رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل السابع والعشرين 27 بقلم ملك علي
27 =البارت السابع و العشرون أين بابا ؟
في الجانب الآخر , كان علي ينتظر بكل اهتمام مراقبا ما يحصل , فالأخبار تصله أولا بأول من مكان إقامة ملك في بيت الشاطئ ,
من اهتمام عبد الحفيظ بها الى زيارتها للمحامي , وصولا لذهابها الى مركز الشرطة , مستغربا الهدوء الذي تعيشه ,
هي حتى تبقى لساعات جالسة أمام البحر تحدق للسماء , و كأنها في ساعة صفاء أو في عطلة
هو في البداية اعتقد أنها ذهبت لتشتكي عليه و تتهمه مجددا , لكن الأشخاص الذين يراقبونها , قالوا أنها قضية سرقة دون تفاصيل أخرى ,
هو كان ينتظر أن تأتي اليه لتتفاوض معه , و تتوسله حتى يفرض شروطه ,
لكنه بدأ يفقد صبره تدريجيا , أمام عنادها و انكارها المتواصل .
" ما الذي تخططين له الآن أيتها المحتالة ؟ "
همس بينه و بين نفسه بغيظ , و هو يحاول التركيز على الأوراق أمامه دون جدوى ,
فتلك الملامح الطفولية المخادعة , قد سيطرت على تفكيره رغم ارادته
.
.
.
في المطار بقي عز الدين و سامي لوقت طويل , بعد الحجز على قائمة الانتظار , قبل الصعود الى الطائرة المتجهة الى إسطنبول ,
بسبب عدم وجود رحلة مباشرة الى دبي يومها , اختارا أن يستخدما تركيا كترانزيت للوصول الى هناك ,
صحيح أنهما سيأخذان ساعات أكثر لبلوغ وجهتهما , و لكن ستكون أفضل من انتظار رحلة الغد مساءا , هو لن يتحمل أكثر مما فعل
بوصوله الى مطار إسطنبول , اتصل عز الدين بعبد الحفيظ , و أعلمه أنه سيصل بعد ساعات ,
لم يفتح معه أية مواضيع , و لم يسأله عن أي شيء , كل ما كان يريده هو رؤية ابنته بعينيه و الاطمئنان عليها ,
لن يصدق ما يقوله الآخرون حتى لو أقسموا أمامه ,
و من جهته كان عبد الحفيظ لبقا جدا , و وعده باصطحابه لرؤيتها فور وصوله
فكر عبد الحفيظ مطولا بعد المكالمة , قبل أن يختار أن يعلم علي بقدوم صهره ,
هو يعلم كل التفاصيل منذ البداية , و حضر كل الانهيار الذي عانته ملك , و تخبطها بسبب عدم علم والديها بهذه العلاقة ,
بالنسبة له هما بالغين تزوجا و هما مسؤولين عن اختياراتهما , لكن سيكون من غير العادل أن يدعها تواجه الأمر وحدها مع والدها
حالتها النفسية مضطربة , و قد تصبح أسوء ان شعرت أنها وحدها من يتحمل هذا العبء ,
يجب أن يتحمل علي كرجل جزئه من المسؤولية , و يوفر الحماية و العزوة لملك و جنينها أمام والدها , هذا أقل ما يمكنه فعله
سيكون من الظلم أن تداس كرامتها بينهما , و لربما كان لقاء الرجلين فرصة لإيقاف الأكاذيب و الأسرار
, و من يدري قد يقبل والدها بالرجل الذي اختارته و ينتهي عذابهما ,
بعد تردد كبير حمل عبد الحفيظ هاتفه و اتصل بعلي , هذا الأخير لم يتعرف على الرقم لكنه أجاب
" ألو مساء الخير سيد علي , معك السيد عبد الحفيظ من السفارة الجزائرية "
" مساء الخير "
رد عليه بكل اقتضاب
لم يعرف علي لم يتصل به الرجل الآن , و في هذا الوقت المتأخر , معلومات المراقبة لم تذكر أية تطورات , لكن عبد الحفيظ سرعان ما تكلم
" في الحقيقة أردت أن أخبرك أن والد السيدة سيصل بعد ساعات , في الصباح الباكر قادما من تركيا
, اذا أردت بإمكاننا ترتيب لقاء معه "
لمعت عينا علي بحماس , فلم يتوقع أن يصل أحد من عائلتها بهذه السرعة , هو لا معلومة لديه عن حياتها الشخصية , لكن لا يمكنه الرفض الآن
واضح أن الرجل يصدق أن ملك زوجته , و الا ما كلف نفسه عناء الاتصال لإخباره , لذلك قرر أن يستغل الأمر لصالحه
" حسنا سيدي مرحبا به "
" هل يمكن أن أعرف عن مكان مناسب يمكنكما اللقاء فيه ؟ "
سأل الرجل مجددا
فكر علي قليلا و أجاب بهدوئه المعتاد
" أي مكان غير بيتي سيكون تقليلا من احترامه , لذلك أقترح أن تصحبه الى هنا صباح الغد "
كان علي يدرك أن لقاء والد ملك , في أي مكان آخر سيكون مجازفة كبرى ,
هو لا يعلم ما علاقته بما يجري , و لا مدى معرفته بحقيقة ابنته ,
و قد يخرج الأمر عن السيطرة , و تحصل مفاجآت غير متوقعة , فلم يجد أنسب من بيته فالأسرار تدفن هنا دون أثر
" في أية ساعة يصل ؟ "
" في الثامنة صباحا "
" حسنا أنا أنتظركم هنا "
صمت عبد الحفيظ قليلا ثم سأل
" و السيدة هل أعلمها ؟ "
و سارع علي للاعتراض
" لا داعي أنا سأخبرها بنفسي , و ستكون هنا في استقبال والدها "
بعد أن أعطاه عنوان بيته الشخصي أنهى علي المكالمة , و بدأ في التفكير في طريقة تجعله يستفيد من هذه الزيارة ,
من يدري ربما وصول والدها في هذا الوقت بالتحديد في صالحه.
كالليلة الفائتة جافى النوم جفون ملك , الى أن أشارت الساعة الى الرابعة فجرا , و لم تتمكن من الاغفاء الا بعد صلاة الفجر
في الصباح الباكر استيقظت على صوت هاتف البيت الذي تقيم فيه , وقفت أمامه لدقائق مترددة في الرد ,
فقد يكون اتصالا للسفارة و ليس عليها تلقيه
و لكنها تراجعت حينما تذكرت , أنها تركت رسالة برقم البيت لوالدها ,
أو ربما يكون السيد عبد الحفيظ أو المحامي لإعلامها بآخر التطورات ,
رن الهاتف مرة ثانية فأجابت ملك بسرعة هذه المرة
" ألو ؟ "
خاطبت المتصل بصوتها الناعم , و انتظرت أن تسمع صوت أحد والديها , لم تعلم أن مفاجأة غير سارة في طريقها اليها ,
في الطرف الآخر صمت الرجل قليلا , ثم انطلق صوته البارد
" اذا أردت ألا يعرف والدك بأسوء طريقة عما فعلته فتعالي الآن الى .."
و ذكر عنوانا في آخر الاتصال , ثم أغلق مباشرة دون منحها فرصة للاستيعاب أو طرح الأسئلة ,
جفلت ملك قليلا , و لم تفق الا مع صوت انقطاع الخط , لكنها لم تحتج أن تسأل من يكون المتصل , فهي تعرف هذه النبرة الباردة و المتسلطة ,
كيف لا و هي لا تسمع غيرها منذ أيام حتى في كوابيسها , لكن ما قاله شوش تفكيرها
" ما علاقة والدي بهذا المجنون ؟
كيف وصل اليه ؟ هل اتصل به أو هو هنا فعلا ؟ "
تبادر مائة سؤال الى ذهنها و لكنها لم تفهم شيئا , و المصيبة أنها اذا أرادت إجابات , يجب عليها أن تذهب حيث أمرها ذلك المعتوه المترصد
أرادت ملك أن تتصل به ثانية , لكنها لا تعرف رقمه , ألقت السماعة جانبا و حملت حقيبتها ,
و خرجت كالمجنونة ناحية الشارع باحثة عن تاكسي ,
كان علي يراهن على اخافتها بقدوم والدها , هو في الحقيقة لا يعلم أي نوع من الرجال هو ,
و لا طبيعة علاقته بابنته , أو حتى مدى معرفته بما يحصل هنا ,
لكنه سيحاول الاستفادة من الموضوع قدر الإمكان ,
ان كان رجلا سيئا مثل ابنته , فمواجهتهما و الضغط عليهما قد تؤدي الى استسلامهما , و سيحرص على أن يتعفنا في السجن لسنوات
أما اذا كان رجلا مستقيما , و لا فكرة لديه عن تصرفات ابنته , فسيكون من السهل ابتزازها بفضحها أمام والدها
كل هذا سيعرفه عند وصولها الى هنا , لذلك خطط أن تكون أمامه قبل وصول الضيوف بمدة كافية , لجس نبضها و حبك خططه ببراعة .
أعطت ملك السائق العنوان الذي ذكره علي على الهاتف فقد كان سهلا
" تلال الامارات مع رقم البيت "
في الطريق الى هناك , كانت شكوكها كثيرة و هواجسها أكثر ,
فقد تكون هذه خدعة أخرى من خدع المجنون , ليجبرها على الذهاب الى مكان , قد لا تعود منه ثانية
و لكن لا خيار آخر أمامها , هي تعرف أكثر من غيرها حقيقة هذا الرجل ,
و مقدرته على تعذيب الآخرين نفسيا , لن تسمح له بإهانة والدها كما أهانها
كما أنها لن تعطيه فرصة تشويه صورتها أمامه , كما شوهها أمام الآخرين ,
حتى لو كانت فرصة تواجد والدها هنا , لا تتعدى واحد بالألف هي لن تفوتها ,
لأنه الشخص الوحيد في هذا العالم الذي سيصدق ما تقوله , حتى لو وضعوا أمامه براهين الدنيا بأسرها , و بالتالي فهو أملها الوحيد للخروج من هنا ,
كانت ملك تدعو في قلبها , و مختلف المشاعر تلتهب داخل صدرها , قلق خوف غضب اشتياق و دموع على وشك الانهمار
بالدخول الى المنطقة لاحت لها مساحات خضراء شاسعة على مرمى البصر , بيوت فخمة متناثرة هنا و هناك , ملاعب قولف و تنس , مولات و متنزهات
كل مميزات الحياة المرفهة هنا , يبدو مكانا للأثرياء فقط , هي كانت تعتقد أن العنوان يقودها الى مكان مقفر , سيتم اختطافها فيه و لكنها تفاجأت بما رأته ,
رغم ذلك لم تهدأ أعصابها , بل زاد توترها بعدما توقف التاكسي أمام مدخل البيت الذي أعطته عنوانه ,
حاسبت ملك السائق و نزلت بسرعة , وقفت أمام البوابة الحديدية العملاقة , لا يزال الوقت مبكرا بالكاد تجاوزت الساعة السابعة صباحا
كانت السماء مغطاة بالسحب , و كان هناك بعض زخات المطر , التي تتساقط من حين الى آخر ,
مع نسمة باردة توقظ كل حواسها ,
وقفت ملك تحدق الى البيت في الداخل بتوتر , كانت فيلا كبيرة جدا من طابقين بلون أبيض و ذهبي فخم ,
مع الكثير من النوافذ الزجاجية المظللة في كل جانب
فناء كبير تتوسطه نافورة من الرخام , مع بركة يتدفق فيها الماء محدثا خريرا ناعما , تحط حمامات على جانبيها لالتقاط قطرات الماء
طريق معبدة الى باب المنزل , مع أعمدة انارة على الجانبين ,
و الباقي أحواض من الزهور المتنوعة , و التي تعبق الأجواء برائحتها الزكية ,
رغم أن المنظر يسر الناظرين , الا أن ملك لم يشغل بالها الا أمر واحد
" أين ذلك الرجل و ما علاقته بوالدها ؟ " .
فيما هي غارقة في تفكيرها فتحت البوابة الكترونيا , ترددت ملك لبضع ثوان , قبل أن تأخذ نفسا عميقا و تخطو نحو الداخل بتأن
و انتابها فجأة شعور سيء أن دخولها اليوم الى هنا سيغير مصيرها , و لن تعود بعدها الى حياتها الهادئة , لكنها لا يمكنها الا الاستمرار ,
دخلت ملك بحرص و بخطوات متأنية , مستغربة من وحشة المكان و كأنه خال من أي انسان ,
بوصولها أمام الباب دقت الجرس بتردد و بيد مرتجفة , بعد خمس دقائق فتحت لها امرأة ستينية ,
ببشرة سمراء و وجه تملؤه التجاعيد ,
كانت سيدة متوسطة الطول , ممتلئة الجسم لديها هيبة غريبة , بشعرها الأسود الذي تتخلله خصل بيضاء و ملابسها القيمة ,
كانت تضع وشاحا شفافا على رأسها و ترتدي عباءة , لا يبدو بأنها خادمة بسيطة ,
شعرت ملك ببعض الراحة , على الأقل هناك امرأة غيرها هنا , لن تكون وحدها مع ذلك الرجل ,
فيم هي مستغرقة في تهدئة نفسها , تفحصتها المرأة بتمعن من رأسها الى قدميها ثم قاطعتها
بصوت هادئ
" تفضلي "
دخلت ملك بتردد و نظراتها تجول المكان بترقب شديد , أغلقت المرأة الباب و اقتادتها الى البهو ثم الى صالون فسيح ,
الديكور داخل المنزل لا يقل فخامة عن خارجه , بأرضية رخامية لامعة و الكثير من التحف و الأثاث الفخم ,
مع درج كبير يتوسط الصالون يقود الى الطابق الثاني , لكن البيت يبدو فعلا مهجورا لا أثر لأحد هنا
بادراك الوضع تجدد خوف ملك , فرغم وجود هذه المرأة معهما , الا أن هذا الرجل متهور مما رأته منه , و لن يردعه أحد عن ايذائها اذا أراد ,
لكن ان كان والدها فعلا هنا فالأمر يستحق المجازفة ,
توقفت المرأة أمام باب جانبي , و دقت عليه مرتين برفق دون أن تقول كلمة واحدة
" أدخل "
سمعت ملك الصوت الذي يرعبها من الداخل , و لم تتمكن من السيطرة على خوفها , ارتجفت كل أوصالها و انقبض قلبها
فتحت المرأة الباب و دون أن تخطو خطوة واحدة نحو الداخل , أعلنت عن قدوم الضيفة المنتظرة بكل احترام
" سيدي السيدة هنا "
قالتها بصوت هادئ و بعدها انسحبت مباشرة , تاركة ملك تقف مكانها .
ألقت ملك نظرة سريعة على المكان الذي ستدخله بتوجس
كانت غرفة فسيحة يتوسطها مكتب كبير نصف دائري , مع كرسي جلدي وثير خلفه , فوقه قرطاسية من الجلد و كمبيوتر ,
الحائط على الجهتين يحوي مكتبة هائلة مع الكثير من الكتب , أريكتين متقابلتين أمام المكتب ,
مع شاشة كبيرة معلقة على الحائط , و الكثير من التحف و اللوحات الفنية
" لم يبدو بأن هذا الرجل يحب العيش داخل متحف كأنه تمثال شمعي ؟ "
كان أول شيء تبادر الى ذهن ملك
كل شيء كان مبهرا هنا , الأمر الوحيد السيء رائحة عطر ذلك الرجل التي تملأ المكان ,
لا يمكن لملك أن تنسى هذه الرائحة , رغم أنها عطر رجالي فخم برائحة العود , الا أنها كلما وصلت الى أنفها تذكرت كل ما مر بها حتى الآن ,
هي تتذكر جيدا ذلك اليوم في المستشفى , كانت الرائحة ملتصقة بثيابها و جسمها , و كأن هذا الرجل احتضنها ,
كانت ملك تشعر بالغثيان بالتفكير في الأمر , دون أن تعلم حقيقة أن علي من نقلها بين ذراعيه الى المستشفى ,
كان علي يقف أمام الشرفة المطلة على الحديقة معطيا ظهره لملك , واضح أنه كان يتابع حركاتها منذ لحظة وصولها الى هنا ,
رغم أن الوقت لا يزال مبكرا , الا أنه يقف هناك بكل أناقته ,
و كأن هذا الرجل لا ينام مثل باقي البشر , أو ربما هو مجرد انسان آلي دون قلب من يدري ؟
سألت ملك نفسها ,
أخذت بعدها نفسا عميقا , استجمعت سريعا شجاعتها و خطت الى الداخل خطوتين صغيرتين
استمر علي في الوقوف مكانه دون حراك , و كأنه يتجاهلها مما زاد انزعاجها ,
أمام صمته المستفز , قررت أن تتكلم أولا فقد فقدت صبرها بالفعل , و أعصابها لم تعد تتحمل برود هذا الصخرة
" أين بابا ؟ "
في الجانب الآخر , كان علي ينتظر بكل اهتمام مراقبا ما يحصل , فالأخبار تصله أولا بأول من مكان إقامة ملك في بيت الشاطئ ,
من اهتمام عبد الحفيظ بها الى زيارتها للمحامي , وصولا لذهابها الى مركز الشرطة , مستغربا الهدوء الذي تعيشه ,
هي حتى تبقى لساعات جالسة أمام البحر تحدق للسماء , و كأنها في ساعة صفاء أو في عطلة
هو في البداية اعتقد أنها ذهبت لتشتكي عليه و تتهمه مجددا , لكن الأشخاص الذين يراقبونها , قالوا أنها قضية سرقة دون تفاصيل أخرى ,
هو كان ينتظر أن تأتي اليه لتتفاوض معه , و تتوسله حتى يفرض شروطه ,
لكنه بدأ يفقد صبره تدريجيا , أمام عنادها و انكارها المتواصل .
" ما الذي تخططين له الآن أيتها المحتالة ؟ "
همس بينه و بين نفسه بغيظ , و هو يحاول التركيز على الأوراق أمامه دون جدوى ,
فتلك الملامح الطفولية المخادعة , قد سيطرت على تفكيره رغم ارادته
.
.
.
في المطار بقي عز الدين و سامي لوقت طويل , بعد الحجز على قائمة الانتظار , قبل الصعود الى الطائرة المتجهة الى إسطنبول ,
بسبب عدم وجود رحلة مباشرة الى دبي يومها , اختارا أن يستخدما تركيا كترانزيت للوصول الى هناك ,
صحيح أنهما سيأخذان ساعات أكثر لبلوغ وجهتهما , و لكن ستكون أفضل من انتظار رحلة الغد مساءا , هو لن يتحمل أكثر مما فعل
بوصوله الى مطار إسطنبول , اتصل عز الدين بعبد الحفيظ , و أعلمه أنه سيصل بعد ساعات ,
لم يفتح معه أية مواضيع , و لم يسأله عن أي شيء , كل ما كان يريده هو رؤية ابنته بعينيه و الاطمئنان عليها ,
لن يصدق ما يقوله الآخرون حتى لو أقسموا أمامه ,
و من جهته كان عبد الحفيظ لبقا جدا , و وعده باصطحابه لرؤيتها فور وصوله
فكر عبد الحفيظ مطولا بعد المكالمة , قبل أن يختار أن يعلم علي بقدوم صهره ,
هو يعلم كل التفاصيل منذ البداية , و حضر كل الانهيار الذي عانته ملك , و تخبطها بسبب عدم علم والديها بهذه العلاقة ,
بالنسبة له هما بالغين تزوجا و هما مسؤولين عن اختياراتهما , لكن سيكون من غير العادل أن يدعها تواجه الأمر وحدها مع والدها
حالتها النفسية مضطربة , و قد تصبح أسوء ان شعرت أنها وحدها من يتحمل هذا العبء ,
يجب أن يتحمل علي كرجل جزئه من المسؤولية , و يوفر الحماية و العزوة لملك و جنينها أمام والدها , هذا أقل ما يمكنه فعله
سيكون من الظلم أن تداس كرامتها بينهما , و لربما كان لقاء الرجلين فرصة لإيقاف الأكاذيب و الأسرار
, و من يدري قد يقبل والدها بالرجل الذي اختارته و ينتهي عذابهما ,
بعد تردد كبير حمل عبد الحفيظ هاتفه و اتصل بعلي , هذا الأخير لم يتعرف على الرقم لكنه أجاب
" ألو مساء الخير سيد علي , معك السيد عبد الحفيظ من السفارة الجزائرية "
" مساء الخير "
رد عليه بكل اقتضاب
لم يعرف علي لم يتصل به الرجل الآن , و في هذا الوقت المتأخر , معلومات المراقبة لم تذكر أية تطورات , لكن عبد الحفيظ سرعان ما تكلم
" في الحقيقة أردت أن أخبرك أن والد السيدة سيصل بعد ساعات , في الصباح الباكر قادما من تركيا
, اذا أردت بإمكاننا ترتيب لقاء معه "
لمعت عينا علي بحماس , فلم يتوقع أن يصل أحد من عائلتها بهذه السرعة , هو لا معلومة لديه عن حياتها الشخصية , لكن لا يمكنه الرفض الآن
واضح أن الرجل يصدق أن ملك زوجته , و الا ما كلف نفسه عناء الاتصال لإخباره , لذلك قرر أن يستغل الأمر لصالحه
" حسنا سيدي مرحبا به "
" هل يمكن أن أعرف عن مكان مناسب يمكنكما اللقاء فيه ؟ "
سأل الرجل مجددا
فكر علي قليلا و أجاب بهدوئه المعتاد
" أي مكان غير بيتي سيكون تقليلا من احترامه , لذلك أقترح أن تصحبه الى هنا صباح الغد "
كان علي يدرك أن لقاء والد ملك , في أي مكان آخر سيكون مجازفة كبرى ,
هو لا يعلم ما علاقته بما يجري , و لا مدى معرفته بحقيقة ابنته ,
و قد يخرج الأمر عن السيطرة , و تحصل مفاجآت غير متوقعة , فلم يجد أنسب من بيته فالأسرار تدفن هنا دون أثر
" في أية ساعة يصل ؟ "
" في الثامنة صباحا "
" حسنا أنا أنتظركم هنا "
صمت عبد الحفيظ قليلا ثم سأل
" و السيدة هل أعلمها ؟ "
و سارع علي للاعتراض
" لا داعي أنا سأخبرها بنفسي , و ستكون هنا في استقبال والدها "
بعد أن أعطاه عنوان بيته الشخصي أنهى علي المكالمة , و بدأ في التفكير في طريقة تجعله يستفيد من هذه الزيارة ,
من يدري ربما وصول والدها في هذا الوقت بالتحديد في صالحه.
كالليلة الفائتة جافى النوم جفون ملك , الى أن أشارت الساعة الى الرابعة فجرا , و لم تتمكن من الاغفاء الا بعد صلاة الفجر
في الصباح الباكر استيقظت على صوت هاتف البيت الذي تقيم فيه , وقفت أمامه لدقائق مترددة في الرد ,
فقد يكون اتصالا للسفارة و ليس عليها تلقيه
و لكنها تراجعت حينما تذكرت , أنها تركت رسالة برقم البيت لوالدها ,
أو ربما يكون السيد عبد الحفيظ أو المحامي لإعلامها بآخر التطورات ,
رن الهاتف مرة ثانية فأجابت ملك بسرعة هذه المرة
" ألو ؟ "
خاطبت المتصل بصوتها الناعم , و انتظرت أن تسمع صوت أحد والديها , لم تعلم أن مفاجأة غير سارة في طريقها اليها ,
في الطرف الآخر صمت الرجل قليلا , ثم انطلق صوته البارد
" اذا أردت ألا يعرف والدك بأسوء طريقة عما فعلته فتعالي الآن الى .."
و ذكر عنوانا في آخر الاتصال , ثم أغلق مباشرة دون منحها فرصة للاستيعاب أو طرح الأسئلة ,
جفلت ملك قليلا , و لم تفق الا مع صوت انقطاع الخط , لكنها لم تحتج أن تسأل من يكون المتصل , فهي تعرف هذه النبرة الباردة و المتسلطة ,
كيف لا و هي لا تسمع غيرها منذ أيام حتى في كوابيسها , لكن ما قاله شوش تفكيرها
" ما علاقة والدي بهذا المجنون ؟
كيف وصل اليه ؟ هل اتصل به أو هو هنا فعلا ؟ "
تبادر مائة سؤال الى ذهنها و لكنها لم تفهم شيئا , و المصيبة أنها اذا أرادت إجابات , يجب عليها أن تذهب حيث أمرها ذلك المعتوه المترصد
أرادت ملك أن تتصل به ثانية , لكنها لا تعرف رقمه , ألقت السماعة جانبا و حملت حقيبتها ,
و خرجت كالمجنونة ناحية الشارع باحثة عن تاكسي ,
كان علي يراهن على اخافتها بقدوم والدها , هو في الحقيقة لا يعلم أي نوع من الرجال هو ,
و لا طبيعة علاقته بابنته , أو حتى مدى معرفته بما يحصل هنا ,
لكنه سيحاول الاستفادة من الموضوع قدر الإمكان ,
ان كان رجلا سيئا مثل ابنته , فمواجهتهما و الضغط عليهما قد تؤدي الى استسلامهما , و سيحرص على أن يتعفنا في السجن لسنوات
أما اذا كان رجلا مستقيما , و لا فكرة لديه عن تصرفات ابنته , فسيكون من السهل ابتزازها بفضحها أمام والدها
كل هذا سيعرفه عند وصولها الى هنا , لذلك خطط أن تكون أمامه قبل وصول الضيوف بمدة كافية , لجس نبضها و حبك خططه ببراعة .
أعطت ملك السائق العنوان الذي ذكره علي على الهاتف فقد كان سهلا
" تلال الامارات مع رقم البيت "
في الطريق الى هناك , كانت شكوكها كثيرة و هواجسها أكثر ,
فقد تكون هذه خدعة أخرى من خدع المجنون , ليجبرها على الذهاب الى مكان , قد لا تعود منه ثانية
و لكن لا خيار آخر أمامها , هي تعرف أكثر من غيرها حقيقة هذا الرجل ,
و مقدرته على تعذيب الآخرين نفسيا , لن تسمح له بإهانة والدها كما أهانها
كما أنها لن تعطيه فرصة تشويه صورتها أمامه , كما شوهها أمام الآخرين ,
حتى لو كانت فرصة تواجد والدها هنا , لا تتعدى واحد بالألف هي لن تفوتها ,
لأنه الشخص الوحيد في هذا العالم الذي سيصدق ما تقوله , حتى لو وضعوا أمامه براهين الدنيا بأسرها , و بالتالي فهو أملها الوحيد للخروج من هنا ,
كانت ملك تدعو في قلبها , و مختلف المشاعر تلتهب داخل صدرها , قلق خوف غضب اشتياق و دموع على وشك الانهمار
بالدخول الى المنطقة لاحت لها مساحات خضراء شاسعة على مرمى البصر , بيوت فخمة متناثرة هنا و هناك , ملاعب قولف و تنس , مولات و متنزهات
كل مميزات الحياة المرفهة هنا , يبدو مكانا للأثرياء فقط , هي كانت تعتقد أن العنوان يقودها الى مكان مقفر , سيتم اختطافها فيه و لكنها تفاجأت بما رأته ,
رغم ذلك لم تهدأ أعصابها , بل زاد توترها بعدما توقف التاكسي أمام مدخل البيت الذي أعطته عنوانه ,
حاسبت ملك السائق و نزلت بسرعة , وقفت أمام البوابة الحديدية العملاقة , لا يزال الوقت مبكرا بالكاد تجاوزت الساعة السابعة صباحا
كانت السماء مغطاة بالسحب , و كان هناك بعض زخات المطر , التي تتساقط من حين الى آخر ,
مع نسمة باردة توقظ كل حواسها ,
وقفت ملك تحدق الى البيت في الداخل بتوتر , كانت فيلا كبيرة جدا من طابقين بلون أبيض و ذهبي فخم ,
مع الكثير من النوافذ الزجاجية المظللة في كل جانب
فناء كبير تتوسطه نافورة من الرخام , مع بركة يتدفق فيها الماء محدثا خريرا ناعما , تحط حمامات على جانبيها لالتقاط قطرات الماء
طريق معبدة الى باب المنزل , مع أعمدة انارة على الجانبين ,
و الباقي أحواض من الزهور المتنوعة , و التي تعبق الأجواء برائحتها الزكية ,
رغم أن المنظر يسر الناظرين , الا أن ملك لم يشغل بالها الا أمر واحد
" أين ذلك الرجل و ما علاقته بوالدها ؟ " .
فيما هي غارقة في تفكيرها فتحت البوابة الكترونيا , ترددت ملك لبضع ثوان , قبل أن تأخذ نفسا عميقا و تخطو نحو الداخل بتأن
و انتابها فجأة شعور سيء أن دخولها اليوم الى هنا سيغير مصيرها , و لن تعود بعدها الى حياتها الهادئة , لكنها لا يمكنها الا الاستمرار ,
دخلت ملك بحرص و بخطوات متأنية , مستغربة من وحشة المكان و كأنه خال من أي انسان ,
بوصولها أمام الباب دقت الجرس بتردد و بيد مرتجفة , بعد خمس دقائق فتحت لها امرأة ستينية ,
ببشرة سمراء و وجه تملؤه التجاعيد ,
كانت سيدة متوسطة الطول , ممتلئة الجسم لديها هيبة غريبة , بشعرها الأسود الذي تتخلله خصل بيضاء و ملابسها القيمة ,
كانت تضع وشاحا شفافا على رأسها و ترتدي عباءة , لا يبدو بأنها خادمة بسيطة ,
شعرت ملك ببعض الراحة , على الأقل هناك امرأة غيرها هنا , لن تكون وحدها مع ذلك الرجل ,
فيم هي مستغرقة في تهدئة نفسها , تفحصتها المرأة بتمعن من رأسها الى قدميها ثم قاطعتها
بصوت هادئ
" تفضلي "
دخلت ملك بتردد و نظراتها تجول المكان بترقب شديد , أغلقت المرأة الباب و اقتادتها الى البهو ثم الى صالون فسيح ,
الديكور داخل المنزل لا يقل فخامة عن خارجه , بأرضية رخامية لامعة و الكثير من التحف و الأثاث الفخم ,
مع درج كبير يتوسط الصالون يقود الى الطابق الثاني , لكن البيت يبدو فعلا مهجورا لا أثر لأحد هنا
بادراك الوضع تجدد خوف ملك , فرغم وجود هذه المرأة معهما , الا أن هذا الرجل متهور مما رأته منه , و لن يردعه أحد عن ايذائها اذا أراد ,
لكن ان كان والدها فعلا هنا فالأمر يستحق المجازفة ,
توقفت المرأة أمام باب جانبي , و دقت عليه مرتين برفق دون أن تقول كلمة واحدة
" أدخل "
سمعت ملك الصوت الذي يرعبها من الداخل , و لم تتمكن من السيطرة على خوفها , ارتجفت كل أوصالها و انقبض قلبها
فتحت المرأة الباب و دون أن تخطو خطوة واحدة نحو الداخل , أعلنت عن قدوم الضيفة المنتظرة بكل احترام
" سيدي السيدة هنا "
قالتها بصوت هادئ و بعدها انسحبت مباشرة , تاركة ملك تقف مكانها .
ألقت ملك نظرة سريعة على المكان الذي ستدخله بتوجس
كانت غرفة فسيحة يتوسطها مكتب كبير نصف دائري , مع كرسي جلدي وثير خلفه , فوقه قرطاسية من الجلد و كمبيوتر ,
الحائط على الجهتين يحوي مكتبة هائلة مع الكثير من الكتب , أريكتين متقابلتين أمام المكتب ,
مع شاشة كبيرة معلقة على الحائط , و الكثير من التحف و اللوحات الفنية
" لم يبدو بأن هذا الرجل يحب العيش داخل متحف كأنه تمثال شمعي ؟ "
كان أول شيء تبادر الى ذهن ملك
كل شيء كان مبهرا هنا , الأمر الوحيد السيء رائحة عطر ذلك الرجل التي تملأ المكان ,
لا يمكن لملك أن تنسى هذه الرائحة , رغم أنها عطر رجالي فخم برائحة العود , الا أنها كلما وصلت الى أنفها تذكرت كل ما مر بها حتى الآن ,
هي تتذكر جيدا ذلك اليوم في المستشفى , كانت الرائحة ملتصقة بثيابها و جسمها , و كأن هذا الرجل احتضنها ,
كانت ملك تشعر بالغثيان بالتفكير في الأمر , دون أن تعلم حقيقة أن علي من نقلها بين ذراعيه الى المستشفى ,
كان علي يقف أمام الشرفة المطلة على الحديقة معطيا ظهره لملك , واضح أنه كان يتابع حركاتها منذ لحظة وصولها الى هنا ,
رغم أن الوقت لا يزال مبكرا , الا أنه يقف هناك بكل أناقته ,
و كأن هذا الرجل لا ينام مثل باقي البشر , أو ربما هو مجرد انسان آلي دون قلب من يدري ؟
سألت ملك نفسها ,
أخذت بعدها نفسا عميقا , استجمعت سريعا شجاعتها و خطت الى الداخل خطوتين صغيرتين
استمر علي في الوقوف مكانه دون حراك , و كأنه يتجاهلها مما زاد انزعاجها ,
أمام صمته المستفز , قررت أن تتكلم أولا فقد فقدت صبرها بالفعل , و أعصابها لم تعد تتحمل برود هذا الصخرة
" أين بابا ؟ "
