اخر الروايات

رواية عملتان لوجه واحد الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم آية الطري

رواية عملتان لوجه واحد الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم آية الطري



٢٩- لقاء مُنتظر

                                        

                                              
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"

+


صلى الله عليه وسلم وبارك على أشرف الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين.

+


---------------☆☆☆☆☆

+


أضاء الجهاز بالأحمر القاطع، زم سيف زم شفتيه يتحكم في أعصابه حتى لا يفقد تركيزه بالتأكيد هناك حل! حول عينيه المتأهبة للمار كأنه يقول " خَدَعَنا للمرة الثانية " لكن لم يرى منها سوى ابتسامة واثقة فاجأته...

+


ضيق عينيه وهي تُخرج من جيبها أنبوب صغير فيه إبهام بشري مبتور وقالت بنظرات ماكرة:
_ "ما تستعجلش... أنا شكيت من الأول إن الماسح هيكون حساس للـPAD، عشان كده جبتلك مفاجأة "

1


فتح سيف عينه بدهشة ممزوجة بانفعال الموقف، وهو يُطالع الإصبع وقال ساخرًا:
_" كان قصدك عملية جراحية بسيطة!! " 

+


تابعها تضع الإصبع بسرعة على الماسح وداخله شك يرجو ألا يتحقق، وللحظة حبست أنفاسهما قبل أن يزفر سيف بضيق بعدما عاد نفس الضوء الأحمر يسطع في تحذير بوجود خطأ ما...

+


صُدمت لمار وارتبكت نابسة:
_" إيه ده؟! ليه ما اشتغلش؟"

+


ابتسم سيف رغم عصبيته وهمس:
_" عشان APD ، القارئ محتاج إحساس نبض وحرارة جسم حي مش مجرد لحم بارد"

+


عضت شفتها بحنق ونظرت للوقت قائلة بجدية:
_" الوقت ماعدش في صالحنا الأفضل ننسحب بالمعلومات اللي مع مالك و... انت بتعمل ايه! " 

+


كان هو يفحص الحواف كأنه يبحث عن نقطة بداية، إلى أن ابتسم بانتصار حينما ضغط زر جانبي بالكاد يُرى لتصدر صوت "تكّة" خافتة وتحول نظام الحماية لآخر مع صوت سيف الذي قال بنبرة مليئة بالاستعجال:
_ "كنت واثق إن في طبقة أمان مخفية، لو اللي بالي صح يبقى حطي قطرة دم من الانبوبة بسرعة "

+


نفذت طلبه على الفور ونظرت له لحظة قبل أن تتسلط أنظارهما على القارئ الذي أعطى ضوءًا رسم الأمل على ملامحهما لتهتف لمار بفرحة:
_" علم وتقنية مع جرعة شك قادرين ينقذوا أي موقف "

+


رسم نصف ابتسامة وتحدث بحزم مع مالك:
_" وصلنا لقلب المنظمة غرفة السيرفر المركزي، اجهز، بالكتير سبع دقايق وهنخرجلك "

+


مع انفتاح الباب المعدني ظهرت غرفة معزولة بالكامل جدرانها من معدن لامع، أشبه بصندوق ضخم مُغلق على أسراره 

+


دخلا بحذر ليقابلا هواءً باردًا، جدران معدنية ملساء، إضاءة بيضاء قاسية من السقف، وفي المنتصف بالضبط جهاز واحد ضخم على قاعدة مرتفعة، محاط بزجاج واقٍ وموصل بكابلات سميكة...

+



                                      


                
وقفت مبهورة تُردد بخفوت:
_ "ده شكله مش مجرد سيرفر... ده أقرب لعقل إلكتروني متكامل "

+


لم يُضع سيف وقتًا، أخرج جهازه من حقيبة لمار وجمع كامل تركيزه وهو يمد يده ناحية لوحة التحكم متحدثًا بتوعد:
_"دقايق وهنسحب كل ملفاتهم ونعريهم قدام العالم... البصمة! " 

+


أخرجت الاصبع الذي نجح هذه المرة في فتح الجهاز وقالت بتفضل:
_" طلع ليه لازمة " 

+


ابتسم من نبرة غرورها لكن ظلت عينيه على الشاشة بينما هي تراقب معه انسياب معلومات كافية لانهاء ذلك الكابوس الاجرامي للأبد...

+


جهز مالك السيارة بالخارج وهو يحدث لمار قائلًا:
_" معانا ربع ساعة على تجديد دورية الحراسة "

+


ردت وهي تتمشى خلف سيف وتتبع النسخ:
_" دقيقتين وهنخرج ماكنتش متخيلة إن الأمور تمشي بالبساطة دي بس.... "   

+


توقفت الكلمات في حلقها حينما دوّى إنذار حاد، والأنوار غمقت للحظة قبل ما يتحول لونها للأحمر تبعها تصاعد غاز أبيض كثيف من فتحات السقف ، التفت لها سيف بملامح جامدة ينبس باستيعاب:
_" ده نظام أمان تلقائي الظاهر بيتفعل بعد مدة معينة من الوجود في الغرفة " 

+


شهقت لمار وهي تسعل:
_ " ده أول اكسيد الكربون ماينفعش نبقى هنا كتير "

+


بدأ يعجل من عملية النسخ كاتمًا أنفاسه قبل أن يزداد الوضع سوءًا عندما بدأ الباب المعدني يعطي انذار بالتحرك يغلق تدريجيًا ببطء ثقيل كأنه تابوت يحتجزهم...

+


انتفض سيف وفي لمح البصر كان يجذبها من ذراعها للخارج وهو يصيح بأمر قاطع:
__" اطلعي فورًا لمالك "

1


أبدت اعتراضها وهي تبعده عنها وتحاول فتح عينيها التي تأذت قليلًا من تأثير الغاز تهتفت بإصرار:
_" مش هخرج لواحدي ده قبر... احنا هنخرج سوا وحالًا، الغاز ده اسمه القاتل الصامت يعني كل دقيقة هنا بتسحب من أرواحنا " 

+


انتهت جملتها بصرخة وجسدها يندفع للخارج ليعبر من الباب وقبل أن تنهض كان ينغلق تمامًا لتكون نظرته العنيدة آخر ما رأت وجملته آخرة ما سمعت:
_" مش هخرج غير بالملفات ، يا ارجع بيهم يا مارجعش خالص" 

1


انغلق الباب بصرخة معدنية، صدى صوته ارتطم بجدران الغرفة الفولاذية...

+


الهواء في الداخل تحوّل لسكين يمزق رئتيه، كتم انفاسه يحافظ على آخر ذرات أكسيجين استنشقها من الخارج و عاد لعمله ومهمته واجبة التنفيذ و على الشاشة " تحميل البيانات 41%… 46%… "

+


بدأت بشرته في الاحمرار مع مرور الثواني، أصابعه ثقيلة لكن تضغط على الأزرار بتركيز جندي على خط النار.... " 68%… 79%…"

+


الوصع ينحدر، عينيه تقطر دموع لا تتوقف والعرق يتصبب بغزارة من كل جزء في جسده، كل نفس أصعب من سابقه.... " 92%… 96%… " 

+



        
          

                
لم يعد يقوى على الصمود، ركبتيه ارتطمت بالأرض، يده بدأت ترتجف وهو يمدها للوحة، رؤيته تشوشت تمامًا بالكاد استطاع تمييز زر أخضر: Send ( إرسال )

+


ضغطه بآخر قوة لديه، والشاشة أضاءت بإتمام إرسال الملفات من جهازه لجهاز مالك،
ابتسامة صغيرة تسللت لشفتيه رغم صدره الذي فرغ من الهواء وبدأ يتشبع بذلك الغاز القاتل كما تشبعت الغرفة من حوله لنقول بصريح العبارة الغاز يبتلع كل شيء.

+


وصلت لمار لمالك بالخارج بجسد ينتفض دون هوادة ما ان رآها حتى ركض يسأل برعب:
_" ليه الاتصال قطع وماحدش بيرد وفين سيف؟ "

+


لم تنبس ببنت شفة فقط هرولت للسيارة حيثُ الجهاز الذي وصله للتو الملفات وهبطت دموعها وهي تراه أتم وعده بالفعل، في حين استمر مالك يسأل عما حدث حتى صرخت بانهيار:
_" اتحبس في الغرفة كان فيه نظام أمان ومالحقش يخرج... صمم يكمل نقل الزفت " 

+


ارتخت أعصابه وارتد خطوة للخلف يسأل بتيه:
_" يعني ايه! "

+


مسحت وجهها تلتقط نفسًا محطمًا قبل أن تردف بخفوت:
_" يعني المهمة نجحت والتقارير معانا بس نقصنا واحد "  

3


هز رأسه بقوة وهو يردد بإصرار:
_" مستحيل، أنا داخله مش هسيبه " 

+


نزلت تركض خلفه تحاول أن توقفه لكن تولى عنها المهمة ذلك الانفجار الذي ضرب المبنى فجأة جعلا حركتهما تجمدت، تبعه آخر فآخر كأنها مجموعة من الألغام تنفجر بإيقاع موسيقي متتالى في تنظيم يهدف لسحق المكان بأكمله...

2


---------------

+


حركت أهدابها بسرعة في دلالة على ذهولها وهي تهمس لا اراديًا: 
_" يعني... يعني سيف اللي بيتكلموا عنه ده يبقى توأم عز؟!!.... دي احلوت أوي " 

+


اعترضت بتول على قرابة سيف بعز فقد كتبت قصتها كاملة لنور بعدما كسبت ثقتها في الأسبوع الذي قضته معها، لكن لم تتوقع أن الأخيرة ستصدمها بهذا الاستنتاج التي لا تعلم أنه حقيقي بالفعل...

1


استدارت نور تجلس أمامها على الأرض وصاحت بيقين وهي تتطلع على صورة سيف في شاشة هاتف بتول:
_" معترضة على ايه ده نسخة منه وكله كوم وخوف عز عليه كوم تاني، يعني عارف انه أخوه ومراقبه كمان " 

+


تجمدت معالم الأخرى تفكر في حديثها والصدمة جلية عليها لتسمع نور تستطرد:
_" واللهِ بيضالك في القفص يا ديب طلعلك بدل الواحد اتنين هيطلعوا عين اللي جابوك "

1


ثم خبطت على ساق الأخرى بحماس وسألت:
_" احكيلي... سيف ده طباعه عاملة ازاي بارد كدة من برا وقلبه حنين من جوة وبيهدد كتير على الفاضي والمليان ويحب السكوت زي عينيه ولا استايل تاني؟ "

+


لم يظهر على بتول سوى التعجب من تلك المخبولة التي تحدثها فلكزتها نور في كتفها تضيف:
_" ركزي معايا يا أختي ما أنا لازم اعلق واحدة فيهم مش هسيبلك الاتنين أنا... ما خلاص رميت طوبة عز شايفني أخته ومكمل معايا شفقة وبيحبك انتِ معرفش على ايه " 

2



        
          

                
تبعت جملتها بنظرة اشمئزاز مزيف في حين تلون وجه بتول من كلامها ولمعت عينيها بالدموع قائلة بخفوت:
_" بجد عز!! " 

+


اذبهلت نور للحظة تُطالعها كأنها كائن فضائي بعدما سمعت صوتها ثم بدا الاجرام يظهر على وجهها وهي تجذب مقدمة ملابس بتول وتصيح:
_" و ايه ده بقى إن شاء الله!!! انتِ بتشتغليني بقالك أسبوع يا بت وعاملالي خرسا وأنا اللي معرضة نفسي للخطر عشانك؟! " 

+


هزت رأسها بنفي ودموعها خطت فوق وجنتيها ولم تستطع نطق كلمات اضافية فصمتت بعجز مطأطاة رأسها لأسفل، ابتعدت عنها نور قليلًا وتنهدت لتتغير نبرتها وهي تتحسس كفها بدعم:
_" اهدي اهدي بهزر معاكِ .... أنا متفهمة حالتك، ولو بتسألي عن عز... آه مش بكذب عليكِ أنا أعرفه كويس جدًا وأصلًا عرفت انك هنا عن طريق الناس اللي شغالين معاه " 

+


_" هييجي؟؟ " نطقتها بتول بلهفة شديدة 

+


فابتسمت لها نور ابتسامة تحمل مزيج غامض من التعاطف والغيرة التي دثرتها داخلها وردت:
_" معرفش هو بيخطط لايه، اختفى مرة واحدة ومش قادرة أوصله، ربنا يستر لما يعرف إني اتعاملت من نفسي مع الدكتور بتاع عمك زفت وهددته عشان يدخلني الفيلا هنا بأي طريقة "

+


نظرت لها بتول بشيء من الاستغراب والتعجب من جرأتها... كيف فعلت ذلك ومن أين لها الشجاعة أو السلطة!! 

+


_" هو انتِ فاكرة شكل عز!؟ " بادرت نور بذلك السؤال بنبرة بها فضول مع احساس بالفقدان الوشيك 

+


أومأت لها بتول بهدوء وكتبت بأصابع مرتجفة:
_" ملامحه الحاجة الوحيدة اللي مقدرش أنساها "

+


هزت نور رأسها بتفهم وهي تتهرب بعينيها التي تفضح مشاعرها وعادت تسأل:
_" وانتِ حاسة انه ايه بالنسبة لك؟ " 

+


سكتت بتول للحظة ثم نطقت بتقطع:
_" كل حاجة " 

+


تحركت أصابع نور فوق الأرضية بتوتر ونظرت لها بإبتسامة مرتبكة تقول بغصة خفيفة:
_" وانتِ كمان عنده كل حاجة، وعمل المستحيل عشان يلاقيكِ "

1


ارجعت خصلة شعرها خلف أذنها وأضافت:
_" عارفة أنا مقدرش أفوت رد فعله لما يشوفك... هو.. هو عنده شخصيات كتير مختلفين شوية بس متفقين في القلب... بيحب بصدق.... وحنين أوي رغم القسوة اللي ممكن تشوفيها عليه من برا... بس انتِ واللي طلع أخوه ده عنده في مكان تاني... حتى مسميكم أجزاء قلبه " 

+


أنهت كلامها مع هبوط دموعها بصمت... دموع لم تراها بتول لأنها لم تختلف عنها حالًا وقلبها يرتجف لكل حرف تسمعه حتى باتت تتمنى أن يكون أمامها الآن...

+


حل السكون لدقائق تمر أمام قلبين حائرين أحدهما يشعر بخطر الفقدان والآخر يشتاق لحلاوة اللقاء...

+



        
          

                
انتفضت نور بسرعة ترتدي النظارات وتتلبس الشخصية وهي ترى الحارس يدخل بعربة طعام مع بعض الأدوية الموصوفة لبتول وعينيه على نور التي بادلته بنظرات عبثية ماكرة جعلته يغتر بذاته ثم حمحم وقال:
_" الباشا مستني اتصال أنها أكلت وأخدت ادويتها عشان يطمن " 

+


ردت بثقة وكأنها لم تكن تنهار صامتة منذ ثوانٍ:
_" ده شغلي وعمري ما اقصر فيه طمن الباشا انا متابعاها كويس" 

1


خرج الرجل بعدما رماها بنظرة وقحة وجلست هي تتفحص الطعام والأدوية قبل أن تنبس بنبرة جادة:
_" أنا زهقت الأيام بتعدي من غير جديد وممكن يشكوا فيا، لازم أهربك من هنا في أسرع وقت " 

+


وقفت بتول جوارها تسأل بأمل:
_" وعز؟ " 

+


فهمت مقصدها فقالت:
_" زي ما قولتلك مختفي و معرفش مكانه وممكن يكون في شغل برا البلد أصلا، مش لازم نستناه يتصرف مادام احنا نقدر نعمل كدة " 

3


ثم رفعت سبابتها في وجهها تقول بمزاح:
_" بس لما نخرج من هنا افتكري جميلي وظبطيني مع واحد فيهم يا هو يا نسخته " 

+


لم تشعر بتول بحالها وهي تعترض بقوة نابعة من قلبها:
_" سيف لا "

1


ثبتت عيني نور عليها تستوضح مقصدها مستنكرة:
_" ده ايه أصله ده ؟! " 

+


ازدردت الأخرى ريقها بارتباك وابتعدت تجلس بصمت دون رد فهي بالفعل لا تفهم ذاتها الآن....

3


-------------------

+


استفاق من الحالة المزرية التي أقحم نفسه بها، كل همه كان الهروب من أفكاره، اعتقد أنه بذلك يحمي قلبه من وجع الخيانة لكن لم يعِ كونه يسلك طريقًا لا يشبهه أبدًا..

+


فتح عينيه على اتساعهما مع أصابع تتحسس ظهره جعلته ينتفض كمن صُعق وقف يُطالعها في فراشه وقلبه ينبض بسرعة، رآها مبتسمة ابتسامة أشعرته بالغثيان فصرخ بصوته المذعور:
_ "انتِ مين وبتعملي إيه هنا؟!" 

+


ارتبكت الفتاة قليلاً لكنها قالت بجرأة:
_ " ايه ده مش فاكرني؟ احنا رجعنا امبارح سوا من البار، وجبتني على هنا "

+


سقط على نفسه ضربات الذنب كالسهام رأسه يتقلب بين الصدمة والاشمئزاز، يضرب وجهه بيديه بعد استيعاب يسألها بجنون عما حدث!!

+


وكل ما يتذكره ذهابه لذلك المكان المشبوه كعادته في الفترة الأخيرة يشرب حد الثمالة ثم يعود للشقة المشئومة يبقى بها حتى الصباح وبعدها يرجع للحي دون أن يشعر والده بضياعه الوشيك...

+


أكدت له شكوكه بالفعل، وقع في ذنب لم يتخيله حتى في أسوأ كوابيسه جسده انتفض وتشنج وصوته صرخ فيها باختناق:
_" اطلعي برا… ما تجيش هنا تاني! أنا ماعرفكيش!"

+


التقطت أشياءها بذعر وفرت بسرعة كأنها هاربة من وحشٍ ضارٍ، ارتدى ملابسه بعقل غائب وتحرك للصالون بلا هدف، يحاول الفرار من ذاته ومن كل ما فعله ليتفاجأ بصديقه الجديد والمدعو علي يقابله مبتسمًا ببراءة زائفة:
_" صباحية مباركة يا بوب… مش تقول إن ليك في السكة دي كنت ظبطك من بدري!"

+



        
          

                
انقض عليه بكر بغضب لا يصفه كلام، يجذبه من ملابسه وصوته محموم يصرخ فيه:
_"ليه ما منعتنيش يا علي؟! انت عارف إني مش بحس بنفسي لما بسكر.. أفوق ألاقي نفسي زاني!؟ "

5


ارتبك علي من غضبه وفلت من بين يديه يردد ببساطة:
_"ليه مكبر الموضوع كده؟ لو ماحبتهاش متكررهاش… مش حكاية هي"

+


ابتعد بكر يتحرك بلا توقف، كأنه يهرب من كل شيء بداخله، ويردد بصوت متقطع:
_"يا نهار اسود… استغفر الله… لا… مش كده… لا… لا…"

1


اقترب الآخر يُربت على كتفه بلا اكتراث:
_" يا كينج اللي حصل حصل ربنا يسامحك ما انت ماكنتش في وعيك برضو… امبارح شربت كتير عن كل ليلة شكلك كنت متضايق "

1


توقف بكر فجأة، يسأله بحدة:
_" انت جيت معايا امبارح؟"

+


رد بغمزة وقحة:
_" لا… أنت خدت المزة وطيرت… جيتلك الصبح لقيتها لسة عندك، ماحبيتش أزعجكم واستنيت برا "

+


وقف ساكنًا عقله يثقل بالأسئلة وقلبه يدق بلا انتظام وكل شيء حوله يبدو ضبابيًا، بدأت الأفكار تتصارع داخله حديث والدتها حينما جاءت إليه، رجائها له أن يتنازل عن القضية ويُخرج ابنتها من السجن، تعهدها بأن تدفع كل ما يريد، انكسارها أمامه الذي لا يأتي شيئًا أمام انكساره بعدما غدرت ابنتها بقلبه...

2


ضعف أمام توسلاتها ووافق على مساعدتها، ليُصدم بخبر جديد أعاده لنقطة الصفر، عرف بأمر حملها، كانت معه بينما تحمل جنين رجلٍ آخر بل والأدهى استعدادها أن تخدعه وتنسب الطفل إليه دون ذرة ضمير...

+


انقلبت أفكاره نحو ذاته وما وصل إليه هو، تذكر كل لحظة سولت له نفسه أن يغرق في طريق الضلال وسط السُكارى والاجساد العارية بحجة الهرب من ألم الغدر، فماذا سيفعل في ألم الذنب!!؟

+


----------------

+


جلسوا في قاعة فاخرة يعلوها بريق الثريات، طاولة طويلة تتناثر فوقها العقود والأوراق، الجو مشبع بالجدية مع بعض الابتسامات البسيطة.

+


تحدث أحد منظمين الحدث التي ستشارك به مسك بلكنة لبنانية واضحة:
_ " عنجد نحنا محظوظين بوجودكن… حضوركن رح يعطي قيمة للمسابقة "

+


ابتسم راجح وهو يخطف النظر لها ثم رد بأدب:
_ " متشكرين جدًا… إن شاء الله نكون عند حسن ظنكم "

+


قدم العقود إلى مسك لتوقعها لكن لم تنتبه حيث كانت عيناها مثبتة على المنسّقة التي تجلس على يسار راجح تغزوه بابتسامات مثيرة، شعرت وكأن الغرفة تضيق عليها ولم تنتبه سوى على دفئ يده التي تمسكت بيدها هامسًا:
_" وقت توقيع العقود "

+


أومأت سريعًا بإبتسامة مزيفة والتقطت القلم تُتمم مشاركتها في المسابقة تحت نظرات الفخر منه، انتهى عشاء العمل سريعًا ووقف المنسقين يودعونهم برقي حتى جاء الدور على نفس المرأة واستمرت توجه كلمات رقيقة لراجح أشعلت النار في صدر الأخرى من جديد.

+



        
          

                
التصقت به مسك وهمست بحدة تكاد لا تُسمع:
_ " أنا عايزة أمشي "

+


نظر لها بتعجب وعلى الفور توقع كونها تشعر بتعب مفاجئ ففرغ من تلك السلامات التي استفزتها بشدة واستدار يتحدث بحنان:
_" انتِ كويسة! " 

1


ارتفع صوتها المرتجف وسط القاعة:
_" معرفش، مشيني من هنا " 

+


ساد صمت ثقيل وتوقفت الأحاديث حولهم وقد التفتت الأنظار جميعها نحوها، انحنى راجح بسرعة وضع ذراعه خلف ظهرها كمن يحميها وقادها خارج القاعة بخطوات سريعة كأنه يريد إنقاذها من أعين الجميع.

+


ظلت صامتة تستند لنافذة السيارة وهو يوزع نظراته عليها وعلى الطريق أمامه حتى زفر بضيق و اوقف السيارة في جانب الطريق وجذبها لتنظر داخل عينيه:
_" ممكن تحكيلي حصل ايه غير مودك، كنتِ متحمسة جدًا واحنا رايحين "

+


ردت باختصار وهي تزيل دموعها:
_" ماتهتمش "

+


تأفف وبدأ يغضب وهو يسأل بصرامة:
_" بلاش الأسلوب ده انتِ عارفة انه بيستفزني، قولي مالك؟ "

+


نظرت له بطرف عينيها الدامعة ولم ترد فضرب عجلة القيادة بغضب يحجمه عنها وظل ينظر لها منتظرًا اجابة مما جعلها تبكي بوتيرة أشد وهي تهتف بتقطع:
_" ماتتعصبش عليا.... بتخوفني " 

3


_" يا صبر أيوب " قالها بزفرة قوية وهو يمسح على شعره بنفاذ صبر

+


تنفس بقوة واقترب يمسح وجنتيها بأصابعه، ثم شمل شعرها المبعثر داخل دبوس وهو يردد ببطء هادئ:
_" مش متعصب أهو... بصي هادي خالص وهبقى أهدا لو فهمت بتعيطي ليه دلوقتي! " 

+


استمر يشجعها على البوح بما قلب مزاجها هكذا حتى زمت شفتيها لحظة قبل أن ترتعش شفتيها وهي تهمس بضعف:
_" ليه كنت مبسوط وانت بتتكلم معاها وبتضحك " 

1


تشنجت ملامحه برهة قبل أن يسأل باستنكار:
_" هي مين دي؟ " 

+


ردت بغيرة ممزوجة بالخجل:
_" ماتستهبلش يا راجح " 

+


استوعب ما يحدث أخيرًا لترتسم ابتسامة بلهاء فوق ثغره وسأل بتوجث:
_" دي غيرة! "

+


أدارت وجهها بعيدًا عنه من شده الاحراج والغيظ، ارتفع حاجباه بدهشة ثم انفجر ضاحكًا وجذب وجهها نحوه يسأل بسعادة:
_" بجد؟ إنتِ… إنتِ كنتي غيرانة؟ "

+


ازداد احمرار وجهها، ضربت ذراعه بخجل وهتفت بغيظ :
_" آه… وما تحاولش تستخف بعملتك! أنا احترمت كلامك ورفضت أسلم على أي راجل بس حضرتك عملت ايه! طول القاعدة مبتسملها وبتستمع لكل كلامها باهتمام ولا كأنك في عشا رومانسي مع الهانم "

+


ضحك أكثر كأنه يستقصد استفزازها وحينما وجدها بدأت تبكي من جديد كتم ضحكته واقترب ليلمس خدها فضربت يده بقوة ثم ضحكت بتشفٍ عندما تألم وتمتمت:
_" تستاهل " 

+



        
          

                
_" أنا ابن كلب عشان بصالحك من غير ما عمل حاجة أصلًا، اتفلقي" قالها بغضب مزيف وأعاد تشغيل السيارة،

1


وصلا للفندق وصعدا للجناح دون حرف واحد، بداخلها تنتظر منه محاولة أخرى لاسترضائها لكنه تجاهلها تمامًا كما يبدو، نفخت بصوت مسموع وصاحت:
_" هستنى منك ايه ما انت متعود " 

+


جعد بين حاجبيه واقترب يسألها:
_" قصدك ايه؟ " 

+


ردت بقوة ممزوجة بالالم:
_" قصدي ان ده طبعك أصلًا، ولا نسيت فرحة واللي كان بينكم؟ " 

+


بردت ملامحه من اتهامها المقيت، أحقًا لا تزال تراه بنفس الصورة بعد كل ما مروا به سويًّا، شعر بالخزي منها فلم يكلف نفسه عناء الدفاع او افهامها الحقيقة بل أكد لها بجمود:
_" لا مانسيتش "

+


حدقت فيه بصدمة هي لم تقصد سوى اغاظته ولآخر لحظة كانت تُكذب ما وصلها عنه في ذلك اليوم خاصةً بعدما رأت حقيقة أخلاقه معها،

+


تركها واتجه للحمام الخارجي بعدما أمرها بسخرية:
_" ادخلي الأوضة واقفلي على نفسك كويس، تصبحي على خير يا هانم " 

+


تسمرت مكانها للحظة، ثم انهارت باكية وهي تدخل الغرفة، أغلقت الباب خلفها وانكمشت على السرير، قلبها يتخبط بين غيرتها ورفضها لتصديقه وظهرت داخلها لمحة الشك مرة أخرى،

+


ماذا لو كان والدها صادقًا في حديثه عنه هل حقًا يملك وجهًا آخر لا تراه، هل أخطأت حينما أعطته ثقتها الكاملة ومشت خلفه باستسلام تام، استمرت موجة الأفكار تلاعبها حتى أخذها سلطان النوم...

+


فدخل هو بعد وقت نزع عنها حذائها ودثرها تحت الغطاء ثم قبل رأسها وهمس بحزن قبل أن يرحل:
_" ماتخذلنيش يا مسك بعد مابعت الدنيا واشتريتِك " 

6


----------------

+


_" دخلها أوضتها يا شادي " قالتها مجدة وسط الغلبة التي عبأت المنزل بعودة ابنتها من المشفى، حيث حملها شادي للداخل كما أرشدته مجدة..

1


بينما اعترضت منة ببراءة مزيفة:
_" خليها في أوضة سيف فيها بلكونة وتهويتها أفضل هتاخدنا احنا الاتنين أنا ماقدرش أسيبها الفترة دي.... الف سلامة عليكِ يا سلمى منها لله اللي كانت السبب "

1


أيدتها أمها تردد دعائها قاصدين بتول في حين تنهدت مجدة بضيق هي لا تريد أي ذكر لما حدث أمام ابنتها على الأقل...

+


أخذها بالفعل لغرفة سيف ووضعها على الفراش بحرص وتأني محتفظًا بإبتسامة يخصها بها، أنَّت بألم مكتوم فأعطاها قرص مسكن نابسًا بحنان:
_" بالشفا يا حبيبتي " 

+


رسمت بسمة باهتة وهي تعطيه كوب الماء ثم نظرت للغرفة دون حديث كعادتها طوال الأسبوع الماضي تصمت طويلًا شاردة مع ذاتها...

+



        
          

                
تشدقت منة مرة أخرى بلهفة:
_" جبت هدومي وهفضل جنبك لو احتاجتي حاجة اشيلك في عينيا " 

+


رمقتها سلمى بطرف عينيها ولم تلتفت كأنها لم تسمعها لكن ضغطتها الخفيفة على يد شادي جعلته يفهم ما تريد فوقف متحدثًا بجدية:
_" شكرًا يا منة مفيش داعي أنا هفضل جنبها عشان آخد بالي من أدويتها وأتابع مذاكرتها كمان "

+


بُهتت من كلامه فقد خططت أن تعود وتتقرب من سلمى ومنزل خالتها مرة أخرى لتنجح في العودة لقلب سيف، أما شادي فعاد ينظر لسلمى وفك حجابها وهو يقول:
_" هجيب مية تتوضي عشان تصلي " 

3


أومأ له بهدوء لتهتف مجدة بحنان:
_" وأنا هقوم أجهزلك غدا يصلب طولك، هعملك كل اللي بتحبيه.... تعالي يا منة "

+


كتمت غيظها ومشت خلف خالتها وقد لحقتهم عزة بينما وصل سكر الذي قال:
_" جبت بدل الأدوية اللي خلصت " 

+


أخذهم منه شادي قائلًا بامتنان:
_" تسلم يا سكر " 

+


رد الآخر بحنق وهو يجلس جوار ابنة أخته من الجهة الأخرى:
_" تسلم دي لما أقدملك كوباية ماية... شخلل جيب وهات فلوس العلاج مانتش عويل عشان أصرف على مراتك "

1


ضرب وجهه بقلة حيلة بينما ضحكت سلمى بصمت جعلته يتفاجأ بشدة وصاح في سعادة:
_" وهدفعلك ماية وكهربا الشهر ده كمان لو فضلت مخليها تضحك كدة " 

+


_" امشي انت من وشها بس والنحس هيتفك " قالها بسخرية ليحك شادي رأسه باحراج قبل أن يتجه للمرحاض...

+


تنهد سكر بتعب واضح ونطق بنبرة تحمل الأسف في طياتها:
_" حقك عليا يا غالية... ياريتها جات فيا أنا "   

+


نظرت له بدموع وابتسمت هامسة:
_" بعيد الشر عنك يا خالي " 

+


قبل رأسها بحب وأضاف ساخطًا:
_" الحكومة ماخدتش مع ابن الكلب حق ولا باطل، ايده واصلة قوي، بس ربنا أكبر من الكل بكرا حقك يرجع تالت ومتلت " 

+


أخفضت رأسها وصمتت وعندما لاحظ حزنها غير السيرة بسؤاله المُترقب:
_" صحيح مبسوطة مع الواد اللي سرقك مننا ده ولا عايزة تطلقي؟ " 

+


على الفور عادت تضحك من لمحة الغيظ في حديثه وهزت رأسها بنفي هامسة:
_" مبسوطة " 

+


مثل الغيط وهو يغمغم:
_" زي اللي عملك سحر... يلا ربنا يصلح حالكم " 

+


خرج شادي بإناء به ماء وآخر فارغ وصاح بمرح طفيف:
_" قلبنا الأدوار وبقيت نعيمة لأجل عيونك ياستي، ابسطي " 

+


ضحكت بخفة وعينيها تشع بالشكر والامتنان في حين رد عليه سكر شامتًا:
_" ولسة يا سي السيد انت لسة شوفت حاجة! عشان تبقي تتجوزها من ورانا كويس! "

+



        
          

                
استمرت المناوشات بينهما وهو يساعدها في الوضوء بينما تضحك بين الحين والآخر مما يجعل قلبه يخفق فرحًا وتعود الراحة داخله...

+


تركها تُصلي جوار سكر وخرج للبلكون يرد على هاتفه حيث تبدلت نبرته لأخرى جامدة وهو يستفسر:
_" ها عرفت الرقم بتاع مين؟ " 

+


ارتخت ملامحه وهو يسمع الاجابة التي لم يتوقعها يومًا فهمس بشدوه:
_" انت متأكد؟ " 

5


------------------- 

+


منذ علم من عمته بأمر اختفائها ليلة أمس وهو يبحث عنها في كل مكان منذ ولم تظهر مما جعل عتاب على وشك الجنون...

+


خرجت نهال للشارع تسأله بلهفة حيث كان واقفًا مع بعض شباب الحي الذين لم يتركوهم دقيقة في محنتهم: 
_" لسة ماوصلتوش لحاجة عنها يا نوح؟ " 

+


نفى برأسه والخوف يأكل صدره ليتحدث عصام بجدية:
_" احنا لفينا في الاقسام وملهاش أثر، الأفضل نشوف المستشفيات والمراكز الصحية اللي حوالينا " 

+


خرجت عتاب تبكي برعب وتصيح باتهام:
_" كله من بنت عبير هي اللي عارفة بنتي فين! " 

+


اقترب منها نوح يتحدث بخفوت:
_" طولي بالك يا عمة شهد ماتعرفش عنها حاجة بالعكس بتلف على صحابهم يمكن تلاقيها عند واحدة منهم "

+


ردت بحدة ترفض كلامه:
_" ولو عند واحدة صاحبتها هتبقى قافلة تليفونها ليه؟ وتبات من امبارح عندها من غير ما تعرفنا ازاي!... "

+


ثم أخذت تردد بيقين:
_"  لا أنا بنتي جرالها حاجة... أنا بنتي اتغدر بيها يا ناس " 

+


_" بنتك في بيت جوزها يا ولية اكتمي وادخلي دارك كفاية فضايح " صعق عرفة الأجواء بصوته الذي رمى عليهم تلك القذيفة..

1


تجمد نوح في أرضه بينما استدارت عتاب ترى زوجها المختفى منذ أسابيع يعود بمصيبة جديدة بل صاعقة بالمعنى الحرفي

+


تمتمت بعدم استيعاب:
_" بتقول ايه يا راجل انت! " 

+


رد بكل فخر وكأنه فاز بمنصب قيم مؤكدًا كلامه:
_" بقولك في بيت جوزها... كتبت كتابها من ساعتين على المعلم منصور ادخلي بلي شربات وجهزي لبتك عشا "

+


صدح صوت التطام يديها بوجهها وأخذت ثانية قبل أن تصرخ بكل ما اوتيت من قوة  اندفعت تجذبه من ملابسه ونبرتها تخرج مبحوحة حادة:
_" يا نهارك اسود بت مين اللي جوزتها!!! دا أنا اخش فيك انت وهو السجن يا حرامي يا شمام... انت ليك بنات عندي؟!!! بنات مين انت مالكش بنات عندي!!  "

+


دفعها عنه بقوة وصاح بملئ صوته بفجور:
_" اتلمي يا بنت ال*** بدل ما ألمك وكله يغور على بيته أنا بنتي اتجوزت على سنة الله ورسوله جوازة ماتحلمش بيها " 

+



        
          

                
عادت الحركة لنوح أخيرًا ولم يشعر بما يفعله بعدها انقض على عرفة بألم سنوات كان يحجبه عنه لكن فعلته اليوم القشة التي قطمت ظهر البعير لم ينطق بلسانه كان فقط يُفرغ به طاقته ولم يتدخل أحد وهم يشاهدون الضربات التي يوجهها لعرفة بقهر لا مثيل له...

+


اقتربت نهال من عتاب التي انهارت تمامًا تعفر نفسها بغبار الأرض كالمجنونة تصيح على ابنتها بأعلى صوتها...

+


أما في ذلك المنزل الفخم بالمقارنة مع باقي بيوت الحارة كانت في غرفة في الطابق الثاني تتقلص على ذاتها وترتجف، أنينها مسموع له صدى معذب للروح تُراجع كل ما حدث معها منذ مكالمة والدها لها ليلة أمس...

+


فلاش باااك

+


دخلت غرفتها على رنين الهاتف فالتقطته تقرأ اسم والدها عرفة بأعين متسعة بعد فترة من الغياب، ابتلعت ريقها وفتحت الخط هامسة:
_" ألو " 

+


جاءها صوته المسكين يهتف بلهفة:
_" سهى! عاملة ايه يا قلب أبوكِ وحشتيني انتِ وأختك "

+


لم يتحرك بها ساكن بل متعجبة من نبرته الحانية التي أودعت داخلها أمل أنه سيتغير:
_" احنا كويسين يابا انت اللي غايب فين؟ "

+


بدأ يستعطفها بالحديث ولم ننكر حقيقة انه والدها مهما حدث لم تشك به أبدًا، أقنعها أن تقابله دون علم أمها لأنه يود رؤيتها وبالفعل أخبرت عتاب برغبتها في شراء بعض المقرمشات وخرجت لتصدم بالفخ الذي نصبه لها ذلك الأب الوقور....

+


عادت للحظة وجودها داخل تلك الغرفة الموحشة في بيت من أصبح زوجها بالإكراه والخداع أو بالأحرى تحت التهديد تجهل ما يخبئ لها القدر بعد...

1


------------------

+


ظهَرَ السراب داخل وحدة طبية كاملة كأنها جزء من مستشفى، لكن بترتيب عسكري دقيق، أجهزة عناية مركزة حديثة مع فريق طبي صغير يتحرك في صمت محسوب.

+


وقف خلف الزجاج العازل، عينه مسلطة على سرير وحيد في منتصف الغرفة، حيث يتسطح جسد سيف وسط الأجهزة، أنبوب أكسجين موصل به، قلبه يُراقب على شاشة، صدره يعلو ويهبط ببطء مع إيقاع جهاز التنفس الصناعي، أصوات الرنين الخافتة للأجهزة تملأ الجو.

+


اقترب عز ببطء، صوته اختنق وهو يهمس:
_ "يا رب..."

+


ظهر الطبيب من جانبه، شاب هادئ الملامح نظر إلى عز بثبات وقال بنبرة مطمئنة:
_"هو حالياً في غيبوبة خفيفة نتيجة نقص الأكسجين اللي حصل له... بس الحمد لله انه اتلحق في وقت مناسب "

+


رفع عز عينيه نحوه بحدة:
_"يعني وضعه خطر؟"

+


أجاب الطبيب بواقعية:
_ " هو بالفعل خطر، إحنا دلوقتي بنعالج التسمم بأول أكسيد الكربون، نسبته في دمه كانت عالية جدًا، بس الأجهزة والأكسجين النقي بيقللها بسرعة هو محتاج يفضل تحت الملاحظة ٤٨ ساعة عشان نتاكد إن المخ والقلب متأثروش"

+



        
          

                
تجمدت يد عز على حافة السرير، نظر لأخيه وقال بصوت مبحوح:
_ " ممكن يتأثروا لأي مدى؟ "

+


رد الطبيب وهو يطالع شاشة المؤشرات:
_ " نتفائل أفضل لأن الحمد لله العلامات الحيوية مستقرة... الضغط كويس، النبض منتظم، والتنفس الصناعي مساعده.... مجرد وقت وهنبدأ نقلله الأكسجين تدريجي لحد ما يرجع يتنفس طبيعي لوحده "

+


استفسر عن كل ما يخص أخيه وخرج الطبيب بهدوء، اقترب بثقل وعيناه ما فارقت وجه سيف الشاحب، شبك يده بيده كأنه يمده بقوة أو يستمدها منه وهو يهمس:
_ "أنا مستنيك تفوق... عندنا حساب طويل مع العالم ده "

+


أغمض عينيه وتمدد جواره بحذر يستطرد بنبرة عتاب:
_" تعرف يا سيف انك عنيد قوي يمكن أكتر مني، لمار قالتلك تخرج ليه استنيت؟!...  يمكن هتزعل لما تعرف اني كنت معاك في كل خطوة عشان دي مهمتك انت.... بس واللهِ غصب عني... أنا مش بحميك لواحدك أنا بحمي روحي المربوطة بروحك "

5


قالها باختناق وهبطت دموعه يؤلمه قلبه كلما تذكر المشهد الذي وجد عليه أخيه، دون حركة أو نفس كأن روحه فارقت جسده بل الأصعب إن تأخر دقائق ماذا كان سيحدث! كان سيرحل للأبد حتى قبل أن يعرف حقيقة وجوده....

1


شدد من احتضانه كأنه سيختفي في أي لحظة، كل يردد اسمه وينتحب من يراه لا يصدق أبدًا أنه السراب أشرس وأخطر رجال المخابرات صاحب المهام المستحيلة...

+


شعر باهتزاز هاتفه فجمع شتات نفسه وأخرجه بهدوء يرد هامسًا:
_" خير يا مصطفى! " 

+


هتف الآخر في لهفة:
_" طمني يا عز سيف كويس؟... شاكر باشا على أعصابه من لما لمار ومالك رجعوا من غيره وأنا ماعرفتهوش انك اتدخلت بس هو عنده أمل في ده "

+


تأفف بثقل وأكد بإختصار:
_" بإذن الله هيكون بخير طمنه وماتعرفش مخلوق تفاصيل تانية "

+


كاد ينهي الحوار على ذلك لكن تذكر سريعًا:
_" مصطفى ايه أخبار نور طول الأسبوع اللي فات! "  

+


قابله صمت مُربك من الجهة الأخرى جعله يسأل في ارتياب:
_" نور معاكم صح! " 

+


حمحم ونطق في تردد:
_" الصراحة!.... انشغلنا عنها شوية.... وانت عارفها ماحدش بيتوقع أفعالها أبدًا، وبتعمل اللي عايزاه.... "

+


همهم عز بنفس صبر فاستكمل مصطفى بإستسلام:
_" لما عرفت ان بتول مع كمال الصيفي راحتلها... هددت الدكتور بتاعه ودخلها الفيلا على أنها دكتورة مساعدة هتعتني ببتول "

+


قلب عينيه ضاربًا على وجهه بغضب مكتوم من أفعالها المتهورة وأغلق مع صديقه ثم التفت يتحدث إلى سيف بغيظ:
_" يوم ما يبقالنا أخت تبقى المجنونة دي... دي ملسوعة في دماغها هتجيب أجلي بمصايبها.. "

1



        
          

                
ثم أشهر سبايته أمام أخيه النائم وأضاف بحزم:
_" بُص انت تفوقلي كدة أنا مش هواجه كل ده لواحدي يامة عليا أوي لحد هنا "

+


بعدها زفر بقوة وتغيرت نبرته للارهاق يصرح بمخاوفه:
_"  لسة الطريق طويل أوي يا سيف، كان نفسي لما ألاقيلنا أب يطلع محترم عشان لما أصارحك بالحقيقة تفرح مش تحس بالوحشة اللي كاتمها في قلبي من لما عرفت... "

+


أخرج زفيرا حارًا وأضاف:
_" بس فيه أمل... هحاول ألاقيها هي يا سيف ... مش هقولك أمي وأمك بس على الأقل الست اللي جمعتني بيك الست اللي سابتلي حياة أغلى من حياتي " 

+


ختم كلامه بقبلة حانية فوق جبين أخيه ثم أمسك هاتفه وأرسل لمصطفى صورة السيدة نهال التي سبق وحصل عليها من عارف نفسه لكن العائق هو السن! فالصورة لشابة لم تتخطى الثلاثين لذلك سيكون من الصعب الوصول إليها بعد كل ذلك العمر....

+


كتب له المطلوب ثم شرد في الصورة يبحث داخله عن أي مشاعر لها لكن لا يجد سوى الخذلان التي أعقبته في صدره بعد تخليها عنهما، لوهلة تخيل له رؤيتها في مكانٍ ما لكن لم تسعفه ذاكرته بل لم يمهله التعب فرصة للتذكر واستسلم لأوامر جسده بالراحة ليغرق في النوم بجوار أخيه.....

1


------------------

+


استفاقت كلًّا منهما لتجد نفسها مقيدة على مقعد خشبي داخل مخزن مظلم تحدثت نور بصدمة:
 _" أنا ادفنت بالحيا ولا ايه! يخرب بيوتكم أنا لسة ماتوبتش ياللي تتشكوا " 

1


ارهفت السمع لتلتقط أنين بتول جوارها فهمست لتتأكد:
_" بت يا بتول انتِ هنا! " 

+


رغم الرعب الذي يسكن بتول الآن همهمت لتخبرها بوجودها فضحكت الأخرى براحة قائلة:
_" طب كويس بطمن أني مش في المصيبة لواحدي " 

+


ثم لوت فمها بحنق وأضافت:
_" فاكرة حاجة من بعد ما نيمت الحارس وأخدك وهربنا! " 

+


_" لا " هكذا ردت الأخرى بصعوبة أظهرت صوتها المرتجف

+


فصاحت فيها نور بقوة:
_" اجمدي يا بت فيه ايه، مش أول مرة ناس تتقفش وهي بتهرب " 

1


لم تتحمل الأخرى فكرة أن مخططهم للهرب فشل وأخذت تبكي من شدة الخوف تردد اسم سيف برجاء لتغمغم نور بقلة حيلة:
_" يا حظك الأسود يا أبو عيالي مقرطساك ومعقلة مع أخوك "

1


ثم وجهت رأسها نحو صوت بتول وزجرتها بحدة:
_" اكتمي يا بت لما نعرف عمك خطفنا فين!... وماتخافيش عز عارف كل مخازنه والأماكن اللي ممكن يخبينا فيها وهيوصلنا "

+


ثم أضافت مستهزأة:
_" كمال بيه هيخبينا فين يعني دي مصر كلها أوضة وصالة "

+


فجأة سطعت الأضواء فواجهتا صعوبة لحظية في الرؤية ونور تتحدث بحنق:
_" ايه الغباء ده يا كيمو هنتعمي كدا وتبقوا خسرتوا جوزين عيون بيدفع فيهم ملايين " 

+


تدريجيًا بدأت ترى المكان بوضوح لتقع عينيها الغاليتين على ذلك الرجل الماثل أمامها بجمود فابتسمت ببلاهة:
_" صلاة النبي أحسن! فلاديمير حتة واحدة!! سفرتوني وأنا مش دريانة يا ولاد الحرام؟! "    

+


ثم نظرت لبتول التي اترعبت أكثر حينما أيقنت أنها ليست في قبضة عمها بل في قبضة أخرى وبالتأكيد أشد خطورة فتحدثت إليها نور ساخرة:
_" انسي الأوضة والصالة بتوع عز.... احنا دلوقتي في روسيا حلني على ما يوصلنا أبو العيال يكونوا العيال خلفوا عيال " 

1


ثم نظرت لفلاديمير وغمزت قائلة:
_" شكل الزعيم موصيك عليا.... دا أنا هتنفخ " 

3


----------------

+


أما عند التوأم مرت ساعات كثيرة وهما مجاوران بعضهما كأنهم يعيدان لحظات تكررت قبل تسع وعشرين سنة، نسختان متطابقتان من يراهما لا يفرق بينهما أبدًا من شدة الشبه...

+


تنهد في نومه وشعر بالانزعاج من شيء ما مُلاصق لوجهه والذي لم يكن سوى جهاز الاكسجين الذي يساعده في الوقت الحالي على تنقية دمائه تمامًا من أي غازات أخرى..

+


تململ ببطء وارتفعت يده تلامس ذراع أخيه دون وعي وبالفعل أدرك وجود جسد جواره، فتح عينيه المتعبة ونظر لسقف الغرفة ثوانٍ قبل أن يستدير برأسه للجانب الآخر أو لنقل لمرآة تعكس صورته النائمة....

+


----------☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
يتبع...

+


ماتنسوش التصويت اضغطوا على النجمة ☆

+


رأيكم في الفصل ؟

4


لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله....  

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close