اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم صابرين



28- وأدلت الشاهدة بشهادتها
الفصل ده المنتظر من بداية الرواية، الفصل اللي استنيتوا ٢٧ فصل علشانه، هتقولوا ليه هقولكم واضحة من العنوان، استمتعوا بالصدمات اللي منتظراكم لأني الفصل أحداثه كتير
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
فارقت بين جفنيها ببطء تشعر بالخمول والألم في كل أنحاء جسدها بعدما نامت ليوم كامل منذ عصر الأمس على الأرضية بين قصاصات ملابسها التي قامت بتمزيقها بعد الانهيار الذي أصابها
نظرت حولها بأعين مشوشة ليقع بصرها على النافذة المفتوحة والتي تأتي برياح شديدة محملة بالأمطار الغزيرة، جلست نصف جلسة تشعر أن عظامها محطمة من النوم لساعات على الأرض بدون غطاء حتى
عانت لدقائق حتى تقف والباب يطرق بقوة وصوت والدتها يصدح قلقًا عليها :
-يا عايدة افتحي الباب يا بنتي كفاية كده
فتحت الباب لتشهق والدتها من المنظر الذي تراه، هذه ليست ابنتها الجميلة بل فتاة بشعر أشعث ووجه ملطخ بألوان مستحضرات التجميل ويبدو عليها الإعياء الشديد، سحبتها للداخل بسرعة وبالتحديد إلى المرحاض وهى تنادي على الخادمة التي كانت تقف معها في الخارج وفي يدها الغداء :
-يا فاتن سيبي الغداء وهاتي بجامة تقيلة من الدولاب واقفلي الشباك بسرعة خلي الأوضة تدفى شوية
وقد كانت عايدة مستسلمة لما تفعله والدتها فلا طاقة لها بالحديث حتى، بينما فتحت والدتها رذاذ المياه وقد عدلت الحرارة بحيث تصبح ملائمة للإستحمام في هذه الأجواء شديدة البرودة، ثم عادت لابنتها آمرة إياها إذ قالت :
-استحمي وربع ساعة وهخبط عليكي اديكي البجامة
خرجت وتركتها لتدلف عايدة أسفل المياه دون أن تخلع ملابسها تتمنى أن تنظفها المياه من كل شئ لوثها، تتمنى لو تعود عايدة القديمة قبل أن تعرف عاصم أو يونس، تلك الفتاة ذات الطمحات العالية والتي لا تلقي بالًا للدنيا رغم كونها فتاة في حالة متوسطة لكنها كانت حياة جيدة بالنسبة إليها
ظلت أسفل الماء ما يقارب النصف ساعة حتى عندما نادتها والدتها أخبرتها أنها لم تنتهي، خلعت ملابسها المبتلة وارتدت مأزر الحمام لتجد أن الخادمة فاتن تقف بجانب الباب وفي يدها ملابس بيتية لها
اخذتها منها بصمت ثم خرجت بعد خمس دقائق ترتدي منامة شتوية باللون النيلي وشعرها النديّ قد بلل ظهرها، نظرت إليها والدتها بحزن وهى تجلس على الفراش معاتبة ابنتها :
-كده يا عايدة قافلة على نفسك يوم كامل ومبهدلة الأوضة ومبهدلة نفسك، ليه ده كله؟؟
لم تجبها الأخرى بل سحبت فرشة شعر من فوق السراحة واعطتها لها ثم جلست أرضًا عند قدميها ووالتها ظهرها ففهمت والدتها أنها تريد أن تمشط لها شعرها كما كانت صغيرة، ابتسمت بحنو وأخذت تمشط شعرها البني بهدوء وفاتن تراقب بصمت تنتظر أي أمر لها، كما أنها تشعر بالشفقة على هذه المرأة
حمحمت بتوتر ثم قالت :
-مدام عايدة تحبي اجيبلك تالين تشوفيها
وآماءت الأخرى دون أن تعي ما قالته حتى، تحركت فاتن بسرعة وأتت بتالين من أمام التلفاز وعندما رأتها عايدة واستمعت إلى صوتها الطفولي حتى ترقرقت الدموع في عينيها الفاتحة وقد فردت ذراعيها تدعوها للقدوم
وما إن أصبحت الأخرى بين أحضانها حتى ضمتها بقوة تشعر وكأنها لم تراها لأشهر طويلة، أكثر من ظلمته في حياتها هى ابنتها تالين التي اهملتها وتشتت الفتاة بين والديها بعد الطلاق
أخذت تقبل كل إنش في وجهها وهى تللو عبارات الإعتذار وقد تعجبت والدتها من فعلها هذا وكأن تالين كانت غائبة عنها
نظرت إلى فاتن بإنتباه عندما أخبرتها أن زوجها في الأسفل ينتظرها، آماءت بهدوء ثم نظرت لعايدة التي لا تزال تضم ابنتها قائلة :
-عايدة اتغدي وكلي كويس انا هشوف ابوكي عايز ايه وعلفكرة ميعرفش إنك حابسة نفسك في الأوضة بقالك يوم انا مرضتش أقوله
لم تهتم الأخرى بأي كلمة مما قالت إذ كانت تضم ابنتها داخل أحضانها وكأنها حصلت على العالم بأسره، إن لم تتلقى هى الإهتمام من أحد سوف تعطيه لابنتها، وتكرس المتبقي من حياتها لأجلها بعد الآن، ولن تترك حضانتها ابدًا لعاصم كما طلب فهى الأحق بها
صدح في المكان صوت جعل قلبها داخل ضلوعها يهتز، صوت لطالما سمعته ولكن لم تلبي نداءه بسبب الغفلة التي كانت تحيا بها، رفعت رأسها ببطء لفاتن التي كانت تمسك بهاتفها والذي يصدح منه صوت الأذان فقالت بخفوت ونبرة مترددة وكأنه ليس من حقها أن تسأل هذا السؤال :
-هو ايه.... ايه اللي بيأذن دلوقتي!؟
نظرت لها الأخرى بإنتباه ثم اجابتها بهدوء :
-ده العصر يا هانم استأذنك هروح أصلي وارجع تاني
-انتي بتصلي يا فاتن؟؟
نطقت بها بسؤال غير متوقع بالنسبة للأخرى إذ اجابتها بنبرة متعجبة :
-أكيد يا هانم مش مسلمة!؟
وكأن اجابتها هذه كانت كصفعة قوية لعايدة جعلتها تنكشف أمام نفسها وكم شعرت بالخزي وجلد الذات أكثر وأكثر، إذ قالت بنبرة مضطربة وكأن ما ستقوله كالأشواك في حلقها :
-انا برضو مسلمة بس مش بصلي
حمحمت الأخرى بتوتر ثم اجابت :
-ربنا يهديكي يا هانم
-انا وحشة صح
نطقت بها عايدة بنبرة ضائعة فتوترت فاتن أكثر تخاف الإجابة الحقيقية فينقطع عملها إن لم يعجبها الأخرى الحديث لذا اكتفت بقول :
-ربنا يا يهديكي يا مدام عايدة
أعادت الأخرى رأسها على الفراش وقد كانت لا تزال تالين بين أحضانها أرضًا لتقول بنبرة بائسة بشدة :
-متخافيش من الكلام انا وحشة وغرقانة في الذنوب انا عارفة
-اشركتِ بالله
نطقت بها فاتن بهدوء فأجابت الأخرى وهى تنفي برأسها بقوة :
-لأ طبعًا لا إله إلا الله
-يبقى لسه فيه فرصة ترجعي عن اللي انتي فيه أيًا يكن هو ايه، بيقولك ولو كنت زانيًا أو شاربًا للخمر أو عاصيًا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا، باب التوبة لسه مفتوح يا مدام عايدة وربنا بيحبك علفكرة طالما راجعتي نفسك وعارفة إنك بتعملي ذنوب وحسيتي بتأنيب الضمير يبقى انتي لسه على بر الأمان، تخافي فعلًا لما تغرقي في الذنوب ومتحسيش إنك بتعملي ذنب، وقتها ربنا هيفضل يبتليكي بالذنوب أكتر
اعتدلت عايدة في جلستها ولامس كلامها قلبها اليائس إذ هتفت بنبرة متلهفة :
-يعني انا عندي فرصة أتوب؟! علفكرة انا مكنتش كده والله انا كنت احسن من كده وبلبس واسع وطويل وبصلي، آه مكنتش محجبة بس كنت أحسن من كده، مكنتش أنانية طماعة زي ما الكل شايفني كده
-انتي شايفة نفسك كده؟!
سؤالًا طرحته عليها جعلت أعينها تزيغ بحيرة ولم تجب فقالت فاتن حتى تريحها :
-بصي مش هقولك حطي كلام الناس في الزبالة علشان ملهوش أهمية، مش كل كلام الناس نطنشه علشان أحيانًا بيبقى صح زي نصيحة، انتقاد هو موجود فيكي، أنا امي دايمًا كانت بتقولي اسمعي من الناس عجبك الكلام اعملي به معجبكيش طنشيه يعني مش كله نطنشه ومش كله ننفذه
-انا مش فاهمة
همست بها عايدة بحيرة شديدة فقالت الأخرى تشرح لها بشكل مبسط :
-يعني لو الناس بتقول انتي أنانية وطماعة فكري في الكلام وراجعي نفسك لقيتي انك فعلًا كده غيري نفسك للأحسن فهماني
وآماءت الأخرى وبسرعة راجعت نفسها، هى بالفعل تصرفت بأنانية كثيرًا ولكنها لم تفكر بطمع في أموال عائلة عاصم والدليل على ذلك أنها حين تطلقت منه لم يفرق معها الأموال كما فرق معها أنها خسرت رجل محترم كان يود بناء أسرة معها
ليتها عملت بنصيحة فاتن من البداية وفكرت في كلام الناس قبل أن تعمل به، ربما كانت لتحافظ على حياتها وأسرتها الصغيرة، الآن شعرت بالخسارة والندم ولكن فيما يفيد الآن
وقفت من على الأرض رافعة تالين التي لا تزال متشبثة بها، مقررة التطهر من كل هذا والعودة لعايدة القديمة وربما الأفضل من هذا، وأول خطوة للتوبة والتطهر من الذنوب هو الوقوف بين يدي الله مستغفرة من ذنوبها، داعية الهداية لها :
-فاتن انا عايزة اصلي معاكي وكل ما يأذن الفرض تعالي ليا حالًا وقوليلي يلا نصلي
نظرت إلى قصاصات الملابس المنتشرة في أرجاء الغرفة هاتفة بإصرار على الإنسلاخ عن ذلك العالم القذر، ولأول مرة تدرك أن الغنى والثراء قد يكون نقمة وليس نعمة :
-وكل الهدوم القصيرة دي تترمي في الزبالة انا مش عايز أحس اني رخيصة واكشف من جسمي تاني
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كان يستمع إلى الإذاعة المحلية للأرصاد الجوية والتي تصدح من مسجل سيارة أخيه، والذي بدوره كان يقود ببطء نظرًا للأمطار الغزيرة متجهين إلى الطبيب الذي بدأ المتابعة معه حين عاد من لندن ولكنه توقف منذ فترة بعدما شعر باليأس تمكن منه
والآن وبعد أشهر سيعود مرة أخرى له وليس لشئ إلا ليعلم إن كانت رقية موجودة في حياته قبل أن يفقد ذاكرته، وكان شرط سفيان أن يذهب للطبيب لذا انصاع له مستسلمًا، والآخر ما إن علم بهذا حتى أسرع واحضر السيارة وها هم في طريقهم
-سفيان
نادى عليه بهدوء فهمهم الآخر حتى يكمل ما سيقول :
-هو انت ازاي اقنعت الدكتور ينزل من بيته ويستنى في المستشفى لحد ما نيجي
ابتسم سفيان ابتسامة متسعة ثم قال بغرور :
-لما تبقى ظابط أمن دولة بيبقى معاك صلاحيات كتير
تنهد الآخر بضيق شديد وهو ينظر إلى الأمطار المتساقطة من خلال النافذة فقال سفيان وهو يعلم لما عمر ضائقًا لكنه أراد أن يتحدثوا قليلًا :
-مالك يا عمر!؟
-مش عايز ارجع للمستشفى تاني وللأدوية تاني انا فقدت الأمل يا سفيان اني افتكر حاجة
-علفكرة الأدوية بتجيب نتيجة يا عمر آه بطيئة بس موجود أمل، انت ناسي أول ما فوقت كنت عامل ازاي مكنتش فاكر حتى انت مين وواحدة واحدة بالأدوية بدأت تفتكرني وتفتكر أيام الطفولة وحبك للبرمجة
نظر إليه الآخر عاقدًا الحاجبين إذ قال :
-وانت فاكر انا فضلت قد ايه لحد ما بدأت افتكر، نتيجة الأدوية بطيئة أوي يا سفيان انا أسوء فترة مريت بها لما كنت شهور مش فاكر انا مين، بتعامل مع جدتك وعمتك وعيلتها وانا حتى مش فاكر اساميهم
توقف سفيان أمام المشفى وقد كان قريب من المنزل، ثم إستدار لأخيه قائلًا :
-قول الحمد لله يا عمر، لكل داء دواء وانت من وقت ما بطلت العلاج وانت حالك مش عاجبني وقولتلك انا والدكتور فاضل ذكريات تاني في حياتك لسه منسية قولت لأ انا تعبت وعايز انزل مصر وكفاية كده وجالك انهيار عصبي، علشان كده سمعت كلامك ورجعت مصر انت وجدتي وقولت ترتاح شوية وترجع للعلاج بس رفضت وخوفت اضغط عليك تنهار تاني والدكتور قال غلط كده
غامت عينيه بحزن ونبرة بائسة فيحاول بكل طاقته أن يجعله مرتاحًا والآخر لا يحدد ما الذي يريده حتى :
-قولي ايه اللي يريحك وانا اعمله انا اصلًا عايش في الدنيا علشانك، انا بس عايزك مرتاح ومش مضايق ولا حاسس بنقص
اشفق عمر على أخيه من الضغط الذي يمر به منذ وفاة والديه فوالله لو كان جبلًا لانهار، رفع ذونت سترته على رأسه ثم فتح الباب قائلًا :
-يلا ننزل يا سفيان يلا
هبط سفيان معه وبدأت الرحلة التي يكرهها عمر كلما ذهب للمشفى، فيظل يتنقل بين التحاليل والإشاعات والطبيب هذا والطبيب ذاك، وبعد ما يقارب الأربع ساعات جلس عمر أمام طبيب المخ والأعصاب وفي يده الإشاعات والتحاليل فنظرًا لمكانة سفيان انقضى الأمر سريعًا
نزع الطبيب نظارته ثم رمق عمر بهدوء متسائلًا :
-عمر انتي بقالك قد ايه موقف الدواء
-تقريبًا سنة أو ١٠ شهور
آماء الطبيب متفهمًا ثم تحدث بنبرة جادة موجهًا حديثه لسفيان وعمر الجالسان أمام المكتب في انتظار حديثه :
-تمام انت هتوقف الدواء القديم وهنبدأ بعلاج جديد
-وفيه فرق يا دكتور!؟
تساءل بها سفيان بهدوء ليجيب الآخر وهو يستقيم من على المقعد جاذبًا حقيبته الجلدية المرتكنة فوق أحد المقاعد :
-العلم كل يوم بيتطور وده علاج لسه جديد وأقوى من القديم وبرضو في الأول والآخر الشفا بايد ربنا
وضع أمامهما علبة دواء بلاستيكة بداخلها عدد كبير من الحبوب وقد نظر إليها عمر بيأس شديد غير منتبه لحديث الطبيب، فقط يشعر أنه سيظل المتبقي من حياته يتناول حبوب الدواء بشكل يومي
صدقوا عندما قالوا الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء
انتبه لصوت أخيه عندما نادى عليه فأجاب بعدم انتباه :
-ها خلصنا نمشي؟!
فهم سفيان حاجته الملحة في الذهاب فهو يكره المكوث في المشفى وهو أجبره لكي يأتي، سحب علبة الدواء وشكر الطبيب من ثم لحق بأخيه الذي سبقه للخارج وما إن أصبح خارج المشفى حتى زفر بقوة وراحة وكأنه خرج من المعتقل
تابعه سفيان بصمت مخرجًا مفاتيح السيارة وقد ضغط على جهاز التحكم عن بعد لتطلق الأخرى صوتًا مرتفعًا متصل إلكترونيًا بالجهاز، دلف إلى السيارة وقد دلف عمر خلفه وقبل حتى أن يشغل سفيان السيارة تحدث عمر بجدية منتظرًا ما وعده به مقابل أن يأتي إلى المشفى :
-ها بقى رقية أي سبب وجودها في حياتي، وهل كان ليها وجود قبل حادثة فقدان الذاكرة
لم يتلقى إجابة ولا إلتفاتة حتى بل انطلق بالسيارة بصمت وهو يعبث في جهاز التسجيل حتى يشغل شيئًا يكسر الصمت والآخر يتابعه بملامح شبه متشنجة يدرك برود أخيه جيدًا
وبعد ما يقارب الثلاث دقائق تحدث سفيان وقد صدح في السيارة صوت عبد الحليم بأغنية عتيقة مشهورة قد سبق وغناها في فيلم شارع الحب :
-بتفكرك بحاجة الأغنية دي؟؟
عقد الآخر حاجبيه لا يفهم ما علاقة الأغنية بسؤاله، ورغم هذا أجاب بصراحة مبالغ بها :
-بحنان وهى بتغنيها وهى بتطبخ حتى قبل ما تخلصها بتدخل على اغنية انتي معلمة واللي ملهاش علاقة بعبد الحليم ولا حتى من بعيد
تعالت ضحكات الآخر ترج السيارة ليقول عمر بضيق لا تعجبه مراوغته هذه :
-انت بتلف وتدور ليه ما تجاوبني بشكل مباشر
زفر سفيان بهدوء وهو يزيد قليلًا من سرعة السيارة :
-كنت بتحبها لأ بتحبها ايه؟! ده انت كنت بتموت فيها
ولم يكن يتوقع عمر هذه الإجابة مطلقًا، إذ اندهش بحق كونه كان يحب رقية ألهذا في العادة تسرح بنظراتها له وكأنها عاشقة؟؟
وصدمه سفيان بالإجابة الثانية إذ قال :
-كانت خطيبتك ويوم ما اتقلبت بينا العربية كان كتب كتابكم
وقد كانت هذه الصدمة الأشد عليه وللحظات لم يستوعب عمر ما يقوله سفيان والذي بدأ روي له كيف تعرف على رقية وكيف أنه دافع عنها وأصيب بقوة، وكم أعجب بها وطلبها للزواج، وكيف مرت فترة خطوبته الطويلة بالنسبة إليه فيونس ويوسف لطالما كانا يغارا على شقيقتهما منه
ظل يحكي له حبه لها الذي كان يزداد مع مرور الوقت والآخر في صدمة طويلة، لا يتذكر أيًا مما يقول وكأنه يسمع قصة حب رومانسية لأول مرة ليس وكأنه عاش هذه القصة مع رقية
رقية؟! ويراوده سؤالٌ عنها، كيف تحملت أن تراه يعاملها كالغريبة؟ كيف كانت تكتم بداخلها كلما تطاول بلسانه عليها؟! كانت تتحجج بأي شئ حتى تظل بجانبه، ولهذا كانت خائفة عندما رآها أخيها معه، ولهذا كانت تخطئ في حديثها عن حياته سابقًا وكم كان مختلف عن الآن، ولهذا ادعت جدته أنها لا تعلمها عندما وجدتها في المنزل وكم كان إدعائها مكشوفًا
ظل يسترجع ما عاشه مع رقية في تلك الأسابيع وهو يستمع لحديث سفيان عنهما، لقد كانت نظراتها واضحة بالحب فكيف فلم يلحظ هذا
ازدرد لعابه بصعوبة يشعر بالمرارة تستحكمه ليطلب من أخيه التوقف فما عاد عقله يتحمل المزيد :
-كفاية يا سفيان خلاص كفاية
وكان الآخر يتابع تعابير وجه عمر منذ بدأ الحديث وعندما طلب منه التوقف أدار رأسه له يرى الدموع تهبط ببطء على وجنتيه، لم يخبره أن يتوقف فليس من العار أن يبكي الرجل حين يتألم، منافق وكاذب من قال أن الرجال لا يبكون
-ليه اختفت من حياتي، ليه يا سفيان مجبتش سيرتها طول السنين اللي فاتت
-مجبتش سيرتها واختفت لنفس السبب وهو إني ابوها خاف عليها
اعتلت ابتسامة ساخرة على ثغر عمر لا يفهم حديثه هذا إذ قال :
-وخاف عليها ليه إن شاء الله مِناسب تجار مخدرات؟! ولو خايف عليها كده ليه قِبل من الأول بجوازي منها
-عارف يا عمر ليه سفرتك انتي وجدتي لندن بعيد عن مصر ورفضت ترجعوا إلا بعد ما قبضت على اللي قتلوا بابا وماما؟؟
سؤال مبهم جعله يدرك سر اختفاء رقية واختفاءهم أيضًا من مصر بعد ذلك الحادث كما روت له جدته، فسبب انقلاب السيارة ذلك اليوم لم يكن قضاء وقدر، وإنما كان حادث مدبر من إحدى الجماعات الإرهابية التي اسقطها والده وقبض على أميرهم كما يزعمون
وظل سفيان عامين أو ربما أكثر حتى استطاع هو وزملائه إسقاط تلك الشبكة الشيوعية، وعلى الأرجح خاف والد رقية عليها وهو الآن لا يلومه، فمن سيلقي ابنته في أحضان عائلة كانت مهددة بالقتل
نظر إلى النافذة بملامح جامدة وقد جفت الدموع على وجهه ولم يشعر بشئ إلا حين توقفت السيارة، وقد أبصر مدخل بناية راقية بالطبع لا تعود لإحدى بنايات باقوس تلك المنطقة الشعبية المتكدسة بالسكان
بل هذه البناية التي كانوا يقطنو بها مع والديهم ولهم شقتين أخرتين بها، واحدة له والأخرى لسفيان، الغريب أنه أتى به إلى هنا وهم لا يأتون إلا نادرا، فكل أوقاتهما يقضونها رفقة جدتهم في باقوس
رمقه بنظرات مستفهمة فقال الآخر بهدوء وهو ينزع حزام الأمان عنه :
-جايبك هنا علشان فيه حاجة تحت سريرك تخصك انا مخبيها، يمكن مع العلاج والذكريات اللي هتشوفها ترجعلك ذاكرتك
فك عمر حزام الأمان هو أيضًا وكاد أن يخرج ولكنه تراجع على يد سفيان التي قبضت على رسغه ثم قال :
-عمر أيًا كان القرار اللي هتاخده في علاقتك انتي ورقية انا معاك فيه بس علشان خاطري فكر مرة واتنين وتلاتة قبل ما تقرر، رقية بنت حلال وبنت ناس وبتحبك وانت بتحبها حتى لو انت مش فاكر بس متأكد إن شاء الله على العلاج الجديد هتفتكر، فبلاش تاخد خطوة صعبة في الموضوع من غير ما تفتكر رقية كانت ايه بالنسبالك
آماء له بصمت فترك سفيان يده وتركه يخرج ثم خرج هو خلفه حتى لا يتركه بمفرده، وقبل أن يصلا إلى المصعد كان هناك رجل يهرول نزولًا على الدرج، والذي ما إن رأى سفيان حتى صاح بصوت متقطع أثر تقطع أنفاسه بسبب ركضه على السلم :
-سفيان باشا انت فين من إمبارح؟؟
إستدار الآخر على الصوت نصف إستدارة، مبصرًا مساعده المدعو أمين ويبدو عليها القلق والأنفاس المسلوبة :
-خير يا أمين بتعمل ايه هنا؟!
-يا باشا انا بتصل عليك من الصبح تليفونك مقفول روحت باقوس ملقتكش جيت هنا يمكن الاقيك
والاه سفيان انتباهه، عاقدًا الحاجبين، متعجبًا بحثه هذا والذي ينبئ عن حدوث كارثة أو ما شابه :
-ايه اللي حصل لده كله ده انا مكملتش ٢٤ ساعة أجازة، ايه السفاح اعترف على نفسه؟!
-ده انيل انت مش قولت اتنين بس المتهمين والبنت اللي اسمها هاجر خلاص برا
انمحت الإبتسامة المتعجبة من على وجه سفيان فور أن ذكر هاجر ليقول بصوت جاد وقد كانت نبرته تحمل الهدوء العاصف :
-ايه علاقة هاجر!؟ دي مش من ضمن المتهمين
-إزاي يا سفيان باشا وانت حاطط اسمها جوا الملف اللي استلمه الرائد صالح، وهى في أمن الدولة دلوقتي واللي بيحقق معاها الرائد صالح بنفسه وده مش بيعرف يفرق ما بين راجل وست أهم حاجة عنده المعلومة، وزيادة الكارثة لما جم ياخدوها مش عارف افتكرتهم ايه وقاومت وكانت هتقتل عسكري ودي بلوة عليها، ده لو كانت عملت البلوة الأولى أصلًا
أما عمر لم يكن يفهم أيًا مما يُقال، أو مَن هاجر هذه ولكن على الأرجح تعني شيئًا لشقيقه إذ كانت ملامحه ورغم صدمته إلىٰ أنها مخيفة مشتعلة حتى أنه صاح بأمين قائلًا :
-قبضوا عليها ازاي يا أمين؟! وبقالها قد ايه هناك؟
-من إمبارح المغرب وانا لسه شايفها الصبح وحالتها تصعب على الكافر وانت عارف اللي بيحصل في أمن الدولة، وكمان البنت شكلها مخفتش من الصرع زي ما عرفت من التحريات علشان تقريبًا جالها نوبتين صرع من إمبارح لحد دلوقتي، إلحقها يا باشا البنت دي شكلها بريئة ومعملتش حاجة وصالح باشا مش مصدقني علشان اسمها كان في الملف وانت مش بترد على حد
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تباطأت خطواتها عندما أبصرت تجمع بعض الناس أمام الشقة وكأن هناك من مات، كما أن الأصوات مرتفعة من الداخل ومتداخلة لم تفهم منها شئ، مرت من بين الواقفين حتى تدلف وقد أبصرت عائلة عثمان وعائلة محمد مجتمعين عندهم على غير العادة، والاسوء من هذا أن البعض يظهر وكأنه خارج من حريق مشتعل
-نور جات أهي
نطقت بها رقية بعدما لاحظت وقوف نور مع الموجدين لتتجه الأعين إليها مصيبة إياها بإرتباك ليقول حمزة بنبرة شعرت وكأنها حادة رغم هدوءها :
-انتي كنتي فين في الجو ده؟!
وقبل أن تجيب الأخرى بشئ استمعت لصوتٍ خلفها يبعد الناس حتى يمر إذ هتف بلهجة صعيدية خشنة :
-ايه يا جدعان وسْعوا شوية هو فيه ايه؟؟
وقف بجانب نور محدقًا بالجميع بأعين عسلية مشابهة لأعين نور، ولم يبصر شروق أو براءة من كثرة الموجودين، فقال وهو يسحب عضد نور معه متراجعًا للخلف :
-شكلك غلطتي في الشقة، تعالي انتي واقفة كده ليه
-تعالى حسن
نطق بها عثمان متذكرًا ذلك الشاب بالطبع، بينما الآخر تعرف عليهم منذ الوهلة الأولى وعندما ناداه الرجل باسمه ترك ذراع نور ثم هز رأسه بتحية مردفًا :
-طب السلام عليكم أولًا، هما البنات قاعدين هنا ولا في الشقة اللي قبال دي!؟
وقفت براءة وتقدمت منه حتى يراها بينما سألت نور وهى تحدجها بغضب :
-هو انتي سيبتي أكل على النار، المطبخ ولع يا نور
اتسعت أعين الأخرى مذهولة من قولها بل واتهامها هذا لترد عليها بنفس النبرة صائحة :
-انا؟! هو مش انا صحيتك وقولتلك قبل ما امشي خلي بالك من طاسة الزيت وممشتش غير لما شوفتك دخلتي المطبخ، ايه دخلتي نمتي على نفسك جوا؟!
همهمت عبلة وقد استنتجت أن براءة من النوع الذي ينسى ما يُقال أو يحدث عندما يكون ناعسًا ويظن لاحقًا أنه كان مجرد حلم :
-شكلك انتي فعلًا يا براءة اللي نسيتي الطاسة ونعستي تاني
كادت براءة أن تعترض على هذا الظلم والافتراء من وجهة نظرها فقاطعها حسن منهيًا الحوار هذا :
-خلاص يا جماعة حصل خير محدش حصله حاجة صح
نظر إلى المتجمعين خلفه، واضعًا كفه على صدره كتحية ثم قال :
-منجلكوش في حاجة وحشة يا جماعة بس الرجالة طفو الحريقة أهو
مال كريم على والده قليلًا محدقًا في ذلك الشاب، من ثم قال متسائلًا :
-مين ده يا بابا
-عمهم، أصغر واحد في ولاد عمي صفوان
نظر إليه يوسف بذهول ثم نظر إلى حسن بتفحص وقد كان شاب في منتصف العشرينات ذو خصلات سوداء وأعين عسلية مائلة للأخضر مثل أعين نورهان وزوجة عمه أسماء، كما أنه يمتاز بطول فارع وجسد نحيف نوعًا ما :
-عم مين؟ ده انا تلاقيني أكبر منه!؟
استدار حسن لبنات اخوته ثم قال بشئٍ من الغضب :
-انا قولت انتوا مينفعش تقعدوا في بلد تانية لوحدكم اديكم أهو لسه عاملين مصيبة
-مصيبة واحدة بس!؟
وقد خرجت هذه الجملة من شروق الجالسة على الاريكة بجانب عبلة وناهد، وعندما رآها حسن أسرع في خطاه نحوها محدقًا في الشاش الأبيض الملتصق في جبينها :
-شروق يخربيتك مين بطحك في راسك كده؟!
أدمعت عيني الآخر وقد اختنق صوته بغصة البكاء ثم قالت :
-حسن خدني معاك البلد انا مش عايزة اقعد هنا، حتى مش عايزة أكمل في الكلية مش عايزة
ابتعدت عبلة من جانبها حتى يجلس حسن والذي ربت على كتف شروق الباكية ثم قال مازحًا حتى تتوقف عن البكاء رغم أنه لا يعلم بعد ماذا حدث معها :
-ايه ده يا شروق انتي بتبكي، والله وطلع عندك إحساس ودم
حدقت به الأخرى بملامح غاضبة ثم قالت وهى تدفعه من جانبها :
-انت بتهون عليا ولا بتتريق عليا قوم من جنبي
تحدثت رقية وهى تنظر إلى أخيها يونس ثم تساءلت بإقتراح :
-علفكرة فكرة سليمة اني شروق ترجع البلد، السفاح مش هيعرف يوصلها لو في الصعيد
-ســفــاح؟؟
نطق بها حسن مذهولًا بل مصدومًا فقالت شروق وهى تسحب منديلًا من فوق المنضدة الصغيرة تمسح بها انفها الأحمر :
-مش بقولك محصلش مصيبة واحدة دول مصايب وراء بعض
نظر حسن حوله لا يفهم ماذا حدث بالضبط لكن يبدو أنها بالفعل مصائب كما تقول، عاد بنظره إلى شروق ثم هتف بجدية :
-قومي البسي هترجعي البلد معايا وفي الطريق تقولي كل اللي حصل
تحدث عثمان بضيافة منه إذ قال :
-هتسافروا دلوقتي انت لسه جاي
-انا أصلًا كنت في مطروح وقولت أحود أسلم على أسماء والبنات، بس شكل فيه بلاوي حصلت محدش يعرف بيها ولا ايه؟؟
ختم حديثه وهو يحدق في نورهان وبراءة بحدة فقالت براءة تبرئ نفسها من هذه النظرات التي يرمقهما بها :
-طب انتي بتبصلنا كده ليه طيب، علفكرة المصايب بدأت من يومين وملحقناش ناخد نفسنا علشان نقولوا لحد
اقترب يونس من شروق مخرجًا هاتفه، غير مبالي بكل ما يقال فالأهم بالنسبة إليه شهادة شروق الآن :
-شروق اتمنى تكوني تخطيتي الصدمة وتقدري تدلي بشاهدتك
ابتسمت الأخرى ابتسامة مريرة ساخرة، ثم قالت :
-اتخطيت اني واحدة اتدبحت قدامي في ليلة؟!
-اتــدبــحــت
صاح بها حسن وكلما استمع لشئٍ يصاب بصدمة فبالله ماذا حدث في تلك الأيام القليلة معهن، استدار إلى نور وبراءة مصرًا على أن يعلم ما الذي حدث بالضبط والآن، بينما جلس يونس في المقعد المقابل لشروق عارضًا أمامها صورتين ثم قال :
-ركزي معايا انتي دلوقتي الوحيدة اللي عارفة شكل السفاح فلو واحد من دول هو قولي
امسكت شروق بالهاتف محدقة بالصورتين وبالأخص إلى صورة شاب في الثلاثينات بعينين زرقاء وملامح وجه جادة باردة، ضيقت عينيها مشيرة إليه ثم قالت :
-فيه شبه من ده
-شبه منه ولا هو؟؟
نطقت بها رقية بسرعة وهى تقفز جالسة بجانب شروق والتي قالت وهى تعصر رأسها لتذكر ملامحه جيدًا :
-انا شوفت جزء من وشه في انعكاس المرايا وبعدها وطى علشان فريال دي كانت واقعة في الأرض، فيه ملامح منه وحتى نفس لون الشعر
كاد أن يأخذ يونس منها الهاتف ولكن سبقته رقية إذ اختطفت الهاتف محدقة في الصورة بسعادة غريبة :
-وكده السفاح يبقى عادل الدخيلي، انا جيالك يا عادل
ختمت حديثها وركضت خارج الشقة ومعها الهاتف لا ترى سوى مشهد تكريم مدير الجريدة وهو يكرمها على أول خبر لهوية السفاح الحقيقي، ولم تبالي بصراخ يونس القوي خلفها بأن تتوقف، ولن تبالي :
-انتي يا بت؟؟ رقــيــة، خدي يا بـــت
كاد أن يلحق بتلك المجنونة ولكنه توقف على صوت شروق الحائر وهى تقول :
-عادل الدخيلي؟! لا مكنش اسمه عادل
واتسعت أعين الآخر بصدمة فهل تعلم اسم القاتل، اقترب منها بسرعة مخيفة حتى وقف أمامها مباشرة ربما يفصلهم سنتيمترات وقد فزعت شروق بهذا الاقتراب ملتصقة في ظهر الاريكة تسمعه يقول :
-انتي سمعتي اسمه!؟ اسمه ايه
اجابته الأخرى بحيرة وهى تتذكر هزيان الآخر بعد أن ذبح فريال وكأنه ندم على قتلها كم أنه كان مسكورًا على الأرجح :
-كان اسمه باين كاظم كان بيقولها انا كاظم حبيبك قومي
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
توقف خارج المقهى متجهًا إلى سيارته بخطى متزنة، من ثم امسك مقبض الباب واستدار ليرى سعد ينظر إليه بابتسامة شاكرة ممتنة، بادله البسمة بأخرى هادئة ثم صعد سيارة أخيه وقادها عائدًا للمنزل بعدما تحدث مع سعد الذي يود وبشدة الإقلاع عن الإدمان، ووعده أنه سيسانده في هذا الأمر ممليًا عليه ببعض النصائح
كـ الصبر وعدم الاختلاط مرة أخرى برفقاء السوء، الإرادة والعزيمة وهذان الأهم فما الفائدة إن كان يريد التوقف ولا يستطيع بسبب ارادته الضعيفة، خاصةً وأنه يرفض الذهاب لمصحة حتى لا يصل الأمر لعائلته ويسقط تمامًا من نظرهم
ووعده أيضًا أنه سيسانده وأن يكون موجودًا دائمًا ان احتاج لشئ فأيضًا مهم أن يكون هناك من يدعم كما دعمه حمزة في تلك الفترة، لاحت على ثغره بسمة حزينة متذكرًا ما عاناه قديمًا بسبب المخدرات
قد كانت حالته أسوء من حالة سعد فإن كان الآخر ظل غارقًا في ذلك المستنقع لأسابيع فهو ظل به لأشهر
لا يزال يتذكر اليوم الذي دلف به إلى المصحة وكأنه كان الأمس ولم يمر عليه ثلاث سنوات
دلف إلى الشقة وقد كان على حال غير الحال بشرته شاحبة، جسده هزيل، ملامحه متعبة ومرهقة، لديه هالات سوداء دائمة طوال الوقت
سحب المفتاح من الكالون ثم دلف بخطىٰ مترددة وهو ينادي على أسرته ولكنه لم يتلقى أي رد لذا توقع أنهم بالخارج، أسرع بخطواته إلى غرفته وقد كان الباب مواربًا، وما إن ولج للداخل حتى انغلق الباب بشكل غير متوقع وقد ظهر أخيه حمزة خلفه
ازدرد لعابه بتوتر متفاجئًا من وجوده خلف الباب، ابتسم بإرتباك واضح ثم قال :
-بتعمل ايه يا حمزة وراء الباب؟!
امسك حمزة بمفتاح الغرفة وأغلق عليهما من الداخل فارتاب كريم من فعلته هذه وقد دق ناقوس الخطر عندما طلب منه حقيبته بنبرة هادئة مخيفة وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة :
-هات شنطتك يا كريم
ونظر الآخر إلى حقيبته الرياضية بقلق وقبل أن يخرج من فمه أي كلمة إستفسار كان حمزة يسحب منه الحقيبة بعنف ملقيًا بجميع محتواياتها فوق الفراش، حتى أنه بحث داخل الجيوب الصغيرة وبين الكتب
قبض على كيس صغير بجيبه وقد أرسل عقله رسائل الخطر والخوف، لاحظ حمزة حركته هذه فقال وهو على نفس هدوءه ملقيًا بالحقيبة الفارغة على جنب :
-طلع اللي في جيبك
وكانت هزة رأس نافية هى ما خرجت من كريم فصرخ به الآخر بطريقة افزعته بحق :
-بقولك طلع اللي في جــيـبـك
-مفـ... مفيش حاجة في جيبي
نطق بها متوترًا مرتعبًا منه فتقدم حمزة منه بسرعة مخيفة ساحبًا جيوب بنطاله للخارج رغمًا عنه وها قد أخرج ما يريده، كيس بلاستيكي صغير ممتلئ بمواد بيضاء تشبه الدقيق ولكنها أبعد ما يكون عن الدقيق
رفعه حمزة أمام ناظريه وكان لا يزال يحتفظ بهدوءه الغريب ثم قال :
-ايه ده يا كريم
تجمعت الدموع في أعين الآخر وكان كالفأر الذي حاصره قط ولا يجد أي مهرب، صمت بخزي ولم يجيب بينما انكسرت عينيه أرضًا، وعندما رأى حمزة انكساره وصمته حتى اعتلت ابتسامة مريرة ساخرة على طرف شفتيه ثم قال :
-لأ انت مش بس مدمن، ده انت شمام!؟
وتلىٰ حديثه الساخر هذا صوت صفعة هبطت على وجه كريم شعر بها الآخر وكأنها شقة وجنته لنصفين فلم يعد يشعر بها من شدة التخدير الذي أصابها
جلس في المنتصف بين الفراشين يستمع لصراخ حمزة به والذي كان يخترق عقله وقلبه كالسهام المارقة دون رحمة :
-ليه كده لــيـه؟ كان ناقصك ايــه؟! علشان تروح الطريق ده، أبوك وامك منفصلين وعايش ما بينهم في مشاكل؟ ناقص تربية؟ ناقص دين؟ عندك اكتئاب من حياتك الملخبطة؟! قولي روحت للسكة دي لـيــه؟؟
هبطت دموع كريم تحرق وجنتيه وحديث أخيه يجلده بسوط لاذع ولم يستطع حتى أخباره أن بداية الأمر كان كوب عصير شربه في منزل أحد أصدقاءه حين كانا يذاكران سويًا، أو هذا ما كان يدعيه الآخر
كوب عصير بداخله ذلك السم وضعه على أول الطريق وحتى عندما علم لاحقًا أن الأمر كان أكثر من كوب عصير يجعله منتشيًا بطريقة غير طبيعية، حين علم أنه ما كان يحتسي سوى مخدرات لم يعد ويرتد
لم يرتد عن ذلك الطريق، كان قد غرز بذلك المستنقع غارقًا أكثر وأكثر وها هى الصفعة التي توقعها أتته ومِن مَن؟! من حمزة
استقام بعنف عندما سحبه حمزة من على الأرض جاررًا إياها خلفه من ثم فتح الباب متجهًا للخارج وحينها رأى والديه يقفان، والدته تبكي ووالده ينظر إليه متحسرًا
ادمعت عيناه وعلم أنهم أصبحوا بدراية بأمره وكم شعر بالخجل الشديد، وكم تمنى ان تنشق الأرض وتبتلعه ولا يكون في هذا الموقف الحقير
اغمض عثمان عينيه ثم قال بقهر وقد كسر ابنه ظهره بفعلته هذا، يرى تعبه وتربيته تتلاشى كالبخار أمام عينيه :
-خده يا حمزة يا خده
انفجرت ناهد في بكاء مرير وجسدها تهاوى أرضًا وقد بدأت تنتحب بشدة، بينما الآخر لم يفهم إلى أين سيأخذه، إذ وجد نفسه داخل السيارة وقد أغلق عليه حمزة الباب بعنف صاعدًا أمام عجلة القيادة ثم قادها على سرعة عالية مسببًا احتكاك ذو صوت مرتفع للإطارات وكأنها غاضبة أيضًا لغضب السائق
تنفس كريم برعب من السرعة ومن حالة حمزة الثائر، وعندما سأله إلى أين هما متوجهين ثار عليه خارسًا إياه، وبعد ما يقارب النصف ساعة توقف أمام مبنى أبيض اللون يشبه المشفى
قرأ كريم اللوحة المكتوبة بخط عربي كبير لتتسع عينيه برعب أشد واقوى وقد أصابته حالة هيسيريا من الهلع :
-لا يا حمزة لا بالله عليك بلاش ترموني هنا
ولم يستمع له الآخر رغم انشطار فؤاده على أخيه الصغير، ولكن هو من اختار ذلك الطريق ليتحمل النتائج إذًا
سحبه بعنف وصعوبة من داخل السيارة والآخر يقاوم ويصرخ وكأن أصابه الجنون :
-بالله يا حمزة بلاش مصحة عالجوني في البيت وانا موافق بلاش مصحات بلاش
وبسبب مقاومته الشديدة هذه جرح بأظافره كفيه فتركه سريعًا وقام بتكبيله بذراعيه بقوة، صارخًا في الموجدين بأن يحضروا ممرضين حتى يساعدوه، شعر كريم بالفزع والتعب لكثرة المقاومة خاصةً أن جسده خامل يحتاج لجرعة
وكل هذا أدى إلى سقوطه أرضًا من بين ذراعي حمزة على ركبتيه، فقام بضم قدميه يترجاه كطفل صغير يترجى والده ألا يتركه هنا بمفرده ويذهب :
-متسبنيش يا حمزة هموت والله لو قعدت هنا، انت متعرفش بيعملوا ايه في المصحات دي مقبرة محدش بيطلع منها
كان يهزي بشكل هستيري والدموع لطخت وجهه ليس وكأنه شاب في العشرين من عمره، ومع كلمة ينطق بها يشدد بذراعيه على قدمي حمزة ويأن من شدة الألم الذي يشعر به
سالت دموع حمزة على أخيه الصغير، يعلم مقدار الألم والخوف الذي يشعر به الآن ولكن إن تركه لن يتعالج، ليس كل من قال سيترك المخدرات ولن يعود إليها ينفذ بصدق، ما كانوا حينها ليطلقوا عليهم مدمنين، والمدمن هو من اعتاد شيئًا ولا يستطيع الإنسلاخ عنه
ابتلع لعابه كشفرات مسننة يرى اقتراب الممرضين حتى يأخذوا كريم فأشار إليهم بالتوقف ثم هبط على ركبتيه أمامه وعانقه بقوة وقد بادله الآخر العناق متمسكًا به ولازال يردد جملة ألا يتركه هنا والشهقات المرتفعة تشق صدره
ربت عليه بحنو شديد معاكسًا للنبرة القوية التي تحدث به :
-متخافش مش هسيبك ودي انضف مصحة في البلد علشان تتعالج كويس، انا مش هسيبك يا كريم وده وعد من أخ لاخوه، مش هسيبك غير لما تتعالج ولو هنبيع اللي ورانا واللي قدامنا في سبيل إنك ترجع لينا زي الأول
أشار بعينيه إلى الممرضين حتى يأتوا ويأخذونه بينما كريم وبعد حديثه هذا شعر بأيدي تسحبه وذراعي حمزة يفلتانه لهم، فصرخ بقوة وهيجان وهما يجرانه معهما رغمًا عنه وقد شعر أنه كالثور المسحوب نحو ناحِره
ظل حمزة ينظر له حتى اختفى من أنظاره وقد تجمدت الدموع داخل مقلتيه لا يصدق أن كريم الصغير ألطف من بالعائلة يفعل هذا، شعر بيد تربت عليه ثم صدح بها صوت هادئ رزين يطمئنه به :
-متخافش يا حمزة كريم هيتعالج ويرجع كويس، إسماعيل كان دفعتي ووصاني عليه
وأجابه الآخر بنبرة جامدة رغم الرجاء الذي ظهر في عينيه :
-مش عايز حد يعرف إني كريم في الصحة، يتعالج بسرية مش عايز غلطة عملها تدفعه مستقبله كله
وقضى أيامًا داخل جدران المصحة يشعر بتفتت عظامه، لا يعلم الليل من النهار، وقد صدق حمزة ولم يتركه، إذ كان يوميًا يجلس معه، يطعمه الطعام بنفسه، وكم عانى معه بسبب انفعالاته وتحمل ضربات وسبات وجروح حتى أنه كاد يخنقه في يوم من الأيام بسبب الهيجان الذي اجتاحه وهو كان أكثر من صبور معه
ربما كان يرى حمزة أكثر من أي شخص، لا يقول أن عائلته لم يكن لها دور، قد ساندوه كثيرًا ولم يتركوه ولكن حمزة أكثر من سانده وكان له عكاز يستند عليه ولا يشتكي حمله
انقضت هناك الأشهر ببطء مميت وكأنها قرون حتى أنه لم يحضر اختبارات الجامعة وضاع عام من حياته في سبيل أن يتعالج، وربما لو لم يكن حمزة يوميًا معه وذلك الطبيب يكون صديق لإسماعيل لمكث هناك إلى أرذل العمر، فليس كل المصحات تعالج بأمانة فأغلبهم يأخذون البشر هناك كتجارة يستفيدون من بقائها...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ولج إلى جهاز أمن الدولة بخطوات واسعة غاضبة وكأنه يود دك الأرض من أسفله وخلفه يهرول مساعده، وقد كانت خطواته تعلم إلى أين هى متجهة، إذ اقتحم إحدى غرف الاستجواب والتي تنقسم إلى نصفين
كل نصف عازل للسمع مطل على الآخر يفصل بينهما جدار زجاجي يظهر على ناحية بعضًا من الضباط الجالسين بإستماع لما يقال في الغرفة الأخرى من خلال الأجهزة، وقد أبصر بها رجلين جالسين تفصل بينهما طاولة مستطيلة الشكل وأحدهما سيد ذلك الشاب المشتبه به
وقف أحد الضباط متعجبًا وجوده فهو قد طالب بأجازة بعد إنهاء مهمته :
-بتعمل ايه هنا يا سفيان؟!
-صالح فين؟؟
هتف بها بنبرة قوية حادة فأجابه الآخر وهو يشير إلى الحائط المقابل له :
-في الأوضة اللي جنبنا بيستجوب المتهمة التانية
خرج سفيان ولم يهتم بإغلاق الباب بل اتجه إلى الغرفة التي أشار إليها، فاتحًا الباب على مصرعيه بعنف مسببًا الفزع لمن بالداخل، لم يلقي أي بال لهم بل أكمل طريقه للغرفة التي يستجوبوا بها هاجر وقد ابصرها مقيدة اليدين، معصوبة العين، يبدو الرعب والألم على ملامحها رغم عدم رؤيته لعيناها
ضُمرت النيران داخل صدره عندما استمع لصراخها والذي صدح فجأةً وقد رأى صالح كاد يتجه نحوها لولا دخوله المفاجئ عليه، اتجه نحوه كأسد طليق دافعًا إياه بعنف نحو الجدار، قابضًا على تلابيب ثيابه ثم هدر بغضب :
-تراضاها على اختك إنها تتعامل بالشكل ده زي الحيوانات المسعورة، مش هتبطل طريقتك الهمجية دي يا صالح
دلف بسرعة البعض من زملائه يفكون بينهما لينفض سفيان صالح من بين يديه ولا تزال نبرته مرتفعة غاضبة رغم أن ما سيقوله قد يضر مهنته ومكانته في الجهاز :
-دي مش متهمة أصلًا اسمها اتحط بالغلط والشاهدة اللي شافت السفاح في الجامعة اثبتت إني السفاح راجل مش ست
بدا الجميع متفاجئًا ليس فقط مما يقول بل من هجومه بغتًا على صالح، ودلوفه الغوغائي عكس شخصية سفيان التي لطالما كانت تميل للبرود، اتجه سفيان نحو هاجر التي كانت تحاول فهم ما يجري حولها وعصبة عينيها لا تساعدها على الرؤية
لامس كفيها حتى يفك وثاقها فانتفضت مكانها رغم عدم استطاعتها على الوقوف هاتفة بنبرة مرتعبة :
-لأ لأ معملتش حاجة والله ما قتلت حد كفاية بقى كفايــــة
سب سفيان صالح في سره ثم صاح بصوت مسموع وهو ينزع عنها العصبة السوداء المحيطة بعينيها لتظهر له حدقتيها البنية والتي انتشرت العروق الحمراء حولها، كما ظهر جفنيها متورمين لشدة البكاء :
-متخافيش محدش هيقرب منك
فك واثاقها بسرعة وساعدها على الوقوف فسقطت بقوة أرضًا مع أول خطوة له مطلقة صرخات قوية متألمة وهى تمسك ببطنها المسطح بينما سفيان تعلقت عينيه بالمقعد والذي ظهرت عليه الدماء مكان جلوسها وكأنها كانت تنزف...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close