اخر الروايات

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم الكاتبة شموسة

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم الكاتبة شموسة


الفصل الثامن والعشرون


(1)



يا أملاً كنتُ لا أنشده

ويا حلماً وردياً خُرافيّ التَمَنِّي

أنا المذنبةُ بالعشق

الموشومةُ بالنحس

الزاهدةُ فيكَ إلى حد التخلّي

ليتني خيط في طرف ثوبك

أو ضوعة مِسْك فوق نبضك

لكن بعض الأمنيات يا سيدي

هذيٌ

وبعضها .. يضني !

لن تتحمل .. فليحدث ما يحدث لكنها لن تستطيع التحمل أكثر من ذلك .. لن تقدر على رؤيته وهو يتعذب دون أن تتصرف ..دون أن تنقذه ..

حتى لو ستضحي بروحها .. حتى لو ستقدم نفسها قربانا .

إن كانت أحشاؤه تتمزق فنياط قلبها تتمزق هي الأخرى .. إنها تموت بالبطيء خوفا وحزنا وقهرا على حالته .

تحاملت أم هاشم على جسدها الذي وهن من عدم الأكل وعدم النوم .. وعقدت شعرها بربطة حازمة خلف رأسها وعيناها تبرقان بالعزم والتصميم .. ثم أخرجت عباءة سوداء لترتديها .. ووشاحا طويلا أكثر سوادا لفته حول رأسها وكتفيها و التقطت هاتفها وحافظة نقوده والمفاتيح..

استدارت تنظر إليه وهو ينام على جانبه ينتفض ويهذي وقد اشتدت عليه الحمى .. واقتربت منه تطبع قبلة على جبهته المشتعلة تنافس سخونة دموعها وهي تهمس "سامحني يا جابر .. أيا كانت النتيجة سأتحملها أنا وحدي .. في سبيل أن أحضر لك طبيبا"

بعد دقائق كانت تفتح بوابة البيت بخفة وتتطلع في الشارع الصامت يمينا ويسارا وسمت بسم الله وهي تلف الوشاح حول وجهها فلم تظهر إلا عينيها وخرجت مقررة في تصرف يائس .. لا يعرف أبجديات المنطق .. لا يعرف سوى تهور العشاق .. أن تجلب لجابر بنفسها طبيبا متخفية تحت جناح الليل .

قبل قليل

شعر شعبان أخو عصفور الشاب ذو الثامنة عشرة سنة بالتعب والملل خاصة وهو يواصل ورديته بالوقوف على الناحية الأخرى من الشارع الرئيسي وبالتحديد أمام الشارع الذي يقع بيت جابر دبور أول بيت فيه.

لقد كان مقررا أن يستلم أخوه عصفور الوردية منه بحلول الظلام لكن الأخير اضطر للذهاب للبيت لنقل والده طريح الفراش لاحد المستشفيات المجانية بعدما فاجأته أزمة أخرى من أزمات مرضه الذي يسجنه دوما طريحا للفراش .. وها هو عصفور قد اتصل به منذ ساعتين يخبره بحجز والده واضطراره للمبيت معه بالمستشفى .

هاجمه الجوع والرغبة في دخول الحمام فقرر ترك مكانه لبعض الوقت ليذهب إلى مقهى قريب على بعد شارعين يستعمل فيه الحمام ويشرب كوبا من الشاي ثم يعود .. وتمم في طريقه على المبلغ الصغير الذي منحه إياه اخوه حتى يبقى في تلك المهمة بعد أن أخبره بأنهما لو نجحا في رصد أي تحرك غريب عند بيت جابر دبور فإن لهما مكافأة كبيرة سيمنحه منها مبلغا جيدا يفكر منذ أن عرف بذلك فيما سيصرفه وينسج الأحلام..

لم يعرف عن أي شيء من المفترض أن يبحث ولصالح من ..وما الغرض .. خاصة وأن جابر دبور عريس جديد فما الذي سيحدث من تحرك غريب أمام بيت عريس جديد؟! .. لكنه لم يشغل نفسه في التفكير في أمور لا تهمه .. ما يهمه الآن وهو يتحرك ويترك مكانه هو أن يعرف هل عربة سندوتشات الكبدة والسجق التي تقف بجوار المقهى لا تزال تعمل حتى هذه الساعة أم لا ؟.

××××

مرهقة .. تحمل قلبا مفطورا .. جافة الفم والشفتين لم تنم منذ ليلتين ليلة حنتها وليلة عرسها ولم تأكل منذ ليلتين أيضا … فقد جسدها طاقة الزاد وجف مما ذرفته من الدموع .. لكن قوة قلبها ووقود عشقها اللا محدود كافيان لأن تعبر الصعاب وتصارع الظلام وزبانيته من أجله.

داكنة البشرة متشحة بالسواء متخفية تحت سواد تحركت بخفة وهي تلتفت يمينا ويسارا لتتأكد من خلو الشارع من الناس .. وأسرعت الخطى نحو الشارع الرئيسي تنظر بحذر فلم تجد أحدا .. فانعطفت يمينا تهرول بسرعة جل همها أن تبتعد عن محيط البيت بمسافة حتى لا تلفت الانتباه لها .

بعد دقائق ابطأت خطواتها تلهث وسرت قشعريرة في جسدها لا تعرف إن كانت بفعل نسمات الليل أم أنه الخوف والرهبة.

لن تنكر بأنها تشعر بالخوف خاصة وأنها المرة الأولى التي تخرج وحدها عند منتصف الليل .. لكنها تملك من الجسارة ولوعة القلب ما يدفعها دفعا للقيام بذلك ..فهي لا تعرف أحدا تلجأ إليه .. فكرت في مليكة لكن الأمر لا يخصها هي بل يخص جابر في توقيت حساس توقيت من الممكن أن يسبب حرجا لرَجُلها أمام صاحبتها بالإضافة لأن مليكة حينما تتصرف ستلجأ بالتأكيد لزوجها أو لأحد إخوانها الذكور ولا تعرف كيف من الممكن أن يتصرفون..

لا لن تسيء لجابر مادامت هي قادرة على التصرف .. هكذا حدثت نفسها واقنعتها يدفعها دمها الحار ..

استدارت حينما سمعت صوتا لتجد توكتوك فأشارت له وكأنها غريق يبحث عن قشة لإنقاذه ليتوقف الرجل وهو يطالع ذلك الخيال الاسود أمامه بتوجس فقالت أم هاشم" السلام عليكم.. هلا أخذتني لمركز المحافظة يا عم الحاج؟"

كانت هيئتها غريبة ومريبة فهي ليست منتقبة ولكنها ملثمة فسألها بتوجس" أين بالضبط في مركز المحافظة ؟"

قالت بسرعة وهي تلقي بنفسها في المقعد الخلفي من التوكتوك "عند تلك البناية الخاصة بالأطباء لكن لو لم يكن في طريقك من الممكن أن توصلني لأي مكان اقرب للمدينة"

شعر الرجل بالخوف لكنه تحرك بالتوكتوك وباله مشغول ليس بالطريق الخالي المظلم جزئيا في ممرات القرية ولكن بتلك المرأة الملثمة خلفه.. يحاول أن يرصد أي تحرك مريب منها حتى أنه بحث بقدمه تحته على مفك كبير ومال يلتقطه ثم وضعه في حجره وهو يسألها بريبة" هل هناك شخص مريض؟"

ردت أم هاشم وهي تتمم على سكين المطبخ الصغير في جيب عباءتها والذي التقطته قبل خروجها كنوع من الحماية" أجل أمي مريضة بشدة"

سألها "ألا يوجد أطباء في قريتكم"

(قريتكم ) الكلمة أكدت لها شعورها بأن الرجل ليس من القرية فسألته" أنت لست من عندنا أليس كذلك ؟"

رد الرجل بتحفظ "أجل ..جئت قبل قليل من مركز المحافظة لأوصل أحدهم"

شردت أم هاشم تفكر في ابن مصطفى الزيني الطالب بالسنة النهائية بالطب لكنها استبعدت وجوده فهي تعلم بأن جامعته بالعاصمة ولا يتواجد إلا يوم أو اثنين كل اسبوع .. كما أنها لا تريد لأي شخص من البلدة أن يعرف فردت بتحفظ على سؤاله السابق " لا ..لا يوجد أطباء بالقرية (وأضافت بلهجة متوسلة استشعرها الرجل صادقة) هلا اسرعت بالله عليك فأمي في حالة خطرة"

أخذ الرجل رغم توجسه واتخاذه للحيطة والحذر بالإسراع معتمدا على شعور قلبي بأن تلك المتشحة بالسواد صادقة ..فطار التوكتوك الصغير الاسود يخترق طرقات القرية المظلمة يحمل بداخلة امرأة داكنة البشرة ذات قلب أبيض يضيء عتمة الليل.

××××

بعد نصف ساعة

انتهى الطبيب من مكالمة أجّلها لما بعد انتهاء مغادرة آخر مريض لديه .. وأخذ يلملم أغراضه الشخصية استعدادا لمغادرة عيادته الكائنة بالدور الأرضي لبناية تحتوي على أكثر من عيادة طبية غالبيتها بالتأكيد قد اغلقت أبوابها بعد انتصاف الليل .. فقرر أن يغلق هو أيضا عيادته بعد أن صرف موظف العيادة ..

شعر بحركة في الخارج فقطب جبينه وهو يسمع صوت امرأة تقول بنبرات متلهفة واضحة" السلام عليكم أما من أحد هنا؟"

اعتقد الطبيب بأنها أم ملتاعة تحمل طفلا محموما على ذراعها طالبة العون فاستقام من خلف مكتبه قبل أن تتسع عيناه هلعا حينما اقتحمت شابة سمراء متشحة بالسواد الغرفة وقالت" السلام عليكم ارجوك يا دكتور تعال معي حالا فورا فزوجي مريض جدا"

قال الطبيب بتوجس "كيف تقتحمين المكان بهذا الشكل!"

قالت أم هاشم بلهجة متهكمة رغما عنها "اعتذر.. أعدك المرة القادمة أن أطلق صراخا ملتاعا على الباب قبل أن أدخل .. المهم أرجوك أتوسل إليك تعال معي فزوجي..."

قاطعها الطبيب يشعر بالغيظ " ألم تقرئي اليافطة بالخارج أنا طبيب أطفال !"

هتفت أم هاشم باستنكار " وما المشكلة هل صدقت النكتة الشهيرة بأنك لم تكمل تعليمك بعد! أنا لا أجد غيرك أمامي "

أسلوبها الساخر زاد من غيظه بالإضافة لشعوره بالتوجس والخوف فقال وهو يكمل التقاط حاجياته "اعتذر أنا لا أذهب في زيارات منزلية"

اندفعت نحو المكتب فالتصق الطبيب بالحائط خلفه يناظرها برعب بينما هي تقول بتوسل " أرجوك زوجي مريض جدا بالبيت"

انتابه شعورين متناقضين لكن اتخاذ الحذر غلبه فقال بإصرار" أنا لا أزور البيوت يا أخت"

صرخت بعصبية في وجهه "والمرضى ماذا يفعلون؟"

بلع ريقه وقال " هاتيه لأي عيادة قريبة"

صرخت فيه من جديد فازداد التصاقه بالحائط "هل هو طفل في الرابعة!!.. أقول لك زوجي ..رجل طويل عريض وطريح الفراش"

بلع ريقه ونظر خلفها يسب ذلك البواب الذي تركها تدخل وهو يعرف بأن العيادة خالية من الممرضين ثم سألها وعيناه تلتقطان طرف مقبض السكين الخشبي البارز من جيب العباءة "أين منزلك؟"

ردت أم هاشم "قرية ***"

أدرك بُعد القرية نسبيا عن المكان فقال "آسف أنا اعتذر بشدة فأنا لا أقوم بزيارات منزلية كما قلت لك "

قالت بلهجة متوسلة بعد أن أخرجت حافظة النقود من جيب العباءة وادخلت طرف مقبض السكين بحركة تلقائية ثم أخرجت مبلغا كبيرا من المال تضعه على المكتب أمامه " أرجوك سأعطيك أي مبلغ تريده .. فأنا لا اعرف إن تركتك سأجد غيرك أم لا .. ولن استطيع أن أجرب بإعطائه دواء من الصيدلية فحالته لن تتحمل التجربة"

كان الطبيب قد وصل لأقصى حالات الخوف منها فقال بحزم " ارفعي نقودك واذهبي من فضلك واستدعي له الإسعاف إن كانت حالته بهذا السوء .."

ناظرته أم هاشم بنظرات مغتاظة فأضاف "تفضلي وإلا سأنادي على البواب للتعامل معك بعنف قلت لك لا أقوم بزيا...."

ضربت أم هاشم على المكتب تقول صارخة بتهديد " إن لم تأت معي الآن سأصرخ واجمع الناس واخبرهم بأنك استدرجتني بالعيادة لتغرر بي"

اتسعت عينا الطبيب وهو يتطلع فيها قائلا "أغرر بمن؟!!"

شعرت أم هاشم أنها تسلك مسلكا خاطئا وخاصة وهي ترى نظرة الرجل المرتابة منها فحاولت الهدوء وعادت لتقول ببعض الدبلوماسية المغتصبة " هل تعرف أحد من قريتنا؟.. (ونظرت حولها ) أنت تبدو مشهور وبالتأكيد يأتيك بعض من أهالي قريتي بأبنائهم اخبرني من تتابعه وأنا سأخبرك باسم كل عائلته فردا ..فردا لتعرف أني من القرية بالفعل وأريدك من أجل زوجي المريض …"

أمسك الطبيب بهاتفه بوجه مكفهر فسألته بسرعة "هل تعرف مفرح الزيني؟.. إن لديه ولدين أدهم وإياد"

الاسم كان يعرفه جيدا فنظر لها بعينين ضيقتين لتسرع هي بالتقاط الخيط وتقول "مفرح الزيني ابن عمدة البلدة وولداه أدهم وإياد وأمهما مليكة صوالحة ..أنا أعرفهم هل هذا يثبت لك بأني من قرية ***"

قال الطبيب " أنا سأتصل بالشرطة (ونظر في هاتفه وهو يضيف ) .. ما هذا السخف!"

وقفت أم هاشم دامعة العينين تفكر.. حتى الشجار واجبار الطبيب لن ينفع .. والوقت يداهمها .. فتحركت تطرق برأسها بخطوات بطيئة نحو الخارج ..ليتابعها الطبيب وشعوران ينازعاه فمن جهة ضمير الطبيب ومن جهة هيئتها الغريبة خاصة وهي تذكر اسم قرية مشهورة بجمال بناتها وبياض بشرتهم .. أتكون نصابة تسعى لاستدراجه؟

حين اختفت من أمامه تنفس الصعداء وقرر أن يجمع حاجياته ويغلق العيادة بسرعة ..أما أم هاشم فخرجت للبواب الناعس أمام بوابة المبنى تسأله "أي طبيب لا يزال موجودا بالمبنى؟ "

فأشار لها على عيادتين بالطوابق الاعلى بعد أن سألها أي تخصص تريد واخبرته بأنها حالة طارئة .. لكن اليأس تملك منها و شعرت بأنها ستفشل بإقناع أحدهم بالذهاب معها .. فغمغمت لنفسها وهي ترتجف من التوتر "من سيأتي معك يا أم هاشم في هذا الوقت من الليل والى قريتك!.. هذا ما لم تحسبيه وأنت تخرجين من البيت"

ضربت على خدها برعب شديد بادراك متأخر تفكر في حجم المصيبة التي قامت بها .. إنها في الشارع بعد منتصف الليل في مركز المحافظة وياليتها نجحت في جلب طبيب لزوجها المحموم ..

اسرعت بالتقاط هاتفها وفعلت ما كانت تتحاشاه .. لكن الوضع بعد خروجها وفشلها في اقناع الطبيب يتأزم فلم تجد بدا من الاتصال بمليكة وهي تغمغم في سرها" يا رب استرها مع عبدتك ..استرنا ولا تفضحنا (لتقول بعد برهة بلهفة) مليكة"

هتفت الأخرى بجزع وهي تنظر في ساعتها "أم هاشم هل أنت بخير؟"

هتفت أم هاشم بلهجة باكية " مليكة أنا تهورت وفعلت مصيبة .. لكنني لا اعبأ بنفسي المهم أن أنقذ جابر"

قالت مليكة وقد قفزت من السرير" ما الأمر يا أم هاشم ؟"

ارتجف صوت الاخيرة وقالت" هلا اعطيتني باشمهندس مفرح؟"

تحركت مليكة تخرج من غرفتها نحو غرفة الاولاد فلا يزال مفرح ينام فيها ليس غضبا منها كالمرة السابقة لكنه من طلب ذلك رفقا به وبها آملا أن تؤتي زيارتهما للطبيبة النفسية في العاصمة أي نتيجة .. فأسرعت باقتحام الغرفة الأخرى وهي تحاول فهم عبارات أم هاشم المتقطعة وكأنها تهذي بصوت باك قبل أن تعطي الهاتف لمفرح الذي استيقظ من نومه مفزوعا بمجرد اقتحامها للغرفة وأخذ برهة يناظر مليكة بتساؤل قبل أن تعطية الهاتف بارتجاف "إنها أم هاشم يا مفرح أرجوك تصرف"

قال مفرح بصوت رخيم من أثر النوم" ما الامر يا أم هاشم"

هتفت الاخيرة بقلة حيلة " ألست ابن عمدة بلدنا ؟ .. بالله عليك اقنع الطبيب أن يأت معي .."

خرج الطبيب يهم بغلق العيادة لكنه انتفض مرعوبا حين تفاجأ بأم هاشم تندفع نحوه وتمنحه الهاتف حتى كادت أن تدخله في عينه قائلة" تفضل تحدث مع مفرح الزيني"

كاد الطبيب أن يرفض بعناد لكن دموعها أثرت فيه رغم عقله الذي يحذره من أن تكون لصة فتناول منها الهاتف يقول" نعم"

××××

بعد نصف ساعة كان مفرح يترجل مسرعا من سيارته بملابس بيتية وخف ويسلم على الطبيب الذي طلب منه أن ينتظره ليقله بنفسه للقرية رغم أن الأخير لديه سيارة لكنه بعيدا عن توجس الطبيب من الذهاب وحده مع أم هاشم لم يقبل مفرح على بنت قريته العروس المتهورة التي خرجت بعد منتصف الليل تبحث عن طبيب لزوجها أن تركب السيارة مع شخص غريب في هذا الوقت وفي هذا الوضع الحساس جدا ففضل أن يتم الأمر تحت سيطرته وبتأمينه الخاص لإعادة أم هاشم لبيتها دون أن يراها أحد نظرا لحساسية الموقف في مجتمع صغير لا تفوته شاردة أو واردة حتى لو حدثت في جوف الليل.

سلم مفرح على الطبيب بسرعة الذي سبق وأن زاره في عيادته بالولدين .. ودعاه للركوب بجواره ثم حدج بنظرة لائمة غاضبة أم هاشم التي تقف بملامح جامدة وأنف مرفوع بشموخ ثم فتح لها باب المقعد الخلفي .. فشعرت الأخيرة بالحرج واسرعت بالركوب بينما مليكة التي لم تتركه طوال الطريق مذعورة من جنون تصرف صاحبتها تدعو الله أن يسترها ولا يفضح جنونها ترن على الهاتف لتطمئن .

××××

بعد عشرين دقيقة

عاد شعبان أخو عصفور بعد أن ملأ معدته بساندويتشات الكبدة والسجق واتبعها بكوب شاي ساخن فبدد ذلك من تعب وقفته التي لا يعرف لها هدفا أو غاية أو حتى نهاية وتمنى ألا يغلبه النعاس .. فأخرج سيجارة يتيمة حصل عليها بالشحاذة من أحد أصدقائه الذي قابله بالصدفة عند المقهى وهم بإشعالها وهو يفكر فيما سيفعل بالمبلغ الذي وعده أخوه أن يكون من نصيبه إذا ما تم الحصول على أي خبر يخص بيت جابر دبور ..

عند وصوله لمكانه أمام الشارع الذي يقع بيت دبور في أوله لاحظ سيارة تقترب منه لكنه لم يعرها اهتماما فالسيارات تمر من هذا الشارع عادة لكنها توقفت عنده وأطل منها رأس يقول بصوت مهيب جمد الدم في عروقه" من أنت؟"

سعل شعبان من دخان السيجارة وبحركة تلقائية أخفاها خلف ظهره ورد " أنا ..أنا شعبان ابن حامد عباس يا حاج مصطفى"

قال مصطفى الزيني بلهجة أكثر لينا لكنها لاتزال تحمل في طياتها شيئا من الصرامة "كيف حال والدك؟"

رد شعبان " إنه يبيت في المستشفى اليوم وسيخرج غدا "

غمغم مصطفى بأسف " لا حول ولا قوة إلا بالله! .. ابلغ أخاك عصفور أن يمر عليّ غداً .. ماذا تفعل أنت هنا؟"

عاد الشاب للتشنج وقال بتأتأة" لا ..لا شيء.. كنت ..كنت انتظر أحد أصدقائي"

قال مصطفى بريبة " هنا؟.. وفي هذا الوقت من الليل؟"

اسرع شعبان بالقول " لا لا ..أنا كنت فقط ابحث عن شيء قد وقع مني قبل أن أستأنف السير"

سأله مصطفى "وهل وجدته؟"

رد الأخر بصوت مبحوح " أجل وجدته"

فقال مصطفى " إذن هيا عد الى بيتك حفظك الله من أصدقاء السوء"

"حاضر"

قالها وهو يهم بالتحرك ليقول مصطفى بحزم " إياك أن أراك متسكعا في الشوارع في وقت متأخر"

أطرق شعبان برأسه يقول "حاضر"

وأسرع الخطى في البداية قبل أن تتحول حركته لشبه هرولة فراقبه مصطفى يبتعد ثم ينعطف لشارع جانبي فتنفس الصعداء لكنه لايزال متوترا وغير مصدق.

لقد اتصل به مفرح وايقظه من النوم ليخبره باتصال أم هاشم وذلك لمعرفة مفرح بعلاقته الوثيقة بجابر بل إن البلدة كلها صارت تعرف بتقاربهما في الفترة الأخيرة واستشاره فيما سيفعل حين يعود بالطبيب مع أم هاشم خشية من أن يلفتوا انتباه أي شخص .. فأفجع خبر خروج بنت الشيخ زكريا من بيتها في هذا الوقت قلب مصطفى وزاد من قلقه على صاحبه .. وها هو قد حضر بسيارته ليراقب بيت جابر من بعيد تأمينا لدخول الطبيب وهو يدعو الله أن يتم الأمر على خير وأن يكون صديقه بخير فلولا سكون الليل ومعرفته بأنه وحده وعلى حسب ما فهم غير واعي لكان قد ترجل من سيارته واسرع إليه ..

مرت الدقائق ببطء شديد على مصطفى وهو يستغفر ويحوقل ويدعو الله من قلبه أن يحفظ صاحبه وزوجته حتى اقتربت سيارة مفرح واعطت من بعيد إشارة بكشافيها فرد مصطفى بإشارة مثلها تخبره بأن الشارع خال ..فركن مفرح سيارته بعيدا في الشارع الرئيسي وترجل منها بينما ترجل مصطفى الزيني من سيارته يسبقهما ليتفحص الشارع الجانبي الذي يقع فيه بيت جابر .

قبل دقائق كان جابر يحاول القيام من السرير بصعوبة بعد أن بحث حوله عن أم هاشم وناداها كثيرا.. حتى خيل له للحظات أنه لم يتزوجها بعد وبأنه كان يهذي بالأحلام.. لكنه حين استقام واقفا بصعوبة بجسد يرتجف من الحمى لمح ذلك الروب الأبيض الذي كانت ترتديه ظهر اليوم أمام ضيفاتها فتحرك يبحث عنها في المكان وهو يُكَذِّب ذلك الحدس اللعين الذي يحاول أن يعذبه بخاطرة أنها قد تهورت وخرجت لطلب المساعدة ..

لكنه بعد دقائق من البحث ومناداتها من فوق سلم الدور العلوي أسرع رغم الدوار والصداع يجرجر قلبه خلف قدميه نحو الغرفة يبحث عن مفاتيح سيارته وحافظة نقوده فوجد الاولى ولم يجد الثانية لكنه أسرع مستندا على الحائط ليذهب للبحث عن تلك المجنونة يشعر بأن روحه تغادر جسده وتسبقه في البحث عنها.

أما أم هاشم فعلى الرغم من هول الموقف واستشعارها الحرج من الرجال مما صدر منها من تصرف قد يروه في عرفهم تهورا لكنها كانت مقتنعة بأنه بالنسبة لها حياة أو موت وأنه لولا رفض الطبيب للذهاب معها لما شعر أحد بشيء .

ترجلت من السيارة.. وقد اخفت وجهها بطرف الوشاح ليشير لها مفرح بأن تسبقه وتدخل وحدها أولاً فأشارت له على من يقف على أول الشارع.. ليشير لها مفرح مطمئنا بينما وقف الطبيب يناظر ما يحدث بحيرة وذهول فقام مفرح بشرح حساسية الموقف له .

بمجرد أن اقتربت من الشارع مهرولة تعرفت على وجه مصطفى الزيني الذي أشار لها بصرامة وهو ينظر بداخل الشارع أن تدخل بسرعة فأسرعت هي نحو البيت تفتح البوابة بهدوء وتدخل ..ليتنفس مصطفى الصعداء لانتهاء الجزء الاول من المهمة السرية بنجاح ثم أشار لمفرح ليتقدم هو والطبيب.. واستقبل الأخير مرحبا بهمس ثم تحركا بخفة نحو البيت بينما ظل مفرح للمراقبة متحرجا من الدخول.

كان جابر قد وصل بصعوبة لنهاية السلم دون أن ينكفئ على وجهه فالأرض كانت تتأرجح من تحت قدمه .. وكل الأفكار السيئة المخيفة تتصارع في رأسه المحموم فتخلع قلبه على زوجته ليتفاجأ بباب البيت يُفتح وتدخل منه أم هاشم تقول "تفضلا (ثم هتفت بجزع وهي تسرع نحوه) جابر"

وقف الأخير مصدوما مبهوتا وهو يتطلع فيها وهي تربت على صدره .. وقبل أن يسألها أين كانت سمع نحنحة ودخول مصطفى الزيني يقول" بسم الله الرحمن الرحيم"

نقل جابر نظراته الغاضبة من أم هاشم لمصطفى ثم للطبيب فقال أبو حمزة " جابر ..ألف لا بأس عليك طمئنني .. زوجتك تقول بأنك مريض"

بصعوبة شديدة تماسك جابر وحانت منه حركة تلقائية بسحب أم هاشم خلفه قائلا بتألم "هل هذا طبيب ؟"





بعد قليل كان جابر يجلس على أحد مقاعد البهو وقد رفض أن يستلقي حتى على الأريكة أو حتى يصعد لغرفة النوم .. وقد أمر أم هاشم أن تبقى بالداخل ولا تقف مع الرجال .. فوقفت تراقب بقلق ما يحدث من بعيد ليقول الطبيب وهو يكتب في دفتره" من الواضح أنك قد أصبت بالتهاب معوي حاد و من الجيد أنني قد أحضرت معي حقنة خافضة للحرارة التي اعطيتها لك الآن حينما علمت بأن المريض محموم.. و ستنزل من درجة حرارتك إن شاء الله .. لكني مندهش من ذلك الطعام والعصير الذي تقول بأنك قد شربته"

لم يجب جابر كان متعبا متألما نفسيا وجسديا وغاضبا بشدة ويشعر بالحرج بينما قال مصطفى بانفعال مما سمع" أين هذا العصير؟"

أدار جابر وجهه ليجد أم هاشم تقف عند الممر صامتة وبدون أن يتفوه كانت قد فهمت وتحركت نحو المطبخ ثم عادت بعد دقيقة تحمل دورق العصير الذي التقطه مصطفى منها وأخذ يشتمه ويتفحصه قائلا بعبوس" لا يبدو له أي رائحة غريبة سوى أنه قد فسد (وتطلع فيه مضيفا ) لكن هناك اخضرارا غريبا فيه "

رد جابر بوهن وهو يمسد على ذراعيه بالتبادل ليحتوي رعدة في بدنه من أثر الحمى" كان طعمه ورائحته طبيعيين أنا متأكد"

وضعه مصطفى على الطاولة المنخفضة وأخذ من الطبيب ورقة الأدوية المطلوبة وهو يقول" عموما سنرجئ البحث في هذا الأمر مؤقتا ولنسرع بإحضار الدواء لك"

بلع جابر ريقه الجاف وعقله مشغول بسؤال (هل اتصلت أم هاشم بمصطفى أم أنها خرجت؟ ) لكن محفظته التي لم يجدها بالأعلى تخبره بأنها قد تكون قد خرجت فتألم بشدة رغم غضبه منها.

قطع أفكاره قول مصطفى على الهاتف" مفرح نحن سنغادر الآن هل الطريق أمان؟"

(مفرح الزيني أيضا)!.

قالها جابر في سره واستدار نحو أم هاشم التي هربت بعينيها من مواجهته ليضيف مصطفى وهو يعيد الهاتف لجيبه" هيا يا دكتور فالباشمهندس مفرح سيوصلك للمركز .. أما أنا (ونظر نظرة غاضبة رغما عنه لجابر الذي استقام واقفا بصعوبة وبدأ في التحرك معهم نحو الباب) سأحضر الأدوية واتصل بك يا جابر لتفتح البوابة وتأخذها مني أو سألقي بالكيس من فوق سور الساحة الخارجي .. لا داعي لخروجك أو للفت الانتباه لوجودي "

التفت الطبيب من عند الباب يقول لأم هاشم بلهجة معتذرة " لا تؤاخذيني يا أختي فالحرص واجب خاصة وأني غريب عن قريتكم"

نظرت نظرة سريعة مختلسة نحو جابر ثم قالت "الحمد لله على كل شيء"

وهمت بالتحرك خلف الرجال فحدجها جابر بنظرة جعلتها تتجمد مكانها .. ليحتمل جابر على نفسه ويخرج خلفهما لإغلاق البوابة وهو يتلمس طريقه على الارض التي تميد به بصعوبة مما جعل مصطفى يشعر بالشفقة على صاحبه.

كانت ساحة البيت أطول مما يعرف جابر بمسافة كبيرة وشاهد مصطفى الذي سبقه هو والطبيب نحو البوابة البعيدة يخرج رأسه منها بحذر والهاتف على أذنه قبل أن يشير للطبيب الذي خرج مسرعا وبعد برهة هم بالخروج فلحق به جابر أخيرا وهو يقول" أبا حمزة هل أنت غاضب مني ؟"

استدارة غير كاملة من عنق مصطفى قال فيها بصوت جاد " فيما بعد يا جابر عد لفراشك ..ألف لا بأس عليك.. شفاك الله وعافاك ..سأحضر أنا الدواء لا تشغل بالك (ونظر لسور البيت العالي الذي يحيط بالساحة وأضاف ) وسألقي به من هنا.. فاعتقد بأنه لن يكون به ما سينكسر"

قالها وخرج من البوابة وهو يتلفت حوله فأغلقها جابر خلفه بصعوبة.

بعد دقائق كان القلق يأكل قلب أم هاشم فعاد جابر أخيرا وهو يستند على الحائط ..وبمجرد أن رأته هتفت بلوعة "الحمد لله الطبيب يقول..."

حدجها بنظرة غاضبة اخرستها ثم رفع سبابته أمام فمه يقول بصوت متحشرج" أنا غاضب الآن يا أم هاشم ..غاضب لدرجة لا احبها ولهذا دعيني هذه اللحظة"

طوت شفتيها داخل فمها وراقبته وهو يصعد لأعلى ولم تعرف بأنه يبذل مجهودا حتى يبقى مستقيم الظهر .. فأسرعت بلملمة ذيل عباءتها في يدها واقتفاء أثره على درجات السلم.

بعد قليل كانت أم هاشم تجلس صامتة تراقب جابر الجالس على السرير قدماه على الارض يميل بجذعه للأمام مرفقيه على فخذيه صامتا محدقا في السجادة بملامح شديدة العبوس..

كانت تعرف بأنها تهورت وفعلت شيئا مجنونا لكنها لم تعترف لنفسها بأنها أخطأت فحدثت نفسها بصوت خافت مبرطمة "فليغضب مني إن أراد المهم أن الطبيب قد حضر وسيكون بخير"

سألها بصوت واهن" أين ذهبت بالضبط؟"

أسرعت بالقول بمراوغة " اسمع يا جابر لا يهم الآن المهم.."

"أين ذهبت بالضبط؟"

قالها بخفوت صارم فردت " مركز المحافظة لأحضر الطبيب لكنه رفض الذهاب معي فلم أجد إلا أن أتصل بمليكة واطلب منها أن أتحدث مع الباشمهندس مفرح الذي طلب مني ومن الطبيب أن نبقى مكاننا وجاء لينقلنا بسيارته"

رد ساخرا من بين أسنانه " طبعا ..حتى لا تركبين وحدك مع الرجل الغريب في هذا الوقت"

قالت باندفاع " لا تقلق يا جابر مفرح والحاج مصطفى بارك الله فيهما أَمّنا المكان ..ولا اعتقد أن هناك من لمح خروجي أو عودتي وأعتقد بأنهما اولاد اصول ولن يسيئا لسمعتك"

قال من بين أسنانه "وأنت؟ وسمعتك؟"

قالت بتلقائية " أنا لا يهم"

هتف وهو يطالعها بعدم تصديق " كيف وأنت جزء مني وسمعتك من سمعتي وما سيحدث لك أو لسمعتك يخصني؟!"

قالت تدافع عن نفسها "كنت تحتاج لطبيب يا جابر "

هتف غاضبا " كنت اتركيني لأموت ولا تعرضي نفسك للخطر "

تركت الأريكة وهرولت إليه تقول بلهجة ملتاعة" "بعيد الشر عليك"

بمجرد أن اقتربت أمسك بمعصمها يضغط عليه بغضب ورفع إليها أنظاره يقول بلهجة موبخة "ألم أنهك من التواصل مع أحد!"

قالت بلهجة باكية وهي تتطلع في عينيه الحمراوين "لم أتواصل أنا خرجت بنفسي لإحضار الطبيب.. واضطررت للاتصال بمليكة حينما فشلت"

لم يعرف جابر إن كان عليه أن يضربها أم يحضنها .. كانت أمامه مجهدة منهكة وحزينة فظل يحدق فيها بحيرة ومشاعر متناقضة .

قطع تحديقهما في بعضهما صوت هاتفه الذي فتحه منذ دقائق في انتظار مصطفى الزيني فأسرع جابر بالرد "نعم أبا حمزة (ثم استند بكفه على السرير يقول وهو يهم بالنهوض ) ألقيت بكيس الدواء في الساحة؟"

أسرعت أم هاشم تقول" أنا سأحضره "

ولم تعطه الفرصة بل انطلقت تترك الغرفة فراقب مغادرتها وهو يعود للجلوس مستسلما ومتألما ثم قال لمصطفى "جزاك الله خيرا يا أبا حمزة .."

لم يرد مصطفى فعاود جابر سؤاله السابق "هل أنت غاضب مني؟"

"ماذا تعتقد أنت ؟"

قال جابر مبررا " الأمر كان في توقيت حساس"

قال مصطفى بلهجة متألمة حزينة " كنت اعتقد بأنك تثق فيّ وستلجأ لي في هذا التوقيت الحساس الذي تتحدث عنه"

أسرع جابر بالقول " أنا أثق بك ثقة عمياء يا مصطفى .. الأمر حدث خلال سواد الليل وكنت أقول لنفسي وعكة بسيطة وسأتحسن في الصباح ثم بدأت حرارتي في الارتفاع .. وبصراحة كنت أحاول التحمل حتى مساء الغد فالأمر كان محرجا وكنت أخشى من أن يتسرب الخبر بطريقة أو بأخرى فتثبت الشائعات على أم هاشم في عقول الناس وكان لدي أمل في التحسن ثم فقدت القدرة على التفكير بشكل عقلاني بعد ذلك "

علق مصطفى موبخا " وها هو عنادك مع نفسك ومبالغتك في حماية زوجتك اضطر بنت الشيخ لأن تتصرف بنفسها بهذا التهور.. اقسم بالله كلما أتذكر ما قامت به بمنتهى الشجاعة اشعر بالرغبة في ضربك يا جابر"

تعالت انفاس جابر معترفا لنفسه بأنه المُلام ليأتي حديث مصطفى ليؤكد له ذلك فقال بلهجة نادمة" اعترف بأني السبب يا مصطفى لكني والله كنت خائفا عليها"

تنهد مصطفى قائلا " الحمد لله أن سترها الله معكما سأطمئن عليك في الصباح"

قبل أن يغلق ناداه جابر " مصطفى"

"نعم "

قال جابر " ارغب في إخراج صدقة بنية الشفاء والشكر لله أن حفظ تلك المتهورة التي تزوجتها من السوء"

رد مصطفى مطمئنا " لا تحمل هما اعتبرها قد خرجت والتفت لصحتك .."

فقال جابر بوهن" اخبرني بالمبلغ بعد أن يذهب لمستحقيه"

قالها وهو يرى أم هاشم تدخل لاهثة تحمل كيس الدواء فغمغم قبل أن يغلق الخط "بارك الله لك"

تطلع فيها وهي تقترب متفحصة علامات الصيدلي وتعليماته على الأدوية ثم أخرجت حبات الدواء وناولتها إياه مع كوب الماء فابتلعها جابر وهو لايزال لا يصدق ما قامت به وكلما فكر في أنها كانت في طرقات البلدة وحدها تحت ظلام الليل يشعر بالألم الشديد في قلبه .. ألم سرعان ما انتشر في كامل جسده بشكل مضاعف فنام على ظهره ورفع ذراعه ليغطي عينيه يستغفر ويحوقل حتى لا يقنط من رحمة الله ..

حين غلبه النعاس بعد قليل.. اقتربت أم هاشم وتحسست الحرارة فوق جبينه ثم زفرت براحة حينما وجدتها قد انخفضت وأن انفاسه انتظمت في نوم عميق .. فتحركت تعود إلى حيث كانت .. إلى الأريكة المقابلة ورقدت على جانبها .. ولم تحتاج لدقائق حتى تذهب في نوم عميق بعد أربع وعشرون ساعة من الإجهاد وضغط الاعصاب.

××××

صباح اليوم التالي
تململت بدلال فوق ذراعه ولمحت من تحت جفونها صدره العضلي العاري فأخذت تتحسسه بأصابعها وتمرر يدها فوق عنقه .. ليتململ كامل في نومته .. فابتسمت وتذكرت لحظاتهما الخاصة ليلة أمس وتذكرت ذلك الكلام الجميل الذي أخبرها به .. وكيف كانت قبلها لا تتصور أبدا أن يخبر رجل حبيبته بخواطر وأشعار أثناء لحظاتهما الخاصة .. فقفز قلبها من السعادة واحمرت وجنتاها من ذكرى التفاصيل .
وبمناسبة الاحمرار تساءلت هل تحسنت حالتها أم ساءت ؟.
همت بالقيام من السرير فتشبث بها ذراع كامل يمنعها عن الحركة وسمعت صوته الأجش يقول "إلى أين؟"
قالت بخفوت "ظننتك نائم"
قال وهو يعتدل في نومته "استيقظت للتو"
قالت له بتوجس " طمئني كيف حال وجهي؟"
رفع رأسه عن الوسادة يتطلع فيها ثم رفع حاجبه وسألها" ماذا كان لونك الأساسي بالضبط؟ "
تشكل الجزع ببطء على ملامحها حتى كادت أن تطلق صرخة مولولة.. لكن كامل قتل ولولتها في مهدها حينما مال برأسه فوقها وأطبق على شفتيها بقبلة أخرستها وهدأت من روعها .
××××
خرجت أم هاشم من الحمام تجفف شعرها بمنشفة واقتربت من المرآة تتطلع في شعرها الذي عاد لهيئته الحقيقية مجعدا بشدة بعد أن فقد شكله المفرود الذي حصلت عليه في صالون التجميل ..فشعرت بالحسرة الشديدة لأن جابر لن يرها لأول مرة بشكلها المعدل ..
استدارت تتطلع فيه وهو مستغرق في النوم وشعرت بالشفقة عليه فاقتربت منه تلمس جبينه بحنان وأحست بالراحة لأن حرارته طبيعية فعادت تنظر لشكلها في المرآة وغمغمت بلهجة ساخرة "نصيبك أن ترى الشعر المجعد يا جابر.. كنت أود أن اسعدك ولو لليلة والله بالشعر المفرود لكنه قدرك يا حبيبي.. فتحمله حتى يحلها ربك من عنده "
اهتز هاتف جابر بجواره فأسرعت بالتقاطه لتجد اسم حماتها فأسرعت بالخروج من الغرفة وهي ترد " كيف حالك يا خالتي "
قالت نجف " أنا بخير الحمد لله هل جابر لا يزال نائما ؟"
قالت أم هاشم وهي تمسك بلسانها حتى لا تخبرها بما حدث له " أجل لا يزال نائما "
شعرت نجف بالتوتر أكثر.. إنها منذ أن تركت البيت وقلبها مقبوض واتصالها أمس بجابر وأم هاشم لم يطمئنها والآن صوت زوجة ابنها فقالت تجس نبضها "اخواتي يتمسكن بأن أظل لآخر الأسبوع عندهن .. لكني أقول بأن عليّ أن أكون في استقبال أهلك غدا باعتباره اليوم الثالث للزفاف"
قالت أم هاشم بلهجة متوسلة " ولماذا لا تأتين اليوم وتنيرين البيت يا خالتي لتحل فيه البركة؟! "
قالت نجف" لا أريد أن أثقل على العرسان "
ردت أم هاشم باندفاع" أبدا سنفرح كثيرا .. (وأضافت بلهجة محرجة نبهت نجف لأن هناك شيئا ما غير طبيعي ) ليتك تحضرين وحدك "
سألتها حماتها عاقدة الحاجبين " هل هناك شيء يا أم هاشم ؟"
صمتت الأخيرة لا تعرف هل تكذب فيؤخذ عليها هذا الكذب حينما تعرف حماتها فيما بعد أو تقول الصدق .. لكنها تتمناها أن تحضر .. تشعر برغبة في مشاركة أحد يهمه أمر جابر ما تمر به خاصة وأنها لا تعرف ماذا سيكون حاله حين يستيقظ فقالت بلهجة مقتضبة " ليتك تحضرين اليوم وتنيرين بيتك"
قالت نجف وهي تحافظ على ملامحها أمام أختها "حسنا يا ابنتي "
أغلقت نجف الخط واستدارت لأختها تقول "أنا سأعود .. اطلبي أحد من أولادك ليوصلني"
قالت أختها مشاكسة " هل ستمارسين على البنت دور الحماة من الآن يا نجف .. أنت لم تفعليها مع العقربة زوجته الأولى "
قالت نجف بمراوغة " لا ولكني غير مرتاحة في النوم هنا .. وأنتن مشغولات بترقب ولادة ابنتك في أي لحظة.. ولن يفرق اليوم من غدا فأنا كنت عازمة على العودة في الغد "
ردت أختها باستسلام" حسنا ما دمت تصرين "
بينما غمغمت نجف في سرها " استرها يا رب"
××××
انتظرت صباح حتى ينتهي زوجها من مكالمة هاتفية وقالت بغيظ" كل هذا ستطلبه بالديّن يا يحيى؟!"
رد يحيى مهموما "وماذا سنفعل غير ذلك يا صباح ؟.. غدا اليوم الثالث للزفاف ولابد أن نجبر بخاطرها ونشرفها أمام أهل زوجها وأمام الجيران"
قالت باعتراض " وما المفروض أن تفعل أكثر مما فعلت؟ .. ألا يكفي بأنها تزوجت من رجل مقتدر ماديا ؟!.. ماذا ستريد هي أكثر من ذلك !"
قال يحيى بغضب "وهذا أدعى وأوجب لأن نفعل ذلك يا صباح .. ولا تنكري بأنها قد تكفلت بنفسها في أغلب حاجياتها بل أني أشعر بأنني مقصر معها بسبب ضيق اليد"
طالعته بغيظ ثم هتفت " ها قد تزوجت وانتهى الأمر وها أنا كل يوم استيقظ من الفجر لأعد لها طعام الصباحية "
ناظرها بنظرة ذات معنى يقول "يا صباح!.. إن أم كريم هي من ترسل لك معظم الطعام جاهزا "
قالت بارتباك " هي من طلبت أن تساعد فأرسلت لها الطيور والخضار والأرز وخلافه"
تنهد دون تعقيب وهم بمغادرة البيت يقول " المهم أننا قد دبرنا زيارة اليوم الثالث .. أما زيارة اليوم السابع فأعدي لنا قفصا من الطيور من فوق السطح مع ما سأدبره لنذهب به إليها إن شاء الله "
ضربت صباح على صدرها تقول باستنكار "هل تأخذ من طيوري التي أربيها من أجل زواج بنتي يا يحيى !"
قال يحيى " ننتهي من أم هاشم أولا "
صاحت بانفعال " إن زفاف سامية بعد أقل من شهرين"
رد مطمئنا رغم شعوره بالهم " فليدبرها الله من عنده أنا ذاهب "
هتفت قبل أن يفتح الباب " ألم تكن من قبل غير راض عما يتكبده الأهل في زواج البنات؟.. لماذا تنفذ ذلك الآن وتتمسك بعادات اليوم الثالث واليوم السابع لتشرفها أمام أهل زوجها !"
توقف يحيى عند الباب لبرهة ثم استدار إليها قائلا بلهجة ذات مغزى" موافق لكن بشرط .. سأفعل ذلك مع كل بناتي ما رأيك ؟"
جاءه الجواب عبر امتقاع وجهها فزفر بيأس وتحرك مغادرا وهو يقول " السلام عليكم "
ردت صباح السلام وغمغمت في سرها" متى سنتخلص من هذه البلوى يا رب .. ذهبت وستأخذ كل شيء معها "
××××
هتف كامل باعتراض هامس وهو يلحق ببسمة التي تتحرك بسرعة في ممر الطابق العلوي المؤدي للناحية الأخرى من الغرف قاصدة غرفة والدتها "كيف لن تخبريها!!"
استدارت ترفع نظراتها الزرقاء إليه بوجه ازدادت البقع الحمراء فيه وقالت هامسة باستنكار "كيف تطلب مني أن أخبر أمي بمنتهى الجرأة أننا .... كنا .. ليلة أمس .. كنا..."
قلب كامل مقلتيه ورد ببرود "مثلما تجرأتِ وأخبرتِها بأنه كان بيننا اتفاقا بعدم إتمام الزواج"
ردت مجادلة " وعدت وأخبرتها أمس بأننا بتنا نعيش زوج وزوجة عاديين"
وضع يديه في جيبي بنطاله الرياضي ورد " لا يكفي"
ناظرته بغيظ .. فأضاف وهو يتأملها في رداء بيتي بنطال رمادي يلتصق بتفاصيلها وتيشيرت باللون الوردي بربع كم وعلى صدره حروف لامعة بفتحة رقبة عريضة تبرز جزءا من الكتفين " لا يكفي لابد من تأكيد هذه المعلومة"
قالت عابسة وهي تتركه وتكمل طريقها "أمي فهمت الأمر وسأتحرج من التحدث معها في شيء كهذا مجددا .. لكن إن سألت سأؤكد لها أعدك بذلك"
سحبها من ذراعها لتلتفت إليه فتوقفت متخصرة تناظره بتحفز ليقول كامل مهادنا "حسنا ..لدي فكرة .. ما رأيك أن أقبِّلك قُبّلة خاصة تترك على كتفك علامة مثلا ؟"
تابعته بحاجبين معقودين وهو يضيف بلهجة متسلية " ثم تدخلين عليها وتكشفي عن كتفك بشكل وكأنك غير متعمدة ثم تقولين ( وكشف عن كتفه العريض وقال يقلدها بصوت رقيق ) يا الهي إنه كامل المتوحش الـ ... "
أسرعت بكتم فمه بيدها فتراقصت ضحكة متسلية في عينيه لتقول هي بوجه أحمر "أغلق فمك يا كامل وكف عن هذه التخيلات الوقحة (ثم أدارته للخلف وقالت وهي تدفعه بعيدا بصعوبة ) هيا اذهب "
استدار يقول بغيظ "لابد من حل إن سمعتي في خطر "
ضربت كفا بكف وهي تقول "لا حول ولا قوة إلا بالله .. وهل سننقذ سمعتك بهذه الطريقة الوقحة"
هز كتفيه ورد ببرود " النساء يفعلن ذلك"
راقب احمرار وجهها كليا وداعب خجلها الواضح مشاعر الرجل الشرقي فيه بينما هتفت بسمة قبل أن تستدير وتغادر "النساء يفعلن ذلك في الأفلام الرخيصة التي شاهدتها .. اذهب هداك الله"
كان مقتنعا بكل ما تقول لكنه استمر في مشاكستها فأسرع بالذهاب خلفها مجددا ينادى عليها" باسمة انتظري عندي اقتراح أخر"
تطلعت بسمة في الغرف بحيرة ثم استدارت تسأله" أي غرفة هي غرفة أمي ؟"
رد عليها" الثانية على اليمين"
همت بفتحها فقال مهددا " إن لم تسمعيها سأدخل بنفسي أخبرها بها"
زفرت واستدارت إليه ثم عقدت ذراعيها أمام جذعها تقول بفم ملوي" تفضل كامل بك"
وضع يديه في جيبي بنطاله وقال ببرود" أنت ستدخلين عليها وتمثلين التعب والإجهاد .. بالطبع ستسألك (ما بك) فستخبرينها بأن كامل لم يتركك في حالك طوال الليل وأن....."
غطت بسمة وجهها بكفيها فقال مستمتعا باستفزازها شاكرا للحظة كهذه بينهما بعد أن أضحى يقدر كل لحظة معها " ما بها هذه الطريقة إنها مؤدبة؟ "
كشفت عن وجهها تقول باستنكار " هذه مؤدبة!!"
رد بغيظ من بين أسنانه " لابد من طريقة تؤكد الموضوع وتثبت لها اتمام الزواج "
اقتربت منه تدفعه في صدره بكفيها بينما هو يرفض الحركة فقالت بغيظ" اذهب كل من بالفيلا سيسمعنا وما أخفيناه سيعرفه الجميع "
"هل هناك شيئا يا بسمة؟ "
قالتها فاطمة وهي تقف على باب غرفتها فاستدارت بسمة بارتباك ليسرع كامل بلف ذراعه حول رقبة بسمة وألصق ظهرها به يقول لفاطمة "صباح الخير يا حاجة فاطمة"
ابتسمت فاطمة ترد بسعادة جمة "صباح الرضا يا بني "
قال كامل بابتسامة " لا تؤاخذينا تأخرنا في الاستيقاظ اليوم لأننا لم ننم إلا بعد شروق الشمس "
جزت بسمة على أسنانها ولفت ذراعها للخلف وقرصته في بطنه فتلوى كامل قليلا وأطبق ذراعه حول عنقها وكأنه سيخنقها بينما رفعت الحاجة فاطمة طرف وشاحها تغطي فمها وعلقت بحرج" أسعدكما الله يا بني "
ابعدت بسمة ذراعه عن رقبتها واستدارت ترفع أنظارها له بغيظ مولية ظهرها لأمها فرقص لها كامل حاجبا مغيظا وتحرك مبتعدا بعد أن مسح على صدر التيشيرت بكفه بما يعني ( لقد ارتحت الآن ) .
قالت الحاجة فاطمة " أنا أستعد للمغادرة يا بسمة"
عادت الأخيرة تنظر لها باندهاش وهي تقول "لماذا؟.. ألم تقولي بأنك ستبقين ليومين أو ثلاثة ؟"
أجابت الحاجة فاطمة "لقد اطمأننت عليك والحمد لله "
قال كامل بلباقة "ولماذا لا تبقين معنا عدة أيام؟"
ردت فاطمة " بارك الله فيك يا ولدي.. الحاج سليمان اتصل بي وأخبرني بأنه قادم في الطريق "
هز كامل رأسه وقال "على راحتك (ثم قال لبسمة ) سأنزل للطابق الأرضي وأطلب من زيلا إعداد الفطور "
راقبته وهو يوليهما ظهره ويبتعد يديه في جيبي بنطاله يتحرك بعنجهية فابتسمت واستدارت لتجد أمها قد دخلت الغرفة .
حين دخلت خلفها قالت بعبوس" ولماذا لا يتركك أبي لتبقي معي بضعة أيام؟!"
قالت فاطمة مبررة " تعلمين والدك يا بسمة حين يصر على شيء يفعله ( وأمسكت بذراعيها تتأمل وجهها وأضافت ) يا الهي لقد ازدادت البقع في وجهك !"
ابتسمت بسمة وردت" الحمد لله على كل شيء"
تحركت أمها لتجلس على طرف السرير وهي تقول " والله يا بسمة لم أنم طوال الليل من فرحتي"
وكادت أن تفصح لها عن مخاوفها من أن يلجأ كامل يوما للزواج بأخرى من أجل الانجاب لكنها أحجمت عن ذكر ما قد ينكد على ابنتها التي تراها سعيدة أمامها فأضافت "أدعو الله طوال الليل أن يكفيك شر العين ويهدي لك زوجك (وأمسكت بطرف وشاحها تمسح الدموع من عينيها وأضافت) رزقك الله السعادة يا بسمة يا بنت بطني "
أسرعت الأخيرة بالجلوس بجوارها واحاطتها بذراعها وهي تقاوم البكاء قائلة" كفي عن البكاء يا أمي أنا بخير بفضل الله ..ووعدت نفسي بعد الحادثة الأخيرة ألا أنظر للماضي سأنظر للمستقبل واستمتع بالحاضر .. "
جاءها صوت من جيبها فأخرجت هاتفها الجديد لتجد كامل يقول لها في رسالة نصية " لو كانت والدتك ستغادر اليوم فعلا أكدي عليّ الخبر لأن هناك شيئا أدبره "
ضيقت بسمة عينيها وحاولت تخمين ما يقصده في الوقت الذي سألتها والدتها "وماذا ستفعلين بالمشروع وبالبيت الذي احترق ؟"
عاودها الشعور بالحزن فردت وهي تعيد الهاتف لجيبها " سأعيد بناء المشروع من جديد بإذن الله"
قالت أمها باندهاش " ألن تسكني هنا في العاصمة مع زوجك ؟!"
ابتسمت بسمة وردت بتلقائية " سأعيش معه في أي مكان إن شاء الله .. لكن هذا المشروع ليس فقط رمزا لنضوجي واستقلاليتي ولكنه مصدر رزق لكثير من الفتيات اللاتي يحتجن للعمل ولا يستطعن الخروج من القرية "
ربتت فاطمة على ظهرها تقول " جبر الله بخاطرك يا ابنتي "
مالت بسمة لتنام على صدر أمها تتأمل أشعة شمس الصيف التي تنير الغرفة وهي تتمتم "يا رب "
××××
سمع جابر صوت جرس الباب بإلحاح فاعتدل بصعوبة ينظر في ساعة الحائط وتفاجأ بأنها الثانية عشر ظهرا وفهم بأن الزائرين هم أهل أم هاشم الذين يحضرون طعام العروس فاسرع بالقيام .
خلال بضع دقائق كان ينزل من على السلم مرتديا جلبابه الابيض يعدل من شعره بعجلة وهو يشعر ببعض التحسن عن الليلة الماضية لتقابله أم هاشم عند طرف السلم وهي تقول" كنت سأصعد لإيقاظك "
فتمتم ساخرا وهو يسرع نحو الباب" أنا شاكر لك جدا يا أم هاشم اعتباري رجل البيت"
قالها وخرج من باب البيت فغمغمت خلفه بابتسامة " فليبارك الله لنا في صحتك وتبقى رجل البيت حتى لو ستلقي من فمك الزلط لا يهم"
بعد دقائق دخلت نصرة وصباح وسامية وهند خلف جابر الذي استأذنهن بعد الترحيب بهن ليصعد للدور العلوي فقالت نصرة وهي تتجه للمطبخ لتضع ما تحمله من طعام " لقد احضرت لك الادوية التي طلبتها يا أم هاشم لتكون عندك للطوارئ"
ذهبت أم هاشم خلفها في الوقت الذي تطلعت فيها صباح وهي ترتدي عباءة مطرزة باللون الرمادي ووشاح حول رأسها ثم قالت هامسة بسخرية لابنتيها " هل تجلس أمام الرجل بهذا الشكل؟!"
ردت سامية ضاحكة " غالبا لم يعجبه شكلها بالملابس المكشوفة"
طالعتهما هند بشفتين ممتعضتين ثم تركتهما لتجلس على الأريكة تتطلع في الشقة حولها .. بينما عادت أم هاشم من المطبخ هي ونصرة فغمزت لها سامية قائلة " لقد تأخرتما في فتح الباب يا أم هاشم .. يبدو انكما غارقان في العسل"
ردت أم هاشم بهدوء " العقبى لك حينما تغرقين أنت الأخرى في العسل مع خلف"
قالت صباح "لقد اخبرت زوجك بأن عمك يحيى سيحضر بعد قليل للزيارة والمباركة"
هزت أم هاشم رأسها تقول" بارك الله لعمي وأطال لنا في عمره"
غمغمت صباح بفم ملوي " أتمنى فقط أن تتذكري ما فعله عمك من أجلك وأنه قد كلف نفسه فوق طاقته ليشرفك أمام عريسك رغم أن لديه خمس بنات في رقبته من بينهن واحدة ستتزوج خلال شهرين"
هتفت نصرة باستنكار" ما لزومه هذا الكلام يا صباح !"
ردت أم هاشم بهدوء" اتركيها يا أم كريم فغالبا هي اخطأت في العد .. فعمي لديه ست بنات ما شاء الله.. والحمد لله انه قد تخلص من الكبيرة ليتفرغ للأصغر منها"
ابتسمت كلا من نصرة وهند بينما امتقع وجه صباح وهتفت "ألن يتوب الله علينا من سلاطة لسانك هذا!"
ابتسمت أم هاشم وردت" ما دمت على قيد الحياة .. إذن لساني موجود "
بعد قليل فتحت أم هاشم باب غرفة النوم بحرج فلا تزال غير مصدقة أنها مع جابر في بيت واحد بل وتدخل عليه غرفة النوم.. فأدخلت رأسها من الباب تبحث عنه قبل أن تلمحه يجلس على كرسي يصلي .. تأملت شعره الندي المصفف للخلف والجلباب الأبيض الذي يرتديه ولحيته المنمقة الأنيقة .. ووقفت تتطلع فيه بملء عينيها دون حواجز ودون شعور بالذنب .. تأملت ملامحه الخاشعة ودعت له بأن يتمم الله شفاءه حتى يستطيع السجود..
يقولون بأنه كلما اقتربنا من الصورة ووضحت تفاصيلها ظهرت عيوبها.. لكنها كلما اقتربت منه ازدادت حبا وتعلقا وعشقا لهذا الرجل .. كلما اقتربت تضخم قلبها بالعاطفة وسرق منها عقلها .. فادركت أن لحظة الفراق عندما تحين ستكون الموت بالنسبة لها ..
وهل بعد فراق الحياة إلا الموت !..
فهمست في سرها" الله المستعان"
سلم جابر فأجلت صوتها تقول بارتباك هو وحده القادر على إصابتها به" ألن تأكل ..أنت لم يدخل جوفك الطعام منذ يومين"
قال لها بضيق" لا أريد أيا من الطعام الذي يحضرونه "
قالت مدافعة "إن نصرة هي من طبخت"
رد بنفس الضيق " لا اريد.. ولا اعتقد بأن معدتي ستتحمل هذا النوع من الطعام"
قالت بسرعة "سأعد لك طعاما سريعا حالا"
سألها " هل صليت الظهر؟"
هزت رأسها تقول "توضأت لكني لم أصل بعد"
أشار لها بيده وهو يستقيم واقفا" هيا لنصليه معا"
تسمرت مكانها وانفجرت دقات قلبها بعنف فنظر إليها جابر متفحصا ثم قال" نحن لم نصل معا حتى الآن يا أم هاشم .. هيا أسرعي"
ظلت تحدق فيه ليقول "هيا يا بنت فعمك سيصل بعد قليل"
بخطوات بطيئة .. وكأنها تمشي فوق السحاب .. اقتربت من حلمها ..فراقبها جابر مندهشا من حالتها حتى وقفت خلفه فسألها بقلق " هل أنت بخير؟"
هزت رأسها بتأكيد دون كلام فلا توجد عبارات قد تصف شعورها اللحظة .. حلمها الذي سيتحقق بعد ثوان .. حلمها بالصلاة خلف جابر ...مرافقته أمام رب العالمين ..
هل حقا ستصلي خلفه ؟
توجه جابر بوجهه نحو القبلة ورفع يده مكبرا فوقفت أم هاشم بخشوع وجسدها كله يرتجف .. وبعينين مثقلتين بالدمع كانت تؤدي خلفه وروحها تطفو فوقهما .. تسجل هذه اللحظة .. لحظة الصلاة لأول مرة معه.
حين انتهيا سجدت أم هاشم سجدة شكر .. سجدة سكبت فيها دموع الفرح وأطالت في السجود فوضع جابر يده على كتفها يقول بقلق "أم هاشم"
لم تستطع الاعتدال فجذبها جابر من ذراعها ليساعدها على الاعتدال ثم سحبها إليه لتقف على ركبتيها بجوار كرسيه وحضنها مهدئا .. فأجهشت بالمزيد من البكاء ويدها تقبض على ملابسه.
كانت محاصرة بمختلف المشاعر لكن ما كان يشغل عقلها ويدغدغ قلبها هو تلك الصلاة التي فازت بها أخيرا معه .. صلاة متبوعة بحضن .. وليس أي حضن وإنما حضنه هو..
لحظتها شعرت بأنه قد جُبِر بخاطرها.
إنها لحظة جبر الخاطر ..
بصلاة .. وحضن.
قال جابر بحنان وهو يمسح على رأسها وظهرها بعد أن فرغ من الدعاء " أعرف بأننا قد مررنا بمحنة .. وأن فرحتك قد سُرقت منك.. لكنه ابتلاء من رب العالمين ليس علينا فيه إلا الصبر والاحتساب .. وأنا اخطأت في التعامل مع الموقف واتحمل كامل مسؤولية ما حدث بعد ذلك ..واعدك بأني سأعوضك "
غمغمت في حضنه" أنا لا أريد شيئا إلا أن يتمم شفاءك على خير "
قالتها واجهشت بالمزيد من البكاء .. فشدد جابر من ذراعيه حولها ولهجتها الصادقة ربتت على قلبه لكن دموعها كانت تعذبه ..وتدر حنان قلبه في نفس الوقت .. بينما رائحتها وعظامها الرقيقة بين ذراعيه استهدفا مكامن الرجل فيه فغمغم بجوار أذنها بهمس دافئ " قلت لك دموعك تؤلم قلبي يا بنت شيخي"
رن هاتف جابر فأسرعت أم هاشم بالابتعاد تمسح دموعها في محاولة للسيطرة على انهيارها فهي لا تحب أن تبوح بما يجعلها مثيرة للشفقة .. ليستقيم جابر واقفا ليحضر الهاتف ثم قال" هذا عمك لابد انه سيبلغني بحضوره"
اسرعت بمغادرة الغرفة بعد أن قالت "سأعد لك أي طعام خفيف قبل أن يحضروا"
قبل أن يفتح الخط تأمل مغادرتها في عباءتها الرمادية الفضفاضة وغمغم لنفسه محرجا من مشاعره التي اهتاجت بقربها" اصبر يا جابر حتى تستعيد صحتك كاملة"


( 4 )



أخذ كامل يتحرك في الحديقة وهو يتحدث في الهاتف .. ولمح بعينيه في جانب الحديقة الخلفية بجوار الفيلا ونس وهي تحمل اصيصا كبيرا نسبيا من الزرع وتختفي في نقطة ما خلف الفيلا ..فعبس وهو يتابعها بأنظاره.. وبمجرد أن انتهى من المكالمة شتم من بين أسنانه وتحرك يبحث عنها حتى وجدها في أحد أركان الحديقة الخلفية تحمل المزيد من أصص الزرع الأقل حجما واحد في كل يد وثالث تسنده بساعدها على جانبها فنهرها قائلا بعبوس "ماذا تفعلين؟"
اتسعت ابتسامتها وعلامات الحماس على وجهها فمد يده يقول بغضب "هات ما تحملين "
عبست ونس واضطرت تحت نظرته الغاضبة أن تعطي له أصص الزرع الثلاث وأشارت له أن يضعها بجوار عدد من الأصص التي رتبتها بعناية فناظرها بامتعاض ثم وضعها ببعض الخشونة بجوار الأصص الأخرى وهو يقول" بالله عليك هل حملت كل هذه ؟! .. إن منها ما هو ثقيل يا ونس أنت مصرة على أذية نفسك"
وقفت تشبك أصابعها خلف ظهرها بذلك البنطال الرياضي المريح والبلوزة الفضفاضة فنظر كامل باستهجان لما تفعل وقال بلهجة موبخة " ماذا تفعلين تحت حرارة الشمس؟!"
أسرعت بحماس تخرج الدفتر وتكتب "سأزرع هذه الأصص .. أحضرت البذور والطين وكل شيء"
سألها بامتعاض وهو يتطلع في الأشياء" وهل سوسو تعرف بأنك ستخربين الحديقة"
طالعته بملامح مغتاظة ثم كتبت" أولا أنا لا أخرب فأنا لست صغيرة "
رد بتهكم" هذا بالذات أنا أشهد لك به"
فأضافت في الدفتر " ثانيا أجل سمحت لي سوسو ما دام في أصص وليس في أرض الحديقة"
نظر في الدفتر ثم رد بشفتين ممتعضتين "وهل سوسو وشامل يعرفان بأنك ستحملين الأصص وخاصة الكبيرة منها بنفسك ؟"
حدجته بنظرة نارية ثم كتبت" أريد أن انتهي من هذه الفكرة من رأسي لأني سأنشغل من بداية الاسبوع القادم بالدراسة في المعهد"
سألها كامل" ستبدئين الأسبوع المقبل؟"
هزت رأسها وأسرعت بالجلوس أرضا أمام الأصص فقال لها" ألا يمكن أن تؤجليها لأخر اليوم فالشمس اشتدت "
كتبت ونس في دفترها ورفعته" لا ..أريد أن أنتهي من الأمر .. بداخلي حماس شديد ولن استريح حتى اخرجه "
مط كامل شفتيه ممتعضا وهم بالإرسال لشامل حتى يتصرف فيما تفعل هذه المجنونة قبل أن تطلق ونس تأوها وهي تسحب اصبعها من كيس الطميّ الذي ستضعه في الأصص .. فاقترب كامل يرى اصبعها الذي جُرح وبدأ ينزف وقال بعصبية وهو يسحبها من معصمها لتستقيم واقفة "هل أنت مجنونة لابد من قفاز مطاطي ومغرفة لوضع الطميّ في الأصص (وأشار لها على صنبور أرضي يستخدم لري حشائش الحديقة لتغسل يدها وهو يقول) اغسليها واذهبي لتعقيم إصبعك"
قوست ونس شفتيها ببؤس فأشهر قبضته في وجهها وقال بغيظ وقد أشفق قلبه عليها "اذهبي واغسلي يدك يا ونس "
تحركت نحو الصنبور فبرطم يحدث نفسه وهو يجلس القرفصاء "ونس وما نبتلى به بسبب ونس"
غسلت يدها وأخرجت منديلا ورقيا من جيبها لفت به اصبعها ثم عادت بإصرار للمواصلة حينما وجدت كامل يجلس على عقبيه يغرف بمغرفة خاصة بالطين ويضعه في الأصص فاقتربت منه مبتسمة.. ليقول لها بامتعاض "ناوليني البذور يا مدللة البيت (وبرطم بتذمر ) أصص وزرع وشيء في رأسها لابد أن تفعله وكأننا في روضة للأطفال !"
قهقهت ونس فرفع لها أنظاره يقول بعصبية "ناوليني الكيس وإلا سأحطم هذه الأصص فوق رأسك ورأس زوجك .. خلصيني"
التقطت الكيس وناولته إياه وهي تشير له أن يضع في كل أصيص ثلاث بذرات فقط ..فبرطم مجددا وهو يدفن البذور بينما أسرعت هي بالتقاط صور له بالهاتف وأرسلتها لشامل .
خرجت بسمة تبحث عن كامل وقد بدلت ملابسها لبنطال قماشي أبيض وبلوزة سوداء ذات خصر ضيق وقد تركت شعرها مسدلا على كتفيها .
وحين لم تجده رنت على هاتفه مرارا ثم لاحظت بأن جرس الهاتف قريب فأخذت تتبعه حتى وصلت للحديقة الخلفية ووقفت تتطلع في المشهد مبتسمة وهي تسأل" ماذا تفعلان؟"
رد بتذمر " أفعل هذا لست الهانم مدللة العائلة التي بلانا بها أخي"
ضحكت ونس وشاركتها بسمة وهي تتطلع فيه ليقول كامل بغيظ للأولى "هل هناك أصص أخرى غير هذه ؟"
هزت رأسها ضاحكة ..فأدار وجهه لبسمة يسألها بغيظ "علام تضحكين؟ .. ابتعدي قليلا بهذا البنطال الأبيض .. الـ ( بلع الكلمة ثم أضاف ) ابتعدي حتى لا يتسخ "
اقترب شامل بعد دقائق يقول متهكما وهو يمسك بقلبه" ما شاء الله!.. عشت ووجدت لك فائدة في هذا البيت غير الأكل والنوم "
رفع له كامل مقلتين مقلوبتين ناريتين بينما اقتربت ونس ترفع اصبعها لشامل بملامح بائسة فسألها بقلق" ماذا حدث لك؟"
اشارت له على الأصص فرفع كامل وجهه ينظر لها بنظرة ذات مغزى قائلا بتهديد "هل أخبره ماذا كنت تفعلين بالضبط؟"
مطت شفتيها .. فأحاط شامل جذعها بذراعه يقول" ماذا فعلت يا شقية ؟"
احمرت وجنتاها وهزت كتفيها ببراءة مدعية اللا شيء بينما استقام كامل واقفا ينفض يديه وينظر لونس قائلا "خدامك كامل انتهى يا سيدتي"
ضحكت بسمة بينما رفعت له ونس إبهامها بامتنان فقال شامل بلهجة هازئة "عشت يا أخي .. نعم الأخ والسند"
حدجه كامل بنظرة ممتعضة.. فقال شامل وهو يضيق عينيه "لماذا ينتابني شعور بأنك تدبر شيئا ما من خلف ظهري ؟"
تحولت نظرات كامل الممتعضة لأخرى متسلية فنظر شامل لبسمة التي هزت كتفيها تقول" أقسم لك لا أعرف شيئا "
عاد شامل لأخيه يقول " وما يؤكد ذلك أنني غير قادر على قراءة أفكارك "
جاء صوت جلبة من أمام الفيلا فقال كامل "يبدو أن الحاج سليمان قد وصل .. سأذهب لأغسل يديّ ولا تنس أن تعقم الجرح لمدللة العائلة"
قالها فوقف شامل يرمقه بشك بينما أسرعت بسمة باللحاق بزوجها .
بعد قليل كان غنيم يقول" لم يكن هناك داع لكل هذا يا حاج سليمان"
اعتدل سليمان في جلسته المختالة وقال "ليس من مقامكم والله يا غنيم بك .. "
خرج كامل وبسمة للترحيب بسليمان ومعهما الحاجة فاطمة فرحب به كامل ليقول سليمان مهللا" أهلا بالبطل الهمام والله البلدة ليس لها حديثا إلا عنك وعن بسالتك وشجاعتك"
ابتسم كامل بمجاملة ولاحظ السلام البارد بين سليمان وابنته وتلك النظرة الباردة المتألمة التي تطالع بها بسمة والدها الذي تطلع في وجهها المرقط بعبوس ثم قال وهو يدس يده في جيبه ويخرج من حافظة نقوده شيئا" هذا خط هاتفك القديم لقد استعاده لك وليد لأنه كان باسمه "
اخذته بسمة وهي تقول " شكرا لقد ابتاع لي كامل هاتفا وخطا جديدا ..لكن بالتأكيد سأحتاجه للتواصل مع حسابي على الانترنت لأحصل على المعلومات المخزنة عليه .. (ونظرت لكامل تسأله) أليس كذلك فأنا لا أفهم في تلك الأمور"
هز كامل رأسه وقال" سنرى هذا الأمر لاحقا"
نظر سليمان لفاطمة يقول" هل أنت مستعدة يا أم وليد ؟"
قال غنيم " لمَ العجلة .. لنتناول الغداء أولا"
عدل سليمان عباءته المعلقة على كتفيه وقال "عامر دائما يا غنيم بك ..لكن أمامي أشغال كثيرة.. تعرف أنا رجل مهم في القرية وهناك أمور لا تتم إلا في وجودي"
قال غنيم مجاملا" كان الله في العون يا حاج سليمان"
تحركت بسمة تسحب أمها وهي تقول "تعالي معي يا أمي لتستعدي للسفر "
ناداها كامل قبل أن تبتعد ثم اقترب منها يقول هامسا "ونفذي ما قلته لك أيضا "
طالعته بعينيها الزرقاوين تقول بتساؤل "علام تنوي بالضبط يا كامل ؟"
رفع سبابته أمام شفتيه يقول هامسا" نفذي ما أقوله لك وإياك أن يعرف أحد"
تركها وتحرك عائدا لحميه يقول "حاج سليمان كنت أريد أن اتحدث معك بشأن إعادة بناء البيت المحترق "
××××
نزل جابر وهو لا يزال يشعر بدوار فقالت أم هاشم وهي تغرف طبقا من قدر فوق النار "هل وصل؟"
دخل المطبخ يقول" على وشك الوصول فقط أخبرني الحاج يحيى انه منتظر مصطفى الزيني فهو متواعد معه أن يحضر معه هو وهلال "
قالت وهي تضع طبقا أمامه على رخامة المطبخ "هذا حساء الخضروات صنعته سريعا كل ملعقتين قبل أن يحضروا"
أمسك جابر بالملعقة يضعها في الحساء الساخن وقال والجوع يقتله "وأنت لم تأكلي"
ردت وهي تتجه لتغرف طبقا أخر" أنا أيضا سأكل"
سألها وهو يمضغ الطعام" لماذا لا تأكلين من الطعام الذي احضرنه؟"
قالت بعبوس "نفسي عافت كل طعام سيأتي من الخارج ما دمت لم اطبخه بيدي"
ابتسم جابر وتابعها وهي تضع طبقا على رخامة المطبخ أمامه وتبدأ في الأكل ليقول "على الأقل كلي قطعة من اللحم "
قالها وهو يعود لينظر في طبقه فتأملته والملعقة تهتز في يدها متأثرة .. إنه يأكل من صنع يديها لأول مرة ..
هل ستكون مبالغة لو دعت له مع كل ملعقة طعام تدخل جوفه بالهناء !..
هل سينعتونها بالهوس إن خلدت هذه اللحظة في ذاكرتها للأبد !..
إنها المرة الأولى التي يأكل فيها من صنع يديها..
هل سيصدقونها إن قالت أن قلبها الآن يتفجر فيه الحنان كينابيع وهي تراه يأكل من طعامها وكأنها أم تطعم ولدها !
رفع جابر أنظاره يسألها باندهاش "لماذا لا تأكلين؟"
أسرعت بخفض نظراتها وقد اشتعلت وجنتاها.. فقال جابر ساخرا " تشعرين بالغرابة لحالنا هذا أليس كذلك؟.. عريسان في اليوم الثاني لهما .. يقفان بالمطبخ يحتسيان الحساء على عجل "
قالت أم هاشم بحماس" والله لأصنع لك طعاما خفيفا على المعدة بعد قليل "
قال جابر وهو يشرب الحساء بالملعقة "يؤسفني أن تضطري للوقوف بالمطبخ وأنت عروس"
قالت مطمئنة " لا بأس ..( وطالعته تضيف مازحة ) ألم أقل لك أن الاقتران بي ليس سهلا .. ها أنت قد جربت"
رفع حاجبه وقال بلهجة متحدية فبدى أمام ناظريها ساحرا" وهل هذا أخر ما تستطيعين فعله؟! تؤتؤتؤ ظننت قواك الخارقة أقوى من ذلك .. ( وأضاف مناغشا ) عموما إن كنت أنت أم هاشم فأنا جابر "
انفجرت دقات قلبها بما يشبه المفرقعات في صدرها وهي تتطلع في حلو كلامه وحلو طلته فاتسعت ابتسامتها وأخفضت أنظارها للطبق بخجل أنثوي داعب مشاعره بينما تسمرت عيناه على الغمازتين اللتين ظهرتا مع الابتسامة.
لم ير ابتسامتها منذ زمن طويل جدا .. ولم يكن يعرف بأنها جذابة بهذا الشكل وأن شفتيها ممتلئتان خاصة الشفة العليا .. أما غمازتيها فكانتا اكتشافا بالنسبة له .. اكتشاف أسر عينيه للحظات فقال بلهجة معجبة "لم أكن أعرف بأنك تملكين غمازتين يا بنت شيخي .. يبدو أنهما لا تظهران لكل الناس "
ازداد اشتعال وجهها وارتجافها وهي تسمع كلماته الحلوة بينما عقد جابر حاجبيه مندهشا وهو ينتبه لأول مرة بأنها تغطي رأسها بوشاح ..
هل تشعر بالخجل إلى هذه الدرجة ؟
أم أنه لم يشعرها حتى الآن بأنه الرجل الذي يحل لها؟ ..
هم بالتعليق حينما رن جرس البيت.. فمط جابر شفتيه وهو يقول مغادرا المطبخ" ها قد حضروا "
أسرع نحو باب البيت وابتسامة زينت ثغره وهو يحدث نفسه" لماذا شعرت بالإحباط من وصول الضيوف في هذه اللحظة يا جابر .. قلنا تماسك حتى تسترد صحتك كاملة يكفيك هيئتك الكارثية أمامها ليلة زفافك "
بعد قليل كانت أم هاشم تناول جابر صينية عليها أكواب من العصير من باب الغرفة التي لها بابان باب على صالة البيت وباب أخر على ساحته فقال "بفزع ما هذا؟"
قالت تداري ابتسامتها" هم سيشربون العصير أما أنت فسأصنع لك الشاي "
غمغم بقرف وهو يأخذ الصينية " أي شيء إلا العصير (ثم تردد قليلا يسألها مازحا ) ماذا لو كان هذا مسمما أيضا ؟"
ابتسمت أم هاشم تلك الابتسامة ذات الغمازات وقالت "لا تقلق الزجاجة فتحتها لأول مرة بيدي( ثم اشارت على صينية أخرى تحتوي على أطباق من الحلوى والجاتوه وقالت) وأدخل هذه أيضا "
دخل جابر بالصينية فقال هلال بمرح مناكفا بعد أن أدخل الصينية الثانية " العقبى لك حينما نهنئك بقدوم جابر الصغير يا عريس "
تطلع جابر في مصطفى الزيني الذي تنحنح بحرج يداري ابتسامة صبيانية تزين جانبا من ثغره بينما عض جابر على شفته السفلي بغيظ يقول لهلال الذي يناظره بنظرة خاصة " هذا القر والحسد هو ما سيعجِّل بآخرتي"
قهقه هلال بمحبة فابتسم جابر بينما قال يحيى "بارك الله فيك ورزقك الصحة وطول العمر"
رد جابر بلهجة مازحة وهو يناظر مصطفى مجددا" نعم أهم شيء الصحة "
قال يحيى بعد قليل "أريد أن أبارك لأم هاشم"
فقال جابر وهو يستقيم واقفا" طبعا تفضل"
قالها وهو يقوده للباب الداخلي للغرفة ثم نادى على أم هاشم التي خرجت لعمها بابتسامة محرجة وهي تقول" ما كل هذه الأشياء التي جلبتها معك يا عماه"
عاد جابر لضيوفه بينما رد عمها وهو يضمها " مبارك لك يا أم هاشم والله فرحتي بزواجك ومن رجل محترم مثل جابر اسعدتني سعادة لا توصف فليعمر الله بيتكما بالمودة والرحمة والستر "
كلماته أثرت فيها فقالت بقلب مرتجف "آمين يا رب العالمين "
قال يحيى وهو يخرج ظرفا من جيب جلبابه " هذا نقوطك يا عروس"
شعرت بالتأثر ومدت يدها في حرج لتلتقط الظرف وهي تقول "لا حرمني الله منك يا عمي"
فربت يحيى على ظهرها في الوقت الذي سمع جابر جرس الباب فعقد حاجبيه واستأذن من ضيفيه ليخرج من الباب المؤدي للساحة الخارجية ثم ابتسم متفاجئا حينما وجد والدته قد أوصلها أحد أبناء خالته ..فقد كان يعلم بأنها ستأتي يوم غد اليوم الثالث للزفاف كما أخبرته .
سلم على ابن خالته مرحبا وهو يدعوه لغرفة الضيوف بينما أخذت والدته تتفحصه بعين الأم وسألته" هل أنت بخير؟"
غمغم جابر مراوغا" الحمد لله"
بعد ساعة خرج جابر من غرفة الضيوف بعد أن ودع ضيوفه ليجد أمه تقول بلوعة" ألف بعيد الشر عليك يا جابر .. أنا لا أصدق ما سمعته حتى الآن "
ناظر جابر أم هاشم بنظرة لائمة ثم قال" ألم أقل لك لا تخبري أمي "
هتفت نجف مدافعة " هي لم تخبرني أنا اتصلت لأعرف أخباركما فشعرت بأن صوتها ليس على ما يرام فحضرت وألحيت عليها لأعرف ما بكما "
تدخلت أم هاشم يسيطر عليها الحرج وهي تهرب من نظرته اللائمة فقالت " جزاك الله خيرا لدفاعك عني يا خالتي (وأضافت بشجاعة ) بصراحة أنا أقلقتها بصوتي وطلبت منها المجيء"
رفع جابر حاجبا متحفزا ثم رفع اصبعيه السبابة والوسطى في وجهها يقول محذرا "هذه هي المرة الثانية التي تخالفين فيها أوامري خلال يومين فقط من الزواج "
ناظرتهما نجف خاصة أم هاشم التي انكمشت تناظره بحرج قبل أن تندفع لتقول مجادلة بذقن مرفوع" هذا عادي يا جابر ..للعروس عشرة أخطاء تغتفر في بداية الزواج.."
ابتسمت نجف بينما حافظ جابر على عبوسه بصعوبة ورد باستنكار "عشرة أخطاء!.."
غمغمت أم هاشم مؤكدة بثقة " نعم "
مط شفتيه وسألها متهكما " وبعد ذلك ماذا يفعل الزوج فيها حينما تخطيء؟"
أجابت وهي تحرك يدها في الهواء فرنت أساورها الذهبية " بعدها لا تحاسب على أخطائها أيضا .. لأن الزوجة دائما على حق"
ضحكت نجف بصوت عال بينما وقفت أم هاشم أمامه تتصنع الجدية حتى لا تضحك فازدادت غمازتاها عمقا .
أما جابر فشعر بالغيظ وبرغبة في أن يسحبها من تلابيبها ويقبلها بقبلة تخرس فمها ذو اللسان الطويل هذا.. فناظر أمه التي تضحك وحافظ على عبوسه لتربت أمه على صدره وتقول "لا أنكر بأنها قد تهورت بخروجها ليلة أمس ..والله قلبي توقف وهي تحكي .. ولمتها ووبختها يا جابر ..لكن أعذرها كانت في موقف صعب وتصرفت بتهور لتنقذك "
نظر جابر لأم هاشم يسألها بلهجة متهكمة ذات مغزى "وهل اخبرتها بشيء آخر يا بنت شيخي!"
سؤاله ونظرة عينيه فهمتهما على الفور فاشتعل وجهها وغمغمت وهي تتحرك نحو غرفة الضيوف هاربة من سؤاله المحرج "قلنا أخطأت خطأين غير مقصودين وانتهى الأمر .. بقى لي ثمانية في الرصيد"
رفع حاجبا يراقب ابتعادها وشعور عجيب يسيطر عليه ..
إنه غاضب وليس بغاضب..
مستفز منها ولكن بطريقة خاصة ..
تسيطر عليه رغبة في مصارعتها ثم السيطرة عليها ومطارحتها الغرام .
حزمة من مشاعر عجيبة وغير مفهومة بالنسبة له يشعر بها لأول مرة ..
لكنه ولدهشته يشعر مع هذه المشاعر بأنه حي يتنفس .. وكأنه قد استيقظ من سبات طويل على رياح دافئة تدغدغ كل خلية فيه .
قاطعت أمه شروده حينما قالت "أنا لا أفهم موضوع الطعام هذا يا جابر هل تشك بشيء أو بأحد ؟"
أجاب وقد عاد يشعر بالإنهاك" فيم بعد يا أمي .. سنتحدث ونفند هذا الأمر فيما بعد.. أنا متعب الآن وأشعر بأن ارتفاع الحرارة يعاودني .. سأصعد لآخذ أدويتي واستريح قليلا "
××××

وقف شامل على بوابة الفيلا يناظر توأمه وهو يتفتت من الغيظ بينما كامل يضع الحقائب في حقيبة السيارة ..فقالت بسمة لسوسو وغنيم الواقفين في الحديقة "والله العظيم لم أكن أعرف أي شيء سوى أنه طلب مني أن أعد حقائب للسفر لعدة أيام وذلك منذ ساعتين فقط"

ابتسمت سوسو بتفهم وتطلعوا جميعا في شامل الذي يناظر أخيه متخصرا وونس تقف بجواره ليقول كامل بصوت عال "هيا يا باسمة علينا الوصول قبل حلول الليل"

بارتباك اسرعت بسمة بتقبيل وجنتي حماتها وحماها مودعة واسرعت بالهرولة تشعر بالحرج من شامل وونس ..

عند اقترابها من السيارة فُتِحت البوابة المقابلة وخرج منها جنزير وتلاه تسونامي التي تخشبت لثوان حينما تطلعت في التوأمين ثم زوجتيهما اللتين وقفتا تناظرنها بنظرات متحفزة ..فشحب وجهها وبلعت ريقها ثم أسرعت نحو سيارة ذات زجاج داكن تنتظرها بعيدا وهي تقول بلهجة استعراضية مغناج وخطوات مائعة" هيا يا جنزير حتى لا نتأخر عن حفلنا"

تحرك جنزير خلفها فتابعتها نظرات بسمة وونس اللتان تقفان متخصرتان حتى تحركت السيارة بتسونامي.

قال كامل لبسمة وهو يفتح لها باب السيارة "هيا يا باسمة "

استدارت إليه تقول بعبوس" هل كنت تنظر إليها ؟"

أسرع برفع يديه في الهواء قائلا" أنا زوج يرتعب من غضب زوجته جدا "

جلست في مقعدها بكبرياء بينما استدار كامل أمام السيارة وهو لا يزال يناظر توأمه مغيظا ثم اقترب منه ينفض له عن صدر قميصه قائلا "المطعم ومستقبل العائلة في يدك يا فلذة كبدي ..سأترك لك المجد لتصنعه وأذهب أنا لألهو قليلا مع زوجتي"

نفض شامل يد أخيه عن ملابسه وأمسك في خناقه يقول "أنا لم أخرج مع زوجتي خارج العاصمة أبدا ولم نذهب لأي مكان لماذا تخرج أنت؟"

نفض كامل عنه يد شامل وقال بلهجة متسلية مغيظة "وهل منعك أحد !.. عموما لا تبكي يا مسكين (ونظر لونس المقلوب وجهها وأكمل ) ولا تبكي أنت أيضا من الممكن أن تذهبوا حينما تنتهي الصغيرة من الفصل الدراسي ... (وهز رأسه بأسف مضيفا) تؤتؤتؤ أنتما لديكما دراسة يا مساكين .. أما أنا وبسمة فقد كبرنا وانتهينا من الدراسة وتفرغنا للهو "

وتحرك خطوتين للخلف ثم وضع نظارة الشمس على عينيه وهو يقول لونس محذرا" لا تُحزني أخي ولا تُؤذي ابن أخي يا صغيرة وأعدك أن اجلب لك قليلا من رمل الشاطئ حتى تلعبين به "

هتف شامل "اقسم بالله هذا ظلم"

فتح كامل كفه يُخَمِّس في وجه أخيه ثم قال لونس بلهجة آسفة وهو يفتح باب السيارة يقلد ما قالته له يوما " مسكينة ونس ليس لديها (كامل) ليأخذها للمنتجعات وحمامات السباحة والشمس والرمل والبحر"

قالها وركب السيارة بعد أن رفع شعره عن جبهته بمشط يده بحركة مختالة.. فراقبته بسمة وهي تكتم الضحك في الوقت الذي شغل كامل السيارة ثم أخرج رأسه منها يتطلع في التمثالين المغتاظين أمامه وأنزل النظارة قليلا يناظر ونس من فوقها قائلا بلهجة مغيظة "كامل ليس له في البالونات والقلوب الحمراء المقززة .. كامل يهدي الفنادق والمنتجعات والنزهات .. (وعدل نظارته ملوحا ) استودعكم الله "

تحرك بالسيارة فنظر شامل لونس التي تقوس شفتيها لأسفل ثم استدار لوالديه يقول بحنق وغضب "وأنت تركته يا أبي .. كل شيء على شامل وهو يعيش مدللا في هذا البيت !"

تصنع غنيم الجدية وقال "لقد فاجأنا كما رأيت بحجز كل شيء ودفع مبلغا تحت الحساب.. عموما حينما يعود اذهب انت وزوجتك فكما يقول ليس هناك أي حجز أخر "

هتف شامل بغيظ" بل هو الذي يتحجج حتى يذهب مع زوجته وحدهما.. لكن أنا لن اسكت على هذا الأمر ..( وتحرك يدخل الفيلا متوعدا) .. سترى يا كامل إما أنا أو أنت في هذا البيت .. "

وقفت ونس تشعر بالتوتر غير قادرة على تحديد إن كان غضب شامل جديا أم لا ..خاصة وهي ترى حمويها يكتمان الضحك حتى أشار لها غنيم لتسرع خلف زوجها فأسرعت بالهرولة خلفه وهي تسمعه يبرطم من بعيد" كل شيء فوق رأس الزفت شامل"

في السيارة ضحكت بسمة قائلة" يا إلهي إنكما طفلان صغيران .. متى قمت بهذا الحجز؟"

تطلع فيها كامل وقد غطت وجهها بكريم أساس لتداري البقع الحمراء ثم عاد ينظر للطريق قائلا "كان من المفترض أن يكون الحجز بعد ثلاثة أيام بسبب وجود والدتك لكن حينما علمت بأنها ستغادر اليوم حاولت مع الفندق حتى استطعت تقديم الحجز لليوم .. كان عليّ أن أخطف فاتنة المجرة واذهب بها بعيدا عن العيون (ونظر لها يغمز بعينه مضيفا ) لنكون على راحتنا"

احمر وجهها وأدارته نحو النافذة فشغل كامل الأغاني لينبعث منها صوت عبد الحليم.

قولوله .. قلوله .. قولوله

قولوله الحقيقة

قولوله بحبه .. بحبه

أبو عيون جريئة

قولوله بحبه .. ومدوبني حبه

في بحوره الغريقة ابو عيون جريئة

استدارت تتطلع فيه وقد خفق قلبها فسحبها كامل يضمها إليه .. لتنام بسمة على صدره تستمتع بتلك اللحظات الاستثنائية من الدفء والسعادة التي تحياها هذه الأيام.

كان مالي .. ماكنت في حالي ..

متهني بقلبي الخالي

فات رمشه الجرئ وندهني ..

وفي أجمل عيون توهني

قولوله ندهني ليه ..

حيرني وشغلني عليه

بالحب الذي زايد .. والشوق اللي قايد

من أول دقيقة .. أبو عيون جريئة

ناظرته بسمة بعينيها اللتين تتلألآن بالفيروز فطبع كامل قبلة على جبينها وعاد ينظر أمامه حيث الطريق السريع والصحراء تحده من الجانبين وهو يغمغم " اللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه"

فرددت بسمة خلفه الحمد بتأثر وامتنان "اللهم لك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه "

××××

قبيل المغرب

نزل جابر من الطابق العلوي يرتدي ملابس بيتية رياضية مريحة ويبدو على وجهه آثار النوم فلمحته أم هاشم من وقفتها في المطبخ وهو ينزل وهمست في سرها بينما مليكة معها على الهاتف" اللهم صل على النبي "

كان بملابسه البيتية يبدو أصغر عمرا بكثير وكان عرض كتفيه وبنية جسده الرياضية تضيفان سحرا على وسامته وجاذبيته فغازلته أم هاشم بعينيها حتى أنها شردت للحظات عن محدثتها بينما قالت نجف من جلستها على الأريكة في الصالة" أخرجها يا بني من المطبخ .. حاولت معها أن تخرج لم ترضى وأصرت على طبخ الطعام لك بنفسها ..أيصح أن تقف وتطبخ وهي عروس !"

اتسعت ابتسامة جابر ورائحة الطعام الآتية من المطبخ يمين السلم مع جلسة والدته المستريحة على تلك الأرائك الجديدة الملونة أمامه بينما صوت التلفاز في الخلفية يبث أحد المسلسلات كل هذا يشعره بالدفء والحميمية.. يشعره بالسكن والسكينة .. فتحرك يمينا نحو المطبخ وشعور إضافي بالسعادة يضاف لسعادته وهو يفكر في أمه التي تدافع بتلك الحمائية عن أم هاشم في الوقت الذي كانت فيه علاقتها بكاميليا علاقة باردة ككل شيء كان يحيط به في البيت طوال السبع سنوات التي قضاها معها "

حينما اقترب من باب المطبخ رفع حاجبيه متفاجئا وهو يتطلع في أم هاشم التي تخلت أخيرا عن وشاحها رغم احتفاظها بالعباءة فوقف على باب المطبخ يديه في جيبي بنطاله يدقق فيها .

لا يذكر أنه قد رآها من قبل بشعرها فتفاجأ بشكلها بدون الحجاب.. ولم يكن منتبها لأن الشكل يتغير غالبا بدونه .

كان شعرها أسودا مجعدا طويل نسبيا حتى قبل منتصف ظهرها بقليل ترفعه من الجانبين بدبوسين أعلى رأسها من الخلف بينما تترك خصلاته المجعدة المتشابكة حرة .. فلاحت الابتسامة على وجهه وهو يعترف بأن شعرها يناسبها جدا ..يناسب سمرتها وملامح وجهها الذي ازداد جمالا بدون حجاب .. يناسب شخصية أم هاشم المتفردة المختلفة عن كل النساء .. لكنه تعجب بشدة من ذلك القرط الذي ترتدي فردة واحدة منه .. شكله أحمر ويبدو رخيص الثمن .

لاحظت أم هاشم تدقيقه في شعرها فارتبكت بشدة ورفعت أناملها المرتعشة نحو جبينها تدلكه وهي تنظر أرضا في خفر وتغمغم لمليكة بخفوت "سأغلق الآن وأعيد الاتصال بك فيما بعد يا مليكة"

أغلقت الخط وناظرته بترقب تداري ارتجافها وذلك الشعور في عدم الثقة في أنوثتها يسيطر عليها .

الأنثى فيها تُهزم بنظرة من عينيه ..

ألا يحق لها أن تشعر بأنها كاملة غير منقوصة؟..

أن لديها ما يميزها ويجذبه ؟..

أنها تمتلك ما يمدحه في شكلها؟ .

قال جابر وهو يدقق فيها بنظرة خاصة" لم أرك من قبل بدون الحجاب "

هزت رأسها وشعرت بأن يديها ليس لهما مكانا فرفعتهما لشعرها ثم انزلتهما بسرعة شبكتهما أمامها ثم أسرعت بدفعهما خلف ظهرها بينما أضاف جابر بصوته الرجولي الذي يدغدغ حواسها "تبدين مختلفة .. أصغر عمرا بل تبدين وكأنك مراهقة في السابعة عشرة "

لم تعرف إن كان كلامه مدحا أم تهكما لكن نظرتها لنفسها جعلتها تصدق بأنه عدم رضا فغمغمت بطريقتها الساخرة" ليس لك نصيبا لأن تراه مفرودا .. فتشاء الأقدار أن تراه أول مرة على طبيعته"

رد جابر بهدوء" لكنه يليق بك"

أجابت ساخرة "أعرف بالطبع"

كانت الشحنات الكهربية بينهما قوية وعيناه ترسمانها فقالت أم هاشم بارتباك" بدأت أشك في أن حظك قليل يا جابر "

ضحك مقهقها ثم رد بصدق" بل نعم الله عليّ لا تحصى يا بنت شيخي"

تجولت عيناها عليه بكليته بافتتان وردت بصوت متهدج "زادك الله من نعمه وفضله يا جابر وأسعد قلبك "

دعواتها دوما تربت على قلبه هذا ما أقره أخيرا .. بل هي كلها بكليتها تشعره بحالة من الهدوء النفسي غير المسبوقة .. رغم اعترافه بأنها تصيبه أحيانا برغبة في خناقها لكن ليس بغل أو كره وإنما بمحبة.

(محبة )

كلمة ومضت في قلبه فأصابته برجفة وتحركت عيناه نزولا على عباءتها الفضفاضة وشعر بالغيظ مما ترتديه لكنه تحرج أن يطلب منها أن تبدلها حتى لا يحرجها بينما جاء صوت نجف يسأله "ألن تأكل شيئا يا ولدي حتى تسرع في التعافي"

خرجت أم هاشم من حصار عينيه الذي يصيبها بالتوتر كأنها في جلسة تقييم لا تثق بأنها ستجتازها بنجاح وهتفت معقبة " ربع ساعة والطعام سيكون جاهزا لنا كلنا (ثم قالت لجابر بلهجة محرجة وهي تضع يدها على فمها ) جابر هلا سألتك سؤالا دون أن تضحك عليّ"

هز رأسه وهو يتأملها في صمت حينما اقتربت منه وعضت على شفتها السفلى .. شفتها المكتنزة فأشعلت نارا في أعصابه ثم اطلقت سراحها من بين أسنانها وقالت "هلا علمتني كيف استخدم الغسالة الاوتوماتيكية؟ .. أنا لم استعملها من قبل فالتي عند عمي نصف اتوماتيك .. وحاولت أن اقرأ الكتالوج لم أفهم شيئا ومليكة فشلت في افهامي فما تقوله غير موجود أمامي "

ابتسم ورد بهدوء "لأن هذا النوع جديد في السوق .. (ورد بمباهاة) أحدث نوع نزل .. فنظامها يبدو مختلفا لكنه في الحقيقة هو نفسه تعالي معي"

تحرك يخرج من المطبخ ويدخل للباب المجاور له حيث الحمام الكبير فدخلت أم هاشم خلفه .

ليسألها "هل صنفت الغسيل الأبيض وحده والألوان وحدها والأسود والغامق وحدهم"

هزت رأسها وقالت" أجل وضعت فيها الآن الألوان"

أشار لها جابر على المؤشرات والعلامات على الغسالة وأخذ يشرح لها ..فلملمت أم هاشم ذيل عباءتها في يدها ورفعته قليلا ثم مالت بجذعها تقرب وجهها من العلامات على الغسالة حتى تحفظها .

بدأت عينا جابر تحيدان عما يشرحه وتذهبان للتجول فوق مناطق من جسدها ثم نزلت إلى ساقها التي ترفع عنها ذيل العباءة.. كانت ساق نحيفة لكنها منحوتة بشكل ملفت جدا ..سمرتها محببة وانعكاس الضوء عليها كان يضيء كلمعان الذهب .. وبشرتها تبدو ملساء دهنية إلى حد غريب.. إلى حد مغري بشدة للمس .. بينما فرع شجر بورود صغيرة رقيقة مرسوم بالحناء اصابه بالفضول ليعرف إلى أين ينتهي بالضبط .. أما ظاهر القدم فمنقوش برسمة رقيقة وجوانب القدم مزخرفة .

أخذت أم هاشم تسأله أسئلة وكان يجيبها بشكل آلي وعقله شارد في تفاصيل أخرى .. تفاصيل يشعر بأنها توشك على أن تفقده تحكمه في نفسه وهو أبدا لم يكن كذلك .. فقد عوده التزامه الديني وحياة الغربة على التحكم في رغباته وفي زمام نفسه بحزم قوي .. لكنه أضحى زماما ضعيفا .. بل منفلتا اللحظة .. ليس فقط لأنها حلاله .. ولا لفضول الرجل بداخله الذي جُبل على أن تحتل الغريزة جزءا قويا من تكوينه .. ولكن لانجذاب حقيقي يشعر به تجاهها .. انجذاب لأنثى مميزة في تفاصيلها ..

اعتدلت أم هاشم فجأة واقفة وهتفت وهي تسرع بالهرولة من أمامه "يا إلهي الأرز سيحترق"

خرج جابر خلفها وهو يخبر نفسه بتوبيخ "تريث يا جابر حتى مساء الغد على الأقل .. لتكون قد استرددت صحتك كاملة .. عليك أن تكون بكامل لياقتك حين تعود للملاعب"

قالها وهو يضحك من نفسه وعلى نفسه مما ينتابه من مشاعر ملحة كالمراهقين .

خرجت أم هاشم لتعدل المفرش على طاولة السفرة بينما تحرك جابر ليجلس على الأريكة وعيناه لا تزالان تختلسان النظر نحوها لتقول نجف "يبدو أنكِ تشعرين بالحرج من وجودي يا أم هاشم "

عقدت الأخيرة حاجبيها وقالت" لماذا تقولين هذا الكلام يا خالتي وهل سيكون للبيت بركة بدونك؟ "

ردت نجف بعفوية "لأني أشعر بأني أقيدك.. فعلى ما يبدو تتحرجين من تخفيف الملابس والجلوس بحرية في وجودي "

اشتعل وجه أم هاشم واختلست النظر لجابر الذي تظاهر بالانشغال في متابعة نشرة الأخبار ثم قالت بارتباك تداري حرجها " لا أنا فقط كنت استقبل الضيوف بهذه العباءة وانشغلت بالمطبخ"

قالت نجف بإصرار " حسنا ألا يكفي أنك وقفت في المطبخ ولم يمر يومين على زواجك هيا قبل أن تغرفي الطعام بدلي هذه الملابس ولا تكسري فرحة العروس بداخلك .. هيا يا ابنتي "

ازداد ارتباك أم هاشم لكنها لم تجد عذرا تقوله لحماتها .. هل تخبرها بأنها تشعر بالحرج من شكلها .. ليس من حماتها ولا من أي أحد فهذا الأمر تدربت على تجاهله منذ زمن ولكن يبدو أنها فشلت في ذلك فيما يخصه هو .

هزت رأسها وتحركت صاعدة للطابق العلوي وهي تقول لنفسها "تشجعي يا أم هاشم .. على الأقل مهدي للرجل حتى لا يصدم .."

حين اختفت عن الأعين قال جابر لأمه بلهجة لائمة "أحرجتِها أمامي يا أم جابر "

رمشت نجف بعينيها ثم قالت بصدق " لم أقصد إلا أن أخرجها من خجلها وأشعرها بفرحة العروس .. البنت قُتِلت فرحتها في مهدها ولم تشتكي حتى"

ابتسم جابر وقلبه يذوب من الحنان لتضيف نجف "أقسم بالله كلما فكرت كيف خرجت في منتصف الليل وحدها تبحث لك عن طبيب يقشعر بدني وكأن المثل الشعبي قد فصل عليها حين قال (بنت الرجال عانت واستعانت ..وبنت الأنذال حطت رأسها ونامت ).

قهقه جابر وقال" دعينا من بنت الأنذال يا حاجة ولندعو الله أن يحفظ لنا بنت الرجال"

قالها وشرد في مشاعره التي يختبر جانبا كبيرا منها لأول مرة في الوقت الذي رن هاتفه فأخرجه من جيبه يرد "كيف حالك يا زين؟"

هتف زين بلهفة مرحة" أخي ..حبيبي .. هل أنت بخير؟ .. اتصلت بك أمس ووجدت هاتفك مغلقا يا عريس"

أما أم هاشم فكانت تمر بلحظات مربكة في الدور العلوي وهي تختار ما ستلبسه .. عليها أن ترتدي شيئا مكشوفا فمن غير اللائق أن تنزل بثوب محتشم بعد ملاحظة حماتها .. وبعيدا عما تشعر به من عدم ثقة زُرعت فيها رغما عنها ..وقررت أن تواجهها بشجاعة وأن تواجه نفسها قبل جابر وحماتها بما هي عليه ..كان شعورها بالخجل قويا .

اختارت فستان بلون هادئ من درجات المستردة مطبوع عليه ورود بيضاء صغيرة بفتحة رقبة على شكل رقم سبعة واسعة إلى حد ما بدون أكمام إلا من كورنيش رفيع يزين أعلى الذراع .. كان الفستان ملفوفا على جذعها خاصة من عند الخصر يوضح نحافتها وطولها ومسدلا حتى بعد ركبتيها بقليل .. باتساع متوسط وفتحة من عند الركبة حتى نهايته .. واحتارت هل ترتدي الصدرية المبطنة أم العادية فاختارت الأخيرة وهي تحدث نفسها "كوني كما أنت يا أم هاشم بدون تدليس وعليه أن يتقبلك أو لا يتقبلك (وأضافت بلهجة يائسة معترفة لنفسها ) وهو لن يتقبلك بالتأكيد .."

سحبت نفسا عميقا ونظرت لنفسها في المرآة ولشعرها الذي إن استعملت مجفف الشعر معه سيهيش ويجف فاكتفت بشكله بهذه الهيئة الطبيعية بالزيوت التي أعطتها لها الحنانة .. ثم قالت لتشجع نفسها " الحمد لله على كل شيء يا بنت زكريا .. انظري حولك أين أنت واسألي عينيك اللتين تكحلتا برؤيته ليومين متواصلين .. واسألي قلبك كم مرة ابتهج لوجوده"

بعد دقائق كانت تتعثر على درجات السلم وقد ارتدت حذاءً مريحا بدون كعب مكشوفا من الأمام إلا من سير رفيع رقيق فوق ظاهر القدم واحتفظت بأساورها الذهبية وارتدت معها القرط الذهبي.

اتسعت عينا جابر ونسي فمه مفتوحا لثانية وهو يتطلع فيها تنزل من فوق السلم تشيح بنظراتها بعيدا عنه فقال زين "جابر هل لازلت معي؟"

تنحنح الأخير وغمغم "معك وعلام انتهى الأمر بعد الاجتماع ؟"

أخذ زين يثرثر بكلمات غير مفهومة لجابر الذي أسر شكل أم هاشم الجديد ناظريه فتطلع فيها مصدوما بينما ابتسمت الحاجة نجف وقالت" ما شاء الله تبدين كالفتيات اللاتي أراهن في المسلسلات الاجنبية "

غمغمت أم هاشم بكلام غير مفهوم واسرعت نحو المطبخ وضربات قلبها تكاد تحطم صدرها تشعر بخجل شديد خاصة في وجود حماتها .

قال جابر بعد برهة" تمام يا زين"

قال الأخير ينهي المكالمة " ألف لا بأس عليك يا وحش.. حسدوك يا جبورتي ..أو ربما أحزنت العفريتة فأصابتك بلعنتها"

قال جابر بلهجة موبخة " قلنا احترم نفسك يا زين"

ضحك الأخير ثم قال" حسنا ..حسنا أعتذر ..بارك لها "

قال جابر وهو يرى أم هاشم تخرج من المطبخ وتضع شيئا على السفرة" بارك لها أنت"

قالها وهو يترك مكانه ويقترب منها قائلا "زين يريد أن يبارك لك "

كانت عيناه تأكلانها أكلا وهو يتطلع في تفاصيلها عن قرب بينما هربت أم هاشم من نظراته وقد أحست بالحر رغم أن الفستان أخف من العباءة وأجلت صوتها تقول في الهاتف "السلام عليكم "

رد زين بصوت هادئ "وعليكم السلام ورحمة الله.. (وصمت لبرهة ثم اضاف) أريد أن أخبرك بأني قد قبلت اعتذارك "

عبست أم هاشم وسألته" عن أي اعتذار تتحدث؟"

جاءها صوت زين يقول بنفس الهدوء" عما فعلتِه بي ونحن في المرحلة الابتدائية "

راقب جابر حاجبها الذي ارتفع باستنكار وقبضتها التي اسندتها خلف ظهرها بوقفة متحفزة قبل أن تقول وهي تنظر لجابر "جابر ابلغك باعتذاري !!"

ابتسم جابر وأمسك منها الهاتف يفتح مكبر الصوت فجاءهم صوت زين يقول" أجل أخبرني بأنك نادمة وطلبت منه أن يتوسط لك عندي حتى اصفح عنك وأنا تواضعت وقبلت اعتذارك"

اتسعت ابتسامة جابر وهي ترد بمقارعة "غريب هذا الكلام فيبدو أنك قد فهمت كلام جابر بالخطأ بل هو من طلب مني أن اصفح عنك وانسى لك سخافتك وتفاهتك (واستدارت لحماتها تقول بسرعة ) لا تؤاخذيني يا خالتي ( وعادت تكمل في الهاتف بنفس السرعة ) وأنا قررت أن اتغاضى بروح طيبة وقلب من ذهب عن أفعالك الماضية "

هتف زين بصبيانية" عيب عليك أن تكوني في هذا العمر وتكذبين فجابر أبدا لم يقل لك هذا الكلام أنا متأكد "

ردت عليه باستنكار" هذا على أساس أنك تتفوه الصدق وجابر اخبرك باعتذاري !!"

كان جابر وأمه يضحكان والأول يعجبه شراستها وعنفوانها ولسانها الحاد بدون تواقح.. ولم يكن يعلم بأن تلك الشرسة المعتدة بنفسها أمامه تذوب في حضرته إلى حد التلاشي .. لم يكن يعلم بأنها تستجدي نظرة رضا منه .

قال زين بلهجة جادة "اسمعي يا أم هاشم علينا أن نفتح صفحة جديدة "

هتفت الأخيرة باستنكار "وهل كانت هناك واحدة قديمة يا ابن الحلال إن ما تتحدث عنه كان قبل عشرين سنة تقريبا "

قال زين مؤكدا " لهذا أقول لك الأمور تغيرت الآن وأصبحت أنا أخا لزوجك .. بَعْلِك .. ولهذا عليك باحترامي بشدة .. ولا تناديني إلا بـ(الأستاذ زين) نظرا لأنني الاكبر بعام كامل "

فقدت أم هاشم صبرها فقالت بعبوس "بارك الله لك يا زين ( وقالتها وهي تضغط على نطق حروف اسمه بدون ألقاب ثم أكملت ) العقبى لك "

قهقه جابر وأمه ضاحكين بينما تركت أم هاشم الهاتف تدمدم وهي تتجه للمطبخ بعبارات مستنكرة وغير مفهومة ليقول جابر لأخيه" أنت من تضع نفسك في مواقف سخيفة .. سأعطي الهاتف لأمك فهي تريد أن تحادثك"

ناول أمه الهاتف وأسرع خلف أم هاشم متعللا بمساعدتها بينما عيناه ترسمان قدها النحيف وأمور شتى تحدث في رأسه وتوشك على الانفجار

××××





العاشرة مساء
انفجار في الضحك بصوت عال تبعه صوت نجف وهي تمسك بصدرها وتقول " اسعدك الله يا أم هاشم ..لم أضحك بهذا الشكل منذ زمن طويل "
كانوا يجلسون في الصالة وقد كُتِمَ صوت التلفاز .. جابر على أريكة وأمه على أريكة أخرى على يمينه بينما أم هاشم تجلس على مقعد وثير على يساره في جلسة حميمية مقربة لا يفصلهم سوى منضدة صغيرة عليها طبقا من الفاكهة .. فانتهت أم هاشم من تقطيع التفاحة وناولتها لحماتها وهي مستمرة في اكمال قصتها بكل حماس تقول ضاحكة بابتسامة متلألئة أبرزت الغمازتين بشكل أضحى معذبا لجابر ونفسه تهفو للاقتراب " المهم أن الرجل اصفر لونه وقد صدق بالفعل أني لي كرامات وأستطيع أذيته فأسرع بإنهاء الورقة بدون تأجيل حتى لا أعود له بعد عدة أيام كما طلب مني أول الأمر"
قالت نجف " والله الناس باتت عقولها صغيرة لا أفهم لماذا يصنفون البشر على حسب لون بشرتهم .. أتعلمين وأنا صغيرة جاءت إلى قريتنا ممرضة سمراء من أهل الجنوب كان الناس يتحدثون عن مهارتها وطيبة قلبها ودماثة خلقها وكانت لها ابنة في مثل عمري تصادقنا وارتبطنا ببعض جدا وكانت تقضي اليوم كله معي لأن الممرضة أصبحت صديقة أمي رحمها الله ولهذا كانت تترك ابنتها عندنا حينما تذهب للعمل .. ولا استطيع أن أخبرك كيف بكيت حينما اضطرت الممرضة لمغادرة البلدة بعدما نقلت لمحافظة أخرى .. بكيت وحزنت بشدة .. وكانت صديقتي تبكي هي الأخرى.. ليتني كنت أملك هاتفا وقتها مثلكم لكنت تواصلت معها وعرفت أخبارها ..هل لازالت حية أم واراها الثرى "
ابتسمت أم هاشم بشفقة وهي تقشر الموزة وتعطيها لجابر الذي ناظرها باعتراض فقالت "واحدة أخيرة (ثم عادت لحماتها تسألها) ماذا كان اسم صاحبتك يا خالتي؟"
ردت نجف بحنين شديد للماضي "نرجس .. ترى أين أراضيها الآن ؟..وكم تملك من الأحفاد ؟"
سأل جابر أم هاشم بتحفز "من هذا الموظف الذي تنمر عليك هل تعرفين اسمه؟"
أجابت أم هاشم" لا أذكره لكني أعرف شكله جيدا فهو من بلدتنا ولهذا صدق حينما اخبرته بقصة العفاريت لماذا تسأل ؟"
اسبل جابر جفنيه يحاول أن يقاوم شعور بالحمائية تعاظم في صدره وهو يسمع قصتها التي تبدو مضحكة لكنها رغم ذلك أوجعته فقال "استفزني ما فعله معك "
ابتسمت وردت بهدوء" لا تشغل بالك كان هذا منذ عامين أو أكثر وأنا أتعرض لهذه الأمور كثيرا ولم أعد التفت لها "
قبل أن يرد قالت نجف وهي تستقيم واقفة "يا إلهي لقد سهرت اليوم وأصبحت الساعة العاشرة ..كله بسببك يا أم هاشم فحديثك لا يمل منه أسعدك الله يا ابنتي "
قال جابر بلهجة مجاملة "لماذا ستنامين الآن يا نجف"
قالت وهي تتحرك ببطء وتشيح بيدها "والله لو قلت لأحدهم أني سهرت مع العروسين في اليوم الثاني لزواجهما حتى العاشرة مساء لوبخوني ونعتوني بالحماة الثقيلة"
قالت أم هاشم بصدق "ما الذي تقولينه يا خالتي أنت بركة هذا البيت"
غمغمت نجف وهي تبتعد نحو غرفتها الأرضية "بارك الله فيك يا حبيبتي .. وسلمت يداك على الطعام الجميل .. تصبحون على خير"
عادت أم هاشم بنظراتها نحو جابر الذي كان يحدق فيها كما كان يفعل طول السهرة بنظرات تربكها لكنها أضحت أكثر ارباكا الآن فقالت وهي تشير لكيس الأدوية" أنت لم تأخذ دواءك"
رد بهدوء" سآخذه فيما بعد"
أمسكت بطبق الفاكهة تهم بوضعه في المطبخ فأمسك بمعصمها يقول" إلى أين؟"
أخفضت نظراتها بعيدا عن عينيه المربكتين وردت "سأضعه في المطبخ"
ترك معصمها وقال آمرا "فيما بعد"
تحدثت مع نفسها بصوت مسموع "كله فيما بعد ..فيما بعد.. وماذا بعد ؟"
ساد الصمت فرفعت عينيها نحوه ليقول جابر بجدية وعيناه تحدقان في عينيها" منذ هذه اللحظة إن نظر لك أحدهم مجرد نظرة لم تعجبك ابلغيني "
ردت بتلقائية" أنا لا أسمح لأحد بالتجاوز معي "
مال بجذعه نحوها واقترب برأسه منها يقول بنظرة جادة " أنت بنت رجال أعترف بذلك لكن منذ هذه اللحظة أنا في ظهرك .. ولستِ مضطرة للاشتباك مع أحد ..ولا أحب أن تشتبكي مع أحد ..فقط ابلغيني وأنا سأتصرف"
اشتعلت وجنتاها وضغطت على شفتيها تهز رأسها بتأثر .. فظهرت الغمازتين قبل أن تقول بحشرجة وهي تخفض نظراتها هربا من حضوره الطاغي وهو بهذا القرب " أعرف بأنك سيد الرجال"
التقط أنفه رائحتها الهادئة التي كان يلتقطها كلما حضنها .. رائحة يحاول أن يصنف أهي عطر صناعي أم مركب طبيعي فمد ذراعه يريحه فوق ظهر مقعدها واقترب بجذعه منها أكثر وهو يقول "وما دمت كما تصفينني بسيد الرجال من وجهة نظرك فإياك أن تكرريها مرة أخرى"
رفعت عيناها لتتقابل مع سحر عينيه متسائلة وضربات قلبها تتسارع بجنون وهي تشتم رائحة نفسه المختلطة برائحة عطره ليوضح جابر "إياك أن تخرجي من البيت دون علمي وتعرضي نفسك للخطر يا أم هاشم حتى لو كنت أموت "
هتفت بسرعة" بعيد الشر"
لهفتها خطفت قلبه فتسارعت نبضاته وهو يحدق في عينيها البنيتين الدافئتين .
إن رسمة عينيها جميلة فيها سحر لمن يدقق فيهما عن قرب .. ونظراتها تمنحه راحة نفسية وصفاء ذهني .. لديها وجنتين عاليتين أما شفتاها فمكتنزتان بشكل مغرٍ ..فقال بصوت رجولي وهو يحدق فيهما" حتى لو كان الشر قريب يا أم هاشم .. فلا تفعلي ..والله كلما تذكرت فعلتك قلبي ينقبض وأنا أتخيل ماذا كان من الممكن أن يحدث لك لولا ستر الله "
كانت تنصهر أمام حضوره وقربه كما تنصهر الشيكولاتة أمام النار .. فقالت بحشرجة وهي مبهوتة بالنظر لوجهه الرجولي من هذا القرب وهذه المسافة الحميمية "عدني أولا ألا تمرض مجددا .. أو تحزن .. لا شيء يستحق الحزن يا جابر ..صدقني كل شيء تريده ستناله بإذن الله تعالى .. "
سألها هامسا وعيناه مسلطتان على شفتيها "كل شيء؟"
لم تلتقط ما يقصده .. ربما لقلة خبرتها وربما لصعوبة تصديقها بأنه يرغب فيها كأنثى فاندفعت تقول بكل حماس وبلهجة تعتقد بأنها تشجعه وتشد من أزره" كل شيء صدقني مهما غلا سيرخص لك .. فأنت قلبك طيب وربك لا يترك عباده الطيبين "
كلماتها عبرت في رأسه لتذكره بحديث سابق مشابه لكنه لم يكن في حالة ذهنية مناسبة للبحث في أي شيء ..كان منشغلا بتتبع ملامح وجهها وهي تتحدث في هذه الهيئة الجديدة الشهية جدا ونحافتها الرشيقة وفتحة الفستان التي انحسرت قليلا لتكشف عن ركبة الساق المطوية تحتها على المقعد.
هل وعد نفسه بالصبر والتريث؟!!
متى كان هذا الوعد لم يكن يتذكر لحظتها أي شيء ؟!
أكملت أم هاشم ثرثرتها التي اكتشف بأنها محببة إلى قلبه فقالت بنفس الطريقة التي لا يعرف لماذا تؤلمه رغم أنها لا تتحدث عن شيء مؤلم" أعدك بأني سأفعل أي شيء لتنال ما يتمناه قلبك "
عبس جابر حين شعر بأن قلبه يئن فجأة رغم أن عقله كان مشغولا بأشياء أخرى أكثر جرأة ووقاحة فشعر بارتباك بينما أضافت أم هاشم " ألم تصفني بأنني بنت رجال؟.. قل لي كيف أساعدك ليسعد قلبك وأنا ..."
شهقت متفاجئة حينما مال جابر بوجهه وأخرسها بتقبيل شفتيها بقبلة بطيئة هادئة مستكشفة في أول ثانيتين ثم أضحت أكثر اقبالا وفضولا بعد ذلك.. فأغمضت عينيها بعد ثوان وكأنها قد طارت بأرجوحة عاليا في الهواء بينما استقر كفها ..الذي ظل مرفوعا أمامها في الهواء لبضع لحظات.. استقر على صدره تقبض به على ملابسه بقوة وكأنها تتمسك بحبل الأرجوحة حتى لا تقع.
شفتاها كانتا طريتين مكتنزتين حلوتين و ماكرتين تستفزانه للمزيد من القبلات .. هذا ما تفاجأ به جابر .
أطلق سراح شفتيها وتطلع في جفنيها المرتعشين .. ثم ابتعد قليلا مأخوذا بذلك الشعور الذي سيطر عليه .. شعور يفوق الرغبة الحسية التي كانت تفور في رأسه كحمم بركانية لحظتها ..
ففتحت أم هاشم عينيها وأنزلت كفيها ليحضنا بعضهما بقوة في حجرها لعلها توقف انتفاضها ..
يا رب العالمين !.. لقد قبّلها جابر .. قبّلها !!.
ألا يزال قلبها حيا؟! .. ألا يزال ينبض ؟!..
لماذا تشعر به وقد توقف عن النبض ؟!.
عضت على شفتها السفلى وهي لا تزال مسبلة الأهداب فزادت من شعور جابر بالاستفزاز تجاه شفتيها ثم قبضت على قماش فستانها وأخذت تفركه بقوة وهي ترفع أنظارها نحوه وتقول بصوت خافت متهدج" شكرا "
بهت جابر من ردة فعلها ..فقد كان يخبر نفسه بالتمهل في خطواته حتى يسيطر على حالة فقد السيطرة التي أصابته لأول مرة .. يخبر نفسه أنها كعذراء لم تمر بهذا من قبل وعليه ألا يطلق العنان لرغباته دفعة واحدة .. لكنه لم يستوعب ردة فعلها فسألها عاقدا حاجبيه" علام تشكريني؟!!"
استمرت في فرك قماش فستانها ونظراتها تتراقص فوق وجهه بافتتان وقالت بصوت خافت مرتعش وعينين لامعتين بالدموع "لأنك قَبَّلت عفريتة القرية السوداء .. شكرا"
عبارتها كانت كخنجر ضرب قلبه بقوة فتدفقت دماؤه دموعا لمعت في عينيه فجأة وقد وضحت الصورة أمامه كاملة ..
لقد شَوَّه الناس بكلامهم صورتها عن نفسها.. لقد أذوها بألسنتهم حتى ذبحوا الأنثى فيها ..
سحبها جابر بسرعة إلى حضنه وهو يردد بصوت متهدج "ماذا فعلوا بك؟ .. كيف دفعوك لأن تريّ نفسك بهذا الشكل ؟.. بل .. ( وازداد تأنيبا لنفسه وشدد من ذراعيه حولها ) بل ماذا فعلت أنا بك! .. كيف تركتك وانشغلت بنفسي .. لن اسامح نفسي أبدا على تقصيري معك "
قُبلة ..وحضن دافئ قوي ..وعضلات صدره تكاد تحطم عظامها ..
لابد أن ساعة حظها قد حانت .. وقد حسبت أنها لن تأتي أبدا.
ردت أم هاشم بحمائية وذقنها يستقر على صدره تتطلع بأنظارها لأعلى " لا .. أنت لا تفعل أي شيء سيء أبدا .. وليس لك ذنب .. لماذا تحمل نفسك الذنب؟"
رد عليها بإجابة تلقائية وقلبه يتألم شاعرا بالتقصير" لأنه كان عليّ أن أرعاك بعد وفاة شيخي"
تجمعت الدموع في عينيها وقالت مبتسمة بصوت متهدج تغلفه المشاعر" أنت .. أنت يا جابر .. أنت لا تفعل إلا كل شيء جميل"
شدد من احتضانها قائلا" يا أم هاشم.. أنت جميلة .. ولون بشرتك رائع ومميز صدقيني"
سقطت دمعة ساخنة من جانب عينها واتسعت ابتسامتها اللؤلؤية وهي تقول بحشرجة وهي لا تزال تحدق لأعلى " بل أنت من تملك لسانا حلوا كأخلاقك ..ولا تجرح أحدا أبدا .. فشكرا لك على هذا الكلام أيضا"
ابعدها قليلا يتأملها لبرهة ثم هجم على شفتيها مرة أخرى يشعر بأن المشاعر القوية التي تتدفق في صدره تمنعه عن قول أي شيء فقرر أن يترجم مشاعره المتأججة والمتألمة بالأفعال .. فبدأ بالشفتين اللتين تتفوهان بكلام طعمه حلو لكنه يؤلم قلبه.
خرج آنين متألم من حنجرتها وعاد كفها ليتشبث بملابسه وهو يغزو شفتيها بقوة أكبر وأكثر سخونة من المرة السابقة .. ..
بعد دقائق حرر شفتيها فحاولت الابتعاد بنظرات متوسلة خائفة وكأنه يشدها لتقع في بئر سحيق .. ما يحدث معها لحظتها كان أكبر من استيعابها .. أكبر من تحمل اعصابها .. وقلبها المسكين الذي انفجرت دقاته مع القبلة الثانية فك عقال أنوثتها العطشى ..
أنوثة مغلفة بالسلوفان مربوطة بألف رباط ورباط طال انتظارها لمالكها ومستكشفها وأستاذها الذي سيعلمها كيف تتعامل بها ..
أنوثة عطشى للتقدير والدلال ..
أنوثة عطشى لرجل فما بال لو كان هذا الرجل .. هو جابر ..
لكن سؤال خبيث كان يراودها ليفسد عليها اللحظة .. هل ما تشعر به من مشاعر أنثوية سيراه جابر كذلك؟ .. فما تشعر به قد يتناقض مع الواقع الحسي الملموس لإمكانيات جسدها الأنثوية كما ترى نفسها .
راودها السؤال وهي تشعر بيد جابر التي تتجول على جسدها بجرأة وحسية تتحسس خصرها وذراعها العاري بينما شفتيه الحارقتين توزعان القبل على وجنتها وفكها قبل أن ترتفع يده لتتحسس مؤخرة رقبتها ثم عنقها وتنتقل شفتيه لذقنها ..
يا ويلك يا أم هاشم .. أنت بين ذراعي جابر .. تحت شفتيه وملمس يديه .


عاد جابر لتقبيل تلك الشفتين الماكرتين اللتين كلما شعر بالشبع وابتعد عاد للشوق لهما من جديد ..



إن الامر يفوق الرغبة الحسية وكأنما قد أضيف لها طعما حلوا .. أو حارا .. لم يدرك أيهما بعد ..
كأنما أضيف للرغبة ألوان ونكهات تدغدغ المشاعر والقلب ..
انتبهت أم هاشم وأصيب قلبها بالشلل التام بعد دقائق من الرقص الهستيري ..وبدأت تتوتر أكثر حينما نزلت شفتي جابر على نحرها في الطريق إلى .. (عُقدَتها ).


لمَ لا تحافظ على ما حصلت عليه من مكاسب وتنسحب ؟.. فلا داعي لان تنتظر حتى ترى نظرة عدم الرضا في عينيه فهو رجل في النهاية وتحركه الغريزة والأمور الحسية .


حاولت بذراعين من الهلام أن تبعده لكن جابر استمر في توزيع قبلاته على نحرها قبل أن يفتح فتحة الثوب أكثر ويلقي نظرة خاصة رجولية بداخلها جعلت أم هاشم تنتفض واقفة بسرعة .


تفاجأ جابر فرفع إليها رأسه يسألها من بين لهاثه "ماذا حدث ؟"
أطبقت على فتحة الثوب العلوية بقوة وتحركت خطوتين مبتعدة أمام عينيه الذاهلتين فناداها بعدم فهم" أم هاشم!!"
تحصنت بالمزاح وقالت بطريقة مسرحية "عُذراً لهذا المنظر "
رمش بعينيه لثوان ثم سألها بعدم فهم" ماذا تعنين؟"
شددت من اغلاق فتحت الفستان حتى عنقها وكررت بنفس اللهجة المسرحية "عذرا لهذا المنظر الأليم "
حين أدرك ما تعنيه اتسعت عيناه لثانيتين ثم انفجر ضاحكا بقوة وهو يهتف "ماذا تقولين يا مجنونة !"
كانت تستعيد أنفاسها في وقفتها أمامه وتستعيد قواها فقالت بصوت خافت وابتسامة رغم شعورها المتألم "على الأقل أضحكناك .. هذا جيد "
ابتعدت للخلف خطوتين أخريين فقال من وسط ضحكاته" إلى أين؟"
رفعت كفها أمامه في الهواء بينما الأخر لا يزال يقبض على ملابسها وقالت بلهجة جادة حازمة "نكتفي بهذا القدر وتصبح على خير"
قالتها وتحركت نحو السلم فناداها جابر "أم هاشم"
فأسرعت الخطى على السلم .


استقام جابر واقفا ومد يده للريموت ليغلق التلفاز على عجل ويدس قدميه في خف البيت قائلا وهو يضحك "ما أجواء موجز الأنباء هذه!"
وأسرع يهرول خلفها على السلم وهو ينادي "أنت يا بنت توقفي أنا أتحدث معك "
كان يطير على الدرجات .. قلبه وروحه يسبقانه .. وما يختبره من مشاعر كان غير مسبوق يشعره بأنه قد بُعث من جديد بعد سبات طويل .. يذكره بجابر القديم الشاب المنطلق قبل أن تثقل روحه سنوات الغربة والوحدة .


عند أخر درجة من درجات السلم أمسك بها فأطلقت صرخة صغيرة معترضة قبل أن تكتمها بيدها .. أما هو فسحبها من ذراعها وألصقها بالحائط المجاور للسلم فقالت بأنفاس عالية" ماذا تريد يا جابر ؟"
أسند كفه بجوار رأسها على الحائط وبيده الأخرى أنزل يدها التي لاتزال تقبض على الفستان ثم قال بابتسامة صبيانية لاهثا "أنت تعلمين جيدا ماذا أريد"
هزت رأسها تقول بعناد " لا ..لا أعرف"
مال بوجهه ليواجه وجهها قائلا بلهجة متهكمة وابتسامة صافية شقية " لا تصدميني بأن معلوماتك تقتصر على أن الزواج يكون بتبادل القبلات فقط "
اشاحت بنظراتها أكثر وابتسامة محرجة تتحكم فيها فازدادت غمازتيها عمقا ثم غمغمت" لا أعرف ..اقصد لست مهتمة "
قال بحنق فبدى مراهقا "ولكن أنا مهتم"
كانت تشعر بأنها على وشك الإغماء فما ترزح تحته من انفعالات ومشاعر كان قويا ما اختبرته بين ذراعيه قبل لحظات كان رهيبا ولا يصدق .. وما يطلبه الآن كان أقوى تأثيرا عليها مما كانت تعتقده خاصة وهو بهذه الحرارة وهذه الجاذبية والرجولة.. بالإضافة لخوفها الشديد من كسر قلبها إن لم يجد ما يمتعه ويشبع رغبته وخوفها الطبيعي كأنثى لم يسبق لها الزواج ..
كانت بحاجة ماسة لهدنة لتلتقط أنفاسها وتهدئ من روع قلبها الذي قارب على الانفجار من كثرة الانفعالات فعادت تنظر إليه تقول بترجي وجبن "جابر أنت لازلت مريضا .. تذكر كيف كنت ليلة أمس"
كشرت ملامحه وقال بكرامة رجل مجروحة وهو يمسك بخصرها الرشيق ويسحبها لتلتصق به" ما لك أنت بهذا الأمر أنا أدرى بنفسي جيدا "
حاولت الفرار تحت غطاء المزاح فقالت وهي تشيح بوجهها بعيدا" قلنا نكتفي بهذا القدر "
مد يده لصدغها ليعيدها للنظر إليه ثم قال وهو يمرر ابهامه على شفتيها" أنا أكره موجز الأنباء ..واعشق النشرة التفصيلية "
ابتسمت بارتجاف فشاركها الابتسام .


كانت ممشوقة القوام قامتها هيفاء هذا ما فكر فيه وهو يلصقها به وفي هذا الفستان تشعره بأنها عارضة من عارضات الأزياء .. فأطبق على شفتيها بقبلة حارة ويده ترفع الفستان لتتحسس فخذها الأملس .. ثم أبعد وجهه عنها يقول بهمس حار أمام عينيها المتوسلتين" أنت قلت أنك ستساعدينني لأنال ما أريد .. وأنا أريد .. أريدك الآن"
تفوهت بما يدور بخلدها ولم تكن تريد أن تفصح به" أخشى من ألا أملك مطلبك يا جابر"


ازداد اشتعال الرغبة في عينيه وهو يهمس بصدق فاجأه هو شخصيا "الروح تهفو لوصالك يا بنت شيخي .. فلا تتدللي على جابر المسكين "
قالها ومال يقبل نحرها وعند فتحة الرقبة فشهقت أم هاشم قبل أن يعتدل جابر ويميل ليرفعها فوق ذراعيه فأطلقت صرخة متفاجئة كتمتها بيدها.. انتهى بعدها إلمامها بالواقع الحسي الملموس حولها .


بعد بعض الوقت كانا لا يزالان يطفوان فوق غيمة وردية ومن تحت جفونها احست بشفتيه تقبل جانب وجهها فوق مسار الدموع التي تسربت رغما عنها من جانبي عينيها ..ثم مد جابر كفه ومسح على شعرها المجعد بحنان ومسح بإبهامه خيط الدموع التي تصورها أول الأمر بأنها نفور منه .. لكن خبرة الرجل فيه أكدت له بأنها تأثر وحرمان فهمس بجوار أذنها لاهث الأنفاس "مبارك يا عروسي"
حين فتحت عينيها ببطء تأملت وجهه الذي يطل عليها ورفعت أصابعها تلمس لحيته التي كانت تدغدغها طوال الوقت .. فقال جابر مداعبا وهو يرى المزيد من خيط الدموع ينهمر من جانبي عينيها " حسنا .. وصلني انطباعك يا بنت الناس شكرا لصراحتك"
ابتسمت معقودة اللسان .. لا تعرف بما ترد ..وكيف تصيغ ما مرت به وتمر به لحظتها ..فبادلها جابر الابتسام قبل أن يراها ترفع رأسها عن الوسادة وتقترب من صدره العاري لتطبع قبلة فوق موضع قلبه في صمت .. فأصابت جسده برجفة قوية زادت من تدفق المشاعر التي يحس بها .. مشاعر ليس لها أول من أخر .. لا يعرف منبعها ولا مصدرها ولا حجمها .. ولا نهايتها .. شيء مهول حدث له اللحظات الماضية.. شيء سيحتاج منه لوقت طويل لتحليله .
حررها مبتعدا ليسترخي على ظهره بجوارها يشعر بحالة من الصدمة .. إن ما مر به قبل قليل تخطى حدود العلاقة الجسدية رغم أن هذا الجانب كان مذهلا بحق .. فقد كانت توقعاته عادية .. وكان مكتفيا بذلك لكن الأمر تخطى توقعاته وأحلامه .
تفاجأ بها تعتدل جالسة تلف جسدها بغطاء السرير وتبحث حولها فسألها" إلى أين؟"
ردت بخفوت متحاشية النظر إليه بخجل "أحتاج للذهاب للحمام "
ومالت تلتقط الفستان الأصفر من طرف السرير فتأمل ظهرها الاسمر العاري تحت شعرها المجعد واستعاد اللحظات الماضية وهو يراقبها وهي ترتديه ..ثم استقامت واقفة وأسرعت نحو الحمام تغلقه على نفسها من الداخل .
خلف باب الحمام وقفت تمسك بقلبها وتحاول التقاط الانفاس وكل لحظة مضت تستعيدها في رأسها وبإحساسها ثم جلست على عقبيها خلف الحمام تبكي وهي تكتم أنفاسها.
أما جابر فاسترخى جسده وأخذ يتطلع في سقف الغرفة .
شعور بالسكينة يعتريه .. وكأنه يطفو فوق نبع دافئ وشمس مضيئة تشرق عليه .. يسمع خرير الماء بجواره وزقزقة العصافير .
ما هذه الحالة من السكون والدفء و الاكتمال ؟!..
وعلى الرغم من أنه كان يعرف بأنه قد أجهد جسده لكنه كان سعيدا حد الثمالة ولم يرغب حتى في أن يحلل ذلك الشعور غير المسبوق الذي يشعر به ..
حين خرجت أم هاشم بعد قليل تفاجأت به ينام عاري الجذع بوضع مائل بعرض السرير .. فابتسمت من نومته وخمنت بأنه قد أرهق نفسه وجسده غير مستعد بعد فتطلعت في مكيف الهواء البارد ثم اقتربت تغطيه بمفرش السرير و عادت لتجلس فوق الأريكة .. الأريكة التي استضافتها اليومين الماضيين .. والتي منحتها القدرة على مراقبته وهو نائم لأول مرة .. مراقبته بكل أريحية دون حواجز .. دون خوف من أن يقبض عليها متلبسة بجريمة النظر إليه ..
رفعت ساقيها فوق الأريكة تحضنهما واستندت بذقنها فوق ركبتيها وانهمرت دموعها من جديد وهي ترفع ذراعها لتشتم جلدها الذي غمره بعطره..فعادت ضربات قلبها للانفجار وهي تستعيد مذهولة لحظاتها بين ذراعيه حين كان يدلل تفاصيلها .. حين رأت نفسها أنثى في عينيه .. رأت رغبة متأججة وشعرت بجسده وهو يتفاعل مع جسدها .. لم يكن لقاءا روتينيا كما تخيلت في أقصى أحلامها ..كان لقاءا حميميا مذهلا .
أي حلم هذا الذي تعيشه!
وإلى أي حالة من التتيم به قد وصلت إليها ..
بلعت أم هاشم ريقها الذي لا يزال يحمل طعم شفتيه ومالت إلى يمينها فوق يد الأريكة المبطنة وأغمضت عينيها على صورته تستعيد من جديد الحلم الذي عاشته وكيف أضحت زوجة جابر .
بعد ساعة
فتح جابر عينيه منزعجا وقد أدرك بأنه قد غفي فاعتدل ينظر لنومته وتطلع حوله يبحث عنها قبل أن يعبس وهو يراها نائمة فوق الاريكة تحضن ساقيها فترك السرير وأسرع نحوها مستاء من نفسه وقد آلمه قلبه بشدة.. فمال عليها يمسح على شعرها قائلا" أم هاشم .. أم هاشم "
فتحت عينيها وانتفضت جالسة تسأله بفزع " هل أنت بخير ؟"
هدأ من روعها قائلا" أنا بخير"
قاطعته ترفع كفها لجبينه قائلة "هل عادت الحمى؟"
حضن وجهها بكفيه يقول بهدوء" أنا بخير والحمد لله لماذا تنامين على الأريكة؟"
صمتت لبرهة لتستوعب ثم قالت "أنا .. أنت كنت تنام بعرض السرير ولم ارغب في إيقاظك"
مجددا تتفوه بما يؤلم قلبه فقال وهو ينظر في عمق عينيها" حتى لو حدث إياك بالنوم على الاريكة مرة أخرى ايقظيني يا أم هاشم .. هيا"
قالها وهو يرفعها فوق ذراعيه فشهقت ثم كتمت فمها بارتباك ليقول مشاكسا" فهمنا انطباعك صراحة يا بنت الناس لكن هلا حافظت على مشاعري قليلا فليس هناك داع لتلك الشهقة المتفاجئة كلما حملتك "
لملمت ابتسامتها مطرقة برأسها بخجل فتحرك جابر ليضعها على السرير برفق ثم قال محذرا "إياك أن أعود فأجدك قد تحركت من هنا "
قالها وتحرك نحو الحمام ..فأسرعت أم هاشم بتغيير شرشف السرير ثم استرخت فوقه وهي تتحسس أثر جابر في الفراش قبل أن يخرج بعد قليل فانتفضت جالسة بتوتر .
استدار جابر حول السرير واقترب يستلقي بجانبها ثم فتح الضوء الجانبي الخافت وأغلق ضوء الغرفة .. لتعود أم هاشم للاستلقاء يعتريها الارتباك.. وحدقت في السقف تضع يدها فوق الأخرى على بطنها فقال جابر "هل أنت مرتاحة بهذا الشكل وأنت بعيدة؟!"
أدارت وجهها نحوه ثم عادت تحدق في السقف وهزت رأسها بالإيجاب.. فقال جابر "لكني لست مرتاحا (وربت على السرير بجواره قائلا ) هلا اقتربت"
تحركت انشا واحدا .. فرفع أنظاره لأعلى بيأس مبتسما ثم عاد إليها يقول" قلنا حافظي على مشاعري ولا تظهري نفورك مني هيا اقتربي"
بخجل وقد عاد جسدها للاشتعال زحزحت جسدها قليلا .. فتحرك جابر ليمحو المسافة بينهما وألقى برأسه على الوسادة بالقرب منها يلمس أطراف شعرها المجعدة فأدارت له أم هاشم وجهها تتأمله بتلك النظرة اللامعة التي تفيض بالحنان التي شملته بها طوال لحظاتهما معا ..ليدخل جابر ذراعه من تحتها ويسحبها إلى صدره ويضمها إليه مدركا بأن أمامه وقتا طويلا حتى يشبع جوعها للعاطفة ويمحو شعورها باليتم ويصحح صورتها عن نفسها لصورة حقيقية مميزة كما رآها اليوم .. وراودته نفسه على اعادة ما مرا به قبل قليل لكنه اشفق عليها كعروس في أول ليلة حميمية .
بينما أخذت أم هاشم تحبس دموعها بقوة وهي تستند على صدره وقالت بخفوت" أنت لم تتناول دواءك يا جابر"
قال من خلف جفونه الناعسة" سأتناوله في الصباح "
سألته " ألابد أن تذهب للعمل غدا لازلت لم تسترد عافيتك بعد "
رد بخفوت " لقد تركت المحال بدون متابعة على مدى أربعة أيام قبل وبعد العرس وغدا هناك طلبيتين كبيرتين عليّ بالتواجد اثناء استلامهما والتوقيع بنفسي على الفواتير للأسف .. هيا لننام ساعتين أو ثلاث قبل أن يؤذن الفجر "
قالت له بهمس ناعس " هلا ايقظتني لأصلي الفجر معك؟"
رد بخفوت مغمض العينين " تأمريني"
ابتسمت ونادته هامسة مغمضة العينين "جابر "
"همم"
غمغمت " لا تغادر في الصباح قبل أن اصنع لك الفطور "
اتسعت ابتسامته ..يشعر بالسكينة وذكرى لحظات استثنائية لم يمر بها من قبل ...يستعيدها في ذاكرته..
لحظات من التجمر انتهت بقبلة على موضع القلب.
××××

صباح اليوم التالي
نظرت لنفسها في المرآة تشعر بالخجل الشديد .. ليس بسبب تلك البقع الحمراء المنتشرة بجسدها ولكن بسبب ثوب السباحة الذي ترتديه ..
لقد اختارت الأكثر حشمة من الأربعة الذين اشتراهم لها كامل .
إنه من قطعة واحدة نصفه العلوي باللون الأسود ينزل على شكل مثلث يغطي البطن حتى يلتقي بالنصف السفلي عالي الخصر بلون أسود مطبوع عليه ورود كبيرة الحجم باللون الوردي الهادئ .. مكشوف من الظهر ومقسوم لنصفين قطعة علوية وأخرى سفلية بخصر عالي ..
غطت بسمة وجهها بحرج فهذه هي المرة الأولى التي ترتدي فيها ثوبا للبحر بل إنها أول مرة تسبح في حمام سباحة .
على مر حياتها لم ترى البحر إلا بضع مرات ولم تنزل المياه قط .. لم تكن لدى والدها ثقافة الذهاب للمصايف رغم أن الكثير من العائلات الريفية الغنية والمتوسطة كانت تفعل ذلك لكن ذلك لم يكن أبدا في خطة الحاج سليمان.. وحده وليد باعتباره الذكر من ذهب هنا وهناك مع اصدقائه وكان يعود ليتحدث عن الفنادق والمنتجعات التي كان يذهب إليها مع أصحابه .. والمرة الوحيدة التي ذهبت فيها مع زوجها السابق حاول اقناعها بنزول البحر معه لكنها لم تكن وقتها في مزاج يسمح لها بذلك وانتهت الزيارة بذلك الاعتراف منه الذي وضع كلمة النهاية لشكوكها .
نفضت عنها الذكريات وعادت تفكر في كامل الذي ينتظرها الآن في المسبح الداخلي التابع للشاليه الذي استأجره .. شاليه يتمتع بالخصوصية لم يغادراه منذ ليلة أمس يطلب الطعام ليصل إليهما بالشاليه .. واليوم أخبرته بعد الشروق حينما طلب منها أن يسبحا في حمام السباحة الخاص بأنها لا تستطيع السباحة بل وتهاب الماء فشجعها على أن يعلمها وهي قبلت لرغبتها في تعلم كل شيء فاتها .. لكنها الآن تشعر بالجبن من التنفيذ خاصة مع أثواب السباحة التي طلبها من تطبيق خاص بسوق الفندق على الهاتف فجاءهما حتى باب الشاليه .. وما يغيظها أنه كسب الرهان وأن الثوب على مقاسها وقد جادلته في البداية بأنه سيكون أصغر من مقاسها حينما رأتهم وتفاجأت بالموديلات الفاضحة التي اختارها.
عادت لإضافة المزيد من واقي الشمس على جسدها فهي لا تريد أن تحصل على لون برونزي كما يحاول أن يقنعها كامل ولا تحب أن يتغير لون بشرتها القمحية .. يكفيها تلك البقع الحمراء التي لا تريد أن تغادر بشرتها .
نام كامل على سطح الماء في استرخاء وشمس الصباح تسطع فوق جسده العضلي اللامع في ذلك المسبح الصغير في الباحة الخلفية من الشاليه وسرعان ما اعتدل بمجرد أن سمع باب شرفة الشاليه الأرضية يفتح وتخرج منه بسمة فاتسعت ابتسامته وهو يتطلع فيها تقترب مرتبكة في ذلك الثوب الخاص بالسباحة الذي يبزر تفاصيل جسدها وانحناءاته شديدة الإغراء .
وقفت بسمة بوضع جانبي بالقرب من المنضدة تشرب بعضا من العصير حينما أطلق كامل صفير اعجاب ثم سألها" لماذا لم ترتدي ذلك المخطط بالأبيض والأسود كان سيبدو رائعا مع البقع الحمراء"
قالت بوجنتين مشتعلتين" إنه من قطعتين رفيعتين يا كامل"
اتسعت ابتسامته وسألها وهو ينظر حوله "ما المشكلة وهل سترتدينه أمام شخص غريب!"
لم ترد ودارت بعينيها في الجدران العالية للمكان والتي تعطي له خصوصية رغم أنها تعلم بأن كامل لن يختار مكان إلا بهذه المواصفات .
قال كامل" ألن تنزلي؟"
نظرت للماء بخوف وهزت رأسها برفض وهي تقول "سأغرق"
قهقه كامل وعلق "وهل ستغرقين في مسبح متوسط الحجم كهذا ..ها أنا أقف والماء حتى صدري"
قالت بجبن" ولكنه يبدو عميقا عند آخره"
هتف كامل "لن نذهب للعمق كما أنك تثقين بي أليس كذلك ؟"
تطلعت فيه بتردد ثم قالت" أثق بك لكن أخشى من عصبيتك كما كنت تفعل في دروس القيادة"
رد كامل بصبر " تعلم القيادة فيه أخطاء خطرة أما هنا فالأمر أبسط بكثير (وأضاف بلهجة ذات مغزى ) ومع هذا الثوب سيكون التعلم ممتعا"
احمرت وجنتاها فرفع لها ذراعيه يقول" هيا .. هل ستقفزين في الماء ؟"
غطت بسمة وجهها بكفيها بسرعة ورعب فقال كامل ببعض العصبية" انزلي من السلم إذن"
كشفت وجهها تقول" ها أنت تصرخ في وجهي "
رسم كامل ابتسامة صفراء وقال بلهجة منغمة بطيئة يتصنع فيها الهدوء" هيا يا بسمتي .. أنا سأكون في انتظارك عند السلم .. لا تخشي شيئا وثقي بي فالسباحة شيء ممتع"
شجعت نفسها وهي تحثها على ضرورة تعلم السباحة ..فعيب عليها أن تكون بهذا العمر ولا تعرف كيف تسبح .. فتحركت نحو السلم وشكل الماء يبدو مخيفا وكأنها ستسقط في بئر عميق .. أمسكت بسور السلم المعدني ونزلت بظهرها ببطء حتى غطى الماء وركيها قبل أن يلتقطها كامل بين ذراعيه وتجد نفسها محاطة بالماء البارد فشهقت واستدارت تلف ذراعيها حول عنق كامل الذي ضحك .
أحاط خصرها بذراعيه وتحرك بها إلى جزء أعمق من المسبح فنظرت في الماء حولها وكأنها ستبتلعها وشددت من التصاقها به كطفلة تلتصق بوالدها .
حاول كامل ابعادها بصعوبة وهو يقول" أنت واقفة فوق الأرض يا باسمة والماء لا تغمر كامل جسدك"
حاولت الابتعاد ووقفت وهي تمسك بذراعه فقال "عليك أولا تعلم الغطس بوجهك تحت الماء حتى تكسري هذه الرهبة .. فكما ترين المساحة ليست كبيرة ولا حتى العمق "
طالعته بعينين زرقاوين جميلتين مرتعبتين فأمسك بأنفه بعد أن قال" ستسدين أنفك وتنزلين تحت الماء وتعدي حتى خمس ثم ترفعين رأسك "
قالها ثم نزل تحت الماء وغاب فقلقت وأسرعت برفعه تقول بهلع" كامل لا تفعل أشياء خطرة تجعلني أخاف عليك"
رفع شعره ومسح الماء عن وجهه ثم وقف متخصرا يقول بلهجة ساخرة "أين الخطر بالله عليك"
زمت شفتيها الجميلتين وقالت "ها أنت تسخر مني"
ضحك وسحبها إلى حضنه فأبعدت وجهها لتنظر في وجهه وتقول ببؤس طفولي "وتضحك عليّ"
مال كامل بوجهه والتهم شفتيها المزمومتين وحين حررهما قال بلهجة حارة "ركزي في الدرس وإلا سنقلب المحاضرة لموضوع أخر أحبه كثيرا ويناسب هذا الثوب الساخن جدا"
قالها وهو يتحسس تفاصيلها فابتعدت للخلف قليلا حتى خيل لها بأنها ستنقلب في الماء فأسرعت تعود لتمسك به.
بعد قليل كانت تحاول الغطس لبضع ثوان ثم ترفع رأسها وقد نجحت في ذلك وهي تمسك بذراع كامل حتى سحب يده أخر مرة وهي تحت الماء .. وابتعد خطوة ليعطيها فرصة للاعتماد على نفسها لكنها بمجرد أن شعرت به قد ابتعد حاولت مد يدها للامساك به فاختل توازنها وانزلقت قدماها المثبتتان في قاع المسبح فارتعبت وتحركت بارتباك حتى وقعت للخلف تقاوم بذراعيها بشكل عشوائي.
أسرع كامل بالإمساك بها وسحبها لتعتدل .. فأسرعت بالتعلق بعنقه وهي تسعل .
مسد كامل على ظهرها مطمئنا وقال" اهدئي أنا موجود.. عليك بالثقة بي "
غمغمت وهي تشدد ذراعيها حوله وتلتصق به" أنا أثق بك لكني لا أثق في الماء"
قال مهدئا "ما دمت تثقين بي فلن تخافي من أي شيء مهما كان (ثم ابعد وجهه لينظر في وجهها يسألها ) الماء أم النار أيهما أخطر؟"
سحبت نفسا ثم ردت "النار"
تقابلت عيناهما يتبادلان ذكرى حادثة لن تنمحي من الذاكرة أبدا ثم عادت بسمة تحضنه بقوة وكأنها تشكره على وجوده في حياتها.
عادت يديه للتصرف بجرأة ثم أبعد وجهه عنها يتطلع في وجهها المبلل بالماء وملامحها الجميلة ثم عض طابع الحسن في ذقنها وقال بصوت أجش " ما رأيك أن نكتفي بهذا القدر اليوم ونبدأ في المحاضرة الأخرى فهي أكثر امتاعا"
قالت بدلال "أية محاضرة؟ ..أنا لم أحجز مع المدرب سوى تعلم السباحة فقط "
قال أمام شفتيها بهمس حار "المدرب يقدم خدمات أخرى بجانب دروس السباحة كهدية تشجيعية "
ضحكت بصوت عال .. ضحكة لا يعتقد بأنه قد رآها بهذه السعادة من قبل .. ولا تعتقد هي أيضا بأنها قد فعلتها ثم سألته "هل تقصد هدية تشجيعية للمدرب ؟"
رد مؤيدا " بالطبع تشجيعية له حتى يتحمل بلادة المتدربة "
ضربته على صدره تقول بتوبيخ" أنا بليدة!!"
همس وهو يميل يقبل رقبتها "بل جميلة جدا ..جميلة إلى حد يجن جنوني"
ليس فقط الإطراء هو ما شعرت به بل مديحه وكلامه يعيدون لها الثقة في أنوثتها .
قال كامل بجوار شفتيها ويده لا تزال تتصرف بجرأة "لكن المدرب كان سيشعر بالامتنان أكثر لو كان الثوب من قطعتين"
كتمت بسمة فمه بيدها حتى لا يسترسل فأبعد يدها عن فمه ومال يطبق على شفتيها بقبلة حارة غير قادر على الصبر لأكثر من ذلك .. فذابت بسمة بين ذراعيه تطير إلى عالم أخر لم تذهب إليه من قبل إلا معه ..
××××
بعد الظهر
وقفت أم هاشم في المطبخ في حيرة من أمرها أين ستضع كل أقفاص الفاكهة والخضروات التي أحضرها عمها وزوجته كتقليد في القرية لهدية أهل بيت العروس لابنتهم في اليوم الثالث من الزواج ..
لقد زاراها مع نصرة وبنات عمها زيارة سريعة صباح اليوم بعد خروج جابر للعمل .. وتذكرت كلام صباح المتهكم عن العريس الذي ترك عروسه في اليوم الثالث للزفاف تلمح لأنه قد هرب منها رغم أن الحاجة نجف ظلت تبرر طوال الوقت بأن لديه طلبية مهمة استدعت نزوله للعمل وبأن ابنها لا يستطيع أن يترك عمله أبدا ..
خرجت على باب المطبخ تقول لحماتها" أنا لا أعرف حتى الآن أين سأخزن هذه الأشياء وهذا الطعام الذي يأتينا كل يوم وجابر لا يقربه وأنا وأنت نأكل منه بالكاد "
قالت نجف "ما يمكن أن يبقى لوقت طويل ضعيه على جنب وسنضعه فوق في شقة زين مؤقتا والباقي سنحاول تخزينه بالثلاجة أما الطعام فلا مفر من حفظه بالثلاجة "
قالت أم هاشم ببعض الضيق "الثلاجة فيها طعام الصباحية المشئوم وفيها دورق العصير الذي فسد وجابر مصر على الابقاء عليه ..لكني لن أتحمل وجود طعام فاسد في الثلاجة ..أريد أن أخرج ما فيها فورا واغسلها كلها حتى أرتاح "
ابتسمت الحاجة نجف فقالت أم هاشم بضيق شديد "صدقيني أنا أتحدث بصراحة ..أنا أجن إن كان هناك شيء غير نظيف بالمطبخ.. في بيت عمي كانوا يسمونني بالمجنونة "
قهقهت نجف ثم قالت "لننتظر أن يأتي جابر في المساء واخبريه برغبتك في القاء هذا الطعام ( وأضافت بحسرة ) وحسبي الله ونعم الوكيل فيمن دبر لهذا "
سألتها أم هاشم بفضول "هل هناك من دخل البيت أثناء حفل الزفاف يا خالتي؟"
ردت نجف "بعض النسوة دخلن خلفي وأنا أضع الهدايا التي جاءتنا في الحفل ..وبعضهن دخلن مع أخوتي وأخت زوجي وأنا آخذهن في جولة في الشقة فلم يكن قد شاهدنها بعد التجديد ..وجابر أخذ اسماء كل من تذكرتهن لكني لا أعتقد بأنه قد يصل لشيء فالأمر صعب تحديده الله أعلم بالنوايا وبالنفوس السوداء .. سأحاول أن أقنعه أن يترك الأمر لصاحب الأمر الذي لا يغفل ولا ينام "
لم تكن تعرف أم هاشم بأن نجف تفكر في شخصية معينة .. فأطرقت برأسها وعادت للمطبخ لتقرر كيف ستحفظ الطعام الكثير الذي لديها .. ثم سرحت بخيالها في أحداث وتفاصيل ليلة أمس التي لا تريد أن تخرج من رأسها بكل المشاعر والأحاسيس التي مرت بها ..
إنه كما تخيلته دوما رجل شديد الجاذبية والرجولة التي كادت أن توقف قلبها .. ويكفي نظرته لها ورغبته فيها كأنثى .
فتح باب البيت وسمعت صوت جابر الرخيم يقول "السلام عليكم "
فأسرعت بالخروج لباب المطبخ بينما والدته تسأله بقلق" هل أنت بخير يا ولدي؟!"
رد جابر وعيناه تنظران لأم هاشم" بخير يا أمي الحمد لله لماذا فزعت هكذا ؟!"
قالت موضحة " لأنك قلت بأن اليوم مشحون بالعمل ولم أتوقع أن تأتي مبكرا ..أنرت البيت"
اشتعلت وجنتا أم هاشم واسرعت بارتباك تختبئ في المطبخ بينما رد جابر على أمه مراوغا" انتهيت من استلام الطلبية الأولى والأخرى ستأتي بعد عدة ساعات فقررت أن أحضر لأتناول الغداء معكما وأستريح قليلا ثم أعود للعمل"
قالت أمه مؤيدة" خير ما فعلت..( ثم اضافت) لقد حضر أهل أم هاشم وأحضروا أقفاصا من الفاكهة والخضراوات "
رد جابر يهز رأسه وهو يلعب في مفاتيحه "أجل يا حاجة لقد اتصلت بالحاج يحيى وشكرته وأعتذرت له على عدم وجودي في استقباله "
قالت نجف " بصراحة الرجل كان متفهما وقال عمله أهم "
تحرك نحو السلم ثم نظر يسارا عبر باب المطبخ وتفحص أم هاشم بذلك الفستان الفضفاض الأشبه بالعباءة باللون الفيروزي المنقوش بنقوش صغيرة متداخلة بخصر واسع وكورنيش عريض من عند الذيل بنفس قماش الفستان يزين اللون الأزرق حواف الكورنيش العلوية والسفلية .. كان فستانا بدون أكمام يظهر سمرة ذراعيها النحيلين الناعمين ونقوش الحناء عليهما متزينة بأساورها الذهبية ..
أما شعرها فكان مرفوعا من الجانبين بمشبك خلف رأسها بينما خصلاته المجعدة المتشابكة حرة على ظهرها.
قال جابر "كيف حالك يا أم هاشم؟ "
هزت رأسها عدة مرات بارتباك وردت بخفوت "سلمت من كل شر "
هز رأسه يداري لهفة تتأجج في صدره هي ما أحضرته هذه الساعة غير قادر على الصبر حتى وصول الطلبية الأخرى ونهاية يوم العمل فغمغم "الحمد لله (ثم أدار وجه يقول لأمه) أنا سأصعد لأستريح قليلا يا حاجة ثم نتناول الغداء سويا "
قالت نجف "أراح الله قلبك يا حبيبي"
تنحنح يصعد بخطوات واثقة رزينة نحو الطابق العلوي بينما وقفت أم هاشم مرتبكة لا تعرف ماذا تفعل .. تريد أن تهرول خلفه لكنها تشعر بالحرج من ترك حماتها والصعود .. ومن اظهار لهفتها لعودته .. كبرياؤها يمنعها من أن تبدو مثيرة للشفقة .. كما أنه ربما أراد أن يبقى وحده .
قطع أفكارها نداء هامس من حماتها جعلها تخرج إليها من المطبخ .. لتشير لها نجف وتقول بصوت خافت "ماذا تفعلين في المطبخ .. اصعدي لزوجك لا يصح أن تتركيه"
لم تكد أم هاشم ترى إشارتها حتى هزت رأسها بارتباك وأسرعت للحمام تعدل من هيئتها وهرولت بعدها على السلم كطفلة صغيرة.. فابتسمت نجف بسعادة ثم غمغمت" سبحان الله امرأة تجعل زوجها لا يقترب من البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل وأخرى تحضره ملهوفا في وسط النهار .. لم يفعلها حتى في أول اسبوع من زواجه السابق ..اسعدك الله يا جابر يا ابن نجف ورزقك بالمزيد من الأولاد والبنات"
عند هذه الخاطرة تذكرت ميس فدمعت عيناها شوقا لحفيدتها .
أما أم هاشم ففتحت باب الغرفة بحذر وأطلت برأسها من الباب قبل أن تطلق صرخة قصيرة حينما تم سحبها فجأة لتدخل.
وضعت يدها على قلبها بينما لصقها جابر بالحائط فقالت بأنفاس متسارعة" سامحك الله يا جابر أفزعتني"
أبعد خصلة خلف أذنها ورد "وليسامحك الله أنت أيضا "
سألته لاهثة ونظراته تصيبها بالارتباك "أنا!.. لماذا؟"
أسند كفه على الحائط بجوار رأسها وأجاب " لأني لم استطع استكمال عملي اليوم وانتهزت الفرصة لآتي لبعض الوقت ثم أعود ..لأنني ..(ونظر لشفتيها ) كنت أفكر فيهما طول الوقت "
ارتعشت شفتاها واسبلت أهدابها بخفر فرفع ذقنها ثم مرر ابهامه عليهما يقول بعبوس وغيظ "ألا يكفي بأنهما تستفزاني لتقبيلها فتطليهما باللون الأحمر!! ..ما هذا الأحمر الغريب!"
أطبقت شفتيها على ابتسامة اظهرت غمازتيها ثم ردت "هذا دم الغزال"
رفع حاجبه يقول" نعم !"
تطلعت في عينيه بافتتان تقول "هذا اللون اسمه دم الغزال "
سألها واللون على شفتيها المعذبتين يشعل حواسه كلها " ولماذا تضعينه في غير وجودي إن شاء الله !"
اسبلت جفنيها فوق عينيها الدافئتين وأجابت" لأن أهل بيت عمي جاءوا صباح اليوم وكان عليّ أن أتزين كأي عروس "
قال وهو يقرب وجهه منها " لا تضعيه في عدم وجودي مرة أخرى "
قالها ولم ينتظر ردا بل أطبق على شفتيها بشوق غريب.. شوق لها ولتلك الشفتين الحارتين ... فلم يكن يعلم من قبل بأن العسل والتوابل الحارة من الممكن أن يختلطان فيصبحا خمرا على شفتين .
ذابت أم هاشم بين ذراعيه وكلما فكر كيف تكون طبيعتها بشكل عام وكيف تتحول لقطعة شيكولاتة ذائبة شهية بين ذراعيه يؤجج ذلك من ناره أكثر ..
ابتعد عنها فسحبت أم هاشم نفسا عميقا وأمسكت به تخشى السقوط فساقيها أصبحتا كالهلام ليقول جابر بصوت أجش وعيناه مثبتتان على فتحة عنق ثوبها " أنا أرى أن ننتهي أولا من موجز الأنباء بلون دم الغزال هذا ثم نبدأ في النشرة التفصيلية "
قالها ثم تطلع في ملامح وجهها مأخوذا بها كالمسحور بينما غامت عينا أم هاشم بدموع السعادة وقالت بابتسامة تتصنع الاستنكار "هل تتهكم عليّ يا جابر !!"
قال بابتسامة جذابة زادت من ضربات قلبها الذي يعاني من هول ما يحدث "اطلاقا أنا أحاول أن اصنع جسرا للتواصل بين موجز الأنباء والنشرة التفصيلية "
ومال عليها يلتهم شفتيها مرة أخرى فحارت أم هاشم أين تضع يديها وهي تشعر بالخجل والرهبة .. ليطلق جابر سراح شفتيها ويمسك بذراعيها ليرفعهما حول عنقه ويعود لشفتيها بعد أن قال "وإياك أن أسمع منك عبارة (نكتفي بهذا القدر مجددا) فيبدو أن مسألة الاكتفاء ستكون معك غاية في الصعوبة .. بل معذبة"
××××



قالت بسمة بغيظ " قم يا كامل.. قم حتى نخرج قليلا "
تململ في نومته ثم قال "لماذا نخرج ؟"
غمغمت باستنكار "لماذا نخرج!( ثم هتفت بغيظ) نحن لم نخرج من الشاليه منذ أن وصلنا أريد أن أرى الناس آكل في المطعم .. أتمشى على البحر نحن لم نفعل سوى الأكل والسباحة و .."
رفع رأسه عن الوسادة يسألها بابتسامة متسلية "وماذا؟"
احمرت وجنتاها وصمتت فغطى عينيه بذراعه يعود للنوم لتقول بغيظ وهي تضربه على فخذه "هل ستعود للنوم مرة أخرى!"
قال بلهجة ناعسة" ليس اليوم يا باسمة فكما أخبرتك هناك مفاجأة في المساء فدعيني أنام قليلا "
قالت بحنق "هذا في المساء ماذا عن الآن؟"
تقلب يوليها ظهره فسمعت طرق على الباب فعبست بسمة بينما ترك كامل السرير على مضض وتوجه نحو باب الشاليه ..
أسرعت بسمة تقف على باب الغرفة تتابعه وهو يتحدث مع أحدهم قبل أن يعود بعد قليل يحمل في يده ثوبا مغطى بغطاء بلاستيكي غير شفاف ..فعقدت حاجبيها بتساؤل ليعطيه لها كامل قائلا" هذا الثوب سترتدينه اليوم في المساء ..وستأتيك بعد قليل خبيرة تجميل لتساعدك على الاستعداد للمفاجأة"
أخذت بسمة منه الفستان بذهول بينما تثاءب كامل وألقى بنفسه على السرير وهو يقول "والآن دعيني أنام حتى يأتي الموعد "
احمرت وجنتاها ورفعت خصلة من شعرها الأسود خلف أذنها ثم أسرعت بفتح سحاب الغطاء حتى ترى الفستان قبل أن تطلق شهقة قوية .
××××
كان مستلقيا باسترخاء يتوسد ذراعيه عاري الجذع تحت أغطية السرير يراقبها وهي تقف أمام الخزانة بقميصها الداخلي الأبيض الذي يصل حتى منتصف فخذيها الأسمرين الأملسين تلملم شعرها المجعد الذي أصبح في حالة من الفوضى .
أخذ يتأمل جسدها وقد ذكره بإحدى العرائس الشهيرة عند ابنته ميس رفيعة القوام ونحيفة مثلها.. وبلع غصة في قلبه عندما خطرت ابنته على ذهنه فوعد نفسه بأن يمر عليها اليوم مساء عند عودته من العمل .
عاد للشرود في تلك الغارقة في خجلها أمامه والتي قفزت فورا بعدما قامت بتلك الحركة التي تفجر الحنان في قلبه وتداعب رجولته .. قبّلت موضع قلبه .
حينما قيّمها بنظرة ذكورية ودقق فيها أول مرة في يوم قراءة الفاتحة كان ما يجذبه فيها شخصيتها واخلاقها ومقام والدها وجدها وشعوره بالأسف عليها من أن تبقى حتى هذا العمر بدون زواج فلو كانوا يعرفون كيف تُقيّم النساء لكانت أول البنات واسبقهن في الزواج ..كما أن شعوره بالمسئولية تجاهها وشعوره بالتقصير معها كلها أمور استند عليها حينما ندم على عدم الزواج منها وتمناها بمجرد أن انفصل عن زوجته الأولى .. هذا بالإضافة لشعور خفي بالانجذاب كان لا يدركه لكن مصطفى لمح له به أكثر من مرة أخذ يتضاعف خلال فترة الخطبة القصيرة ..
كل هذا يبدو منطقيا ومفهوما له ..
لكن ما حدث معه منذ أن أبصرها في هيئة الأنثى بمجرد أن أضحت تحل له كان أمر مفاجئا ومربكا له ..
وكأن بركانا خامدا انفجر في قلبه...
لأول مرة يشعر بقلبه يدق كالمراهقين .. ولأول مرة تحتله مشاعر قوية جامحة بهذا الشكل ..
ناغشها قائلا وخجل العروس يثير جنون مشاعره الخاصة "هل من الممكن أن أعرف لماذا تقفزين من السرير بسرعة "
أولته ظهرها بضلعيها البارزين تغمغم بخفوت "حفاظا على سلامة قلبي"
لم يسمع جابر سوى همهمتها لكنه ابتسم وقال مشاكسا "ألم نتفق على أنك ستحافظين أكثر على مشاعري ؟"
وقفت بوضع جانبي تفتح الخزانة وتداري ضحكة وهي تخرج لها ملابس حتى تغتسل بينما شرد جابر في سمرتها ..
إن تلك الغبية التي شوه الناس صورتها عن نفسها تملك أنوثة طاغية هو نفسه مذهول من هذا الشيء .. فبعيدا عن جسدها الرشيق الذي يعجبه .. والذي لا ينكر نحافته لكنه يعجبه .. يريد أن يعرف مصدر هذا الانجذاب إلى حد الانفلات الذي يعانيه منذ زفافهما ..
أهو لون بشرتها المميز أمام عينيه؟.. أم نعومة بشرتها .. إنها ملساء كالحرير وكأنها لا تحتوي على مسام كما أن لها رائحة مميزة .. رائحة غريبة تشع من جلدها .. لا يشعر بأنها لعطر متداول .. وكأنها رائحة زهور مختلطة بالتوابل الحارة الحارقة .. عطر عجيب .
اعتدل في نومته المسترخية وهو يفكر في أنه لم يشعر بهذا الشعور بالرضا والسكينة والشبع من قبل .
لمحت عيناه صدريتها المبطنة ملقاة على الأرض فقال لها بلهجة مشاكسة في ظاهرها ذات مغزى وهدف في باطنها " عم كنت تعتذرين ليلة أمس حينما قلتِ بتلك اللهجة المسرحية (وقلدها ) عذرا لهذا المنظر "
صمتت أم هاشم وضغطت شفتيها ببعضهما فقال جابر" أنا أتحدث معك يا أم هاشم"
رمقته بطرف عينيها وقالت" أنت تعرف"
قال بعناد" لا .. لا أعرف "
كررت بإصرار " لا بل تعرف "
قال جابر موضحا " الأمر ليس بهذا السوء الذي تتحدثين عنه "
أدارت وجهها له تناظره بامتنان للباقته فقال بصدق مؤكدا" صدقيني أنت توهمين نفسك بشيء غير حقيقي .. من يسمعك يعتقد بأنك لا تملكين تفاصيل أنثوية .. أنت فقط تبدين بتفاصيل المراهقات ..لكنك مكتملة الأنوثة"
غمغمت بحرج "لا تحاول أن تجمل الوضع فأنا أعرف بأني لست مثل الأخريات"
قال بإصرار " أنت تذكرينني بعروس لعبة طويلة رفيعة عند ميس نفس تفاصيلك .. الأمر كله أن المزاج العام للرجال في الشرق يميل للامتلاء .. أتعرفين أن مواصفات جسدك هذه مواصفات الأوروبيات؟ ..ولو كنت تعيشين هناك لكنت شخصا عاديا وسطهم لأن تفاصيل جسدك كالأجنبيات"
تطلعت فيه من بعيد تتحرى صدق مشاعره لا يهمها الشرقيين أو الأوروبيين من يهمها هو جابر فقط فقال الأخير "أتصدقين لولا تدينك لكنت امتهنت مهنة عرض الأزياء أنت تملكين كل المواصفات.. طول ..وقَد ممشوق ونحافة محببة "
أطرقت برأسها وكلماته ترمم بداخلها انكسارات عميقة بعدد سنين عمرها لكن صورتها الذهنية عن نفسها التي تكونت تحتاج لوقت أطول للتغيير فسقطت دمعة من عينها رغما عنها آلمت قلب جابر لكنه لم يكن يحب أن يشعرها بأنها مثيرة للشفقة وأم هاشم كذلك ولهذا مسحتها بسرعة ترفع رأسها بكبرياء وتقول بمزاحها المعهود "ومع هذا إن رزقت بالمال سأقوم بعملية تجميل وأنفخهما لأكبر حجم ممكن "
اتسعت عيناه ثم رد بعبوس " بعيدا عن جواز ذلك دينيا أم لا من قال بأني سأوافق !"
رفعت يدها تمسح على عنقها وهي تقول بخجل "وما دخلك أنت؟"
هتف باستنكار " نعم!! .. دخلي أن كل شيء فيك ملكي يخصني"
غمغمت في سرها "وسيبقى ملكك للأبد حتى لو فرقنا الزمن ( ثم قالت لجابر ) أنا قلت من قبل أن كلامك حلو "
أغاظه أنها لا تصدقه فسألها "هل أنت رجل يا أم هاشم ؟"
ردت مازحة "أحيانا"
تحكم في رغبة في الضحك وسألها بصوت أكثر صرامة" هل أنت رجل يا بنت الشيخ زكريا؟"
أطرقت برأسها وهي تهزها بالنفي فأضاف "إذا لا تتحدثي عن الرجال وما يفضله الرجال .. من نظرة ومنظور رجل أؤكد لك بأنك لا ينقصك شيء البتة "
رغم غرابة الحديث لكنه كان تلقائيا طبيعيا معه فأخرجت مكنونات قلبها أكثر والتي لم تناقشها مع أحد أبدا.. فوالدتها ماتت وهي صغيرة جدا ولم تجد من تتحدث معه عن أوجاعها "ولكن النسوة يقلن .."
هتف جابر مقاطعا بغضب "مالهن النسوة بهذا الموضوع !.. ولماذا يتحدثن بهذه الجرأة والوقاحة عن هذه الأمور! ..إياك أن تخوضي معهن في مثل هذه الأحاديث التي لا تنفع "
قالت أم هاشم مدافعة" أنا لا أسمح لأحد بالحديث معي في هذا الأمر لكني أسمعهن يتحدثن من خلف ظهري "
قال باستياء " لا تلتفتي لهذا الكلام ها أنت قد تزوجتِ وزوجك يخبرك بأن كل شيء فيك يعجبه"
اطرقت برأسها بخجل ثم استدارت تقول وهي تغلق باب الخزانة "أنا سأغتسل أولا حتى أسرع في تسخين الغداء لدينا باقي طعام البارحة "
تطلع جابر في تفاصيل جسدها ثم قال بلهجة شقية" كما أنك تمتلكين امكانيات أنثوية مميزة جدا في أماكن أخرى في جسدك يجعله أنثويا ومغريا بشدة"
شعرت أم هاشم بجسدها كله يتعرق دفعة واحدة من عبارته فرفعت يدها تلمس عنقها بخجل ورمقته بطارف عينها تواجه نظرته الشقية ثم قالت "لم أكن أعرف بأنك قليل الحياء يا جابر"
انفجر ضاحكا ثم سألها من بين ضحكاته "وهل علمت الآن ؟"
أطرقت برأسها تقول مؤكدة " أجل علمت حين تزوجتك "
كان غير قادر على إيقاف ضحكاته لكنه سألها "وما رأيك أنت في هذا الأمر ؟"
وضعت يدها على فمها تناظره بحرج وهي تهمس في سرها "أنا أعشق قلة الحياء "
لم يعرف بما قالته لكنه سيطر على ضحكاته وهو يشير لها بالاقتراب فقضمت شفتها السفلى .. ليصر جابر على أن تقترب فتحركت نحوه.
أمسك بمعصمها لتجلس على السرير في مواجهته بينما اعتدل هو جالسا وسألها بلهجة مغازلة "أخبريني بسرك ولن أخبر أحد"
سألته ببراءة" أي سر؟"
مرر ظاهر يده على وجنتها وقال "مثلا رائحتك .. إن جلدك له رائحة رائعة ولا أشعر بأنه عطر بل أشعر بأن مسام جسمك تفرزه"
ردت أم هاشم" هذا من عمل تلك الحنانة بعد رحلة عذاب وضعت لي شيئا ذا رائحة حلوة في المبخرة وقالت أن طبيعة جلدي تحتفظ بالعطور أكثر من الأخريات "
ابتسم جابر وهو يتأمل ملامحها التي صارت محببة مأخوذا بتفاصيلها بينما أضافت أم هاشم بطريقتها الكوميدية وهي تشير بيديها "المرأة عذبتني صدقني كادت أن تسلخني والله ..وحين دخلت عليّ وهي تحمل الفحم المشتغل توقعت بأن الخطوة القادمة ستكويني بالنار وتختم على جسدي بختم مثل فيلم (واسلاماه ) ..ثم تنفست الصعداء حين وجدتها تضع ذلك الشيء ذو الرائحة الجميلة.. وقالت بأنها ستلتصق بجسدي لبعض الوقت"
قهقه جابر من جديد وسحبها إلى حضنه هذه المرة يحضنها بقوة وهو يضحك ..ويمسح على شعرها ..
كيف يصف شعوره بها .. إنها تجعل ينابيع العاطفة تتدفق من قلبه بلا حساب كابنة ..
ويشعر بالراحة معها كرفيق ..
وبالأمان معها كصاحب أو خل ..
كيف يصف كل هذا ..
إنها شخص يمس روحه ..
إنها توأم روحه !.
كان تعبيرا مذهلا جعل ضحكاته تهدأ .. وضمها إليه أكثر فنامت أم هاشم على صدره بخدها تستمتع بدفئه مبهورة بما يحدث معها ..
أبعدها بعد قليل لكنه أمالها لتستند بظهرها على فخذيه المرتفعين ثم حدق في عينيها الدافئتين وقال وهو يمرر ظهر يده على ذراعها العاري" هذا بشأن الرائحة ماذا عن تلك النعومة كالحرير"
ردت بكبرياء وهي تزيح خصلة مجعدة عن وجهها وتضعها خلف أذنها" هذه طبيعة بشرتي الحمد لله أني أملك شيئا جميلا "
ضربها على رأسها برفق يقول موبخا "لازال الرأس يابس ولم يقتنع .. لكني سأظل خلفه حتى يقتنع ( وتطلع في شفتيها مضيفا ) وسأظل خلفهما أيضا لأعرف ما سرهما "
قالها ثم مال يطبق على تلك الشفتين اللتين يصفهما .. بالماكرتين .
××××
"ماذا تعني يا زفت بأنه لا يوجد شيء غير طبيعي"
قالتها كاميليا بعصبية في الهاتف فرد عصفور مؤكدا " كما قلت لك يا ست كاميليا لا يوجد شيء غير طبيعي والمعلم جابر خرج اليوم من البيت "
عقدت حاجبيها وسألته "خرج ..أين ذهب؟"
"ذهب لعمله"
سألته " وكان عاديا؟"
أكد لها عصفور " عادي جدا"
سألته وهي تجز على أسنانها " والعروس؟"
رد يداري غيظه " لا أعرف يا ست كاميليا لم يرها أحد منا .. فأمي كما أخبرتك تمرض أبي .. لكن ما علمته أنهم يزورونها بالزغاريد كل يوم واليوم بالذات ذهب إليها عمها محملا بأقفاص الفاكهة والخضر فلو بها شيء لكان ظهر "
سألته بضيق شديد " هل أنت متأكد أنك وأخوك قد راقبتما البيت الثلاث أيام الماضية جيدا؟"
بلع ريقه وأخفى عنها تلك الليلة التي خاف فيها أخوه من مصطفى الزيني وعاد للبيت فقال" بالطبع يا ست كاميليا وبصراحة لن نستطيع أن نستمر في المراقبة فالمعلم دبور قد خرج للعمل ويعرفني بالطبع ويعرف عائلتي كلها"
اغلقت الخط بعنف فنظر عصفور في الهاتف بقرف بينما جلست كاميليا فوق السرير تمسك برأسها والصداع لا يريد أن يتركها منذ ثلاثة أيام .. تشعر بأنها ستموت وتلك السوداء تعيش في مكانها..
رن هاتفها فوجدت اسم احدى صديقاتها .. فتجاهلته وعادت تمسك برأسها من جديد فبالتأكيد تريد أن تعرف منها ماذا كانت تدبر لجابر وأم هاشم ..
إنها تشعر بالهزيمة وبالغيظ والغضب الشديد .. الأمور لا تمشي معها كما تريد .. وغضبها من جابر وحقدها على أم هاشم يتعاظم ..
لماذا الجميع حظوظهم أفضل منها ؟..
بسمة تعيش حياة سعيدة في زواج للمرة الثانية وجابر أهانها بزواجه من تلك العانس السوداء .. ومليكة تزوجت من ابن العمدة .. حتى الصماء الهبلاء تزوجت من شاب ثري .. أما هي .. كاميليا العسال .. بكل جمالها وفتنتها لم تحقق شيئا مما تمنت ..
أين العدل في الحياة حينما يتمتع كل من حولها بكل هذه المميزات وهي لم تحظ بأي شيء مثلهم ..
إن حظها عاثر .. فالكل يحسدها على جمالها..
أمسكت برأسها الذي سينفجر ومالت لتنام على السرير وهي تبكي بقهر وشعور كبير بالظلم ..
لكنها لن تستسلم وستنتقم من الجميع .. وخاصة أم هاشم .. ستؤكد لها بأن الرؤوس أبدا لن تتساوى .. لن تتساوى .
××××
كان الصمت قاتلا بينهما لأكثر من ساعة .. وبالتحديد منذ أن ركبا السيارة ليعودا من العاصمة إلى القرية .. حتى مخططاته في أن يبيتا في شقته في العاصمة باءت بالفشل بعد أن خرجت بتلك الحالة من عند الطبيبة النفسية .
إنها تبكي في صمت وترفض الحديث معه .. وما فهمه من الدكتور أكرم أخيها عبر الرسالة النصية التي أرسلها له بأنه قد تواصل مع الطبيبة ليفهم سبب حالتها وعلم بأنها لم تنطق بشيء .. حتى اسئلة الطبيبة العادية للتعارف لم تنطق بشيء وظلت في حالة جمود لبعض الوقت ثم انفجرت في البكاء بشكل صعب على الطبيبة فعل أي شيء سوى أن سمحت لها بالمغادرة إن أرادت فأسرعت مليكة بالتنفيذ .
لا ينكر بأنه يشعر بإحباط شديد .. صحيح لم يتوقع أن تتحدث مليكة عما يؤلمها بسهولة من أول جلسة لكنه كان متأملا أن تتجاوب مع الطبيبة بشكل قد يعطي للأخيرة الفرصة لاستدراجها في الحديث فيما بعد .
عاد للتطلع في مليكة التي عادت للبكاء الصامت بينما نظرت الأخيرة للنافذة تشعر بالإحباط .. أرادت أن تتحدث لكنها بمجرد أن دخلت عند الطبيبة خانتها شجاعتها وتلجم لسانها .. بل إنها أصيبت بحالة من التخشب وفقدت الإحساس بجسدها .. وها هو الشعور بأنها عديمة الفائدة يسيطر عليها من جديد خاصة وهي تقارن حالة مفرح السعيدة في رحلة الذهاب بحالته الصامتة الواجمة الآن .
قطع مفرح ذلك الوضع الكئيب بأن قال" ألن تكفي عن البكاء يا مليكة إنها الجلسة الأولى ولن نتوقف أليس كذلك "
رغم رغبتها في التوقف وعدم تكرار التجربة هزت رأسها موافقة دون أن تدير وجهها إليه فقال بلهجة حانية "إذن توقفي عن البكاء أرجوك ..أنا تركتك تبكين حتى الآن لعل البكاء يكون مريحا لك "
استدارت إليه تقول من بين دموعها" مفرح لماذا لا نفعل ما قالته الطبيبة النسائية .. لماذا لا نقوم بتلقيح صناعي ما دمنا قد فشلنا في الانجاب (وأطرقت برأسها تضيف بحزن) أقصد قد فشلت أنا في الانجاب "
جاءت السيرة التي تستفزه فقال بعصبية "هل سنعود لتلك السيرة يا مليكة وقد أغلقناها منذ أكثر من عامين "
قالت مليكة باكية" أنت لا تساعدني بهذه الطريقة "
هتف باستنكار " كيف لا أساعد ؟...الطبيبة النسائية أكدت لنا مرارا بأننا طبيعيان وأنك تعانين من عقم نفسي "
هتفت مليكة بانفعال" واقترحت عمل زراعة أجنة أين المشكلة ؟"
هتف بانفعال مماثل وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق " قلت لك لا أشعر بالراحة مع هذا الموضوع .. ولا أثق في المعمل الذي سيقوم بذلك "
قالت مليكة تعيد عليه ما كانت تقوله من قبل "وأنا قلت لك أكرم أخي يستطيع أن يرشح لنامركزا ذا سمعة ممتازة في هذا المجال وسيكون ذلك في العاصمة ولن نخبر أحدا فقط عائلتي"
أدار مفرح رأسه نحو النافذة يستغفر ربه ويطحن ضروسه فأمسكت مليكة بذراعه تقول بتوسل "استحلفك بالله يا مفرح أن توافق ربما يكون هذا هو المخرج لي ..(وأكملت بلهجة مزقت نياط قلبه) أمنيتي ان أحمل طفلك في رحمي يا مفرح .. أنت قلت نصبر وها نحن قد صبرنا .. إننا متزوجان منذ ثماني سنوات إلى متى سنصبر أكثر من ذلك؟!"
ساد الصمت ومفرح يحدق في الطريق اللانهائي أمامه بينما مليكة تتطلع في قسمات وجهه المتشنجة قبل أن تضيف بلهجة أكثر توسلا وهي تمسد على ذراعه "امنحني طفلا منك يا مفرح "
رمقها بنظرة جانبية تلمع بالدموع وقال بلهجة متألمة "أنا أمنحك كل أطفالي يا مليكة في كل مرة أطارحك فيها الغرام على أمل أن يحتضن رحمك أحدهم بشكل طبيعي"
قالت معترفة " أعلم بأنك تعاني معي وطلبت منك الزواج بأخرى حتى تعيش حياة طبيعية لكنك متمسك بي راضي بقدرك فدعنا نطرق هذا الباب فأنا أريده بشدة "
صمت يفكر .. ورغم عدم استساغته للفكرة وشعوره بالضيق الشديد لكنه قال مستسلما "حسنا اسألي أكرم على طبيبة ثقة في العاصمة لنقوم بهذا الأمر"
هتفت بفرحة "حقا يا مفرح"
نظر لها وللفرحة على وجهها وابتسم قائلا في استسلام "لله الأمر من قبل ومن بعد "
قبلت ذراعه ثم قبلت وجنته بامتنان فرفع ذراعه ليحط جذعها ويضمها إليه ثم قبل رأسها وهو يقنع نفسه بأنه ربما كان هذا الطفل منقذا لهما .. ولمليكة بالتحديد .
××××
وضع كامل السماعة وقال بصوت عال "باسمة خبيرة التجميل ستحضر بعد نصف ساعة "
أتاه صوتها من الحمام تقول" تمام "
سألها بفضول " ماذا تفعلين كل هذا الوقت في الحمام إياك أن تكوني تدهنين ذلك الكريم على جسدك قلت لك هذه مهمتي من الآن فصاعدا"
لم ترد عليه فضحك وأخذ يتفحص بسعادة الصور على هاتفه التي التقطها لهما معا فقالت بسمة بعد برهة " كامل لقد وضعت لك خط الهاتف القديم الخاص بي على الكومود بجوار السرير هلا وضعته لي في الهاتف لنرى إن كان سيتصل بحسابي على الانترنت ويمنحني قائمة الارقام الخاصة بي أم لا ؟"
رد كامل "تمام "
وعاد للتقليب في الصور حتى وجد الصورة التي يبحث عنها .. صورة جعل بسمة تصورها له وهو يضجع على جانبه بجوار المسبح عار الجذع يرتدي نظارة الشمس ويستند على مرفقه وفي يده كوب من العصير معلق على حافته شريحتين من الليمون ومظلة صغيرة ملونة من الورق ..وينظر للكاميرا بخيلاء ..
لقد طلب منها التقاط هذه الصورة خصيصا من أجل شامل حتى يغيظه ..فأسرع بإرسالها له على الواتساب وابتسامة صبيانية تتراقص على شفتيه باستمتاع .. ليأتيه الرد فورا على هيئة سيل من العبارات الوقحة والبذيئة جعلته ينفجر ضاحكا .
ترك هاتفه والتقط خط بسمة القديم يضعه في هاتفها الحديث ثم حاول اللجوء لحسابها على الانترنت قبل أن يسألها" كلمة السر يا باسمة الخاصة بحسابك في شركة الخطوط على الانترنت"
جاءه صوتها" اعتقد أنه تاريخ ميلادي"
قبل أن يدخله اهتز الهاتف بوصول عدة رسائل نصية على الخط القديم أغلبها اعلانات واشعارات لكن من بينها اسم أظلم وجه كامل حينما قرأه وفار الغضب في رأسه فضغط على الرسالة ليقرأ " حمدا لله على سلامتك من الحريق .. أسأل الله أن يحفظك دوما من كل شر "


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close