اخر الروايات

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثلاثون 30 بقلم الكاتبة شموسة

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثلاثون 30 بقلم الكاتبة شموسة



الفصل الثلاثون

(1)


نزل جابر على السلم مسرعا في الوقت الذي خرجت فيه نجف من غرفتها مفزوعة تقول" ألم تغلق البوابة بالمفتاح خلفك يا جابر؟!"

غمغم الأخير بعبوس والطرق العالي لا يزال مستمرا بإلحاح "بل أغلقتها يا أمي"

أسرع بفتح الباب ثم اتسعت عيناه في الوقت الذي شهقت فيه نجف شهقة قوية وصاحت بمفاجأة " زين !!"

قال زين من أمام باب الشقة بلهجة مازحة موبخة" أجل زين .. كل هذا ولم تفتحي يا نجف ..من المفروض أن يكون قلبك دليلك (ونظر لجابر الذي اتسعت ابتسامته بفرحة عارمة يقول ) وأنت يا عريس غارق في العسل وتارك أخاك على الباب كل هذا الوقت!"

اسرعت أم هاشم بالعودة لغرفتها لترتدي شيئا محتشما بينما تعانق الأخان وجابر يقول" لو كان أخي قد أخبرني بأنه قادم كنا فرشنا الأرض بالرمل لاستقباله (وربت على ظهره بمحبة مضيفا ) حمدا لله على سلامتك"

تشبث به زين للحظة ثم قبّل بعدها كتف أخيه الذي يكبره بإحدى عشر سنة والذي رباه بعد وفاة والده وعلمه وأنفق عليه من أموال الغربة حتى يتخرج من الجامعة ويلتحق بدورات تدريبية منحته شهادات دولية هي ما سهلت له الحصول على وظيفته الحالية في أحد الشركات الكبرى في إحدى دول الخليج والتي كان لأخيه الفضل في أن يلتحق بها.. ثم تحرك نحو نجف التي تقف تمسح دموعها فقبل رأسها ثم مال يحضن قامتها القصيرة وهو يغمغم" اشتقت إليك يا أم جابر"

سأله جابر بعد أن اختلس نظرة سريعة للطابق العلوي ليتأكد من أن أم هاشم قد علمت بوجوده واسرعت بالدخول إلى الغرفة "لماذا لم تخبرني بموعد عودتك كنت استقبلتك في المطار ؟"

ابتعد زين عن أمه وأحاط ذراعه بكتفيها يضمها إليه وهو يقول" الحقيقة أن الموضوع جاء بسرعة .. سمحوا للقسم المالي بالشركة بأن يتفق الموظفون فيما بينهم على التناوب في الحصول على الاجازة السنوية لانتهائهم من أعمال المناقصة المطلوبة.. وكان حظي سعيدا أن استطعت الحصول على اجازتي على أول القائمة (وغمز بعينه) كما أنني لم أرغب في أن أقلقك في شهر العسل يا جبورتي (وقال بلهجة ذات مغزى وهو يقترب منه ويعدل له ياقة منامته) يااااه تبدو مختلفا يا جبورتي .. وكأنك عدت عشر سنوات للوراء ..مادام الأمر كذلك سنشجعك على تغيير الزوجة كل بضع سنوات"

قالها وانفجر ضاحكا فضربته نجف على ذراعه تقول بتوبيخ وهي تلملم ضحكتها "كف عن اللسان الطويل إن شاء الله زيجة العمر"

مد جابر يده ليغلق الباب وهو يناظره ضاحكا بينما صفق زين بيديه قائلا بتسلي" ما هذا يا الهي !.. الحاجة نجف تدافع عنها !!.. بنت الشيخ أكلت عقل حماتها .. بركاتك يا أخت أم هاشم ( وصرخ فجأة حانقا وهو ينظر للباب المغلق ) الحقائب لقد أغلقت الباب على الحقائب يا جابر "

طالعه جابر بامتعاض ليسرع الأخير ويفتح الباب فقالت أمه "ولماذا تصرخ بهذا الشكل ألم تغلق خلفك البوابة بالمفتاح ؟"

رد زين وهو يحمل حقائب كبيرة ويدخلها في مدخل البيت "أغلقتها يا حاجة ..لكن الانسان لابد أن يعامل شقاءه وتعبه بحرص (وابتسم يقول مشاكسا) أحضرت لكم هدايا ستحبونها جدا لأني دفعت فيها مبلغا وقدره"

قالت نجف وهي تشده ليجلس على الأريكة" تعال اجلس أولا ودعك من الهدايا ..لماذا فقدت وزنك بهذا الشكل "

قبل أن يجيبها غمغم جابر بتهكم وهو يتحرك ليجلس على الأريكة المقابلة" سنبدأ في وصلة المفاخرة بعنوان ( اشتريت لكم هدايا )"

ضحك زين ورد" أنت بالذات اشتريت لك هدايا رائعة يا عريس "

ناكفه جابر متهكما" وبالطبع الفواتير مرفقة مع كل هدية"

انفجر زين ضاحكا ثم رد بنفس المناكفة" بالطبع حتى أريك كيف أني أقدرك وكيف ابتعت لك هدية بملغ وقدره"

"السلام عليكم "

قالتها أم هاشم وهي تنزل من فوق السلم ترتدي عباءة وتلف وشاحا حول رأسها فنظر إليها زين ورد" وعليكم السلام ورحمة الله الف مبروك يا بنت الشيخ .."

ردت أم هاشم عليه بحرج "بارك الله فيك يا زين العقبى لك"

غمغم زين وهو يتأملها " لازلتِ كما أنتِ لم يتغير فيكِ شيء"

ردت عليه "ولازلت أنتَ أيضا كما أنت "

رد بسرعة وهو يرفع ذراعا ويشير لعضلاته " بل تغيرت وأصبحت طويلا قويا مفتول العضلات"

لوت أم هاشم شفتيها وقالت بتهكم بعد أن ضربت باطن كفها بظاهر الأخر فوق بطنها "أنرتنا أنت وعضلاتك"

هتف زين محذرا " أشعر بالتهكم في كلامك يا بنت الشيخ !"

قالت نجف باندهاش " لا حول ولا قوة إلا بالله هل فعلت لك البنت شيئا !"

رد زين "أجل يا أمي ( وأطرق برأسه يدعي المسكنة مضيفا ) دفعتني ذات يوم فارتطمت بالحائط وضحك عليّ الأولاد وجعلوني مسخرة المدرسة"

ضحكت نجف بينما رفع جابر رأسه إليها مبتسما فبادلته الابتسام ليربت لها على الأريكة حتى تقترب وتجلس بجواره لكنها نظرت لزين تقول "هل أكلت بالمطار أم أنك جائع؟"

رفع زين رأسه المحني فجأة يقول بملامح جادة" هكذا بدأنا نتفاهم وقد أفكر بالعفو عنك ..بالطبع أنا جائع "

××××

تطلع مصطفى بشفقة كبيرة في مفرح الجالس يفترش أرض المسجد منكس الرأس يقرأ في مصحف بعد أن انتهى المصلون من أداء صلاة الفجر ويجلس بجواره شامل نخلة الذي وصل منذ قليل .

لقد حضر هو ومفرح ورافقهم شامل وكل من كان لا يزال موجودا من أهل البلدة في المستشفى إلى المسجد الملاصق ليصلوا وقرر مصطفى أن يبقى معه مادام قد قرر أن يبقى مع والده حتى الصباح حيث تحدد موعد عمليته الجراحية .

اقترب سليمان من مفرح يقول" لماذا لا تذهب للبيت وتستريح يا مفرح ثم تعود في الصباح ؟"

صدق مفرح ورفع عينيه لخاله يجيب بصوت منهك يخرج بصعوبة "لا أنا سأعود للمستشفى وسأبقى حتى يأتي موعد العملية "

هز سليمان رأسه وقال وهو يلملم عباءته" وأنا سأذهب لأطمئن على نحمده وأطمئنها وإن شاء الله سأكون موجودا في الصباح (ونظر لوليد يسأله) هل ستأتي معي يا وليد؟"

استقام وليد واقفا ثم اقترب من مفرح ومال عليه يقول بصوت خافت" أنا سأذهب لبيت العمدة لبضع ساعات لأطمئن على مهجة لأنها لا تزال منهارة "

تذكر مفرح والدته وتساءل في سره إن كانت ستبقي فمها مغلقا فيما يخص مليكة أم أنها ستكرر ما فعلته قديما ؟..فبلع غصة مُرة يائسة في حلقه وقرر بأنه لن يسكت هذه المرة فمليكة زوجته ولو قامت أمه بتسريب الخبر سيأخذ أولاده ويرحل بلا رجعة .

هز رأسه يقول لوليد "أجل اذهب إلى مهجة فلا داع للبقاء"

ربت وليد على كتفه وهو يقول" لقد علمت بأنك قد أضعت هاتفك .. سأبتاع لك هاتفا محمولا وخطا جديدا صباح الغد إن شاء الله"

هز مفرح رأسه مجددا فتحرك وليد حافي القدمين فوق سجاد المسجد يغادر مع أهالي البلدة .. بينما عاد مفرح للمصحف قبل أن يدير رأسه بعد برهة لمصطفى يسأله فجأة سؤالا وجوديا حائرا جعل شامل الجالس بصمت يفكر فيما سمعه من كامل" لماذا يحدث معي كل هذا ؟"

شعر مصطفى بأنه يمر بحالة من الضعف والانهيار فرد عليه " ليس كل ما نمر به من محن في حياتنا نكون على بينة من المغزى منه لكن الثقة في الله وفي عدله وفي حكمته تساعدنا على أن نحتفظ بعقولنا حتى لا يعصف بها الجنون .. ربما يكون ذنبا لا تعلمه فيبتليك ليطهرك منه قبل أن تغادر الدنيا .. وربما هو امتحان .. وكلما اشتد إيمانك صعب امتحانك يا ابن عمي أي انه خير في الحالتين بإذن الله.. فاصبر واحتسب"

قال مفرح بصوت مبحوح" أنا صابر والله صابر لكن (ودمعت عيناه مضيفا ) لكن يصعب عليّ تحمل معاناة من أحبهم "

سرت رجفة في قلبه وهو يتذكر مليكة والخوف الشديد يسيطر عليه..

هل ضاعت منه للأبد؟ ..

هل وصل بها حزنها على بنتها .. الحزن الذي كان يأمل في أن تتخلص منه مع مرور الوقت .. هل وصل بها لمرحلة اللا عودة؟

إنه يتألم بشدة .. يتألم لأنها لا تزال تتألم ..

لقد مرت عليه أوقات ظن فيها أنها استطاعت أن تخفف من شعورها بالحزن لكن مؤخرا وبعدما حدث يوم أن اكتشف خضوعها لإذلال والدته أدرك بأنها لم تتخط الحادث بعد ..وبأنها تعاقب نفسها بطريقة أو بأخرى .. لهذا أصر على أخيها أكرم حتى يقنعها بالذهاب لطبيب نفسي ذلك الطلب الذي طلبه منها مرارا من قبل لكنه بات منذ تلك اللحظة حتميا ..لكن هل الضغط عليها بالخضوع للاستشارة النفسية هو ما أوصلها إلى هذه الحالة ؟

حدق في سجاد المسجد يحلل الامر وعاد يجادل نفسه .. لكن الملثم والحرائق ظهروا قبل عدة شهور.. فعاد يرفع رأسه وتلفت حوله ليتأكد من خلو المسجد إلا من مصطفى وشامل الذي قال بهدوء ليفسح له المجال للحديث مع ابن عمه "سأنتظر بالخارج "

أسرع مفرح بالقول" لا أبق معي .. أنا أحتاجك بجواري .. احتاجكما أنتما الاثنين حتى أظل محتفظا بعقلي ولا أنزلق نحو الجنون ( وأدار وجهه يسأل مصطفى بذهول) هل هي من كانت تحرق ؟"

أطرق مصطفى برأسه وقال "لا نريد أن نتسرع في إلقاء الأحكام خاصة وأن تقصي الحقيقة والبحث خلف هذا الأمر لابد أن يتم بسرية تامة .. (ثم رفع إليه أنظاره يقول ) لكن مبدئيا الجلباب الرجالي الذي كان في سيارتك أنا أخذته عندما وصلت خشية من أن يحصل عليه أحد ويكون دليلا .. هذا الجلباب كانت به رائحة بنزين قوية .."

تطلع فيه مفرح باتساع عينيه غير مصدق ليضيف مصطفى "تحفظت أيضا على الدراجة وعلى قطعة قماش بها بنزين وجدهما الناس في الحقول و ..."

صمت مصطفى وتطلعت عيون مفرح وشامل به وهو يخرج من جيب جلبابه كيسا شفافا به قداحة وأضاف " لقد فتشت جيوب الجلباب لعلي أجد شيئا.. فلم أجد إلا هذه القداحة ولهذا كنت قادما إليك في بيت العمدة حينما تفاجأت بصوتكم العالي .. كنت أريد أن أسألك إن كنت تعرف لمن هذه القداحة فيخيل لي بأنها ليست رخيصة الثمن ولا أتوقع بأنها تخص صاحب الجلباب القديم الذي يبدو لرجل فقير وعلى حد علمي أنت لا تدخن "

أمسك مفرح بالكيس من يد مصطفى وأخرج منه القداحة يتفحصها وهو يقول "أشعر بأني قد رأيتها من قبل"

مد شامل يده ليأخذ القداحة من مفرح ثم تفحصها وقرأ المكتوب عليها قائلا" هذه القداحة من ماركة *** الشهيرة وهي بالفعل ليست رخيصة الثمن "

كان مفرح مجهدا بشدة .. يشعر وكأن سماءه قد أطبقت فوق أرضه فلم يقل شيئا بينما أضاف شامل "ربما هناك شخص مدخن من اخوتها مثلا "

رد مصطفى مؤيدا "هذا بالضبط ما كنت أفكر فيه "

رفع مفرح إليهما رأسه يقول" هل هذا يؤكد بأنها هي الفاعلة؟!.. لا أصدق! .. إنها غير قادرة على قتل نملة إنها .."

خنقته رغبة قوية في البكاء فانتفض واقفا حتى لا ينهار .. وتحرك ليضع المصحف في مكانه على الرف ليتبادل شامل ومصطفى النظرات قبل أن يقول مفرح" أنا سأذهب لوالدي"

استقام الاثنان ثم ربت مصطفى على كتف مفرح قائلا" أنا أدرك حجم ما تمر به من فاجعة يا ابن عمي ..لكن تماسك .. فلنطمئن أولا على أم أدهم وعلى العمدة .. أما باقي الأمور فلا تحمل لها هما سندبرها بإذن الله "

هز مفرح رأسه باستسلام بينما أعاد شامل القداحة لمصطفى فوضعها الأخير في جيبه وهو يقول" لابد أن نسأل أحد أولاد الصوالحة على هذه القداحة .. حتى نتأكد "

××××

كان زين قد خلع عنه سترته الأنيقة وعلقها على ظهر أحد كراسي السفرة وشمر ذراعي القميص وجلس يلتهم الطعام بنهم فقالت نجف التي تجلس بجواره على السفرة بعد أن أصر عليها أن تفعل ذلك" كُل بتروي وأمضغ الطعام ببطء يا زين "

قال الأخير وهو يضع اللقمة في طبق الملوخية ويرفعها إلى فمه ثم أمسك بملعقة من الفاصوليا البيضاء بالصلصة ووضعها فوق الأرز" مشتاق لطبيخ البيت يا نجف بطني تعفنت من الأكل الجاهز "

سألت أم هاشم التي شدها جابر قبل قليل لتجلس بجواره على الأريكة ثم فرد ذراعه بحركة تلقائية وغير متعمدة على ظهر الأريكة خلفها " ألا تطبخون لأنفسكم بالغربة؟"

رد جابر بالنيابة عن أخيه الذي حشر ملعقة الأرز بالفاصوليا في فمه وبدأ في تقطيع صدر الدجاجة الذي كان متبقيا من طعام الغداء "بعض الرجال في الغربة يطبخون أكلات بسيطة وليست معقدة لكن مع ضغط العمل وعدم وجود من يشجعك على الأكل معه تصبح معظم أيام الأسبوع وجبات جاهزة "

هزت أم هاشم رأسها متفهمة وأبعدت عينيها عن جابر وشعور بالسعادة والدفء يسيطر عليها خاصة في هذه الجلسة الدافئة .. فمن كان يصدق بأنها يوما ستجلس في بيت جابر ترحب بعودة أخيه زين وتطعمه من طعام الغداء التي صنعته بيدها .

رفع زين ابهامه إليها في الهواء فبدا لحظتها شديد الشبه بجابر ولكن أصغر سنا وقال "الطعام عالمي يا أم هاشم والملوخية معجزة "

اشتعلت وجنتاها وشعرت بالإطراء قبل أن يضيف" لقد عفوت عنك .. وكلما اطعمتني بمثل هذه الأصناف كلما ساعدتني على محو ماضيك المخزي من ذاكرتي "

تممت أم هاشم على حجابها بحركة مختالة وهي تغمغم بصوت مسموع دون أن تنظر إليه " لقد أُغلق المطبخ من الآن فصاعدا مادام الأمر (خيرا تفعل شرا تلقى)"

صاح من مكانه" هل ستمنعينني من الأكل في بيت أخي؟..

( وضرب على المنضدة ) .. أنا في بيت أخي .. أخي الذي هو زوجك وابن هذه السيدة التي هي حماتك يا أخت أم هاشم"

ردت بوجه جاد كعادتها في المزاح" طبعا بيت أخيك وهو وأمه فوق رأسي ..لكن المطبخ مطبخي ومفتاحه في يدي (ومررت أنظارها سريعا بين زوجها وحماتها المبتسمين وأضافت ) لا تؤاخذني يا جابر لا تؤاخذيني يا خالتي "

اتسعت عينا زين واستمر في مناكفتها قائلا لأخيه وأمه "أرأيتما المعاملة؟"

كتم جابر ونجف الضحك ليقول زين" لماذا تصمتان(و تطلع في أمه قائلا )هل أكلت عقلك بنت الشيخ يا نجف ؟ (ونظر لأخيه ) ألن تدافع عن أخيك يا جابر ؟"

تدخل جابر في مزاحهما قائلا بهدوء" بصراحة لن نستطيع أن نتحدث حتى لا نُحرم نحن أيضا من خيرات المطبخ"

شهق زين وضرب على صدره مقلدا طريقة ولكنة النسوة الفلاحات وهو يقول " هل سحرت لكما بنت الشيخ زكريا؟!.. هل عقدت لكما عملا سحريا على ورك نملة عذراء!"

قهقه جابر وأمه بينما غمغمت أم هاشم وهي تلملم ضحكة تريد البزوغ على شفتيها" سامحك الله لن أرد عليك"

قالت أمه "أترك المزاح وكُل (وغمغمت بعينين دامعتين) اشتقت إليك يا ولدي"

أمسك زين بيدها ولثمها ثم علت الجدية على وجهه وهو يسأل جابر" لقد توقعت أن أجد البلدة نائمة لكني أشعر بأن هناك شيئا غريب يحدث فيها لا أفهمه"

رد جابر بهدوء" كانوا يحاولون الامساك بالملثم "

أدارت أم هاشم إليه وجهها تسأل بتفاجؤ "وهل أمسكوا به؟"

غمغم جابر بهدوء" لا لم يستطيعوا الامساك به "

فسألهم زين بعبوس وعدم فهم "من هو الملثم ؟!!"

××××

"كفى بكاء يا ونس إن شاء الله مليكة ستكون بخير"

قالتها سوسو وهي تربت على ونس التي تجلس بجوارها على الأريكة في غرفة المعيشة ويناظرهما غنيم بوجوم من فوق مقعد بجوار النافذة وهو يتذكر القصة الموجعة التي سبق وأن حكت له بسمة عنها.

كان ثلاثتهما يرتدون ملابس النوم وقد استيقظ غنيم وسوسو بعد المكالمة التي أتت لبسمة وجعلت الأربعة في حالة استنفار فاتصلت بسمة بعلي أخو مليكة وحمدت ربها أنها لا تزال تحتفظ برقم قديم له كان مسجلا عندها وعلمت منه بأنهما يتوجهان بها لمستشفى ما ..طلب أكرم منهما أن ينقلاها إليه فأسرع كامل وبسمة بالذهاب لها حيث لم تستطع الأولى الصبر حتى الصباح بينما قرر شامل أن يسافر لمفرح بعدما استشعر من كلمات بسمة بأن هناك أمرا ما يحدث معه منعه من أن يرافق زوجته .

أما ونس التي رفض شامل أن تذهب مع بسمة وكامل في ذلك الوقت المتأخر من الليل فظلت تبكي بحرقة خاصة بعدما اتصل غنيم بكامل قبل قليل وفهم منه بدون تفاصيل بأن مليكة تعاني من صدمة عصبية.

كتبت ونس في دفترها لسوسو" أشعر بالخوف الشديد عليها فما هو هذا المرض الذي تعاني منه فجأة لتنقل في هذا الوقت المتأخر من الليل للعاصمة دون اللجوء لمستشفى في المحافظة .. وأن يتصل مفرح يطلب من بسمة مرافقتها لأنه لا يستطيع.. أمر غريب كهذا يوحي بأن هناك خطب ما مقلق "

تبادلت سوسو النظرات مع غنيم ثم قالت وهي تربت عليها مواسية "الأمر بالفعل غريب لكن نسأل الله أن يكون وضع صحي بسيط ليس له علاج في مستشفيات المحافظة لذا توجب نقلها للعاصمة "

رغم شعور سوسو بعدم منطقية تفسيرها لكنها آثرت أن تخفف على زوجة ابنها التي كتبت في دفترها وهي تبكي " إن حدث شيئا لمليكة سأحزن بشدة .. لا أحد يعرف مليكة مثلي ..لا أحد يعرف كيف هي شخص كريم معطاء بلا حدود .. كيف أنها حنون إلى أبعد مدى .. أحيانا رغم أنها لا تكبرني إلا بثماني سنوات فقط كنت أشعر بأنها تعاملني مثل الأم .. تعلمت منها أمور كثيرة .. ولا زلت أتعلم .. تسأل عني دوما وعن احوالي .. وإن أردت أن أسأل عن أمر أتحرج فيه من سؤال أحد ألجأ لها هي .. كانت تحدثني صباح أمس على الواتساب كعادتها يوميا وكانت تشجعني على ألا أيأس بشأن دروس التخاطب كيف مرضت فجأة بدون مقدمات؟"

عادت ونس تدفن وجهها في كفيها وتبكي فناظرت سوسو زوجها وهي تربت على ظهرها ثم قالت" ونس أرجوك تماسكي هذا يضر بك وبالجنين "

سُمع صوت حركة في المرآب فخمنوا بأن كامل وبسمة قد عادا فتنبهوا جميعا يتطلعون في الباب الداخلي للمرآب قبل أن تدخل بسمة بوجه شديد الاحمرار من أثر البكاء تبعها كامل يلقيان السلام.. فنظرت بسمة لونس التي تتطلع فيهما بترقب لتقول الأولى "تم حجزها بالمستشفى حتى تستقر حالتها "

سألها غنيم باهتمام "ماذا حدث؟ ما بها ؟"

تطلعت بسمة في ونس ثم ردت على غنيم باقتضاب فهم منه بأنها لا تريد الاسترسال أمام ونس حتى لا تزيد من حالتها المنهارة "لديها صدمة عصبية ولا يعرف اسبابها"

عقدت ونس حاجبيها بعدم فهم ثم كتبت في دفترها وتركت مقعدها لتقترب من بسمة تسألها" ما السبب الذي يجعلها تعاني من الصدمة ؟..بالتأكيد هناك ما حدث لتنهار"

تطلع فيها كامل بقلق فقد بدت منهارة بشكل أسوأ من بسمة التي ردت بدبلوماسية" يبدو أنها تراكمات موضوع ابنتها التي فقدتها منذ سنوات ..بالطبع سمعت بهذا الموضوع "

اتسعت عينا ونس وتطلعت في بسمة بنظرات حائرة وغمغمت في سرها" بشأن الطفلة !"

قال كامل باقتضاب "أنا سأصعد لغرفتي لارتاح قليلا ..شامل حدثته منذ قليل وأخبرني بأنه مع مفرح بالمستشفى لأن والده مريض .. سأنام قليلا ثم نقرر بعدها ماذا سنفعل غدا"

قالها وهو ينظر لبسمة التي قالت له بهدوء" اصعد أنت وأنا سألحق بك بعد قليل (وقالت لحميها ) عودا للنوم أنا سأبقى مع ونس "

قالتها وهي تمسك بذراعها بمواساة فتحرك غنيم وسوسو لغرفتيهما بينما تطلعت بسمة في ونس التي وقفت ساهمة وكأن على رأسها الطير فشعرت بالشفقة عليها وبشعور أخر لا تعلم من أين ظهر فجأة بأن عليها أن تملأ الفراغ الذي ستتركه مليكة بشكل مؤقت بغيابها ..

كتمت رغبة ملحة أخرى للبكاء ولفت ذارعها حول كتفي ونس وقالت وهي تشاهد كامل ينسحب ليصعد السلم في حالة من الحزن الشديد" تعالي يا ونس لنصعد إلى غرفتك لا أريدك أن تنهاري فيضر ذلك بالجنين .. مليكة ستكون بخير إن شاء الله (وتأملت الفراغ تكرر وكأنها تطمئن نفسها بعد ذلك الشعور بالفراغ المؤلم بداخلها باختفاء مليكة من حولها ) إن شاء الله ستكون بخير فهي قوية .. حتى لو مرت بلحظات انهيار أعلمها قوية ولديها قوة داخلية للتحمل والمواصلة "

أما ونس فشردت تحدق في الفراغ بعينين تحجرت فيهما الدموع.

××××



تأمل مفرح والده الممدد على السرير مغمض العينين على أنفه وفمه جهاز التنفس فازداد حزنه ..
رغم أنه يثقل على عاتقه بما لا يطيق لكنه والده .. الجذع الذي نبت منه الفرع .. صحيح كان جذعا يميل بكل ثقله على الفرع حتى سحقه لكنه يبقى ..والده.
أمسك بيده بارزة العروق الممددة على السرير بجواره .. واحتضنها بين كفيه وللحظة تمنى أن تربت تلك اليد على رأسه ..تواسيه .. تخفف عنه .. تطيب جرحه ..
تمنى أن يكون والده هو الملجأ له في محنته مع مليكة .. تمنى أن يجده عضدا وسندا .. تمناه أن يكون كمصطفى الزيني ... فمهما كبر وازداد خبرة وحصل على الشهادات تأتيه لحظات يتمنى فيها أن يتكور كطفل في حجر والده .. يطلب منه الدعم النفسي .. النصيحة .. المؤازرة أو ربما .. الطبطبة .
مال يسند جبينه على يد والده فوق السرير بإنهاك شديد وشعور يائس قاتم جاثم كصخرة عملاقة على صدره ثم غمغم بلهجة متألمة" تمنيت دوما أن تفهمني يا أبي .. رغم أنك أب كريم ولم تبخل علي بالمال لكنك لم تلتفت لمشاعري أبدا .. دوما ما كنتَ تعاملني وكأنني إنسان آلي مهمته أن يتلقى الأوامر ويحقق رغباتك وأحلامك ومشروعاتك .. الأخرون ممن هم من عائلات كبيرة مثلي يحملون اسم عائلاتهم وتاريخها نيشانا فوق صدورهم .. يحملونه فخرا وافتخارا ..يشعرون بالامتنان لكونهم قد ولدوا وهم ينتمون لهذه العائلة .. أما أنا .. (وتحشرج صوته ) أنا يا أبي .. ولدت لأحمل اسم عائلتي حملا ثقيلا فوق ظهري .. وأفكر في كل حركة ونفس حتى لا أسيء لاسم العائلة .. ليس فقط عائلتنا الصغيرة عائلة عبد الرحيم الزيني ..ولكن لكل أولاد الزيني ..دوما ما كنت أشعر بأني أحمل أولاد الزيني كلهم بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم فوق ظهري .. تخيل أن يحمل إنسان عائلة كاملة قديمها وحديثها فوق ظهره .. دوما ما كنت أشعر بأنني مسجون بين قضبان هذه القرية .. ومع هذا لم يكن عندي أبدا رغبة في الابتعاد كليا عن أصولي كما تشعرني دوما ولكني أفضل حياة المدينة على أن أزور البلدة بشكل منتظم فعملي وأرضي فيها وباقي أهلي بها .. "
ساد الصمت قليلا ثم أردف مفرح بصوت شديد الحزن "أضف على هذا ما حدث لي منذ أن ظهرت مليكة في حياتي.. تحولت حياتي إلى جحيم .. ليس بسببها .. ليس بسببها أبدا .. فهي والله جنة مفرح .. فروحي تعلقت بروحها .. زرع الله الحب في قلبينا من فوق سبع سماوات .. أنا أعرف بأنك وأمي لا تعترفان بمثل هذه الأمور وتعتبرانها نوعا من الضعف والسخف لكنها للأسف الحقيقة .. هكذا خلقني الله .. خلقني لأحب امرأة واحدة .. هي مليكة .."
بلع ريقه الجاف ثم أضاف بعد برهة بلهجة تقطر ألما" حينما كنت أصغر وجئتك مستعطفا مترجيا أن تحقق لي أمنيتي بالزواج منها أخبرتني بكل استهانة بأن مشاعري لها هي مشاعر مؤقتة .. وما حدث بعد ذلك وأضاعها مني ذبحني يا أبي .. أنت وأمي ذبحتماني بيديكما بكل قسوة وبدون أن يرف لكما جفن.. كل هذا من أجل المناصب والوجاهة الاجتماعية .. ومن أجل غل وأحقاد قديمة ليس لي فيها ذنب لأرثها وتُمرر حياتي وتحولها لمأساة .. ومع هذا احتسبت وجعي وألمي .. احتسبت قلبي المذبوح عند الله وحاولت أن ألا أخذلك رغم أنك خذلتني .. كان من الممكن أن أترك البلدة للأبد وأن أعاقبك أنت وأمي على ما فعلتماه بي بألا تريا وجهي مرة أخرى .. كان من الممكن أن أنزلق وتزل قدمي لأفعال مخزية كانت ستفضح العائلة كلها حتى أنتقم لقلبي الذي احترق وأنا أرى الفتاة التي أحبها تتزوج من صاحبي بعد أن تآمر الجميع عليّ .. كل هذا كانت نفسي تراودني لفعله وأنا ابن العشرين .. لكني رغم الطعنات التي تلقيتها منكم جميعا .. ورغم أني لم أجد وقتها من يقف في ظهري .. من يؤازرني .. يطبب جروحي .. حتى مصطفى كنت تسمم أفكاري نحوه فكنت وقتها اتحاشى التعامل معه .. فوقفت وحيدا مهزوما في معركة كان الجميع فيها ضدي ..رغم كل هذا وقفت ألعق جراحي وحدي .. وأشجع نفسي على التماسك .. استحضرت ضميري وحبي لك وخجلت من أن أرد لك الصاع صاعين كابن عاق.. خجلت ومنعتني مبادئى وعقيدتي .. ووثقت فيك رغم تخليك عني وثقت في كلامك .. وقلت ربما أنا الساذج ..ولابد أن أنساها فقد فقدتها للأبد.. فتزوجت وانجبت لكني لم استطع نسيانها لم أستطع أن أمحوها من أفكاري ومن قلبي لحظة واحدة .. حتى تجدد الأمل واصبحت حرة .. فعدت للحياة .. للتنفس .. وتعبت حتى أصل لها .. ضيعت من عمري سنوات فقط لأصل إليها لتكون في بيتي .. ومن أجلها قبلت بالعمودية التي لا أريدها ولا أرى نفسي فيها ولا اراني قادرا على مسئوليتها .. من أجل مليكة قبلت بما لا أريد .. من أجلها تحملت الكثير .. من أجلها عشت مسجونا هنا .. من أجلها فعلت ورغم كل هذا .. وكل ما تكبدته وما مررت به لازلت أنت غير قادر على استيعاب من هي بالنسبة لابنك .. وبدلا من أن تواسيني في فجيعتي .. تؤازرني في مصابي .. تخيرني بينك وبينها .."
صمت يبلع ريقه وصور لما مر به ليلة أمس تمر من أمامه .. فتذكر مليكة وهي مغبرة الوجه منكوشة الشعر مذعورة النظرات تدفع له بابنتها بين ذراعيها .. وتأثر بشدة وهو يسترجع جملتها ( ابنتنا نجمة ) .. الجملة أوجعت قلبه ..فعاد يقول بقلب ينزف دما" رغم كل هذا لم تستوعب بعد أن مليكة تمتلك قلبي تمتلكني بكليتي يا أبي.. فهي التي أشعر معها بأني مفرح .. مع أي امرأة أخرى أنا مجرد ذكر دون شكل أو لون أو مشاعر .. شخص بدون ملامح .. مع مليكة وحدها أكون مفرح .. مليكة ..( وتقطع صوته ) مليكة التي لا أعرف حالتها الآن .. هل رأيت رجلا بلحية وشارب .. رجلا محسوبا على الذكور يترك زوجته بعد مصيبة كالتي حدثت فلا يستطيع أن يكون معها!."
صمت قليلا ففتح العمدة عينيه يحدق في السقف وكل كلمة قالها ابنه كانت كأسهم حارقة رشقت في قلبه فضغط بأصابعه على يد مفرح الذي أجفل ورفع رأسه يتطلع إليه قائلا بحشرجة "هل أنت بخير يا حاج ؟.. هل أستدعي الممرضة؟"
حرك عبد الرحيم رأسه ببطء ونظر إليه وبيده الأخرى رفع قناع الاكسجين قليلا يهمس " أكمل"
طالعه مفرح وقد فهم بأنه سمع ما قاله ليضيف عبد الرحيم "أكمل ما كنت تقوله أخبرني بكل ما تريد أن تقوله وما أنت عازم عليه"
نظرة والده كانت لائمة جعلت مفرح يقول متألما" آسف يا أبي .. آسف يا حاج عبد الرحيم .. أسف يا حضرة العمدة .. آسف لأني لم أكن ذلك الابن المصنوع من الفولاذ الذي لا يملك قلبا حتى لا تسرقه بنت الصوالحة .. آسف لأن لي أحلامي وطموحاتي الخاصة التي تختلف كليا عما تريده أنت .. آسف لأني لم أكن ذلك الابن الذي يعوضك عن عدم انجابك لذكر غيره .. أنا آسف لأن قلبي ملكها وحدها .. ولكن مليكة ستظل زوجتي لا يفرقنا إلا الموت .. وتأكد من أنه لو حدث لها شيئا أكثر مما حدث لها قديما لن اسامح نفسي ولن اسامحكما .. لو حدث لمليكة شيء انتهى مفرح .. ولا تقلق لن ألجأ للانتحار فقد كانت لحظة ضعف ويأس مررت بها وأتمنى من الله أن يسامحني عليها وأن يجازي مصطفى لأنه لولاه لكنت تتلقى عزائي الآن يا حاج أو أخرون يتلقون عزاءنا نحن الاثنان ..مصطفى يا حاج الذي تصر على أنه يريد العمودية أثبت لك هو وابنه اليوم أنهما من أشرف الناس وفخر عائلة الزيني .. عائلة الزيني التي فرقتها أنت إلى حزبين بما فعلته قديما وتريد أن تواصل فعله الآن .. مصطفى الذي كان من الممكن أن يتركني لأفعلها ويقضي على منافسه في المنصب وابنه الذي تم الذم فيه علنا أمام الجميع واتهامه هو وأباه بأنهما يسعيان لقتلك "
طالعه العمدة بعدم فهم فأضاف مفرح" لن احكي لك ما فعلته الحاجة والفضيحة التي فضحتنا بها مع الجيران سأترك للأخرين أن يخبروك .. المهم أن ابنه فعل مالا يفعله أي طبيب إلا من غلبته عاطفة رابطة الدم وشرف مهنته وإن لم تصدقني .. كالعادة .. فاسأل الأطباء ماذا فعل .. اسأل الأخرين الذين حضروا ماذا فعل حمزة الزيني لإنقاذك .. رغم أنه وأباه كان بإمكانهما استغلال الفرصة للتخلص منا نحن الاثنين خلال نصف ساعة فقط .. فكل ما كان عليهما هو أن يشاهدا ما يحدث دون تدخل ولم يكن ليلومهما أحد خاصة بعد ما فعلته أمي أمام الناس وما تفعله الآن .. تخيل أن تجلس مثلي هنا تقضي الدقائق مرتعبا من أن تفضحك أمك أمام الجميع .. تخيل أي شعور هو .. تفضحني لأنها ستفضح مليكة مثلما فضحتها قديما وتسببت في الاسراع بتزويجها من رجل غيري وتسببت في كل هذا التعقيد الذي ألم بحياتنا .. ستفضحني لأني ببساطة أنا ومليكة كيان واحد ..على أية حال ما أريد أن أقوله يا أبي أني لن أتركها.. وإن حدث لها شيء لن تريا وجهي مجددا .. سآخذ أولادي وأغادر ولن أعود.. ولا أريد أي شيء من آل الزيني .. ولو خرج سر مليكة يا أبي قسما بالله لآخذها هي والولدين وأسافر خارج البلد إلى أي دولة أخرى فلن نستطيع العيش ومواجهة أحد بعدها .."
همس العمدة بلهجة عاتبة متألمة "أتهددني يا مفرح !"
قال الأخير بلهجة يائسة تقطر حزنا مزقت قلب والده "أنا لا أهدد يا أبي ..اقسم بالله هذا ليس بتهديد ..أنا أخبرك بأني لن استطيع العيش في القرية بدون مليكة ..وبأني لن أتحمل أن أسمع شيئا سيئا يخصها .. لن أتحمل يا أبي وسأضطر للهرب بها بعيدا .. يا حاج عبد الرحيم أنا في هذه اللحظة أحاول أن احافظ على قواي العقلية سليمة .. أحاول أن أجد مخرجا من الجحيم الذي أعيشه .. أنت وأمي لا تريدان مليكة في حياتي لكن للاسف الشديد لا يوجد مفرح بدون مليكة .. ( وصمت قليلا يتطلع في عيني والده الواهنتين المتألمتين فازداد تألما وهو يضيف) آسف بشدة لأنني خذلتك فوالله ربي وحده يعلم كم حاولت ..وبما ضحيت ..وكيف صبرت حتى أكون ذلك الابن الذي تتمناه والذي سيرفع رأسك .. للأسف حاولت وفشلت "
ساد الصمت فشعر مفرح بالمزيد من الألم رغم أنه من المفترض أن يشعر بالتحسن لأنه باح بما يجيش في صدره منذ سنوات لكن شعوره بالألم ازداد وهو يشعر بأنه قد خذل والده .. احساس قاتل بالفشل يسيطر عليه .
طُرق الباب ودخلت الممرضة لتفحص المريض وتضع حقنة ما في السائل الموصل بخرطوم رفيع بيد الحاج عبد الرحيم وهي تقول لمفرح "يطلبونك في الاستقبال يا باشمهندس لاستكمال بعض الاجراءات التي تخص العملية الجراحية "
بصعوبة .. كمن طعن في السن استقام مفرح وهو يقول بإنهاك" حاضر"
راقب عبد الرحيم من رقدته ظهر ولده وهو يبتعد ويخرج قبل أن تلحق به الممرضة فتتركه وحيدا يحدق في سقف الغرفة والكثير من المشاعر تثقل قلبه الضعيف .
استعاد كلمات ابنه فسالت دمعة من عينيه شقت طريقها في الأخاديد على جانبي وجهه كالماء حينما تخترق أرضا شديدة الجفاف وهمس لنفسه " ماذا فعلت بابنك الوحيد يا عبد الرحيم ؟.. بدلا من أن ينعم في جنتك وأنت حي جعلت موتك بالنسبة له الخلاص!"
××××
زفرت نحمده بغيظ وألقت بالهاتف تقول" أين هذه الزفتة فايزة .. هاتفها مغلق وهاتف زوجها لا يرد عليه "
قالت مهجة بوجه منتفخ من البكاء" نائمان يا أمي.. الساعة لا تزال الخامسة صباحا "
تحركت نحمده في الغرفة ومشاعر مختلطة تسيطر عليها ما بين خوف من أن يموت زوجها الذي سيخضع لعملية جراحية بعد ساعات وقد رفض مفرح أن يحضر النساء للمستشفى فصرفت هي النسوة اللاتي جئنها مواسيات .. صرفتهن بطريقة شبه فظة.. فلم يكن في عقلها مساحة للمجاملات .. وبين مشاعر أخرى تخص ما فعله مفرح ليلة أمس وكيف كاد أن يقتل نفسه من أجل بنت الصوالحة التي اكتشفت بأنها مجنونة ..
تطلعت في مهجة التي تبكي بكاء حارا قلقا على والدها وقهرا على مليكة فشعرت بالغيظ خاصة حينما قالت "حبيبي يا أبي .. حبيبتي يا مليكة ماذا حدث لك ؟.. أنت دوما مثالا للصبر والعقل "
هتفت بغيظ شديد " عن أي عقل تتحدثين؟.. قلت لك إنها من يحرق الحقول إنها مجنونة وخطر علينا جميعا "
قالت مهجة من بين بكائها" نحن نعرفها منذ ثماني سنوات هذا الكلام غريب وغير قابل للتصديق يا أمي "
ضربت نحمده على جانبيها تقول بعصبية " أنا لا أعرف ماذا فعلت لك أنت وأخيك .. متى نتخلص منها .. متى يا ربي (وحدثت نفسها بصوت عال متوعدة ) عموما فلتصبر عليّ بنت الصوالحة وسترى .. مادامت سيطرت على ابني بهذه الطريقة حتى كاد أن يقتل نفسه من أجلها .. أنا سأدمرها تماما .. لن أترك لها مجالا حتى لأن ترى البلدة مجددا وسأدمر الصوالحة كلهم .. (ولمعت عيناها بالتصميم مضيفة ) كلمة واحدة مني عما حدث الليلة.."
هبت مهجة واقفة تمسك بأسفل بطنها التي لا تزال مسطحة وقالت بقهر " أمي حرام عليك يا أمي ..ألا يوجد شفقة أو رحمة في قلبك !.. مفرح كاد أن يموت قبل ساعات .. ألم يؤثر فيك ما حدث لمليكة ولو للحظة !.. أتعرفين يا أمي حينما تأخر حملي هذه الشهور القليلة خفت أن أكون عقيما ردا من الله لك على ما فعلتيه وتفعلينه مع مليكة"
امتقع وجه نحمده ونظرت لابنتها بنظرات مخيفة ترغب في صفعها لكن حينما لمحتها تتحسس أسفل بطنها بملامح متألمة أسرعت بالقول من بين أسنانها بمهادنة" حسنا اهدئي فهذا البكاء وهذه العصبية ليست جيدة على الحمل اجلسي واهدئي ولن اتحدث عنها .. علينا بتكثيف الدعاء حتى يخرج والدك سليما"
غمغمت مهجة وهي تعود للجلوس والبكاء" يا رب "
كتمت نحمده غيظها بقوة وشعور قوي بالخوف يسيطر عليها .. رغم أنها في العادة لا تخاف من شيء .. دوما ما كان قلبها قوي لا يهزه شيء لكن خوف مجهول المصدر كان يسيطر عليها اللحظة .. الخوف من القادم .. فهي على يقين بأن الأيام القادمة سيتغير فيها شيء .
عادت لالتقاط الهاتف لتتصل بفايزة بكريتها التي تتفق معها في أفكارها وتفهمها وتفهم مشاعرها .. تريد أن تخبرها بما حدث .. تخبرها بما حل بوالدها بسبب خبر مليكة الصادم .. إنه خبر الموسم .. خبر لن يتكرر أبدا ولا تملك من الصبر ما يجعلها أن تصبر لتخبرها به وترى وقعه عليها ..
غمغمت من بين أسنانها وهي تنظر لشاشة الهاتف" أين أنت يا فايزة ؟"
رن هاتفها فتجعدت ملامحها وضيقت عينيها تناظر رقما غريبا ثم ردت بتحفز "نعم"
جاءها الصوت واهنا وهو يقول "إنه أنا يا نحمدو .."
قبل دقائق
دخل مفرح على والده بعد أن أنهى بعض الاجراءات في المستشفى وأخبره بموعد العملية ليقول العمدة بصوت خافت" اعطني هاتفك"
رد مفرح "لقد فقدته يا أبي أضعته وهذا ما أعادني ليلة أمس وكأن القدر قد دبر عودتي "
سأل العمدة" من بالخارج يعيرنا هاتفا؟"
رد مفرح وهو يمسك بسماعة الهاتف الأرضي بجوار السرير " بالخارج مصطفى الزيني الذي رفض تركي وترك عمه لحظة واحدة (قالها بلهجة ذات معنى وأضاف ) وشامل نخلة حضر من العاصمة .. عموما الهاتف الأرضي موجود بمن تريد أن تتصل الآن إنها الخامسة والنصف صباحا؟"
رد عبد الرحيم" اتصل بنحمدو"
أعطاه مفرح السماعة ليقول العمدة" إنه أنا يا نحمدو"
هتفت الأخيرة بلهفة" عبد الرحيم هل أنت بخير؟.. مفرح رفض أن أذهب معك إلى المستشفى .. "
من بين أنفاس تؤخذ بصعوبة قال عبد الرحيم" اصمتي يا امرأة واسمعيني جيدا.. من أخبرت بشأن مليكة ؟"
أظلم وجهها وسألته "ماذا تعني؟"
هتف رغم وهن صوته "ردي على سؤالي بإجابة وليس بسؤال"
شعرت به غاضبا فناظرت مهجة التي وقفت بترقب بمجرد أن سمعت اسم والدها ثم ردت "لم أخبر سوى مهجة أليست أخت مفرح ولابد أن تعرف ماذا حدث ؟!"
سألها عبد الرحيم" وفايزة؟"
أجابت باقتضاب "لم أخبرها"
قال ليتأكد " قولي الصدق يا نحمده"
هتفت بغيظ " لم أخبرها والله العظيم فهي لا تعرف بأنك في المستشفى حتى الآن هاتفها مغلق وهاتف زوجها لا يرد عليه "
بلع عبد الرحيم ريقه بصعوبة وقال " اسمعي إذن ما سأقوله لك وافهميه جيدا .. ما حدث ليلة أمس بما فيه الامر الذي يخص مليكة سيظل سرا وسيدفن مع من يعرفونه أنا وأنت وابنك ومهجة ومصطفى وجابر دبور وعويس "
امتقع وجهها لكنها ظلت تسمع وغضب بارد يطل من عينيها بينما أضاف العمدة" جميعهم أنا قادر على اغلاق أفواههم للابد بعون الله ..أما أنت فاقسم بالله لو خرج هذا السر من فمك بدءا من هذه اللحظة حتى لنفسك لتكونين طالق بالثلاثة يا نحمدو "
هتفت باستنكار " هل تحلف عليّ بالطلاق يا عبد الرحيم !!"
كرر الأخير بتصميم ولهجة أكثر صرامة "ستكونين طالق بالثلاثة يا نحمدو إن تفوهت بشيء من هذه اللحظة ..وابنك يقف بجواري وشاهد على هذا الكلام.. ولو لم أخرج من العمليات وتوفاني الله فاعلمي بأنه لو عرف السر وانفضح آل الزيني"
قاطعته بغضب "وما علاقة آل الزيني بالموضوع "
قاطعها يجز على أسنانه " ابنك لن يطلقها يا نحمدو أي أنه لو تسرب الخبر سننفضح مع الصوالحة .. ابنك أقسم بأنه لو عُرف الخبر في أي وقت سيبيع كل شيء ويهاجر لبلد أخر فإن كنت تريدين اغضابي في قبري واغضابه والحرمان منه فافعلي ولا تلومين إلا نفسك بعدها .. كما أن آل الزيني لن ينسوها لك لو فعلتها وفضحتيهم هل سمعت ؟"
طحنت نحمده ضروسها ليقول عبد الرحيم" لم أسمع ردك"
غمغمت والغضب يكاد يفتتها لأشلاء" حسنا يا أبا مفرح كما تريد عد إلينا بالسلامة "
قال عبد الرحيم "أعطني مهجة"
اسبلت جفنيها تسيطر على أعصابها وأعطت الهاتف لمهجة في صمت فتلقته الثانية تقول بلهفة" ألف بعيد الشر عليك يا أبي "
وقف مفرح يشعر ببعض الراحة مما فعله والده ..فلم يصدق أبدا بأنه قد يفهمه أو يقتنع ..وراقبه وهو يحذر مهجة من النطق بما سمعت حتى لوليد زوجها قبل أن يعيد سماعة الهاتف لمفرح الذي اعادها بجوار السرير ووقف يراقبه وقد أغمض عينيه بإنهاك .. فربت على يده يقول بامتنان " أشكرك يا أبي"
كلمته أوجعت قلب عبد الرحيم.. ألهذه الدرجة كان يعذبه حتى يشكره حينما يفعل له شيئا يريده وكأنه يشكر غريبا !..
فتح عبد الرحيم عينيه وتأمل مفرح وصورة ما منذ أن استيقظ لا تريد أن تتركه .. صورته وهو يرفع المسدس إلى رأسه عازما على التخلص من حياته ..
كم كانت لحظة صادمة ومؤلمة له .. صدمة أقوى من صدمة خبر مليكة ..
كيف لم يلتفت من قبل لما يريده ابنه؟ .. أم أنه كان يتجاهل معرفته بحقيقة شعوره من أجل لهاثه خلف الوجاهة والمنافسة على المناصب والمفاخرة ..
قبل ساعات كان سيفقد ولده وسيفقد حياته معه وسيغادران هذه الحياة خاليان الوفاض .. كانا سيغادران الحياة في لفة بيضاء كما جاءاها في مثلها ..
هذه الحقيقة أفزعته .. سحقت قلبه على ولده الذي لم يعش من الحياة ما يكفي بعد حتى يغادرها هكذا في لحظة يأس .
همس عبد الرحيم بضعف " لا تكره والدك يا مفرح ..لا تكره والدك يا ولدي وتذكرني بالخير إن رحلت "
لم يكن قد بقي لدى مفرح أعصابا لتحمل المزيد من الضغط العاطفي فمال يقبل رأس والده قائلا بحشرجة "بل أنا الذي عليه طلب السماح منك لأني لا اشبه الابن الذي تريده"
ناظره عبد الرحيم بمقلتين تغشيهما الدموع قائلا" لا والله أنت فخر الرجال وأشرفهم .. ابني المتعلم ابن المدارس الذي أتشرف به في كل مجلس وأمام كل الناس .. أنزع من رأسك ما قد أشعرتك به يوما من أنك لم تكن فخري .. فوالله أنا راض عنك يا ولدي ها أنا أقولها لك قبل أن أموت "
قبّل مفرح رأس والده وهو يبذل جهدا كبيرا حتى لا ينهار وهمس وهو يرفع يده إلى فمه ليلثمها "كفى بالله عليك يا أبي .. كفى ارجوك فما تقوله يؤلم قلبي أكثر مما هو متألم"
أغمض عبد الرحيم عينيه بإنهاك مغمغما "لو في العمر بقية أعدك أن أفعل ما يرضيك حتى لا تتألم أكثر .. المهم اشعر الآن بالنعاس .. حينما استيقظ أريد أن أتحدث مع ابن فاضل "
××××



العاشرة صباحا

"من قلت ؟..بسطاويسي؟.. أنا اتزوج من بسطاويسي؟!!"

قالتها كاميليا باندهاش ثم انفجرت ضاحكة فقلب عماد مقلتيه قائلا "ما به بسطاويسي؟!"

ناظرت أخويها بعدم تصديق ثم ردت وهي تتحكم في المزيد من الضحك " أتسأل ما به؟.. إنه أكبر مني بعشرين سنة ومتزوج من ثلاث نساء"

رد بدير ببساطة "الرجل مقتدر ماليا وصحيا وابن عمك وسيحفظك وستكونين الرابعة "

هتف عماد مصححا لأخيه " قل سيتحملك ولن يفكر في تطليقك مهما صدر منك "

كشرت عن أنيابها حينما أحست بأن اخويها جادان وهتفت " ما تقولانه مستحيل .. مستحيل أبدا "

أغمض بدير عينيه يحاول التماسك أمام اسلوبها المستفز ثم فتحهما قائلا " حسنا اختاري من الذين اخبرتك بأنهم لمّحوا لي برغبتهم في الزواج منك بعد انتهاء عدتك"

هتفت باستنكار وغير تصديق " كلهم متزوجون ويرغبون في التعدد"

رد بدير ببرود " شرع الله يسمح لهم بذلك "

كتفت ذراعيها وقالت بلهجة متهكمة ذات معنى " آه بالطبع فأنت أدرى بهذا الأمر وبشرع الله جيدا"

هدر بدير فجأة فانتفضت مرتعبة " كاميليا لا تحاولي استفزازي "

تدخل عماد قائلا " سامح ابن عبد الجليل أبو مبارك أرمل"

ردت باستنكار " لديه طفلين ويبحث لهما عن أم "

قال عماد باندهاش " ما المشكلة في ذلك ربي له أولاده تكسبين ثوابا "

لوت عنقها تجيب بتعالي " أنا لا أقبل بذلك"

سألها عماد بلهجة متهكمة "وبمن ستقبلين إن شاء الله"

ردت بإصرار " لن أقبل إلا برجل ليس لديه زوجة أو أولاد"

ضحكات مكتومة جاءتها من خارج الغرفة من زوجتيّ أخويها زادت من عصبيتها بينما رد بدير بلهجة مستخفة أغضبتها" ولماذا إن شاء الله سيرغب من هو بدون زوجة وولد أن يتزوج منك وأنت مطلقة ولديك ابنة !!"

قال عماد مضيفا " قل الابنة ستبقى هنا في بيت أخوالها لتتربى مع أولادنا لأنه لن يرغب أحد في تربية ابنة غيره لكنها لا تدرك حتى الآن بأنها مطلقة ولن يقبل بها إلا مطلق أو أرمل أو راغب في التعدد "

حديثهما أفاقها من سذاجتها وكأن ما يحدث في المجتمع حولها كان يخفى عليها .. أو ربما غرورها ما منعها لأن ترى أو تدرك تلك الحقيقة لكنها استمرت في أن تقول بإنكار " ما هذا الكلام ؟!.. أنا لا أقبل بهذا أبدا ولن اتزوج إلا زيجة يتحدث عنها الجميع "

هتف عماد بغير تصديق " من أين تأتين بهذه الخزعبلات تشعرينني بأنك تعيشين في كوكب أخر !!"

زاد شعورها بالانقباض في صدرها لكنها رفعت ذقنها تقول بكبرياء " قلت لن أتزوج إلا زيجة تشرفني أمام الناس"

سحب بدير نفسا عميقا وهو لا يزال يحاول التعامل مع شخصيتها المتعبة وقال بهدوء يتناقض مع الغضب الذي يطل من عينيه " على راحتك لكن اعلمي أنك حين تنتهين من عدتك ستظل الأمور كما هي ممنوع الخروج إلا بسبب وبإذن مسبق "

ناظرته كاميليا بضيق شديد بينما قال عماد الواقف خلفه " وماذا عن صاحباتها المقيمات لدينا يوميا يا بدير هل سنتحمل هذا الوضع كثيرا ؟!"

رفع بدير سبابته ورد دون أن ينظر لأخيه " ذكرتني .. ( ونظر لكاميليا يشير قائلا ) اسمعي هذا الوضع غير مقبول ولابد أن يتوقف .. انهن يحضرن منذ الصباح ولا يغادرن إلا قبيل المغرب وطعام وشراب وضيافة وأمور كهذه ليست مريحة بالمرة"

شرست ملامحها واختلست نظرة غاضبة نحو باب الغرفة حيث تكون زوجتي أخويها ثم عادت تقول بغيظ شديد "هل اشتكت زوجتيكما من ضيفاتي؟!!"

رد بدير باستهجان "من حقهما الشكوى فهما غير مرتاحتان في بيتهما"

صرخت باستنكار " هذا بيت أبي!!"

ناظرها بدير بنظرة مخيفة قائلا بلهجة باردة " هذا بيت أولاد العسال .. وأنت حصلت على نصيبك فيه بالأرض الزراعية التي تدر عليك دخلا اعطيه لك كل فترة .. ومع هذا إن قررت أن تبقي هنا .. سنحملك فوق رؤوسنا ولكن كضيفة خفيفة .. وعليك بمعرفة أن خروجك ودخولك سيكون بحساب لأنك مطلقة ولا نريد أن يتحدث عنك الناس هل سمعت ؟"

نظرت كاميليا لأخويها بغير تصديق ومزيج من الغضب والصدمة يسيطران عليها ثم انسحبت في حنق مغادرة للغرفة بعصبية ترشقها نظرات وجدان وهدى الساخرة بينما قال عماد لبدير بانفعال " اسمع يا بدير ..أختك لن تنصاع لما نقول وستسبب لنا فضائح .. أنا أعرفها جيدا "

وافقه بدير ضمنيا وقال " عدتها ستنتهي خلال أيام وبعدها سنرى ماذا سنفعل معها ... (وزفر بغيظ مضيفا من بين أسنانه) كان جابر دبور يحمل عنا الكثير والغبية اضاعته من بين يديها بكل سذاجة .. عموما إن لم تسر وفقا لما أخبرناها به سترى وجها أخر من بدير فأنا حتى الآن أتصرف معها بصبر شديد"

صعدت كاميليا إلى غرفتها بالطابق العلوي تأكل في نفسها .. وأخذت تتحرك جيئة وذهابا وهي تتفتت من الغضب .. ماذا ستفعل؟ .. هل خرجت من سجن جابر لسجن أخويها؟؟ .. وهل ستتحمل عيشة كهذه في انتظار العريس المنتظر الذي سيحقق لها كل ما ترغب؟ ..

تذكرت بسمة وبمن تزوجت رغم أنها كانت مطلقة وازاد احساسها بأنها قليلة الحظ .. وتساءلت لماذا لا تسير الأمور معها كما تريد .. لماذا ؟!!

××××

"هل تثق في جابر دبور وفي أنه سيحفظ السر؟ "

سؤال سأله العمدة بوهن فأجابه مصطفى بلهجة قاطعة "أثق فيه كما أثق في نفسي يا عمدة لا تقلق "

قال العمدة بصيغة أخرى " ألا يوجد مصلحة نحتاج لأن نؤديها له حتى نتأكد من أنه سيغلق فمه للأبد؟"

رد مصطفى بحمائية مدافعا "جابر دبور ليس من هذا النوع يا حاج عبد الرحيم بل إن عرضا كهذا عليه قد يثير غضبه وحفيظته .. جابر تحكمه أخلاقه والتزامه الديني ومن هو من هذا النوع تأكد من حفظه لأي سر .. أنا أضمنه برقبتي"

ناظره العمدة متفحصا ولوهلة رأى فاضل أخوه أمامه ..إنه ليس فقط يشبهه شكلا ولكن كل شيء فيه يشبه فاضل .. ورغم ما يشعر به من امتنان له لأنه أنقذ مفرح من الموت وبالرغم مما سمعه من مفرح ومن الطبيب عما فعله حمزة معه لكن كره السنين كان لا يزال يغلف القلب بغلاف من سواد سيحتاج لبعض الوقت لينجلي فقال بهدوء" ما دمت تثق فيه فأنا سأثق في كلمتك نتمنى أن يدفن هذا الحادث معه للأبد "

تفاجأ مصطفى بأن العمدة قد وثق فيه بهذه السرعة في أمر خطير كهذا فتبادل النظرات المندهشة مع مفرح ثم قال لعمه" أعتقد بأن عليك التصرف مع عويس .. أنا أعلم بأنه قد تربى في بيت الزيني ولا أشك في ولائه ولا ذمته لكن علينا التشديد عليه فهو رجل بسيط العقل"

غمغم العمدة بعينين مغلقتين " لديك حق سأتحدث معه" وسعل بضعف ليقول مفرح مشفقا" لنؤجل الحديث معه حتى تخرج من غرفة العمليات يا أبي "

رد العمدة وهو يلهث " لا .. أريد أن اغلق هذا الأمر قبل أن أدخلها فلا أحد يعلم الموت من الحياة "

فتح عينيه وعاد لينظر لمصطفى مجددا.. يريد أن ينهي معه أمرا .. أمر لا يطيقه ابنه .. أمر سرقه من مصطفى قديما.. لكنه لم يقدر .. لم يستطع .. لم يستطع أن يفعلها .. كان شيئا ثقيلا عليه زاد الحسرة في قلبه .. فتراجع وفضل الصمت وقرر أن يترك الأمر برمته للمستقبل سواء كان في عمره بقية أو لم يكن.

××××

شعور كبير بالخواء العقلي وإجهاد بدني غير مسبوق أو مبرر مع شعور بالخدر في كل جسدها كانوا يسيطرون عليها .. بعد وقت طويل لا تدري كم هو لكنه طويل مليء بأحلام كثيرة متداخلة أغلبها تخاريف كما تصفها دائما .

فتحت مليكة عينيها وظلت تحدق في سقف مكان غريب لبعض الوقت تحاول الاستيعاب ..تحاول تحديد إن كانت مستيقظة أم لا تزال تحلم .

صوت قطع تجولها في طرقات عقلها الخاوي كبيت فارغ هجره ساكنيه جعلها تنتبه وتحرك عينيها ثم تقول بإجهاد "علي!"

تفاجأت به يجلس بجوارها ويرفع جذعها ليضمها إلى صدره وخيل إليها بأن صوته خرج باكيا وهو يقول" أجل علي يا مليكة أخوك علي"

بعينين ذاهلتين تطلعت في الغرفة الغريبة من فوق كتفه قبل أن تقع عيناها على أكرم فسقط قلبها بين قدميها مغمغمة" أكرم!!. ماذا تفعل هنا؟.. وأين أنا؟!!"

قال أكرم لأصغر اخوته الذكور بلهجة آمرة "اتركها من فضلك يا علي "

أبعدها علي عنه فنظرت مليكة بذهول في وجهه الملتاع قبل أن يسحبه أكرم ليبتعد عن سريرها فتطلعت في منامة غريبة ترتديها توحي لها هي والغرفة بأنها في مستشفى.. لترفع عينيها لأكرم تسأله باندهاش" ماذا حدث؟.. أين أنا؟"

سألها أكرم بهدوء" ألا تذكرين شيئا؟"

حركت مقلتيها يمينا ويسارا فلاحظت وجود عمار أيضا عند الباب ثم عادت إلى أكرم تقول "أذكر ماذا؟.. أين أنا ؟..وأين الأولاد؟.. ومفرح .. أين مفرح ؟"

بدأت بعض الصور تتدافع في رأسها ببطء في الوقت الذي سألها أكرم متماسكا وقلبه ينفطر عليها" ما هو أخر شيء تذكرينه ؟"

تغضنت ملامحها تشعر ببعض الصداع وردت " أذكر .. أذكر بأنني كنت في سرايا الصوالحة انتهيت من الجلوس مع أبي وتأكدت من أنه قد نام ثم اطمأننت بأن أدهم وإياد قد ناما بغرفتهما ودخلت لغرفتي .. ونمت"

صمتت قليلا تشعر بالصداع يزداد وكثير من الصور تتدافع لرأسها دفعة واحدة .. صور من أحلام وهلوسات وشعور غريب بفقدان الزمن يسيطر عليها ليقول أكرم بصوت متهدج "ألا تذكرين شيئا أخر بعد ذلك؟"

هتفت بوهن وقد أفقدها الخوف قدرتها على الصبر "ماذا حدث لي؟.. أين أنا ؟"

رد عمار بوجوم " أنت في مستشفى **** في العاصمة يا مليكة"

"مستشفى!!"

وضح علي بلهجة متأثرة " ليلة أمس عاد مفرح للقرية فوجد بلاغا برؤية الملثم الذي يحرق الأراضي الزراعية فذهب هو ومصطفى الزيني للبحث عنه ( وصمت للحظة ثم أكمل بصعوبة ) فوجدوك عند إحدى الترع عند الاطراف الشمالية للقرية بعد منتصف الليل ترتدين جلبابا رجاليا"

تطلعت فيهم بذهول وسألت بتشوش "من؟!!"

قال علي بصوت متهدج " أنت يا مليكة ..أنت ..وظللت تصرخين باسم نجمة قبل أن يغشى عليك ويخرجك مفرح خارج البلدة لأن الأهالي كانوا في حالة استنفار للبحث عن الملثم"

ارتبكت وازداد شعورها بالتشوش والاضطراب فغمغمت عابسة الوجه "ماذا تقول؟.. أنا لا أفهم شيئا!.. هل تهلوسون أم أنا التي تهلوس؟.. ماذا كنت أفعل أنا خارج السرايا؟!! "

قال أكرم وهو يتأملها مليا ويحلل كل ما يصدر عنها "هذا هو السؤال الذي نريد أن نعرف له إجابة"

قالت بانفعال وعدم فهم " ما هذا الكلام أنا لا أفهم شيئا "

اقترب أكرم ليجلس على طرف السرير وحضن خدها بكفه قائلا بلهجة حانية ونظرات متألمة " مليكة نحن أيضا لا نفهم .. لذا أرجوك تعاوني معنا لنفهم "

أبعدت يد أكرم تقول ببعض العصبية التي ليست من شيمها " تفهمون ماذا ؟.. (وأضافت بارتباك ) أنا .. أنا أشعر بأني أهلوس "

قال أكرم ببعض الحزم ليواجهها " مليكة ..علي أخذك من مفرح في الشارع بعد منتصف الليل.. كنت في حالة من الانهيار وأحضرك إلى هنا بينما أسرع مفرح إلى والديه الذين علما بالأمر "

سألته وهي لا تزال غير مستوعبة "أي أمر؟!!"

أجاب عمار " أنك كنتِ في الشارع بلبس رجالي... من أين حصلت على الدراجة؟"

ناظرت عمار وهتفت بانزعاج " أية دراجة عم تتحدثون أو بما أهلوس أنا"

واجهها أكرم يقول بهدوء" مليكة نحن مثلك مصدومون لكن علينا أن نفهم .. هناك دلائل تشير بأنك ذلك الملثم"

اتسعت عيناها في صدمة وهتفت بذهول "الذي يحرق الحقول؟... أنا !!!"

تدخل عمار مقتربا وقال بلهجة هادئة " دعينا لا نستبق الأحداث أخبرينا مثلا هل تذكرين كيف خرجت من السرايا .. وكيف كنت ترتدين ثياب رجل ؟.. من أين أتيت بها؟"

تسارعت أنفاسها تشعر بأنها محاصرة بينهم وبين بعض المشاعر الغامضة والصور الأكثر غموضا التي تندفع في رأسها فقالت بانفعال "عم تتحدثون أنا لا أفهم شيئا؟!!"

قال أكرم وهو ينظر في عينيها " لولا أن مفرح كان معه مصطفى واثنين أخرين ..ولولا أنكِ كنت في حالة غريبة ليلة أمس حينما أحضرك علي وبشر قبل ساعات لقلت بأن مفرح يهلوس "

تطلعت في وجوه اخوتها وبدت لها رغم صدمتها صادقة فقالت بذهول تشير على نفسها وتحاول الاستيعاب" أنا ؟!!.. هل تتحدثون عني أنا؟؟ .. أنا مليكة .. أخرج في الليل!! .. أرتدي لبس رجالي!! ..( وناظرتهم بنظرات هلعة ) أنا مليكة وجدتموني في الحقول!! .. أحرق الزرع!!!"

تبادل علي وعمار النظرات المتألمة بينما لام أكرم نفسه على تسرعه في مواجهتها بما حدث دون استشارة طبية .. فيبدو أن الصدمة قد أثرت عليه هو الأخر لكنه لم يدر كيف يعالج الأمر الآن.

أما مليكة فأخفضت نظراتها تتطلع في يديها تقلبهما عدة مرات لتتأكد من أنها هي .. مليكة ولم تنتقل لجسد أخر كما خيل إليها لوهلة ثم رفعت يديها لوجهها تتحسسه قبل أن تقول" أريد مرآة "

اتسعت عينا أكرم وسألها " لماذا؟"

قالت بانفعال تشعر بأنها على حافة الجنون " أريد مرآة حالا أرجوك يا أكرم "

أخرج علي هاتفه من جيبه وفتح الكاميرا الأمامية وهو يناوله لأخته بيد مرتعشة فالتقطته منه تتطلع وتتحسس وجهها المجهد المتورم من بكاء تشعر ببقايا دموعه لا تزال مالحة تملأ صدرها .. لكنها وجدت نفسها لازالت مليكة التي تعرفها .. هي مليكة .. مليكة في مستشفى بملابس غريبة .. رفعت أنظارها تتطلع في وجوه أخوتها وتنتظر بأمل أخير أن تسمع جملة تراها في برامج التلفاز الهزلية تعني ( كنا نمزح معك ) لكن الوجوه كانت أمامها جادة ..والنظرات مصدومة ملتاعة تناظرها بشفقة .

ما هذا الكابوس؟ ..

هل ضاعت في فجوة زمنية ؟!..

أيهما حقيقة حياتها السابقة أم وجودها الحالي؟!! ..

إنها مليكة .. مليكة عبد الغني صوالحة زوجة مفرح عبد الرحيم الزيني ..

إنها حقيقة بالتأكيد ..

أم هم الحقيقيون وهي مزيفة ؟!!

لا هي مليكة .

إذن عم يتحدثون ؟.. من خرج في الليل؟ .. ومن ارتدى جلبابا رجاليا؟ .. ومن وجده مفرح بجوار الترعة ينادي على نجمة؟.

صور كالحلم أو شيء مشابه للرؤية مرت في رأسها .. مرت من بعيد كشريط فيلم قديم لمشاهد تشبه ما يتحدثون عنه .. قبل أن تصدمها صورة واضحة بالألوان الطبيعية .. رأت فيها مفرح يقف في مكان مظلم بفانلته ذات الحمالات يناظرها وكأنه يصارع الموت وجانب من وجه جابر دبور .. وجلباب ذكوري كانت ترتديه.

رفعت مليكة ذراعيها لتغطي شعرها بحركة تلقائية في خزي وحرج وهي ترى نفسها في الصورة بشعرها مكشوفا .. وعادت تناظر أكرم والخوف كغول بدأ يهاجمها بشراسة فتسارعت أنفاسها وجنت دقات قلبها وهي تسأل أخيها بهلع "ماذا يحدث يا أكرم؟.. ماذا يحدث معي ؟"

لم يجد أكرم ما يجيب به ثم أجفل حينما بدأت مليكة تحضن نفسها وهي تنظر إليه وترتجف بشكل غريب .. كانت تنتفض بقوة وتشهق شهقات عالية وكأن حازوقة قوية قد أمسكت بها .. فهتف أكرم وهو يمسك بكتفيها "استدعي الطبيبة يا علي بسرعة (ونظر إليها ) يقول مليكة .. مليكة ما بك يا مليكة .. مليكة ردي علي "

لكن الأخيرة قررت أن تهرب من كل ما تواجهه من صدمة وجنون وسقطت مغشيا عليها .

××××


خرج بشر من باب السرايا متحفزا يعرف بأن الكذبة التي كذبها على والده العجوز غير مقنعة ولن تدوم طويلا ..لكن عقله منذ ليلة أمس يدور كموتور في مصنع يحاول أن يفهم كيف خرجت مليكة من السرايا دون أن يراها الحارس .

اقترب من حارس البوابة الذي قفز واقفا عندما رآه فسأله "هل هناك أي حركة غريبة حدثت ليلة أمس؟"

عقد الحارس حاجبيه وقال" حركة من أي نوع يا باشا"

قال بشر مراوغا" أقصد أي حركة خارج السرايا.. فكما تعرف أهل البلدة كانوا مستنفرين ليلة أمس"

قال الحارس مؤكدا" لا يا باشا ..هذا حدث في النواحي الشمالية عند الحقول وليس هنا .. ويا ليتهم استطاعوا أن يمسكوا به بل فر منهم هذه المرة.. لكنه لن يجرؤ على الاقتراب من هنا أبدا"

غمغم بشر وهو يشيح بنظراته عن الرجل "بالطبع هذا ما كنت أقوله بأنه لو كان هذا الملثم يمر من أمام البوابة كنت أمسكت به"

قال الحارس بزهو "بالطبع يا باشا أنا أجلس أمام البوابة حتى وقت متأخر من الليل وغرفتي الملاصقة للبوابة الرئيسية للسرايا تجعلني أشعر بأي شيء يحدث في الشارع أمامها ..حتى أنني استيقظت حينما شعرت بسيارتك تخرج بعد منتصف الليل ليلة أمس"

هز بشر رأسه عدة مرات وعبارة (البوابة الرئيسية) للسرايا توحي له بشيء ما فقال" أحسنت يا عم غريب أريدك أن تفتح عينيك جيدا فلربما غيّر هذا الملثم من أماكن تواجده ومر من أمام البوابة "

قال غريب بتهديد ووعيد " لو كان رجلا من ظهر رجل فليقترب من هنا "

ربت بشر على كتفه وعاد يدخل السرايا يعبر حديقتها الواسعة جدا بخطوات سريعة ..ثم دخل لممر جانبي يؤدي لحديقة خلفية .. مر فيها من أمام اسطبل صغير به ثلاثة خيول وتعداهم ليستمر في السير لمسافة قبل أن تقع عيناه على البوابة الخلفية للسرايا .. بوابة قديمة مغلقة لم تفتح منذ سنوات طويلة ..تطل على شارع ضيق كان في الماضي وعلى حسب الحكايات مساحة شاسعة من الحقول يخترقها ترعة صغيرة لكن زحف العمران حول المكان أمام بوابة السرايا لشارع صغير ضيق يضم بعض البيوت ولهذا اهملت هذه البوابة ولم تفتح منذ زمن أو هكذا كان يعتقد حتى وقف أمامها يحدق فيها مصدوما.

سقط قلب بشر وهو يتطلع في البوابة التي كان مزلاجها مفتوحا لكنها مغلقة بشكل غير تام ..فابتأست ملامحه وهو يحل أول جزء من اللغز .. إن مليكة خرجت من هذه البوابة ليلة أمس وطبيعي لمساحة السرايا الواسعة ألا يسمعها الحارس ..

أسرع بإغلاقها بسرعة بالمزلاج لكنه لم يشعر بالراحة فتطلع حوله في المكان يتفقده قبل أن يذهب نحو غرفة قريبة في أخر سور السرايا .. غرفة تستخدم كمخزن لوضع أشياء قديمة متفرقة فوجد بابها هي الأخرى مفتوحا .. دخلها ووقف متخصرا يلهث من الانفعال ويتفحصها بتدقيق فزكمت أنفه رائحة بنزين قوية.

تطلع في جالونات البنزين التي يخزنون بعضا منها ليجد أحدهما مفتوحا ومسكوب حوله بعض البنزين على الأرض .. فازدادت دقات قلبه بعنف والصور والأدلة تثبت واحدة بعد الأخرى بأن مليكة هي من تقوم بأعمال الحرق .. ورغم أن هذه الفكرة كانت غير قابلة للتصديق لكن نزعة الحمائية تجاه أخته جعلته يسرع بحمل الجالون المفتوح ويخرج به نحو أحد السيارات القديمة الخاصة بأولاد الصوالحة المركونة في جانب من الحديقة وأفرغه في خزانها ثم عاد لاهثا نحو الغرفة يدقق فيها من جديد قبل أن يأخذ منها ما جعله يدخلها من الأساس ..

لمح بجوار الجالونات قطع ملابس قديمة بعضها لعمال كانوا يتركون ملابس العمل في السرايا في حالة ترددهم عليها لوقت طويل.. ولاحظ من بينها ثوبا باليا ممزقا فاسرع بالتقاط ما بقى منه وأخذ الجالون الفارغ ثم بحث فوق الأرفف ليخرج سلسلة حديدية كبيرة بها قفل وأسرع يغادر الغرفة إلى الناحية الأخرى من الحديقة الخلفية ..

سكب بضع قطرات من البنزين كانت باقية في الجالون على قطعة القماش وأخرج قداحته وأشعل فيها النار ثم وقف يراقب احتراق قطعة القماش وسؤال قاتل يدور في رأسه كيف تكون مليكة .. رمز العقل والاتزان هي الملثم الذي يحرق الزرع ؟..وما هو تشخيص مرضها بالضبط؟؟ ..إن ما يحدث يكاد يصيبه بذبحة صدرية .

تماسك بقوة ورأسه تكاد تنفجر لنصفين من هول ما يحدث وتوجه ناحية البوابة الخلفية يغلق الباب بالسلسلة والقفل وكأنه يداري أثار الجريمة .

بعد دقائق وبعدما تأكد من أن الثوب قد تحول إلى رماد عاد من جديد للغرفة ليتأكد من شيء ما .. ووقف يدقق فيها جيدا قبل أن يرفع سماعة الهاتف ويسأل أخوه بعد برهة "عليّ هل تصرفت في الدراجة القديمة التي تركها سعد الجنايني رحمه الله وكانت بغرفة المخزن ؟ "

رد عليه علي ليؤكد له توقعاته "لا أنت قلت بأنك ستجددها وتعطيها لأحد المحتاجين ..لماذا تسأل؟"

هز بشر رأسه عدة مرات بحزن ودمعت عيناه فجأة وهو يرفع يده لرأسه قائلا بحشرجة " لأنها غير موجودة يا علي .. الدراجة غير موجودة.. وما اكتشفته (وتهدج صوته يكمل بصوت باك ) وما اكتشفته صادم يا علي ..صادم ومفجع يا أخي "

××××

"أنت تعمل معي يا عويس منذ سنوات طويلة وأعرف مدى أمانتك وولاءك لآل الزيني "

قالها عبد الرحيم بوهن فقال الأخير بعاطفة صادقة" أنا لحم أكتافي أنا وأولادي من خيرك يا عمدتنا "

قال عبد الرحيم بابتسامة ضعيفة وهو ينهت " لهذا أنا أثق بك دوما في كل شيء .. وأعرف بأن فمك لن يفتح ولن يتكلم بشأن ما رأيته الليلة الماضية في الحقول"

هتف عويس باندفاع " فليبتليني الله في عيني وعافيتي إن فعلتها يا عمدتنا .. ( وضرب على صدره يقول بثقة ) عويس لا يخون الأمانة أبدا ولا يبيع حتى لو كان السيف فوق رقبته"

تكلم عبد الرحيم ممتنا " أعرف هذا يا عويس ومتأكد منه .. فحتى لو لم يعد في عمري بقية أعلم بأنك ستحفظ السر طوال العمر"

قال عويس بسرعة " بعيد الشر عنك يا حاج عبد الرحيم أطال الله لنا في عمرك "

حدق العمدة في السقف للحظات فشعر عويس بالارتباك هل سيأمره بشيء أم يغادر .. ليسأل بعد برهة" هل تأمرني بشيء يا عمدتنا ؟"

عاد عبد الرحيم ينظر إليه وسأله" ما أخبار ابنك؟.. هل لا يزال يرغب في السفر ؟"

قال عويس متنهدا" أجل يا حاج الوظيفة المتاحة هناك ممتازة "

سأله العمدة " وماذا فعلت بشأن ذلك المبلغ الكبير الذي طُلب منه من أجل الحصول على التأشيرة؟"

رد عويس موضحا " يقولون لي بأنه من الممكن أن أحصل على قرض بضمان قطعة الأرض الصغيرة التي أملكها لهذا هو سيسأل عن إجراءات القرض وسيرسل لي بعد أن يسافر اقساط البنك "

قال عبد الرحيم بلهجة ذات مغزى "ثمن التأشيرة عندي أنا يا عويس هدية لك على أمانتك "

اتسعت عينا عويس متفاجئا وشعر بالحرج الشديد فغمغم بحياء "هذا مبلغ كبير يا عمدتنا"

تكلم العمدة بلهجة قاطعة " كما قلت لك إنه هدية مني على سنوات خدمتك لي .. لقد أوصيت مفرح بأن يدفع لك المبلغ حتى لو لم أخرج حيا من غرفة العمليات"

قال عويس بعينين دامعتين ممتنا" أطال الله لنا في عمرك وأكثر من خيرك وكرمك يا عمدة والله لا أجد ما أقوله"

أغمض العمدة عينيه وهز رأسه مبتسما شاعرا بالراحة أن أغلق كل الأبواب التي من الممكن أن تفتح الجحيم على آل الزيني وخاصة على مفرح .. في الوقت الذي دخلت فيه الممرضة تطلب من عويس أن يخرج حتى تجهز المريض لغرفة العمليات.

××××

بعد ساعة

أغلق مفرح هاتفه الجديد الذي احضره له وليد منذ قليل بعد أن أجرى مكالمة سريعة مع أكرم علم فيها بما تعرضت له مليكة بعد أن أفاقت و واجهوها بما حدث فتمنى لو كان موجودا أمامها لحظة إفاقتها .. تمنى أن تكون في حضنه وهم يواجهونها بما حدث .. وشعر بأن الأمر يتعقد أكثر وبأن قلبه سيتوقف من الألم.. وأن هذه اللحظات التي يعيشها ثقيلة بطيئة لا تريد أن تنتهي ..

لمح بشر الصوالحة يسلم على من يمر عليه من أهل البلدة الذين يملؤون الاستراحة بالخارج يتنظروا خروج العمدة من غرفة العمليات فعلم بأنه قد حضر للمستشفى حتى لا يلاحظ أحد عدم وجود أي من أولاد الصوالحة حاضرا في حدث كهذا.

سلم بشر على وليد وزوج فايزة الزيني وحيا شامل مجاملا ثم تقدم نحو مصطفى ليسلم عليه بحرارة ونظرات ممتنة قبل أن ينتحي بمفرح جانبا .. فقال له الأخير وهو يتطلع في وجهه وكأنه يبحث عن نظرة واحدة تطمئنه على مليكة" هل اتصلت بأكرم وعلمت بما حدث ؟"

هز بشر رأسه بأسف وحافظ على ملامحه حتى لا يلاحظ أحد ..فسأله مفرح بلوعة" كيف كانت يا بشر أخبرني؟.. ماذا فعلت طوال الطريق؟.. وهل استيقظت في أي لحظة ؟"

تطلع بشر حوله ليتأكد من أنه ليس هناك من يتسمع ثم قال بخفوت "لا .. بل أخذت تتمتم ببعض العبارات وتبكي بدون وعي ثم نامت وحين وصلنا للمستشفى حقنوها بمهدئ ولم تفق إلا قبيل الظهيرة كما حكى لك أكرم وصُدِمت حينما علمت بما حدث "

أشفق مفرح عليها بشدة وأطرق برأسه والألم يعتصر قلبه يتمنى أن يترك كل شيء ويسافر إليها .. ثم رفع رأسه بعد برهة يسأله "ماذا قال الاطباء؟ لم استطع الحديث باستفاضة مع أكرم "

وضع بشر يديه في جيبي بنطاله ورد بلهجة بائسة " لم يخبرنا أحد بشيء .. أكرم نفسه لا يزال يحلل مع الطبيبة أبعاد ما حدث لكنهم يحتاجون لبعض المعلومات"

رد مفرح بخفوت " أعلم ذلك ..سألني أكرم عن بعض الأشياء (وسأله بسرعة) كيف تلقى الحاج عبد الغني الخبر؟"

قال بشر بإجهاد " الحقيقة أني أخبرته بكذبة هبلاء بأنها شعرت بتوعك بسيط ولم ترغب في إيقاظ كل البيت فأيقظتني أنا و علي وذهبت معنا للمستشفى ليخبرونا بانفجار في الزائدة الدودية واضطررت لإخباره بأن فصيلة دمها نادرة وكان علينا نقلها بسرعة للعاصمة وبأنها أجرت عملية زائدة دودية بسيطة تحت اشراف أكرم .."

ناظره مفرح بعبوس فأضاف بشر "أعلم بأن الكذبة لم تنطلي عليه وبأني سأضطر لإخباره قريبا ببعض الحقيقة لكني أمهد له الأمر .. وفي الوقت نفسه لا أفضل مغادرته فجأة للعاصمة في توقيت دخول الحاج عبد الرحيم للمستشفى في اليوم التالي من حادثة الملثم .. فلا أريد لأحد أن يربط الأمور ببعض حتى لا ننفضح كلنا"

أطرق مفرح برأسه بحزن ثم سأله بلوعة قلب" والولدان ؟..يا إلهي بم سأخبرهما؟! .. أنا لم أتواصل معهما بعد .."

رد بشير مطمئنا "إنهما بخير لا تقلق ..اخبرتهما بنفس ما قلته للحاج عبد الغني وقبل أن أغادر السرايا إلى هنا رأيت مهجة الزيني قد حضرت لتأخذهما إلى بيت العمدة"

هز مفرح برأسه وقال" أجل أنا طلبت منها أن تفعل ذلك"

ساد الصمت قبل أن ينادي مفرح على مصطفى قائلا" أبا حمزة هلا اقتربت لدقيقة"

ترك مصطفى شامل واقترب ليسأله مفرح "أين القداحة؟"

أخرجها مصطفى من جيبه ليعطيها لبشر قائلا" هل رأيت هذه القداحة من قبل ؟"

قال بشر عاقدا حاجبيه "إنها قداحة عليّ هو من يشتري قداحات من هذه الماركة "

تطلع مصطفى في مفرح الذي اتسعت عيناه وقد كان على أمل ألا تكون مليكة على علاقة بالحرائق بينما سألهما بشر "هل كانت معها؟"

رد مصطفى بهدوء" كانت في جيب الجلباب"

نظر بشر حوله ثم قال بهمس" قبل أن أخبركما بما وجدت أريد أن تفكرا معنا كيف سنعوض أهل البلدة الذين تضررت مزارعهم دون أن نشعرهم بالأمر ..أعلم بأن الخسائر بسيطة لكن أبي بمجرد أن يعرف سيصر على تعويض الناس عما حدث من ضرر وحتى لو أخفينا هذه الحقيقة عليه أنا وإخوتي نريد أن نبرئ ذمتنا من هذا الأمر .. لهذا إن كانت لدى أحد منكما فكرة تجعلنا نعوضهم دون أن يكشف الأمر لا تبخلا علينا بها "

اتسعت عينا مفرح وعاد للخلف ليرتطم ظهره في الحائط وقد تأكد من حديث بشر بأن مليكة هي الملثم بينما قال مصطفى ما كان ينوي مفرح لأن يقوله " ما دمت تسأل هذا السؤال يا بشر فهذا يعني بأنك قد تأكدت بأنها الفاعلة "

تطلع فيهما الأخير بوجه ممتقع قبل أن يجيبهما بجسد يرتعش من الصدمة" أجل للأسف ..وسأحكي لكما كل شيء"

××××



قبيل المغرب

دخل جابر يلقي السلام على والدته فرحبت به قائلة" سألت أم هاشم لماذا لم تأت في وسط النهار كما بت تفعل فأخبرتني بأنك صائم "

تطلعت عيناه في أم هاشم الجالسة بجوار منضدة السفرة ترتدي خمارا وفي يدها مصحفا ثم رد مبررا "أجل لم أرغب في أن أرهق نفسي مع الشمس والحر وقلت أحضر قبيل المغرب"

قالها وعاد للنظر في أم هاشم التي أغلقت المصحف الصغير ووضعته على الطاولة ثم خلعت الخمار .. فتطلع في ردائها المنزلي من بنطال رمادي وبلوزة صفراء مرقطة بالرمادي بدون أكمام ترفع شعرها المجعد فوق رأسها بينما أطرافه المشعثة تخرج من مشبك الشعر وسألها "كيف الحال ؟"

ردت بابتسامة مزينة بغمازتين" في نعمة وفضل من الله ..كيف حالك مع الصيام؟ ..اشفق عليك من الحر بالخارج هل المحل به مكيف هواء ؟"

هز رأسه يجيب "مكتبي به مكيف الحمد لله"

داعبت رائحة طعام شهية تفوح من المطبخ أنفه ودغدغت معدته تشعره بدفء من نوع خاص بينما سأل هو "أين زين؟"

ردت والدته "نزل من شقته قبل بضع ساعات وحينما علم بأنك صائم تناول إفطارا خفيفا ثم أخبرني بأنه سيذهب لأحد أصدقائه وسيعود عند أذان المغرب ليأكل معنا"

هز رأسه يلعب في مفاتيحه بين يديه وعاد يتطلع في أم هاشم مجددا بنظرة خاصة ثم شتت انظاره بعيدا عن تلك الشفتين الماكرتين المحرضتين حتى من بعيد فوقعت عيناه على المصحف الصغير على منضدة السفرة وابتسم ..

إن التزامها الديني يزيد من اعجابه بها ومن قدرها عنده بشكل كبير .. وكم شعر بالسعادة حينما أخبرها ليلة أمس بأنه ينوي بأن يصوم تطوعا فأخبرته بأنها ستصوم معه.

قال لها ببعض المفاخرة الصبيانية" انتهيت من قراءة جزء اليوم الحمد لله "

ردت بهدوء "ما شاء الله .. أنا انتهيت للتو من الثالث"

قال عابسا "تقصدين وصلت للجزء الثالث في المصحف؟"

ردت أم هاشم مصححة " بل للجزء الثالث اليوم فأنا في منتصفه تقريبا"

انتابه شعور صبياني منافس فقال باستهجان" الثالث اليوم؟!!.. كيف؟.. هل تأكلين الأحرف !!...القراءة لها قواعد يا بنت الشيخ "

شعرت بغيرته منها فضربت باطن يدها فوق ظاهرها وردت بعد أن التقطت منه طرف خيط المناكفة "الحمد لله بنت الشيخ تلتزم بالقواعد .. نسأل الله أن يتقبل مني ومنك"

ظل الشعور الصبياني مسيطرا عليه وهو يشعر بالخسارة أمامها فقال بشفتين ممطوطتين" أنا سأصعد لأبدل ملابسي (وتحرك نحو السلم يبرطم) ثلاثة أجزاء خلال بضع ساعات!"

اتسعت عينا أم هاشم وهي تراقبه يصعد حانقا ثم تبادلت النظرات مع حماتها التي كانت تراقبهما مبتسمة قبل أن تلاحقه أم هاشم بصوتها وتقول بنفس المباهاة الصبيانية" لن أخبرك إذن كم مرة اختم القرآن في رمضان بفضل الله حتى لا يغشى عليك "

توقف وأدار وجهه يناظرها من فوق السلم ومن فوق كتفه بنظرات مستخفة فتحكمت في ابتسامة صبيانية تريد البزوغ على وجهها وأضافت بهدوء تشعر بسعادة لمشاكسته "المهم أن يتقبل الله منا قليلنا "

لم يرد بل عاد للصعود شاعرا بالغيظ وأخذ يحدث نفسه "وأنت متفاخر بالجزء اليتيم الذي قرأته يا جابر! .. عليك بألا تسمح لها بأن تهزمك مرة أخرى "

بعد قليل نزل بعد أن اغتسل وبدل ملابسه لرداء بيتي شبابي مريح وانعطف يمينا يدخل خلفها المطبخ قائلا وهو يتأمل البنطال القطني الضيق" موعد الإفطار خلال دقائق وبالتأكيد زين على وصول ألن تصعدي لتبدلي ملابسك ؟"

ردت وهي ترفع إحدى الحِلل من فوق النار وتضعها فوق المنضدة الرخام "الاسدال معلق خلف باب المطبخ "

هز رأسه وراقبها وهي تفتح الخزانة وتخرج منها كيسا أخرجت منه بضع تمرات وضعتهن في طبق صغير ثم اقتربت منه تضع الطبق على الرخامة وهي تقول "أوشك الأذان أن يرفع فكل بضع تمرات بمجرد أن يؤذن"

قالتها وهي تتحرك نحو الثلاجة لتخرج منها زجاجة ماء بارد وتضعها بجوار الطبق فدقق جابر في ذلك القرط الوحيد في أذنها وقال عاقدا حاجبيه "هذا القرط أنا أعرفه أنا متأكد"

وقفت أمامه تتطلع فيه متمنية أن يتذكره ..فمد جابر يده يتفصحه بأصابعه وسألها "لماذا تحبين أن ترتديه رغم أنه رخيص الثمن وفردة واحدة ؟.. أين الثانية؟"

ردت ببؤس "فقدتها منذ سنوات"

كرر السؤال عليها بإصرار وأصابعه تلعب بالفليفلة الحمراء " لماذا ترتديه إذن ؟"

هزت كتفيها وردت ببساطة "لأنه عزيز عليّ"

شعر بالضيق فجأة وعبارة ( عزيز عليّ) تتردد في رأسه فسألها "مِن مَن هو؟"

كالعادة تكون في أعلى حالتها الأنثوية في محيطه فردت بمكر أنثوي وهي تهم بالابتعاد نحو الموقد" من شخص عزيز عليّ قلت لك "

أمسك بساعدها وأعادها مكانها لتلتصق بالحائط أمامه وقد زاد ردها من ضيقه فسألها بصرامة" أنا سألتك سؤالا مِن مَن هذا القرط الذي تعتزين به فأجيبيني يا أم هاشم"

كانت مستمتعة بالمراوغة وبذلك الشعور المدغدغ وهو بهذا القرب منها فقالت "جاءني كهدية .. أليس من حق الانسان أن يتلقى هدايا.. أم لأنني عفريتة سوداء تستكثر عليّ الهدايا!"

لم يستطع مجاراتها في المزاح.. فأمسك بصدغها لتنظر إليه وقد بدأ يشعر بالغضب لكنه قال بهدوء وهو يحدق في عينيها اللامعتين أمامه "مِن مَن هذا القرط يا أم هاشم؟"

ضغطت شفتيها ببعضهما تتطلع فيه فازدادت غمازتيها عمقا قبل أن تجيب "اشتريته من المولد وأنا صغيرة"

ضيق عينيه وكلمة (المولد) ترن في رأسه بينما أضافت هي بلهجة خرجت مستجدية لأن ينشط ذاكرته" كنت أنوي أن أذهب للمولد مثل باقي الفتيات لكن ضاعت نقودي في الطريق .. فأعطاني شخص ما المال لأشتري ما أريد .. فاخترت هذا القرط "

اتسعت عينا جابر يقول بسرعة "هذا أنا .. لقد تذكرت .. حين خانقتِ الصبية ووقعت نقودك "

وتأملها للحظات متفاجئا وسعيدا ثم اتسعت ابتسامته وهو يتذكر المشهد القديم قائلا وهو يلمس القرط بأصابعه" تذكرته .. إنه القرن الأحمر الحارق الذي كنت تنوين بأن تخيفي به من يتنمر عليك يا .. (ومال يحدق في عينيها بنفس الطريقة التي فعلها قبل ثمانية عشر سنة قائلا ) يا مِشمِش"

انفجرت دقات قلبها من السعادة حينما وجدت نفسها تحتل جزءا من ذكرياته حتى لو كان بسيطا وأصابتها ابتسامته الوضاءة أمام عينيها وهي تسمع ذلك الاسم الذي تحبه يخرج من بين شفتيه بفيض من العاطفة فرفعت أصابعها تلمس لحيته بخفة وهمست بلهجة متأثرة " جابر "

لم تدر بأنها بتلك اللمسة وبذلك النداء تشعل نارا لم يختبرها إلا معها فقال بلهجة حازمة وهو يضرب أصابعها بخفة" انزلي يدك"

ابتسامة مسكرة من شفتيها الماكرتين جعلته يبتعد قليلا ويرفع رأسه لينظر في ساعة المطبخ قائلا" متى سيؤذن المغرب سيضيع صيام اليوم كله بسبب الست مشمش"

طرق على الباب تزامن مع صوت الأذان فأسرع جابر بمواربة باب المطبخ بينما استقامت نجف تترك مقعدها وتقول" أنا سأفتح"

راقب جابر أم هاشم وهي ترتدي الاسدال بعد أن التقط تمرة يأكلها وبمجرد أن انتهت ناولها واحدة وقال بسعادة مفكرا" إذن أنت تحتفظين بهذا القرط منذ ذلك اليوم؟..شيء غريب !"

قضمت أم هاشم من التمرة وصوت زين يأتي من الخارج مناكفا لوالدته ثم قالت وهي تهز كتفيها" كل انسان له مطلق الحرية أن يحتفظ بما يريد من هدايا يا جابر"

بلعت التمرة ومدت يدها والتقطت زجاجة المياه لتسمي بالله وتدعي ثم تشرب بينما فكر هو في شيء لم يخطر على ذهنه من قبل .. بل تمنى .. تمنى ألا يكون مجرد زوج فقط بالنسبة لأم هاشم .. تمنى أن يكون حبيبا .. تمنى ألا يكون مجرد رجل اختارته لأنه الأنسب والأصلح بل لأنها تريده هو بالاسم .. تريد جابر ..بكل ما فيه .. حتى عيوبه ونقاط ضعفه .

لأول مرة يفكر بهذه الطريقة التي اعتبرها صبيانية ومراهقة .. لكن شعورا بالطمع أخذ يتسلل إليه من حيث لا يدري .. الطمع في المزيد منها .. والطمع في أن يكون مميزا .. ومميزا جدا عندها ..

هذا الشعور بالطمع قاده لسؤال أكثر تطرفا ألا وهو .. هل لو كانت أم هاشم قد تزوجت من شخص أخر ستكون بنفس الشغف والحرارة معه ..

السؤال أشعل نارا خفية في أعماقه .. فوبخ نفسه ينفض عن رأسه جنون ما يفكر فيه .. إنها زوجته حلاله فلماذا يجنح للتخريف؟!! .. من أين نشأ هذا الشعور بالطمع في المزيد فيصبح بهذا التطرف والابتذال ؟!".

ناولته أم هاشم الزجاجة تقول "لم ترو جوفك بعد "

تطلع فيها عابسا وذلك التساؤل المؤذي لا يزال في رأسه .. هل ستكون مع غيره بهذا الشغف وتلك الحرارة؟! .. إنها امرأة حارة في الفراش ..معطاءة ..ذكية ..ولماحة تحفز بداخله مشاعر ذكورية غير مسبوقة ويصل معها للحظات من الجنون لم يصل إليها أبدا من قبل .

مد يده يأخذ منها الزجاجة ويضعها على الرخامة بينما اليد الأخرى تغلق باب المطبخ بهدوء ولصقها بجسده في الحائط وبدون مقدمات وكأنه يخرس ما يدور في رأسه من تساؤل أثار غيرته مال عليها يلتهم شفتيها المحرضتين على التقبيل .. فشهقت أم هاشم متفاجئة وشعرت بالارتباك من وجود زين بالخارج لكنها سرعان ما انصهرت بين شفتيه ودغدغتها لحيته فتمسكت به تحضنه بقوة .

ابتعد جابر عنها بعد قليل وتركها كقطعة شيكولاتة ذائبة ملتصقة بالحائط فهمست بتوبيخ "جابر ..أمك وأخوك بالخارج!"

تطلع في شفتيها بغيظ وهو يقول بعبوس "قولي لنفسك هذا الكلام ولهاتين الماكرتين واصرفيهما من أمام عيناي ( وأعاد فتح الباب قليلا لكنه ظل ممسكا به وهو عاقد الحاجبين مضيفا ) ألم أقل لك بأن الأمور تخرج من عقالها معي بسببك !"

اتسعت ابتسامتها وعيناها تتجولان على صفحة وجهه ثم همست" وأنت لا ينافسك أحد أبدا في كلامك الحلو"

رفع حاجبا ورد متحفزا وأثار تلك النار لا تزال تشتعل في صدره "وهل كنتِ تريدين أن ينافسني أحد في كلامي الحلو لكِ!"

حركت رأسها نافية بابتسامة مُسْكِرة .. بينما جاء صوت زين من الخارج يقول" لقد أذن للمغرب وأنا جائع يا عالم أين الطعام يا بشر؟"

علّا جابر صوته قائلا" اخفض صوتك وسيكون الطعام جاهزا حالا (ثم فتح الباب وهو يهمس لها ) للحديث بقية يا ( وتراقصت ابتسامة شقية على شفتيه وهمس ).. مشمش "

تركها وخرج من المطبخ فأمسكت أم هاشم بقلبها ويدها الأخرى تحركها أمام وجهها المشتعل وهي تغمغم " يا ويلك يا أم هاشم ثلاثة من (مِشمِش) من بين شفتيه خلال دقائق !!"

××××




دخل مفرح من باب بيت العمدة فخرجت إليه أمه من إحدى الغرف وتبعتها فايزة وقد تركتا باقي النسوة من عائلة الزيني بالداخل فألقى السلام باقتضاب وصعد للسلم لتسأله أمه" هل عبد الرحيم بخير؟"

رد مفرح " كما أخبرتك في الهاتف خرج من العمليات على العناية المركزة وحالته لم تستقر بعد"

رشقته فايزة في ظهره بكلماتها حين قالت بحقد "ست الهانم بنت البشوات فضلت أخوها المريض و ذهبت للعاصمة ولم تحترم حماها المريض"

بلعت نحمده ريقها بينما استدار مفرح وقد فهم بأن هذه هي الحجة التي قيلت لها وللنسوة عن غياب مليكة عن التواجد في موقف مثل هذا فقال لأخته بصرامة من علو "ليس لك شأن بها ..تذهب ..تجيء ..تحضر ..أو لا تحضر لا يخصك "

نظرت نحمده للغرفة بالداخل في قلق أن يسمع النسوة صوته العالي بينما امتقع وجه فايزة ليستدير مفرح صاعدا يشعر الإجهاد الشديد وبرغبة قوية في النوم لكنه حضر ليستحم ويبدل ملابسه ثم يعود لوالده .. ولا يعرف إن كان سيستطيع أن يختلس بضع ساعات ليذهب ليطل على مليكة أم لا.. فالناس متواجدون بشكل دائم في المستشفى وأي اختفاء له سيؤخذ عليه ..كما أن حالة والده ستظل تحت الملاحظة الدقيقة لثلاثة أيام.

قالت فايزة بغيظ بعد أن سمعت صوت شقته يفتح ويغلق "أقطع ذراعي إن لم يكونا متخاصمين وهي غاضبة منه عند أخيها في العاصمة (ونظرت لأمها تقول) ألا تشعرين بذلك أنت أيضا يا أمي ؟"

كانت نحمده تشعر بأنها ستموت لتشارك ابنتها ذلك الخبر الصادم عن مليكة لكن قسم زوجها عليها وخوفها من مفرح جعلها تبلع لسانها بصعوبة وتهز رأسها لابنتها بإيجاب .

حين دخل مفرح شقته وجد ولديه ومهجة في استقباله وعلامات تساؤل كثيرة على وجهي ولديه لكنه مال يقبل رأس كل واحد منهما في صمت وناظر مهجة بألا تنطق بحرف فهو غير قادر على التفوه بشيء ودخل إلى غرفته.

تطلع في الغرفة الفارغة حوله وشعر بأنه قد فقد نصف جسده .. وكل عقله وكل قلبه بغيابها .. فاقترب من عرائس الأميجرومي الملقاة فوق المقعد وتحسسها بعينين دامعتين وقلب مفطور ثم أسرع لالتقاط ملابس نظيفة من الخزانة وتوجه نحو الحمام.

بعد قليل خرج وهو يمسك بقميص يرتديه على عجل فأسرع إليه ولداه ليقول إياد" أريد أن أزور أمي في المستشفى"

قال مفرح باقتضاب" ليس الآن يا إياد فأنت تعرف بأن جدك عبد الرحيم هو الأخر مريض "

سأله أدهم بشك "خالي بشر قال أن أمي خضعت لعملية صغيرة في العاصمة ..وعمتي مهجة قالت للنسوة أنها عند خالي أكرم بالعاصمة لأنه خضع لعملية كبيرة وأنا لا أفهم"

نظر مفرح لأخته ثم قال يجاول إيجاد تبرير "نحن لا نرغب في أن نخبر أهل البلدة بأنها هي الاخرى مريضة لأن الموضوع بسيط ..وفي الوقت نفسه لا نريد أن يلومها أحد على عدم وجودها أثناء العملية الجراحية التي خضع لها حماها "

تبادل النظرات مع مهجة يشعر بأن كذبهما مفضوح وليس متقنا لكنه لم يكن فيه عقل ليلفق الأكاذيب ..واستشعر ارتباك ولديه واحسهما يشعران باليتم فسألهما بلهجة مراوغة "ألم تشعرا بأي شيء غريب ليلة أمس ؟"

سأله أدهم مضيقا عينيه "ماذا تعني بشيء غريب؟"

أراد مفرح أن يعرف هل لمحها الولدان من قبل وهي تخرج أم لا فسأله " أقصد لقد كانت متوعكة فهل شعر بها أحد منكما وهي تلجأ لغرفة علي وتوقظه بعد منتصف الليل؟"

هز إياد كتفيه بينما قال أدهم بلهجة نادمة "بصراحة شعرت بها حينما غادرت غرفتها سمعت باب الغرفة يفتح لكني توقعت بأنها ستفعل ما تفعله كل مرة نحضر فيها إلى السرايا ليتني خرجت للاطمئنان عليها "

بدا الاهتمام على وجه مفرح وبلع ريقه يسأله" ماذا تعني بـ( تفعل ما تفعله كل مرة)؟"

قال أدهم معترفا " لاحظت بأنها دوما تترك غرفتها لتنام في الغرفة القديمة وذات مرة لمحتها تنزل للطابق الأرضي وتخرج من السرايا ففهمت بأنها ذهبت لتطعم نجمة "

تحفزت حواس مفرح وسأله بعدم استيعاب "نجمة من؟؟!"

رد أدهم "الفرس نجمة في اسطبل الخيول "

أغمض مفرح عينيه لثوان ليلتقط أنفاسه بينما سألت مهجة "وكيف عرفت بأنها ذاهبة للفرس هل سألتها ؟"

رد أدهم ببساطة" لإنها ذكرت ذات يوم حين دخلت معنا الغرفة لننام بأنها لم تطل عليها ذلك اليوم وبأن الفرس تنتظرها لتأكل من يدها السكر وبعد أن تركتنا بحوالي ثلاثة ساعات شعرت بباب غرفتها يفتح فظننت بأنها ستنام في غرفتها القديمة ككل مرة لكني حينما لم اسمع صوت باب الغرفة الأخرى تسحبت بهدوء لخارج غرفتي ووجدتها تنزل وتتجه نحو باب السرايا ليس الرئيسي المطل على الحديقة الأمامية ولكن ذلك الباب الأخر الجانبي الأقرب للاسطبل ففهمت بأنها ذهبت إليها "

بلع مفرح ريقه بقوة مصدوما بما سمعه ثم سأل ابنه" وهل كنت مستيقظا عندما عادت؟"

هز أدهم رأسه وقال" عادت بعد حوالي ساعتين أو أكثر قليلا "

سأله " ولم تسألها لماذا تأخرت كل هذا الوقت !"

احمرت وجنتا أدهم وأطرق برأسه يقول "بصراحة كنت أنظر من خلال باب الغرفة الموارب لأني كنت سهرانا ألعب مع أصحابي على الانترنت ولو كانت علمت بأني مازلت مستيقظا كانت ستوبخني بالتأكيد"

"متى كان هذا؟"

قالها مفرح فرد أدهم يحرك كتفيه "لا أعرف منذ عدة أسابيع مضت لمَ كل هذه الأسئلة؟ وما علاقتها بالتوعك الذي شعرت به ؟"

أجاب مفرح وهو يهم بالمغادرة " لا شيء أنا أحاول أن أفهم إن كان خروجها لإطعام الفرس ليلا قد أصابها بالبرد أو له علاقة بتوعكها ( وعاد ليسأله) هل تكرر هذا الموضوع أقصد خروجها لإطعام نجمة ؟"

أجاب أدهم نافيا " لا أعرف فهذه هي المرة الوحيدة التي خالفت فيها أمرها وسهرت مع أصحابي على الانترنت"

هز مفرح رأسه وتحرك مغادرا بملامح متجهمة فأسرع إياد بالقول" أبي هاتفي به مشكلة .. لا يفتح .. وأدهم يقول بأنه يحتاج لسوفت وير "

رد مفرح بإنهاك" فيما بعد يا إياد أليس لديك تابلت استخدم التابلت حاليا "

رد إياد" حسنا لكن لن استطيع أن أنقل إليه خط الهاتف .. فحجمه مختلف .. لهذا إن أردت أن تهاتفني أتصل بي على خط أدهم "

قال مفرح وهو يفتح الباب" اذهبا مع عمتكما مهجة إلى بيتها لبعض الوقت حتى نرى كيف ستستقر الأمور السلام عليكم "

نادت عليه مهجة تقول بقلق " مفرح هل أنت بخير؟"

توقف مفرح موليا ظهره لهم للحظات ثم أغلق الباب خلفه دون رد .. فنظر الولدان لبعضهما يشعران بعدم الراحة ..وبأن هناك حدثا كبيرا لا يعلماه ..فتساءل كل منهما في سره إن كانت تلميحات جدته نحمده التي تشعرهما بأن أمهما ستغيب لفترة طويلة صحيح أم لا .

قاطعت مهجة التي تصنعت الابتسام شرودهما حين قالت "هيا يا كباتن لنعد حقيبة صغيرة لكل منكما ..أنا في غاية السعادة أنكما ستبيتان عندي لبضعة أيام "

قالتها وهي تتوجه ناحية غرفتهما في الوقت الذي شعر الولدان بشعور قوي بالخوف من القادم .

×××××

وضعت أم هاشم الكوب أمام جابر الذي يجلس بجوار منضدة السفرة مع زين يتحدثان عن بعض الأمور التي تخص العمل .. فربت على يدها بحركة تلقائية وهو يركز فيما يقوله زين الذي لمح ما فعله ورفع حاجبا مندهشا في الوقت الذي قطعت أم هاشم تركيز جابر حينما أشارت أمامه بالسبابة والوسطى .

رفع جابر رأسه إليها بتساؤل فقالت" هذا هو الكوب الثاني من الشاي خلال ثلاث ساعات"

سألها ببرود متعمد "والمطلوب؟"

كانت تميل عليه تستند بكفها على المنضدة بينما تدعم بقبضتها الأخرى ظهرها فردت بلهجتها المتهكمة" المطلوب أن ترحم تموين الشاي عندنا "

رفع حاجبيه وسألها " هل تذلينني من أجل كوبين شاي يا أم هاشم؟!!"

قالت مصححة " كوبين شاي وفنجان قهوة خلال ثلاث ساعات يا جابر"

قال مبررا " هذا لأني لم أشرب طوال النهار"

سألته بتحقيق " وكم تشرب طوال النهار من الشاي والقهوة؟"

رمش بعينيه عدة مرات وتحرك لسانه بداخل فمه يتحكم في ابتسامة تتلاعب على شفتيه وأحجم عن ذكر العدد الذي يعرف بأنه كبير فرد باستهجان "وما دخلك أنت ؟"

عدلت من حجابها بحركة مختالة في ذلك الاسدال ذي اللونين الكحلي والزهري وردت "أنا مسؤول تموين الشاي والقهوة على كوكب الأرض "

انفجر زين وجابر وأمه ضاحكين بينما ظلت هي تناظره بابتسامة وسؤال لا تجد له إجابه يشغلها .. هل سيبقى قلبها يرفرف بهذا الشكل كلما ضحك أو ابتسم ؟.

بعد لحظات مد جابر يده يربت على ذراعها يقول وقد عاد لجديته" اذهبي يا أم هاشم واتركينا هداك الله ولا تتدخلي في معدتي"

تحركت لتجلس على الأريكة التي هي الأقرب من كرسيه فتابعها جابر بنظراته بينما تأملهما زين كما كان يتأمل كل شيء في البيت منذ أن عاد .. معترفا لنفسه بأن البيت قد دبت فيه حياة جديدة مليئة بالدفء.. بل إن جابر نفسه دبت فيه الحياة .. رآه أصغر سنا وأكثر انطلاقا وتبسما ..ولم يخف عليه ذلك الانجذاب القوي بينه وبين وأم هاشم والذي فاجأه بشدة ولم يتوقعه .. إن بينهما حالة خاصة جدا ومميزة من التوافق .. كل هذا غمره بسعادة جمة من أجل أخيه .. فدوما ما تمنى أن يراه هانئا قرير العين بعد رحلة شقاء هو نفسه يشفق عليه بسببها .

وحين جرب الغربة مثله أشفق عليه أكثر خاصة وأن جابر لم يكن مدللا مثله فعمل بوظيفة في شركة كبيرة وإنما كافح وحيدا وبدأ من الصفر ..

لا يزال كلما مر على جراج للسيارات يتذكر ما قصه أخوه بأن كان ينام فيه متلحفا بالكراتين في الشهور الأولى من وصوله لتلك الدولة الخليجية .. كل هذا كان يزيد احترامه لأخيه وشفقته عليه وعلى سنوات عمره التي ضاعت في جمع المال الحلال .. المال الذي تربى هو به وتعلم ليكون زين الدين دبور الحالي ..

لكنه لم يشعر به سعيدا أبدا في زيجته مع كاميليا .. صحيح جابر لم يشتكي له أبدا ..فهو كالعادة جاد ومسئول وعاقل يجنح لتحمل المسئولية أكثر من الاستمتاع بالحياة .. وربما لهذا السبب يتعمد هو لأن يكون عكسه .. ألا يترك فرصة للغربة بأن تأكل سنين عمره دون أن يستمتع بشبابه .. قرأ المعوذتين في سره بأن يحفظ الله أخاه من شر العين وتطلع في أم هاشم يناكفها قائلا "أنا أريد أن اشرب شيئا "

ردت بغيظ "ألم أسألك وأنا أعد في كل مرة لجابر إن كنت تريد ولكنك كنت ترفض بعد المرة الأولى"

قال ببرود" لكني أريد الآن"

رفعت ذقنها وردت وهي تشد الاسدال على ساقيها وترتكن بكوعها على يد الأريكة "آسفة والله فات الميعاد لقد جلست ولن أقوم مرة أخرى"

هتف باستنكار "هل تقومين بمواعيد؟!"

ردت وهي تتطلع في الفيلم أمامها في شاشة التلفاز "أجل والمطبخ أيضا بمواعيد"

سألها بلهجة ساخرة " وهل هذا يسري على جابر أيضا "

ردت ببرود أغاظه "بالطبع لا"

عبس وسألها مغتاظا "لماذا؟؟"

تابع جابر ما بينهما بعينين متسعتين بينما ردت أم هاشم "لأني زوجته يطلب مني وقتما يشاء "

هتف زين بحنق صبياني" هل تذليني لأني ليس لدي زوجة تدللني وتحاسبني على عدد أكواب الشاي والقهوة التي شربتها !"

نظرت إليه تقول بجدية " أجل .. جد لك زوجة تدللك وتفعل ذلك "

تدخلت نجف تقول مؤيدة " صدقت يا ابنتي هذا ما أريد أن اتحدث فيه لكني كنت أنتظر أن يستريح من السفر "

نظر زين لجابر يقول "زوجتك تذلني أمامك وأنت ساكت"

رد جابر بابتسامة " بصراحة أنا معها في أن عليك أن تتزوج يا زين وتستقر "

قال الأخير بعبوس " ومن قال بأني أريد الزواج أنا سعيد بحياتي هكذا "

هتفت أمه باستنكار " هل هناك أحد يكون سعيدا بالوحدة؟!"

رد زين ببساطة "أنا يا نجف .. لماذا أدفع ما جنيته بشقاء عمري في زيجة؟ .. لماذا أدفع مدخراتي على أجهزة كهربائية وخشب وذهب للعروس وهدايا؟ .. لماذا أفعل في نفسي ذلك وبعدها مصاريف للبيت وعلاج وولادة وأطباء .. ما الذي يدفعني لكل هذا التبذير؟! "

رفع جابر حاجبيه وعلق باستنكار " تبذير !!. وماذا تنوي أن تفعل إن شاء الله؟.. هل ستذهب مع أصحابك الشباب وتقضي معظم الاجازة في المنتجعات الساحلية ككل مرة؟!"

رد زين بابتسامة باردة "بل أنوي أن أشتري سيارة"

قال جابر من بين أسنانه بغيظ "مثل سيارة العام الماضي التي بعتها بعد شهر !"

بنفس الابتسامة الباردة قال زين "سيارة هذه السنة ستكون أغلى بكثير "

ضربت نجف كفيها ببعضهما وقال " لا حول ولا قوة إلا بالله!.. هل السيارة أهم من الزواج؟"

هز زين كتفيه قائلا " طبعا فالسيارة ستعطيني الفرصة للخروج مع أصحابي والتنزه .. أنا أحب أن أعيش ملك نفسي ..لماذا أحضر فتاة من بيتها لأصرف عليها أموالي التي شقيت لأجمعها !"

اتسعت عينا أم هاشم وقالت "هذا أغرب رأي سمعته في حياتي !"

غمغم جابر من بين أسنانه لأخيه بخفوت" لولا أني أثق في تربيتي لك كنت قلت بأنك تلعب بذيلك في هذه السفرات التي تذهب فيها مع أصحابك"

هرش زين في مؤخرة رأسه وقال بنفس الخفوت "لو وجدت فرصة لألعب بذيلي في الحلال ولكن بدون أن أدفع أي شيء فسيكون هذا شيء جميل جدا جدا"

انتبها من همسهما حينما قالت أم هاشم بصوت عال "والله يا خالتي كنت أتوقع بأنك أكثر حزما وسيطرة على ولديك "

صمت جابر ورفع حاجبيه في جلسته موليا ظهره لها بينما ضحكت نجف وزين الذي يجلس في مواجهتها عند طرف السفرة لتكمل أم هاشم" بصراحة لا تؤاخذيني ..واحد منهما يشرب القهوة والشاي في اليوم بعدد شعرات لحيته والأخر عازف عن الزواج لأنه بخيل "

صرخ زين وضرب على المنضدة يقول باعتراض "أنا بخيل!!"

ردت ببرود "ما تقوله يدل على أنك بخيل"

استدار جابر إليها يخبرها بنظراته بأن زين ليس كذلك فردت عليه بنظراتها بأنها تناكفه بينما قال زين مدافعا عن نفسه " هل لأني أحافظ على النقود التي اشقى واتعب فيها أكون بخيلا؟ .. لا يا أخت أم هاشم أنا فقط أحب أن أصرف هذه النقود لأدلل بها نفسي فما الذي سأستفيده حينما أرتبط بفتاة أصرف عليها تعبي وشقائي لا أفهم !!.. أتحسبونني مغفل!!"

ردت متهكمة" حاشا لله .. عموما الحل في يدي سأغلق المطبخ بميعاد فمن يدمن القهوة والشاي سيخفف منهما ومن يعزف عن الزواج سيضطر للزواج"

ضرب جابر بيده فوق المنضدة عدة مرات يقول ليفض الاشتباك" لنعود لما كنا نقوله يا زين لأني أريد أن أصعد لأنام .. هذا البرنامج فيه بعض الاختيارات التي لا أفهمها .. أحب طريقة عرضه للحسابات والحقيقة يقوم بعمليات حسابية ممتازة ويسهل عليّ الكثير من الأمور الحسابية لكني أحتاج لمعرفة باقي الخصائص فيه"

رد زين بهدوء وقد عاد لجديته "إن شاء الله سأشرحه لك كاملا"

سألت أم هاشم بفضول "أي برنامج حسابي هذا ؟"

أدار لها جابر وجهه وأجاب" برنامج عندي بالمحلات ندخل عليه الحسابات"

قالت بحماس" أريد أن أراه وآخذ فكرة كيف يعمل"

عقد جابر حاجبيه باندهاش فقالت موضحة "هل نسيت أنا تخرجت من معهد تجاري للمحاسبة "

قال زين بشفتين ممطوطتين" كانت دوما تنافسني في مادة الرياضيات "

نظر إليه جابر متفاجئا ثم عاد إليها يقول "حقا!"

فأضاف زين بمفاخرة "لكني بالطبع من كنت أفوز "

هتفت أم هاشم بغير تصديق" أنت !!"

قال لها مغيظا" انظري لمجموعي في الثانوية ولمجموعك وأنت تعرفين "

ردت بتهكم "هذا لأنك كنت تحصل على دروس خصوصية أما أنا فلا لو كنت قد أخذت مثلك كنت حققت أمنيتي ودخلت الجامعة "

سألها جابر مبتسما" هل كنت ترغبين في دخول الجامعة؟"

رد وقد ظهرت غمازتيها" أجل لكنه نصيب"

رن هاتف جابر فتطلع فيه عاقد الحاجبين قبل أن ترتسم الجدية على ملامحه ويقول وهو يستقيم واقفا "سأعود حالا"

وتحرك يخرج من باب البيت مما أثار دهشة أم هاشم وتوجسها .

في ساحة البيت رد جابر "نعم أم ميس هل البنت بخير؟"

ساد الصمت للحظات قبل أن يأتيه صوت كاميليا باكيا تقول "هل هانت عليك عشرة ثماني سنوات بهذه البساطة يا جابر فأسرعت بالزواج! "

تفاجأ جابر بما تقول فسألها بلهجة صارمة "هل ميس بخير يا أم ميس ؟"

مسحت دموعها من رقدتها على جانبها فوق سريرها وردت "ميس حالتها النفسية سيئة ودوما تسألني لماذا أنت وأبي انفصلتما "

عقد حاجبيه ورد وقد صدق ما قالته عن ميس وتألم قلبه على ابنته" لا داعي لهذا الكلام يا كاميليا ..أما ميس سأتحدث معها بإذن الله هل هناك شيئا أخر؟"

قالت بدلال وبلهجة ترتعش بالبكاء "لم تكن يوما قاسيا بهذا الشكل يا جابر ..حتى حينما كنت تحرمني منك بهجري والنوم في غرفة منفصلة لم يكن قلبك حجر بهذا الشكل"

كلماتها فاجأته ولم يفهم ما حدث لتفعل ذلك لكنها لم تؤثر فيه فسألها بعبوس " ما لزومه هذا الكلام الآن ؟"

قالت بلهجة متمسكنة صدمته "لزومه أني أعاني عليّ أن أعترف بهذا .. أعاني بدونك وقد تعلمت الدرس"

نفض عنه الصدمة ورد بهدوء يشعر بالأسف "فات الأوان يا كاميليا وكل شيء قسمة ونصيب "

قالت بلهجة متمسكنة "لم يفت .. بإمكانك أن تطلقها وسأسامحك ونعود لبعضنا"

هتف بانفعال "أطلق من هل جننت؟؟!!!"

استمرت في ضغطها تقول " أنا أعلم بأنك كنت تفعل هذا حتى تغيظني .. حتى تشعرني بالغيرة .. وقد نجحت وأنا .."

شعر بالاشمئزاز فقال بقرف مقاطعا " لا يصح ما تقوليه يا كاميليا عيب عليك "

تكلمت بميوعة " أنا لازلت في فترة العدة ومن الممكن أن تردني إن شئت في أي وقت ..لهذا أحببت أن أخبرك بأنك لو طلقتها..."

قاطعها يقول بصرامة " لا تتصلي مجددا يا كاميليا إلا فيما يخص ميس .. أما غير ذلك فليس لدي أي وقت لسماع ترهاتك"

قالها وأغلق الخط يشعر بالغضب والقرف ..أما كاميليا فألقت بالهاتف بجوارها وحدقت في السقف لا تعرف لماذا فعلت ذلك ؟..

كانت تبكي على حظها العاثر وقررت فجأة أن تتصل به .. ربما أرادت أن تشعر بأنها تمسك بعصفور في يدها إذا ما أجبرها أخوتها على زيجة لا تعجبها تفكر في العودة لجابر .. وربما أرادت أن تلعب لعبة ..إن نجحت فيها وأقنعته بتطليق أم هاشم من أجلها أشعرها ذلك بالانتصار ..فلو طلقها وعاد إليها سيكون ذلك أكبر رد اعتبار لها في البلدة .. وربما هي تائهة ...لا تعرف ماذا فعلت بنفسها ...وإلى أين هي ذاهبة .. كل ما تعرفه أنها لم تحصل أبدا على ما تستحق في هذه الحياة كغيرها.

××××




العاشرة مساء
نظر مفرح في ساعته وهو لا يزال يشعر بحيرة شديدة.. إنه ممزق بين والده وبين رغبته في السفر لمليكة .. وقد شجعه عودة شامل للعاصمة في هذا الوقت من المساء بأن يفكر في أن يختلس بضع ساعات إلى مليكة خاصة وأنه لن يضطر للقيادة فهو مجهد ولم ينم منذ ليلتين وفكر بأن يعود بعد ذلك بأي مركبة خاصة .
إنه يريد أن يطل عليها ولو لدقائق .. أن يضمها إلى حضنه .. رغم أنهم أبلغوه بأنها نائمة منذ ظهر اليوم تعاني من صدمة عصبية وتعالج بالمهدئات.
وقف شامل بسيارته أمام المستشفى ينتظر ركوبه ففتح مفرح الباب واستقر في المقعد المجاور للسائق بإجهاد ليقول شامل مشفقا "نم لبعض الوقت حتى نصل بإذن الله"
قبل أن يتحرك بالسيارة رن هاتف مفرح فأسرع بالرد ثم قال بجزع وهو يترجل منها مسرعا" ماذا ؟؟..ما به أبي؟!!"
××××
بعد ساعتين
دخل شامل بإنهاك فاستقبله الجميع بترقب ليقول بلهجة مرهقة تركت مفرح في البلدة فوالده كان في حالة غير مستقرة فبقي بجواره..الحقيقة أشفق عليه بشدة إنه ممزق بين والده وزوجته "
قالت بسمة بحزن "قلبي يتمزق عليه وعلى مليكة"
سأل شامل وهو يبحث حوله "هل نامت ونس ؟"
ردت والدته "لقد صعدت لغرفتها مبكرا .. هل تريد أن تأكل؟"
قال شامل وهو يتحرك نحو السلم " ليس لدي أي شهية ..أنا مرهق ..فما بال مفرح الذي لم ينم منذ يومين"
قال غنيم بحزن" أسأل رب العرش العظيم أن ييسر له كل عسير ولا يريه مكروها في عزيز لديه "
أمن الواقفون ثم توقف شامل على السلم ونظر لكامل يسأل "هل هناك أي جديد بشأن أم أدهم ؟"
ردت بسمة باكية" زرناها اليوم ومنعونا من رؤيتها .. أخوتها الثلاثة يتناوبون عليها أكرم وعمار وعلي بينما عاد بشر للبلدة ليكون بجوار والده "
قال شامل بلهجة مهمومة وهو يكمل صعوده "أجل قابلت بشر في المستشفى كان الله في عونهم جميعا"
سألته بسمة" هل كانت هي مليكة من يفعل ذلك يا شامل؟"
أدار الأخير وجهه ينظر لأخيه بسؤال ( ألم تخبرها؟ )
فخاطره الأخر ( لا )
فرد شامل" سأترك إجابة هذا السؤال ليجيبك عليه مفرح"
قالها وتحرك صاعدا فنظرت بسمة لكامل تقول "أنتما تعلمان شيئا ولا تخبراني "
لف كامل ذراعه يسحبها إليه ويضمها إلى صدره يقول مهدئا "لا تحرجينا مع صديقنا يا بسمة "
أبعدته تقول بعصبية" إنه ابن عمتي وهي صديقة عمري "
حضن وجهها بكفيه ومال يقول بهدوء" إذن فسيخبرك ابن عمتك إن شاء الله "
قالت باكية " أريد أن أطمئن على مليكة يا كامل"
عاد ليحضنها فبكت في صدره ليتطلع كامل في والديه الذين يراقبانهما بتعاطف وأغمض عينيه مشفقا عليها .
فتح شامل باب جناحه فقفزت ونس من سريرها وتركت خلفها دفترها وقلم رصاص كانت ترسم به وأسرعت إليه تحضنه بقوة.
ابتسم شامل لأول وهلة لكنه سرعان ما استشعرها متوترة بالإضافة لحزنها فأبعدها عنه يرغب في أن ينظر إلى وجهها لكنها تشبثت به بقوة.
مسد شامل على شعرها الكستنائي المموج الذي تركته مسدلا على ظهرها يقول بلهجة حانية "ونس ما بك؟"
شددت من ذراعيها حوله تغوص في حضنه أكثر فمنحها من الشعور بالأمان حتى اكتفت وارتخى ذارعاها قليلا ليبعدها متجولا بنظراته على وجهها وهو يقول "مليكة ستكون بخير لا تقلقي ونوس "
قوست فمها لأسفل بنظرات بائسة فربت على خدها برفق ثم قال "أحتاج لحمام دافئ وبعدها (ومال يلصق جبينه بجبينها يتطلع في عينيها قائلا وقد شعر ببعض الخوف من أن يفقدها فجأة كما فقد مفرح زوجته فجأة فأضاف ) وبعدها أحتاج لأن ننام أنت والجنين في حضني وتحسس بطنها يسألها "طمئنيني كيف حاله اليوم؟"
××××
بعد منتصف الليل
غادرت السرير ثم توجهت ناحية الباب ببطء لكنها قبل أن تصل إليه بحثت حولها .. ثم اقتربت من خزانة صغيرة وفتحتها .. ففتح أكرم الممدد على كرسي في غرفتها في المستشفى عينيه ثم اعتدل جالسا بسرعة وهو يمد يده ليضرب على قدم علي المتكوم فوق سرير إضافي لا يساع إلا لفرد واحد كانا يتناوبان على النوم عليه .. بعد أن غادر عمار إلى منزله بعد إلحاح.
قفز علي جالسا وتطلع بصدمة في مليكة التي تحركت تبتعد عن الخزانة حينما وجدتها فارغة واقتربت من سريرها وسحبت الشرشف من عليه ولفته حول رأسها وكتفيها كوشاح ثم اقتربت من حذاء أكرم الموضوع بجوار الحائط ومالت لترتديه .
قال علي بلهجة مفزوعة "مليكة"
ضغط أكرم على يده ليهدأ بينما ردت الأخرى بتلقائية ودون أن تلتفت نحوه "نعم"
بلع أكرم ريقه وشعر ببعض الاطمئنان من أنها لا تعاني من الفصام ما دامت قد استجابت لاسمها وهذا يجعل عقله يذهب لفرضية أخرى .. فأسرع نحو الباب وأغلقه بالقفل من الداخل بهدوء شديد وهو يسألها" إلى أين أنت ذاهبة يا مليكة ؟"
انتهت من ارتداء الحذاء واستقامت ترد وهي متجهة نحو الباب" سأذهب لنجمة"
كاد علي أن ينفعل لكن أكرم أشار له أن يصمت ووقف بجوارها يتحدث بصوت هادئ .. وعقله يسترجع التعليمات التي أخبرته بها طبيبتها في حالة صدر منها أي سلوك غريب فقال لها" ألا يمكن تأجيل هذه الزيارة يا مليكة؟"
حاولت الأخيرة فتح الباب لكنه لم يستجب معها فناداها أكرم" مليكة "
"نعم"
أعاد عليها السؤال "ألا نستطيع تأجيل الذهاب لنجمة؟"
استدارت وتطلعت في الغرفة ثم تحركت نحو النافذة وهي تقول ببطء" لا أستطيع أن أتأخر على نجمة إنها وحدها والظلام دامس.. "
أسرع أكرم خلفها وراقبها وهي تفتح النافذة فقال لها " إذن أنا سأوصلك "
ردت بطريقة آلية وهي تتحسس ذلك السلك الذي يغلق النافذة جيدا "مفرح سيوصلني إنه ينتظرني لنذهب سويا إلى نجمة"
نظر أكرم لعلي المتغضن الملامح بصدمة ثم عاد لأخته التي تحاول أن تدفع السلك بيديها فوجدته قويا وقال "مفرح اتصل بي منذ قليل وأخبرني بأن السيارة قد تعطلت به وسيتأخر بعض الوقت"
استدارت تنظر له فبدت عيونها المفتوحة وكأنها زجاجية أمامه وغير واعية قبل أن تقول" حقا!"
ربت أكرم على ذراعها وقال بهدوء "ما رأيك في أن تذهبي للنوم قليلا وأنا سأوقظك حينما يصل مفرح"
ساد الصمت للحظات طويلة ثم استدارت بعدها بطاعة .. فراقباها وهي تعود وتخلع الشرشف عنها وتخلع حذاء أكرم ثم تتكوم على السرير قائلة" المهم ألا يتأخر فالظلام دامس عليها.. (وأغمضت عينيها تتوسد كفيها وتضيف بهمهمة ) لا تنس أن توقظني يا أكرم حينما يصل مفرح "
راقبها علي وهي تعود للنوم بهدوء والدموع تتحجر في مقلتيه بينما أطرق أكرم برأسه يشعر بأسف وقد خمن تقريبا حالتها .
××××
في اليوم التالي
تطلعت الدكتورة أمنية الطبيبة النفسية في الثلاثة رجال الجالسين أمامها وسألت" أين الباشمهندس مفرح؟.. فهو من كان يتابع معي حالتها من قبل الحادث مع الدكتور أكرم"
رد أكرم وهو يشير إلى علي "سيكون معنا على الهاتف .. فوالده في العناية المركزة ولم يستطع القدوم"
رفعت الطبيبة نظارتها على عينيها وغمغمت" ألف لا بأس عليه"
قال علي في الهاتف "سنفتح مكبر الصوت يا مفرح حتى تسأل أي سؤال تريده "
تنحنحت الطبيبة وقالت وهي تتفحص ملفا أمامها على المكتب " الحقيقة أن السيدة مليكة حينما جاءتني في العيادة دوّنت بعض الملاحظات المتفرقة عنها و بعدها احضرتموها بعد تلك الحادثة وفهمت منكم ما حدث وتفاصيل الماضي .. كما أنكم تقريبا تأكدتم من أنها السبب فيما كان يحدث من حرائق صغيرة في البلدة .. وقد كان لدي تصورا معينا في البداية بعد تحليل كل المعلومات التي علمتها منكم .. لكني كنت أحتاج لدليل قاطع يؤيد تصوري بأنها لا تعاني من الفصام حتى حدث ما حدث مع الدكتور أكرم ليلة أمس (وصمتت قليلا فازداد الترقب حتى من الدكتور أكرم الذي كان شبه متأكد مما ستقول لتكمل الطبيبة ) إنها تسير أثناء النوم"
تطلع مفرح حوله في جدران حمام المستشفى بعدم فهم فهو المكان الوحيد الذي وجد فيه بعض الخصوصية والهدوء .. بينما عقد عمار حاجبيه وقال للطبيبة أمامه "تسير وهي نائمة !!.. لقد بدا لنا الأمر أخطر من ذلك! "
ابتسمت الطبيبة وردت "مرض السير أثناء النوم مرض موجود وتختلف درجاته من مريض لأخر .. منهم من يقتصر على القيام والحركة في البيت أو فتح الثلاجة وتناول الطعام ومنهم من يصل الأمر معه للخروج من البيت وقيادة السيارة .. من أهم مسبباته الضغط النفسي ومن الواضح أنها تفعل ذلك"
قال أكرم بهدوء" هذا ما خمنته بعدما حدث ليلة أمس ويفسر أمورا كثيرة "
هتف مفرح عبر الهاتف وما سمعه لم يستوعبه بعد "وهل هذا يجعلها عنيفة ؟.. أنا لا أصدق أبدا أن مليكة من الممكن أن تحاول أن تؤذي أحدا..( وجاء صوته متهدجا عبر الهاتف وهو يضيف ) إنها أرق من أن تؤذي نملة"
ردت الطبيبة بتعاطف " ما حدث تلك الليلة وسببه سنحاول أن نعرفه أثناء الجلسات المستقبلية .. إن شاء الله أنا شخصيا من خلال المعلومات التي حصلت عليها منكم لا أتوقع بأنها شخص مؤذي لكني سأضعها تحت المراقبة لبعض الوقت لأتأكد من هذا الامر"
سأل علي " هل هذا يعني بأنها لا تتذكر ما فعلته؟"
عادت الطبيبة بظهرها إلى ظهر المقعد خلفها وشبكت أصابعها تجيب " لا تتذكر أو ربما تتذكر ولكن على هيئة رؤى بعد حدوث الأمر .. بعض المرضى عندي كانوا يرون ما فعلوه على شكل ذكرى أو حلم لشيء لم يمروا به من قبل اثناء يقظتهم "
هتف مفرح بعصبية دون أن يدري " لكنها كانت في حالة من الهذيان يوم الحادث وكانت تخلط الأمور ببعضها حتى أنها كانت تقاومني بقوة هل يحدث هذا في السير أثناء النوم أيضا؟"
اعتدلت الطبيبة لتمسك بالقلم بين يديها وردت " أريد أن أوضح شيئا .. مليكة تسير وهي نائمة في الهيئة التي ظهرت عليها أمام الدكتور أكرم .. وفي هيئة ذلك الملثم الذي يمشي بهدوء يذهب إلى مكان ما .. كما خمنتموه هو قبر ابنتها ..ثم تلقي تلك القماشة المشتعلة على أحد الحقول وتعود للبيت في هدوء لكن ..."
قاطعها عمار يسألها "عفوا للمقاطعة هل من الممكن أن يفعل الشخص وهو نائم كل هذا؟"
ردت الطبيبة " في الحالات المعقدة كما شرحت أول حديثي يحدث بالفعل .. هناك من يخرج من بيته ويقود السيارة .. وهناك حالات ارتكبت جرائم قتل أثناء النوم (واعتدلت في جلستها تضيف ) طبعا هذه حالات نادرة لكني فقط أدلل بها لأن كل شيء وارد .. ومن الواضح أن عقلها الباطن كان يتصرف معها لتتخذ احتياطاتها .. فلا يزال العقل الباطن لغز كبير لنا.. المهم أنه كان يجعلها تخرج من بوابة الفيلا الخلفية وليست الأمامية وترتدي الجلباب القديم وتتخفى وتستخدم الدراجة وكأنها مدركة لأن المسافة طويلة.. على أية حال سنرى ماذا سنكتشف اثناء جلسات العلاج"
جلس مفرح على عقبيه شاعرا بأن قدميه لا تحملانه وبشعور قوي من الارتباك وعدم الفهم بينما جاءه صوت الطبيبة تضيف" نعود للنقطة التي سأل عنها الباشمهندس مفرح بشأن حالتها تلك الليلة .. الحقيقة أنه لا ينصح عموما بمحاولة إيقاظ الشخص السائر وهو نائم فهو أمر يحدث ازعاجا شديدا له وربما اضطرابا أو نوعا من الخوف والارتباك الذهني ويؤثر في بعض الحالات في ضربات القلب وضغط الدم .. وأتوقع من خلال تحليلي لما سمعته منكم (وعدلت النظارة تتطلع في الملف وتمشي بسبابتها على بعض الملاحظات وهي تقول ) طلقة الرصاص غالبا نبهتها وساعدتها على الدخول في حالة من الهلوسة.. رأسها كان لم يستيقظ بعد أو لم يكن قادرا على الاستيقاظ لتلبية نداء العقل ..بينما شعور شديد بالخوف انتابها ..ربما يكون هذا سبب أنها قالت للباشمهندس مفرح بأنها ستنقذ ابنتها بل وكما أخبرني كانت تتخيل بأنها تحملها بين ذراعيها .. كل هذا كان نوعا من الاضطراب والارتباك العقلي حدث لها من الخوف والرعب.. فعقلها الباطن تدخل ليحفزها للاستيقاظ فارتبكت الأمور معها وبدأت تهلوس ( ورفعت إليهم أنظارها تضيف ) وهذه الهلوسة أراها كثيرا في حكايات بعض المرضى أثناء سيرهم نياما .. مواقف مضحكة تحدث وأخرى محزنة وردود غاية في التخريف تدل غالبا على شيء ما يقلقهم وطبعا نجمة هي محور مشكلة مليكة"
ساد الصمت فتطلعت في الوجوه التي تحاول الاستيعاب وأضافت" باختصار ما حدث لها يوم الحادث أتوقع أنه حدث عرضي نتيجة لما حدث ليلتها خاصة محاولة ايقاظها من النوم بالإضافة لشعورها بالخوف والارتباك والصدمة العقلية التي ربما ادركها عقلها حتى قبل أن تستيقظ بشكل كامل "
سألها مفرح عبر الهاتف " هل هذا يعني أنها استيقظت في أخر لحظة حينما سألتني عما حدث وأين هي ؟"
أجابت الطبيبة بثقة " هذا ما حدث على الأغلب ربما قلت شيئا فأفاقها ببساطة "
دلك مفرح جبينه بأنامله يعتصر ذهنه قائلا "أخر جملة قلتها لها (نجمة ماتت ولكن لديك أدهم وأياد)"
دونت الطبيبة في دفترها الملاحظة ثم قالت" ربما كانت في هذه الجملة (كلمة الإفاقة) التي تخصها"
سأل علي مستفهما " ما معنى كلمة الإفاقة؟"
أجابت الطبيبة شارحة " كلمة الأمان أو كلمة الإفاقة أو الـ Save Word كلمة بمجرد أن يسمعها السائر وهو نائم يستيقظ .. مع العلم بأنه لا ينصح بإيقاظه لكننا نستخدمها في الحالات القصوى حين يوشك أن يتعرض المريض للخطر .. حينما نكتشف ما هي كلمة الإفاقة الخاصة بالمريض نقويها لديه حتى تكون مؤثرة ويكون المريض على علم بها هو والمحيطين به ليستخدموها في حالة الخطر ... وتختلف من مريض لأخر وقد تدل على شيء ذي دلالة عند المريض أو لا تدل على شيء .. ( وابتسمت تقول ) عندي مريض كلمة إفاقته هو ( اسم حماته ) .. وأعتقد أن السيدة مليكة ( وخطت بيدها تحت الجملة أمامها تكمل ) كلمة إفاقتها غالبا إما ( نجمة ماتت ) أو ( أدهم وإياد ) واتوقع بأنها الثانية عموما سنرى "
سألها عمار بعدم صبر " السؤال الهام هل هذا المرض له علاج ؟"
وضعت الملف أمامها وردت " هذا المرض يحدث بشكل شائع عند بعض الأطفال ويختفي تدريجيا بدون أية مشاكل عند بلوغهم لكنه يحدث بشكل نادر مع البالغين وحينما يصاب به أحدهم يكون علاجه صعب لكن يمكن تحجيمه والسيطرة عليه والتعايش معه والتقليل من خطورته إن شاء الله .. أتوقع أن مليكة الآن تعاني من صدمة اكتشافها لما تفعله دون أن تدري .. أتمنى أن تتخطى هذه الصدمة بسرعة وأن تكون حافزا لها لأن تتجاوب مع العلاج "
سألها أكرم بلهجة حزينة" وما نوعية الأدوية التي ستخضع لها ؟"
ردت الطبيبة بلهجة عملية " سنلجأ لبعض الأدوية المضادة للاكتئاب .. ولكن الشق الأساسي في العلاج هو جلسات التفريغ النفسي التي ستساعدها على الاسترخاء والتعامل مع حالتها ومحاولة التحكم فيها بقدر الإمكان "
ران الصمت على الغرفة ..صمت كئيب قاتم .. ولم يجد أحد ما يقال فقالت الطبيبة بلهجة مطمئنة" لتتخطى الصدمة أولا ثم نبدأ فورا إن شاء الله في العلاج "
سألها أكرم بقلق " كم من الوقت ستبقى في المستشفى؟"
ردت الطبيبة وهي تكتب شيئا في الملف "بمجرد أن تتخطى مرحلة الصدمة ونتأكد من أنها ليست مؤذية لنفسها أو لغيرها ستخرج معكم وتشرفني بعدها في العيادة حسب الجدول الذي سنضعه إن شاء الله "
××××
قال كامل في وقفته في المطعم مع بسمة يديه في جيبي بنطاله" اتصلنا بالمستشفى وأخبرونا بأن الزيارة لا تزال ممنوعة يا بسمة ماذا سنفعل بذهابنا ؟!"
قالت بحزن" أريد أن أطمئن عليها يا كامل"
رد بهدوء "إن شاء الله ستكون بخير"
رفعت إليه عينيها الزرقاوين حزينتين وسألته "هل استطاع مفرح أن يزورها ؟"
رد كامل وهو ينظر في هاتفه الذي يرن عاقدا حاجبيه" لا فوالده لا يزال في حالة حرجة .. وهو غير قادر على مغادرة المستشفى (ورفع الهاتف على اذنه يقول باندهاش ) نعم يا أبي هل أنت بخير "
جاءه صوت غنيم يقول بلهجة صارمة " تعال أنت وأخوك إلى غرفة مكتبي فورا "
قال كامل مجادلا" هلا أجلنا ...."
قال غنيم بلهجة صارمة " قلت تعاليا فورا"
تطلع كامل باندهاش في الهاتف بعد أن أغلق والده الخط فنظرت إليه بسمة تسأله "ماذا حدث؟"
أدار وجهه ناحية اليمين حيث يقف شامل الذي استدار إليه فورا دون أن يناديه وتطلعا لبعضهما بتوجس .
بعد دقائق تطلع التوأمان في بعضهما وهما يسمعان صوت بعض الضيوف يأتي من داخل مكتب والده فسأل شامل والدته" من بالداخل؟"
هزت الأخيرة كتفيها وردت" لا أعرف رجل يبدو عليه الوجاهة ومعه شابة حامل "
تبادل التوأمان النظرات ودخلا بينما وقفت بسمة بجوار سوسو وونس بترقب .
بمجرد أن خطى التوأمان لغرفة المكتب اتسعت عينيهما باندهاش فهتف شامل بصدمة " شرويت !.."
تبعه كامل قائلا بلهجة متحفزة" ما الذي أتى بك إلى هنا ؟!"
ارتبكت الأخيرة ومررت أنظارها بينهما وبين رجل كبير بالعمر ليقول غنيم بلهجة عابسة "صديقتكما ووالدها يسألان عنك يا كامل ويبدو أن الأمر خطير فالبيك متحفز منذ دخوله ولا يرغب حتى في الجلوس "
تكلم الرجل قائلا بلهجة خطرة وهو يتطلع في التوأمين "من منكما ذلك الحقير كامل؟"


الحادي والثلاثون من هنا 
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close