"
أجاب عويس بسرعة " لا أعرف .. إن الرجل يقول بأنه شاهد شخصا يشبهه في الحقول لكنه لم يحرق شيئا بعد .. فطلب منا العمدة أن نمشط المكان لنمسك به متلبسا بالجرم المشهود "
رد عليه مفرح متهكما "الرجل اخبرك وأنت أخبرت العمدة وتقف تتلكأ هنا.. وتنتظر بعد ذلك أن تمسك بالرجل بالجرم المشهود !!"
قال عويس مدافعا "كنت أنتظر باقي الغفر فلا نعرف مدى خطورته "
خرج مصطفى الزيني يودع جابر ووقف يثرثر معه حينما لمح وقوف مفرح مع الغفر فحياه متفحصا بعينين متسائلتين ليقترب مفرح منه ويقول لمصطفى حتى قبل أن يحيي جابر "يقولون بأن هناك مكالمة بشأن العثور على الملثم (ونظر في ساعته قائلا ) ولا أعلم إن كان لا يزال موجودا أم لا.. فبحسب حديث شيخ الغفر مرت نصف ساعة لكن لم تأتنا أي بلاغات عن حرائق حتى الآن .."
عقد مصطفى حاجبيه بينما تطلع جابر فيهما باهتمام ليتحرك مفرح خطوتين نحو سيارته ويفتح بابها فيخرج منه مسدسه ويعود لمصطفى قائلا وهو يربط حزام المسدس ويضعه فيه" أنا أرى أنه لا داعي لإخافة الأهالي وسأخذ أنا عويس فقط ولنبحث عنه"
قال مصطفى وقد لاح الاهتمام والتفكير على وجهه" أتفق معك فلا داعي لإثارة الخوف والبلبلة بين الأهالي باستنفار الغفر .. كما أن الناس إن أمسكوا به قبلنا سيفتكون به (وعدل من عباءته مضيفا) اسمع أنا آت معك (ونظر لجابر قائلا) لا تؤاخذني يا جابر"
قال الأخير بلهجة جادة عازمة " وأنا أيضا سأذهب معكما .. أعتقد أن ثلاثتنا كافين لاحتواء الأمر خاصة وأن الشائعات تخمن بأنه زهير عبد النبي فلا داعي لأن يتدخل الأهالي ويؤذوه بسبب غضبهم من الحرائق"
قال مفرح بسرعة وهو يتحرك نحو سيارته "عويس اخبر الغفر بأن يبقوا مكانهم لحين اعطائهم الأوامر وتعال أنت معي في السيارة"
قالها وتوجه ليركب سيارته بينما أسرع مصطفى بركوب سيارته هو الأخر ومعه جابر دبور وانطلقت السيارتان نحو منطقة الحقول المظلمة على الأطراف الشمالية في البلدة
بعد دقائق خرج العمدة يهدر في الغفر قائلا "لماذا لا زلتم هنا وأين عويس ؟"
رد أحدهم بارتباك" لقد طلب الباشمهندس مفرح من عويس أن يذهب معه للامساك بالملثم على أن نبقى نحن هنا استعدادا لأي أوامر "
عقد العمدة حاجبيه وغمغم بتفاجؤ "مفرح عاد؟"
رد الغفير " أجل عاد وذهب بنفسه مع عويس بينما ذهب خلفه الحاج مصطفى وجابر دبور في سيارة أخرى "
غمغم العمدة في سره بغيظ " مصطفى الزيني كالعادة يحشر نفسه في كل شيء .. وبالطبع إن أمسكوا به يريد أن يظهر في الصورة مع مفرح .. لا وألف لا لن أسمح له .. ( وقال بصوت آمر ) تحرك يا غفير أنت وهو فورا وابحثوا عن الملثم هيا "
اسرع الغفر بالحركة بينما قال العمدة متوعدا" لن أسمح لك يا مصطفى بسرقة المشهد من ولدي .. لابد أن يعرف أهل البلدة بأن لهم عمدة يحفظ الأمن والأمان"
××××
في تلك الأثناء لم يهدأ الحاج مندور رغم أنه قد ابلغ عويس شيخ الغفر لكنه لم يهدأ أبدا.. بل أخذ ولديه وعاد لمنطقة الحقول يبحث تحت الأضواء الخافتة عن ذلك الملثم ذو الدراجة فقال له أحد أولاده بملل"يا أبي ألم تبلغ شيخ الغفر ؟..لمَ علينا البحث بأنفسنا ؟"
قال ابنه الأخر بقلق "ماذا لو كان مسلحا؟"
أشار لهما مندور بالمنجل في يده قائلا بتصميم "لنمسك به أولا وسأقطعه بنفسي"
نظر ولداه لبعضهما ليقول الأول" ماذا لو كان معه سلاحا ناريا يا أبي هل ترضى بأن يتيتم أحفادك؟ "
قال مندور بعناد "سنجده ثم نراقبه من بعيد حتى يأتي الغفر (وأخرج هاتفه من جيب جلبابه الداخلي يقول) سأتصل بعمك الحاج بسيوني ليخبر الجميع ليحضروا معنا"
بعد قليل كان بعض الرجال قد تجمعوا للبحث بين الحقول المترامية الأطراف .. وقد تعذرت الرؤية الواضحة بسبب خفوت الضوء إلا من بعض الأنوار الآتية من بعيد.. فدقق أحدهم على الناحية الأخرى من الترعة ليجد خيالا يسير في الظلام وسط الحقول ويبدو من بعيد أنه يركب دراجة فصاح يقول للرجال" ها هو الملثم"
استدار الحاج مندور قائلا بحماس " إنه في نفس الطريق الذي رأيته فيه .. يبدو أنه قد ذهب لمكان ما وعاد.. أمسكوا به "
قال أخر" أقطع ذراعي إن لم يكن زهير.. "
كانت صيحات الرجال عالية لكنهم كانوا يبعدون عن هذا الملثم بمسافة كبيرة جدا ويفصله عنهم الترعة وبعض الحقول فحاول بعضهم اختصار الطريق عن طريق اختراق الترعة لكنهم تراجعوا بسبب زيادة منسوبها فأسرعوا للبحث عن أقرب جسر للناحية الأخرى .
صيحاتهم العالية أخرجت الملثم من سباته فزاد من سرعة دراجته بشكل واضح مما جن جنونهم وهو يبتعد في ممر بين الحقول بدلا من الطريق الموازي للترعة لكنهم ظلوا يصيحون ويلقون بالسباب وعبارات التهديد والوعيد بينما أطلق أحدهم طلقة مدوية في اتجاهه .
خلع صوت الطلقة قلب الملثم من الفزع واسقطه على الأرض من فوق الدراجة لكنه أسرع بالاستقامة مرتعبا وتركها مطلقا ساقيه للريح .. في الوقت الذي أسرع الرجال على الناحية الثانية بمنع صاحب البندقية من اطلاق المزيد من الطلقات وقال أحدهم "حرام عليك ستقتل الرجل "
قال صاحب البندقية بحدة " وحلال له حرق حقولنا!!"
قال مندور وهو يشعر بالزعامة "الرجل كان يسبب حرائق صغيرة .. وإن كان هو زهير بالفعل علينا أن نمسك به حيا ونسلمه للعمدة ليقرر مصيره ..بدلا من أن نحمل ذنب أولاده المساكين يكفيه ما حدث له من بدير "
صرخ أحدهم يتقدمهم بمسافة نحو أقرب جسر "هل ستثرثرون وتتركون الرجل لقد هرب واختفى من أمامنا ولم أعد أراه "
صاح مندور بسرعة " يا عتمان أحضر المشاعل لنستطيع الرؤية "
تدخل ابنه قائلا بتهكم" أية مشاعل التي ستحضرها يا حاج .. أضواء الهواتف موجودة "
صاح رجل أخر كبير بالعمر " وهل أضواء الهواتف الضعيفة هذه ستضيئ الظلام الدامس الذي أمامنا هناك في الحقول!!"
صرخ أحدهم يقف بعيدا " هل ستقضون الليل في الجدال أيهما أفضل المشاعل أم أضواء الهواتف؟! ... الرجل هرب منا واختفى ولابد أن نكون جماعة حتى نستطيع الفتك به فلا نعرف على أي درجة من الخطورة هو"
أسرع الباقون خلفه نحو أقرب جسر للعبور للناحية الأخرى من الترعة عازمون ألا يتركوا الملثم يفلت منهم .
××××
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
* الجوزة : أرجيلة ( شيشة ) صغيرة الحجم


كان الظلام يحيط بالمكان كأغلال من حديد صدئ .. بينما الأنفاس عالية جدا تكاد تمزق الرئتين ..

لكن غريزة البقاء تحث بقوة على الجري .. فالخطر حتى لو غير معلوم يظل يرعب القلوب ..

الطريق ضيق .. بل إنه مجرد ممر صغير بين الزروع .. والمحيط غير واضح ..

إنه لإحساس مرعب أن تُطارَد مما تجهله .. وألا ترى القادم أمامك بوضوح ..

الأنفاس لا تزال تتسارع بألم.. والعرق غزير .. ودورة كاملة حول الذات للبحث بتيه في ظلام خانق موحش وفكرة واحدة تسيطر على العقل ( أين أنا ؟!)

توقفت عن الدوران حول نفسها وبدأت تهرول من جديد مخترقة أعواد الذرة الخضراء العالية التي كانت تُجرّح في جسدها فسقط ذلك الوشاح الذكوري الخشن من على وجهها ثم اشتبك مع أعواد الذرة وهي تجري بأنفاس حارقة فعلق بالزرع وانكشف رأسها .. لكنها لم تكن تعي لما يحدث معها .. كانت تجري مدفوعة بغريزة البقاء وهي تسمع خيالات لأصوات آتية من بعيد .. تطاردها .. دون أن تعرف السبب .

خرجت لطريق آخر على أطراف القرية الخارجية بمحاذاة ترعة أخرى فلمحت ابنتها تعدو أمامها ..

تملكها الجزع والخوف الشديد .. وتساءلت من بين لهاثها كيف استطاعت أن تخرج من البيت؟!! .. وماذا تفعل وحدها في الظلام الموحش هذا ؟!..

أما ابنتها ..

فكانت تتبختر أمامها تحت الأضواء الخافتة بثوب أبيض ..مضيء ..يلمع ذاتيا بإضاءة بيضاء تنير الظلمة من حولها فنادت عليها بصوت لم يخرج من حنجرتها " نجمة .. نجمة "

لم تنتبه لها نجمة .. بل بدأت في العدو والقفز خلف فراشة بيضاء مضيئة هي الأخرى..

شعرت بالجزع وأخذت تناديها وهي تراها تنعطف لممر ضيق على جانب الترعة وصوتها لا يريد أن يخرج من حنجرتها "نجمة .. نجمة انتظري "

في نفس الوقت كانت السيارتان قد اقتربتا من الجهة المقابلة.. بعد أن حددتا مكان الشخص المريب .. سيارة مفرح ومعه عويس كبير الغفر وسيارة مصطفى ومعه جابر.. فأسرع مصطفى الزيني بإغلاق الممر الضيق الطويل من أوله بسيارته بينما أسرع مفرح بالالتفاف للناحية الأخرى من الممر ليغلق طريق العودة .. في الوقت الذي رأت هي نجمة التي تبعد عنها بأمتار كثيرة تجري خلف فراشتها وقد طارت فوق الترعة فأسرعت الصغيرة بالاقتراب من الترعة تهم بالنزول خلف فراشتها.

صرخت صرخة لا تريد أن تخرج من حنجرتها وهرولت بقلب الأم الذي يخرق الطبيعة تمحو المسافة بينهما بسرعة وهي تنادي بصوت متحشرج مبحوح " ناجمااااه"

في الوقت الذي ترجل جابر ومصطفى فيه بسرعة وهرولا نحوها والأخير يقول بلهجته الحازمة وهو يحاول اختراق الظلام بأنظاره مشعلا ضوء هاتفه " قف عندك "

توقف مصطفى فجأة على بعد أمتار هو وجابر حينما شاهد شعرا طويلا يطير حول تلك التي تهرول في اتجاههما مشغولة عن النظر عنهما بالتحديق في الترعة على يمينها وكأنها تلاحق شيئا ما .. حتى أنها لم تلتفت لمصدر الضوء.. بينما ترجل مفرح من الناحية الاخرى للممر من سيارته وارتفع الادرينالين في دمه وتسارعت دقات قلبه وهو يشهر مسدسه في الهواء يطلق طلقة تشق ظلام الليل ليوقف ذلك الكائن الذي يوليه ظهره ويهرول على أطراف الترعة .

الطلقة أجفلتها وأرعبتها فتعثرت وانكفأت على وجهها عند حافة الترعة فأسرع الرجال الثلاثة إليها.

هتف جابر بذهول وهو يراها تعتدل جالسة "إنها امرأة !..من هذه؟"

تباطأت خطوات مفرح .. خطوة .. بعد خطوة بينما اقترب مصطفى محدقا فيها بعينين متسعتين ثم أدار وجهه نحو مفرح الذي كان على ما يبدو قد أصيب بطلقة نارية حارقة شلت أطرافه ..

طلقة لم تخرج من فوهة أي مسدس .. بل خرجت له من الجحيم .. فتوقف به الزمن وشك للحظة بأنه يهلوس .. ثم بذل مجهودا ليتحرك بصعوبة شديدة وكأن قدميه قد انفصلتا عن جسده وأعلنتا العصيان ..

تحرك نحوها وهو يكافح ليستيقظ من ذلك الكابوس اللعين ..

ما هذا التخريف !!.. إن هذا الكابوس سيقتله .. لو استمر فيه دقيقة أخرى سيقتله حتما..

فليس لأنها ترتدي جلبابا رجاليا من جلابيب الفلاحين البسطاء ..

وليس لأن الضوء خافت نسبيا..

وليس لأن شعرها المكشوف المنكوش المحرر من عقدته يغطي وجهها وهي منكسة الرأس تنظر لذراعيها تضمهما إلي صدرها وكأنها تحمل فوقهما شيئا ..

ليس بسبب كل هذا .. لن يعرفها ..

كانت ترتجف بشدة ..بل تنتفض من الرعب ..وتحاول أن تفهم ما الذي تفعله في هذا المكان الموحش المظلم .. ولماذا تلهث ورئتيها تكادان تتمزقان؟! .. ولماذا هي غارقة في عرقها المختلط برائحة عرق غريبة وقوية تفوح من جلباب رجالي خشن هي ترتديه..

تطلعت في ذراعيها المضمومين إلى صدرها إلى حيث نجمة التي أصبحت رضيعة وليست في عمر خمس سنوات كما كانت تجري خلفها قبل قليل .. فتمسكت بها بقوة وقلبها يصم أذنيها من النبض بصخب في صدرها بينما يمنعها الخوف الشديد من أن ترفع رأسها للرجال الذين يقفون على بعد خطوات منها .. فأخذت تتمتم بآية الكرسي في سرها وهي تنتفض بشكل ملحوظ من الرعب.. حتى جاءها صوته الذي تعرفه .. فحتى لو كانت في كابوس مخيف .. حتى لو كانت في قاع المحيط .. حتى لو كانت في منطقة ما مجهولة ما بين النوم والاستيقاظ .. تستطيع التعرف عليه وهو يهمس رغم عدم تصديق عقله لما يحدث

"مليكة!!!!!"

شهقة خرجت من فم مصطفى الزيني الذي ارتعش ضوء الهاتف في يده وقد صدقت عيناه رغم أنه كان يكذبهما قبل ثوان بينما انعقد لسان جابر وسقط قلبه في قدميه مذهولا.

أما مليكة فرفعت رأسها ببطء إلى مفرح فلاح نصف وجهها من بين شعرها الذي يغطيه ملطخا بالتراب تنظر له بتوجس لتتأكد من أنه هو.. في نفس اللحظة التي سقط فيها مفرح على ركبتيه بجوارها كمن يعاني من سكرات الموت وهو لا يزال يقنع نفسه بأنه يهلوس ..

أمسك مصطفى برأسه يتمتم مصعوقا "لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا حول ولا قوة إلا بالله"

حينما تأكدت مليكة من أنه مفرح قالت بصوت مبحوح ولسان ثقيل تتأتئ بارتجاف " مفففففرح .. أنا... أنقذت نجمة .. (وسقطت دمعة فوق خدها ) أنقذتها قبل أنننن تغرق في الترعة ... أنقذت ابنتنا نجمة يا مفرح"

كان النصل الذي يُذبح به قلبه لحظتها حادا .. حادا جدا .. مؤلما .. حارقا .. وهو يقف عالقا في منطقة ما بين العقل والجنون .. لكنه مد يدا مرتجفة إلى وجهها يمسح عنه التراب ويرفع شعرها عنه ببطء ليحضن وجهها بكفيه محدقا فيها ومرددا بخفوت ذاهل "مليكة!!... مليكة!! .. ماذا حدث لك .. ماذا تفعلين في الشارع في ذلك الوقت ؟!!"

إن هذا لكابوس ..

كابوس بشع ..

وهو يهذي .. يهلوس .. ويتمنى الاستيقاظ فورا قبل أن يتوقف قلبه ويموت .

تطلعت مليكة بطرف عينيها بانكماش لأقدام رجلين بالجوار ثم همست له بارتجاف مبحوح وكأنها تسر إليه سرا " أنا انقذت نجمة ابنتنا (وحركت نحوه ذراعيها الفارغين بحرص فترك مفرح وجهها لينظر فيهما بذهول وهي تقول ) خذها .. احملها يا مفرح"

كان لا يزال عالقا في منطقة تماس العقل مع الجنون لكنه كان يتصرف بالغريزة .. أو ربما كان قلبه يتصرف تاركا لعقله مهمة الاستيعاب والفهم والتحليل ..فحل أزرار قميصه وخلعه عنه بسرعة ثم لفه حول رأسها يغطي شعرها وهي مستمرة في التحديق فيه بنظرات غريبة وقد بدت له بشكل ما غير واعية لكنها قالت" ألن تحمل ابنتنا نجمة يا مفرح؟"

سقطت دموع ساخنة صامتة ثقيلة بثقل سنين العذاب والوجع على وجهه وفوق لحيته السوداء رغم أنه لم يكن يبكي .. بل كان ينهي ستر لحمه بقوة أعصاب وتحمل حتى لا ينهار .. فرفعت مليكة يدها الملطخة بالطين بتلقائية تمسح دموعه فلطخت لحيته دون أن تعي وهي تقول " لا تبك يا مفرح أنا وجدتها وحميتها "

تماسك ونجح في أن يقول بارتجاف وحشرجة مهادنا" طبعا سأحملها ( وأدار وجهه عنها وعن الواقفين بجواره لينظر للترعة وتغضنت ملامحه لثوان قبل أن تعود للتجلد ثم عاد ينظر إليها قائلا بتماسك) هيا معي أولا"

نفض جابر عنه الذهول حينما لاحظ ظهور بعض الأضواء من بعيد فقال بارتباك وهو يسرع لسيارة مصطفى ليطفئ كشافاتها "الناس يا أبا حمزة .. ( ونظر إلي يمين الطريق مضيفا بجزع خافت الصوت ) والغفر يا إلهي الغفر قادمون من بعيد "

نفض عويس الواقف على بعد بجوار سيارة مفرح ذهوله وأطفأ بسرعة اضاءة سيارة مفرح ثم استدار خلفه وتحرك ناحية الغفر الآتين من بعيد صائحا يداري ارتجافه وصدمته وهو يشير على جهة معاكسة" اذهب يا غفير أنت وهو وابحث عن المجرم في هذه الناحية لقد افلت منا .. هيا أنا آت معكم "

بينما ناول مصطفى عباءته المعلقة على كتفيه بسرعة لمفرح يقول لاهثا " خذ هذه واسرع فالناس تقترب .. علينا بإخفائها عن العيون فورا.. فالأمر شديد الحساسية والخطورة "

رفع مفرح إليه عينيه الحمراوين بالدموع يقول له ذاهلا بغير استيعاب "هل ما يحدث حقيقي ؟.. هل أنا مستيقظ أم أنني في كابوس؟!! "

اعترف مصطفى لنفسه بأن الصدمة شديدة عليه فمال يمسك بكتفيه وهدر فيه بصرامة وهو يهزه" تماسك يا مفرح وخذها من هنا فورا قبل أن يحضر الناس وأنا سألهيهم هيا بسرعة"

صوت مصطفى أرعب مليكة فشهقت وتطلعت في ذراعيها تقول بذهول بعد أن وجدتهما فارغين " نجمة .. ( ثم تطلعت حولها تبحث ) أين نجمة؟ .."

استقامت واقفة بسرعة فاستقام مفرح لكنها اسرعت تهرول وتلطم على وجهها قائلة بصوت مبحوح " نجمة .. نجمة اختفت يا مفرح "

اسرع مفرح خلفها بينما أخذ مصطفى يتطلع في الأضواء التي لا تزال بعيدة وحاول أن يقدر إن كانوا يستطيعون رؤية ما يحدث بوضوح من هذه المسافة ..ليطوقها مفرح من الخلف فقاومته مليكة بقوة وهي تقول بصوت مبحوح معذب لأم ثكلى "بنتنا ضاعت ..بنتنا ضاعت "

تطلع مفرح خلفه برعب ليرى أين وصل الناس لكنهم كانوا لا يزالون اشباحا بعيدة فأسرع بلفها بإحكام حتى رأسها بعباءة مصطفى وكأنه يخفيها عن العيون وحملها رغم أن ساقيه كانتا لا تحملانه لكنها تلك القوة الغامضة بداخلنا التي نعتمد عليها في الكوارث والمصائب .. وأسرع بها نحو سيارته وهي تقاومه بشراسة فهتف جابر خلفه " هل تريدني أن أقود لك السيارة ؟"

رد مفرح وهو يحاول السيطرة على تشنجاتها " أرجوك "

نظر جابر لمصطفى ثم أسرع نحو سيارة مفرح الذي حاول إدخال مليكة في المقعد الخلفي لكنها كانت تقاوم بشراسة أذهلت مفرح نفسه هاتفة بصوت مبحوح "لن أمشي بدون ابنتي ( وأخذت تنادي ببحة وهي تنظر حولها) نجمة ..نجمة "

شعر جابر بالشفقة الشديدة عليها وتذكر حكايتها التي قصوها عليه قبل ثماني سنوات بينما وصل مفرح لمرحلة الانهيار فقال بخفوت متألم من بين أسنانه وهو يهزها " نجمة ماتت يا مليكة لكن لديك أدهم وإياد .. ألا تريدين الذهاب لأدهم وإياد؟"





( أدهم وإياد )

الكلمة كانت سحرية .. سحرية لدرجة أنها أفاقت فجأة.. وتطلعت حولها بذهول .. لم يفهم مفرح ماذا حدث ولماذا تغيرت فجأة لكنه لم يكن لديه الوقت للتحليل بل انتهز فرصة هدوئها واستدار يلتقط بعصبية قميصه وعباءة مصطفى اللذان وقعا على الأرض .. بينما نظرت مليكة حولها ونظرت لنفسها وشعرت بالرعب الشديد.

ما الذي يحدث ؟

.. أين هي ؟؟!!!

ما هذا الذي ترتديه؟؟!!!

ولماذا تقف في وسط الحقول ؟؟!!

ولماذا مفرح يقف أمامها بفانلته الداخلية؟؟!!

يا إلهي جلباب من هذا الغريب الذي ترتديه؟؟

شهقت بسرعة وهي تتحسس شعرها المكشوف وتطلعت في جابر الذي كان يقف مشيحا بوجهه فغطت رأسها بذراعيها بخزي شديد ونظرت لمفرح تقول بتأتأة وذهول " مفرح .. أين أنا ؟؟؟"

فكانت نظرة مفرح المتألمة آخر ما استوعبته قبل أن تسقط فجأة مغشيا عليها.

أسرع مفرح بالتقاطها قبل أن تقع على الأرض ووضعها في المقعد الخلفي وركب بجوارها يغطيها بكليتها ليخبئها بينما تولى جابر بسرعة قيادة السيارة يبعد بها بعيدا محاولا بقدر المستطاع تلمس طريقه دون اضاءة كشافات السيارة حتى لا يلفت الانتباه فأخذ يحدق ويتلمس طريقه في الظلام حتى يبتعد عن الأعين وقلبه يدق بعنف يشعر بالشفقة والصدمة ويدعو لمفرح بالثبات في مصابه بينما عقله لا يجد تفسيرا منطقيا لكل ما رآه.



أما مصطفى الزيني فأسرع نحو القادمين متمنيا أن يكون بُعد المسافة ستارا لما يمكن أن يُرى وهو لا يزال يرتجف من الصدمة والذهول ..وتطلع في عويس الذي كان على بعد يقود رجاله إلى ناحية أخرى ففهم بأنه يلهيهم لذا ركز هو في طريقه ليقابل الناس التي تقترب متمنيا لو يستدير ليرى إن كانت سيارة مفرح قد ابتعدت أم لا .. لكنه لم يرغب في لفت الانتباه .

بمجرد أن اقترب الناس هدر مصطفى بصوته الحازم فيهم " ليس من هذه الناحية فأنا عائد منها ولم أجد شيئا "

قال أحدهم "لقد ظنناكم أمسكتموه سمعنا طلقة رصاص "

قال مصطفى بثبات انفعالي " لا .. لقد شكينا في شيء ما عند الترعة لكنه كان كلبا .. بينما لمح أحد الغفر من يتحرك ناحية الشرق فذهبوا خلفه ( وأشارا نحو الغفر البعيدين بقيادة عويس ثم أردف ) أما مفرح فذهب ناحية الغرب يبحث هو الأخر "

قالها مشيرا لاتجاه مغاير للذي ذهب إليه الأخير فقال الحاج مندور بتصميم وهو لا يزال يعيش في دور الزعامة " إذن نقسم أنفسنا نصفين نصف يذهب للشرق والأخر للغرب ما رأيك يا أبا حمزة ؟"

اقترب أحد الرجال في يديه الدراجة التي كانت تركبها مليكة قائلا "انظر يا حاج مصطفى ..ها هي دراجة الرجل المتخفي كيف سنعرف لمن هي؟ .. إنها مجرد دراجة عتيقة الطراز متهالكة تشبه المئات مثلها "

نظر مصطفى للدراجة يحاول الاستيعاب وربط الخيوط ببعضها .. ليناوله أحدهم خرقة بالية تفوح منها رائحة البنزين قائلا" هكذا إذا يشعل النار الملثم يرمي خرقة مشتعلة على الحقول ويجري .. (وتساءل بصوت عال) هل من الممكن أن ترفع البصمات من فوق القماش ؟"

هتف أحدهم بتصميم " إنه زهير عبد النبي لسنا نحتاج لبصمات يريد أن ينتقم من بدير لكن مالنا نحن ليشعل النار في حقولنا؟!!"

تدخل أخر يقول بلهجة متحسرة " لأنه يخاف من بدير فينتقم منا نحن.. و ليس لنا ناقة ولا جمل في الأمر "

أسرع مصطفى بالقول" إن بعض الظن إثم يا جماعة فلا نتسرع بالشك في أحد دون التأكد ( وقال مشيرا على الدراجة والخرقة البالية ) هذه تعتبر دلائل لكني لا أعرف مدى قوتها لذا سنعطيها للعمدة وهو يبحث في الامر المهم علينا بالإسراع بالبحث "

افترق الناس .. الآخذون في التزايد إلى الجهة الشرقية والغربية مصرين على البحث عن الملثم بينما تحركت عينا مصطفى خلسة نحو الجهة الجنوبية حيث اتجه جابر بسيارة مفرح وأخذ يردد في سره "استرها على عبيدك يا رب استرها يا ستار"

××××



بعد ساعة

ترجل علي وبشر صوالحة بملابس البيت من سيارة أحدهما شاحبي الوجه زائغي العينين من الصدمة فتلقاهم مفرح مستغيثا وهو يخرج إليهما من السيارة التي ركنت في منطقة ما على الطريق السريع خارج البلدة بعيدا تماما عن الأعين وقام بحمل مليكة الغائبة عن الوعي إلا من بعض الهذيان الخافت الغير مفهوم من شفتيها وقد خلع عنها الجلباب الرجالي الغريب الذي كانت ترتديه فوق منامتها وألبسها قميصه ثم لفها بعباءة مصطفى الزيني .. وأسرع بوضعها في المقعد الخلفي للسيارة الأخرى .

لقد حاول إفاقتها طوال الطريق دون جدوى فاتصل عن طريق هاتف جابر دبور بأخيها بعد أن اتصل بمصطفى ليمليه رقمه وذلك حتى يستنجد به فهو لن يستطيع أن يعود بها للبلدة.

كان كاللص الذي يتحسس الريشة فوق رأسه كما تقول القصة القديمة ولم يشعر بالأمان في العودة بها .. خاصة وأن الوضع في البلدة غير مفهوم.. وغير واضح إن كان قد شك أحدهم في أي شيء أم لا .. وخشي من أن يدخل بها بهذا الشكل سرايا الصوالحة ويلمحهما أحد .. كما أن ما شرحه بلهجة متألمة مصدومة لأخيها عليّ جعله يصر على ألا يقترب من السرايا وهي بهذا الشكل خوفا على والده الذي لا يزال يعيش بعقدة الذنب تجاهها .. بالإضافة لأنها تحتاج لفحص طبي عاجل وخشي من أن يلجأ لأي مستشفى حتى في مركز المحافظة فيتعرف أي شخص عليه باعتباره ابن عمدة ولديه معارف كثيرين .. بالإضافة لكونه غير قادر على الغياب عن البلدة أكثر من ذلك .. لقد حذره مصطفى من عويس الذي بالتأكيد قد أخبر العمدة و لم يعرف هل تسرب الخبر لأحدهم أم لا ..

كل هذا كان يعصف في رأسه خلال الساعة المنصرمة ليتأكد من أن الأمر خطير .. خطير بشدة ويمس عائلة العمدة وعائلة الصوالحة إن تسرب .. بل إنه مصيبة كبيرة في مجتمع صغير كبلدته .

هتف علي وهو يتفحص أخته في المقعد الخلفي بلوعة "مليكة .. مليكة ردي عليّ يا مليكة أنا علي أخوك"

هدر مفرح بأعصاب منفلتة" قلت لك لا تتجاوب مع أحد عليكما بعرضها على أقرب طبيب بسرعة .. بل استدعوا أكرم.. أكرم عليه أن يحضر من العاصمة فورا"


وقف جابر بجوار سيارة مفرح يراقبهم من بعيد بشفقة كبيرة وحزن بينما قال بشر بذهول "أنا غير قادر على تصديق ما قلته على الهاتف يا مفرح "

قال الأخير بارتجاف " لقد حكيت لعلي ما حدث بالتفصيل وأنا بصراحة مثلكم لا أفهم ولا أستوعب ما يحدث (وأمسك برأسه بأصابع مرتجفة يقول ) أشعر بأن رأسي سينفجر وبأني في كابوس فظيع (ثم نظر لبشر يقول بلهجة مستعطفة ) اسرع بعرضها على طبيب يا بِشر .. للأسف عليّ العودة فورا قبل أن يصل الأمر لأبي .. أو يصل لأهل البلدة أنت تفهم بالتأكيد حجم المصيبة الكبيرة التي نحن فيها "

قال بشر وهو يتحرك بسرعة نحو مقعد القيادة" اذهب أنت وتعامل مع تلك المصيبة وسنذهب نحن بها ونطمئنك (واستدار لجابر دبور يناظره بنظرة توسل سريعة بأن يبقي ما رآه سرا ثم قال له بلهجة متألمة وهو يركب سيارته) لن ننسى لك هذا المعروف أبدا يا جابر "

فرد جابر بهدوء" استغفر الله يا بشر إن شاء الله ستكون بخير "

هتف مفرح وهو يرى السيارة تتحرك مغادرة ويسمع لوعة علي من المقعد الخلفي مناديا باسم أخته" أنا هاتفي ليس معي ..هاتفني .. (وارتبك لا يعرف ماذا يقول ثم أكمل) هاتفني على رقم مصطفى الزيني (ونظر لجابر وأضاف ) أو جابر دبور حتى أجد هاتفا "

راقب السيارة تغادر بها .. بمليكته .. تأخذ روحه معها .. وشعر بالعجز الشديد .. وبرغبة في أن يترك البلدة وأهلها وأبوه وأمه وكل شيء خلف ظهره ويسرع خلفها .. لكنه مضطر للعودة فورا .. مضطر لأن يخلع قلبه بيده ويتركها مع إخوتها ويعود لينقذ اسم عائلته وعائلتها من الدمار ..فالأمر لا يخصه هو وهي فقط .. الأمر يخص عائلتين كبيرتين في السمعة والعدد .. يخص سمعة أجيال لاحقة ستلتصق بها الفضيحة يتوارثها جيل بعد جيل .

مال بجذعه للأمام في وقفته في الشارع ليستند بكفيه على ركبتيه قبل أن ينهار جسده وظل يناظر السيارة التي تصغر وتصغر صورتها أمام عينيه مبتعدة .. فاقترب منه جابر يقول بلهجة مواسية مشجعة " إن شاء الله ستطمئن عليها.. لكني أرى أن عليك اللحاق بالبلدة لمعرفة كيف استقر الأمر .. مصطفى يقول بأن الأجواء قد هدأت نسيبا بعد أن فشلوا بالعثور على أحد لكنه لا يعرف موقف الغفر بعد هل تسرب إليهم الخبر أم لا "

اعتدل مفرح واقفا ثم أولاه ظهره يغرز أصابعه في شعره وانهمرت دموعه يبكي رغما عنه وهو يسترجع ما حدث .

(يا رب .. ماذا يحدث لي ولها يا رب ..)

(لماذا مليكة .. لماذا مليكة )

تماسك بعد برهة وفرك وجهه بكفيه بقوة يطلب من نفسه التجلد واستدار لجابر يقول بصوت مجهد" هلا أعطيتني هاتفك يا جابر من فضلك ؟"

ناوله جابر إياه بسرعة قائلا" بالطبع"

وقف مفرح لثوان يحاول تذكر رقم بسمة حتى أنه ضرب أخر رقمين دون أن يكون متأكدا وانتظر قليلا على الهاتف في الوقت الذي نظرت بسمة في الهاتف بعبوس فخطفه منها كامل رغم اعتراضها وهو يغمغم "من هذا الرقم غير المسجل الذي يتصل بك"

قبل قليل

كان كامل وبسمة يتبادلان الضحكات الخافتة في مطبخ الفيلا بعد أن تسللا من جناحهما شاعران بالجوع فقررا أن يعدا طعاما سريعا .. فوضع كامل طبقا كبيرا أمامهما على إحدى طاولات المطبخ لتقول بسمة" سيزداد وزني بسببك وبسبب جوعك في انصاف الليالي"

رد كامل بلهجة بائسة معترفا" أنا أيضا لم أمارس الرياضة منذ مدة وسيعود وزني للزيادة ( وأضاف من بين اسنانه ) وما دمت لم أفعل فذلك الزفت شامل لم يفعل هو الأخر وهذا خطر على صحته "

في نفس اللحظة كان توأمه ينزل على السلم فوجد ونس تهرول خلفه فاستدار إليها قائلا بهمس" لماذا أتيت خلفي سأحضر الطعام وأصعد إليك"

أصرت على موقفها فسحبها من يدها خلفه وهو يرفع سبابته أمام شفتيه قائلا " اششش لا نريد إيقاظ أحد "

بمجرد أن نزل إلي بهو الفيلا ووجد نور المطبخ مضاء اتسعت عيناه وأسرع لاقتحام المطبخ قائلا " ماذا تفعلان؟ "

انتفضت بسمة بينما قال كامل ببرود " وما الذي تفعلاه أنتما في هذا الوقت؟ "

هتف شامل وهو ينظر للطعام "زوجتي جاعت وتريد الطعام وانتما تلهوان من خلف ظهرينا (وسحب ونس يجلسها بجوار بسمة ويسحب من أمامها الطبق ليضعه أمام زوجته قائلا) آسف إنها حامل ومسكينة وجائعة "

قبل أن تعترض بسمة نظر شامل لأخيه حينما شعر بأنه يريده .. ليناظره الأخير بنظرة عاتبة جعلت شامل يشعر بالحرج ويخاطبه فكريا " تحدثت بتلقائية لم أقصد"

بينما رن هاتف بسمة فعقدت حاجبيها ليسرع كامل قائلا وهو يخطفه منها " من هذا الذي يتصل بك في هذا الوقت ومن رقم غير مسجل ؟!"

حين جاء صوت كامل لمفرح قال بسرعة" كامل أنا مفرح اعطني بسمة"

غمغم الأخير باندهاش" مفرح .. لمن هذا الرقم فبالتأكيد بسمة تسجل رقمك !!"

هدر مفرح بعصبية " أريد بسمة بنت خالي يا كامل "

شعر الأخير بأن هناك مصيبة ما قد حدثت فناول الهاتف لبسمة التي أمسكت بقلبها ليقول مفرح بلهجة باكية " بسمة .. مليكة يا بسمة .. كوني بجوار صاحبة عمرك يا بسمة فزوجها عليه أن يتركها لعدة ساعات .. إنها في طريقها للعاصمة فلا أعتقد بأن أحدا من أخوتها قد يغامر بعرضها على أي مستشفى في المحافظة كلها .. اتصلي بعلي أو بشر .. كوني معها ولا تتركيها "

رغم عدم فهمها لما حدث تجمعت الدموع في عيني بسمة وهتفت بجزع "ما بها مليكة؟؟؟!!!"

×××××

بعد نصف ساعة
ركن مفرح سيارته أمام بيت العمدة وترجل منها متحفزا جامد الملامح .. متجهم الوجه .. فأغلق الباب بعنف وعدل من حزام المسدس الذي لا يزال في جانبه وعيناه تحاولان استقراء وجوه الغفر المجتمعين أمام البوابة .. وترجل معه جابر الذي رفض أن يتركه ..

في نفس الوقت خرج مصطفى الزيني من بوابة بيته وكأنه كان ينتظره فتبادل مفرح النظرات مع مصطفى قبل أن يقترب منه ليهمس الأخير له بأن الغفر لا يعرفون شيئا لكن عويس عند العمدة منذ أخذ الغفر الأوامر بالعودة .

ترك مفرح الرجلين مصطفى وجابر ودخل لبيت أبيه ليواجه مصيره .. وهو لا يعرف كيف سيتصرف أو يبرر تلك الكارثة .. فقابل عويس يخرج من باب البيت نظراته أرضا فأدرك بأنه قد أخبر العمدة بكل شيء فاستمر في طريقه نحو المواجهة التي ستكون الأصعب في حياته والتي يعلم جيدا بأنه سيخرج منها فاقدا لجزء منه .

أما مصطفى فأقنع جابر بالعودة إلى بيته فالأمن قد استتب في البلدة وأضحى ما بعد ذلك عائليا.

كان قلب مفرح يدق بسرعة رغم ظنه بأنه كان يحتضر بعد تلك الصدمة التي تلقاها قبل ساعتين لكنه على ما يبدو كان يعاني من سكرة الموت .

دخل إلى الغرفة بخطوات ثقيلة .. يستعد لمواجهة غاية في الثقل .. يستعد لمواجهة أكثر اثنين آذوه في حياته ..



هذه هي الحقيقة التي يدركها جيدا ولا يستطيع التصرف حيالها أبدا حتى لا يخسر نفسه ودينه.. وحتى لا يجلب عارا لعائلته ..عار سيظل موشوما على هامات كل من يحمل اسم الزيني إن قرر تركهما وترك البلدة بأكملها ومغادرتها للأبد .

دخل وهو يعلم مسبقا ما سيحدث ويعلم بأنه سيرفض ما سيحاولان فعله للضغط عليه لكنه لم يكن يعلم كيف سيحل هذه المشكلة العويصة .

دخل ووقف يسد الباب بطوله فوجد والده يقف عند النافذة ينظر إليها بينما أمه تجلس فوق أريكة جانبية متربعة تضرب على فخذيها وتولول بصوت خافت قبل أن ترفع إليه رأسها بمجرد أن شعرت بدخوله وتقول بلهجة باكية" جئت .. جئت يا سبب عذابنا وفضيحتنا .. جئت يا جلاب الفضائح .. كنتُ دوما ضدها .. كنتُ رافضة لأن تتزوج بها .. وها هي النتيجة .. زوجتك مجنونة ...مجرمة .. مجرمة تحرق البيوت في الليل .. إنها تحتاج لمصحة عقلية ..( وهتفت تحدث نفسها بعينين باكيتين ) يا إلهي كلما أتصور بأنها اشعلت النار في بيت بسمة وهي فيه جسدي يقشعر .. يا إلهي كانت تريد أن تشعل في صاحبتها النار !!.. إنها حتما مجنونة وتحتاج لمصحة عقلية "



قال العمدة لزوجته بارتجاف وصدمة مما سمع منذ قليل " كفاك ولولة يا نحمدو ..علينا التفكير في كيفية التغطية على هذه المصيبة"

هتفت نحمده بشراسة " وهل هناك تغطية إلا بأن يطلقها ويتخلص منها فورا "

قال العمدة بعصبية " الطلاق أمر مفروغ منه لكنه ليس كافيا .. علينا بحصر عدد من يعرفون بالموضوع والتصرف معهم .. والمصيبة الأكبر (وتطلع في مفرح الذي يقف متجهم الملامح يناظرهما وأردف) المصيبة الأكبر أن الباشمهندس سمح لمصطفى بأن يذهب معه .. كم مرة حذرتك من مشاركة مصطفى في أي شيء .. ها قد وقعت في مصيبة على مرأى ومسمع منه .. وبالطبع ستخرج الشائعات قبل أن يأتي الصباح لننفضح كلنا ونخسر مقعد العمودية .. كم حذرتك أنا من مصطفى ( وهدر فيه بانفعال) هل رأيت كيف أن تشبثك برأيك وعدم طاعتي قد ألقوا بنا جميعا في التهلكة "

تدخلت نحمده تقول بإصرار " المهم أن يطلقها فورا وألا تبقى على ذمته لحظة واحدة حتى نستطيع إن خرجت أي شائعة أن نبرئ ذمتنا منها.. يا ربي لا أصدق لقد جنت .. كان من الممكن أن تشعل النار في البيت وتحرقنا كلنا ( وضربت على صدرها وهي تنزل ساقيها من فوق الأريكة وتقف على قدميها صارخة ) .. يا إلهي الولدان .. قد تشعل النار في الولدين .. أين هما يا مفرح؟"

تكلم مفرح بحشرجة قائلا" هل انتهيتما من تقرير مصير ابنكما العاجز ؟.. وهل يا ترى فكرتما للحظة وأنتما تقرران هذه القرارات كيف هو شعوري حاليا وأنا أتمنى الموت حرفيا ؟.. هل فكرتما قبل أن تفكرا في أهل البلدة والسمعة والطلاق في مدى صدمتي وكيف أشعر الآن؟... هل سأل أحدكما (ونظر لأمه ) هل سألتِ يا أمي عني ؟..عن حالتي .. كيف أشعر ؟.. هل أنا بخير أم لا؟ .. كيف تلقيت الخبر؟.. هل شغل بالك كل هذا ولو للحظة؟ .. كل ما فكرتم فيه وضعنا الاجتماعي وشكلنا أمام أهل البلدة ..والعمودية ذلك الكابوس الذي يجثم على صدري ويكبلني .. (وترقرقت عيناه بالدموع مردفا ) هل فكر أحدكما في مليكة ؟.. هل حاول أحد منكما تفسير لماذا فعلت ذلك ومما تعاني؟ .. ( وسحب نفسا عميقا وقال يحاول التماسك ) عموما دعوني اخبركما أنا ما الذي سيحدث .. أنا لن أطلق مليكة .. انفصالي عنها سيكون على جثتي .."

صرخت أمه بانفعال " ما الذي تقوله؟.. هل ستبقيها على ذمتك بعد كل هذا؟.. إنها مجنونة "

هتف مفرح قائلا بصرامة ونظرات نارية "حتى لو كانت مجنونة .. حتى لو كانت سفاحة لن أتخلى عن مليكة أبدا .. الأمر تم السيطرة عليه وأصبح بين ثلاثة أنا رابعهم .. مصطفى الزيني وجابر دبور وعويس .. والثلاثة أنا سأتصرف معهم .. لكن بعد أن أعود من العاصمة فعليّ أن أسرع خلف زوجتي لأطمئن عليها .. وأرجو أن تحفظا هذا السر عن الولدين أيضا ولا تخبراهما لماذا اضطررت أنا وهي للسفر "

هدر العمدة بغير تصديق غاضبا " ما هذا الذي تهذي به ؟؟.. هل ستترك كل شيء وتذهب خلف الهانم!! .. وهل ستتركها على ذمتك بعدما حدث!! .. والله لولا أن ما حدث يمس عائلتنا أيضا لكنت فضحت أولاد الصوالحة وكسرت عين عبد الغني هذا الذي يرفع أنفه للسماء .. ( وأضاف بلهجة متوعدة وقد تأجج العداء القديم في صدره ) لكن سيحدث إن شاء الله .. فحتى لو لم يعرف أهل البلدة يكفي بأن تطلقها وبأن أكسر عينه بأني أعرف ما فعلته ابنته وأهدده بذلك "

أستدار مفرح صارخا " كفى كفى كفى ..أنا تعبت .. تعبت من نظريات المؤامرة .. تعبت من الحديث عن المكائد والدسائس .. تعبت من كل شيء .. ( واستدار لأمه ) مليكة لم تحرق بيت الجد صالح يا أمي لأنها ببساطة كانت أمام كل أهل البلدة مع أم هاشم في حنتها .. وما صدر منها أنا لا أفهمه حتى الآن ولا أجد الوقت لتفسيره أو تحليله كل ما أنا متيقن منه أنها لم تكن واعية لما تفعل وأنها قد صدمت حينما علمت .. وبأنها تعاني اللحظة من صدمة ما ولا أعرف كيف سيؤثر عليها هذا مستقبلا .. التفسير الوحيد الذي أفهمه والذي استوعبته الآن بعد أن استرجعت أماكن الحريق السابقة أن هذه الحقول على الطريق المؤدي للمقابر .. الطريق لمقبرة ابنتها .. أنا لا أعرف إن كانت هي من كانت تشعل تلك الحرائق أم لا .. أنا لا أعرف شيئا ..وغير قادر على فهم شيء حاليا .. أنا متعب ..مصدوم .. مذبوح .. ولدكما مذبوح .. يريد أن يذهب خلف زوجته .. وأعدكما أني سأعود بمجرد أن اطمئن عليها "

هم بالتحرك فهتف العمدة فيه " أنا لا يهمني كل الهذر الذي قلته للتو ولا يهمني مما تعاني بنت الصوالحة وهل هي مدانة أم لا .. ما يهمني..."

"السلام عليكم "

قالها مصطفى من خارج باب الغرفة المفتوح فهبت نحمده الأقرب للباب واقفة وقالت لمصطفى ساخرة " طبعا ..جاءتك الفرصة على طبق من الفضة "

تطلع مفرح في أمه بعينين غاضبتين بينما اقترب مصطفى ودخل يكرر "السلام عليكم آسف لاقتحامي البيت لكن صوتكم عالي فطلبت من عويس أن يفرق الغفر حاليا ويبعدهما عن البيت بأي حجة "

هدر العمدة فيه وقد جن جنونه " مالك أنت بعويس ..هل جئت لتبتزنا بما عرفت؟.. ( ورفع سبابته أمامه بكبرياء محذرا ) لا يا ابن فاضل .. لست أنا عبد الرحيم الذي يخضع للابتزاز ( وأضاف من بين أسنانه بغل ) سأقتلك قبل أن تفعلها "

قال مفرح وهو يشعر بأنه على وشك الانهيار " يا أبي أرجوك ليس له لزوم هذا الكلام .. والله لولا مصطفى لانفضحنا كلنا"

ضربت أمه كفيها ببعضهما وفردتهما في الهواء تقول صارخة" بالطبع لابد أن يفعل ذلك .. لابد أن يوهمك بأنه يخاف على مصلحتك لأنه يعلم بأن الفضيحة ستطيح بآل الزيني كلهم ولن ينال ما يريد ..لكنه سيبتزك بهذا السر"

قال مصطفى لنحمده بلهجة صارمة " يكفي ما تقوليه يا حاجة ومن فضلك اتركي الحديث للرجال"

ضربت على صدرها وقالت بعينين متسعتين مستنكرة " هل تطردني من بيتي؟.. أرأيت يا مفرح"

غمغم مصطفى يحافظ على هدوئه" لا حول ولا قوة إلا بالله ! "

كانت عينا مفرح زائغتين وهو يتطلع في الجميع بشكل لاحظه مصطفى واشفق عليه بشدة .. فما سمعه من صوتهم العالي حينما دخل البيت فهم منه كيف يضغطان على ولدهما بما لا يطيقه فقال مهادنا" أنا جئت حتى أطمئنكم بنفسي بأن الله كان كريما معنا وسترنا ولم يفضح ما حدث لأهل البلدة .. لذا علينا أن نفكر بهدوء كيف سنتعامل مع الأمر"

تطلع فيه العمدة بغل واضح .. إن هدوءه وقوة شخصيته يستفزانه .. وحب الناس له و شخصيته القيادية التي تمنى لو كان مفرح مثله يشعرانه بالحقد فقال بلهجة غاضبة "مالك أنت ولماذا تتدخل .. إياك أن تتوقع أن ما تعرفه سيلوي ذراعنا .. طلقة واحدة في رأسك سينتهي كل شيء"

قال مفرح صارخا وقد بدا أنه قد فقد كل ما عنده من قوة تحمل " أبي أرجوك كفى.. أرجوكم كفى .. ارحموني .. اشعروا بي ولو لمرة واحدة .. ( وحاول التماسك من جديد فقال بلهجة أهدأ وهو يلهث ) أنا سأغادر للعاصمة الآن وحينما سأعود أعدكما أن نتحدث بهدوء لإيجاد حل يرضي جميع الأطراف .. ( وأضاف وهو يشهق كمن يعاني من ضيق تنفس ) رغم أني تعبت من إيجاد الحلول .. وتعبت من المساومات من أجل أن أحصل على حقوقي .. ( وهدر بهيستريا ) تعبت من كل شيء أقسم بالله .. وكأن الله غاضب عليّ فأتى بي لهذه الحياة لأتعذب .. وكأنني قد كتب عليّ أن أحمل الجميع فوق رأسي .. لماذا يحدث معي هذا؟ .. لماذا لا أحيا حياة بسيطة "

اقترب منه مصطفى يقول مشفقا " اهدأ يا مفرح"

قال بلهجة متألمة وهو يتحرك مغادرا "اتركني يا مصطفى اتركني لألحق بزوجتي"

تملك الرعب من العمدة .. وسيطر عليه ذلك الخوف من أن يذهب ولا يعود فهتف قائلا بلهجة متوعدة " لو خرجت من هذا الباب سأكون غاضبا عليك ليوم الدين .. اقسم بالله يا مفرح إن لم تلق يمين الطلاق غيابيا الآن فورا وتتركها لأهلها وتعود لرشدك لأكون غاضبا عليك ليوم الدين حتى عزائي سأوصي بألا تحضره "

تجمد ظهر مفرح الذي يوليه لأبيه وتقبض بقوة شديدة يشعر بأنه يتفتت لشظايا في تلك اللحظة .. إنه يُخيّر إما أن يخذل عائلته أو يتخلى عن زوجته .. فتمنى الموت .. تمناه من كل قلبه ليتخلص مما هو فيه بينما ولولت نحمده تلطم على وجها قائلة" يا لبختك المائل يا نحمده .. ابنك الوحيد سرقته المجنونة .. خطفت عقله من ليس لها عقل .. يا لبختك المائل يا عبد الرحيم ابنك الوحيد سيختارها وسيتركك تموت وحدك ويسبب لنا الفضيحة "

ناظرها مصطفى بغضب شديد ولولا أخلاقه للطمها على وجهها حتى تخرس فقال بلهجة غاضبة " لماذا لا تتركاه ليذهب لزوجته ليطمئن عليها ثم يعود وتناقشوا الموضوع بشكل أهدأ ؟!!"

صرخت نحمدو فيه "أخرس أنت لا تتدخل"

بينما قال عبد الرحيم هادرا" أخرج هيا وارحمنا من تدخلاتك "

لم يتحرك مصطفى من مكانه وهو يناظرهما بغضب قبل أن يشهق الثلاثة فجأة ويتجمد المشهد .

كان مفرح قد وصل لنقطة اللا عودة .. كان مشوشا متألما مصدوما غير قادر على تحمل المزيد مما يحدث له فما كان منه إلا أن أخرج مسدسه من حزاما ورفعه إلى رأسه .

صرخت نحمده تقول" ماذا تفعل يا مفرح؟"

كان الأخير يتنفس بصوت عالي وصدره يعلو و يهبط أمامهم وهو يقول " مفرح سيخلصكم منه فورا ..سيخلص البشرية منه .. ( ونظر لوالده ) وبدلا من أن تحرمني يا أبي من أن أتلقى عزاءك سأعطيك الفرصة لأن تتلقى أنت عزائي .. ( ونظر لأمه ) مفرح سيخلصك من ابنك المجنون يا أمي الذي ضحكت عليه بنت الصوالحة وأكلت عقله .. سيخلصك من ذلك الإحباط الذي تعيشين فيه على مدى خمسة عشرة سنة فلن تري مليكة مجددا لأنك ببساطة لن تري مفرح فهو ومليكة بكل أسف كيانا واحدا (واستدار لمصطفى المتسع العينين ) مفرح سيخلصك من المنافس على العمودية يا مصطفى .. فبرغم من أني على يقين بأنك لا تسعى إليها لكن حقك في العمودية سيعود لك وسينتقم لك الله من هذا الرجل الذي أخذ منك المنصب وقرر أن يمرره لولده من بعده ويتخطاك ( وأضاف بلهجة يائسة ) مفرح سيخلص مليكة أيضا من الرجل الذي خذلها قديما وخذلها اليوم حينما تركها تسافر بدونه والذي قرر أن ينهي حياته لأنه ببساطة لم يتحمل .. فهذا كثير كثير جدا عليه ليتحمله ( وتطلع في الوجوه حوله بتردد وعينين زائغتين ثم استقر نظره على مصطفى يقول ) أنت الوحيد الذي أتيقن بأنك ستحمل الأمانة .. أبلغ مليكة بأني آسف "

علا صياح نحمده مولولة فهدر فيها مصطفى قائلا" كفي عن الصراخ واسكتي أنت تزيدين الضغط على أعصابه (ثم استدار لمفرح مهادنا وهو يقترب منه بهدوء ) استغفر ربك يا مفرح واعطني المسدس .. أنا أدرك جيدا حجم ما تعيشه اللحظة لكن ما تفعله (واقترب أكثر) ما تفعله ليس حلا "

تراقص الجنون في عيني الأخير وقال بلهجة خطرة مهددة "لا تقترب .. إياك أن تقترب "

سحب زر الأمان فاتسعت عينا مصطفى بتوتر بينما أمسك عبد الرحيم بقلبه يقول بلهجة مرتعشة "مفرح .. ماذا ستفعل يا ولدي ؟"

استدار إليه مفرح وهو لا يزال يرفع فوهة المسدس لرأسه وقال وهو ينتفض والجنون لا يزال يتراقص في مقلتيه متطلعا في والده الذي يمسك بصدره" لا بأس يا أبي كنت دوما تخشى من أن أذهب للعاصمة وأعيش فيها خوفا من أن تبتلعني فلا أعود لك فكنت تقسم عليّ دوما ألا أفعل وكنت أنا أبر بقسمك .. لكن الموت لن تستطيع أن تقسم عليّ فيه يا حاج عبد ..."

انقطع حديثه فجأة حينما ضربه مصطفى بسيف يده على مؤخرة رأسه حينما لمح أن اصبعه ارتخى للحظات عن الزناد فسقط مفرح مغشيا عليه ووقع المسدس منه أرضا.

شهقت نحمده وأخذت تتنفس بعمق بعد أن وجدت مصطفى يرفعه من تحت ابطيه ويجلسه على أحد المقاعد ثم مال ليلتقط المسدس ويضعه في جيبه بينما صرخت نحمده هاتفة "عبد الرحيم "

تطلع مصطفى في عمه الذي أمسك بصدره ومال بجذعه يستند على طرف الأريكة بجواره قبل أن تفقد قدماه تماسكهما ويسقط .. فأسرع مصطفى إليه بينما أخذت نحمده تصرخ عاليا بشكل هستيري .

خلال دقائق كان أولاد مصطفى وزوجته والغفر وبعض الجيران يملؤون البيت من الداخل فهدر مصطفى في وقفته بجوار عمه الممدد على إحدى الأرائك "أين حمزة .. أين حمزة؟"

دخل حمزة يحشر نفسه بين الواقفين في الوقت الذي بدأ مفرح يستعيد الوعي ببطء وهو يسمع أصوات عالية وميز منها صوت أمه التي صرخت تمسك بحمزة هاتفة "هل تنوي بأن تقتل العمدة؟ .. (ونظرت لمصطفى الذي أخذ يطالعها بعنين متسعتين وقالت صارخة )هل تفعل كل هذا لتقتل العمدة يا مصطفى؟ "

ابعدها حمزة عن ملابسه بخشونة واقترب من الرجل المستلقي على الأريكة يتفحصه فوجده يتنفس بصعوبة فقال لوالده "لابد من أن تحضر الاسعاف فورا سأتصل بهم"

صرخت نحمده في الواقفين بالخارج بشكل هستيري وكل ذنوبها قد تشكلت أمامها لحظتها لترعبها من القادم "سيقتلان العمدة .. مصطفى وولده سيقتلان العمدة يا ناس "

ترك مصطفى جوار عمه واقترب منها يهدر فيها بصرامة "اسكتي يا حاجة ما تفعليه يرعب الرجل في رقدته"

أمسكت نحمده التي كانت لا تزال في حالة هستيرية بجلبابه تهزه قائلة وهي تناظره بعينين تبرقان بالغل " لن تنال مرادك منا ..لن تنال مرادك منا الكل سيشهد بما فعلتماه "

ناظر حمزة ما يحدث بعينين غاضبتين مليئتين بالغل وابتعد فورا عن العمدة بينما هدر مصطفى في زوجة عمه وهو يبعد يدها عن جلبابه بخشونة" عن أي مراد تتحدثين يا حاجة كفي عن الفضائح واستغفري ربك "

كان مفرح يجاهد للاعتدال لكن الصورة كانت لا تزال مهزوزة ويشعر بالدوار مستعيدا كل ما مر به بينما أمسكت صفاء في الخارج ببطنها من التوتر وأسرعت تجلس على السلم فتجمع حولها أولادها وبعض النسوة .

تحامل مفرح على نفسه ونهض يترنح قائلا بضعف " أبي"

استدار مصطفى ليرى مفرح يتحرك نحو والده بينما حمزة يقف يولي ظهره للجميع ينظر للنافذة بملامح جامدة فهدر فيه "لماذا تقف عندك يا حمزة وتتركه؟"

استدار إليه الأخير قائلا بجمود "طلبت له الإسعاف وأوصيت عليه جيدا لأني أعرف شخصا فيها ستكون السيارة هنا خلال دقائق .. أما أنا فلن ألمسه مهما حدث له .. لن ألمسه حتى لا يلصقون بنا تهمة لم نقترفها "

كان عبد الرحيم الزيني يعاني من صعوبة شديدة في التنفس وبدأ لونه يشحب بشكل ملحوظ فأخذ مفرح يقول بقلق "أبي .. أبي تماسك أرجوك الإسعاف قادمة"

هدر مصطفى في ولده وهو ينظر للرجل الذي يبدو عليه الاختناق "افعل أي شيء"

رد حمزة ببرود "صدقني ليس في يدي أي شيء لأفعله "

قال مفرح وهو يحاول أن يحمل والده "سأذهب به لأقرب مستشفى "

قالها لكنه لم يستطع أن يحمله فلا يزال الدوار يلف رأسه بينما تكلم حمزة وهو ينظر في ساعته "ربما لو نقلتموه بالسيارة وقابلتم الاسعاف بالطريق سيكون أفضل .. أهم شيء أن تقابلوا الاسعاف في أسرع وقت لأنه سيحتاج لإسعاف عاجل"

نظر مفرح عبر باب الغرفة لعويس الذي لاح له من بين الواقفين بالخارج قائلا "نادي الغفر ليحملوا العمدة بسرعة يا عويس "

حاول عبد الله ومحمد أبناء مصطفى الشباب دخول الغرفة تدفعهما النخوة فصرخت نحمده تعترض طريقهما" ابني قال الغفر فقط "

هدر مفرح بقوة" كفى يا أميييييي.. ألا تتعظين!!"

أحس مفرح أن رأس والده قد ثقلت على يده التي ترفعها فنظر إليه ليجده مغمض العينين أزرق الوجه فنظر لحمزة باتساع عينيه ثم عاد ينظر إليه هادرا بفزع " أبي .. رد عليّ يا أبي "

اقترب حمزة يتفحصه ثم أبعد مفرح وبسرعة قام بإمالة رأسه لأعلى ونفخ في فمه وعاد ليراقب النبض .. كررها مرتين بدون جدوى فضغط على عظمة الصدر بكفيه عدة مرات ثم توقف ومال ليقيس النبض أو يقوم بالنفخ في فمه .. في الوقت الذي وقف فيه مفرح مشلولا يمسك برأسه لا يعرف ماذا يفعل .

أما نحمده فازداد رعبها وأخذت تصرخ وشاركتها بعد الجارات حتى هدر فيهن مصطفى قائلا بصوت مخيف" لا أريد أن أسمع صوتا هنا .. اخرج الجميع بالخارج يا عويس فورا "

استندت صفاء بصعوبة على أذرع أولادها الشباب وهي تدعو الله ألا يتورط ابنها أو زوجها في أي شيء يخص عمه فلو حدث شيء الناس لن ترحمهما ..بينما ظلت نحمدو تصرخ وحدها وتندب حظها " عبد الرحيم .. إلى أين تنوي أن تتركني وترحل يا عبد الرحيم .. قتلوك .. قتلوك"

مرت دقائق ومصطفى يراقب بقلق ابنه الذي تعرق بشكل واضح وبدا الإجهاد عليه مليا فأشفق عليه وهو مستمر في الضغط على صدر العمدة بإصرار ثم التوقف وقياس النبض أو اعطائه تنفسا صناعيا.. حتى خذله ذراعاه من التعب للحظات لكنه عاد وتماسك واستمر في تدليك عضلة القلب قائلا من بين أسنانه" هيا أفق أيها العجوز ولا تفعلها .. هيا"

توقف بعد ثوان يلهث فتدخل مفرح يحاول بمحاولة يائسة أن يقلد ما كان يفعله حمزة وهو يقول بلوعة" أفق يا أبي .. افق يا حاج عبد الرحيم ..فيكفيني الذنوب التي أعيش احملها فوق ظهري"

كانت أنفاس حمزة تتلاحق من المجهود البدني الكبير الذي قام به خلال الدقائق الماضية لكنه أبعد مفرح الذي لم يكن متقنا لما يفعل وعاد لمواصلة ما يفعل مما أذهل مصطفى الذي ظنه قد استسلم وأن الرجل قد انتهى .. وأخذ يراقب ولده وتصميمه وهو يدلك قلب جده العمدة والعرق يتصبب منه حتى سمع صوت الاسعاف بالخارج فأسرع مفرح إليهم ليدخل معهم بعد دقيقة .

أخيرا انتحى حمزة جانبا يترك لهم المهمة وجلس على عقبيه يلهث بقوة ويمسح عرقه بملابسه قبل أن يرفع نظراته لوالده في الوقت الذي استجاب قلب العمدة لجهاز الصدمات وأعلن المسعفون بأنه قد عاد للنبض .

××××





كانت بسمة تبكي بحرقة وهي تقف أمام إحدى الغرف في مستشفى استثماري كبير نقلت إليه مليكة .. وكانت صدمتها شديدة فيما سمعته من أخوي صاحبتها علي وبشر ولم تفهم مثلهم ماذا يحدث حتى أكرم لم يفهم .. أخذ يحلل كل ما أخبره به أخوته وما أخبره به مصطفى الزيني الذي اتصل به يسأله عن مفرح فأخبره بأن العمدة نقل للمستشفى وأن حالة مفرح حاليا غير مؤهلة للحديث وقص عليه هو الأخر ما حدث ..

حاولت بسمة أن تفهم من أكرم أي تفسير منطقي فأخبرها بأن كل ما يفهمه أنها تتصرف بدون وعي .. لكن الطبيب النفسي وحده من سيستطيع تفسير إن كان هذا انفصاما أم شيئا أخر هو غير قادر على التفكير فيه حاليا فكل ما كان يشغله أن يخرج الطبيب من عندها ويطمئنهم على حالتها .

ربت كامل على ظهر بسمة المنهارة في البكاء بعد أن انتهى من مكالمة هاتفية مع شامل الذي يقود سيارته على الطريق حاليا ذاهبا لمفرح ليكون بجواره .. وأخبر في المكالمة شامل بما علمه وتبادل الاثنان الصدمة وعلامات الاستفهام.

تطلع كامل في اخوة مليكة الأربعة وزوجاتهم وحالة الوجوم والبكاء المسيطرة عليهم وشعر بالشفقة الشديدة حتى أخوتها الذكور علي وعمار كانا يبكيان .

إن الصدمة كبيرة وهزت الجميع .. وأولهم مفرح الذي لا يستطيع أن يتواصل معه حاليا لفقده هاتفه لهذا انقسما هو وتوأمه نصفين واحد يذهب لمفرح والأخر يبقى مع بسمة ومع اخوة مليكة.

قال كامل لبسمة مشفقا وهو يسحبها ليجلسا على مقعدين بعيدين في ممر المستشفى "تماسكي يا باسمة إن شاء الله سيطمئننا الطبيب "

رفعت إليه وجهها المنهار وقالت "لا أصدق يا كامل .. أنا في كابوس بشع .. مليكة! .. مليكة صديقتي! .. مليكة رمز العقل والحكمة .. كيف أصدق أنها من كان يحرق الحقول ليلا ؟؟ولماذا؟!! .. وكيف كانت غير واعية لهذا؟ ..لا استوعب هناك شيء غير مفهوم"

كان صوتها عاليا وصل لمسامع اخوتها فتغضنت ملامحهم بمزيد من الألم والصدمة بينما أخذ كامل يربت عليها مهدئا وهمس لها مستفهما" أنا لم أفهم حين قص أخوها لك ما حدث من هي نجمة؟ .. هل كان لمفرح أولاد غير أدهم وإياد ؟"

مسحت عينيها الحمراوين بالمنديل ورفعت وجهها الأحمر إليه وتقول بصوت خافت "مليكة ليست أم أدهم وإياد وكانت متزوجة قبل مفرح"

قال كامل بصوت خافت "أعرف هذه القصة .. لقد قصها عليّ مفرح من قبل لكنه لم يذكر أي شيء عن وجود طفلة صغيرة"

ردت عليه وهي تمسح دموعها" نجمة هي وجعنا كلنا لهذا لن تجد أحد منا يتحدث عنها .. كلنا نحاول أن ننساها لنعيش الحاضر فقلوبنا جميعا انفطرت من أجلها لكن مليكة.. "

وعادت للبكاء فربت كامل على ظهرها لا يزال يشعر بالحيرة وعدم الفهم لكنه لم يرغب في الضغط عليها لتقول بسمة بعد فترة من النحيب " حينما تزوجت مليكة حاولت أن تعيش وتتعايش مع زوجها وتنسى مفرح ..لكنها لم تقدر .. حتى أنها طلبت الطلاق بعد شهر واحد هو أقصى ما استطاعت تحمله "

سألها كامل" هل كان زوجها السابق يعاملها بقسوة؟"

هزت بسمة رأسها نافية ثم قالت" أبدا .. خالد كان يحبها كثيرا .. كان مجنونا بها.. هذا ما فهمته منها لكنها لم تكن تطيقه لم تحبه ورغم أن أهلها أعادوها له بعد أن حاولوا اقناعها بأن طلاقها بعد شهر واحد سيضر بسمعتها وسمعة العائلة وبعد أن حاولت هي الأخرى الحياة معه وتقبله وأنا شخصيا أشهد على ذلك كيف حاولت كثيرا أن تتعايش معه لكنها لم تستطع .. كان مفرح بينهما وكانت تشعر بذنب شديد لأنها تفكر في مفرح وهي زوجة لأخر وكلما غلبها الشعور بالذنب عادت لأهلها تطلب الطلاق حتى حملت "

عبس كامل وقال بسرعة "إذن نجمة ابنة خالد هذا"

أومأت بسمة بالإيجاب وقالت "أجل واستمرت معه من أجل طفلها القادم .. لكن الذنب ظل يقتلها ومفرح يسيطر على كل أفكارها .. حاولت كثيرا طرده من رأسها .. حاولت التعايش مع خالد الذي يحبها لكنها فشلت فشلا ذريعا حتى مرضت مرضا شديدا وطلبت أن تنقل لبيت أهلها .. وهناك لم يجد الدكتور أكرم بدا من أن يتدخل .. كان أكرم وقت زواجها من خالد وما أثير قبلها من شائعات في بعثة بالخارج وحين عاد بعد زواجها تفاجأ بالوضع وتفاجأ بتشبث والده بالموضوع لكن بعد أن مرضت بهذا الشكل وكادت أن تلقى حتفها تدخل الدكتور أكرم وضغط على والده الذي كان يشعر بذنب شديد لما آلت إليه حالة ابنته وبدأ الصوالحة في الضغط على خالد لطلاقها والذي رفض بشدة .. فرفعت مليكة قضية خُلع وانفصلت عنه ونجمة في عمر شهور .. ( وصمتت قليلا والذكريات تطبق على صدرها فسحبت نفسا كبيرا ثم أضافت ) لهذا ولدت نجمة في السرايا وعاشت في كنف مليكة وكان أبوها يزورها بمواعيد متفق عليها مع بشر وعلي .. وكانت مليكة تنوي بأن تعيش لتربيتها فقط حتى ماتت زوجة مفرح الأولى وعادت علاقتها به وبعد معاناة تزوج مفرح من مليكة ..(وشردت في نجمة فزينت ابتسامة حزينة شفتيها وهي تضيف ) كانت نجمة وقتها في عمر خمس سنوات تقريبا وكنا متعلقتان بها أنا وأم هاشم كانت كالملاك الصغير البريء المهم أنه حينما تزوجت مليكة بمفرح وعدها بأنه سيحضرها لتعيش في بيت العمدة مع ولديه لكن طلب منها أن تمنحه وقتا لينفذ ذلك "

عبس كامل وناظرها بعدم استيعاب فأوضحت بسمة باكية "للاسف من عادات البلدة المجحفة في حق النساء ألا يسمح لمن لديها أطفالا من رجل أخر بأن تأخذهم معها إلى بيت زوجها الثاني .. للأسف المطلقة أو الأرملة عليها أن تختار إما نفسها أو أولادها .. أما انسانيتها أو التضحية بأولادها .. لهذا من تتزوج تترك أطفالها في بيت أهلها "

عقد كامل حاجبيه لكنه لم يعلق شاعرا بالاستياء لتضيف بسمة بأسف " هذه هي العادات للأسف فمن يتزوجها يرفض بأن يربي طفل رجل أخر والمحزن أنها في الغالب ستربي أولاد زوجها الجديد فالذي تزوجها سيكون بالطبع إما مطلق أو أرمل ولديه أطفالا يبحث لهم عن أم فلو كان لم يسبق له الزواج أو ليس لديه أطفالا فلن يفكر في الزواج بمطلقة أبدا (وناظرت كامل تضيف بمرارة ) نفس نظريتك بالضبط "

شعر كامل بالضيق وأراد أن يدافع عن نفسه بأن موقفه مختلف لكنه آثر الصمت شفقة بحالتها المنهارة وتركها تكمل " طبعا مفرح لم يكن من هذا النوع لكنه أخبرها بأنه قد ضغط على والديه كثيرا ليتم الزواج فطلب منها أن تعطيه مهلة ليمهد الأمر مع والديه .. لكن لم يمهلهما القدر"

سألها كامل بعبوس "ماذا حدث ؟"

عادت بسمة للنحيب من جديد ثم تكلمت مفسرة " نجمة كانت تعيش في فيلا الصوالحة مع جدها وجدتها وأخوالها علي وبشر واسرتيهما وكانت تنام معها جدتها أم مليكة رحمها الله .. ويبدو أنها اشتاقت لوالدتها رغم أن مليكة زارتها عدة مرات بعد زواجها مباشرة لكن يبدو أن نجمة اشتاقت لها ذات ليلة مشؤومة فتركت جدتها نائمة وفتحت نافذة غرفتها المطلة على الحديقة بعد أن فشلت في فتح الباب وتسلقت النافذة ترغب في أن تقفز فوق شجرة عالية كانت اغصانها ملتصقة بنافذتها"

وتوقفت قليلا تضع يدا مرتعشة على فمها تنتحب فقبل كامل رأسها وقال مشفقا "كفى"

لكن بسمة أكملت بعد برهة " أرادت أن تقفز على الشجرة ظنا منها أنها تستطيع بعد ذلك النزول من الشجرة والذهاب لأمها لكن"

اجهشت بسمة بالبكاء الشديد فلمعت الدموع في عيني كامل وسألها بحشرجة "وقعت من النافذة ؟"

هزت بسمة رأسها عدة مرات وبدأت بالنحيب .



قبل ثماني سنوات

خرجت بسمة تهرول في طرقات القرية مفجوعة غير مصدقة لما سمعت .. حتى أنها لم تنتبه لأن وشاحها قد سقط عن رأسها وأن شعرها يطير خلفها ..



كانت الطرقات خالية تماما ليس فقط لأن الساعة متأخرة من الليل .. ولكن لأن الجميع قد تجمعوا هناك يتابعون الكارثة .

ظل صوت الصرخات المفجوعة يقترب ويقترب حتى ظهر أمامها المشهد من بعيد .. حيث معظم أهالي القرية مجتمعون أمام سرايا الصوالحة وسيارة إسعاف تقف بالخارج ..

اخترقت الأجساد بصعوبة ثم دخلت من البوابة تلهث بشدة وتوقف الوقت بعدها للحظات..

تطلعت بغير تصديق في الجسد الصغير الممدد على الأرض والمسجى تحت الأغطية وتحجرت الدموع في عينيها الزرقاوين .



الألم يعتصر قلبها .. وأصوات البكاء والنواح تصم أذنيها ولم تستوعب مما يحدث لحظتها سوى أن علي أخو مليكة يمسك بتلابيب أحد المسعفين صارخا غير مصدق بأنها ماتت .

شعرت لحظتها بأنها تموت ببطء..

بالتأكيد هذا كابوس .. مجرد كابوس وستصحو منه بعد قليل ..

في الخارج تطلعت وَنَسْ في مَليكة صَوالحة التي ترتدي اسدال صلاة منزلي وهي تترجل بصعوبة من سيارة مفرح ثم خانتها ساقاها فسقطت أرضا..

هرولت ونس مبتعدة عن الجميع في حالة صدمة وهي تهمس في سرها " هذا كذب .. كذب !.. " .

بينما حاول مفرح الذي يرتجف مفجوعا من الخبر أن يرفع مليكة من تحت ابطيها لتقف على قدميها بينما هي محدقة في نقطة ما في الفراغ بنظرات مذهولة .



في الداخل رفعت بسمة مقلتيها الفيروزيتين الذاهلتين تدقق في الواقفين فلمحت أم هاشم تدفع المتجمعين عند البوابة بخشونة وعصبية ليفسحوا لها الطريق حتى تدخل .. ثم تسمرت أمام الجسد المسجىعلى الأرض.. ورفعت أنظارها الذاهلة نحو بسمة تحرك شفتيها ببطء ( ماتت !).

وسقطت تفترش الأرض بانهيار وهي تضرب رأسها بيدها تصرخ بلوعة .

أما بسمة فتسمّرت على حالة الجمود والشلل وعدم التصديق هذه ..

أو ربما هي الصدمة ..

تتطلع فيما حولها .. تحاول استيعاب ما يحدث ..

وتمنت أن تهرب ..

تهرب بعيدا .. بعيدا عن هذا المكان .

لتسمع أحدهم يقول وهو يضرب كفا بكف "هذا ما جناه الحُب يا أخي !"

فرد الآخر بأسف " لديك كل الحق ..لا حول ولا قوة إلا بالله !"

وكأن حديثهما طلقات أطلقت في صميم قلبها فرفعت يديها تمسك برأسها وصرخت فيهما بهستيريا "بل هي عاداتكم المقيتة .. بل هي أعرافكم الظالمة .. دمها في رقبتكم جميعا .. أنا أكرهكم وأكره هذا المكان .. أكرهكم .. حسبي الله .. أعرافكم السبب .. حسبي الله .. حسبي الله "

أما مليكة فدخلت بعد أن أفسح لهما الواقفون الطريق مستندة على ذراعي مفرح بل تكاد تكون محمولة بهما رغم أن ساقيها اللتان لا تشعر بهما تلمسان الأرض .

وبمجرد أن خطت إلى حديقة سرايا الصوالحة تسمرت تتطلع في الجسد المغطى بمفرش مخطبا بالدماء ..

كانت ذاهلة النظرات تنتفض بقوة وسكين حاد حارق يفتت كل خلية فيها ببطء وتعذيب .. بينما أشاح مفرح بوجهه بعيدا عن المشهد ولم يستطع التماسك فبكى .. لتسقط بعدها مليكة مغشيا عليها بين ذراعيه.

قالت بسمة لكامل بحشرجة باكية "سقطت في أرض الحديقة ميتة ( وأدارت وجهها إليه تضيف من بين دموعها ) كانت صدمة كبيرة .. صدمة أثرت فينا جميعا .. لازلت أتذكرها وهي ملقاة في الأرض ومغطاة ..لازلت أذكر انهيار خالاها علي وبشر والله كانا يبكيان كالأطفال .. "

دفنت وجهها في كفيها تبكي فسألها كامل بعد قليل" أهذا هو سبب عقدتك من رؤية الدماء ؟"

هزت بسمة رأسها بالإيجاب ثم أضافت "وسبب قراري بأن أتزوج خارج البلدة .. كنت أريد أن أهرب منها ومن كل شيء فيها .. كانت صدمتي كبيرة وصدمة أم هاشم أيضا كنا متعلقتان بنجمة كابنتنا .. حتى أم مليكة مرضت بشدة بعدها وتوفت بعد فترة قصيرة"

أطرق كامل برأسه يشعر بضيق شديد في صدره يفكر في مفرح وموقفه وفي مليكة ثم رفع رأسه يسألها "متى حدثت الحادثة أقصد بعد كم من زواج مفرح ومليكة؟"

رفعت بسمة رأسها له تناظره لبرهة بنظرات متألمة ثم نطقت "أسبوعان"

اتسعت عينا كامل بصدمة وانفطر قلبه فهزت بسمة رأسها وقالت مؤكدة" كانت مليكة لا تزال عروسا .. لم يمضي على زواجها سوى اسبوعين .. لم تجد فرصة لتفرح .. قُتلت فرحتها بمفرح بعد اسبوعين فقط من الزواج .. وظلت فترة في حالة نفسية سيئة حتى حينما خُطِبتُ وتزوجتُ لم تكن حاضرة معي .. رغم تماسكها الذي كانت تحسد عليه .. لم تكن تخرج أو تتواصل اجتماعيا لفترة.. فقط أنا وعائلتها.. احتضنت أولاد مفرح وكانت تربيهم ..( واجهشت بالبكاء تغمغم ) والله أشهد لها أنها ربتهم كنجمة بالضبط .. كانت رغم مصابها متماسكة أكثر منا.. وبعد فترة بدأت تضغط على نفسها للعودة للحياة العادية .. كنت أعلم بأنها تضغط على نفسها للمواصلة .. ( وازداد نحيبها مضيفة ) مليكة يا كامل بالنسبة لي مثل أعلى في الصبر على المصائب .. بعد فشلي في تجربتي الأولى كانت هي من شجعني ووقف بجانبي .. كلما كنت أوشك على الانهيار أنظر إليها كيف هي شامخة صابرة محتسبة واشجع نفسي.. كنت اسميها أيقونة الصبر .. وكنت اتعجب من تماسكها فكانت تقول لي (منأجل أدهم وإياد حتى لا يختبرا اليتم مرتين ..( من أجل مفرح الذي ليس له ذنب فيما حدث) .. وكانت تتحاشى الحديث عن نجمة .. مشكلتها مع الطبيبة النفسية هي أنها كانت ستضطر للحديث عنها وهي متألمة لدرجة لم تكن قادرة على فعل ذلك قالت لي يوما حينما كنت أقنعها بالذهاب للطبيب (أنا لو فتحت الصندوق الأسود وتذكرت ما أريد أن أنساه سأنهار كليا ..سأتفتت وأتلاشى في الهواء وتنتهي مليكة من فوق الأرض .. لكن علي أن أتماسك من أجل الولدين ومفرح ) "

عادت بسمة لنحيبها ثم أضافت بعد برهة" لكن يبدو أن عقلها الباطن كان يفكر في ابنتها رغما عنها .. كانت ابنتها في قلبها رغما عنها .. (وأمسكت بذراع كامل تقول ) أنا خائفة يا كامل خائفة من أن أكون قد فقدت صديقتي للأبد "

فُتح باب الغرفة البعيد فوقفت بسمة بتحفز واسرعت للانضمام للباقين ليقول الطبيب" لديها صدمة شديدة سنضعها تحت المراقبة"

سأل أكرم " هل نستطيع أن نراها يا دكتور حسام؟"

قال حسام لصديقه بلهجة آسفة وهو يربت على ذراعه "اتركوها الآن فهي غير واعية ..ستخضع للمهدئات لفترة ولنرى ما سيحدث "

أطرق أكرم برأسه ولمعت الدموع في عينيه بينما قال بشر وهو يمسك برأسه "يا الهي ماذا سأقول لأبي؟ .. كيف سأخبره بهذا الخبر؟!"

×××××

وقف مفرح منكس الرأس يولي ظهره للجميع في ممر إحدى المستشفيات الكبيرة التي نقل إليها العمدة .. وكان هاتف مصطفى الزيني فوق أذنه يستمع لما يقوله أكرم عن حالة مليكة .. ويشعر وكأن قنبلة قد انفجرت في جوفه فحولته لشظايا متألمة فقال بحشرجة وهو يحاول التماسك بصعوبة " حسنا يا أكرم أنا سأطمئن على أبي وسآتي إليها فورا "

أتاه صوت أكرم يقول بلهجة متألمة " خذ وقتك فصدمتها شديدة وستبقى لفترة تحت تأثير المهدئات "

غمغم مفرح " أكرم ماذا حدث لها ؟.. سأموت والله أشعر بأني سأموت "

رد أكرم بحزن شديد " لا أعرف ماذا أقول كلنا حالتنا سيئة جدا .. وبشر اضطر لأن يعود للبلدة وسيحاول تمهيد الخبر لأبي "

هتف مفرح" يا الهي ..الولدان!.. كيف سنبرر لهما اختفائها

المفاجئ؟!! "

رد أكرم بحشرجة " سأتصل ببشر ليختلق لهما قصة "

خرج الطبيب فقال مفرح بسرعة" علي أن أغلق الآن سأعاود الاتصال بك ( وأضاف بقلب مفطور) لن أوصيك عليها يا أكرم "

أغلق الخط واقترب هو ومصطفى وسليمان الوديدي وعدد من أهل البلدة من الطبيب الذي قال" العمدة سيحتاج لعملية جراحية عاجلة .."

قال مفرح متفاجئا "عملية جراحية"



رد الطبيب "أجل .. حالة القلب سيئة .. والحقيقة أن وجوده على قيد الحياة بعد ما حدث له الفضل فيه بعد الله سبحانه وتعالى هو لدكتور حمزة فما فعله كان مجهودا جبارا حتى وصلت الإسعاف "

نظر الواقفين لحمزة الواقف بعيدا يديه في جيبي بنطاله يطالعهم من خلف نظارته الطبية بجدية بينما سأل مفرح بصوت مجهد" هل استطيع أن أراه؟"



هز الطبيب رأسه وقال "ولكن بدون أن تجهدوه من فضلكم وسأخبرهم بإعداد غرفة العمليات واستدعاء الطبيب الاستشاري "

دخل مفرح لغرفة والده بينما تحرك الواقفين يضربون كفا بكف أسفين على حالة العمدة ويناظرون حمزة بإعجاب وعبارات من نوع (أنقذ ابن مصطفى الزيني العمدة ) .. (لولا الدكتور حمزة لمات العمدة ) .. (أنظروا ماذا كانت تقول الحاجة نحمدو ..في الوقت الذي كان ابن مصطفى ينقذ العمدة ) .. فشعر سليمان بالغيظ من أخته لما فعلت وتحرك ليجلس في الاستراحة حتى لا يتواجد مع مصطفى شاعرا بالخزي من نظرات الناس إليه بسبب أخته .



كانت عبارات الناس تبتعد عن مصطفى الذي كان لا يزال واقفا أمام غرفة عمه يناظر ابنه الذي يسبل اهدابه شاردا في نقطة ما في الأرض وقد خلا الممر إلا منهما .. فاعتدل حمزة في وقفته وقال بلهجة مجهدة" هل ستعود معي للبيت أم ستبقى يا حاج؟"

رد مصطفى بهدوء "بل سأبقى"

هز حمزة رأسه وقال وهو يتحرك " إذن سأذهب أنا السلام عليكم "

استدار مغادرا فناداه مصطفى "حمزة "

توقف الأخير دون أن يلتفت ليقول مصطفى" جزاك الله خير يا بني "

أدار له وجهه يقول من فوق كتفه "وإياكم ولكن علام يا حاج ؟"

رد مصطفى بصوت متأثر " على أنك لم تخذلني ولم تتقاعس في إنقاذ جدك "

رد حمزة بهدوء معاندا " لكني لم أفعلها من أجله يا أبي ولا من أجلك ولكن من أجل شرف المهنة"

كان مصطفى يعلم بأنه يكابر على الاعتراف بأن عاطفته قد غلبته فقال بابتسامة" شكرا لأن ضميرك المهني لم يتأثر بالمشاكل العائلية "

هز حمزة رأسه عدة مرات وأدار وجهه يهم بالمغادرة لكنه عاد واستدار بكليته لوالده مضيفا "لكني مازلت أختلف معك يا أبا حمزة وأرانا أصحاب حق علينا المطالبة به"

قال مصطفى بابتسامة سعيدة "وأنا أحترم وجهة نظرك حتى لو كنت مختلفا معك فيها لكن يكفيني ضميرك الحي لأطمئن عليك من بعدي "

هز حمزة كتفيه ورد ببساطة غامت لها عينا مصطفى تأثرا "تربية مصطفى الزيني "

قالها وتحرك مغادرا تتابعه عينا والده بفخر وهو يتوقف ليسلم كل خطوتين على بعض الأهالي الذين على ما يبدو كانوا يشكرونه فغمغم في سره " اللهم لك الحمد ولا حول ولا قوة إلا بك"

××××

قبيل الفجر

راقبته أم هاشم مدققة في جلسته ساهما على السرير يتطلع في شاشة التلفاز أمامه بشرود وازداد قلقها .. فمنذ أن عاد من الخارج بعد تأخير كبير أقلقها عليه بشدة وجعلها تقضي الساعات في انتظاره وهي تطرد وساوسها التي تشككها بأنه ربما أعاد كاميليا إلى ذمته لكنها وبخت نفسها على هذا التفكير فأمر كهذا إن حدث لابد أن يعرف به أهل البلدة كلها كما أن أخلاق جابر لن تسمح بأن يخفي شيئا كاللصوص.



لقد عاد في حالة من الاجهاد الواضح فاغتسل وصلى ثم قرأ ما تيسر له من القرآن ولم ينم .

اقتربت منه تكرر عليه السؤال "لماذا أنت شارد يا جابر؟"

تطلع فيها جابر في تلك المنامة القطنية الرقيقة التي ترتديها بلوزة بحمالات وشورت وحسم أمره بشأن ما حدث الليلة لصاحبتها بأن قرر بأنه لن يخبرها .. فلم ينسى بعد هيئتها المنهارة في حادثة بسمة وتهورها .. ولم يرغب في أن ينكد عليها وبالتأكيد ما حدث لمليكة سيحرص أولاد الزيني والصوالحة في ألا يعرف أحد من أهل البلدة عنه شيئا ..إذن أم هاشم لن تعرف من أحدهم .. الشخص الوحيد الذي من الممكن أن تعرف من خلاله هو بنت الوديدي صديقتهم الثالثة لكنه سيترك الأمر لربما أخفت عنها بسمة كنوع من التكتم على الخبر.. كما أن الأمر سر وهو لن يستطيع أن يفشي السر .



تطلع مليا في ملامحها المحببة ولفت انتباهه القرط الغريب الذي ترتديه في أذن واحدة فقال مضيقا عينيه " هذا القرط رأيته عليك في أول مرة رأيتك فيها بدون حجاب وتعجبت لشكله ثم لم تلبسيه بعدها إلا الآن"

اشتعلت وجنتا أم هاشم وردت" كنت أرتدي القرط الذهبي لأن الزيارات كانت كثيرة لكني عدت لارتدائه لأني أحبه"



قرب جابر رأسه منه يمسك به مدققا ثم هتف باندهاش "هذه فليفلة حمراء!"

فهمت أم هاشم بأنه لا يذكره فابتسمت له بإحباط وجلست بجواره على السرير فعقد جابر حاجبيه من جديد يقول شاردا في القرط "أشعر بأني رأيته من قبل .. ليس المرة التي رأيتك فيها بدون حجاب .. لا قبل ذلك لكني لا أذكر كيف وأين !"

تطلع فيها بعينين متسائلتين ينتظر ردها فراوغته قائلة" ليس هذا وقته .. ( وقالت بإسلوب المحققين ) كف عن المراوغة يا جابر وأجبني ماذا بك"



شرد في القرط لبرهة لكن ذهنه لم يكن صافيا لأن يفكر في شيء فسحبها إليه لتنام على صدره ورد "قلت ليس بي شيء"

رفعت رأسها عن صدره وناظره وهي تقول بلهجتها المازحة "أتتهمني بالغباء يا جابر!!"

ابتسم ابتسامة ضعيفة ورد" صدقيني هناك مشكلة بالعمل"

عبست وقالت مجادلة "أي مشكلة وأنت كنت مع مصطفى الزيني كما أخبرتني !"

رد عليها وهو يسحبها لتعود لصدره" مشكلة علمتها بالهاتف يا ذكية كفي عن الاستجواب"

مسدت على صدره بحنان وهي تقول بلهجة ساخرة" إن لم أستجوبك حتى تستغيث مثل أي زوجة أصيلة ماذا سأفعل في حياتي يا جابر؟!"

ابتسم جابر ابتسامة متسعة فرفعت رأسها تناظره وقالت" أخيرا ضحكت الحمد لله تمت المهمة بنجاح "

سألها عاقدا حاجبيه "أية مهمة؟"

ردت بسرعة " مهمة محو المئة وإحدى عشر من فوق جبهتك "

عقد جابر حاجبيه ولمس جبهته بحركة تلقائية وهو يقول "ماذا تعني بـ (مئة وإحدى عشر)! "

أشارت له بين حاجبيه المعقودين على شكل رقم مائة وإحدى عشر التي يشكلها الجلد عند العبوس وقالت تمرر عليها سبابتها" ها هي مائة واحدى عشر جديدة.. فشلت المهمة وحدث انتكاس علينا البدء من جديد"

ابتسم جابر من طريقتها وسحبها إلى صدره قائلا" اخرسي يا أم هاشم "

قالت من فوق صدره مستمرة في مناكفته لتخرجه من مزاجه السيء "هل لو خرست ستمحو المئة وإحدى عشر عن وجهك؟"

قبل أن يرد رن جرس الباب فاتسعت عيناهما معا وابتعدت أم هاشم عنه تناظره باندهاش وهو يترك السرير فقالت بقلق "من سيأتينا في هذا الوقت؟ لقد أوشك الفجر على البزوغ !!"

قال وهو يرتدي خف البيت في عجلة" وكيف لي أن أعرف "

اسرعت تهرول خلفه ثم شهقت حينما وجدت طرقات متسارعة على باب البيت وليس البوابة الخارجية فغمغمت وهي تمسك بقلبها "أستر يا رب "

نزل جابر على السلم مسرعا في الوقت الذي خرجت فيه نجف من غرفتها مفزوعة تقول" ألم تغلق البوابة بالمفتاح خلفك يا جابر؟!"

غمغم الأخير بعبوس والطرق العالي لا يزال مستمرا بإلحاح "بل أغلقتها يا أمي"

أسرع بفتح الباب ثم اتسعت عيناه في الوقت الذي شهقت فيه نجف شهقة قوية .




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close