رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم ملك علي
29=البارت التاسع و العشرون أنا هنا مع زوجي
" آسفة بابا , لا أستطيع الرحيل معك "استغرب والدها ما قالته و هي تعطيه ظهرها , أمسك بمرفقها و أدارها لتقابله
" لماذا ؟ أنا أتيت لاصطحابك ,
السيد عبد الحفيظ شرح لي الموضوع , سنبقى سويا الى أن تحل المشكلة "
طأطأت ملك رأسها لا تقو على رؤية عيني والدها , شحب وجهها أكثر و قالت ما لم يتوقعه أحد
" أنا هنا مع زوجي و في بيتي , لن أستطيع الذهاب معك و تركه "
صدمت كلماتها الجميع حتى علي و كريم , الذي يقف عند المدخل يراقب الوضع ,
طوال الأيام الماضية , كان علي يضغط عليها بكل قوته , لتستسلم و تعيد ما أخذته ,
و حينما سمع بخبر قدوم والدها , استغل الفرصة و حاول ابتزازها , و مقايضة سلامته بحاسوبه ,
حينما أتت الى هنا توقع أمرا من اثنين ,
اما أن تبكي و تصرخ كما فعلت سابقا و تنكر علاقتها به , حينها قرر أن يصر على ما قاله ,
و لن يسمح لها بالرحيل أبدا و قد يزج بها في السجن ,
و اما أن تخاف و تعيد ما أخذته , و هو مستعد أن يسمح لهما بالمغادرة فورا .
لكن ما قالته الآن أخلط كل حساباته ,
لم تعترف هذه العنيدة الآن بما كانت تنكره سابقا بإصرار ؟
أو أنها غيرت رأيها , و هي الآن تريد هذه المكانة حقيقة ؟
و تطمع أن تنال لقب زوجته ؟ فأي امرأة لا تغريها هذه الصفة ؟
تسلل الشك و الخوف الى قلب علي , و كأن السحر انقلب على الساحر ,
لم يعرف ما عليه قوله أو فعله في لحظة كهذه , هو لم يحسب حساب أمر كهذا ,
و لكنه قرر أن يشاهد ما الذي ستقدم عليه هذه المرأة الى النهاية , فهو لا يمكنه انكار هذا الأمر ,
بعدما كان يصر عليه لأيام .
بدت الدهشة على وجه والدها هو الآخر , هو يعرف ابنته جيدا , و ما قالته قبل قليل لا يمكنه تصديقه ,
مد يده و رفع وجهها ناحيته , لرؤية عينيها محاولا السيطرة على غضبه
" أعيدي ما قلته "
قال بنبرة حازمة و هو يحاول تبين الصدق في كلماتها
بلعت ملك ريقها و أخذت نفسا عميقا , ثم أصرت على ما قالته قبل لحظات
" قلت أنني هنا مع زوجي في بيتي , لا داعي لقلقك علي , بإمكانك العودة الآن "استمر والدها في الجدال لا يريد تصديق أذنيه" أنت تمزحين صح ؟ أو أن هذا الرجل يهددك بأمر ما ؟ "
و أشار الى علي الذي يقف خلفها بملامح مصدومة بنظرة قاتلة و مهددة ,
لكن ملك سارعت لتشتيت انتباهه عنه , لا تريده أن يعلق معه
" هذه الحقيقة بابا , ليس هناك أي تهديد , هذا زوجي و سأبقى معه "
شحب وجه والدها أمام تكرارها ما قالته , لو أخبره العالم كله هذه الكلمات ما صدقه ,
لكن ملك لم تكذب عليه يوما في حياتها , لم تخف شيئا عنه يوما حتى أبسط الأمور ,
لطالما كانت الابنة المطيعة المهذبة , التي يحسده عليها كل الناس , حتى في مراهقتها لم تكن طائشة أو متهورة ,
علاقتها بالرجال كانت دائما في حدود الصداقة و الزمالة , حتى أنه أصبح مؤخرا يفكر جديا , في تقديم رجل مناسب من معارفه
لأنها لم تكن تفكر بالارتباط بأحد في المستقبل القريب , و هو يريد رؤية أحفاده في أقرب وقت , كما أن زوجته أكثر لهفة منه ,
لكن أن تقف الآن أمامه , و تقول أنها متزوجة و دون علمه , فهذا ما لم يفكر فيه و لو في أسوء كوابيسه .
.
.
.
سابقا في المكتب كانت ملك قد فكرت , بأن هذا الرجل مقتنع بأنها أخذت شيئا منه , و هو لن يغير رأيه بسهولة ,
و ما حصل الأيام الماضية , أثبت قدرته على السيطرة على الأمور و قلب الحقائق لصالحه
ان خرجت و اتهمته و أنكرت أمام والدها , سيصر هذا الأخير على اصطحابها , أكيد سيصدق براءتها
و لن يسمح له بالاستمرار في تعذيبها ,
و النتيجة أنه سيدخل في صراع معه , و هو وحش لا يرحم , سينفذ تهديده و يرسله الى السجن دون شفقة ,
و والدها مريض بالقلب لن يتحمل , و سيموت قبل خروجهم من هنا .
و ان خرجت و اعترفت و لو كذبا بما يريده , فهذا المتسلط لن يعتقها لاحقا مهما فعلت ,
إضافة الى أن اعترافا علنيا كهذا بالسرقة , قد يوقف قلب والدها في لحظة واحدة .
فكرت ملك بأن الأوان قد فات بالنسبة لها , فبالاعتراف أو دونه هي لن تغادر قبل أشهر , ان لم
يكن بتأثير من هذا المجنون , فسيكون بسبب قضية التهريب الملفقة ,
يعني الأمر بالنسبة لها سواء و النتيجة واحدة , حتى المحامي سبق و أن فصل في الوضع ,
لذلك فالأفضل أن تبعد والدها عن هذا المكان أولا , بدل أن يبقى هما الاثنان هنا دون جدوى ,
قررت ملك أن تتحمل مسؤولية ما يحدث وحدها بعيدا عن والديها , اذا كان هذا الرجل يريد مواجهة
معها , فهي ستفعل أي شيء لكسبها ,
ستماطله الآن حتى يصبح والدها في أمان , و بعدها ستعرف كيف تتخلص من شركه , و تساومه بأي ثمن مقابل اطلاق سراحها , حتى و ان قايضته بحياتها ,
لكن ليس مقابل حياة والدها , هذا ثمن باهض لا تستطيع تحمل عبئه بقية حياتها ,
هو أجرى مؤخرا قسطرة دقيقة , بسبب انسداد في شرايين القلب ,
لن تسمح أن يصاب بنوبة قلبية أخرى قد تودي بحياته , بسبب لعبة سخيفة لا تعرف حتى سببها
, لذلك اختارت أخف الضررين .
برؤية ملامح ملك الجدية لم يكذب والدها ما قالته
" اذا ما قاله هؤلاء عن زواجك دون علمي أنا و والدتك صحيح ؟ "
كان عز الدين يدعو الله أن تكون مجرد مزحة بغيضة , هو ليس مستعدا أن يفقد ابنته الوحيدة هنا .
لكن ملك هزت رأسها بالموافقة دون قول كلمة , فهي لم تعد تقو على الكلام أكثر مما فعلت ,
و قد تفضح نفسها ان ردت عليه ,
و الله وحده يعلم ألم قلبها الذي كان ينزف دما , و هي تدعو هذا الرجل الذي تكرهه حد الموت
بزوجها و هذا القبر ببيتها .
في هذه الأثناء انسحب عبد الحفيظ , لم يعد لوجوده ضرورة ,
فملك اعترفت أخيرا بزواجها من علي , و واضح أن والدها مستاء من الأمر و سيبدأ بتأنيبها ,
و هذه أمور عائلية لا يرغب أن يشهدها , مهمته انتهت و عليه المغادرة .
أفلت والد ملك يده التي كانت تمسك بوجهها , و تراجع خطوة الى الوراء , و قد شعر بالدوار بسبب ما سمعه
" لماذا ؟ "
سأل بصوت هادئ , لكن ملك لم تجب بشيء , كانت دموعها تتساقط من عينيها , و تعض على
شفتها السفلى محاولة تمالك نفسها و عدم النحيب
أعاد والدها السؤال بنبرة أشد غضبا
" لماذا أجيبي ؟ "
صرخ فجأة في وجهها
لم تفزع الصرخة ملك و سامي بقدر ما أفزعت علي , قبل قليل كان يظهر أن هذا الرجل هادئ
و رصين جدا , لكنه فقد أعصابه الآن و ظهر توتره
" آسفة بابا "
لم تقل ملك أكثر من كلمتين زادت من سخط والدها , و علا صوته مجددا
" علام أنت آسفة هاه ؟
ما الذي فعلناه أنا و والدتك لنستحق ابنة جاحدة تتزوج دون علمنا هاه ؟فيما قصرنا معك تكلمي ؟
لو كنت أتيت الي و قلت بأنك تحبين هذا الرجل , و طلبت الارتباط به لم نكن لنمانع ,
كنت أيدت ابنتي الوحيدة في أي قرار تتخذه , و أنت تدركين هذا جيدا ,فلم تخدعيننا بهذه الطريقة اذا ؟ "
لم يملك عز الدين الا أن تثور ثائرته , فالابنة التي رباها و تعب على تنشئتها لسنوات ,
حبيبة قلبه و قطعة من روحه , تقف أمامه لتقول أنها تزوجت دون علمه ,
شعر بمرارة الخيانة و كأن أحدهم أطلق النار على قلبه , كان شعورا مخلوطا بالإهانة و الذل ,
فمهما كانت درجة انفتاحه يظل رجلا شرقيا , تهين أمور كهذه كرامته و اعتزازه بنفسه و تثير حفيظته
" بابا أنا .. "
تكلمت ملك مجددا تريد أن تشرح شيئا , لكنها لا تعرف ما تقول لتراضيه , و قد علقت الكلمات في حلقها ,
فهي لا يمكنها الآن التراجع عما أخبرته , و الا فالرجل الواقف وراءها سينفذ تهديده
قاطعها والدها فجأة
" لست والدك "
صدمت الكلمة ملك لدرجة أوقفت دموعها مرة واحدة , و شخصت عيناها عن آخرها ,
صمت الرجل لبرهة و قد احتقن وجهه ثم أضاف
" أنا لا أنجب ابنة تبيع نفسها و تخدع والديها , أنت اخترت هذا الرجل دون رضانا , و أنت من
سيتحمل مسؤولية هذا الاختيار ,
سأعتبر أنني لم أنجب يوما , و اعتبري نفسك يتيمة منذ هذه اللحظة "
كانت الكلمات مؤلمة لملك حد الموت , مثل رصاصة اخترقت قلبها و مزقته ألف قطعة ,
لم يزد والدها كلمة واحدة , استدار و خطا ناحية باب الفيلا للمغادرة , و ألم الخيبة واضح
على ملامحه .
سامي الذي كان تحت الصدمة , و لم يتدخل بحرف واحد منذ البداية , استدار هو الآخر ليلحق به ,
لكنه تردد في خطواته , و عاد أدراجه حيث تقف ملك , التي كانت تبكي دون توقف ,
وضع يده على خدها محاولا تهدئتها , و مسح دموعها ثم قال بنبرة حنونة
" لا تحزني ملك أنت فتاة قوية , و أنا أثق في اختيارك ,
و لا تقلقي عمي سيكون بخير بعد فترة , تعرفين كم يحبك و لن يغير ذلك شيئا أبدا "
هزت ملك رأسها و أمسكت بيد سامي التي يضعها على خدها
" شكرا سامي اعتن به أرجوك "
" أكيد دون أن تطلبي , أتمنى لك السعادة "
و طبع قبلة خفيفة على جبينها , استأذن بعدها من علي و خرج مسرعا للحاق بعز الدين , الذي
كان يجلس في سيارة الأجرة منتظرا للعودة الى المطار .
كان علي يقف مكانه , دون أن يحرك ساكنا أو يصدر أي صوت , مكتفيا بمراقبة المشهد الباكي أمامه ,
كان مشوش التفكير لدرجة كبيرة , لم يفهم ما الذي حصل قبل قليل ,
و كيف تمكنت ملك من اقناع الآخرين , أنها زوجته فعلا في خطوة صادمة لم يتوقعها ؟
لم يصدق أنها أرسلتهم فعلا , ما اللعبة التي تلعبها الآن ؟
هو كان يتلاعب بأعصابها لا أكثر , لم يكن يفكر فعلا في أذية والدها , لن يستفيد شيئا من
الأمر , فقد كان واضحا ألا علاقة له بما حصل
و لكنها صدقته و جعلته يذهب من هنا دونها ,
و الرجل الآخر اذا كان شقيقها , فما ردة الفعل تلك أو أنه تربطهما علاقة أخرى ؟
كانت الكثير من الأسئلة تدور في فكر علي دون جواب واضح , هو لم يفهم لم لا يستطيع قراءة هذه المخلوقة ,
لطالما عرف بقدرته على تخمين أفعال من أمامه , و لكن ملك تدهشه في كل مرة , و لا
يستطيع سبر أغوارها مهما حاول
لم يفق علي من تفكيره , الا و ملك التي كانت تبكي بيأس الى جانبه , تنطلق مثل السهم لملاحقة سيارة والدها ,
هي لم ترد أن توقفه , لأنها تدرك أنها لا يمكنها مرافقته , و لا اصلاح الكذبة التي قالتها قبل قليل ,
و لكنها أرادت على الأقل أن تراه للمرة الأخيرة .
لحق علي وراءها بخطى متباطئة , و وقف عند الباب مراقبا ملك التي تركض كالمجنونة خلف السيارة المغادرة ,
كان المطر قد أصبح أكثر غزارة , لكنها لم تبال بتبلل ملابسها و جسمها , و رغم اختفاء السيارة
منذ وقت طويل , الا أنها لم تتوقف و لم تعد أدراجها
ركضت ملك على طول الحديقة وصولا الى البوابة , أين تسمرت مكانها و هي تحدق الى آخر الشارع ,
ضاق نفسها فجأة و توقفت دموعها لثوان , قبل أن تصرخ صرخة مدوية اخترقت أذني علي
" بابا "
فقط كلمة واحدة و فقدت وعيها مباشرة , لتقع على الأرض دون حراك , و كأنها أصيبت بسكتة قلبية .
حدق علي بذهن مشوش الى الجسد الملقى على التراب أمامه , اتسعت عيناه فجأة و كأنه استفاق أخيرا ,
أخرج يديه من جيبه و تحركت رجلاه , و لم يدر بنفسه الا و هو يركض تحت المطر باتجاه ملك ,
وقف علي على بعد خطوة منها , و قد انتابه خوف شديد
" هل يعقل أنها ماتت ؟ "
سأل نفسه باستياء و لم يفكر في غير ذلك , أمام المرأة المستلقية على وجهها في الوحل , دون
أية اشارة للحياة
كيف وصل الوضع الى هذه النقطة ؟
لم يبدو كمن فقد السيطرة على الأمر ؟
اقترب علي من ملك بحذر , انحنى عليها و أدارها ناحيته , ثم رفع رأسها عن الأرض و وضع أصبعه أمام أنفها , كان هناك نفس ضعيف يعني لم تكن ميتة
" الحمد لله "
ارتاح باله قليلا ربما لم يشفق عليها , بقدر ما خشي أن يموت أحد بسببه , هو لم يقتل أحدا يوما
و لا حتى حيوانا , فكيف يتسبب في موت انسان
رتب علي أفكاره بسرعة , ثم حملها دفعة واحدة بين يديه , و عاد مسرعا ناحية بيته ,
يالسخرية القدر أكثر امرأة يبغضها , هي ذاتها من يحملها في كل مرة بين ذراعيه ,
عند المدخل التقته فاطمة التي فاجأها المنظر , كان الاثنان غارقين بماء المطر , و الكثير من الوحل
يلطخ ثيابهما التي التصقت بهما
كان وجه ملك شديد الشحوب و فاقدة للوعي , و كان وجه علي شديد القلق و الاستياء .
" استدعي دكتور جلال "
وجه علي كلامه اليها قاطعا تأملها
" حاضر سيدي "
كان علي يفكر في أخذ ملك الى الطابق الثاني حيث غرف النوم , لكنه تراجع و طلب من فاطمة
فتح احدى الغرف في رواق الخدم ,
رغم أن خدمه يقيمون فيها , الا أنها لا تقل فخامة عن باقي المنزل .
كريم الذي كان في هذه اللحظة داخل السيارة في الخارج , في انتظار أخبار جديدة بعد مغادرة الضيوف ,
صعق هو الآخر بحالة ملك التي كان يحملها علي , فلحق به مباشرة لاستطلاع الأمر .
في الغرفة وضع علي ملك على السرير , و أسند رأسها على الوسادة برفق ,
كانت تبدو و كأنها أسلمت روحها , لونها أكثر شحوبا عيناها مغمضتان و تنفسها ضعيف ,
تراجع بعدها ببطء و وقف عند باب الغرفة , لا يعلم ماذا عليه أن يفعل و لا كيف يتصرف ,
كان نفسه متسارعا , و يضع ظاهر يده الملطخة بالوحل على جبينه , يحاول تمالك نفسه و ترتيب أفكاره .
لم ينتبه علي الا و قد دخلت فاطمة , تحمل مناشف نظيفة قميصا و ماءا دافئا , و شرعت في فتح أزرار قميص ملك , لتبديل ملابسها و تجفيف جسمها
استدار علي مرة واحدة دون قول شيء , قصد غرفته مباشرة , خلع ملابسه المبتلة و وقف تحت الدش ,
بقي لوقت طويل لا يفعل شيئا , غير الوقوف هناك و الماء ينهمر على رأسه ,
كان خائب الظن بشدة , فلم تكن النتيجة التي توقعها و خطط لها مطولا , هو شبه متأكد أنها الفاعلة
لم تستمر اذا بالمقاومة الى هذه الدرجة ؟
من أجل حماية من ؟
لا يعقل أن تتحمل كل ذلك الألم لفراق و الدها , و التسبب في نبذها من طرفه , فقط لأجل
مكسب مادي رخيص
" ما الخطأ في هذه المعادلة ؟ "
سأل علي نفسه بحيرة كبيرة , لكنه لم يعرف أن معادلته غير صحيحة منذ البداية , لأن أساسها باتهام ملك خاطئ
" لماذا ؟ أنا أتيت لاصطحابك ,
السيد عبد الحفيظ شرح لي الموضوع , سنبقى سويا الى أن تحل المشكلة "
طأطأت ملك رأسها لا تقو على رؤية عيني والدها , شحب وجهها أكثر و قالت ما لم يتوقعه أحد
" أنا هنا مع زوجي و في بيتي , لن أستطيع الذهاب معك و تركه "
صدمت كلماتها الجميع حتى علي و كريم , الذي يقف عند المدخل يراقب الوضع ,
طوال الأيام الماضية , كان علي يضغط عليها بكل قوته , لتستسلم و تعيد ما أخذته ,
و حينما سمع بخبر قدوم والدها , استغل الفرصة و حاول ابتزازها , و مقايضة سلامته بحاسوبه ,
حينما أتت الى هنا توقع أمرا من اثنين ,
اما أن تبكي و تصرخ كما فعلت سابقا و تنكر علاقتها به , حينها قرر أن يصر على ما قاله ,
و لن يسمح لها بالرحيل أبدا و قد يزج بها في السجن ,
و اما أن تخاف و تعيد ما أخذته , و هو مستعد أن يسمح لهما بالمغادرة فورا .
لكن ما قالته الآن أخلط كل حساباته ,
لم تعترف هذه العنيدة الآن بما كانت تنكره سابقا بإصرار ؟
أو أنها غيرت رأيها , و هي الآن تريد هذه المكانة حقيقة ؟
و تطمع أن تنال لقب زوجته ؟ فأي امرأة لا تغريها هذه الصفة ؟
تسلل الشك و الخوف الى قلب علي , و كأن السحر انقلب على الساحر ,
لم يعرف ما عليه قوله أو فعله في لحظة كهذه , هو لم يحسب حساب أمر كهذا ,
و لكنه قرر أن يشاهد ما الذي ستقدم عليه هذه المرأة الى النهاية , فهو لا يمكنه انكار هذا الأمر ,
بعدما كان يصر عليه لأيام .
بدت الدهشة على وجه والدها هو الآخر , هو يعرف ابنته جيدا , و ما قالته قبل قليل لا يمكنه تصديقه ,
مد يده و رفع وجهها ناحيته , لرؤية عينيها محاولا السيطرة على غضبه
" أعيدي ما قلته "
قال بنبرة حازمة و هو يحاول تبين الصدق في كلماتها
بلعت ملك ريقها و أخذت نفسا عميقا , ثم أصرت على ما قالته قبل لحظات
" قلت أنني هنا مع زوجي في بيتي , لا داعي لقلقك علي , بإمكانك العودة الآن "استمر والدها في الجدال لا يريد تصديق أذنيه" أنت تمزحين صح ؟ أو أن هذا الرجل يهددك بأمر ما ؟ "
و أشار الى علي الذي يقف خلفها بملامح مصدومة بنظرة قاتلة و مهددة ,
لكن ملك سارعت لتشتيت انتباهه عنه , لا تريده أن يعلق معه
" هذه الحقيقة بابا , ليس هناك أي تهديد , هذا زوجي و سأبقى معه "
شحب وجه والدها أمام تكرارها ما قالته , لو أخبره العالم كله هذه الكلمات ما صدقه ,
لكن ملك لم تكذب عليه يوما في حياتها , لم تخف شيئا عنه يوما حتى أبسط الأمور ,
لطالما كانت الابنة المطيعة المهذبة , التي يحسده عليها كل الناس , حتى في مراهقتها لم تكن طائشة أو متهورة ,
علاقتها بالرجال كانت دائما في حدود الصداقة و الزمالة , حتى أنه أصبح مؤخرا يفكر جديا , في تقديم رجل مناسب من معارفه
لأنها لم تكن تفكر بالارتباط بأحد في المستقبل القريب , و هو يريد رؤية أحفاده في أقرب وقت , كما أن زوجته أكثر لهفة منه ,
لكن أن تقف الآن أمامه , و تقول أنها متزوجة و دون علمه , فهذا ما لم يفكر فيه و لو في أسوء كوابيسه .
.
.
.
سابقا في المكتب كانت ملك قد فكرت , بأن هذا الرجل مقتنع بأنها أخذت شيئا منه , و هو لن يغير رأيه بسهولة ,
و ما حصل الأيام الماضية , أثبت قدرته على السيطرة على الأمور و قلب الحقائق لصالحه
ان خرجت و اتهمته و أنكرت أمام والدها , سيصر هذا الأخير على اصطحابها , أكيد سيصدق براءتها
و لن يسمح له بالاستمرار في تعذيبها ,
و النتيجة أنه سيدخل في صراع معه , و هو وحش لا يرحم , سينفذ تهديده و يرسله الى السجن دون شفقة ,
و والدها مريض بالقلب لن يتحمل , و سيموت قبل خروجهم من هنا .
و ان خرجت و اعترفت و لو كذبا بما يريده , فهذا المتسلط لن يعتقها لاحقا مهما فعلت ,
إضافة الى أن اعترافا علنيا كهذا بالسرقة , قد يوقف قلب والدها في لحظة واحدة .
فكرت ملك بأن الأوان قد فات بالنسبة لها , فبالاعتراف أو دونه هي لن تغادر قبل أشهر , ان لم
يكن بتأثير من هذا المجنون , فسيكون بسبب قضية التهريب الملفقة ,
يعني الأمر بالنسبة لها سواء و النتيجة واحدة , حتى المحامي سبق و أن فصل في الوضع ,
لذلك فالأفضل أن تبعد والدها عن هذا المكان أولا , بدل أن يبقى هما الاثنان هنا دون جدوى ,
قررت ملك أن تتحمل مسؤولية ما يحدث وحدها بعيدا عن والديها , اذا كان هذا الرجل يريد مواجهة
معها , فهي ستفعل أي شيء لكسبها ,
ستماطله الآن حتى يصبح والدها في أمان , و بعدها ستعرف كيف تتخلص من شركه , و تساومه بأي ثمن مقابل اطلاق سراحها , حتى و ان قايضته بحياتها ,
لكن ليس مقابل حياة والدها , هذا ثمن باهض لا تستطيع تحمل عبئه بقية حياتها ,
هو أجرى مؤخرا قسطرة دقيقة , بسبب انسداد في شرايين القلب ,
لن تسمح أن يصاب بنوبة قلبية أخرى قد تودي بحياته , بسبب لعبة سخيفة لا تعرف حتى سببها
, لذلك اختارت أخف الضررين .
برؤية ملامح ملك الجدية لم يكذب والدها ما قالته
" اذا ما قاله هؤلاء عن زواجك دون علمي أنا و والدتك صحيح ؟ "
كان عز الدين يدعو الله أن تكون مجرد مزحة بغيضة , هو ليس مستعدا أن يفقد ابنته الوحيدة هنا .
لكن ملك هزت رأسها بالموافقة دون قول كلمة , فهي لم تعد تقو على الكلام أكثر مما فعلت ,
و قد تفضح نفسها ان ردت عليه ,
و الله وحده يعلم ألم قلبها الذي كان ينزف دما , و هي تدعو هذا الرجل الذي تكرهه حد الموت
بزوجها و هذا القبر ببيتها .
في هذه الأثناء انسحب عبد الحفيظ , لم يعد لوجوده ضرورة ,
فملك اعترفت أخيرا بزواجها من علي , و واضح أن والدها مستاء من الأمر و سيبدأ بتأنيبها ,
و هذه أمور عائلية لا يرغب أن يشهدها , مهمته انتهت و عليه المغادرة .
أفلت والد ملك يده التي كانت تمسك بوجهها , و تراجع خطوة الى الوراء , و قد شعر بالدوار بسبب ما سمعه
" لماذا ؟ "
سأل بصوت هادئ , لكن ملك لم تجب بشيء , كانت دموعها تتساقط من عينيها , و تعض على
شفتها السفلى محاولة تمالك نفسها و عدم النحيب
أعاد والدها السؤال بنبرة أشد غضبا
" لماذا أجيبي ؟ "
صرخ فجأة في وجهها
لم تفزع الصرخة ملك و سامي بقدر ما أفزعت علي , قبل قليل كان يظهر أن هذا الرجل هادئ
و رصين جدا , لكنه فقد أعصابه الآن و ظهر توتره
" آسفة بابا "
لم تقل ملك أكثر من كلمتين زادت من سخط والدها , و علا صوته مجددا
" علام أنت آسفة هاه ؟
ما الذي فعلناه أنا و والدتك لنستحق ابنة جاحدة تتزوج دون علمنا هاه ؟فيما قصرنا معك تكلمي ؟
لو كنت أتيت الي و قلت بأنك تحبين هذا الرجل , و طلبت الارتباط به لم نكن لنمانع ,
كنت أيدت ابنتي الوحيدة في أي قرار تتخذه , و أنت تدركين هذا جيدا ,فلم تخدعيننا بهذه الطريقة اذا ؟ "
لم يملك عز الدين الا أن تثور ثائرته , فالابنة التي رباها و تعب على تنشئتها لسنوات ,
حبيبة قلبه و قطعة من روحه , تقف أمامه لتقول أنها تزوجت دون علمه ,
شعر بمرارة الخيانة و كأن أحدهم أطلق النار على قلبه , كان شعورا مخلوطا بالإهانة و الذل ,
فمهما كانت درجة انفتاحه يظل رجلا شرقيا , تهين أمور كهذه كرامته و اعتزازه بنفسه و تثير حفيظته
" بابا أنا .. "
تكلمت ملك مجددا تريد أن تشرح شيئا , لكنها لا تعرف ما تقول لتراضيه , و قد علقت الكلمات في حلقها ,
فهي لا يمكنها الآن التراجع عما أخبرته , و الا فالرجل الواقف وراءها سينفذ تهديده
قاطعها والدها فجأة
" لست والدك "
صدمت الكلمة ملك لدرجة أوقفت دموعها مرة واحدة , و شخصت عيناها عن آخرها ,
صمت الرجل لبرهة و قد احتقن وجهه ثم أضاف
" أنا لا أنجب ابنة تبيع نفسها و تخدع والديها , أنت اخترت هذا الرجل دون رضانا , و أنت من
سيتحمل مسؤولية هذا الاختيار ,
سأعتبر أنني لم أنجب يوما , و اعتبري نفسك يتيمة منذ هذه اللحظة "
كانت الكلمات مؤلمة لملك حد الموت , مثل رصاصة اخترقت قلبها و مزقته ألف قطعة ,
لم يزد والدها كلمة واحدة , استدار و خطا ناحية باب الفيلا للمغادرة , و ألم الخيبة واضح
على ملامحه .
سامي الذي كان تحت الصدمة , و لم يتدخل بحرف واحد منذ البداية , استدار هو الآخر ليلحق به ,
لكنه تردد في خطواته , و عاد أدراجه حيث تقف ملك , التي كانت تبكي دون توقف ,
وضع يده على خدها محاولا تهدئتها , و مسح دموعها ثم قال بنبرة حنونة
" لا تحزني ملك أنت فتاة قوية , و أنا أثق في اختيارك ,
و لا تقلقي عمي سيكون بخير بعد فترة , تعرفين كم يحبك و لن يغير ذلك شيئا أبدا "
هزت ملك رأسها و أمسكت بيد سامي التي يضعها على خدها
" شكرا سامي اعتن به أرجوك "
" أكيد دون أن تطلبي , أتمنى لك السعادة "
و طبع قبلة خفيفة على جبينها , استأذن بعدها من علي و خرج مسرعا للحاق بعز الدين , الذي
كان يجلس في سيارة الأجرة منتظرا للعودة الى المطار .
كان علي يقف مكانه , دون أن يحرك ساكنا أو يصدر أي صوت , مكتفيا بمراقبة المشهد الباكي أمامه ,
كان مشوش التفكير لدرجة كبيرة , لم يفهم ما الذي حصل قبل قليل ,
و كيف تمكنت ملك من اقناع الآخرين , أنها زوجته فعلا في خطوة صادمة لم يتوقعها ؟
لم يصدق أنها أرسلتهم فعلا , ما اللعبة التي تلعبها الآن ؟
هو كان يتلاعب بأعصابها لا أكثر , لم يكن يفكر فعلا في أذية والدها , لن يستفيد شيئا من
الأمر , فقد كان واضحا ألا علاقة له بما حصل
و لكنها صدقته و جعلته يذهب من هنا دونها ,
و الرجل الآخر اذا كان شقيقها , فما ردة الفعل تلك أو أنه تربطهما علاقة أخرى ؟
كانت الكثير من الأسئلة تدور في فكر علي دون جواب واضح , هو لم يفهم لم لا يستطيع قراءة هذه المخلوقة ,
لطالما عرف بقدرته على تخمين أفعال من أمامه , و لكن ملك تدهشه في كل مرة , و لا
يستطيع سبر أغوارها مهما حاول
لم يفق علي من تفكيره , الا و ملك التي كانت تبكي بيأس الى جانبه , تنطلق مثل السهم لملاحقة سيارة والدها ,
هي لم ترد أن توقفه , لأنها تدرك أنها لا يمكنها مرافقته , و لا اصلاح الكذبة التي قالتها قبل قليل ,
و لكنها أرادت على الأقل أن تراه للمرة الأخيرة .
لحق علي وراءها بخطى متباطئة , و وقف عند الباب مراقبا ملك التي تركض كالمجنونة خلف السيارة المغادرة ,
كان المطر قد أصبح أكثر غزارة , لكنها لم تبال بتبلل ملابسها و جسمها , و رغم اختفاء السيارة
منذ وقت طويل , الا أنها لم تتوقف و لم تعد أدراجها
ركضت ملك على طول الحديقة وصولا الى البوابة , أين تسمرت مكانها و هي تحدق الى آخر الشارع ,
ضاق نفسها فجأة و توقفت دموعها لثوان , قبل أن تصرخ صرخة مدوية اخترقت أذني علي
" بابا "
فقط كلمة واحدة و فقدت وعيها مباشرة , لتقع على الأرض دون حراك , و كأنها أصيبت بسكتة قلبية .
حدق علي بذهن مشوش الى الجسد الملقى على التراب أمامه , اتسعت عيناه فجأة و كأنه استفاق أخيرا ,
أخرج يديه من جيبه و تحركت رجلاه , و لم يدر بنفسه الا و هو يركض تحت المطر باتجاه ملك ,
وقف علي على بعد خطوة منها , و قد انتابه خوف شديد
" هل يعقل أنها ماتت ؟ "
سأل نفسه باستياء و لم يفكر في غير ذلك , أمام المرأة المستلقية على وجهها في الوحل , دون
أية اشارة للحياة
كيف وصل الوضع الى هذه النقطة ؟
لم يبدو كمن فقد السيطرة على الأمر ؟
اقترب علي من ملك بحذر , انحنى عليها و أدارها ناحيته , ثم رفع رأسها عن الأرض و وضع أصبعه أمام أنفها , كان هناك نفس ضعيف يعني لم تكن ميتة
" الحمد لله "
ارتاح باله قليلا ربما لم يشفق عليها , بقدر ما خشي أن يموت أحد بسببه , هو لم يقتل أحدا يوما
و لا حتى حيوانا , فكيف يتسبب في موت انسان
رتب علي أفكاره بسرعة , ثم حملها دفعة واحدة بين يديه , و عاد مسرعا ناحية بيته ,
يالسخرية القدر أكثر امرأة يبغضها , هي ذاتها من يحملها في كل مرة بين ذراعيه ,
عند المدخل التقته فاطمة التي فاجأها المنظر , كان الاثنان غارقين بماء المطر , و الكثير من الوحل
يلطخ ثيابهما التي التصقت بهما
كان وجه ملك شديد الشحوب و فاقدة للوعي , و كان وجه علي شديد القلق و الاستياء .
" استدعي دكتور جلال "
وجه علي كلامه اليها قاطعا تأملها
" حاضر سيدي "
كان علي يفكر في أخذ ملك الى الطابق الثاني حيث غرف النوم , لكنه تراجع و طلب من فاطمة
فتح احدى الغرف في رواق الخدم ,
رغم أن خدمه يقيمون فيها , الا أنها لا تقل فخامة عن باقي المنزل .
كريم الذي كان في هذه اللحظة داخل السيارة في الخارج , في انتظار أخبار جديدة بعد مغادرة الضيوف ,
صعق هو الآخر بحالة ملك التي كان يحملها علي , فلحق به مباشرة لاستطلاع الأمر .
في الغرفة وضع علي ملك على السرير , و أسند رأسها على الوسادة برفق ,
كانت تبدو و كأنها أسلمت روحها , لونها أكثر شحوبا عيناها مغمضتان و تنفسها ضعيف ,
تراجع بعدها ببطء و وقف عند باب الغرفة , لا يعلم ماذا عليه أن يفعل و لا كيف يتصرف ,
كان نفسه متسارعا , و يضع ظاهر يده الملطخة بالوحل على جبينه , يحاول تمالك نفسه و ترتيب أفكاره .
لم ينتبه علي الا و قد دخلت فاطمة , تحمل مناشف نظيفة قميصا و ماءا دافئا , و شرعت في فتح أزرار قميص ملك , لتبديل ملابسها و تجفيف جسمها
استدار علي مرة واحدة دون قول شيء , قصد غرفته مباشرة , خلع ملابسه المبتلة و وقف تحت الدش ,
بقي لوقت طويل لا يفعل شيئا , غير الوقوف هناك و الماء ينهمر على رأسه ,
كان خائب الظن بشدة , فلم تكن النتيجة التي توقعها و خطط لها مطولا , هو شبه متأكد أنها الفاعلة
لم تستمر اذا بالمقاومة الى هذه الدرجة ؟
من أجل حماية من ؟
لا يعقل أن تتحمل كل ذلك الألم لفراق و الدها , و التسبب في نبذها من طرفه , فقط لأجل
مكسب مادي رخيص
" ما الخطأ في هذه المعادلة ؟ "
سأل علي نفسه بحيرة كبيرة , لكنه لم يعرف أن معادلته غير صحيحة منذ البداية , لأن أساسها باتهام ملك خاطئ
