رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السابع والعشرين 27 بقلم صابرين
27- كانت ليلة لا تُنسى
صلي على من قال أمتي أمتي
كانت حدقتيها تتابع الطريق الزراعي الذي يسير عليه القطار متجهًا إلى الصعيد، تنهدت بقوة وهى تشعر بنظرات ياسر المراقبة لها بصمت ولكنها لا تقوى على النظر إليه تشعر بالخجل من نفسها لسببين
الأول أنه ساعدها مرتين متتاليتين بينما هى قامت بجرح كرامته بحديثه معه بعد أن خرجوا من عند العميد وقولها له بأنه لا يصلح للزواج منها
لا تدري كيف خرجت منها هذه الجملة حينها لكنها لا تريد أن تجتمع مع ياسر في علاقة كهذه لأنها لا تشعر بإتجاهه بأي نوع من أنواع المشاعر، ليس وكأنه يسمح لهن في عرف الصعيد بالحب قبل الزواج ومثل هذه الأشياء، ولكنها لا ترى ياسر غير ابن عم لها مثله مثل البقية لا أكثر ولا أقل
أما عن السبب الثاني فهو احتضانها له بعد أن وجدها، ولا تزال حتى الآن تستغفر لذنبها هذا ولكنها كان فزعة من الموقف والضغط الذي كانت تتعرض له
تذكرت البارحة عندما آفاقت على أصوات الأمطار الشديدة لتجد نفسها ممدة على أرضية صلبة باردة وعندما حاولت أن تستقيم أنَّت عظامها من الألم بسبب صلابة الأرض، وبعد محاولات استندت بكفيها على الأرض وجلست نصف جلسة تنظر حوله بأعين مشتتة والصورة مشوشة أمامها
استقر كفها على رأسها تضغط عليه بألم وعندما حاولت أن تقف اصطدم كفها بشئ على الأرض لم تبصره من الظلام ولكنها شعرت أنه هاتف، انتفض جسدها بقوة على صوت الرعد الذي صدح في الأجواء وقد أُنير المكان للحظات بسبب البرق لتجد أن هذا هو هاتفها ولكنه محطم
نظرت حولها للظلام بقلق فهى تخافه بشدة، استقامت من على الأرض تتحسس ما حولها ولا تدري حقًا أين هى فمن الظلام لا ترى شيئًا، وعندما أضاء البرق مرة أخرى وجدت نفسها في إحدى معامل الكلية وهنا تذكرت ما حدث وذلك الجسد الذي خدرها من الخلف قبل أن تعود إلى المنزل
ازدردت لعابها بخوف شديد وهى تسير بإتجاه النافذة لعلها ترى شيئًا ولكن الأمطار المتساقطة بغزارة كانت حائل بينها وبين الرؤية، أخذت تتحسس الحائط بجانبها حتى تصل إلى الباب أو إلى الإضاءة لعلها ترى شيئًا هنا
اصطدمت بخزانة المواد الكيميائية لتعلم أنها أصبحت قريبة من الباب وعندما أضاء البرق مرة أخرى استغلت هذا وهرولت ناحية الأضواء واشعلتها وحمدًا لله أنها تعمل، نظرت حولها تتفقد المكان لتأتي عينيها بالصدفة على ساعة الحائط المعلقة والتي كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل
اتسعت عينيها بصدمة شاهقة بقوة فهل هى خارج المنزل إلى هذه الساعة المتأخرة؟! اسرعت في إتجاه الباب حتى تفتحه ولكنه كان موصود من الخارج، أخذت تطرق وتصرخ لعل أحدًا يسمعها ولكن صرخاتها لا تساوي شيئًا من الأمطار وكأنها سيول في الخارج
ظلت تنادي قرب الربع ساعة حتى شعرت أن صوتها قد بُح من كثرة الصراخ، تهاوى جسدها أرض وهى تبكي بذعر وخوف شديد لا تدري ماذا تفعل، مسحت دموعها بسرعة عندما تذكرت هاتفها لتسرع إليه محاولةً تشغيله لكن وكأن القدر تضدها فلم يستجيب الآخر ويعمل إطلاقًا
ألقت به بعنف وقد ازداد بكائها لتتكور على نفسها، دموعها تنهمر على وجنتيها حتى أصبح وجهها مثل حبة الطماطم وقد استمرت ربع ساعة أخرى تشهق وتبكي دون فائدة إلى أن آفاقت لنفسها
نظرت حولها تمسح وجهها من الدموع لتجد أن الساعة أصبحت الواحدة والنصف، استقامت من مكانها ونظرت إلى زجاج النافذة التي تطل على الممر إذ كانت نافذة عريضة ولكنها زجاج كامل أي لن تُفتح يجب أن تكسر
انتقلت انظارها إلى المقاعد الحديدية المرتصة حول الطاولات لتمسك بواحدٍ منهم منتوية كسر النافذة حتى تخرج من هنا فلن تظل تبكي وتنوح دون فائدة، ولأن عائشة ذات شخصية جريئة لم تهتم سوى بخروجها دون الإهتمام بالنتائج القادمة
وقفت أمام النافذة قابضة على المقعد بقوة، ثم وبكل قوتها هبطت به على الزجاج مهشمة إياه بعنف، ألقت المقعد على جنب ثم أتت بهاتفها وحقيبتها لترتديها مقررة القفز ولكن هناك عقبة وقفت أمامها فحين حطمت الزجاج لم يتهشم بأكمله ليبقى شظايا مسننة ملتصقة به تمنعها من المرور فوقها
مدت يدها ونزعت أحداهن فنُزعت بسهولة معها، أخذت تنزعهن حتى تمر بسلام ولكن اكبرهن وقفت أمامها فامسكتها بكفيها حتى تنزعها وقد نتج عن هذا ان جُرحا كفيها بعنف
أطلقت تأوهًا مرتفعًا وهى تضم كفيها بألم، وبعد دقيقة من الوجع أتت بمقعد ووضعته أمام النافذة حتى تصعد عليه وتقفز للخارج وقد تركت تلك الشظىٰ مقررة الإبتعاد عنها حين تقفز، ولكن ما لم تحسب له حساب أنه وكما أن هناك شظايا مسننة في الأسفل هناك أيضًا بالأعلى كمل أن المقعد مرتفع وليس منخفض لذا عندما مرت اصطدمت رأسها في الزجاج المكسور مصيبًا جبينها بجرح
لذا وبرد فعل طبيعي منها ألقت بجسدها قافزة للخارج ولأن جسدها ليس بالخفة التي كانت تحسبها سقطت بقوة على قدمها التي إلتوت أسفلها
ارتفعت تأوهات ولكن هذه المرة أصبحت صرخات مختلطة بالبكاء تشعر بالحسرة على حالها وعلى ما تعانيه بمفردها ولا أحد يشعر بها أو يسمعها هنا
تحسست جبينها النازف وقد تناست أن كفها مجروح وملطخ بالدماء فطبعت على وجهها وكأنه ينقصها هذا أيضًا، وقفت بصعوبة وأخذت تسير في الممرات مستندة على الحائط وهى تعرج بقدمها وكلما تلامس أزرار الضوء تقوم بفتحها فأكثر ما يثير رعبها هى الممرات المظلمة وهذا بسبب أفلام الرعب التي شاهدتها مسبقًا
هبطت إلى الأسفل وهى بالكاد تستطيع تقف لتستمع إلى أصوات قادمة من غرفة الأمن فعلى الأرجح هناك أحد هناك، وبالفعل وجدت رجلين يجلسا ويتحدثان ولم يبصراها بسبب الظلام الغارقة به، نظرت حولها بحثًا عن ازرار الضوء هناك وعندما فتحتها استدعت انتباههما وبدلًا من مساعدتها فزعا بشدة
ولما لا وهما يبصران فتاة خرجت من العدم ونصف وجهها مغطى بالدماء كما أن هناك بقع من الدماء على ملابسها وكأنها شبح، وقبل أن تتحدث بشئ سبقاها في الصرخات :
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أعوذ بالله إلحق يا عبد الحميد دي عفريتة
اندهشت عائشة ما قولهما حتى أنها فزعت عندما رفعوا بعض العصيِّ عليها ثم قال أحدهم :
-انصرفي لا تأذينا ولا نؤذوكي
جلست عائشة على الدرج بعدما فشلت في الوقوف أكثر من هذا ثم قالت بتعب وهى تمسح الدماء من على جبينها بكمها :
-عفريتة ايه انا محبوسة فوق ومن الصبح بنادي محدش سامعني
نظر الرجلين إلى بعضهما بتعجب شديد ليسألها أحدهما هاتفًا بتوجس :
-هو انتي اسمك عائشة صفوان؟!
واندهشت الأخرى من معرفته باسمها لتهز رأسه بسرعة وهى تحاول الوقوف مرة أخرى :
-ايوه انا عائشة
-وانتي كنتي فين لما كنا بندور عليكي ده احنا دورنا في كل أوضة في الكلية
ورغم تعجبها من كونهما بحثا عنها وايضًا لم يجدوها، تقدمت منهما بخطى بطيئة بسبب إلتواء كاحلها قائلة :
-انا في حد حط حاجة على وشي لما كنت ماشية من المعمل واغمى عليا وفوقت من نص ساعة بس
نظر أحدهما إلى غرفة الأمن حيث شاشات عرض كاميرات المراقبة ثم قال :
-معمل رقم كام؟!
أملت عليه عائشة رقم المعمل ليدلف إلى الداخل حتى يأتي بعرض كاميرا المراقبة الموجودة هناك بينما وقفت عائشة أمام الباب ولم تدلف إلى الداخل تنظر إلى ما يفعل، ولم تلاحظ نظرات الذئب البشري خلفها والذي كانت نظراته تجردها من ملابسها إذ كانت عائشة وبالرغم من بلوغها الثامنة عشر إلىٰ أن جسدها الممتلئ وكأنه لامرأة ثلاثينية
سألها بجرأة وهو يحدق في مناطق معينة من جسدها :
-هو انتي في سنة كام؟؟
واجابته عائشة دون الاستدارة إليه لتركيزها مع تسجيل كاميرا المراقبة الذي يعيده رجل الأمن الآخر :
-لسه في سنة أولى
تساءل حارس الأمن وهو يقدم ويأخر في التسجيل :
-هو انتوا طلعتوا من المعمل على الساعة كام
-كنا آخر فرقة دخلت المعمل في آخر اليوم على الساعة أربعة ونص كده
قدم حارس الأمن التسجيل للحظة التي بدأ يخرج بها الطلاب لترى عائشة فتاة تدخل متخفية أسفل قبعة وقد قامت بتخديرها مستغلة أن لا أحد غيرها، ثم حطمت هاتفها واقتربت من مكبس الضوء الرئيسي في المعمل وانزلته بعد أن خبأت جسد عائشة أسفل إحدى الطاولات
-يا بنت الكلب علشان كده السكينة كانت نازلة في المعمل ده بالذات ولما دخلنا ندوروا مشوفنكيش
نطق بها حارس الأمن الذي بالخارج وهو يقترب من عائشة لدرجة انه التصق بها مدعيًا أنه يقف حتى يشاهد
وعلى فعلته هذه انتفضت عائشة مبتعدة عنه، ترمقه بغضب شديد وكأنها ستأكله بينما الآخر أدعى عدم الإنتباه ثم قال محدثًا زميله :
-على كده الواد اللي جه سأل عليها اداك رقمه يا عبد الحميد
نفى الآخر بينما خرج لعائشة حتي يخبرها أنه أتى من سأل عليها :
-بعد المغرب كده واحد جه ومعاه بنت عيونها ملونة وسألوا عليكي، مكنش العميد لسه مشي فطلب مننا ناخدهم وندور عليكي في كل الكلية وبما إني البنت دي خبتك تحت ترابيزة إحنا مشوفنكيش
اهتزت حدقتي عائشة بتوتر شديد ثم قالت وهى تحاول إدعاء القوة :
-طب معلش عايزة تليفون اتصل على اهلي يجوا ياخدوني
هز عبد الحميد رأسه بحسن نية منه ثم دلف يأتي بهاتفه وهكذا هى الدنيا بها الطيب وبها الخبيث فأحدهما يريد أن يساعدها بطيب خاطر منه واعتبرها مثل بناته والآخر ذئب بشري يريد أن ينهك عرضها وهى تقف لا حول لها ولا قوة
خرج المدعو عبد الحميد وفي يده الهاتف فأخذته وطلبت رقم والدها فهو الرقم الوحيد الذي تحفظه لأنه سهل، دلف عبد الحميد واحضر لها مقعد حتى تجلس وهو يحدق في جبينها النازف بقلق إذ قال :
-هو انتي اتعورتي كده ازاي؟؟
اجابته الأخرى بتوتر وهى تعيد الإتصال مرة أخرى بوالدها ولا تتوقع الإجابة منه ابدًا فالساعة قاربت على الثانية وبالتأكيد هو غارق في النوم الآن :
-كسرت الشباك الجزاز علشان اعرف اطلع واتعورت في راسي وإيديا
-طب تحبي نجيبلك شاش وقطن؟؟
وقد نطق بها الآخر ورغم أن الجملة ذات مغزى طيب لكن طريقته أبعد ما يكون عن الطيبة ولم ترتح أبدًا لهذا الرجل ولا لنظراته الحقيرة هذه لذا اجابته بحدة قائلة :
-لأ مش عايزة حاجة انا كويسة
نظر عبد الحميد لها وهى تعيد المحاولة للمرة الخامسة ولا أحد يجيب فقال :
-طب بصي شكل محدش هيرد في الساعة دي خالص انا هتصل بالبوليس ولا الإسعاف لاني تاكسي في الوقت ده وفي المطر ده مش هتلاقي خالص يا إما كده يا إما تستني للصبح
واجابته الأخرى رافضة هذا الاقتراح تمامًا :
-لأ صبح ايه ده انا اهلي تلاقيهم قلقانين طالما جم ودوروا عليا
فكرت بسرعة في حل ليقفز في عقلها بسرعة بعد دقيقة فلطالما امتازت بالذكاء وسرعة التفكير :
-ينفع اطلع الخط بتاعك واحط خطي هو مسجل عليه رقم اختي وقرايبي هنا في إسكندرية
وآماء الآخر موافقًا إياها دون تردد إذ قال :
-اتفضلي اعملي اللي عايزاه أهم حاجة حد يجي ياخدك
ختم حديثه وهو ينظر إلى زميله بحدة وقد فهم نظراته للفتاة فهو رجل أيضًا ويفهم كيف ينظر الرجل للمرأة، اقترب منه وسحبه بعيدًا ثم قال بهمس :
-ايه اللي بتنيلوا ده يا خليل هتاكل البنت بعينيك، حرام عليك اعتبرها زي اختك
ابتسم الآخر ابتسامة سمجة وهو يرفع منكبيه مدعيًا البراءة :
-معنديش اخوات بنات، ثم انا عملت حاجة ولا لمستها حتى؟!
نظرت إليهما عائشة بريبة من همسهم هذا وقد شعرت بالخوف على نفسها فهى بمفردها معهم وقد يفعلوا لها شئ ولن ينجدها أحد، استدار إليها عبد الحميد ذلك الرجل الطيب ثم تساءل :
-ها عرفتي توصلي لرقم لحد؟؟
نفت برأسها وهى لا تزال تطالعهما بريبة :
-لأ الأرقام طلعت متسجلة على التليفون مش على الخط
-طب هاتي نتصلوا على الإسعاف حتى انتي متعورة ومش هيبقى بلاغ كاذب
وفور أن أعطت له الهاتف حتى صدح صوته بمكالمة فأجاب الرجل وقد كان رقم غير مسجل، وما إن فتح المكالمة حتى أتاه صوت رجل لم يتعرف عليه ولكن عائشة تعرفت عليه بسهولة لتأخذ الهاتف منه بلهفة قائلة :
-الو يا ياسر تعالى خدني
أما ياسر وعلى الناحية الأخرى قد أتته رسالة منذ ثواني أن رقمها أصبح متاح الآن لذا لتصل دون تردد، وكم شعر بالراحة لأنه سمع صوتها وأنها بخير، تنفس بعمق وهو ينظر إلى عمته وزوج عمته وبراءة ونور الذين اتو على صوته لتقول عمته بلهفة :
-دي عائشة يا ياسر؟!
آماء ياسر يإيجاب مجيبًا على عائشة إذ قال :
-انتي فين يا عائشة وانا اجي اخدك
-انا في الكلية
-في الكلية ازاي انا جيت انا ونور ودورنا عليكي هناك وملقيناكيش
تحدث إسماعيل بسرعة معترضًا على سؤاله هذا فلا وقت للأسئلة :
-انت لسه هتسأل يا ياسر قولها خليكي هناك واحنا هنيجي ناخدها
سحب مفاتيحه بسرعة ولحق به والده وياسر كذلك والذي لا يزال يتحدث من عائشة غير مبالي بأسئلة نور وعمته فهو لا يستمع لهما من الأساس :
-عائشة خليكي عندك وإحنا جايين متروحيش بعيد ومتقفليش التليفون، خلي المكالمة شغالة وخليكي معايا على الخط حتى لو مش هتتكلمي
صعد بسرعة في سيارة إسماعيل المرتكنة أمام البناية ليأتي صوت من الأعلى متسائلًا :
-إسماعيل انتوا لقيتوها؟!
رفع إسماعيل رأسه لحمزة والذي كان ساهرًا على إحدى الكتب بما أن الغد إجازة، وعندما استمع إلى أصواتهم في الأسفل سأل ابن عمه ان كان وجد تلك الفتاة المفقودة منذ ساعات وأجابه الآخر يإيجاب قائلًا :
-ايوه يا حمزة لقيناها بس خلي بالك انت من بنات اخوالي وامي علشان لو احتاجوا حاجة ماشي
-ماشي متشلش هم انت خالص
أما عند عائشة اخفضت الهاتف ثم نظرت إلى عبد الحميد قائلة :
-معلش هخلي الخط مفتوح لحد ما يجوا وهرجعلك تليفونك
ولم يعترض الآخر بل أشار إلى المقعد الذي احضره حتى ترتاح ثم قال :
-مفيش مشاكل اقعدي بس على الكرسي ولا تحبي تقعدي في الدفا جوا
نفت بسرعة اقتراحه ثم جلست على المقعد وهى تحدق في الهاتف على مكالمة ياسر والذي كان يستمع لكل ما يقال وقد تعجب وجود رجل معها ولكن قرر أن يسأل لاحقًا وليس الآن
تحدث عبد الحميد موجهًا حديثه إلى خليل حتى يصرفه من هنا :
-روح يا خليل لِم الازاز اللي اتكسر قبل الصبح
-لا خليها الصبح يا عبد الحميد، قبل ما نباطشيتي تخلص هلمه
طالعته عائشة بحدة شديدة وهى تراه لا يحيد بنظره عنها وكم تمنت ان تختفي الآن من أمامه، ولكن الطريق من ميامي لهنا يأخذ أكثر من نصف ساعة وإضافةً للمطر سوف يتأخرون أكثر
فتحت حقيبتها وأخرجت علبة مناديل واخذت تمسح الدماء من كفيها ووجهها فقال عبد الحميد بطيبة خاطر منه :
-تحبي اجيبلك شاش تربطي به
صدح صوت ياسر من الهاتف يسألها إن كانت مصابة فلما سيحضر ذلك الرجل شاش لها :
-انتى متعورة يا عائشة ومين الراجل اللي بيتكلم معاكي ده
روت عائشة له كل حدث لعل الوقت يمر بسرعة، بينما أرسل عبد الحميد خليل رغمًا عنه لينظف الزجاج وذهب الآخر مستسلمًا وعندما عاد وجد الأمر على ما هو عليه، الفتاة تجلس على المقعد وزميله في مقعد آخر بعيدًا عنها
سحب مقعد هو الآخر وجلس بجانب زميله فاتحًا حديث معها إذ قال :
-شكلك من لهجتك مش إسكندرانية
نظرت إليه عائشة بضيق هاتفة بحدة وكم ودت أن تصفعه بقوة على نظراته الوقحة هذه تكاد تجزم أن لولا وجود الرجل الآخر لفعل لها شيئًا مشينًا :
-ملكش دعوة
حدجه عبد الحميد بغضب قم قال ناكزًا إياه :
-اسكت يا خليل اقولك ادخل جوا
-ايه يا عم بسأل هو السؤال حُرم، واهدي على نفسك يا دكتورة هو انا عملت حاجة
صدح صوت ياسر من الهاتف فرفعته لأذنها وقد كان غاضبًا لما سمعه واتضح له أن هناك رجلين وليس رجل وهذا الأمر ليس بجيد ابدًا خاصةً أنها بمفردها معهما :
-عائشة فيه ايه؟؟
-مفيش يا ياسر
-هو واحد فيهم بيبصلك!؟
اجابته الأخرى بإختصار شديد بكلمة أجل فمسح ياسر على ذقنه النابتة يفكر في حل لها، وبعد ثواني قال :
-طب بقولك ادخلي الحمام واقفلي عليكي كويس ومتطلعيش لحد ما نيجوا انا مش هعرف أآمن عليكي معاهم طالما واحد فيهم وسخ بيبصلك، اعملي اللي بقولك عليه وبرضو خلي التليفون مفتوح متقفلهوش
فعلت الأخرى ما قاله واعتذرت منهما أنها ستذهب للمرحاض ثم اوصدته على نفسها من الداخل جالسة على جنب وقد شعرت قليلًا بالراحة أنها بعيد عن أعين ذلك الحقير
وبعد ما يقارب الساعة أو أقل تحدث ياسر وقد صدح صوت توقف سيارة :
-عائشة اطلعي إحنا وصلنا
اغلقت معه وأخرجت الشريحة الخاصة بها ثم وضعتها في هاتفها حتى تعطي هاتف الرجل له، حملت نفسها وخرجت لتتسع عينيها بصدمة عندما ابصرت ذلك المدعو خليل أمامها ثم قال :
-ايه يا آنسة طولتي يعني
حمحمت مدعية القوة وهى تمر من جانبه وقد قررت عدم الإجابة لكن عندما امسك بذراعها حتى دفعته بقوة شديدة بعيدًا عنها، هى ليست بالفتاة الضعيفة التي يتحرش بها أحد وتصمت عن حقها :
-ابعد يا عم انت عايز ايه مني
رفع الآخر ذراعيه متراجعًا إذ قال :
-مش عايز حاجة كان غرضي بس اساعدك علشان بتعرجي
وقد زادت نبرتها حدة ولو كانت النظرات تحرق لأحرقته حيًا :
-مش عايزة مساعدتك وايدك لو لمستني تاني مش هترجع سليمة
تقدمت بسرعة وببطء في آنٍ واحد بسبب إصابة قدمها لكنها كانت تود الذهاب من هنا بأي طريقة، ولسرعتها في السير التوي كاحلها مرة أخرى فصاحت بقوة هذه المرة وقد سقطت على إحدى درجات السلم فللأسف المرحاض كان في الطابق الثاني وليس الأرضي
اقترب منها خليل حتى يساعدها مستغلًا وضعها وأنها تشعر بالألم وقد استباح كفه جسدها، وهنا لم تصمت له عائشة إذ مسكت بكفه وسحبته في الناحية المعاكسة دافعة جسده بكل قوتها من فوق الدرج
سقط الآخر واستقر جسده في آخر الدرجات مطلقًا تأوهات مرتفعة استدعت انتباه عبد الحميد والذي كان يتحدث مع أهل الفتاة، ولكن عندما وجد خليل ساقط أسفل الدرج مصابًا حتى اقترب منه هاتفًا بذهول :
-انت بتعمل ايه مش قولت هتدخل تنام
اقترب ياسر بسرعة من الدرج عندما ابصر عائشة تهبط من عليه بخطوات مهرولة وهى تستند بكفها على الجدار، وعندما ابصرته أسرعت في خطواتها أكثر حتى أنها تعثرت في الدرجة الأخيرة ولولا أن امسك ياسر بذراعيها لسقطت على وجهها وكأنه ينقصها إصابات
تمسكت عائشة به بقوة وكأنها تحتمي به رغم أن خليل يتلوى أرضًا من ألم ظهره، وعندما رأى ياسر تمسكها به علم أن ذلك الحقير فعل لها شيئًا فقال بحدة :
-عملك ايه؟!
ولم تجبه الأخرى وكأنها لم تستوعب بعد ما يحدث معها من شدة تسارع الأحداث فخليل يتلوى أرضًا وعبد الحميد يحاول أن يجعله يقف، محفوظ يحدق بها في قلق واسماعيل تحرك إتجاه خليل ولم يفهم ماذا فعل لكنه بحكم عمله كطبيب يجب أن يساعده، وأخيرًا ياسر يحاوطها وهى شبه متمسكة في أحضانه دون وعى منها
وعندما لم تجبه رفع رأسها له صارخًا حتى تجبه وترحم عقله من المشاهد التي تتقاذف داخل عقله وكل مشهد أسوء من الاخر :
-عملك ايه انطقي
وكأنه أعطى لها الإشارة بأن تفيق وتتحرك لتدفعه بخفة بعيدًا عنها حتى يتركها ثم اتجهت إلى خليل وبكل قوتها هبطت على رأسه بحقيبتها فلم تشفي غليلها منه بعد، كيف ذلك الحقير يستبيح جسدها بتلك الطريقة القذرة، تكاد تقسم أن جسدها لا يزال يرتعش من لمساته لها :
-يا حيوان يا زبالة يا كلب
ولم ينتظر ياسر ليفهم ماذا فعل لها إذ دفع عائشة جانبًا وهبط بلكمة قوية على وجه ذلك المغفل، ثم جثى فوقه يكيل له اللكمات والسباب، بينما ارتكنت عائشة إلى الجدار تبكي بشدة، حتى أنها انتفضت بخوف عندما لامسها محفوظ حتى يهدئها ولكن جسدها فسر لمسته على نحو خاطئ
أبعد إسماعيل ياسر بسبب إصابته وعلى الأرجح فرط حركته تسببت في فك غرزه والآخر لا يتوقف عن إلقاء السباب البذيئة على خليل، امسك محفوظ بياسر صائحًا به :
-خلاص يا ياسر هتودي نفسك في داهية يعني علشانه
استدار إسماعيل ناظرًا لخليل المدد أرضًا بشر وعندما هم بالاقتراب منه أوقفه عبد الحميد حتى لا يضربه هو أيضًا، ثم هتف برجاء :
-خلاص يا استاذ كفاية كده هو كلب وغلط وعرفتوه غلطه خدوا بنتكم خلاص
امسك ياسر بذراع عائشة وسحبها معه حتى يذهبوا بعدما ألقى نظرة حارقة إلى خليل بينما أخرجت عائشة هاتف الرجل ووضعته على المقعد قبل أن يخرجوا من الكلية بأكملها وقد كانت لا تستطيع مواكبة سرعة ياسر الذي يسير وكأنه يلتهم الأرض أسفله
توقفت وسحبت ذراعها حتى يتوقف بعدما اشتد ألم كاحلها عليها بشدة، ثم هتفت بصوتٍ باكٍ :
-براحة يا ياسر مقدراش امشي
توقف ياسر وهو يشعر بالغضب يتدفق إلى دمائه فتتسبب في فورانها، تخطاهم إسماعيل وفتح سيارته بسرعة ونادى عليهم حتى يدخلوا بسرعة اختباءً من المطر
سحبها ياسر معه مرة أخرى ولكن هذه المرة راعي إصابة قدمها وعندما دخلت السيارة أغلق الباب واستدار إلى الكلية بأعين غاضبًا عازمًا نقلها من الإسكندرية بأكملها بعد أن يعلم من تلك الحقيرة التي خدرتها وقامت بحبسها في المعمل
وها هى في القطار المتجه إلى الصعيد بعد أن أصرت على العودة إلى قريتها والابتعاد عن الكلية والإسكندرية بأكملها لبضعة أيام، فما واجهته ليس بهين وقد كانت أحداث أمس ليلة لا تنسى بالنسبة إليها
رفعت أنظارها إلى ياسر والذي كان يشتري بعض الطعام من الباعة المتجولين في القطار لكسب لقمة العيش، مد يده لها بشطيرة فلافل ثم سألها إن كانت تريد شيئًا آخر لتنفي برأسها قائلة :
-لا شكرًا مش عايزة
دفع ياسر ثمن الشطائر لتسأله عائشة عن شروق والتي علمت ماذا حدث معها عندما عادت إلى الشقة :
-كان المفروض ناخدوا شروق معانا حالتها وحشة قوي
آماء الآخر بهدوء وهو ينظر إلى النافذة بهدوء شديد ثم أجابها :
-رفض يونس علشان هى شاهدة في القضية، مينفعش تسافر من غير ما تقول شهادتها وهى اصلًا من الصدمة مش قادرة تتكلم
همهمت عائشة مشفقة على ابنة عمها بل مشفقة على حالتهن الغير طبيعية هذه الأيام ففي البداية نور ثم شروق والآن هى، وايضًا ياسر من ضمن هذه المصائب فالآخر مصاب في ظهره بجرح كبير
وعلى سيرة جرحه هذا نظرت إليه تود أن تسأله عن جرحه، وقبل أن تفعل رن هاتفه ثم انشغل بالمكالمة وعلى الأرجح من أحد أبناء اعمامها، عقدت حاجبيها تراه يضحك ويهنئ الآخر إذ قال :
-ايه الكسفة دي بقي يعني انا يبقى عندي ٢٨ سنة وانت تتجوز قبلي؟! عامةً يا عم ألف مبروك أخيرًا في فرح في العيلة اللي مشافتش فرح دي من ساعة فرح رحاب بنت عمتك من سبع سنين
تحدث معه قليلًا ثم أغلق فقالت عائشة بفضول :
-مين هيتجوز!؟
-أيمن ولد عمك ناوي يخطب
ابتسمت عائشة لهذا الخبر المفرح فأخيرًا سيكون هناك مناسبة سعيدة قريبة سيشتروا لها فساتين جديدة خاصة بالأفراح، وبرد تلقائي معتاد حين سماع خبر كهذا قالت :
-عقبالك
تنهد ياسر تنهيدة قوية لا يعلم ما العمل في علاقته الشبه متوقفة معها، لقد رفضته وهذا حقًا آثار سخطه فكم هو مهين بالنسبة إلى رجل، حتى أنه كان ينتوي أخذ خطوة في علاقتهم ولكنه تراجع بعد حديثها وحقًا لا يدري ما نهاية هذه العلاقة
نظر إلى عينيها البنية بأخرى غامقة ثم قال بطريقة مبهمة يتوقع أن تفهم مغزاه فهى ذكية كما يعلم :
-راسها ناشفة اللي عايزها ويا عالم هتجوزها أمتى
-مكنتش اعرف اني نورهان رأسها ناشفة قوي كده
حسنًا يعترف أن هذا ردٌ غير ما توقعه تمامًا، حتى أنه من صدمته همس بكلمةٍ واحدة تعبر عن صدمته :
-نورهان!؟
وكانت إجابة الأخرى هادئة ترسل بها إليه رسالة خفية عن التوقف من التقرب منها بهذه التعاملات اللطيفة طالما أنه يريد شقيقتها :
-ايوه، ونصيحة من بنت عمك متوقفش حالك علشانها لو هى مش عايزاك، سبق ورفضت فاروق ولد عمي جابر وهى صريحة وبتقول لأ ومش بتخاف
-انتي فاكرة اني اللي عايز اتجوزها نورهان!؟
نطق بها بهدوء عاصف ولا تزال الصدمة ظاهرة في عينيه، اعتدلت الأخرى في جلستها وهى تميئ بإيجاب رغم تعجبها من سؤاله وكأنها قالت شيئًا خاطئًا :
-مش انت جيت من سنتين مع ابوك وامك وقريت فاتحتها، آه مكنتش نور موجودة وانا استغربت ازاي العروسة مش موجودة بس قولت هو أول مرة هيشوفها يعني
أشار ياسر لنفسه لا يصدق ما تقول تلك المجنونة فمتى أتى بوالديه وقرأ الفاتحة مع عمه على نور :
-انا عملت كده وقريت فاتحتي على نور!؟
ضمت عائشة ذراعيها لا تفهم سبب دهشته هذه ثم قالت :
-انا فاكرة حتى لما كنت داخلة بالشاي سمعت بابا بيقول خلاص هتبقى ليك يا ياسر ودي كلمة مني بس البت تكبر شوية علشان لسه صغيرة ولما دخلت بالشاي سكتوا
رفعت منكبيها بتعجب ثم أكملت والآخر يطالعها ولا يستوعب أنها تتكلم بجدية :
-مش عارفة هتكبر أكبر من كده ايه دي بقى عندها ٢٣ سنة؟؟
-بس اسكتي
همس بها مغمضًا عينيه، يحاول التحكم في أعصابه وعقله يخبره أنها تدعي البلاهة أو ربما هذا بالفعل ما تفهمه، فتح جفنيه ونظر إليها بقوة ثم سألها بشكل صريح :
-مين اللي قالك كده نورهان ولا عمي علي
-لا ده ولا دي انا سمعتكم يوم ما جيت تتقدم لنور زي ما قولتلك
-وانتي مين بقي قالك اني كنت جاي اتقدم لنور يومها يا ست العاقلين
كانت نبرته ساخرة آثارت حنقها لتجيبه بنبرة أشد سخرية من نبرته :
-اومال كنت جاي تتقدم لمين معندناش اخت تالتة ونور هى الكبيرة؟!
ضغط الآخر على شفتيه بقوة ثم قال مبتسمًا لها بتصنع غير مبالي بسخريتها هذه :
-ومجاش في بالك اني كنت جاي اتقدملك انتي مثلًا
اتسعت عيني الأخرى بذهول مشيرة إلى نفسها فهذا ما لم تتوقعه كما أنها دائمًا ما ترى ياسر يتحدث مع نورهان في التجمعات العائلية ربما أكثر من يتحدث إليها، كما أن علاقتها مع نورهان ليست قوية ليحكوا لبعضهما عن مثل هذه الأشياء
أجل هما اختان ويحبان بعضهما ويخافان على بعضهما، لكن هما مختلفتان تمامًا في الشخصية وهذا الإختلاف طالما وقف حائل في التفاهم فيما بينهما، دائمًا ما كان يندهش الناس عندما يعلموا أنهما اختان، فلا يمتلكان نفس الملامح أو الجسد أو طريقة الحديث، حتى ما يفضلونه وما يكرهونه مختلف
وإضافةً لكل هذا لا تحب أن تسأل عن أمور الخطاب والزواج فلم تسألها أو حتى تسأل والديها، كم أن جميع الخطاب يأتون لنور لأنها الكبيرة
تنهد ياسر وهو لا يصدق أنها طوال الوقت كانت تظن أنه يحب نور ويريد الزواج منها بينما هو يهيم عشقًا بهذه الغبية، وبالطبع رفضته في الكلية لهذا السبب :
-طب بصي بقى شكلك مسمعتيش كل اللي اتقال وسمعتي الشرط الأول بس ولما خرجتي قال التاني، والأول بالتاني هما اللي مكتفيني علشان كده لحد دلوقتي لسه متجوزتكش
حدق في ملامحها المصدومة ثم أكمل ضاربًا بتحذير عمه بعدم اختبارها عرض الحائط فلم يعد يتحمل هذا :
-عمي قالي كذا شرط لما جيت اتقدملك مع ابويا وامي، قالي خلاص هتبقى ليك يا ياسر ودي كلمة مني بس البت تكبر شوية علشان لسه صغيرة ومش هيبقى فيه حاجة رسمية علشان نور لا اتجوزت ولا اتخطبت ومش عايز يكسر بخاطرها والناس تقولها كلمة وحشة في اني الصغيرة اتخطبت والكبيرة لأ
رفعت عينيها المذهولة له تسمعه يكمل ولأول مرة تراه ينظر إليها بتلك الطريقة التي أصابت حتمًا بخجل شديد :
-يعني انتي اللي خطيبتي مش نور يا عائشة انتي اللي عايز اتجوزها مش هى
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
جلس في بهو شقتهم مستمتعًا بهذا الجو العائلي فقد تصالحا والديه بعد أن قام حمزة بحبسهم في الغرفة حتى يتصالحا، وأيضًا اليوم إجازة بسبب الأمطار الغزيرة في الخارج وهذه الأجواء تتطلب مشروب دافئ
ولا يوجد أدفأ من السحلب وعليه بعض المكسرات اللذيذة، ابتسم يرى مشاغبات والديه وأخيه لينتبه لصوت هاتفه الذي يرن على الشاحن، ترك كوب السحلب واتجه إليه حتى يرى من الذي يرن عليه
عقد حاجبيه لرؤية رقم غريب يعلو الشاشة وعندما أجاب ظل لعدة ثواني يستمع لأصوات أنفاس مضطربة فكرر كلمته قائلًا :
-الو مين معايا
-حضرتك كريم هواري؟؟
-ايوه انا مين معايا
-انا سعد
شعر كريم بالحيرة فلا يعلم أحد بهذا الاسم :
-سعد مين؟
-فاكر الولد اللي كان هيشرب مخدرات وانت وقفت قدامه وقولتله لو فاكر اني ده دواء راحة تبقى غلطان
وبعد حديثه هذا سحب كريم هاتفه من على الشاحن ووقف أمام النافذة بعيدًا عن عائلته ثم قال :
-انت هو؟ جبت رقمي منين؟!
وآماء الآخر وهو يحدق في الأمطار من نافذة سكن الجامعة الجالس به وقد كانت حالته مزرية وبشرته شاحبة وكأنه جثة خرجت من القبر :
-ايوه انا وجبت رقمك من جروب سنة رابعة.... انا محتاج.... محتاج مساعدتك، انا فاكر كلامك ليا أنت قولت اتمنى حد ينجدك من اللي انت فيه زي ما اخويا نجدني، هو انت..... هو انت كنت مدمن؟؟
تنفس كريم بقوة فلا يريد أن يدلف إلى تلك الذكريات البشعة التي يخزنها في أقصى بقعة في عقله، وعندما استمع الآخر إلى تنهيدته هتف بتردد :
-كنت مدمن واتعالجت صح؟!
-ايوه، عايز ايه انت دلوقتي؟
حك سعد ذراعه مزدردًا لعابه بتوتر وقلق :
-انا عايز اتعالج وحاولت بس مش قادر ومعنديش صحاب، عايزك تساعدني
تنفس كريم وهو يمسح على خصلات شعره البنية محدقًا في انعكاسه في زجاج النافذة التي يسيل عليها قطرات المطر :
-وأهلك فين؟
-انا طالب مغترب وأهلي كلهم في البحيرة وميعرفوش بالموضوع ده، أهلي لو عرفوا اني بقيت مدمن هيتقهروا عليا خصوصًا ابويا اللي دفع اللي وراه واللي قدامه علشان يدخلني كلية الصيدلة
-وانت ليه معملتش حساب اللحظة دي لما تشوف أهلك مقهورين عليك وتعبهم هيروح على الفاضي بعد ما يعرفوا اني ابنهم الحيلة بقى مدمن
ادمعت عيني الآخر يشعر بالندم الشديد منذ أن تحدث إليه كريم، وكم حاول بعدها أن يتوقف عن تلك السموم لكن لم يستطع، وعندما تلقى كريم الصمت منه قال :
-انت قاعد فين؟؟ في سكن الكلية ولا
-آه آه في سكن الكلية وانا في السكن دلوقتي
-طب فيه كافية قريب من الكلية تقدر تستناني فيه
استبشرت ملامح سعد لا يصدق أنه وافق على مساعدته إذ قال :
-انت هتساعدني بجد!؟
-أكيد كفاية إنك بدأت تفوق لنفسك وده أول الطريق وصدقني انا حاسس بكل اللي انت حاسس به دلوقتي علشان مريت به، نص ساعة وهكون هناك
أغلق معه ثم اتجه إلى غرفته ملتقطًا سترة ثقيلة ومظلة من ثم عاد إلى البهو متجهًا إلى الباب تزامنًا مع قوله :
-بابا انا خارج ساعتين كده وارجع
نادى عليه عثمان بسرعة قبل أن يخرج متعجبًا خروجه في مثل هذه الأجواء :
-خد يلاه تخرج فين دلوقتي، يعني بجيلك نزلة رئوية
-معلش يا بابا واحد صاحبي حصلت معاه مشكلة ومحتاج مساعدة
رفع مفاتيح السيارة حتى يراها أخيه ثم قال :
-حمزة هاخد العربية انا ماشي
لحق به حمزة بسرعة على الباب قبل أن يرحل متسائلًا :
-صاحبك مين ده يا كريم؟؟
تنهد كريم مُقرًا بالحقيقة فلا يستطيع الكذب أبدًا على حمزة :
-بصراحة يا حمزة هو مش صاحبي بس محتاج مساعدة ضروري
-ايه نوع المساعدة
مسح الآخر على عنقه من الخلف مترددًا في البوح بهذا ولكن حمزة كان مصرًا فقال :
-واحد دخل المستنقع اللي انا دخلته زمان وعايز يخرج ومحتاج مساعدة
فهم حمزة ما يرمي إليه بسهولة لذا قال وهو يهم بالتوجه إلى الداخل :
-طب استنى انا هاجي معاك
سحب كريم عضده بسرعة قبل أن يدلف معترضًا بلطف :
-لا يا حمزة معلش سيبني اروح لوحدي انا مش عايز أحرجه لو جيت معايا وهو عرف غلطه وعايز يتعالج، وانت عارف الموضوع بيبقى وقتها حساس إزاي
تنهد حمزة فهو لا يريده أن يذهب بمفرده ورغم هذا قال :
-طب خلي بالك من نفسك ولو حصل أي حاجة أي حاجة اتصل عليا ماشي
-ماشي يا بابا حمزة سلام
نطق بها بابتسامة ضاحكة وهو يتجه إلى المصعد ليقول حمزة يوصيه بشئ آخر :
-وسوق على مهلك أديك شايف دي سيول مش مطر
-حاضر
-واوعى تأمنله وخلي بالك منه علشان الدنيا متضمنش اليومين دول
قهقه الآخر بشدة وهو يضغط على زر الهبوط بعدما دلف إلى المصعد ثم قال :
-خلاص بقى غور ده لو انا بنت مش هتوصيني كده
انغلق المصعد فتنهد حمزة هامسًا بخفوت قبل أن يغلق باب الشقة :
-ما هو ده واجب الأخ الكبير يا كريم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تركت فرشة الشعر من يدها بعدما انتهت من تمشيط شعر شروق والتي أصرت على أن تتحمم لربما تفيق قليلًا لنفسها، ابتسمت بهدوء وهى تعطي لها قبعة صوفية ثم قالت :
-هاروح أشوف اللي على النار البسي دي علشان الجو برد
القت نظرة سريعة لبراءة الغافية على الفراش بعمق ثم أضافت بنبرة متهكمة :
-وصحي حيوان الكسلان دي، الضهر أذَّن من ساعة كفاياها كده
خرجت نور وتركت شروق تحدق في المرآة بملامح قل شحوبها بعد هذا الحمام الدافئ، والذي جعلها بالفعل تفيق قليلًا كما قالت نور، رفعت يدها تتحسس فوق حاجبها إذ كان مغطى بالشاش الأبيض بعدما سقطت البارحة على الرصيف واصيبت بجرح وقد تم تقطيبه
نزعت الشاش ببطء تحدق في الجرح ليقفز في عقلها منظر فريال وهى مذبوحة والدماء تحاوطها، انتفض جسدها بفزع على تلك الذكرى ولولا المهدئ الذي حقنوها به البارحة في المشفى ما كانت لتستطيع النوم
غيرت على الجرح من الشاش والقطن الموضوع على الخزانة الصغيرة بجانب الفراش ثم ارتدت القبعة الصوفية بعدما شعرت بلسعة برد، وفي هذه الأثناء دلفت نور وهى ترتدي ملابس تبين على أنها ستخرج كما أن في يدها مظلة، ثم اتجهت إلى براءة الغافية تهزها بقوة :
-براءة قومي حسن اتصل وقال اطلعله علشان مش عارف احنا في أنهي عمارة، انا ولعت النار على الطاسة التحمير قومي حمري الفراخ لحد ما أجي
سحبت الأخرى الغطاء على رأسها مهمهة برفض :
-لا انا سهرانة الليل كله سيبيني أنام
وصاحت الأخرى بغيظ وهى تضربها بالوسادة ولم تؤثر بها بسبب ثقل الغطاء :
-يعني انا اللي كنت نايمة، انا لحد الساعة تلاتة الفجر صاحية وكنت بلف مع ياسر على عائشة، وصحيت رتبت مع عمتك البيت وطبخت وغسلت المواعين وانتي جنابك نايمة قومي بقى بطل كسلك ده
ضربتها بعنف بالمظلة عندما لم تتلقى منها سوى الهمهمات فصاحت براءة وهى تبعد الغطاء عن وجهها :
-خلاص بقى امشي هقوم
-قومي دلوقتي الطاسة على النار وعمتك مشت الصبح وقالت هتشطب بيتها وجاية تاني
اعتدلت براءة حتى ترحل وتحل من على رأسها وقد رحلت نور بالفعل بعدما رأت براءة تدلف إلى المطبخ، بينما الأخرى اطفأت الموقد حتى تعود للنوم ولعدم تركيزها لم ترى أنها اطفأت على إناء الشوربة وليس على الزيت
عادت للغرفة مرة أخرى ونامت بجانب شروق المسطحة على الفراش، بينما الأخرى كانت تود النوم حتى لا تفكر فيما حدث ولكن مرت دقائق طويلة ولم يجافيها النوم فوقفت وهى تشعر بالظمأ الشديد
وأثناء اتجاهها إلى المطبخ ببال شارد أبصرت دخان شديد يخرج من المطبخ فاطلقت صرخة قوية وهى تدلف إلى الداخل، ولقوة النيران هبطت للأسفل زاحفة على قدميها ويديها ناحية الموقد حتى تطفأ على الزيت الذي يشتعل، ولكن حتى بعد أن اطفأت النيران لم تخمد فالتصقت في أحد الزوايا وهى تصرخ بقوة شديدة مستنجدة بأحد...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخرج السيجارة الأخيرة من العلبة وقد اشعلها ملقيًا بالعلبة الفارغة داخل سلة المهملات الممتلئة بأعقاب السجائر، ابتسم ساخرًا وهو يخرج إلى الشرفة فعندما يرى يوسف كم السجائر التي شربها سيثور عليه بالطبع
ولكن عليه أن يلتمس العذر له فهو يشعر أن عقله سينفجر من كم الضغوطات التي يمر بها، وهذه السجائر هى من تخفف عنه حدة الضغوطات، فمن جهة ذلك السفاح الطليق، ومن جهة أخرى شروق الشاهدة الوحيدة عليه والتي لا تتحدث بسبب الصدمة التي تعرضت لها
ومن جهة رقية وكسر ثقتهم بها بعدما علموا أنها تقابل عمر من خلف ظهورهم منذ أسابيع، ومن جهة أخرى عاصم الذي يحب شروق وكم ظهر هذا واضحًا في عينيه، ذلك الحقير الذي وكأن القدر ساقه لينغص عليه حياته
لكن لا، فوالله لن يترك له شروق كما ترك له عايدة سابقًا ولو انقلب قردًا
نفخ الدخان في الهواء فأصبح يتطاير أمام عينيه وهو شارد في هذه الحياة المبعثرة التي يحيا بها، وإذ بجسده يستدير بشكل عفوي على صوت فتح باب الغرفة ليجده يوسف وملامحه قلقة، فقال وقد تسرب قلقه إليه :
-فيه ايه يا يوسف؟!
-هى ريحة الدخان دي جاية من عندك انت؟؟
-دخان؟!
نطق بها يونس مستفهمًا ليقول الآخر وهو يدلف، وبالطبع لم يعجبه كونه يدخن منذ البارحة بهذه الطريقة :
-فيه ريحة شياط مش عارف جاية منين
نفخ يونس الدخان في الهواء هاتفًا بنبرة ساخرة :
-مش من عندي، انا لسه مولع السيجارة والدخان بيروح في الهواء تلاقيها واحدة فاشلة حرقت الأكل
وما إن أنهى حديثه حتى صدح صوت صراخ انثوي من الطوابق السفلى فقال وهو يؤكد الأمر :
-مش قولتلك
علىٰ هذا الصراخ بشكل مخيف فقال يوسف وهو يركض للخارج :
-ده مش شياط دي أكيد حريقة
هبط هو ويونس بسرعة للطابق الثالث تزامنًا مع خروج عثمان وابنيه من الشقة لأن الصراخ كان يصدح من شقة الفتيات، ليتجه إليها عثمان طارقًا الباب بعنف وصوت الصراخ يعلو ولا ينخفض، حتى أن سكان البناية بدأوا في التجمع
وعندما لم يجد عثمان اي استجابة من الداخل صرخ في ابنيّه وابنيّ أخيه قائلًا :
-انتوا هتتفرجوا عليا؟! تعالوا اكسروا الباب ده
اقترب حمزة ويوسف من الباب ودفعاه سويًا مرة واثنتين، وفي الثالثة انفتح الباب من تلقاء نفسه وظهرت من خلفه براءة بأعين زائغة يملأها الخوف، فقال حمزة بقلق وهو يحاول أن يختلس النظر للداخل :
-فيه ايه؟ مين بيصرخ جوا؟؟
عادت براءة بسرعة للخلف لتقول بنبرة فزعة وهى تحاول إخفاء خصلات شعرها أسفل زونت المنامة الشتوية التي ترتديها، فمن شدة تخبطها بين طرقات الباب العنيفة وصوت صراخ شروق داخل المطبخ لم تستطع أن تحدد ماذا تفعل خاصةً انها لا تزال مستيقظة على أصوات الصراخ :
-شروق جوا المطبخ وفي نار عالية مش عارفة ادخلها ولا هى عارفة تطلع
دلف يونس وعمه عثمان وابنيّه متجهين إلى المطبخ بسرعة وتبعهم يوسف لكنه استدار إلى براءة محدقًا بعدم رضا وغيرة في منامتها الضيقة التي تحدد جسدها بأكمله وقد رآها الجميع هكذا :
-ادخلي البسي حاجة واسعة جسمك كله متحدد
تركها ودلف خلفهم إلى المطبخ وكان الأمر كالتالي، يحاول حمزة وكريم وعمه عثمان إخماد النيران، ويونس يبحث عن شروق ولا يراها من كثرة الدخان، والأخرى انقطع صوت صراخها فور دخولهم فلا يستطيع تحديد مكانها
ولكنه ابصرها في النهاية متكومة أرضًا في إحدى الزوايا تحاول التقاط أنفاسها من كثرة الدخان وكأنها اصيبت بنوبة ضيق تنفس، اتجه إليها بسرعة وجثى أمامها يحاول سحبها حتى يخرجها من هنا، ولكن جسد الأخرى أعطى رد فعل آخر إذ أخذت تدفعه بهستيريا
صرخ بها يونس يحاول إيقافها عن هذا يعلم أنها في دائرة اللاوعي مثل تلك المرة التي كادت تصدمها السيارة أمام قسم الشرطة ولولا أن عاصم سحبها لكانت الآن ميتة
وعندما لم يجد فائدة من جعلها تتوقف مد ذراعيه واحاطها بقوة رافعًا جسدها من على الأرض ثم خرج بها للخارج بعيدًا عن الدخان، بينما شروق تصرخ وتبكي دون وعي منها
شعر يونس بالخوف عليها خاصةً انها لا تستطيع التنفس وتصرخ في آنٍ واحد وهكذا ستتعرض لإنهيار عصبي وشيك، اقتربت منه والدته ورقية صائحة به وهى تحاول جذبها من قبضته :
-سيبها يا يونس مش عارفة تتنفس
افلتها الآخر فساعدتها رقية وعبلة على الجلوس على الاريكة وهى تحاول أن تجعلها تهدأ، وبعد فترة من الوقت خرجوا من المطبخ وهناك بقع سوداء على وجوه البعض واحتراق في ملابس البعض الآخر ولكنهم قاموا بإطفاء ذلك الحريق في النهاية
نظرت ناهد بقلق إلى شروق التي هدأت بصعوبة بين ذراعي شقيقتها لتقول متسائلة :
-انتي كويسة؟! النار طالتك؟
واجابتها عبلة نافية بعدما تفحصت شروق جيدًا :
-لا الحمد لله مفيش حاجة، هى جالها ضيق تنفس بس من الدخان
تحدث عثمان وهو ينظر إلى المطبخ الممتلئ بالسواد أثر النيران متحدثًا بضيق :
-الحريقة دي حصلت ازاي نسيتوا حاجة على النار أكيد
وهذه المرة اجابته براءة بحيرة شديدة وهى تنفي برأسها :
-انا كنت نايمة وشروق جنبي ومحطتش حاجة على النار قبل ما أنام تلاقيها نورهان
وتحدث حمزة بقلق وهو يبحث عن نور في الموجدين ولم يجدها، وأيضًا تذكر أن لا أحد كان في المطبخ سوى شروق كما أن يونس اخرجها :
-وهى فين نور؟!
بحثت براءة بعينيها في الموجودين وبالفعل لم تكن نور متواجدة رغم أن ما حدث جعل جميع المتواجدين في البناية يأتوا إذًا أين هى :
-مش عارفة؟! والنهاردة اجازة رسمية أكيد مش في المدرسة، مش عارفة راحت فين؟؟
نظرت إليها شروق بملامح جامدة قبل أن تصرخ بها فجأةً بطريقة افزعت الجميع :
-مش قالتلك نازلة وخلي بالك من طاسة الزيت روحتي طلعتي دقيقة ورجعتي اتخمدتي تاني
ولبراءة عادة سيئة إذ تنسى أي شئ حدث معها إن كانت تشعر بالنعاس أو لا تزال مستيقظة لذا لم تتذكر أن نور اخبرتها أنها ستخرج أو أن تهتم بالمطبخ حتى تأتي
وعندما وجدت الأبصار كلها معلقة بها هتفت بسرعة وهى تهز رأسها تنفي كل هذا :
-والله ما حد قالي حاجة ولا فاكرة اني نور صحتني أصلًا؟!
