اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم صابرين



9- هل ينسى القلب محبوبه؟!
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
"مقتطف مستقبلي"
شعرت بإكتفاء من النوم لتفتح عينيها بعدما كانت تتململ دون فائدة، تأوهت بخفة عندما أصاب حرف الوسادة جرحها القابع في جنبها، رفعت طرف منامتها تحدق في الشاش الأبيض الذي يحيط بطنها المسطح والذي يتم التغيير عليه يوميًا ولكن لم تمتلك الجرأة في يوم لتنظر لبشاعة الجرح، يكفي ملامح والدتها الآسية حين نظرت هى له
اعتدلت ببطء على الفراش وهى تتلفت بحثًا عن هاتفها فيبدو أنها نامت كثيرًا وهذا بعد أن ظلوا لساعة متأخرة يشاهدون المنشورات والفيديوهات التي ينزلها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي داعمين لها بعد أن ساهمت رقية في نشر اعترافات الطلبة في تعاملها معهم.
والأغلب وصفها بالطيبة رغم القوة، بالمرح رغم الشدة، وأنها كانت صديقة قبل أن تكون معلمة رغم كونها كانت تتعامل مع المخطئ بطبع صعب
سارت ببطء نحو الخزانة الصغيرة عندما ابصرت هاتفها على الشاحن متذكرة أن بطاريته نفدت البارحة، مرت من أمام المرآة وقد استدرات إليها بمحل الصدفة وقد أتت بعقلها ذكرى غير حميدة بالمرة للدقائق التي مرت عليها كالجحيم في حجز النساء
اقتربت من المرآة بخطى بطيئة وهى تنزع بندانة من النوع السوري تضعها في العادة على رأسها تخفي بها خصلات شعرها حتى إن كانت بالمنزل، فقد اعتادت على الأمر، نزعت البندانة ببطء وقلبها يقرع بخوف من رؤية حالة شعرها فهى تتذكر أن بعض الخصلات تقطعت بين ايديهن حين ضربوها
فكت جدائلها ترى كم خف شعرها بعد أن انتزعوه من جذوره، ادمعت عيناها بحسرة شديد فقد ظلت لسنوات تعالج شعرها من التلف والتقصف حتى يقضوا عليه في دقائق، تكاد تجزم أنهن قطعن نصف شعرها
فُتح الباب وولجت والدتها تنادي عليها حتى توقظها، وقد توقفت الكلمات في حلقها عندما وجدتها تجلس أمام المرآة كاشفة شعرها، علمت أنها أصبحت على دراية بما حدث لشعرها فأولئك الحقيرات قد قطعن نصف خصلات صغيرتها
اقتربت منها بسرعة عندما وجدتها على شعرة من الانفجار في بكاء مرير، وما إن أصبحت بين أحضانها حتى أخذت نور تبكي بقوة بين أحضان والدتها الحنون والتي أخذت تربت على ظهرها بحنو رغم شعورها بالقهر عليها :
-هيطول تاني متزعليش، عند ربنا يا بتي قادر يجيبلك حقك من كل اللي ظلمك
دلفت براءة حتى تخبر نور أن هناك من ينتظرها في الخارج ولكن عندما وجدت هذا المشهد حتى توقفت قليلًا تحدق في نور الباكية بشفقة، وبعد دقيقتين اقتربت منهما حتى تهدئ الأجواء هاتفة بمزاح :
-ده بدال ما تجيبي للبت فطار يا خالتي قاعدة تبكي معاها
رمشت الأخرى بأهدابها وهى تضم ابنتها أكثر لتقول براءة تسحب نور منها :
-خلاص يا ست هتفطسيها سيبها بقى أغير على الجرح وروحي شوفي حاجة تاكلها
انصاعت صفية لحديث براءة لتميل قليلًا على ابنتها طابعة قبلة دافئة فوق جبينها ثم قالت بحنو بالغ :
-متزعليش يا ماما وتحطي في نفسك قولي يارب
-يارب
همست بها الأخرى دامعة العينين والتي استحلت اللون الأخضر الباهت بعدما كانت عسلية، يحيط حدقتيها الجفون الحمراء، تركتها صفية وخرجت حتى تحضر لها شيئًا تأكله بينما سحبت براءة كيس الأدوية والشاش والقطن ذو اللون الأبيض ثم جلست على الفراش مقابل المقعد الذي تجلس عليه نور مستعدة لتغير الجرح
رفعت نور منامتها وهذه المرة أرادت أن ترى الجرح وكم هو سئ وليتها لم تراه، ليتها استدرات الناحية الأخرى ككل مرة، كانت تظنه جرح صغير لطعنه نافذة لكنه كان أبعد من هذا إذ أن المرأة التي طعنتها اتخذت جسدها كدجاجة على وشك تقطيعها فسارت بالسكين بعد أن غرزته داخل جسده
اهتز جسدها وكأنها تعيش الألم للمرة الثانية لتطلق آهٍ غير متوقعة بالنسبة لبراءة إذ ابعدت يديها بسرعة وظنت أنها أصابت الجرح دون إدراك منها ولكن انفجار نور بالبكاء بعدها جعلتها تدرك أن الألم الذي تمر به الآن في عقلها فقط
وعلى ناحية أخرى خلف الحائط الذي يفصل الغرفة التي يجلسان به عن غرفة حمزة، كان متواجدًا بالغرفة فوق الفراش وفي يده قضية نور يعمل على تفاصيلها بجد
وحين استمع لصرختها تلك ترك الأوراق من يده مطرقًا السمع، وهذه المرة وقف من مكانه فقد استمع لصوت بكائها من دقائق ولكن كريم منعه من التحرك تحت بند أنه لا يجوز، ومنعه كريم هذه المرة أيضًا إذ وقف بسرعة عندما وجده يهم بالخروج من الغرفة ثم قال :
-انت يا بني آدم انت رايح فين؟!
وأجابه الآخر عاقدًا الحاجبين وقد صدح بكاء نور على الناحية الأخرى :
-انت مش سامعها من وقت بتبكي وتصرخ أكيد حصلها حاجة انا هسأل عليها بس
ركضت كريم ووقف أمام الباب لا يصدق ما يقوله أخيه والذي على الأرجح أصابه جنون يدعى الحب :
-وتروح هناك بصفتك مين هو انت علشان المحامي بتاعها هيبقى ليك الحق تدخل حتى في حياتها الشخصية
جلس حمزة على الفراش متأفئفًا، ضائق الملامح، عاقد الحاجبين فقال كريم :
-حمزة متنساش ابوها قالك ايه إمبارح
-سمعت عن حاجة اسمها غض البصر
نطق بها حمزة وهو يسحب هاتفه يرن على رقم نور، متذكرًا تلك الجملة التي رماها علي له بذكاء وكان الآخر من الفطنة التي يجعله يدرك مقصدها، هو يظنه ينظر إلى ابنته من باب الخبث والنوايا السيئة، ولا يستطيع لومه ولا أيضًا يستطيع التبرير فهل يقول له أنه يحب ابنته، لن يسير الأمر أبدًا على يرام إن قال هذا
أما على الناحية الأخرى كانت هدأت نور قليلًا مستغفرة ربها تارة وتقول حسبي الله تارة، أنهت براءة التغيير على الجرح ثم رفعت بصرها لجرح رأسها ثم أخذت تغير عليه هو أيضًا بينما تقول :
-هاجر برا جات تسأل عليكي
ابتسمت نور بسمة هادئة وسط دموعها التي جفت على وجنتيها :
-طب والله فيها الخير
انتظرت حتى تنتهي براءة ثم تخرج، وأثناء هذا الإنتظار رن هاتف براءة داخل جيبها وعندما أخرجته ظهر اسمه مكتوبًا باللغة الإنجليزية وبجانبه ايموجي بارد وسكين "Youssef🔪🙂"
ضحكت نور ضحكة خفيفة عندما ابصرت الاسم بطرف عينيها لا تصدق عقل ابنة عمها المجنونة، هل هكذا تكتب اسم خطيبها في الهاتف؟ وهل ذلك المسكين يعلم؟! حسنًا أخبرته هى وحسن أنه سيشرب الويل معها وهو من أصر إذًا فليتحمل برود واستفزاز براءة الذي لم يرى منه شيئًا بعد
نقلت براءة بصرها ناحية نور بعد أن اغلقت الهاتف في وجه يوسف فهى ليست متفرغة الآن :
-ايه اللي يضحك؟!
-طب ليه السكينة طيب
ورفعت الأخرى منكبيها ثم أجابت بنبرة غير مبالية :
-عادي ما انا مش بحب القلوب ولا كلام المراهقين دي
-قوم تحطيله سكينة!؟
رن الهاتف مرة أخرى فقالت نور وهى تكمل لصق الشاش الطبي لنفسها أمام المرآة :
-ردي يا اختك ضحكتوني في عز همي
وأجابت الأخرى وهى تبتعد قليلًا ليقول يوسف على الناحية الأخرى متسائلًا :
-انتي كنسلتي ليه؟؟
-كنت بغير على جرح نور
-طب اديها التليفون حمزة عايز يكلمها ومش عارف علشان تليفونها مقفول
-لا والله وبقينا انا وانت مرسال بقى؟! قول لولد عمك يتهد شوية علشان عمي علي اخد باله ومعداش الموضوع على خير
نطقت بها ساخرة وهى تنظر ناحية نور التي انتبهت لما يقال عندما ذكرت اسم والدها، عقدت حاجبيها بتعجب عندما مدت الأخرى لها الهاتف بمعنى تحدثي، وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى استمعت إلى صوت حمزة الجاد وهو يقول :
-نورهان باباكِ قالك حاجة إمبارح بعد ما مشيتوا من عندنا؟!
انغلقا جفون الأخرى بإرهاق تتذكر حديث والدها لها عن حمزة وعن إن كان يتحدث إليها في الفترة التي كانت تجلس بها في بنايتهم :
-سألني عنك وعن إن كنت بتتكلم معايا قبل كده وعن تعاملك عمومًا
-وقولتيله ايه؟!
-هقوله ايه يعني هو انا كنت بتكلم معاك أصلًا
همهم حمزة مفكرًا في أمر جنوني قليلًا ثم قال :
-تمام أدي التليفون لبراءة علشان يوسف عايز يكلمها وبلاش تبكي يا نور عينيكي هتبدل وتتنفخ وانا عايزهم حلوين زي عادتهم
قلبت الأخرى عينيها مبتسمة بشكل غير إرادي فمن تستطيع أن تقاوم مثل هذا الحديث المعسول دون الابتسام، تجاهد حقًا حتى لا يغويها الشيطان أكثر لكن الآخر لا يتوقف عن جنونه هذا :
-سلام يا حمزة وكفايا ذنوب كفايا بقى
أعطت الهاتف لبراءة دون الإستماع لإجابته ثم ارتدت خمار الصلاة فوق منامتها حتى تقابل هاجر تلك الفتاة الطيبة اللطيفة والتي سقيت من مُر الحياة كؤوسًا، تشفق عليها حقًا ربما أكثر من شفقتها على نفسها
ابتسمت بهدوء عندما وقفت هاجر حتى تصافحها ولكن نور عانقتها بذراع واحد نظرًا لأن الآخر مكسور، شاكرة إياها بإمتنان حقيقي :
-شكرًا يا هاجر على وقوفك جنبي بجد سواءً دلوقتي أو قبل كده لما سخنت واخدتيني المستشفى
ربتت هاجر على ظهرها بخفة ثم أردفت بنبرة صادقة :
-انتي تستاهلي الخير يا نور بس الدنيا مش بتضحك لكل الناس وانا أكتر واحدة حاسة بيكي وبالظلم اللي عشتيه
ابتعدت عنها قليلًا ثم استرسلت بمزاح :
-يا ستي احمدي ربك إنك كنتي في قسم عادي انا كنت في أمن الدولة انتي فاهمة يعني ايه أمن دولة؟!
ضحكت الأخرى بشئ من السخرية، فذلك القسم الذي تتحدث عنه قضت به دقائق من العذاب حتى تمنت وهى تتلوي بين أيديهن أن يقبض الخالق روحها عسى كانت ترتاح من ذلك الألم الذي كان يجتاح كل خلية بها
فهمت هاجر هذه النظرات لتجلس على الاريكة متذكرة ما مرت به والذي لم تفصح من قبل عنه لها :
-صدقيني يا نور الظلم اللي انتي شوفتيه ميجيش حاجة من اللي انا شوفته هناك، مش بيقولك اللي يسمع بلاوي الناس تهون عليه بلوته
-طب احكي ادينا فاضيين
-مش عايزة انكد عليكي يا حبيبتي بلاش احكي
أصرت نور على أن تسمعها ليس لروي فضولها أو ما شابه فهى ليست بفضولية، وإنما لا تريد أن تجلس لبقية اليوم تفكر فيما سيحدث غدًا يوم المحاكمة :
-لا قولي اهو زي ما قولتي يمكن لما اسمع بلوتك تهون عليا بلوتي
لاحت على شفتي هاجر ابتسامة حزينة ظهرت في عينيها قبل شفتيها، تتذكر كم الظلم الذي عانته في تلك السويعات في اشنع مكان قد يطأه إنسان، فما بالك وتلك المقبرة البشرية التي يطلقون عليها الناس "الداخل بها مفقود" وهو مفقود بالفعل
كم من أناسٍ اختفت في ذلك المكان ولم تظهر إلا بعد سنوات طويلة، ومنهم من لم يعد إلا ميتًا، ومنهم من لم يعد من الأساس، ذلك المعتقل والذين يعملون به عديمي الرحمة
ومنهم ذلك الضابط الذي قبض عليها وقد اذاقها الويل بالضغط النفسي والعصبي حتى أنه قد ضربها وكل هذا وهى معصوبة العينين، لم يرأف بحالها وبخوفها وكونها امرأة قليلة الحيلة لا سند لها، حتى أنه لم يرأف بمرضها ونوبات الصرع التي اتتها مرتين متتاليتين في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة
لا تعلم كيف عاد لها ذلك المرض اللعين وهى قد شفيت منه منذ سنوات مع أمراض الهلاوس والتهيؤات، ولكنه عاد مرة أخرى وقد كانت تظن أنه بسبب حالة الرعب التي عاشتها ولكن اتضح لها لاحقًا أنه عاد إليها بسبب آخر وهو نفسه السبب الذي جعلها مريضة صرع في أول مرة
تتذكر عندما آفاقت من النوبة الثانية، جسدها بارد كقطعة ثلج، هناك آلام تطحن في رحمها من قوية التشنجات التي مرت بها، سالت الدموع من عينيها المعصوبتين بحسرة شديدة، تشعر أنها ستفقد جنينها فلن يتحمل نوبة أخرى
صدح صوته الحاد مرة أخرى وهو يسألها نفس السؤال للمرة التي لا تعلم عددها حتى بدأت تراودها أفكار مجنونة بأن تعترف بالفعل فهو لا يصدقها وعلى الأرجح لن يفعل :
-ها يا هاجر مش ناوية تبقى شطورة وتعترفي بقى
هزت رأسها بقلة حيلة مجيبة إياه بنفس الإجابة فلا تمتلك غيرها :
-والله ما عملت حرجة، حلفت لك بربنا أعمل إيه تاني
أخذت تبكي بقوة لربما يرأف بحالها ولكن الآخر لم يرف له جفن فأغلب من يعملون في هذا المجال بالتحديد يتركون مشاعرهم في المنزل قبل أن يأتوا إلى العمل، هذا إن امتلكوا أي مشاعر من الأساس
طرق على الطاولة الحديدة بقوة انتفضت لها الأخرى، مرهفة السمع لما يقول :
-يعني انتي لما تحلفي هصدقك مثلًا؟! ثم أصدق واحدة مجنونة ازاي ده انتي مريضة هلاوس وتهيؤات وصرع ما شاء الله يعني عندك بلاوي
لم تشعر من قبل بمثل هذا الذل والإهانة فهل يدعوها بالمجنونة بسبب مرض لم يكن بإرادتها، وحتى لم يكن ابتلاء من الله لحمدته حينها، بل كان ابتلاء سعاد التي كانت تضع لها أدوية في الطعام تجعلها ترى وتسمع هلاوس لا واقع لها
حتى أنها وضعت لها سم يدعى الدومويك حتى تقتلها به ولكن حياتها البائسة متمسكة بهذه الدنيا فلم تمت وإنما ابتليت ببلاء آخر ألا وهو مرض الصرع
ازدردت لعابها الجاف بصعوبة شديدة فلم تأكل ولم تشرب منذ أكثر من عشرين ساعة، كما أن هناك آلام تأفك برحمها :
-مش معنى إني كنت مريضة اني ابقى قتالة قتلة
-بس انتي حاولتي تقتلي فعلًا، حاولتي تنتحري ست مرات ومش عارف بصراحة انتي ازاي لسه حية لحد دلوقتي؟! وحاولتي تقتلي عيلة الدخيلي أثناء نوبة من نوبات جنونك حطيتي ليهم منوم كلهم وربطتيهم في كراسي واستنيتي لما فاقوا وفتحتي أنابيب غاز حتى كنتي ناوي تموتي معاهم لولا اني زوج واحد من بنات عيلة الدخيلي أنقذ الموقف
احتدت نظراته بشدة يرى خوفها الواضح مما قال :
-بصراحة كنت إمبارح ناوي أصدق إنك مش السفاح بس بعد ما وصلتني التحريات دي من ساعة بدأت أشك أكتر إنك السفاح يا مدام هاجر
لا تعلم حقًا كيف علم بهذا الأمر فقد تكتم حاتم عليه وهدد الجميع بألا يفصحوا عنه حتى الخدم، بهت وجهها وهى تشعر بسائل يسيل من بين قدميها، شعرت بتيبس في جميع عضلات جسدها وعقلها دق بناقوس الخطر فها هى تفقد جنينها، وللمرة الثالثة تُحرم منه حتى قبل أن تراه
اهتز جسدها بعنف فوق المقعد تحاول تحرير نفسها ورأسها يهتز يمينًا ويسارًا ولسانها يردد كلمة "لا" مرارًا بخفوت وكأنها لا تصدق أنها ستخسره
قطب صالح جبينه وقد شعر أنها ستتعرض لنوبة صرع أخرى ولكنها بعد لحظات أطلقت صرخة قوية وكأنها روحها ترحل من جسدها، فزع منها بشدة وكاد يتحرك نحوها وقد استوقفه هجوم سفيان عليه هذا بعد أن فتح الباب بعنفوان شديد
أما هاجر استمعت لأصوات كثيرة ولكنها لم تغطي على ذلك الألم الساحق برحمها، وينافسه ألم أشد في عقلها لخسارتها لجنينها، ربي لما لا تكتمل لها فرحة؟! لما تعاني كل هذا العذاب؟ ما الجُرم الذي اقترفته لتكفر عنه بهذه الطريقة
انتفضت في مكانها عندما شعرت بيدين خشنتين تلامس يداها فصرخت بقوة وعقلها لا يترجم أي شئ وكأنه أُغلق تمامًا :
-لأ لأ معملتش حاجة والله ما قتلت حد، كفاية بقى كفايــــة
ومرت ثانيتين ثم ازيل الشريط من فوق عينيها ليقابلها الضوء الشديد والذي أذى عينيها بعدما اعتادا على الظلام ولم ترى من أمامها أو ماذا قال، فقط شعرت به وهو يفك وثاق يديها ورفع جسدها من على المقعد ولكن تلك الحركة البسيطة جعلت الألم يزيد أكثر فسقطت على ركبتيها مطلقة صرخات متألمة وهذه المرة شعرت أن هناك سكاكين حادة تخترق احشائها
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تقود السيارة بسرعة والحماس يدق أوصالها وقد أفادها أن الأمطار قد توقفت، رن هاتف يونس في يدها والذي أخذته معها بعدما علمت أخيرًا هوية السفاح الحقيقية، كان المتصل يوسف ولكن توقعت ان يكون يونس لذا لم ترد، فإن اجابت ستستمع للكثير من السباب منه لأنها أخذت هاتفه وسيارته بل وانطلقت كالقذيفة نحو منزل السفاح
ارتفع الرنين كثيرًا لذا اجابت مضطرة وللعجب كان يوسف والذي صاح بها غاضبًا أن تعود، ربما أول مرة يتحدث بذلك الغضب والصوت المرتفع :
-انتي فين يا رقية ارجعي حالًا
-لا بالله عليك يا يوسف انا مش هرجع غير لما اتكلم معاه، حتى مش هبين أني عارفة انه هو السـ
-مطلعش هو السفاح يا هبلة
توقفت رقية بالسيارة بشكل مفاجئ ولوهلة توقعت انه يقول هذا حتى تعود ولا تعرض نفسها للخطر :
-انت بتهزر صح!؟
-مش بهزر بعد ما مشيتي قالت اسمه ومطلعش اللي اسمه عادل
-احلف!؟ قالت اسمه؟ طب هو مين؟؟
نطقت بها بحماس متجدد بعدما حطم الآخر آمالها، وقد حطمها مرة أخرى عندما قال :
-مش هقول غير لما ترجع وربع ساعة وألاقيكي قدامي
أغلق في وجهها وبدا حقًا غاضب بشدة على غير العادة، شغلت السيارة وهمت أن تديرها وقد صدح صوت هاتف مرة أخرى وهذه المرة كان الصوت من المقعد الخلفي، اتسعت عينيها تبصر حقيبتها التي أخذها يونس منها بعدما مشاجرتهم بالأمس وقد كان الهاتف داخل الحقيبة
سحبت الحقيبة بسرعة وفتحتها لتجد عمر هو من يرن، ازدردت لعابها بتوتر وقد فكرت كثيرًا في عدم الإجابة فلا تزال تشعر بالذنب لأنها خبأت عن عائلتها
ولكنها اجابت بعد المكالمة الثالثة وقد استمعت إلى صوته الغير متزن وقد اختلط بأصوات رجولية كثيرة :
-انتي مش بتردي ليه يا ولية مش بتصل انا
ابعدت رقية الهاتف عن أذنها ونظرت له بتركيز حتى تتأكد أن هذا رقم عمر :
-عمر هو ده انت؟ بتتكلم كده ليه؟!
-اومال سِتُه انا عايز اشوفك
-مش هينفع
نطقت بها بهدوء شديد فلا تريد أن تراه الآن، ليس بعد أن مر فقط يوم على مشاجرتها مع اخويها، وإن اكتشفوا أنها عادت تقابله مرة أخرى فلن يمر الأمر مرور الكرام أبدًا وسيكون لهم الحق في أي شئ يفعلانه حينها
عقدت حاجبيها بقلق وهى تستمع لصوته وقد بدا ثملًا أو ربما منتشيًا وفي كلتا الحالتين عمر لا يفعل هذا :
-لا لازم تيجي ضروري انا اكتشفت حاجة جديدة عن السفاح
لم تهتم بما قاله قدر اهتمامها بنبرته هذه، إذ انطلقت بالسيارة نحو باقوس هاتفة بجدية :
-انا جاية متقفلش خليك معايا على الخط
وبعد ما يقارب النصف ساعة هبطت من السيارة في حارته وفي يدها الهاتف ولا تزال تستمع إلى صوته، لم تستمع إلى اخويها بالابتعاد عنه وعدم الاقتراب منه مجددًا لكونه نسيها، حاولت والله ولم تستطع فالحب كالرصاص دلوفه إلى الجسد مؤلم لكن إخراجه أشد ألمًا ألف مرة
تحدثت في الهاتف وهي تنظر حولها لا تدري أين هو :
-عمر انت فين؟ قولي انت فين؟؟
ومرة أخري استمعت إلى صوته الثمل هذا مرددًا :
-انا فين؟ انا فوق السحاب علشان فيه هنا دخان كتير
-دخان!؟
هتفت بها متعجبة ليهديها تفكيرها إلى المقهى الشعبي الذي يجلس فيه كل يوم وعندما ذهبت هناك وبحثت عنه في الأوجه لم تجده فارتكنت إلى أحد الجدران تحاول أن تأخذ منه جملة واحدة مفيدة تعلم بها أين هو :
-يا عمر بلاش توجع قلبي قولي انت فين
أجابها الآخر بصوت ثمل ضاحك :
-انا في جهنم تقريبًا علشان قاعد جنبي ابو لهب ومن الناحية التانية اخوه ابو جهل
عقدت الأخرى حاجبيها تحاول ربط كلماته هذه، دخان ويجلس بجانب أناس مخيفون على الأرجح، صوت ضحكات عالية مختلطة بأصوات رجال خشنة :
-هو انت محجوز في القسم ولا في غرزة، اتمنى يبقى الاختيار الأول علشان هتصدم من التاني
وآتاها صوته متفاجئًا إذ قال :
-ايه ده هو انتي تعرفي يعني ايه غرزة صدمتيني بصراحة!؟
ضربت الأخرى جبينها تحاول البحث عنه لكنها لا تعلم أماكن مثل هذه، ولم تذهب إليها من قبل، ولا تعتقد أنها قد تجده فمثل هذه الأماكن تكون مختفية عن الأنظار :
-قاعد في غرزة وأبوك كان لواء وأخوك ظابط ده لو أبوك حي كان اتبرى منك
توقفت بصدمة وهبطت يدها بالهاتف، تبصره يجلس بين أناسٍ مخيفون بحق، أجل ليس يشرب مثلهم لكن كثرة الدخان الموجود جعلته منتشي بهذه النباتات المخدرة على الأرجح
لم تصيح أو تناديه بأسمه بل رفعت ذونت سترتها وغطت رأسها بها مختفية أسفلها ودلفت إلى الداخل حتى تسحبه من بينهم، بينما عمر كان يجلس بينهم مبتسمًا ابتسامة ناعسة وفي عقله كان يطير بين الغيوم وسط سربٍ من البط المهاجر
قبل أن يشعر أن هناك شئ يسحبه للأسفل يزعج طيرانه، نفخ بضجر وهو يبعد هذه اليد صائحًا :
-ايه الإزعاج ده ما تسيبونا نطير بسلام
ضربته الأخرى على رأسه وهي تكتم فمها بمنديل حتى لا تستنشق هذا الدخان فتصبح النتيجة الجلوس معه في هذا المكان يغنيان إحدى أغاني أم كلثوم طوال الليل :
-نطير ايه ده انت هتطير في داهية لو أخوك شافك كده، قوم معايا
حاولت سحبه لكنه كان ثقيل بل وسقطت بجانبه عندما امسك بذراعها وسحبها للأسفل فسقطت أرضًا بجانب المقعد وقبل أن تصرخ به قال عمر بهمس مشيرًا إلى أحد الموجودين في المكان :
-شايفة الراجل ده أبو دقن طويلة وقرعة بيضة
نظرت رقية إلى الرجل الذي يشير إليه مرددة :
-مين ده؟!
-ده يبقى السفاح
اتسعت عيني الأخرى بصدمة قائلة :
-طب احلف!؟ عرفت ازاي؟؟
-الراجل ده من أول القعدة بيقول انا قتلت ودبحت وسلخت فقولت بس أكيد ده السفاح
نظرت إليه الأخرى بحاجب مرفوع قائلة :
-انت عايز تقنعني اني السفاح اللي مدوخ الشرطة والرأي العام ومحدش عارف يمسك عليه خيط واحد يبقى الراجل الحشاش المعفن اللي هناك ده!؟
-اسمعي مني هو بعينه ده من وقت ما قعد وهو بيقول انا وانا وانا، وانا قاعد قباله سامع من الصبح اومال ايه اللي مقعدني في المكان المعفن ده
تنهدت رقية مجارية إياه إذ قالت :
-ماشي فرضًا انه هو هنعرف نتكلم معاه ازاي أكيد مش هنيجي قدام الناس دي كلها ونقوله في وشه كده انت السفاح؟
-لأ سيبيها عليا دي
استقام عمر من فوق المقعد الخشبي المتهالك هذا ليأخذ نفس عميق مخرجًا إياه مرة واحدة في صرخته التي جعلت الجميع ينتفض في مكانه :
-كله يثبت في مكانه، المكان كله محــاصــــر
وقف الجميع مخرجين أسلحتهم البيضاء كالمطوة وغيره فشقهت رقية مختبئة خلف ظهر عمر، بينما الآخر نظر إلى كل هذه الأسلحة الحادة قائلًا :
-انا قولت المكان كله محاصر ايه طقم سكاكين الأضحى اللي طلع ده؟؟
حاول عمر كتم ضحكاته عندما شعر بيديها تتشبث في ظهره كقط مذعور فقال وهو يرفع يده دون أن تراه، يشير إليهم بأن يخفضوا أسلحتهم، ولم يستطيع أن يكتم ضحكاته أكثر عندما صاحت في محاولة واهية منها للخروج من هنا :
-يا جدعان إحنا لا بوليس ولا نيلة سيبونا نطلع من هنا
تعالت ضحكات عمر في الأجواء فهو يلعب عليها حتى يرى مكنون حبها له، يريد أن يرى إن كانت متمسكة به حتى بعد أن فقدها من ذكرياته، يلعب بنفس اسلوبها فلن يمرر كذبتها عليه هى وسفيان ومعاملته كدمية
وهو يحب رد الصاع بالمزاح لا بالانتقام لهذا أسلوبه كوميدي في نشر فضائح القوم
أما رقية لم تشك لوهلة به فظنت ضحكاته هذه بسبب انتشائه، حتى لم يأتي ببالها أن الدخان المحيط بها يخلو من أي مواد مخدرة فقد كان دخانًا عاديًا :
-هو انت بتضحك يا أهبل هيصفونا دلوقتي
استدار عمر لها وعلى شفتيه ابتسامة لعوب إذ قال :
-خايفة عليا يا روكا!؟
-أومال خايفة عليهم هما يا عم يلا نمشي
سحبته بعنف حتى يخرجوا من هنا وللعجب لم يقف في طريقهم أحد بينما كان عمر يسير خلفها يضحك بقوة متوقعًا فشل لعبته بسبب ضحكاته هذه وقد أصاب رقية الحنق الشديد من ضحكه المستمر فأستدارت له صارخة في منتصف الطريق :
-انت لسه بتضحك؟! انت ايه اللي وداك هناك من أصله، داخل غرزة يا عمر؟!
استند الآخر على الجدار محدقًا في عينيها السوداء الغاضبة بأخرى بنية حائرة، لا يستمع لهتافها بل يتذكر الصور والفيديوهات التي رآها تجمعهما سويًا، يتذكر كيف كانت نظراته لها كعاشق بينما هو في هذه اللحظة لا يشعر بشئ نحوها، يراوده سؤال شديد في هذه اللحظة
هل ينسى القلب محبوبه؟!
صاحت رقية بغضب عندما لم تتلقى منه إجابة فهى أتت له رغم تحذير اخويها، أتت له لأن قلب النساء أحمق والمشاعر تتلاعب به بسهولة، أتت وأخرجته من ذلك المكان البغيض وهو ينظر إليها صامتًا دون إلقاء كلمة
بدأت هذه العلاقة تستنفذ قواها، لقد تعبت من المحاولة بمفردها وخوض حربٍ لا فائدة منها، يبدو أن شقيقيها كانا على حق لم تعد تتحمل أن تبقى داخل عقله ذكرى مفقودة وهى تتلظى في النيران بمفردها :
-انا ماشية
همت بالاستدارة لتتوقف بشكل مفاجئ عندما قاطع طريقها شابين لا تبدو نيتهما حسنة، وها هى أحد صفات المناطق العشوائية _الشباب سيؤ السمعة _
تحدث أحدهما وهو ينظر بطرق عينيه لعمر الذي اعتدل في وقفته، ثم عاد بنظره إليها قائلًا :
-وماشية ليه بس لو منفعش معاكي نسد إحنا
دق الخوف أوصال رقية وارتابت منهما، وقبل أن تتحرك من مكانها وجدت قبضة قوية تقبض على ذراعها ثم سحبتها للخلف وقد كان هذا عمر والذي سحبها من أمامهما مخفيًا جسدها خلفه ثم قال وقد احتلت الحدة قسمات وجهه :
-ايه بقى مش وراكم حاجة فجايين ترخموا؟!
استند أحد الشابين بذراعه على كتف صديقه ثم قال :
-آه بصراحة فاضيين
تحدثت رقية من خلف ظهر عمر هامسة له وقد شعرت بالخوف عليه من أن يعاد نفس الأمر ويصاب عمر مرة أخرى، ألم تقل أن قلب النساء أحمق فها خائفة عليه بعدما كانت تنتوي الذهاب وعدم العودة مرة أخرى :
-عمر يلا نمشي من هنا، متردش عليهم يلا نمشي
-لا والنبي يا عمر استنى نرغي شوية
نطق بها أحدهما وهو يقلد صوت رقية فقال عمر بفظاظة تعلمها من الجلوس لأشهر في باقوس وقد، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة لم تصل لعينيه :
-لا ما الرغي ده للستات وانا لما جيت الدنيا دي الدكتور قال لأمي مبروك جبتي ولد
امسك بعضد رقية وسحبها خلفه تزامنًا مع قوله :
-شوفلكم شوية حريم بقى ارغوا معاهم
-طب ما انتوا حريم يا اسطا اصل انا مش شايف هنا غير اتنين نسوان واتنين رجالة
شهقت رقية بصدمة لهذا القول، رامقة عمر بقلق فلن يصمت الآخر وهى لا تريده الاشتباك معهما، أما عمر لم تتغير البسمة الباردة من على وجهه ولو مقدار شعرة بل قال بهدوء وفضل عدم التشابك لوجود رقية فلا يريد أن يصلها أذى :
-لا غلطان يا اسطا اللي واقفين تلات نسوان وراجل واحد
وهذه المرة سحب رقية بعنف حتى يذهبوا وشعر بندم أنه أتى بها إلى هذه البقعة القذرة، بالله فيما كان يفكر حينها فها هي اللعبة تأخذ منحنى آخر
كانت رقية تنظر من حين لآخر خلفها خوفًا من أن يباغتوهما بضربة فلا تآمن ابدًا لبلطجي، توقف عمر بالقرب من البناية التي تقطن بها جدته وقد كانت هناك سيارة فارهة تقف أمامها، حدق برقية متسائلًا ان كانت هذه سيارتها :
-دي عربيتك!؟
-ايوه دي عربية أخويا
ترك يدها ثم قال بنبرة آمرة :
-طب اركبي ومتجيش المنطقة دي تاني لوحدك
-لحظة ازاي ده
رفع الآخر حاجبه من سؤالها الغريب هذا ولوهلة لم يفهم معناه لتقول الأخرى متعجبة حديثه العادي الآن بعدما كان يهزي منذ دقائق :
-ازاي بتتكلم طبيعي كده وكنت من شوية مسطول من دخان الحشيش؟!
-مسطول!! والله ما حد هنا مسطول غيرك ويلا اركبي عربيتك وامشي
فتح لها الباب حتى تدلف بينما الأخرى رفضت قبل أن تفهم إذ وقفت في المقابل له يفصل بينهما باب السيارة، تحدق في عينيه بغضب :
-انت كنت بتعمل ايه هناك أصلًا
-وانتي مالك دخلك ايه هو انتي مراتي
وها هو عمر الفظ يظهر مرة أخرى، كان يتعجب حقًا من لباقته وطريقته الهادئة في الحديث قبل ذلك الحادث ليتضح له لاحقًا أن نصف حديثه الوقح والفظ تعلمه من معاشرة الناس في باقوس، والنصف الآخر من سفيان بالطبع
اتسعت أعين الأخرى من رده هذا لتقول بغيظ شديد وهى تدفع الباب الذي ارتطم في قدميه بعنف ثم صاحت هى :
-طب غور بقى غور وانت رافعلي ضغطي طول الوقت، اقسم بالله خسارة إني موجودة في حياتك انا اروح اتجوز الدكتور اللي متقدملي ده اكرملي
ختمت حديثها متمتمة بينها وبين نفسها ولكن سمعها عمر وهناك شعور من الغيرة تدفق إلى عروقه، ربما لا يتذكر مشاعره نحوها ولكن كونها كانت خطيبته وأنه كان يحبها أعطاه شعور بالغيرة عليها من أن يتقدم لها رجل آخر، شعر في هذه اللحظة بأنها له وليست لأحد غيره
تحدث بسرعة قبل أن تدلف إلى السيارة قائلًا :
-عايزة تعرفي ليه كنت في المكان ده واتصلت عليكي علشان تيجي
نظرت له رقية بتركيز فأكمل الآخر وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة عابثة :
-علشان وحشتيني وكنت عايز أشوفك
ظن أنها ستسخر ربما أو تلتفت بلا مبالاة فعلم عنها في هذه الأسابيع أنها شخصية جريئة بسبب فضولها الشديد، وكان رد فعلها مناقض لما توقعه إذ استحت بشدة، فاركة كفيها ببعضهما، وهناك ابتسامة خجولة تسللت لثغرها الصغير
وقد حطم هذه البسمة حين قال مندهشًا :
-انتي مكسوفة بجد!؟ ده شئ غير متوقع
-وليه غير متوقع ان شاء الله!؟ مش بنت ولا مشبهش باقي البنات؟؟
نطقت بها بتذمر لاوية ثغرها بطريقة لطيفة وقد شعت ذكرى لهذا المشهد أمامه في إحدى الصور التي رآها، يبدو أنها لم تتغير مع مرور السنوات :
-لا انتي أحلى من كل البنات
أعادت رقية إحدى خصلات شعرها شديدة السواد خلف أذنها، وعاد الخجل واكتسح وجنتيها وقد أُعجب عمر بهذا الخجل كثيرًا ليقول بنبرة ضاحكة :
-عجبني كسوفك هبقى اكسفك كتير بقى
نبض قلب رقية لهذه الجملة والتي سمعتها منه قبلًا في حفل الخطوبة حين كانت خجلة منه في البداية، تسأل نفسها سؤالًا هل لا يزال هناك فرصة لعلاقتها مع عمر فيبدو أنه بدأ يتقبل وجودها في حياته حتى دون أن يتذكرها
لاح الحزن على عينيها عندما شعرت انها تخون ثقة يونس ويوسف حتى قبل أن تعود مرة أخرى، وقابلت عمر دون أن يعلموا مرة أخرى، امسكت مقبض الباب ثم دلفت إلى السيارة تزامنًا مع قولها :
-انا لازم امشي سلام
تعجب عمر للحزن الذي تمكن منها بشكل مفاجئ، ورغم تعجبه إلىٰ أنه قال عندما وجدها سترحل :
-هشوفك تاني!؟
ابتسمت له رقية بسمة سعيدة لأنه سأل هذا السؤال وهذا يعني أنها اخذت حيز من تفكيره، وقد ردت عليه بإجابة غير مباشرة، تزامنًا مع تشغيلها للسيارة :
-سمعت مقولة قبل كده كانت بتقول "رُب صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد" دايمًا النصيب بيبقى أقوى من أي حاجة، لو في بلدين واحدة في الشرق والتانية في الغرب ومقدر لينا اننا نتقابل هنتقابل
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صمت يخيم على المكان لا يقطعه سوى اصطدام حذاء سفيان بالأرضية السيراميكية للمشفى، زفر للمرة التي لا يعلم عددها محدقًا في السقف الأبيض وهناك شعور سيئ يتملك منه، إنه شعور الذنب بالطبع فهو السبب في حالة هاجر الآن لو لم يكن نسي قطع الورقة التي بها اسمها لما كان ظنها صالح من ضمن المشتبه بهم
اعتدل في جلسته فأصبح يستند بذراعيه على فخذيه وقد زادت طرقات حذائه على الأرض دليلًا على توتره فقد تأخرت داخل غرفة العمليات ولم يخرج أحد حتى يطمئنه إن كانت لا تزال على قيد الحياة
وظل ينتظر لربع ساعة أخرى إلىٰ أن خرجت الطبيبة فاستقام سفيان من مكانه منتظرًا ما ستقول :
-ها يا دكتورة هى كويسة دلوقتي؟!
-بصراحة لأ كون اني جالها نوبتين صرع وراء بعض ممكن حالتها تسوء أكتر ويحصلها مضاعفات وكما هى فقدت الجنين من شدة التشنجات اللي جاتلها والمفروض كانت تاخد بالها وبلاش حمل طالما هى بتعاني من صرع على الأقل لحد ما تخف
رمش سفيان بأهدابه بعدم استيعاب لكلمة حمل هذه ولكن سرعان ما تدراك الأمر فبالطبع كانت تحمل من زوجها قبل موته، تصلبت قسمات وجهه ثم قال بجدية شديدة عاقدًا كفيه خلف ظهره :
-طلعي تقرير بحالتها حالًا يا دكتورة وتهتموا بيها كويس وتدوني خبر لما تفوق
نظر إلى أمين خلفه ثم أكمل بنفس نبرته :
-تجيب التقرير وتجيلي حالًا انا هحول الرائد صالح للتحقيق ووالله لأوديه في داهية
تحرك من أمامهما وزاد شعور الذنب في صدره ولن يفرغ هذا إلا في صالح، أخرج هاتفه بعد أن قام بشحنه وقد وجد مكالمات فائتة من يونس، صعد إلى سيارته وقد أعاد الإتصال عليه ليأتيه صوت الآخر مختلطًا بصافرات الشرطة :
-انت فين يا بني آدم انت
-الشاهدة اعترفت؟!
نطق بها بصوت جامد وهو يدير سيارته فقال الآخر بقوة ما جعل سفيان تتسع عينيه وقد أوقف السيارة بسرعة قبل أن تنقلب :
-كاظم الدخيلي هو السفاح يا سفيان وانا اخدت قوة ورايح أقبض عليه
دارت حدقتي سفيان في المكان من حوله قبل أن يشغل السيارة مرة أخرى منطلقًا بها بسرعة شديدة :
-وانا هكون هناك حالًا اوعى الواد يفلت منك يا يونس
أغلق معه بسرعة متذكرًا المعلومات التي جمعها عن عادل والذي اتضح حين هموا بالقبض عليه أنه خارج البلد منذ ثلاث أيام أي انه وقت قتل فريال لم يكن موجود، كاظم يكون شقيقه وهو يشبهه كثيرًا في الشكل لكن لا يظهر بل عادل هو المتولي الرسمي لجميع ممتلكات العائلة
وفريال كانت خطيبة كاظم هو وهذا ما وصل إليه منذ ساعات، لقد كان المتهم الأول هو عادل ولم يأتي على باله أبدًا أن يكون كاظم والذي استغل المنطقة التي تمتلكها عائلته للتخفي بها، ولم يظهر حين مراقبه للمنطقة ولا مرة إلا حين قُتلت مروة وكان حينها في القسم، ثم ظهر بعدها عادل بمحل الصدفة
يالا سخرية القدر
أما على الناحية الأخرى وحين أغلق يونس الهاتف هبط من سيارة الشرطة وفي يده سلاحه المعمر وخلفه قوة خاصة طلبها للدعم فهو لا يتعامل مع مجرم عادي سيتم إلقاء القبض عليه، وإنما هو سفاح قتل العشرات ولم يستطع أي أحد إمساك دليل واحد عليه وها قد سقط وأخيرًا
دلف في المقدمة وخلفه عدد من العساكر والذين اهتم بعضهم بالأمن حتى يلجوا إلى هذه الفيلا الفخمة، اقتحم يونس المنزل موزعًا العساكر حتى لا يجد كاظم منفذ ويهرب
جفلت لمار ابنة حاتم من هذا الاقتحام لتقف من فوق الاريكة منادية بصوت مرتفع على والدتها والتي تقدمت من يونس هاتفة بغضب :
-انت مين انت ازاي تقتحم فيلا حاتم الدخيلي بالطريقة دي معاك إذن نيابة علـ
أبعد يونس هذه المرأة الثرثارة من أمامه آمرًا العساكر الذين دلفوا بصوت قوي :
-فتشوا الفيلا دي حتة حتة تجيبولي كاظم الدخيلي ولو مستخبي تحت الأرض
تحدثت لمار بتوتر لا تدري لما يريدون شقيقها :
-بس كاظم مش هنا
استدار لها يونس رامقًا إياها بطريقة مخيفة ثم هدر بها بقوة افزعتها :
-أومال راح فــيـن!؟
واجابته الأخرى بخوف وهى تتراجع خلف والدتها :
-سافر مطروح عندنا شاليه هناك، لسه طالع من ساعة ونص كده
سحب يونس هاتفه بسرعة متصلًا على سفيان بينما خرج خارج الفيلا بعدما ترك العساكر بالداخل :
-سفيان الواد سافر مطروح من ساعة ونص يعني إحتمال يكون لسه في إسكندرية، ابعت قوة دعم من عندك تقفل مداخل ومخارج إسكندرية والساحل في مطروح لازم الواد ده يجي يا سفيان
أغلق معه دون إضافة كلمة ثم سحب اللاسلكي من سيارة الشرطة والمتصل مباشرةً بالقسم والأقسام الأخرى ثم تحدث به بنبرة قوية قائلًا :
-عمليات عمليات كاظم حاتم محمد الدخيلي هو السفاح الهارب اسمه يتوزع على كل نقط التفتيش والدائري في كل الطرق، أكرر كاظم حاتم محمد الدخيلي السفاح الطليق لازم يتقبض عليه، لازم يجي حي أو ميت كل العربيات تتفتش أهمهم الملاكي المسافرة ولو حاول المقاومة أو الهرب يضرب بالنار
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close