اخر الروايات

رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل السابع والعشرين 27 بقلم ملك علي

رواية اسيرة الثلاثمائة يوم الفصل السابع والعشرين 27 بقلم ملك علي

27 =البارت السابع و العشرون أين بابا ؟
في الجانب الآخر , كان علي ينتظر بكل اهتمام مراقبا ما يحصل , فالأخبار تصله أولا بأول من مكان إقامة ملك في بيت الشاطئ ,
من اهتمام عبد الحفيظ بها الى زيارتها للمحامي , وصولا لذهابها الى مركز الشرطة , مستغربا الهدوء الذي تعيشه ,
هي حتى تبقى لساعات جالسة أمام البحر تحدق للسماء , و كأنها في ساعة صفاء أو في عطلة
هو في البداية اعتقد أنها ذهبت لتشتكي عليه و تتهمه مجددا , لكن الأشخاص الذين يراقبونها , قالوا أنها قضية سرقة دون تفاصيل أخرى ,
هو كان ينتظر أن تأتي اليه لتتفاوض معه , و تتوسله حتى يفرض شروطه ,
لكنه بدأ يفقد صبره تدريجيا , أمام عنادها و انكارها المتواصل .
" ما الذي تخططين له الآن أيتها المحتالة ؟ "

همس بينه و بين نفسه بغيظ , و هو يحاول التركيز على الأوراق أمامه دون جدوى ,
فتلك الملامح الطفولية المخادعة , قد سيطرت على تفكيره رغم ارادته
.
.
.

في المطار بقي عز الدين و سامي لوقت طويل , بعد الحجز على قائمة الانتظار , قبل الصعود الى الطائرة المتجهة الى إسطنبول ,
بسبب عدم وجود رحلة مباشرة الى دبي يومها , اختارا أن يستخدما تركيا كترانزيت للوصول الى هناك ,
صحيح أنهما سيأخذان ساعات أكثر لبلوغ وجهتهما , و لكن ستكون أفضل من انتظار رحلة الغد مساءا , هو لن يتحمل أكثر مما فعل

بوصوله الى مطار إسطنبول , اتصل عز الدين بعبد الحفيظ , و أعلمه أنه سيصل بعد ساعات ,

لم يفتح معه أية مواضيع , و لم يسأله عن أي شيء , كل ما كان يريده هو رؤية ابنته بعينيه و الاطمئنان عليها ,
لن يصدق ما يقوله الآخرون حتى لو أقسموا أمامه ,


و من جهته كان عبد الحفيظ لبقا جدا , و وعده باصطحابه لرؤيتها فور وصوله

فكر عبد الحفيظ مطولا بعد المكالمة , قبل أن يختار أن يعلم علي بقدوم صهره ,

هو يعلم كل التفاصيل منذ البداية , و حضر كل الانهيار الذي عانته ملك , و تخبطها بسبب عدم علم والديها بهذه العلاقة ,

بالنسبة له هما بالغين تزوجا و هما مسؤولين عن اختياراتهما , لكن سيكون من غير العادل أن يدعها تواجه الأمر وحدها مع والدها


حالتها النفسية مضطربة , و قد تصبح أسوء ان شعرت أنها وحدها من يتحمل هذا العبء ,

يجب أن يتحمل علي كرجل جزئه من المسؤولية , و يوفر الحماية و العزوة لملك و جنينها أمام والدها , هذا أقل ما يمكنه فعله


سيكون من الظلم أن تداس كرامتها بينهما , و لربما كان لقاء الرجلين فرصة لإيقاف الأكاذيب و الأسرار
, و من يدري قد يقبل والدها بالرجل الذي اختارته و ينتهي عذابهما ,

بعد تردد كبير حمل عبد الحفيظ هاتفه و اتصل بعلي , هذا الأخير لم يتعرف على الرقم لكنه أجاب

" ألو مساء الخير سيد علي , معك السيد عبد الحفيظ من السفارة الجزائرية "


" مساء الخير "
رد عليه بكل اقتضاب


لم يعرف علي لم يتصل به الرجل الآن , و في هذا الوقت المتأخر , معلومات المراقبة لم تذكر أية تطورات , لكن عبد الحفيظ سرعان ما تكلم

" في الحقيقة أردت أن أخبرك أن والد السيدة سيصل بعد ساعات , في الصباح الباكر قادما من تركيا
, اذا أردت بإمكاننا ترتيب لقاء معه "

لمعت عينا علي بحماس , فلم يتوقع أن يصل أحد من عائلتها بهذه السرعة , هو لا معلومة لديه عن حياتها الشخصية , لكن لا يمكنه الرفض الآن

واضح أن الرجل يصدق أن ملك زوجته , و الا ما كلف نفسه عناء الاتصال لإخباره , لذلك قرر أن يستغل الأمر لصالحه

" حسنا سيدي مرحبا به "

" هل يمكن أن أعرف عن مكان مناسب يمكنكما اللقاء فيه ؟ "

سأل الرجل مجددا

فكر علي قليلا و أجاب بهدوئه المعتاد

" أي مكان غير بيتي سيكون تقليلا من احترامه , لذلك أقترح أن تصحبه الى هنا صباح الغد "

كان علي يدرك أن لقاء والد ملك , في أي مكان آخر سيكون مجازفة كبرى ,
هو لا يعلم ما علاقته بما يجري , و لا مدى معرفته بحقيقة ابنته ,

و قد يخرج الأمر عن السيطرة , و تحصل مفاجآت غير متوقعة , فلم يجد أنسب من بيته فالأسرار تدفن هنا دون أثر


" في أية ساعة يصل ؟ "

" في الثامنة صباحا "

" حسنا أنا أنتظركم هنا "


صمت عبد الحفيظ قليلا ثم سأل

" و السيدة هل أعلمها ؟ "

و سارع علي للاعتراض

" لا داعي أنا سأخبرها بنفسي , و ستكون هنا في استقبال والدها "


بعد أن أعطاه عنوان بيته الشخصي أنهى علي المكالمة , و بدأ في التفكير في طريقة تجعله يستفيد من هذه الزيارة ,
من يدري ربما وصول والدها في هذا الوقت بالتحديد في صالحه.


كالليلة الفائتة جافى النوم جفون ملك , الى أن أشارت الساعة الى الرابعة فجرا , و لم تتمكن من الاغفاء الا بعد صلاة الفجر


في الصباح الباكر استيقظت على صوت هاتف البيت الذي تقيم فيه , وقفت أمامه لدقائق مترددة في الرد ,
فقد يكون اتصالا للسفارة و ليس عليها تلقيه


و لكنها تراجعت حينما تذكرت , أنها تركت رسالة برقم البيت لوالدها ,
أو ربما يكون السيد عبد الحفيظ أو المحامي لإعلامها بآخر التطورات ,


رن الهاتف مرة ثانية فأجابت ملك بسرعة هذه المرة

" ألو ؟ "

خاطبت المتصل بصوتها الناعم , و انتظرت أن تسمع صوت أحد والديها , لم تعلم أن مفاجأة غير سارة في طريقها اليها ,


في الطرف الآخر صمت الرجل قليلا , ثم انطلق صوته البارد

" اذا أردت ألا يعرف والدك بأسوء طريقة عما فعلته فتعالي الآن الى .."

و ذكر عنوانا في آخر الاتصال , ثم أغلق مباشرة دون منحها فرصة للاستيعاب أو طرح الأسئلة ,

جفلت ملك قليلا , و لم تفق الا مع صوت انقطاع الخط , لكنها لم تحتج أن تسأل من يكون المتصل , فهي تعرف هذه النبرة الباردة و المتسلطة ,

كيف لا و هي لا تسمع غيرها منذ أيام حتى في كوابيسها , لكن ما قاله شوش تفكيرها

" ما علاقة والدي بهذا المجنون ؟
كيف وصل اليه ؟ هل اتصل به أو هو هنا فعلا ؟ "


تبادر مائة سؤال الى ذهنها و لكنها لم تفهم شيئا , و المصيبة أنها اذا أرادت إجابات , يجب عليها أن تذهب حيث أمرها ذلك المعتوه المترصد


أرادت ملك أن تتصل به ثانية , لكنها لا تعرف رقمه , ألقت السماعة جانبا و حملت حقيبتها ,
و خرجت كالمجنونة ناحية الشارع باحثة عن تاكسي ,



كان علي يراهن على اخافتها بقدوم والدها , هو في الحقيقة لا يعلم أي نوع من الرجال هو ,
و لا طبيعة علاقته بابنته , أو حتى مدى معرفته بما يحصل هنا ,


لكنه سيحاول الاستفادة من الموضوع قدر الإمكان ,

ان كان رجلا سيئا مثل ابنته , فمواجهتهما و الضغط عليهما قد تؤدي الى استسلامهما , و سيحرص على أن يتعفنا في السجن لسنوات


أما اذا كان رجلا مستقيما , و لا فكرة لديه عن تصرفات ابنته , فسيكون من السهل ابتزازها بفضحها أمام والدها

كل هذا سيعرفه عند وصولها الى هنا , لذلك خطط أن تكون أمامه قبل وصول الضيوف بمدة كافية , لجس نبضها و حبك خططه ببراعة .


أعطت ملك السائق العنوان الذي ذكره علي على الهاتف فقد كان سهلا

" تلال الامارات مع رقم البيت "

في الطريق الى هناك , كانت شكوكها كثيرة و هواجسها أكثر ,

فقد تكون هذه خدعة أخرى من خدع المجنون , ليجبرها على الذهاب الى مكان , قد لا تعود منه ثانية


و لكن لا خيار آخر أمامها , هي تعرف أكثر من غيرها حقيقة هذا الرجل ,
و مقدرته على تعذيب الآخرين نفسيا , لن تسمح له بإهانة والدها كما أهانها


كما أنها لن تعطيه فرصة تشويه صورتها أمامه , كما شوهها أمام الآخرين ,
حتى لو كانت فرصة تواجد والدها هنا , لا تتعدى واحد بالألف هي لن تفوتها ,


لأنه الشخص الوحيد في هذا العالم الذي سيصدق ما تقوله , حتى لو وضعوا أمامه براهين الدنيا بأسرها , و بالتالي فهو أملها الوحيد للخروج من هنا ,



كانت ملك تدعو في قلبها , و مختلف المشاعر تلتهب داخل صدرها , قلق خوف غضب اشتياق و دموع على وشك الانهمار



بالدخول الى المنطقة لاحت لها مساحات خضراء شاسعة على مرمى البصر , بيوت فخمة متناثرة هنا و هناك , ملاعب قولف و تنس , مولات و متنزهات

كل مميزات الحياة المرفهة هنا , يبدو مكانا للأثرياء فقط , هي كانت تعتقد أن العنوان يقودها الى مكان مقفر , سيتم اختطافها فيه و لكنها تفاجأت بما رأته ,



رغم ذلك لم تهدأ أعصابها , بل زاد توترها بعدما توقف التاكسي أمام مدخل البيت الذي أعطته عنوانه ,



حاسبت ملك السائق و نزلت بسرعة , وقفت أمام البوابة الحديدية العملاقة , لا يزال الوقت مبكرا بالكاد تجاوزت الساعة السابعة صباحا


كانت السماء مغطاة بالسحب , و كان هناك بعض زخات المطر , التي تتساقط من حين الى آخر ,
مع نسمة باردة توقظ كل حواسها ,


وقفت ملك تحدق الى البيت في الداخل بتوتر , كانت فيلا كبيرة جدا من طابقين بلون أبيض و ذهبي فخم ,
مع الكثير من النوافذ الزجاجية المظللة في كل جانب


فناء كبير تتوسطه نافورة من الرخام , مع بركة يتدفق فيها الماء محدثا خريرا ناعما , تحط حمامات على جانبيها لالتقاط قطرات الماء


طريق معبدة الى باب المنزل , مع أعمدة انارة على الجانبين ,

و الباقي أحواض من الزهور المتنوعة , و التي تعبق الأجواء برائحتها الزكية ,
رغم أن المنظر يسر الناظرين , الا أن ملك لم يشغل بالها الا أمر واحد

" أين ذلك الرجل و ما علاقته بوالدها ؟ " .



فيما هي غارقة في تفكيرها فتحت البوابة الكترونيا , ترددت ملك لبضع ثوان , قبل أن تأخذ نفسا عميقا و تخطو نحو الداخل بتأن


و انتابها فجأة شعور سيء أن دخولها اليوم الى هنا سيغير مصيرها , و لن تعود بعدها الى حياتها الهادئة , لكنها لا يمكنها الا الاستمرار ,

دخلت ملك بحرص و بخطوات متأنية , مستغربة من وحشة المكان و كأنه خال من أي انسان ,



بوصولها أمام الباب دقت الجرس بتردد و بيد مرتجفة , بعد خمس دقائق فتحت لها امرأة ستينية ,
ببشرة سمراء و وجه تملؤه التجاعيد ,

كانت سيدة متوسطة الطول , ممتلئة الجسم لديها هيبة غريبة , بشعرها الأسود الذي تتخلله خصل بيضاء و ملابسها القيمة ,

كانت تضع وشاحا شفافا على رأسها و ترتدي عباءة , لا يبدو بأنها خادمة بسيطة ,



شعرت ملك ببعض الراحة , على الأقل هناك امرأة غيرها هنا , لن تكون وحدها مع ذلك الرجل ,

فيم هي مستغرقة في تهدئة نفسها , تفحصتها المرأة بتمعن من رأسها الى قدميها ثم قاطعتها
بصوت هادئ

" تفضلي "


دخلت ملك بتردد و نظراتها تجول المكان بترقب شديد , أغلقت المرأة الباب و اقتادتها الى البهو ثم الى صالون فسيح ,


الديكور داخل المنزل لا يقل فخامة عن خارجه , بأرضية رخامية لامعة و الكثير من التحف و الأثاث الفخم ,

مع درج كبير يتوسط الصالون يقود الى الطابق الثاني , لكن البيت يبدو فعلا مهجورا لا أثر لأحد هنا


بادراك الوضع تجدد خوف ملك , فرغم وجود هذه المرأة معهما , الا أن هذا الرجل متهور مما رأته منه , و لن يردعه أحد عن ايذائها اذا أراد ,

لكن ان كان والدها فعلا هنا فالأمر يستحق المجازفة ,



توقفت المرأة أمام باب جانبي , و دقت عليه مرتين برفق دون أن تقول كلمة واحدة

" أدخل "


سمعت ملك الصوت الذي يرعبها من الداخل , و لم تتمكن من السيطرة على خوفها , ارتجفت كل أوصالها و انقبض قلبها



فتحت المرأة الباب و دون أن تخطو خطوة واحدة نحو الداخل , أعلنت عن قدوم الضيفة المنتظرة بكل احترام


" سيدي السيدة هنا "

قالتها بصوت هادئ و بعدها انسحبت مباشرة , تاركة ملك تقف مكانها .



ألقت ملك نظرة سريعة على المكان الذي ستدخله بتوجس

كانت غرفة فسيحة يتوسطها مكتب كبير نصف دائري , مع كرسي جلدي وثير خلفه , فوقه قرطاسية من الجلد و كمبيوتر ,

الحائط على الجهتين يحوي مكتبة هائلة مع الكثير من الكتب , أريكتين متقابلتين أمام المكتب ,
مع شاشة كبيرة معلقة على الحائط , و الكثير من التحف و اللوحات الفنية


" لم يبدو بأن هذا الرجل يحب العيش داخل متحف كأنه تمثال شمعي ؟ "

كان أول شيء تبادر الى ذهن ملك



كل شيء كان مبهرا هنا , الأمر الوحيد السيء رائحة عطر ذلك الرجل التي تملأ المكان ,

لا يمكن لملك أن تنسى هذه الرائحة , رغم أنها عطر رجالي فخم برائحة العود , الا أنها كلما وصلت الى أنفها تذكرت كل ما مر بها حتى الآن ,


هي تتذكر جيدا ذلك اليوم في المستشفى , كانت الرائحة ملتصقة بثيابها و جسمها , و كأن هذا الرجل احتضنها ,

كانت ملك تشعر بالغثيان بالتفكير في الأمر , دون أن تعلم حقيقة أن علي من نقلها بين ذراعيه الى المستشفى ,


كان علي يقف أمام الشرفة المطلة على الحديقة معطيا ظهره لملك , واضح أنه كان يتابع حركاتها منذ لحظة وصولها الى هنا ,

رغم أن الوقت لا يزال مبكرا , الا أنه يقف هناك بكل أناقته ,

و كأن هذا الرجل لا ينام مثل باقي البشر , أو ربما هو مجرد انسان آلي دون قلب من يدري ؟

سألت ملك نفسها ,

أخذت بعدها نفسا عميقا , استجمعت سريعا شجاعتها و خطت الى الداخل خطوتين صغيرتين



استمر علي في الوقوف مكانه دون حراك , و كأنه يتجاهلها مما زاد انزعاجها ,

أمام صمته المستفز , قررت أن تتكلم أولا فقد فقدت صبرها بالفعل , و أعصابها لم تعد تتحمل برود هذا الصخرة


" أين بابا ؟ " 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close