رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم رؤي صباح مهدي
الفصل 28
لاجلك فقط
قبل عدة سنوات
صرخ لويس البالغ من العمر اقل من سنة وهو يطالع الرأس الذي يحملق به فوك السرير الابيض الفاخر. همهم كما يهمهم الاطفال ويده في كل مكان بلا تعيين واصابعه متفرقة. هدأ صراخه تدريجيا بعد ان امسك اصبعا وشاهد وجة المراة تتبسم له وتنظر له بعينيها المتلئلئتين. ثم قالت بصوت هامس:
"لا تقلق ايها الصبي.. سنتخلص من آن قريبا "
ثم تبسمت ايفيلين وهي تعيد في رأسها تلك الخطة التي رسمتها باحكام. السم الذي ستدسه للملكة سيعمل مفعوله بسرعه و من ستقدم لها السم هي التي سيقطع رأسها. اما ايفيلين فستوفر المواساة للعائلة الملكية ولويليام ثم ستأخذ مكان ابنة عمها على العرش باسرع مايمكن.
لم تشعر بدخول مربية لويس الا عندما قالت لها بلهجة مؤدبة:
"ليدي ايفيلين منذ متى وانت هنا؟"
استدار راس ايفيلين ذا الباروكة المنتفخة وقالت للمربية:
"لقد اتيت لأرى ولي العهد. سيكون يوما ما ملكا عظيما لذا اعتني به "
تبسمت المربية وردت عليها بأدب بالغ:
"سافعل يا مولاتي"
.. حاولت ايفيلين ان تكون ودودة مع المربية حين سألتها:
"ما اسمك مرة اخرى؟"
ردت الخادمة باحترام مبطن بالانفه:
"مدام دي مارتين"
وانحنت لايفيلين التي تبسمت وقالت:
"هل الملكة في غرفتها؟"
اجابت المربية المقربة من الملكة فها هو الطفل الثاني التي تشرف على رعايته من اطفال آن :
"جلالتها تعاني من بعض الالم في رأسها وهي ترتاح في غرفتها"
هزت ايفيلين رأسها وقالت متصنعه الحزن:
"جلالة الملكة اختي بالتبني.. هل تعلمين يا مدام دي مارتين اننا بنات عم وتربينا سويا .. يشعر قلبي بالالم لمجرد شعورها بالالم"
ثم دست يدها في جيبها وقالت كأنها تقص حكاية:
"هذه الحبوب استعملها دائما عندما اشعر بالالم. اعطاني اياها الطبيب بنفسه. هل لدى آن مثلها؟"
القت مدام دي مارتين على الحبوب نظرة مطولة لتقول بعدها متأكدة:
"لا اعتقد ذلك يا سيدتي. فمولاتي الملكة لا تستعمل الا ما ينصحها الطبيب الملكي به"
نفخت ايفيلين هواء حارا من فمها باستهزاء حين قالت:
"ذلك الاخرق يستعمل فقط الاعشاب.. وما عساه شاي اليانسون يفعل او دهان الزنجبيل.. لم تنجح اي من علاجاته وهي تكافئة بسخاء.. تخيلي ما يمكن ان تفعله لمن يساعدها على تجاوز المها في الحقيقة وبلا خزعبلات"
تنفست مدام دي مارتين وهي تفكر .. كانت سيدة طيبة ومثقفة.. تعمل كمربية ملكية وتنحدر من عائلة ذا اصل بسيط من المنطقة الجنوبية اجتهدت بكل ماتملك من قوة لتدخل البلاط وترفع من مكانتها الاجتماعية. وهي الاخرى تطمح ليكون لديها مكانه خاصة لدى الملكة كما تطمح اي سيدة تسكن البلاط سواء من النبلاء او من العوائل ذات الاصل المرموق او حتى البسطاء الذي وصلوا الى القصر بسبب العمل الجاد. لاحظت ايفيلين انها تفكر واعطتها دفعة لتعقد العزم اخيرا على استغلال الفرصة:
"بامكاني اعطاءك احد هذه الحبوب.. خذيها الى آن ولن اشاركك الفضل ابدا"
ثم انتظرت رد فعل المربية التي قالت:
"هذا معروف لا اعرف كيف ارده لك يا ليدي ايفيلين"
تبسمت ايفيلين بشفافية وقالت لها بمكرها المعتاد:
"لا داع .. اعتبريها هدية مني للاعتناء بلويس .. انه ملك المستقبل وسلامته تهمني جدا, لا تدعيها تعرف .. اخبريها بعد نجاح الامر"
ثم دست بيد دي مارتين حبة بيضاء مصنوعة من عدة مواد مجهولة قد طحنت بشكل جيد وكبست مع بعضها يربطها سائل يحافظ على اجتماعها سويا وغمزت لها .
ذهبت المربية الى ملكتها بعد دقائق سعيدة بما لديها.. تحمل لويس بيد والحبة باليد الاخرى. كانت الملكة المتعبة تتطلع لرؤية صغيرها وفي نفس الوقت تشعر ان الالم يفتك براسها.. لذا اقترحت المربية ان تحضر لها بعض الحساء من المطبخ بينما آن تلاعب وليدها. ثم دست المربية الحبة في الحساء. وانطلقت الى الملكة التي قالت لها:
"ضعيه على الطاولة وخذي لويس.. اعتقد انه متعب "
وما ان غادرت المربية حتى نهضت آن لتأكل من الحساء ولكن احد وصيفاتها استوقفتها قائلة:
"مولاتي.. لا تاكلي قبل المتذوقة"
ثم اخذت المتذوقة بعضا مما في الوعاء الازرق المطلي بالذهب ووضعته في فمها لتسقط صريعه وهي ترتجف ومادة بيضاء تخرج من فمها ودم يخرج من اذنيها وانفها.
كان على وجه آن نظرة مصعوقة.. هي لا شك لديها ان ايفيلين وراء ذلك ولكن وسيلتها كانت تلك المربية.. توسلت مدام دي مارتين بالملكة وقالت لها انها لم تضع لها اي شئ في الحساء فلو قالت لها انها وضعت الحبة دون علمها حينها ستثبت الجرم عليها. كانت تعتقد ان في قلب آن شيئا من الرحمة حين صرخت متوسلة:
"انا ام يا مولاتي.. ابنتي تنتظر عودتي للبيت... ليس لديها سواي. ارجوك يا مولاتي لا تقطعي رأسي"
لم تهتم آن لأي من توسلات دي مارتين بل حتى لم تحضر الاعدام وحضره الكثيرين كي يشهدوا على ان اي خيانة لن يكون مقابلها اي تساهل من قبل العائلة الملكية.
--
الان
بينما ظل ابراهام جالسا بجانب جسد جوزفين الذي كان يرتجف بين الحين والاخر فاقدا الوعي منسدحا على السرير ظلت ماتيلدا غير مصدقة لما فعله فرانسوا بابراهام. شعرت انه ابتعد عن العائلة طويلا ليفقد حس الاهتمام بعائلته واصبح مهووسا بجونثان وما يمثله جونثان ليس فقط كشخص بل كوسيلة لفرانسوا ليجد من خلالها دورا لنفسه في هذه الحياة.
طالعته بعيون باكية وصرخت فيه:
"هل كان عليك ان تفعل ما فعلت؟ لماذا يا فرانسوا لماذا؟؟"
نظر لها بحقد بينما اكملت:
"لم ارى اخاك بهذه السعادة منذ زمن طويل. لم اراه بتلك الثقة والارتياح. حتى الكوابيس اصبحت قليلة جدا. هل كان عليك ان تحطمه بهذا الشكل؟"
رد فرانسوا عليها:
"انها اميرة.. نحن نبحث عنها منذ زمن طويل وهو يخبئها هنا؟؟ في بيتي؟؟؟ ولم يخبرك بهويتها الحقيقية حتى! والد هذه الفتاة قتل ابي بوحشية. وابنك يتغزل فيها ويحميها"
اجابته ماتيلدا واهنة القوى:
"وماذنبها ان قتل والدها الناس ليكون ملكا. هي لم تقتل احدا. انظر لها.. لقد احيت ابراهام بعد ان كان ميتا. بفعلتك هذه اخذت منه كل شئ يا ولدي"
اجاب فرانسوا مدافعا عن نفسه:
"جونثان الان ملك. انه يريد العائلة الملكية باي ثمن . لن اخون جونثان ابدا"
ابتلعت ماتيلدا ريقها بصعوبة وردت عليه:
"انظر حولك يا ولدي. هل ترى اي تحول في حينا القذر منذ اصبح جونثان ملكا؟ اي تغيير؟ هل عاد الينا نحن الناس الذي وقفوا الى جانبه واعطانا شيئا مما يعطي النبلاء. لم يتغير اي شئ يا فرانسوا فالغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا. لا يهم من يكون الملك فلو تغير الرجل سيجلس على نفس العرش ويضع ذات التاج. انهما لعنة لاي رجل يا ولدي. الم تفهم بعد"
اراد ان يجيب ولكنها لم تدعه. استرسلت:
"لا تريد ان تخون ذلك الرجل لذلك خنت من هو من لحمك ودمك. ماذا تسمي هذا يا فرانسوا؟"
طأطأ فرانسوا راسه جزعا والغضب يلتهمه التهام. قالت ماتيلدا بمرارة:
"دعني اقول لك يا فرانسوا ما اسميه انا.. وقلبي يتقرح لمجرد التفكير بالامر... مافعلته يا ولدي دليل على انك لا تريد ان ترى اخاك سعيدا. لقد اقسمت على تركه في العذاب ما حياّ. انت تغار من ابراهام يا فرانسوا"
نظر لها نظرة شرسة وهمهم بغل:
"انا لا اغار من احد.. انت لا تفهمين يا امي لا تفهمين"
سالته بصوت ذاوٍ:
"افهمني اذا يا ولدي. لماذا تريد تدمير سعادة اخيك؟"
رد فرانسوا :
"انا لدي مهمة يا امي. اوكلها لي ابي قبل موته..."
صرخت فيه بيأس:
"والدك كان رجل موهوم. تركنا للفقر والضياع. ومات بلا سبب. لم يغير موته شيئا للافضل بل شتت هذه العائلة ودمرها"
ثم اقتربت منه متوسلة:
"ارجوك يا ولدي. لا تزيد انت بتدميرها. ارجوك. لا تخبر جونثان بمكان الفتاة. يكفي الضرر الذي حصل باخبارها عن ماهيتها. قد يتم اصلاحه. لكن ان اخبرت جونثان او اي احد بحقيقة امرها. ستدمر اخاك الى الابد وهذا ما لن يتم اصلاحة ابد الدهر. واذا ما حصل فانا لن اغفر لك ابدا"
تقلصت عضلات فمه وبين عينيه تزايدت خطوط الغضب. عض على شفتيه المغلقتين من الداخل وتحداها بنظرة في عينيها لتعيد له التحدي بلا ان يرمش لها جفن. تراجع فلا قدرة له على ايلامها اكثر. ردد بوهن:
"اذا انت لا تزالين تفضلينه علي... هذا الامر لن يتغير ابدا"
احتضنته باكية وهي تقول:
"كيف عساك تقول هذا يا فرانسوا. انا لا افضل اي منكما على الاخر. كلاكما ولداي"
اغلق عينيه وطوقها بذراعيه وهو يبكي.. لم ترى دموعه ولكنها شعرت بها.. اكملت بصوت عطوف:
"لقد اعتنى بي ابراهام منذ نعومة اظفاره. لم يقصر في حقي باي شئ. فعل كل شئ ليتأكد من اني ساكون بخير دائما. ورغم عدم تواجدك.. لم يمر يوم الا وانا ادعو الرب ان تكون سالما"
رق لصوتها وقال محاولا الهروب من كمية المشاعر التي يتلقاها في تلك اللحظة:
"لا بأس.. سافعل ما طلبت ولن يعلم احد انني وجدتها هنا. لاجلك فقط يا امي واخبري ابراهام .."
وكأنه ندم على كلماته الأخيرة فتركها معلقة ولم يكملها بل ثم تركها وخرج بينما انسابت دموعها على خدها باسى على ولدها المسكين.
--
اضواء الشموع تعطي رونقا لكل شئ. رومانسية حتى لاشد المشاهد بعدا عن المشاعر. جلست ميري بثوب ابيض كانها عروس. مغلق الصدر عاري الظهر تلبس قلادة ماسية لماعه بنفس لون شفتيها المحمرتين. كانت تبدو كانها خارجة من الاساطير اليونانية.. وجونثان لم يقدر الا على الامعان في النظر اليها. لم تتحدث كثيرا. هو كذلك لم يجد موضوعا لا يثير به المها او غضبها لذا صمت. اراد عشاء سلميا معها لان بعد ذلك سيكون عليه ان يخبرها بزواجهما القادم. اكملا الطعام وهي لم تاكل كثيرا. بدا عليها الذبول ونقص الوزن منذ مدة. ذهبا الى غرفة اخرى حيث جلسا امام موقد يدفأ المكان ومع هذا كان هنالك لدغة من البرد تقرصهما بين الحين والاخر. قال لها وهو يصب لها شيئا من النبيذ:
"لقد اخبرتك انني ساجد لك زوجا, لا تقلقي لن يكون ذلك الابله . ارسلت له رساله كفيلة باسكاته"
بدا عليها القلق ليكمل:
"ساضع على راسك التاج يا ميري. ستكوني ملكتي"
تفاجأت من كلماته شعرت بدفق من المشاعر المتضاربة. اكمل:
"انت كنت تعتقدين ان ببقاء لويس على قيد الحياة سياتي يوم ويكون ملكا, عندها سيزوجك من احدهم لاجل التحالفات وتضيعين في قصره. هل فكرت يوما انك ستكونين ملكة انت وليس هو؟ في بلاط والدك؟"
ظلت ساهمة مصدومة بحديثه ليسترسل:
"كل ما اطلبه منك الولاء يا ميري. انه عرشنا وسيكون عرش اولادنا.. عندما كنا صغارا كنت موعودة لي. وانا اشعر ان القدر لطالما كان سيقربنا من بعضنا بشكل او باخر"
ابتلعت ريقها تفكر في كلماته وتضارب كبير يحصل في داخلها. ردت عليه باسى:
"لقد باعدنا القدر اكثر مما قربنا يا جونثان الا تعتقد ذلك؟"
بنظرة مطولة رمقها وتبسم. رد بهدوء:
"لقد قتل والدك عائلتي باكملها... وتلوميني على كرهي له؟ ثم تكرهيني على قتلي المجرم لوحده. ليس عادلا ما تفعلينة ابدا"
نزلت دمعه من عينها كانت تحاول ان تقاوم نزولها. همست بصوت مرتجف:
"ماذا عن لويس وجوزفين؟"
اجابها بسؤال:
"ماذا عنهما؟"
قالت:
"ستقتلهما ايضا. وكنت ستقتلني. لا اعتقد انك ذلك الصبي الصغير الذي كنت اعرفه افضل مما اعرف نفسي بل كل السنوات الفائتة غيرتك كثيرا. لا ادري ان كان هنالك بقية من جونثان القديم ام لا. وستتعجب ان قلت لك اني لا الومك . في داخلي وفي اعماقي ابرر لك تصرفاتك رغم كرهي لها. رغم الوحش الذي تحولت اليه ... يا مولاي"
شددت على كلمة مولاي فابتلع مافي كأسه بينما هو يستمع اليها في اسى ممزوج بالغضب:
"لطالما وعدتني عندما كنا صغار.. انك ستحميني. ولكن مع تبدل الظروف اذيتني بقسوة وبلا رحمة"
كسر الكأس بين اصابعه وهو يشاهدها تنهض لتذهب الى غرفتها فقال لها بلهجة آمرة متوسلة:
"ابقي"
ردت عليه لتتملص من هذه الجلسة بعد ان رأت علامات الغضب على وجهه وبعض الدم القليل على كفه:
"مهما بقيت هنا هذا لن يغير حقيقة انك اصبحت كأبي."
استثارته كلماتها جدا هو الاخر لديه خليط من المشاعر ناحيتها وثار عندما شبهته بويليام الذي يمقته. لقد افقدهما الانتقام توازنهما كما فعلت الكؤؤس التي في ايديهما. فقال لها عابسا يشمر بكفه المجروحة:
"اخبريني ايتها الاميرة الصغيرة... هل يبدو اي منا ممن يحتفظون بوعودهم؟"
وصرخ بينما كانت تنظر الى الدم على يده يتأرجح وقطراته تتناثر:
"ردي.. هيا ردي"
قالت له:
"جرحك ينزف بغزارة دعني اساعدك"
صرخ فيها:
"اتركيه فكل جروحي مفتوحة وانا افضلها كلها متقرحة ومؤلمة"
ثم اكمل:
"ردي على سؤالي ولا تهربي مني"
وحصرها في زاوية جسديا وكلاميا فنظرت اليه غاضبة لدرجة ان الكلام لم يتجمع بشكل صحيح ليخرج من فمها.. نظر في عينيها ولاحظ ارتعاش بؤبؤيها وهو يريد جوابا فورا منها. صرخت فيه صرخة طفولية تريد منه الابتعاد عنها:
"ابتعد عني انت وحش"
رد عليها وهو يقترب منها اكثر:
"في عالم الوحوش من الافضل ان تكون وحشا على ان تكون فريسة اليس كذلك؟"
عضت شفتيها وهي تراه يفقد عقله وحاولت دفعه عنها ولكنه عاد يطالبها باجابه:
"اجيبي على سؤالي.. هل احتفظت بوعدك .. لقد قلت لي انك ستتكلمين مع والدك ليعيدنا الى القصر... تعرفين ما فعله بعائلتي بلا رحمة ولا شفقة؟ كيف تشبهيني به. كيف تجرؤين؟ "
ابتلعت ريقها ورق بصرها وهي ترى الدموع تترقرق في عينيه الحمراوين . تمنت لو ان الدموع تخفف من الغضب الذي تحمله نظراته تجاهها. همست له بانكسار:
"جوني.."
ترك يدها وتراجع للخلف... ظلت يده معلقة بالهواء وعينيه معلقة بها وهي تناديه بجوني... كانت هي الوحيدة التي تناديه بجوني وكان يكره هذا الاسم ولكن وبرغم كرهه لا يعترض ابدا عليها . شعر ان روحه غادرت جسده للحظات وحلت محلها روح طفل صغير يعيش مع عائلته في سعادة ينام على العشب ليتأمل السحب ويأكل خبزا من يدي والدته . بعد ان استقرت العائلة اخيرا ورتبت اوضاعها مع التغير الذي حصل لهم وشعروا انهم يملكون زمام امورهم وفجأة انتهى كل شئ بلمح البصر وبطريقه دموية.
همست من جديد وهي تقترب منه:
"جونثان...انت لم تخبرني ابدا ماذا حصل تلك الليلة "
كان لا يزال في ذلك العالم الذي خسره فلم يهتم بسؤالها بل قال لها:
"لا يهم, فلا شي سيعيد لي تلك النشوة التي كنت اشعر بها... ولا شي سيحطم هذا البؤس الذي يغتالني في كل لحظة... ولا حتى رأس ويليام يبدو ان بحثي عن بقية افراد عائلتك لن يجلب لي اي راحة ايضا... انا محطم وكل قطعة مني في زمن اخر تركتها مع من تركتهم . مع دمعتي ووحدتي وخساراتي.. لقد حسبت اني ربحت اخيرا.. لكني في الحقيقة يا ميري... لازلت اخسر... "
ثم ركع على الارض وهو تائه بينما هي تمسك بوجهه بكلتي يديها وتبكي بصمت فهمس:
"لقد خسرت امامك "
همست هي الأخرى بما يعتمر بداخلها:
"جونثان انا خائفة.. خائفة من كل شي ومن كل من حولي.. لا اشعر بالامان حتى في غرفتي... اني احس حتى ملابسي قد تضيق علي وتخنقني"
نظر جونثان اليها في اسى... لقد حولها من وردة فواحة الى بقايا من زهرة متيبسة وموحلة.. اغلق عينيه وارتجفت ثنايا وجهه قبل ان يقول لها:
"ميري... لم يكن في نيتي يوما ان اقس عليك ولكن افعالي ونيتي لا تنسجمان... تتبع افعالي كل الالم الذي تحملته في الماضي وتعلمت منه ان القوة ما تضمن لصاحبها البقاء والقسوة هي اسلوب حياة.. قسوت عليك كثيرا ومعه قسوت على نفسي من خلال قسوتي عليك. خفت من ان اتراجع عن انتقامي اذا ما سمحت لقلبي ان يتمادى في حبك. "
ابتلعت ريقها ورفعت عينيها وردت :
"لقد امسكت سكين قسوتك وقطعت جلدي نصفين .. سلخته تدريجيا بكل ليالي البكاء التي كنت ابكيها والخوف الذي ما بارحني منذ اللحظة التي رايتك فيها تقطع راس ابي وتتجاهل جثمان امي .. لقد خرج من داخل ذلك الجلد امراة جديدة. مختلفة تماما عن السابقة. ولازلت احاول ان افهمها واتعايش معها "
طأطأ راسه وزم على شفتيه مغلقا عينيه :
"لقد استحققت وبجدارة كرهك.. انت تعرفين كم قاسيت وتأذيت. ولكنك يا مولاتي لا تعرفين شيئ عن طفل تربى خائفا من كل شئ وكبر متالما من كل شئ .. مذاق الظلم مر كالعلقم لازلت اتذوقه في حنجرتي كل يوم. قاسيتِ معي لايام وانت مدللة في قصرك تاكلين نفس الطعام وتشربين ذات الشراب وتلبسين ملابسك الفاخرة لديك خادمة وتتنزهين في حديقتك ان شعرت بالملل واذا ما مرضت يطببك افخم الاطباء... ويوجد تاج على راسك.. كل هذا وظلمي لك جعلك تكرهينني وتمقتينني وتنسين طفولتنا معا وما حفرناه من ذكرى جميلة..لا تلوميني اذا يا ميري اذا ما فعلت ما فعلت فقد قاسيت لسنوات اشرس المقاساه وذقت اقسى الالم. مع هذا وجدت في قلبي فسحة بعيدا عن كل الظلام الذي يحتويه.. فسحة خاصة بك انت وانتشر منها كل النور"
--
"هل تستمتع باقامتك هنا يا مولاي؟"
التفت اليها لويس وبيده عنقود عنب ياكل منه وكأس ممتلئ. وفتاة من خدم الماركيزة تجلس قريبة منه على الارض مرغمة. رد عليها بحماس:
"ليس كالبلاط .. ومع هذا لابأس به. اخبريني متى ستنفذين وعدك لي؟"
لهجته الاستفزازية لم تعجبها ومع هذا داهنته. ردت عليه وعينها على الفتاة التي تفترش الارض:
"اذا وافقت على مطالبي سنتفق اذا"
نهض من على الاريكة متجها نحوها والفتاة المسكينة تتابعه اينما ذهب كالكلب الصغير. قالت لها الماركيزة:
"انصرفي"
لم يعجبه قولها رد بصوت مرتفع:
"انها خادمتي الخاصة"
اجابته ايفيلين بالقول وهي تحافظ على اعصابها:
"يجب ان تكون خطواتنا محسوبة جيدا. جونثان ماكر واذا شك في شئ لا اعرف ما يمكنه ان يفعل. لقد قتل والدك بدم بارد وسمعت انه احرقه على مرأى من الجنود.. اختك ميري كانت حاضرة"
بحلق فيها بغضب:
"ميري؟؟؟ لماذا لم تخبريني انها لازالت حية ترزق؟ وجوزفين؟"
ردت عليه:
"لا اعرف شيئا عن الاميرة جوزفين. لقد اختفت. جونثان يقول انها ميتة ولكن هو ايضا كذب بشأنك"
ثم اكملت :
"بالنسبة للاميرة ميري فهي تتعاون مع جونثان في كل شئ. كانها كانت تعرف بشأن خطته وماسيفعل. اشك انها من كان يزوده بالمعلومات ومن ادخله تلك الليلة المشئومة"
بحلق فيها بشراسة بينما استرسلت وهي تنتقم من ميري بكلماتها:
"رحلتي الاخيرة الى القصر... اخبرني فيها جونثان انه يطلب مني ان اساعده بمالي وجيشي من مرتزقة مكواير. ثم تحدث عن زواجه القريب . لقد لمح الى كون ميري هي الزوجة المستقبلية له. ستصبح ملكة. يبدو انه اتفق معها على خيانه والدها ليضعها على العرش. يالها من ماكرة صغيرة"
ابتلع ريقه وظهر على وجهه الغل . كان من السهل جدا استفزازه فهو غر صغير تعلم على يد ويليام كيف يكون ملكا ليكون ملكا لا ليستيقظ فيجد رجلا اخر قد حل محله وان اخته هي التي صارت ملكة مكانه.
بعد الذي قالته له ايفيلين هو الان مقتنع ان ميري مع جونثان في الامر. لقد تذكر كل ما يخص الملك الجديد والماضي المشترك بينهما ويعلم الان ان ميري كانت رفيقة لهذا الفتى. اذا هي خانته وخانت والده الا اذا ثبت العكس. قال للماركيزة وهو يصرعلى اسنانة كمدا:
"هل انت متأكدة؟"
ردت عليه بمكر:
"انا اخبرك فقط بما رأيت, والان دعنا نخطط لزواجنا بحذر. لقد ارسلت رسالة الى الفاتيكان اطلب منهم مباركة هذا الزواج مع الحفاظ على سريته. لقد فعل جونثان هذا ايضا بالتأكيد"
نظر لها متسائلا:
"ولكن كيف سنهزم ذلك المعتدي جونثان وكل النبلاء اعلنوا الولاء له؟"
تبسمت وردت:
"انا ايضا اعلنت الولاء له سابقا مع الماركيز.. ثم ها انا هنا اخطط معك ضده. لكل شخص ثمنه يا مولاي.. عليك فقط ان تعرف الثمن وتوفره لهم بلا نقاش "
لاجلك فقط
قبل عدة سنوات
صرخ لويس البالغ من العمر اقل من سنة وهو يطالع الرأس الذي يحملق به فوك السرير الابيض الفاخر. همهم كما يهمهم الاطفال ويده في كل مكان بلا تعيين واصابعه متفرقة. هدأ صراخه تدريجيا بعد ان امسك اصبعا وشاهد وجة المراة تتبسم له وتنظر له بعينيها المتلئلئتين. ثم قالت بصوت هامس:
"لا تقلق ايها الصبي.. سنتخلص من آن قريبا "
ثم تبسمت ايفيلين وهي تعيد في رأسها تلك الخطة التي رسمتها باحكام. السم الذي ستدسه للملكة سيعمل مفعوله بسرعه و من ستقدم لها السم هي التي سيقطع رأسها. اما ايفيلين فستوفر المواساة للعائلة الملكية ولويليام ثم ستأخذ مكان ابنة عمها على العرش باسرع مايمكن.
لم تشعر بدخول مربية لويس الا عندما قالت لها بلهجة مؤدبة:
"ليدي ايفيلين منذ متى وانت هنا؟"
استدار راس ايفيلين ذا الباروكة المنتفخة وقالت للمربية:
"لقد اتيت لأرى ولي العهد. سيكون يوما ما ملكا عظيما لذا اعتني به "
تبسمت المربية وردت عليها بأدب بالغ:
"سافعل يا مولاتي"
.. حاولت ايفيلين ان تكون ودودة مع المربية حين سألتها:
"ما اسمك مرة اخرى؟"
ردت الخادمة باحترام مبطن بالانفه:
"مدام دي مارتين"
وانحنت لايفيلين التي تبسمت وقالت:
"هل الملكة في غرفتها؟"
اجابت المربية المقربة من الملكة فها هو الطفل الثاني التي تشرف على رعايته من اطفال آن :
"جلالتها تعاني من بعض الالم في رأسها وهي ترتاح في غرفتها"
هزت ايفيلين رأسها وقالت متصنعه الحزن:
"جلالة الملكة اختي بالتبني.. هل تعلمين يا مدام دي مارتين اننا بنات عم وتربينا سويا .. يشعر قلبي بالالم لمجرد شعورها بالالم"
ثم دست يدها في جيبها وقالت كأنها تقص حكاية:
"هذه الحبوب استعملها دائما عندما اشعر بالالم. اعطاني اياها الطبيب بنفسه. هل لدى آن مثلها؟"
القت مدام دي مارتين على الحبوب نظرة مطولة لتقول بعدها متأكدة:
"لا اعتقد ذلك يا سيدتي. فمولاتي الملكة لا تستعمل الا ما ينصحها الطبيب الملكي به"
نفخت ايفيلين هواء حارا من فمها باستهزاء حين قالت:
"ذلك الاخرق يستعمل فقط الاعشاب.. وما عساه شاي اليانسون يفعل او دهان الزنجبيل.. لم تنجح اي من علاجاته وهي تكافئة بسخاء.. تخيلي ما يمكن ان تفعله لمن يساعدها على تجاوز المها في الحقيقة وبلا خزعبلات"
تنفست مدام دي مارتين وهي تفكر .. كانت سيدة طيبة ومثقفة.. تعمل كمربية ملكية وتنحدر من عائلة ذا اصل بسيط من المنطقة الجنوبية اجتهدت بكل ماتملك من قوة لتدخل البلاط وترفع من مكانتها الاجتماعية. وهي الاخرى تطمح ليكون لديها مكانه خاصة لدى الملكة كما تطمح اي سيدة تسكن البلاط سواء من النبلاء او من العوائل ذات الاصل المرموق او حتى البسطاء الذي وصلوا الى القصر بسبب العمل الجاد. لاحظت ايفيلين انها تفكر واعطتها دفعة لتعقد العزم اخيرا على استغلال الفرصة:
"بامكاني اعطاءك احد هذه الحبوب.. خذيها الى آن ولن اشاركك الفضل ابدا"
ثم انتظرت رد فعل المربية التي قالت:
"هذا معروف لا اعرف كيف ارده لك يا ليدي ايفيلين"
تبسمت ايفيلين بشفافية وقالت لها بمكرها المعتاد:
"لا داع .. اعتبريها هدية مني للاعتناء بلويس .. انه ملك المستقبل وسلامته تهمني جدا, لا تدعيها تعرف .. اخبريها بعد نجاح الامر"
ثم دست بيد دي مارتين حبة بيضاء مصنوعة من عدة مواد مجهولة قد طحنت بشكل جيد وكبست مع بعضها يربطها سائل يحافظ على اجتماعها سويا وغمزت لها .
ذهبت المربية الى ملكتها بعد دقائق سعيدة بما لديها.. تحمل لويس بيد والحبة باليد الاخرى. كانت الملكة المتعبة تتطلع لرؤية صغيرها وفي نفس الوقت تشعر ان الالم يفتك براسها.. لذا اقترحت المربية ان تحضر لها بعض الحساء من المطبخ بينما آن تلاعب وليدها. ثم دست المربية الحبة في الحساء. وانطلقت الى الملكة التي قالت لها:
"ضعيه على الطاولة وخذي لويس.. اعتقد انه متعب "
وما ان غادرت المربية حتى نهضت آن لتأكل من الحساء ولكن احد وصيفاتها استوقفتها قائلة:
"مولاتي.. لا تاكلي قبل المتذوقة"
ثم اخذت المتذوقة بعضا مما في الوعاء الازرق المطلي بالذهب ووضعته في فمها لتسقط صريعه وهي ترتجف ومادة بيضاء تخرج من فمها ودم يخرج من اذنيها وانفها.
كان على وجه آن نظرة مصعوقة.. هي لا شك لديها ان ايفيلين وراء ذلك ولكن وسيلتها كانت تلك المربية.. توسلت مدام دي مارتين بالملكة وقالت لها انها لم تضع لها اي شئ في الحساء فلو قالت لها انها وضعت الحبة دون علمها حينها ستثبت الجرم عليها. كانت تعتقد ان في قلب آن شيئا من الرحمة حين صرخت متوسلة:
"انا ام يا مولاتي.. ابنتي تنتظر عودتي للبيت... ليس لديها سواي. ارجوك يا مولاتي لا تقطعي رأسي"
لم تهتم آن لأي من توسلات دي مارتين بل حتى لم تحضر الاعدام وحضره الكثيرين كي يشهدوا على ان اي خيانة لن يكون مقابلها اي تساهل من قبل العائلة الملكية.
--
الان
بينما ظل ابراهام جالسا بجانب جسد جوزفين الذي كان يرتجف بين الحين والاخر فاقدا الوعي منسدحا على السرير ظلت ماتيلدا غير مصدقة لما فعله فرانسوا بابراهام. شعرت انه ابتعد عن العائلة طويلا ليفقد حس الاهتمام بعائلته واصبح مهووسا بجونثان وما يمثله جونثان ليس فقط كشخص بل كوسيلة لفرانسوا ليجد من خلالها دورا لنفسه في هذه الحياة.
طالعته بعيون باكية وصرخت فيه:
"هل كان عليك ان تفعل ما فعلت؟ لماذا يا فرانسوا لماذا؟؟"
نظر لها بحقد بينما اكملت:
"لم ارى اخاك بهذه السعادة منذ زمن طويل. لم اراه بتلك الثقة والارتياح. حتى الكوابيس اصبحت قليلة جدا. هل كان عليك ان تحطمه بهذا الشكل؟"
رد فرانسوا عليها:
"انها اميرة.. نحن نبحث عنها منذ زمن طويل وهو يخبئها هنا؟؟ في بيتي؟؟؟ ولم يخبرك بهويتها الحقيقية حتى! والد هذه الفتاة قتل ابي بوحشية. وابنك يتغزل فيها ويحميها"
اجابته ماتيلدا واهنة القوى:
"وماذنبها ان قتل والدها الناس ليكون ملكا. هي لم تقتل احدا. انظر لها.. لقد احيت ابراهام بعد ان كان ميتا. بفعلتك هذه اخذت منه كل شئ يا ولدي"
اجاب فرانسوا مدافعا عن نفسه:
"جونثان الان ملك. انه يريد العائلة الملكية باي ثمن . لن اخون جونثان ابدا"
ابتلعت ماتيلدا ريقها بصعوبة وردت عليه:
"انظر حولك يا ولدي. هل ترى اي تحول في حينا القذر منذ اصبح جونثان ملكا؟ اي تغيير؟ هل عاد الينا نحن الناس الذي وقفوا الى جانبه واعطانا شيئا مما يعطي النبلاء. لم يتغير اي شئ يا فرانسوا فالغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرا. لا يهم من يكون الملك فلو تغير الرجل سيجلس على نفس العرش ويضع ذات التاج. انهما لعنة لاي رجل يا ولدي. الم تفهم بعد"
اراد ان يجيب ولكنها لم تدعه. استرسلت:
"لا تريد ان تخون ذلك الرجل لذلك خنت من هو من لحمك ودمك. ماذا تسمي هذا يا فرانسوا؟"
طأطأ فرانسوا راسه جزعا والغضب يلتهمه التهام. قالت ماتيلدا بمرارة:
"دعني اقول لك يا فرانسوا ما اسميه انا.. وقلبي يتقرح لمجرد التفكير بالامر... مافعلته يا ولدي دليل على انك لا تريد ان ترى اخاك سعيدا. لقد اقسمت على تركه في العذاب ما حياّ. انت تغار من ابراهام يا فرانسوا"
نظر لها نظرة شرسة وهمهم بغل:
"انا لا اغار من احد.. انت لا تفهمين يا امي لا تفهمين"
سالته بصوت ذاوٍ:
"افهمني اذا يا ولدي. لماذا تريد تدمير سعادة اخيك؟"
رد فرانسوا :
"انا لدي مهمة يا امي. اوكلها لي ابي قبل موته..."
صرخت فيه بيأس:
"والدك كان رجل موهوم. تركنا للفقر والضياع. ومات بلا سبب. لم يغير موته شيئا للافضل بل شتت هذه العائلة ودمرها"
ثم اقتربت منه متوسلة:
"ارجوك يا ولدي. لا تزيد انت بتدميرها. ارجوك. لا تخبر جونثان بمكان الفتاة. يكفي الضرر الذي حصل باخبارها عن ماهيتها. قد يتم اصلاحه. لكن ان اخبرت جونثان او اي احد بحقيقة امرها. ستدمر اخاك الى الابد وهذا ما لن يتم اصلاحة ابد الدهر. واذا ما حصل فانا لن اغفر لك ابدا"
تقلصت عضلات فمه وبين عينيه تزايدت خطوط الغضب. عض على شفتيه المغلقتين من الداخل وتحداها بنظرة في عينيها لتعيد له التحدي بلا ان يرمش لها جفن. تراجع فلا قدرة له على ايلامها اكثر. ردد بوهن:
"اذا انت لا تزالين تفضلينه علي... هذا الامر لن يتغير ابدا"
احتضنته باكية وهي تقول:
"كيف عساك تقول هذا يا فرانسوا. انا لا افضل اي منكما على الاخر. كلاكما ولداي"
اغلق عينيه وطوقها بذراعيه وهو يبكي.. لم ترى دموعه ولكنها شعرت بها.. اكملت بصوت عطوف:
"لقد اعتنى بي ابراهام منذ نعومة اظفاره. لم يقصر في حقي باي شئ. فعل كل شئ ليتأكد من اني ساكون بخير دائما. ورغم عدم تواجدك.. لم يمر يوم الا وانا ادعو الرب ان تكون سالما"
رق لصوتها وقال محاولا الهروب من كمية المشاعر التي يتلقاها في تلك اللحظة:
"لا بأس.. سافعل ما طلبت ولن يعلم احد انني وجدتها هنا. لاجلك فقط يا امي واخبري ابراهام .."
وكأنه ندم على كلماته الأخيرة فتركها معلقة ولم يكملها بل ثم تركها وخرج بينما انسابت دموعها على خدها باسى على ولدها المسكين.
--
اضواء الشموع تعطي رونقا لكل شئ. رومانسية حتى لاشد المشاهد بعدا عن المشاعر. جلست ميري بثوب ابيض كانها عروس. مغلق الصدر عاري الظهر تلبس قلادة ماسية لماعه بنفس لون شفتيها المحمرتين. كانت تبدو كانها خارجة من الاساطير اليونانية.. وجونثان لم يقدر الا على الامعان في النظر اليها. لم تتحدث كثيرا. هو كذلك لم يجد موضوعا لا يثير به المها او غضبها لذا صمت. اراد عشاء سلميا معها لان بعد ذلك سيكون عليه ان يخبرها بزواجهما القادم. اكملا الطعام وهي لم تاكل كثيرا. بدا عليها الذبول ونقص الوزن منذ مدة. ذهبا الى غرفة اخرى حيث جلسا امام موقد يدفأ المكان ومع هذا كان هنالك لدغة من البرد تقرصهما بين الحين والاخر. قال لها وهو يصب لها شيئا من النبيذ:
"لقد اخبرتك انني ساجد لك زوجا, لا تقلقي لن يكون ذلك الابله . ارسلت له رساله كفيلة باسكاته"
بدا عليها القلق ليكمل:
"ساضع على راسك التاج يا ميري. ستكوني ملكتي"
تفاجأت من كلماته شعرت بدفق من المشاعر المتضاربة. اكمل:
"انت كنت تعتقدين ان ببقاء لويس على قيد الحياة سياتي يوم ويكون ملكا, عندها سيزوجك من احدهم لاجل التحالفات وتضيعين في قصره. هل فكرت يوما انك ستكونين ملكة انت وليس هو؟ في بلاط والدك؟"
ظلت ساهمة مصدومة بحديثه ليسترسل:
"كل ما اطلبه منك الولاء يا ميري. انه عرشنا وسيكون عرش اولادنا.. عندما كنا صغارا كنت موعودة لي. وانا اشعر ان القدر لطالما كان سيقربنا من بعضنا بشكل او باخر"
ابتلعت ريقها تفكر في كلماته وتضارب كبير يحصل في داخلها. ردت عليه باسى:
"لقد باعدنا القدر اكثر مما قربنا يا جونثان الا تعتقد ذلك؟"
بنظرة مطولة رمقها وتبسم. رد بهدوء:
"لقد قتل والدك عائلتي باكملها... وتلوميني على كرهي له؟ ثم تكرهيني على قتلي المجرم لوحده. ليس عادلا ما تفعلينة ابدا"
نزلت دمعه من عينها كانت تحاول ان تقاوم نزولها. همست بصوت مرتجف:
"ماذا عن لويس وجوزفين؟"
اجابها بسؤال:
"ماذا عنهما؟"
قالت:
"ستقتلهما ايضا. وكنت ستقتلني. لا اعتقد انك ذلك الصبي الصغير الذي كنت اعرفه افضل مما اعرف نفسي بل كل السنوات الفائتة غيرتك كثيرا. لا ادري ان كان هنالك بقية من جونثان القديم ام لا. وستتعجب ان قلت لك اني لا الومك . في داخلي وفي اعماقي ابرر لك تصرفاتك رغم كرهي لها. رغم الوحش الذي تحولت اليه ... يا مولاي"
شددت على كلمة مولاي فابتلع مافي كأسه بينما هو يستمع اليها في اسى ممزوج بالغضب:
"لطالما وعدتني عندما كنا صغار.. انك ستحميني. ولكن مع تبدل الظروف اذيتني بقسوة وبلا رحمة"
كسر الكأس بين اصابعه وهو يشاهدها تنهض لتذهب الى غرفتها فقال لها بلهجة آمرة متوسلة:
"ابقي"
ردت عليه لتتملص من هذه الجلسة بعد ان رأت علامات الغضب على وجهه وبعض الدم القليل على كفه:
"مهما بقيت هنا هذا لن يغير حقيقة انك اصبحت كأبي."
استثارته كلماتها جدا هو الاخر لديه خليط من المشاعر ناحيتها وثار عندما شبهته بويليام الذي يمقته. لقد افقدهما الانتقام توازنهما كما فعلت الكؤؤس التي في ايديهما. فقال لها عابسا يشمر بكفه المجروحة:
"اخبريني ايتها الاميرة الصغيرة... هل يبدو اي منا ممن يحتفظون بوعودهم؟"
وصرخ بينما كانت تنظر الى الدم على يده يتأرجح وقطراته تتناثر:
"ردي.. هيا ردي"
قالت له:
"جرحك ينزف بغزارة دعني اساعدك"
صرخ فيها:
"اتركيه فكل جروحي مفتوحة وانا افضلها كلها متقرحة ومؤلمة"
ثم اكمل:
"ردي على سؤالي ولا تهربي مني"
وحصرها في زاوية جسديا وكلاميا فنظرت اليه غاضبة لدرجة ان الكلام لم يتجمع بشكل صحيح ليخرج من فمها.. نظر في عينيها ولاحظ ارتعاش بؤبؤيها وهو يريد جوابا فورا منها. صرخت فيه صرخة طفولية تريد منه الابتعاد عنها:
"ابتعد عني انت وحش"
رد عليها وهو يقترب منها اكثر:
"في عالم الوحوش من الافضل ان تكون وحشا على ان تكون فريسة اليس كذلك؟"
عضت شفتيها وهي تراه يفقد عقله وحاولت دفعه عنها ولكنه عاد يطالبها باجابه:
"اجيبي على سؤالي.. هل احتفظت بوعدك .. لقد قلت لي انك ستتكلمين مع والدك ليعيدنا الى القصر... تعرفين ما فعله بعائلتي بلا رحمة ولا شفقة؟ كيف تشبهيني به. كيف تجرؤين؟ "
ابتلعت ريقها ورق بصرها وهي ترى الدموع تترقرق في عينيه الحمراوين . تمنت لو ان الدموع تخفف من الغضب الذي تحمله نظراته تجاهها. همست له بانكسار:
"جوني.."
ترك يدها وتراجع للخلف... ظلت يده معلقة بالهواء وعينيه معلقة بها وهي تناديه بجوني... كانت هي الوحيدة التي تناديه بجوني وكان يكره هذا الاسم ولكن وبرغم كرهه لا يعترض ابدا عليها . شعر ان روحه غادرت جسده للحظات وحلت محلها روح طفل صغير يعيش مع عائلته في سعادة ينام على العشب ليتأمل السحب ويأكل خبزا من يدي والدته . بعد ان استقرت العائلة اخيرا ورتبت اوضاعها مع التغير الذي حصل لهم وشعروا انهم يملكون زمام امورهم وفجأة انتهى كل شئ بلمح البصر وبطريقه دموية.
همست من جديد وهي تقترب منه:
"جونثان...انت لم تخبرني ابدا ماذا حصل تلك الليلة "
كان لا يزال في ذلك العالم الذي خسره فلم يهتم بسؤالها بل قال لها:
"لا يهم, فلا شي سيعيد لي تلك النشوة التي كنت اشعر بها... ولا شي سيحطم هذا البؤس الذي يغتالني في كل لحظة... ولا حتى رأس ويليام يبدو ان بحثي عن بقية افراد عائلتك لن يجلب لي اي راحة ايضا... انا محطم وكل قطعة مني في زمن اخر تركتها مع من تركتهم . مع دمعتي ووحدتي وخساراتي.. لقد حسبت اني ربحت اخيرا.. لكني في الحقيقة يا ميري... لازلت اخسر... "
ثم ركع على الارض وهو تائه بينما هي تمسك بوجهه بكلتي يديها وتبكي بصمت فهمس:
"لقد خسرت امامك "
همست هي الأخرى بما يعتمر بداخلها:
"جونثان انا خائفة.. خائفة من كل شي ومن كل من حولي.. لا اشعر بالامان حتى في غرفتي... اني احس حتى ملابسي قد تضيق علي وتخنقني"
نظر جونثان اليها في اسى... لقد حولها من وردة فواحة الى بقايا من زهرة متيبسة وموحلة.. اغلق عينيه وارتجفت ثنايا وجهه قبل ان يقول لها:
"ميري... لم يكن في نيتي يوما ان اقس عليك ولكن افعالي ونيتي لا تنسجمان... تتبع افعالي كل الالم الذي تحملته في الماضي وتعلمت منه ان القوة ما تضمن لصاحبها البقاء والقسوة هي اسلوب حياة.. قسوت عليك كثيرا ومعه قسوت على نفسي من خلال قسوتي عليك. خفت من ان اتراجع عن انتقامي اذا ما سمحت لقلبي ان يتمادى في حبك. "
ابتلعت ريقها ورفعت عينيها وردت :
"لقد امسكت سكين قسوتك وقطعت جلدي نصفين .. سلخته تدريجيا بكل ليالي البكاء التي كنت ابكيها والخوف الذي ما بارحني منذ اللحظة التي رايتك فيها تقطع راس ابي وتتجاهل جثمان امي .. لقد خرج من داخل ذلك الجلد امراة جديدة. مختلفة تماما عن السابقة. ولازلت احاول ان افهمها واتعايش معها "
طأطأ راسه وزم على شفتيه مغلقا عينيه :
"لقد استحققت وبجدارة كرهك.. انت تعرفين كم قاسيت وتأذيت. ولكنك يا مولاتي لا تعرفين شيئ عن طفل تربى خائفا من كل شئ وكبر متالما من كل شئ .. مذاق الظلم مر كالعلقم لازلت اتذوقه في حنجرتي كل يوم. قاسيتِ معي لايام وانت مدللة في قصرك تاكلين نفس الطعام وتشربين ذات الشراب وتلبسين ملابسك الفاخرة لديك خادمة وتتنزهين في حديقتك ان شعرت بالملل واذا ما مرضت يطببك افخم الاطباء... ويوجد تاج على راسك.. كل هذا وظلمي لك جعلك تكرهينني وتمقتينني وتنسين طفولتنا معا وما حفرناه من ذكرى جميلة..لا تلوميني اذا يا ميري اذا ما فعلت ما فعلت فقد قاسيت لسنوات اشرس المقاساه وذقت اقسى الالم. مع هذا وجدت في قلبي فسحة بعيدا عن كل الظلام الذي يحتويه.. فسحة خاصة بك انت وانتشر منها كل النور"
--
"هل تستمتع باقامتك هنا يا مولاي؟"
التفت اليها لويس وبيده عنقود عنب ياكل منه وكأس ممتلئ. وفتاة من خدم الماركيزة تجلس قريبة منه على الارض مرغمة. رد عليها بحماس:
"ليس كالبلاط .. ومع هذا لابأس به. اخبريني متى ستنفذين وعدك لي؟"
لهجته الاستفزازية لم تعجبها ومع هذا داهنته. ردت عليه وعينها على الفتاة التي تفترش الارض:
"اذا وافقت على مطالبي سنتفق اذا"
نهض من على الاريكة متجها نحوها والفتاة المسكينة تتابعه اينما ذهب كالكلب الصغير. قالت لها الماركيزة:
"انصرفي"
لم يعجبه قولها رد بصوت مرتفع:
"انها خادمتي الخاصة"
اجابته ايفيلين بالقول وهي تحافظ على اعصابها:
"يجب ان تكون خطواتنا محسوبة جيدا. جونثان ماكر واذا شك في شئ لا اعرف ما يمكنه ان يفعل. لقد قتل والدك بدم بارد وسمعت انه احرقه على مرأى من الجنود.. اختك ميري كانت حاضرة"
بحلق فيها بغضب:
"ميري؟؟؟ لماذا لم تخبريني انها لازالت حية ترزق؟ وجوزفين؟"
ردت عليه:
"لا اعرف شيئا عن الاميرة جوزفين. لقد اختفت. جونثان يقول انها ميتة ولكن هو ايضا كذب بشأنك"
ثم اكملت :
"بالنسبة للاميرة ميري فهي تتعاون مع جونثان في كل شئ. كانها كانت تعرف بشأن خطته وماسيفعل. اشك انها من كان يزوده بالمعلومات ومن ادخله تلك الليلة المشئومة"
بحلق فيها بشراسة بينما استرسلت وهي تنتقم من ميري بكلماتها:
"رحلتي الاخيرة الى القصر... اخبرني فيها جونثان انه يطلب مني ان اساعده بمالي وجيشي من مرتزقة مكواير. ثم تحدث عن زواجه القريب . لقد لمح الى كون ميري هي الزوجة المستقبلية له. ستصبح ملكة. يبدو انه اتفق معها على خيانه والدها ليضعها على العرش. يالها من ماكرة صغيرة"
ابتلع ريقه وظهر على وجهه الغل . كان من السهل جدا استفزازه فهو غر صغير تعلم على يد ويليام كيف يكون ملكا ليكون ملكا لا ليستيقظ فيجد رجلا اخر قد حل محله وان اخته هي التي صارت ملكة مكانه.
بعد الذي قالته له ايفيلين هو الان مقتنع ان ميري مع جونثان في الامر. لقد تذكر كل ما يخص الملك الجديد والماضي المشترك بينهما ويعلم الان ان ميري كانت رفيقة لهذا الفتى. اذا هي خانته وخانت والده الا اذا ثبت العكس. قال للماركيزة وهو يصرعلى اسنانة كمدا:
"هل انت متأكدة؟"
ردت عليه بمكر:
"انا اخبرك فقط بما رأيت, والان دعنا نخطط لزواجنا بحذر. لقد ارسلت رسالة الى الفاتيكان اطلب منهم مباركة هذا الزواج مع الحفاظ على سريته. لقد فعل جونثان هذا ايضا بالتأكيد"
نظر لها متسائلا:
"ولكن كيف سنهزم ذلك المعتدي جونثان وكل النبلاء اعلنوا الولاء له؟"
تبسمت وردت:
"انا ايضا اعلنت الولاء له سابقا مع الماركيز.. ثم ها انا هنا اخطط معك ضده. لكل شخص ثمنه يا مولاي.. عليك فقط ان تعرف الثمن وتوفره لهم بلا نقاش "
