رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم ملك علي
البارت الثامن و العشرون ابتزاز 
" أين بابا ؟ "
سألت ملك بصوت مغتاظ , دون أن تبرح مكانها
لم يجب علي و لم يحرك ساكنا , و كررت ملك السؤال بنبرة أكثر غضبا
" أنا أحدثك أين والدي ؟
أو أن هذه كذبة أخرى من أكاذيبك التي لا تنتهي ؟
عرفت أنه لم يكن علي أن أصدقك "
ثم استدارت فورا للمغادرة , لم ترد أن تكون ألعوبة في يده يحركها كيفما يشاء
نظر علي الى ساعته , ثم عاد للتحديق للخارج و أجاب بصوت هادئ
" سيصل بعد نصف ساعة "
كان علي يقف بكل اتزان , بقامته الفارهة واضعا يديه في جيبه ,
ملامحه الدقيقة متصلبة , مع نظرته الباردة التي تلقي الرعب في قلب ملك كلما رمقها بها ,
بسماع ما قاله توقفت ملك عند الباب , و استدارت و قد بدت الفرحة على ملامحها
" فعلا ؟ يا الهي فقط نصف ساعة ؟ "
لم يجبها علي هذه المرة , و اكتفى بالاستدارة ناحيتها و مراقبة ملامحها المسرورة ,
لم تنتبه ملك لنظراته , و استمرت بإبداء سعادتها بوصول والدها
" جيد إذا سأرى كيف ستمنع والدي من اخراجي من هنا ؟
و كيف ستستمر بإقناع الكل بأكاذيبك ؟ "
رد علي بابتسامة خفيفة مستهزئة , صارت ملك تعرفها كما تعرف تعابير وجهه المختلفة
" تعجبني فعلا ثقتك بنفسك "
و رد ملك كان سريعا و بتحد كبير
" ثقتي في براءتي أكبر "
هز علي رأسه بإعجاب زائف , صمت قليلا ثم سأل بجدية
" طيب ما رأيك إذا في قطعة مخدرات أو قطعة سلاح ؟ "
كان السؤال مبهما لم تفهم ملك منه شيئا , قطبت جبينها بتشوش و ظهرت حيرتها في عينيها ,
و قبل أن تسأله عن قصده , بادرها هو بوضع يده على لحيته و كأنه يفكر بجدية , ثم طرح السؤال مجددا بطريقة مختلفة
" أو أقول لك أنا لا أحب الأمور المشبوهة , فما رأيك بمائة ألف يورو أو دولار مثلا ؟ "
و ابتسم بخبث مجددا
ارتجف قلب ملك فهي تخاف هذه الابتسامة الخبيثة , أكثر مما تخاف ملامح غضبه , و عادة تسبق أمرا مدمرا
عبست ملك مجددا من الكلام المبهم , و سألت و قد فقدت صبرها
" بم تهلوس أنت ؟ ما الذي تقصده ؟ "
أكيد ما قاله هذا المجنون له علاقة بها , فهذا الرجل يقدس الكلمات كالذهب , لا يعقل أن يتفوه بالترهات في وقت حرج كهذا
تقدم علي خطوتين إلى أمام المكتب بتأن , و أجابها بكل هدوء و هو يحدق في عينيها مباشرة
" أقصد أنك يجب أن تحمدي الله , لأن قطعة الماس تلك أنا أملك صك ملكيتها ,
لكن والدك لن يكون محظوظا بقدرك للأسف "
قال بنفس لهجة الاستهزاء التي تستفز ملك حد الجنون
شحب وجهها فجأة و ارتجفت يداها , فكلام هذا المتسلط واضح ,
هو يهددها بأن يلفق لوالدها , قضية تهريب مثلما فعلها معها ,
و يبتزها للاعتراف بأمر لم تقم به
انعقد لسانها و اتسعت عيناها , و هي لا تصدق أن هناك انسانا على وجه الأرض بهذه القسوة و الانحطاط ,
ملامح الخوف على وجه ملك , هو ما كان ينتظره علي منذ الأمس ,
و النتيجة أن والدها لا علم له بما فعلت , و هي الآن خائفة من أن يعرف بأمرها ,
و إلا ما كانت ارتعبت إلى هذا الحد ,بالنسبة له هذا أفضل الاحتمالات , لأنه بإمكانه الآن ابتزازها و الضغط عليها ,
مقابل ألا يفضحها أمامه , لذلك أسرع باستغلال الموقف مجددا
" تفضلي أنت تصحبك السلامة بإمكانك المغادرة , من الغد سألغي حظر السفر و تصبحين حرة ,
و لكن والدك سيبقى مكانك هنا "
قال و هو يشير إلى الباب برأسه , و يظهر لا مبالاته بما تريد ملك فعله
شعرت ملك بقشعريرة تسري في كل جسمها , و خوفها لم يكن من سراب ,
هي رأت بنفسها قدرة هذا الرجل على دس الدلائل و تغيير الحقائق , إذا قرر فعلا إيذاء والدها فلن يردعه شيء أبدا
لم تدر ملك بنفسها إلا و هي تندفع ناحيته , رفعت يدها تريد صفعه على تسلطه , و تخليص كل الحقد الذي تحمله له منذ أيام
لكن علي استبق الأمر , و أمسك برسغها قبل أن تلمس يدها خده , لم تولد بعد المرأة التي تصفعه ,
كانت قبضته مؤلمة لكنه لم يطل الأمر , حيث أبعدها عن وجهه مباشرة , و تراجع خطوة الى الخلف بابتسامة انتصار مستفزة
تأجج بعدها غضب ملك بشدة , و حدقت اليه بألم و هي تفرك رسغها
" tu es vraiment fou ; un malade mental cruel et sans pitié "
( أنت فعلا مجنون , مريض عقليا قاس و عديم الرحمة )
صرخت ملك في وجهه ثانية بحنق , و قد استنزفت كل ذرة عقل كانت تحتفظ بها لحد الآن ,
و رغم أن علي لا يتقن الفرنسية بطلاقة , إلا أنه فهم أنها تشتمه و بطريقة سيئة
" صوني لسانك و تأدبي "
رفع صوته مهددا و قد بدأ الغضب بالظهور على ملامحه ,
لكن ملك لا تتراجع و ترد الكلمة بمائة
" أنا مؤدبة أكثر منك , على الأقل أنا لا أرفس كل من يأتي في طريقي مثل ثور هائج "
" بدل مجادلتي بوقاحة , وفري حماسك هذا لإنقاذ والدك لاحقا "
تراشق الاثنان بالكلمات و التهديدات , لكن لم يبد أن علي تأثر بما تقوله ملك ,
و إنما جديته في فعل ما هدد به بدت كبيرة جدا
كانت ملك كمن يحارب النار بالبنزين , كلما هددته أو هاجمته زادت قسوته و حدة كلامه ,
استنفذت صبرها أخيرا و تقدمت منه فجأة , و قد تخلصت من خوفها منه
أمسكت بياقة قميصه في حركة فاجأته , و الآن فقط انتبه الى حالتها ,
كانت ملك ترتدي سروال جينز أسود , و قميصا أبيض خفيف بأكمام قصيرة , مع حذاء رياضي مسطح بنفس اللون ,
يبدو جسمها ضئيلا بإمكانه سحقه بضمة واحدة
و كعادتها لا تضع أية مساحيق و لا أي عطر , و ترفع شعرها الذهبي ذيل حصان ,
فرق الطول بينهما كان أكثر من عشرين سنتيمترا , لكن ذلك لم يمنعها من تحديه ,
حتى أنها كانت تقف على رؤوس أصابعها لتقترب من وجهه , ضاربة عرض الحائط كل جبروته و غطرسته
ارتبك علي في البداية , فقد فاجأته بردة فعلها , لكنه كان أكثر هدوءا من المرات السابقة ,
زادت حيرته بالنظر إلى عينيها العسليتين الكبيرتين , اللتين كانتا تحدقان به بكل تحد ,
كان هناك شيء غريب بهما , كان هناك لمعة براءة و كأنهما عيني طفلة ,
ربما لم يسبق له في حياته , أن رأى عينين أكثر نقاء من هاتين العينين ,
رغم الغضب البادي فيهما , إلا أنه لم يغط على هذا الصفاء , لا يمكن للمرء المحدق بهما إلا الشعور بالسلام و السكينة تجتاح روحه ,
" تبا "
همس علي بسخط بينه و بين نفسه
" رائحة الياسمين اللعينة تلك كالمرتين السابقتين "
و بلع ريقه محاولا السيطرة على ردة فعله
استمر الأمر بعدها لثوان , قبل أن يسمع صوتها تهدده بجدية
" إذا تجرأت و آذيت والدي , و الله أقسم سأقتلك بيدي هاتين "
لم يحرك علي ساكنا و كأنه لم يسمع شيئا , كان تائها و كأنه وقع تحت تأثير تنويم مغناطيسي ,
و لم يستفق إلا على صوت المرأة , التي استقبلت ملك قبل قليل , تقف عند الباب مذهولة من المنظر ,
فعلي يقف بكل هدوء و دون حراك أمام هاته الشابة , التي تلتصق بوجهه و هي تمسكه من ياقته و كأنها تتعلق به ,
أي زلزال ضرب هذا المكتب , لتنقلب الأمور رأسا على عقب , و يسمح السيد لامرأة أن تقترب منه الى هذه الدرجة ,
كانت حيرتها واضحة في عينيها اللتين كانتا تنتقلان بينهما بفضول ,
و لكنها لم تعلق و اكتفت بقول ما جاءت لأجله
" سيدي وصل ضيوفك "
ثم انصرفت مباشرة
انتبه علي أخيرا إلى الوضع المريب الذي كانا فيه , و أبعد يدي ملك بعنف عن قميصه ,
فخطت خطوتين إلى الوراء و كادت تقع على الأرض , لولا أنها ارتكزت على الكرسي خلفها لحفظ توازنها
حاول الرجل إخفاء ارتباكه , و أشاح بوجهه ناحية مكتبه للحظات
" لا يجب أن تتأثر بهذه المرأة فهي ممثلة مدعية "
قال محدثا نفسه ككل مرة يتواجهان , و يشعر أنه على وشك ان يضعف أمامها ,
أخذ بعدها نفسا عميقا , ثم خطا ناحية الباب و توقف أمامه ,
و دون أن يستدير قال آخر ما فكر فيه
" أمامك عشرة دقائق ,
اما أن تخرجي من هذا الباب لتقولي ما أريد سماعه , أو اعتبري أن والدك في السجن "
خرج بعدها مباشرة , تاركا ملك تحت الصدمة , عقلها مشوش و قلبها يدق بجنون ,
واضح أن الضيوف الذين تكلمت عنهم تلك المرأة هم والدها و آخرون ,
و هذا الرجل يقول بأن لديها عشرة دقائق , فقط عشرة دقائق ,
و هي حتى لا تعرف بما يريدها أن تعترف ,
تسمرت ملك مكانها و بدأت يداها بالارتجاف , و الدموع بالتجمع في عينيها ,
لكنها منعت نفسها من البكاء , خشية أن تثير قلق والدها إن رآها باكية ,لكنها كانت تدعو بألم شديد , أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة .
بخروجه من المكتب وقعت عينا علي على الضيوف الواقفين في مدخل الصالون , كانوا ثلاثة رجال
أحدهم عبد الحفيظ هو يعرفه , سبق و أن رآه و كلمه ,رجل ستيني يبدو والدها , فعينيه صورة طبق الأصل عن عيني ملك ,
و الشاب الآخر في مثل سنه , أشقر طويل القامة بعينين زرقاوين , يضع نظارات طبية و يبدو أجنبيا
و الرجلان تبدو عليهما الأبهة و الفخامة , رغم تعب السفر الواضح على وجهيهما
" هل هذا شقيقها ؟ "
سأل علي نفسه لكنه لم يشغل باله به كثيرا , مشكلته كلها مع والد تلك المحتالة ,
سلم بعدها على ضيوفه و أشار لهم بالجلوس , و طلب من فاطمة تقديم ضيافتهم , ثم جلس هو الآخر مقابلهم" أين ابنتي ؟ "
سأل والدها دون تحفظ , و هو يرمق علي بنظرات قاتلة ,
ابتسم علي واضعا رجلا على رجل و أجابه" ستحضر بعد قليل "
و رد عليه نظراته بأخرى أكثر حدة
قاطع عبد الحفيظ الجو المكهرب بين الرجلين , و قال محاولا تلطيف الأمور
" هذا السيد عز الدين والد السيدة ملك "
عرف عنه باحترام
" و هذا السيد علي الشراد "
لم يبال والدها كثيرا بالتعريف فما يشغل باله أمر آخر
" هل ابنتي تقيم هنا ؟ "
" نعم "
أجاب علي بكل بساطة , فيم تغيرت ملامح الأب للامتعاض
" ألم تقل أنها تقيم في بيت آمن تحت مسؤوليتكم , ما الذي تفعله مع غرباء هنا ؟ "
سأل عبد الحفيظ بصوت مستاء , لكنه لم ينتظر أن يجيبه , و سارع الى طرح سؤال آخر
" هل يمكن أن أعرف ما علاقتك بابنتي ؟ "
ابتسم علي بطرف فمه مجددا , و حاول كسب بعض الوقت
" لنتكلم بعد أن تحضر ملك "
قال اسمها بكل هدوء , و كأنه يعرفها منذ دهر , مثيرا سخط والدها أكثر
في هذا الوقت أحضرت فاطمة القهوة و وضعتها أمامهم
و أشار علي بيده ليدعوهم لتناولها , ساد بعدها المكان صمت شديد , في انتظار قدوم ملك .
.داخل المكتب كانت ملك على وشك فقدان عقلها , لكن بعد انقضاء الدقائق العشر , كانت قد اتخذت قرارها و حزمت أمرها ,
هي ليس لديها شيء تعطيه لهذا الرجل , و لكنها أيضا لن تسمح له بإيذاء والدها .
خرجت من المكتب بتأن , و قد بدا وجهها شاحبا و متعبا ,بمجرد دخولها الصالون لمحها والدها أولا , نهض من مكانه و اتجه ناحيتها مباشرة , و أخذها في حضنه بلهفة كبيرة
" حبيبتي اشتقت إليك , كيف حال ملاكي ؟ "
بادلته ملك الحضن بقوة أكبر , و غرست رأسها في صدره , محاولة السيطرة على مشاعرها , لكن دموعها خانتها
" بخير بابا و أنت ؟ "
أمسك بوجهها الصغير بين يديه ليراقب ملامحها , مسح الدموع التي تساقطت من عينيها و ابتسم
" أصبحت بخير بعدما رأيتك "كان المشهد مؤثرا و لم يقو علي على التعليق بشيء ,
بعد مرور لحظات انتبهت ملك الى تواجد سامي , تقدمت منه مبتسمة دون أن تطلق يد والدها
" مرحبا سامي كيف حالك ؟ "
ابتسم الشاب بهدوء و مد يده ليسلم عليها
" بخير ملك و أنت كيف حالك ؟ أقلقتنا عليك أيتها المشاغبة "
كان علي يراقب ما يحدث من تفاعل بين ضيوفه , لا يبدو أن ملك تمثل الآن , فمشاعرها ناحية والدها تبدو صادقة , و فرصته الآن كبيرة لاستغلال الموضوع
" ماذا ملك ألن تخبري والدك عن سبب وجودك هنا ؟ "
قالها بلهجة تهديد واضحة
طبعا هو قصد أن تعترف بما أخذته , لتتمكن من المغادرة مع والدها ,
لكن كلماته قطعت عليها لحظة الحنان التي كانت تستمتع بها , و تذكرت فجأة واقعها المرير و وجود هذا البغيض فيه
دب الذعر مجددا في قلبها و استدارت ناحيته , لكن هذه المرة كانت هناك نظرة متوسلة في عينيها , أشعرته بالذهول و الصدمة
ألم تكن هذه المرأة تتحداه قبل قليل , حتى أنها هددت بقتله ؟
كانت حينها غاضبة حانقة لكنها الآن متوسلة
" أرجوك لا تقل شيئا "
هذا ما كانت تقوله عيناها ,
لم يفهم علي ما الذي تخطط له ملك الآن , و لم هذا التحول المفاجئ في تصرفها ,
و لكنه فاجأ نفسه بالانصياع لمطلبها , و التزم الصمت نزولا عند رغبتها ,رغم أنه لم يرضخ يوما في حياته , إلا أن هاته التوسلات الصامتة , تجعله يجثو على ركبتيه و يتنازل .
استمر علي في التحديق إلى عينيها , و عقله يحاول إيجاد تبرير لما يحصل , دون أن يدري أن ما ستقدم عليه هاته العنيدة سيغير حياته جذريا .
قطع والدها النظرات المتبادلة بينهما
" ملك هل نغادر ؟ "
أغمضت ملك عينيها بشدة , أخذت أنفاسا متقطعة , و دون أن تستدير لتواجه والدها , انطلق صوتها الذي بدا ضعيفا , لكن كلماتها كانت قوية
" آسفة بابا , لا أستطيع الرحيل معك "
" أين بابا ؟ "
سألت ملك بصوت مغتاظ , دون أن تبرح مكانها
لم يجب علي و لم يحرك ساكنا , و كررت ملك السؤال بنبرة أكثر غضبا
" أنا أحدثك أين والدي ؟
أو أن هذه كذبة أخرى من أكاذيبك التي لا تنتهي ؟
عرفت أنه لم يكن علي أن أصدقك "
ثم استدارت فورا للمغادرة , لم ترد أن تكون ألعوبة في يده يحركها كيفما يشاء
نظر علي الى ساعته , ثم عاد للتحديق للخارج و أجاب بصوت هادئ
" سيصل بعد نصف ساعة "
كان علي يقف بكل اتزان , بقامته الفارهة واضعا يديه في جيبه ,
ملامحه الدقيقة متصلبة , مع نظرته الباردة التي تلقي الرعب في قلب ملك كلما رمقها بها ,
بسماع ما قاله توقفت ملك عند الباب , و استدارت و قد بدت الفرحة على ملامحها
" فعلا ؟ يا الهي فقط نصف ساعة ؟ "
لم يجبها علي هذه المرة , و اكتفى بالاستدارة ناحيتها و مراقبة ملامحها المسرورة ,
لم تنتبه ملك لنظراته , و استمرت بإبداء سعادتها بوصول والدها
" جيد إذا سأرى كيف ستمنع والدي من اخراجي من هنا ؟
و كيف ستستمر بإقناع الكل بأكاذيبك ؟ "
رد علي بابتسامة خفيفة مستهزئة , صارت ملك تعرفها كما تعرف تعابير وجهه المختلفة
" تعجبني فعلا ثقتك بنفسك "
و رد ملك كان سريعا و بتحد كبير
" ثقتي في براءتي أكبر "
هز علي رأسه بإعجاب زائف , صمت قليلا ثم سأل بجدية
" طيب ما رأيك إذا في قطعة مخدرات أو قطعة سلاح ؟ "
كان السؤال مبهما لم تفهم ملك منه شيئا , قطبت جبينها بتشوش و ظهرت حيرتها في عينيها ,
و قبل أن تسأله عن قصده , بادرها هو بوضع يده على لحيته و كأنه يفكر بجدية , ثم طرح السؤال مجددا بطريقة مختلفة
" أو أقول لك أنا لا أحب الأمور المشبوهة , فما رأيك بمائة ألف يورو أو دولار مثلا ؟ "
و ابتسم بخبث مجددا
ارتجف قلب ملك فهي تخاف هذه الابتسامة الخبيثة , أكثر مما تخاف ملامح غضبه , و عادة تسبق أمرا مدمرا
عبست ملك مجددا من الكلام المبهم , و سألت و قد فقدت صبرها
" بم تهلوس أنت ؟ ما الذي تقصده ؟ "
أكيد ما قاله هذا المجنون له علاقة بها , فهذا الرجل يقدس الكلمات كالذهب , لا يعقل أن يتفوه بالترهات في وقت حرج كهذا
تقدم علي خطوتين إلى أمام المكتب بتأن , و أجابها بكل هدوء و هو يحدق في عينيها مباشرة
" أقصد أنك يجب أن تحمدي الله , لأن قطعة الماس تلك أنا أملك صك ملكيتها ,
لكن والدك لن يكون محظوظا بقدرك للأسف "
قال بنفس لهجة الاستهزاء التي تستفز ملك حد الجنون
شحب وجهها فجأة و ارتجفت يداها , فكلام هذا المتسلط واضح ,
هو يهددها بأن يلفق لوالدها , قضية تهريب مثلما فعلها معها ,
و يبتزها للاعتراف بأمر لم تقم به
انعقد لسانها و اتسعت عيناها , و هي لا تصدق أن هناك انسانا على وجه الأرض بهذه القسوة و الانحطاط ,
ملامح الخوف على وجه ملك , هو ما كان ينتظره علي منذ الأمس ,
و النتيجة أن والدها لا علم له بما فعلت , و هي الآن خائفة من أن يعرف بأمرها ,
و إلا ما كانت ارتعبت إلى هذا الحد ,بالنسبة له هذا أفضل الاحتمالات , لأنه بإمكانه الآن ابتزازها و الضغط عليها ,
مقابل ألا يفضحها أمامه , لذلك أسرع باستغلال الموقف مجددا
" تفضلي أنت تصحبك السلامة بإمكانك المغادرة , من الغد سألغي حظر السفر و تصبحين حرة ,
و لكن والدك سيبقى مكانك هنا "
قال و هو يشير إلى الباب برأسه , و يظهر لا مبالاته بما تريد ملك فعله
شعرت ملك بقشعريرة تسري في كل جسمها , و خوفها لم يكن من سراب ,
هي رأت بنفسها قدرة هذا الرجل على دس الدلائل و تغيير الحقائق , إذا قرر فعلا إيذاء والدها فلن يردعه شيء أبدا
لم تدر ملك بنفسها إلا و هي تندفع ناحيته , رفعت يدها تريد صفعه على تسلطه , و تخليص كل الحقد الذي تحمله له منذ أيام
لكن علي استبق الأمر , و أمسك برسغها قبل أن تلمس يدها خده , لم تولد بعد المرأة التي تصفعه ,
كانت قبضته مؤلمة لكنه لم يطل الأمر , حيث أبعدها عن وجهه مباشرة , و تراجع خطوة الى الخلف بابتسامة انتصار مستفزة
تأجج بعدها غضب ملك بشدة , و حدقت اليه بألم و هي تفرك رسغها
" tu es vraiment fou ; un malade mental cruel et sans pitié "
( أنت فعلا مجنون , مريض عقليا قاس و عديم الرحمة )
صرخت ملك في وجهه ثانية بحنق , و قد استنزفت كل ذرة عقل كانت تحتفظ بها لحد الآن ,
و رغم أن علي لا يتقن الفرنسية بطلاقة , إلا أنه فهم أنها تشتمه و بطريقة سيئة
" صوني لسانك و تأدبي "
رفع صوته مهددا و قد بدأ الغضب بالظهور على ملامحه ,
لكن ملك لا تتراجع و ترد الكلمة بمائة
" أنا مؤدبة أكثر منك , على الأقل أنا لا أرفس كل من يأتي في طريقي مثل ثور هائج "
" بدل مجادلتي بوقاحة , وفري حماسك هذا لإنقاذ والدك لاحقا "
تراشق الاثنان بالكلمات و التهديدات , لكن لم يبد أن علي تأثر بما تقوله ملك ,
و إنما جديته في فعل ما هدد به بدت كبيرة جدا
كانت ملك كمن يحارب النار بالبنزين , كلما هددته أو هاجمته زادت قسوته و حدة كلامه ,
استنفذت صبرها أخيرا و تقدمت منه فجأة , و قد تخلصت من خوفها منه
أمسكت بياقة قميصه في حركة فاجأته , و الآن فقط انتبه الى حالتها ,
كانت ملك ترتدي سروال جينز أسود , و قميصا أبيض خفيف بأكمام قصيرة , مع حذاء رياضي مسطح بنفس اللون ,
يبدو جسمها ضئيلا بإمكانه سحقه بضمة واحدة
و كعادتها لا تضع أية مساحيق و لا أي عطر , و ترفع شعرها الذهبي ذيل حصان ,
فرق الطول بينهما كان أكثر من عشرين سنتيمترا , لكن ذلك لم يمنعها من تحديه ,
حتى أنها كانت تقف على رؤوس أصابعها لتقترب من وجهه , ضاربة عرض الحائط كل جبروته و غطرسته
ارتبك علي في البداية , فقد فاجأته بردة فعلها , لكنه كان أكثر هدوءا من المرات السابقة ,
زادت حيرته بالنظر إلى عينيها العسليتين الكبيرتين , اللتين كانتا تحدقان به بكل تحد ,
كان هناك شيء غريب بهما , كان هناك لمعة براءة و كأنهما عيني طفلة ,
ربما لم يسبق له في حياته , أن رأى عينين أكثر نقاء من هاتين العينين ,
رغم الغضب البادي فيهما , إلا أنه لم يغط على هذا الصفاء , لا يمكن للمرء المحدق بهما إلا الشعور بالسلام و السكينة تجتاح روحه ,
" تبا "
همس علي بسخط بينه و بين نفسه
" رائحة الياسمين اللعينة تلك كالمرتين السابقتين "
و بلع ريقه محاولا السيطرة على ردة فعله
استمر الأمر بعدها لثوان , قبل أن يسمع صوتها تهدده بجدية
" إذا تجرأت و آذيت والدي , و الله أقسم سأقتلك بيدي هاتين "
لم يحرك علي ساكنا و كأنه لم يسمع شيئا , كان تائها و كأنه وقع تحت تأثير تنويم مغناطيسي ,
و لم يستفق إلا على صوت المرأة , التي استقبلت ملك قبل قليل , تقف عند الباب مذهولة من المنظر ,
فعلي يقف بكل هدوء و دون حراك أمام هاته الشابة , التي تلتصق بوجهه و هي تمسكه من ياقته و كأنها تتعلق به ,
أي زلزال ضرب هذا المكتب , لتنقلب الأمور رأسا على عقب , و يسمح السيد لامرأة أن تقترب منه الى هذه الدرجة ,
كانت حيرتها واضحة في عينيها اللتين كانتا تنتقلان بينهما بفضول ,
و لكنها لم تعلق و اكتفت بقول ما جاءت لأجله
" سيدي وصل ضيوفك "
ثم انصرفت مباشرة
انتبه علي أخيرا إلى الوضع المريب الذي كانا فيه , و أبعد يدي ملك بعنف عن قميصه ,
فخطت خطوتين إلى الوراء و كادت تقع على الأرض , لولا أنها ارتكزت على الكرسي خلفها لحفظ توازنها
حاول الرجل إخفاء ارتباكه , و أشاح بوجهه ناحية مكتبه للحظات
" لا يجب أن تتأثر بهذه المرأة فهي ممثلة مدعية "
قال محدثا نفسه ككل مرة يتواجهان , و يشعر أنه على وشك ان يضعف أمامها ,
أخذ بعدها نفسا عميقا , ثم خطا ناحية الباب و توقف أمامه ,
و دون أن يستدير قال آخر ما فكر فيه
" أمامك عشرة دقائق ,
اما أن تخرجي من هذا الباب لتقولي ما أريد سماعه , أو اعتبري أن والدك في السجن "
خرج بعدها مباشرة , تاركا ملك تحت الصدمة , عقلها مشوش و قلبها يدق بجنون ,
واضح أن الضيوف الذين تكلمت عنهم تلك المرأة هم والدها و آخرون ,
و هذا الرجل يقول بأن لديها عشرة دقائق , فقط عشرة دقائق ,
و هي حتى لا تعرف بما يريدها أن تعترف ,
تسمرت ملك مكانها و بدأت يداها بالارتجاف , و الدموع بالتجمع في عينيها ,
لكنها منعت نفسها من البكاء , خشية أن تثير قلق والدها إن رآها باكية ,لكنها كانت تدعو بألم شديد , أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة .
بخروجه من المكتب وقعت عينا علي على الضيوف الواقفين في مدخل الصالون , كانوا ثلاثة رجال
أحدهم عبد الحفيظ هو يعرفه , سبق و أن رآه و كلمه ,رجل ستيني يبدو والدها , فعينيه صورة طبق الأصل عن عيني ملك ,
و الشاب الآخر في مثل سنه , أشقر طويل القامة بعينين زرقاوين , يضع نظارات طبية و يبدو أجنبيا
و الرجلان تبدو عليهما الأبهة و الفخامة , رغم تعب السفر الواضح على وجهيهما
" هل هذا شقيقها ؟ "
سأل علي نفسه لكنه لم يشغل باله به كثيرا , مشكلته كلها مع والد تلك المحتالة ,
سلم بعدها على ضيوفه و أشار لهم بالجلوس , و طلب من فاطمة تقديم ضيافتهم , ثم جلس هو الآخر مقابلهم" أين ابنتي ؟ "
سأل والدها دون تحفظ , و هو يرمق علي بنظرات قاتلة ,
ابتسم علي واضعا رجلا على رجل و أجابه" ستحضر بعد قليل "
و رد عليه نظراته بأخرى أكثر حدة
قاطع عبد الحفيظ الجو المكهرب بين الرجلين , و قال محاولا تلطيف الأمور
" هذا السيد عز الدين والد السيدة ملك "
عرف عنه باحترام
" و هذا السيد علي الشراد "
لم يبال والدها كثيرا بالتعريف فما يشغل باله أمر آخر
" هل ابنتي تقيم هنا ؟ "
" نعم "
أجاب علي بكل بساطة , فيم تغيرت ملامح الأب للامتعاض
" ألم تقل أنها تقيم في بيت آمن تحت مسؤوليتكم , ما الذي تفعله مع غرباء هنا ؟ "
سأل عبد الحفيظ بصوت مستاء , لكنه لم ينتظر أن يجيبه , و سارع الى طرح سؤال آخر
" هل يمكن أن أعرف ما علاقتك بابنتي ؟ "
ابتسم علي بطرف فمه مجددا , و حاول كسب بعض الوقت
" لنتكلم بعد أن تحضر ملك "
قال اسمها بكل هدوء , و كأنه يعرفها منذ دهر , مثيرا سخط والدها أكثر
في هذا الوقت أحضرت فاطمة القهوة و وضعتها أمامهم
و أشار علي بيده ليدعوهم لتناولها , ساد بعدها المكان صمت شديد , في انتظار قدوم ملك .
.داخل المكتب كانت ملك على وشك فقدان عقلها , لكن بعد انقضاء الدقائق العشر , كانت قد اتخذت قرارها و حزمت أمرها ,
هي ليس لديها شيء تعطيه لهذا الرجل , و لكنها أيضا لن تسمح له بإيذاء والدها .
خرجت من المكتب بتأن , و قد بدا وجهها شاحبا و متعبا ,بمجرد دخولها الصالون لمحها والدها أولا , نهض من مكانه و اتجه ناحيتها مباشرة , و أخذها في حضنه بلهفة كبيرة
" حبيبتي اشتقت إليك , كيف حال ملاكي ؟ "
بادلته ملك الحضن بقوة أكبر , و غرست رأسها في صدره , محاولة السيطرة على مشاعرها , لكن دموعها خانتها
" بخير بابا و أنت ؟ "
أمسك بوجهها الصغير بين يديه ليراقب ملامحها , مسح الدموع التي تساقطت من عينيها و ابتسم
" أصبحت بخير بعدما رأيتك "كان المشهد مؤثرا و لم يقو علي على التعليق بشيء ,
بعد مرور لحظات انتبهت ملك الى تواجد سامي , تقدمت منه مبتسمة دون أن تطلق يد والدها
" مرحبا سامي كيف حالك ؟ "
ابتسم الشاب بهدوء و مد يده ليسلم عليها
" بخير ملك و أنت كيف حالك ؟ أقلقتنا عليك أيتها المشاغبة "
كان علي يراقب ما يحدث من تفاعل بين ضيوفه , لا يبدو أن ملك تمثل الآن , فمشاعرها ناحية والدها تبدو صادقة , و فرصته الآن كبيرة لاستغلال الموضوع
" ماذا ملك ألن تخبري والدك عن سبب وجودك هنا ؟ "
قالها بلهجة تهديد واضحة
طبعا هو قصد أن تعترف بما أخذته , لتتمكن من المغادرة مع والدها ,
لكن كلماته قطعت عليها لحظة الحنان التي كانت تستمتع بها , و تذكرت فجأة واقعها المرير و وجود هذا البغيض فيه
دب الذعر مجددا في قلبها و استدارت ناحيته , لكن هذه المرة كانت هناك نظرة متوسلة في عينيها , أشعرته بالذهول و الصدمة
ألم تكن هذه المرأة تتحداه قبل قليل , حتى أنها هددت بقتله ؟
كانت حينها غاضبة حانقة لكنها الآن متوسلة
" أرجوك لا تقل شيئا "
هذا ما كانت تقوله عيناها ,
لم يفهم علي ما الذي تخطط له ملك الآن , و لم هذا التحول المفاجئ في تصرفها ,
و لكنه فاجأ نفسه بالانصياع لمطلبها , و التزم الصمت نزولا عند رغبتها ,رغم أنه لم يرضخ يوما في حياته , إلا أن هاته التوسلات الصامتة , تجعله يجثو على ركبتيه و يتنازل .
استمر علي في التحديق إلى عينيها , و عقله يحاول إيجاد تبرير لما يحصل , دون أن يدري أن ما ستقدم عليه هاته العنيدة سيغير حياته جذريا .
قطع والدها النظرات المتبادلة بينهما
" ملك هل نغادر ؟ "
أغمضت ملك عينيها بشدة , أخذت أنفاسا متقطعة , و دون أن تستدير لتواجه والدها , انطلق صوتها الذي بدا ضعيفا , لكن كلماتها كانت قوية
" آسفة بابا , لا أستطيع الرحيل معك "
