اخر الروايات

رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل السابع والعشرين 27 بقلم رؤي صباح مهدي

رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل السابع والعشرين 27 بقلم رؤي صباح مهدي


الفصل 27
صدمة الحقيقة
قبل سنوات
ارتعدت جوانح جونثان من شدة البرد بينما فرانسوا يحاول ان يجد بعض الخشب الغير مبلل ليشعله في تلك الليلة الباردة. كأن الغيوم تجمعت كلها فوق رأسيهما والخوف من الوحوش البشرية والحيوانية زاد من طول الليل الموحش. عاد فرانسوا بعد نصف ساعه يحمل بعض الاعواد وقال لجونثان:
"لا ادري ان كان الحظ سيحالفنا باشعال هذه الاعواد"
اجاب جونثان بسخرية وهو يرتجف:
"ليس لدينا خيار سوى المحاولة, اذا لم ننجح اعتقد انني ساحرق بعضا من ملابسي والا سنموت هذه الليلة"
ولكن الحظ حالفهم فالاعواد اشتعلت اخيرا وجلسا يتدفئان حولها حتى انهما وضعا بعض قطع اللحم القديمة من ارنب وجداه سابقا على النار وارتاحا لدرجة التسامر :
"اخبرني يا جونثان كيف كان والدي.."
بحلق فيه جونثان ورد:
"الا تعرف كيف كان والدك؟"
رد فرانسوا متداركا:
"لقد قضى اغلب وقته في خدمة عائلتك ثم خدمتك. كان يعتبرك ملكا حقيقيا حتى انه طلب مني ان ابقى معك واحمل مسئولية حمايتك من بعده"
تراقص اللهب على وجه جونثان حين قال:
"انه رجل بقدر كلمته. لقد حماني وحرص على ان اكون آمناً"
سأله فرانسوا مترددا:
"هل تحدث عنا طوال الفترة التي كان يبقى فيها معك؟"
صمت جونثان قليلا ثم قال:
"ليس كثيرا.. ولكن في كل مرة يتكلم فيها عنكم اشعر في صوته حنين واشتياق لرؤيتكم وما يمنعه واجبه في حمايتي. لقد علمني كل شئ اعرفه يا فرانسوا وانا حقا ممتن لك لانك ترافقني الان"
وتخلخل صوت جونثان حين اكمل:
"سانتقم من ويليام شر انتقام .. ليس فقط لعائلتي بل لالفرد ايضا. اشعر ان جزء كبيرا مني ضاع بغياب الفرد"
ابتلع فرانسوا ريقه وبحزن رد:
"وانا معك.. يجب ان انتقم لمافعله بوالدي.. ذلك الموت البشع الذي عاناه والدي "
ونزلت دمعه على خده فواساه جونثان بالقول:
"لقد خسرت والدي ايضا لذا انا اعرف كم هو صعب هذا الامر.. ولكن فرانسوا . لازلت في بداية الرحلة لذا انا لن اجبرك على البقاء معي. عد الى والدتك واخيك. عش معهما حياتك بامان لان حياتي ممتلئة بالخطر. لا اريد ان تفقد العائلة فردا اخر من افرادها بسببي"
رد فرانسوا بحزم وثقة وهو يقلب قطع اللحم ويمسح دمعته:
"لن ادع موت ابي يذهب سدا.. ساكمل ما بدأه ابي وما آمن به. وانت يا جونثان ستكون املنا جميعا"
قال جونثان لفرانسوا محاولا ان يجعله يعيد النظر في قراره كمرة اخيرة :
"سنجوع ونبرد ويطاردنا الجنود ظنا منهم اننا جواسيس او قتله وستطاردنا الحيوانات البرية ظنا منهم اننا طعام.. لن نستقر في مكان ولن ننام على وسادة.. لن تجد الوقت للنساء ولن تزور والدتك الا قليلا جدا. ستترك كل حياة اللهو وستدخل حياة المشقة وصدقني كل الكلام لا يصل الى مرارة الحقيقة عندما تكون واقعا"
بثقة قال فرانسوا :
"ليعيننا الرب اذا يا صاحبي على كل هذا الالم"
--
الان
كان الطريق متعبا ولكن هذا لم يردع فرانسوا من الذهاب الى والدته.. شعر ان شيئا ما ليس صائبا واحس بمرضها وليس اي مرض بل هو النوع الذي يجبرها على مراسلته ليعود. طوال الرحلة كان يفكر وبدأ راسه يدور من كثرة التفكير ولم يصدق حين وصل الى المدينة الجنوبية فنزل عن حصانه وطمس حذاءه طويل العنق بالوحل الذي يغطي كل شوارع المدينة الفقيرة بينما صهوة الجواد بيده. لمحه رامون من بعيد واراد ان يعرف منه بعض الاخبار وان كان صحيحا ما يتناقله البعض من اشاعات حول الملك الجديد. صاح من بعيد بصوت متبسم ولايزال لديه بعض الجروح من معركته مع ابراهام:
"فرانسوا!! لم نرك في هذه الانحاء منذ فترة طويلة"
تثاقل فرانسوا بالجواب ولم يرد ان يتبادل حديثا مع رجل لا يستسيغه. مجبرا رد بجفاء:
"رامون.. ارى ان لونا جديدا قد اضيف الى وجهك"
قهقه رامون فاهتز كرشه ومن بين قهقهاته رد على فرانسوا:
"كان مزاحا ثقيلا مع ابراهام. لم يعجبه العبث مع فتاته وخضنا نقاشا... حاد"
حك رامون ذقنه بينما استرعى انتباه فرانسوا كلمة "فتاة" من بين الحديث. كان فرانسوا يفكر في الكلمة عندما قال رامون:
"هل صحيح ما نسمعه من اشاعات عن الملك الجديد؟ لقد وصلني انك تقضي كل ايامك في القصر هذه الايام"
فرانسوا يعلم كم ان رامون متملق ولا يترك فرصة الا ويتسلق من خلالها لذا رد عليه كي يقطع دابر الحوار الثقيل معه:
"اعتقد انك تعرف كل شئ ولا تحتاج الى معلوماتي يا رامون"
ثم سحب فرانسوا الحصان وسار ليتبعه رامون موسوسا:
"انت بحاجة الى رجال يا فرانسوا. انا هنا وبامكاني ان اساعدك"
اجاب فرانسوا متضايقا:
"كما كنت تساعد المرابين من النبلاء.. دعني اخبرك امرا ايها البدين. هذا العمل سينتهي قريبا. ساحرص بنفسي على ذلك. لا تتبعني لانك تعرف جيدا اننا لن نكون ابدا صديقين"
سار بضع خطوات مبتعدا ثم قال أخيرا:
"لا يغرك شكل ابراهام المتسامح. قبضته لا تخطأ ابدا وتترك لونا مميزا جدا بعد ان تضرب. لا تتحرش به هذه هي النصيحة الوحيدة التي اعطيها لك"
وسار اسرع من ذي قبل مخلفا وراءه رامون واقفا ونظرة شرسة على وجهه. لم يهتم له فرانسوا يوما مع انه يعرف جيدا ان لهذا الرجل نفوذ كبير في هذه الانحاء. ربما لم يكن عليه معاملته بذلك الاحتقار.
وصل الى البيت وفتح الباب ودخل. سار مباشرة الى غرفة ماتيلدا ووجدها مستلقية على سريرها وتهللت اساريرها لرؤيته:
"يا ولدي ... لقد اتيت"
احتضنها بود ورد عليها:
"بالتأكيد سأتي .. لقد قلقت جدا عليك يا امي ماذا حصل"
اجابت وابتسامة تعلو وجهها سعيدة برؤيته:
"شعرت بتعب مفاجئ... ليس كتعب كل مرة رغم اني اشعر الان بتحسن كبير لم يخرج الخوف من الموت من فؤادي. اردت رؤيتك بشدة يا فرانسوا"
ثم سألته:
"هل انت جائع؟ بالتاكيد انت جائع"
لم تسمع له بان يرد رغم قلبه الذي تسارعت نبضات حينما ذكرت الموت. صاحت:
"جوزفينا يا ابنتي هل تحضرين طبقا دافئا لفرانسوا ارجوك"
ثم سألته:
"هل قابلت جوزفينا, يا فرانسوا؟"
بحلق فيها غير مصدق.. سألها مصدوم:
"من.. من.. جوزفينا؟"
ردت عليه وهي تمسك يده متبسمة:
"فتاة مسكينة ساعدها ابراهام بعد الهجوم على عربتها.. تسكن الان معنا ونخبر الجميع انها من الاقارب"
ابتلع ريقه لا يدر بماذا يفكر. هل يعقل انها الاميرة المختفية؟ لم يعد لديه اي شك او تساؤل فحين دلفت الغرفة تحمل وعاء حساء واضعه بسمتها البرئية على وجهها اصابه الذهول. اراد التكلم ولكن والدته قالت بعطف:
"هذه جوزفينا.. انها تعتني بي وبابراهام جيدا.. ادعو الرب ان تعود لها ذاكرتها لتتذكر من تكون"
لم ينطق الى الان بكلمة. الصدمات تتوالى عليه منذ دخل البيت. شعر بحاجة ماسة للحديث مع ابراهام. هذه الفتاة يجب ان تؤخذ الى جونثان.
همست جوزفين وهي تنظر الى نظرات فرانسوا الغريبة:
"ارجو ان يعجبك الطعام. لقد علمتني ماتيلدا طريقته ولكني لن اتمكن ابدا من صنعه كما تفعل هي"
كان يتابعها بنظراته عندما غادرت الغرفة ثم جلس على سرير والدته متحيرا. قالت له بعد ان تذوقت الاكل:
"فتاة طيبة.. اخوك لا يريد ان يقول الحقيقة بشأنها .. اشعر انه يخفي الكثير. كان الامر في بدايته يقلقني ولكن الان انا حقا سعيدة بوجودها هنا. انها كالابنة التي لم يرزقني بها الرب. وابراهام.. انه يحبها كثيرا"
نظر لها ونفس الصمت لايزال مخيما عليه. كأن القط اكل لسانه. مع ان عقله كان ضاجا بالافكار. لاحظت ماتيلدا صمته فسالته:
"لماذا انت صامت يا ولدي؟"
سالها باصرار:
"اين ابراهام؟"
اجابت بصوت فخور:
"يعمل.. لن تصدق انه في هذه الايام القليلة وجد عددا من الناس المحتاجين لاصلاحات في بيوتهم يبدو ان جوزفينا فتاة مباركة لتجلب معها الحظ الجيد لابراهام وليس فقط السعادة"
لم يعر كل الحديث الذي قالته والدته اي اهتمام. بل سالها:
"متى سيعود الى البيت؟"
ردت وهي الان متضايقة من نبرته العصبية:
"لا ادري.. حين ينتهي من عمله"
نهض واقفا فامسكت بيده مترجية:
"اشعر انك ستفعل شيئا يضر ابراهام.. لا تفعله ايا كان يا فرانسوا"
لم يرد بل خرج من غرفتها وهي تنادي عليه بصوتها المتعب لتركض جوزفين الى الغرفة فلم يسعه الحديث معها على انفراد. جلست جوزفين على حافة السرير تحاول تهدئة ماتيلدا التي بدأت تسعل. اقترب منها فرانسوا من جديد وقال لها بهدوء:
"لا تجهدي نفسك يا امي"
ردت عليه:
"ماذا تريد من ابراهام؟"
اجابها:
"لا تقلقي.. "
ثم اراد ان يشعرها بالفخر لما حققه مع جونثان فقال على مسامعها وعلى مسامع جوزفين عل الاخيرة تتذكر شيئا:
"جونثان اصبح ملكا.. انا مستشاره ويده اليمنى. لقد حققنا الحلم يا امي"
لم يجد اي علائم للفخرعلى وجهها. هذا الحلم تحقق بسكب الكثير من الدماء وبالفراق المر .. كبر هذا الفتى بعيدا عن احضانها ومع مرور كل يوم كانت تموت الف مرة خوفا عليه من بطش ويليام وحراسه. قال لها:
"فور ان تستقر الاوضاع ساخرجك من هذا الحي النتن. سنذهب الى بيت جميل وواسع قرب بحيرة صافية ولاتسمعين هنالك سوى زقزقة العصافير.. سنعود الى سابق عهدنا كما كان والدي يعتني بنا"
تبسمت ونظرت له بحنو كبير ثم ردت:
"لا شك لدي يا ولدي انك ستفعل كل هذا.. ولكن دعني اقول هذا الامر الذي ابقيته سرا لسنوات.. والدك اشترى لنا فيلا. عندما كان يخدم في القصر. لقد اخذ جنود ويليام عندما قتلوه الكثير من الوثائق ومن ضمنها وثيقة الفيلا. ان استطعت ان تعيد لي تلك الممتلكات التي هي في الاساس من حقي. سيكون كافيا علي جدا"
تسائل بينه وبين نفسه.. اليس للمفاجئات هذا اليوم نهاية. ظلت تنظر اليه بينما هو يفكر بالكثير منذ دخل الى البيت الذي لطالما كان روتينيا والان سير الاحداث فيه تاخذ منعطفا عجيبا.
لم يسعفة الوقت ليرد عليها بشأن الفيلا حيث وصل ابراهام الى البيت. ركض فرانسوا اليه وعندما تقابل الاخوان تبادلا نظرات تحدي لا مثيل لها. ابراهام كان يعرف ان فرانسوا لن يترك جوزفين ابدا. فهو عبد جونثان المطيع. سال ابراهام بلكنة غير مرحبة:
"ماذا جاء بك الى هنا. هل تذكرت فجاءة ان لديك عائلة"
رد فرانسوا مستفزا اياه:
"لقد ارسلت امي بطلبي.. يبدو انك لم تكن تعتني بها كما يجب يا اخي الحنون"
تضايق ابرهام من كلام فرانسوا وكشر عن اسنانه وقال:
"اعتقدت انك مشغول الان مع ملكك الدموي.. هل لا يزال يقتل النساء العزل ويعذبهن ام انه اكتفى"
اجاب فرانسوا بنفس مستوى الغضب الذي لدى اخيه:
"يبدو ان احداهن هربت من بين يديه وهي تسكن في بيت شخص اعرفه تمام المعرفة"
ونظر الى غرفة ماتيلدا حيث كانت جوزفين تقف عند الباب... سار ابراهام ناحية فرانسوا وسحبه وخرجا خارج البيت.. قال له ابراهام بعد ان صارا بعيدا عن سمع ورؤية جوزفين المتعجبة من هذا الاضطراب بينهما:
"ما فعله جونثان الا يتنافى مع مبادئك؟ مبادئ ابي التي علمنا اياها؟ انه اراد قتل العائلة باكملها لانه يكره ويليام ويريد الانتقام. انا اتفهم ملاحقته للويس ولكن ماذنب الفتيات؟ هل اذين مشاعر جوني الصغير ويريد الانتقام الان؟"
اجاب فرانسوا متفاديا النبرة الاستهزائية لابراهام:
"يجب ان اخذها اليه.. لا يسعني الكذب عليه"
خفق قلب ابراهام لانه يعلم ان فرانسوا ان اصر على شئ .. لن يتبدل رايه. حتى ان توسل اليه. فلن يزيده هذا الا عناد. رد:
"انا لم اطلب منك شيئا طوال حياتي.. الان الشئ الوحيد الذي ارجوك ان تفعله هو ان تتركنا انا واياها نعيش بعيدا عن القصر بهدوء.. انها لا تتذكر اي شئ. قد لا تعود لها ذاكرتها ابدا"
اجاب فرانسوا:
"كيف وجدتها.. اخبرني"
تبسم ابراهام وقال:
"دلني عليها قلبي. وانقذتها من احد جنودك العفنين كان يريد اغتصابها. هل هذا الذي كنت تكافح لاجله يا اخي. ارجوك.. اتركها وشأنها"
هز فرانسوا رأسه معاندا واجابه:
"ساخذها الى جونثان شئت ام ابيت. هو لوحده من سيقرر ماذا سنفعل بها. وانا ساتكلم معه وان وافق ساعيدها اليك"
شعر ابراهام بغضب عارم. صرخ في فرانسوا:
"على جثتي اذا يا اخي.. لا احد سيأخذها الى اي مكان الا ان ارادت هي الذهاب اليه.. اخبرني هل لديك القدرة على قتل اخاك بدم بارد لترضي صديقك المعتوه المريض"
ثم تمتم بصوت سمعه فرانسوا جيدا:
"أنت تخوض معركة رجل اخر يا فرانسوا.. معركة لن تحصل فيها على المديح ابدا"
ثم استرسل مقطبا حاجبيه:
"في احيان كثيرة اتسائل ان كنت لا تزال اخي ذاته الذي تربيت معه ولعبت معه وتعلمت معه ومنه . لقد تغيرت يا فرانسوا لقد غيرك جونثان وحقد جونثان فاصبحت قاسيا مثله عديم الاحساس لا تفرق بين الظالم والمظلوم يحدوك الانتقام .. والانتقام وحده. لقد تمردت على كل شي وكل احد وأصبحت نظرتك للامور مغوشة والأمور كلها اختلطت ببعضها في عقلك"
صرخ فيه فرانسوا في لحظة دفاعية:
"التمرد هو الطريق الوحيد لي لاكون انسان حر يا ابراهام تفهم؟ انا سيد نفسي لم يعلمني احد بل علمتني قسوة الايام "
خزره فرانسوا بنظرة طويلة وتأكد من اصراره على مايقوله. هل لديه يا ترى القدرة على معاركة اخيه وماستكون نتيجة تلك المعركة.. ابراهام الذي تقريبا لا يمسك السيف ولا يقاتل به ضد فرانسوا الذي قضى شطرا كبيرا من حياته يتعلم اصول القتال.. صوت صدح في راس فرانسوا. انه بالتأكيد يحب جوزفين الى البعد الذي يجعله يغامر بحياته بهذا الشكل. ومع هذا لم يكن ناويا التراجع ابدا عن قراره. لم يقل كلمة اضافية فالجدال لن ينفعه ابدا هو مصر على رأيه وابراهام مصر هو الاخر على رأيه.. دخل البيت وتبعه ابراهام وهو يقول بصوت هامس:
"لا تخبرهما بالامر.. فرانسوا لا تفعلها.."
لكن فرانسوا كان عنيدا بشكل كبير ليدلف كالثور الهائج الى غرفة والدته وهناك جوزفين ايضا ويخبرهما بالحقيقة كاملة بما يخص هوية جوزفين. اصابتهما الصدمة و الدهشة وشعرت جوزفين بالضياع وهي تنظر الى فرانسوا بحركة دفاعيه منه يمسك بسيفة بحاجبين معقودين ويتكلم بشغف عن والدها واجرامه وموته. شعرت ان الارض تدور بها.. لقد صدمها بالليلة التي نسيت كل شئ حتى لا تتذكرها. لم تشعر بشئ سوى صوت ارتطام جسدها بالارض بعد ان فقدت الوعي.
--
وصلت رسالة الى القصر. اعطاها الحاجب الى جونثان الذي قرأها بتمعن ثم قهقه حتى سمع كل من كان متواجدا صوته. بعد ان فرغ من الضحك سأل الحاجب:
"اين الاميرة؟"
رد الحاجب بصوت مؤدب:
"ذهبت الى الخارج قبل قليل"
سار جونثان بسرعه وبخطوات واسعه حتى وصل الى مكان كان يراها من بعيد من خلاله. في حديقة القصر التي زال لونها نزلت قطرات بطيئة خجولة من المطر ويبدو ان ميري كانت تستمتع باثارها على وجهها. تأمل حركاتها العفوية لدقائق ثم انطلق مرة اخرى باتجاهها ليفسد عليها لحظتها الجميلة:
"لم تتغيري... لازال المطر من مفضلاتك"
تداركت ووقفت تنظر اليه بقلق بينما اخرج الورقة رفعها امام عينها وقال لها:
"احزري من الذي ارسل لي تهديدا؟"
ابتلعت ريقها وفي بالها اسم واحد.. انه لويس بالتأكيد جمع مناصري والدها وسيحارب لاسترداد العرش. قرأ ذلك الامل على وجهها ليضحك ويقول:
"تفضلين اخاك علي. بالتاكيد ستفعلين ولكن .. سيخيب ظنك فالفأر لايزال في جحره مختبأ"
ارتبكت وهي تسمعه يسترسل:
"خطيبك النحيل.. الذي لم يأخذ مني سوى ضربة واحدة هو وعمه الاصلع ليسقطا ارضا بلا حراك. تذكرين يوم الحفلة.. هذا كان انا وليس هو"
تغيرت معالمها.. همهمت متشتته:
"انت؟؟ كيف انت؟؟"
رد بثقة متلاعبا بالكلمات:
"لا يمكن ان تجمعي الثروة والوسامة سويا.. لقد كان اخرقا عديم النفع.. لا تقلقي سنجد لك عريسا افضل واجمل واكثر رجولة منه يا ميري.. والان الا تريدين معرفة فحوى الرساله؟"
نظرت له بخوف ليكمل:
"يريد مني تعويضا ماديا ومعنويا. يبدو ان الصغير احبك حقا يا ميري.. يريد مني ارسالك اليه كهدية بعد موت والدك كتعويض معنوي ومادي يريد المزيد من الاراضي ليكون حليفا للملك الجديد. حقا لقد كانت والدتي مخطئة حينما اعتقدت ان الحب يضمن الولاء.. فالولاء لا يشترى الا بالمال"
ثم خزرها فوجدها لا تزال مشتته لا تدري ما تقول. اقترب منها والمطر بدأ يزداد. ابتعدت عنه في حركة دفاعيه فقال بنبرة جدية:
"تصوري حياتك في قصرذلك الابله"
ردت عليه بجرأة متخوفة:
"كحياتي هنا"
تبسم وهو يراها تقصف جبهته برقة. اجاب:
"لندخل. المطر يزداد.. هيا"
اجابته وهي ترد يده التي مدها ليجذبها من ذراعها:
"ادخل انت.. انا سادخل عندما اشاء"
زفر بغضب ورد عليها:
"ميري لا تختبري صبري معك. الطاعه هي فقط من سيجلب لك السكينة"
عضت على شفتيها بكمد وذهبت معه للداخل. فور ان دخلا اقترب منه الحاجب وقال له:
"مولاي مبعوثي البابا وصلا توا باخبار من روم"
تبسم وهو يقول لميري:
"حضري نفسك للعشاء اليوم سنتناوله سويا"
ثم غادر مسرعا الى مكتبه ليجد الرجال هناك. قال له قائد البعثة:
"لقد اوصلت رسالتك الى روم يا مولاي. لقد بارك البوب زواجك من الاميرة وسيرسل الى هنا رجلا خاصا من الكنيسة ليكون سفيرا لهم في القصر. هذا هو شرطهم لاتمام دعمهم لك"
اختفت الابتسامة من وجهه. رد بتهكم:
"اذا هم ببساطة يريدون وضع جاسوس هنا ويتحكمون بافعالي واوامري .. كل ما افعله سيكون متابعا من قبلهم لقاء دعمهم لمطالبي في العرش"
رد المبعوث:
"هذا مايبدو يا مولاي. هم ايضا يريدون منك مبلغا ماليا يرسل اليهم دوريا كتبرع للفاتيكان"
اكفهر وجه جونثان ولكن مالذي كان يتوقعه. كل الملوك يفعلون ذلك والا ستقوم الحرب وبدون دعم روم يحتاجون الى ولاء مطلق من العامة والنبلاء والجيش. انه لا يملك ذلك لذا عليه ان يفعل ما هو مجبر على فعله.
صرفهم بعد ان ختم على رساله منه بالموافقة على مطالب الكنيسة ثم ذهب ليتحضر لوجبة العشاء التي ستكون مع ميري. حينها سيخبرها الاخبار السارة. زواجهما سيكون قريبا جدا.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close