رواية عملتان لوجه واحد الفصل السابع والعشرين 27 بقلم آية الطري
٢٧- اختطاف
ما بال الأيام تمر وحدها وتنسى أرواحنا في ظلامِ الأمس، لا تترك في الذاكرة أثرًا ولا تنزع منها حزنًا، بؤسًا فوق بؤسٍ والمُسمى نعيش.....
+
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد💞
+
☆اضغطوا على النجمة☆
+
---------------☆☆☆
+
كافحت سنوات طوال، عاصرت فيهم أمَرِّ العذاب على يدي مَن يُسمى زوجها، رماها بأبشع الصفات و كسر كرامتها مراتٍ لا تحصى بإتهامات شنيعة يرتجف لها البدن، ومع كل ذلك صمدت لأجله، من أجل ابن عُمرها الذي نال معها مِن العذاب نصيب ليس بالهيِّن، وما أوشكت أن تأخذ أنفاسها أتتها رياح أشد قوة تزعزع ثبات أيامها وتُهدد عرش أمومتها...
+
سلمت من صلاة العشاء ومدت يدها تسحب صورته الموضوعة جانبها، احتضنتها باستماتة وعينيها تزرف نيران اللوعة، رعب حقيقي سكنها، فكرة فقدانه تُعد نهاية حتمية لها، نظرت لوجهه الضاحك بالكاد تراه من بين دموعها وهتفت فيه بخفوت مشبع بالرجاء:
_" انت ابني أنا والله العظيم ابني... أوعى تصدق حاجة غير كدة... اياك يا سيف اياك "
+
عادت تضم الصورة بقوة أكبر كأنها بذلك ستحفظ وجوده، فجأة انتفضت مشدوهة من ارتجاج باب الشقة بطرقات عنيفة...
+
هرولت للخارج حافية القدمين لتجد سلمى وبتول تقابلاها ولا تقلان عنها رعبًا، هتفت ببحة وهي تضرب على صدرها:
_" استر يا رب هو اليوم ده مش عايز يعدي على خير ليه!!؟ "
1
_" ماتفتحيش يا ماما دول شكلهم الناس اللي طردتيهم " هكذا حذرتها سلمى بصوتٍ مرتبك يظهر به الخوف وشرعت تتصل بزوجها الذي ولسوء حظهم خارج الحي منذ الصباح..
+
في نفس اللحظة صدح صرير الخشب فور انكسار الباب، ارتفعت صرخاتهن وتحولت مجدة في لحظات لوحش يحرس صغاره تحاميهم بذراعيها وتُخبئهم خلف ظهرها وهي تصيح على من ينجدهم...
+
لكن المشهد أمامها أفقدها النطق لثوانٍ ترى مجموعة مسلحة لا حصر لها اقتحمت المنزل في لمح البصر ففلتت منها شهقة مذعورة وصوتها المرتجف خرج سائلًا:
_" أنتم مين وعايزين ايه؟؟ "
+
صوت تكتكة السلاح حينما شدَّ أحدهم الأجزاء كان كافيًّا لتجميد الدماء في عروقهن:
_" اللي هيطلعلها صوت هنخلص عليها "
+
وقفن يرتجفن أمامهم لا يقدرن على النطق بكلمة فقط أنفاس لاهثة مُرتَابة وسط ذاك الموقف المروِّع، نزلت سلمى ببصرها للهاتف بين يديها لتجد المكالمة جارية كتمت الصوت خِفية حتى لا يصل هُتاف شادي لهم ،
2
انتبهت لانتفاضة بتول جوارها كأنها رأت شيطان من قلب الجحيم، نظرت لِما تعلق نظرها به فوجدته يخرج من بين رجاله بطلته المُتعالية ..... كان هو .... كمال الصيفي، نفس الرجل الفاسد عدو أخيها، والد الخسيس الذي سبق وحطمها تمامًا...
+
_" انت مين!؟ " صاحت بها مجدة بصوتها المختنق فناظرها بازدراء كأنها حشرة مزعجة ثم نبس في سخرية مُمتزجة بالشر:
+
_" مستقبلة بنت أخويا في بيتك من شهور وماعرفتكيش أنا مين!... معلش أصلها *** زي أمها الله يجحمها ومابيطمرش فيها خير "
+
ثم أشَّر باصبعيه فقط ليتقدم أحد الرجال من بتول التي انكمشت على نفسها وانفجرت في بكاء عنيف تتشبث بجلباب مجدة ولم تخذلها إذ دافعت عنها في شراسة:
_" ابعدوا عنها ماحدش يقرب لها... آاااه "
+
صرخت بألم حينما دفعها الرجل بقوة ألصقتها بالأرض وسحب بتول رغمًا عنها اتجاه عمها الذي شيعها بنظرات توعد وقال ساخطًا:
_" ارموها في العربية لحد ما أصفي جزء من حسابي وأرجعلها"
1
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وتمسكت في ذراعه تترجاه بأنينها المكسور ألا يؤذيهم مما جعله يصك أسنانه ويقول بجنون:
_" خايفة عليهم يا بت ال*** طب اتفرجي بقى "
+
قالها وهو يجذبها من شعرها ويسلط وجهها نحو سلمى التي تجسو جوار أمها تغطي ما ظهر منها بقهر وتساندها لتجلس لكن شهقت بوجع و ذعر حينما باغتها أحدهم قابضًا على شعرها من الخلف فانزلق حجابها الخفيف وكادت خُصلاتها تترك فروتها، سحبها كالشاه ناحية كمال غير عابء بضرباتها الواهية ودفاعها المستميت لتفلت من قبضته...
+
_" سيبوا بنتي يا ولاد الكلب... ربنا ينتقم منكم... عاملنا فيكم ايه حرام عليكم !!!! " كلمات منهارة تخرج من مجدة وهي تعترض طريق الرجل وتُدافع عنها بشراسة أم تُسلب منها طفلتها أمام ناظريها بعنف قهري، لكن ذابت قوتها حينما قيدها رجلان آخرنا بمنتهى الدناءة والجحود حتى باتت حركتها دون جدوى...
+
_" شوفوا شغلكم " إشارة أخرى من كمال مع جملة وضيعة قالها في غل كانت كافية لبدء عرض حيواني لا يمت للإنسانية بصفة...
+
_" يا ماما الحقيني... يا سيف... يا سيف " كادت روحها تزهق وهي تستنجد بأحد بينما الحقير يشاهد في تشفٍ كيف تتلقى فتاة لا حول لها ولا قوة ضربات مبرحة بل مُميتة في مفترق جسدها الضعيف وصفعات قاسية لا تجتمع مع كونها أُنثى، بتول تصرخ مع صراخها حتى ركعت تقبل قدم عمها في إذلال تتوسله ليكف عن ذلك فما كان منه إلا أن ركلها بقسوة وأشار لينقلوها للسيارة...
2
على الصعيد الآخر هناك بركان ثائر فوق مركَبته يقطع بها الطريق في سرعة لا تُرى بالعين وكل صرخة تخرج من أهل بيته تطعنه بسكين بارد في جوف قلبه وتحطم رجولته حتى كاد ينتهي ويتلاشى مع تلاشي صوتها المُنبعث من الهاتف، يزعق باسمها كأن روحه تفارق جسده مع كل نداء استغاثة منها...
1
مشهد قاسي أبعد ما يكون عن التخيل والفطرة البشرية السليمة، أخيرًا تحررت مجدة التي غاب صوتها من شدة العويل والنواح تندفع صوب جسد ابنتها فاقدة الوعي، تهزها وتصرخ بمرار لم تذق مثله في حياتها، تلطم خديها وتنادي وكأن البشر تغيبوا عن العالم في تلك اللحظة، بينما الحقير لم يرف له جفن بل اقترب منها وقال بشماتة:
_" كان ممكن يعملوا فيها أوسخ من كدة بكتير بس ياما عليها اللي ابني عمله "
1
ثم ضحك بقذارة حتى ظهرت أنيابه وأكمل في شر:
_" أما بقى ابن الديب اللي اتربى عندك هلاقيه وأقتله وأبعتلكم جتته على دُفعات ولما تشوفي أبوه قوليله صاحبك بيسلم عليك "
3
---------------
+
داخل بقعة معزولة باردة كأنها صُممت لتكون جحيم على مَن يدخلها، أدوات تعذيب حيوانية يشيب الرأس من مجرد تخيل كيف تُستخدم،
+
كانت واقفة أو بالمعنى الأوضح مُعلقة من يديها بقيود حديدية قاسية وبالكاد أصابع قدميها تلامس الأرض، رأسها مُتدلي لأسفل مما أجبر خصلاتها على إخفاء جروح وجهها الشاحب أثر صفعات جبانة من كائن أجبن...
+
_" يثيرني عنادك، لكن تذكري نحن لم نبدأ التعذيب بعد " كان حديث بارد من قِبل الخائن عماد يونس وهو يقترب منها بخطوات بطيئة كأنه بذلك يزرع الرعب في قلبها..
1
دفعت رأسها للخلف فتطاير شعرها يعود لوضعه الطبيعي ثم رسمت ابتسامة تستفز عجرفته المقيتة، فتحت فمها ببطء ينافس خطواته وبدأت تتفوه ببرود صقيعي:
_" خُضت تجارب تعذيب كثيرة إذا أردت الاستفادة من خبرتي أخبرني ولن أبخل عليك يا رجل "
1
صدح صوت أسنانه وعلى حين غرة قبض على فكها بغل وقال:
_" اعترفي من تكونين؟! ولأي منظمة تنمتي؟! كيف وصلتي لمعلومات الاتصال الخاصة بي وأين كورنوفا؟! "
+
ثم دفعها بسخط وابتعد يجلس مكانه أمامها ينتظر اجابات، أما هي فتحولت عينيها للون لا يبشر سوى بالهلاك ونظرت له نصف نظرة ثم عادت للفراغ وقالت بفضول مزيف:
_" أولًا صِف لي شعور الخيانة دكتور عماد؟... كيف تشعر بعدما خنت وطنك ودينك وانسانيتك؟!... ما هو شعورك نحو الأطفال فئران التجارب الخاصة باختراعاتكم القذرة؟! "
1
ضاقت عينيه واكتفى بنظرة ممتعضة ساخرة فعادت تسأل:
_" لا يتحرك شيءٌ داخلك وأنت تسلب حق إنسان في الحياة وتعامله كعبد بلا قيمة خُلق لتتسلق على دمائه نحو القمة الوهمية التي تطمح إليها؟!.... كيف تتناول طعامك بيدين ملطختين بدماء الأبرياء؟ .... صِف لي طعم الطمع الذي يُولد التحجر ذاك داخلكم؟؟.... أو على الأقل أخبرني إلى أي فصيلة تنتمي الآن بعدما خرجت عن تصنيف البشر؟! "
+
علق عينيه الغاضبة نحوها وعاد يقترب منها وهو يتلفظ بدون ذرة ندم:
_" شعور ألذ من الضعف وأجمل من الفقر ولا يعرف ذل لأجل بضع جنيهات... وطني الذي تلوموني لأجله نبذ ذكائي وحطم أجنحتي، منذ الصغر يضع أطفاله تحت ضغط قاتل من الدراسة، الواجبات، ضرورة التفوق، تعَلَّم تعلم تعلم وماذا بعد كل هذا التعلُّم والتعب!!!
+
أكمل وقد خرج الغضب من بين شفتيه بفحيح:
_" تُنتزع منك فرصتك التي ربحتها بإجتهادك لتُقدم على طبق من ذهب لخليفة أحد الأساتذة الأكاديميين ذلك الذي نجح على سيرة والده المُبجل ، أما أنت اذهب وابحث أبيك من يكون؟ ابحث عن الظهر الذي يحمي حقوقك ويروي شجرة طموحاتك وأحلامك نحن نهدم فقط.."
+
أنهى حديثة وهو يرى نفسه ضحية ومتشبع بتلك الحُجة الواهية فهزت لمار رأسها كأنها اقتنعت ثم نبست باستحسان:
_" جيد وصفُك للأنانية، سلَب أحدٌ ما حقوقك فقررت سلب أرواح الجميع، تعمل على سلاح يُمَكِّنُك من الانتقام الجماعي، رائع يا رجل التمست لك العذر تُصدق؟! "
1
لمس سخريتها اللاذعة فهبط على وجهها بصفعة مغتاظة ثائرة أنضحت الدماء من شفتيها ثم شد على شعرها بغليل وقال:
_" لم أصبر عليكِ كثيرًا دقائق فقط أيتها الغبية العنيدة وسأترك الأمر لشيطاني يتلذذ بتوسلاتك"
+
تركها بعنف وخرج ليجد رجلان يرتديان قناع طبي يغطي نصف الوجه، أحدهم يحمل أدوية والآخر يقف خلفه وعينيه للأرض
+
بادر عماد بنبرة جامدة:
_" أعددت لها الجرعة؟ "
+
أومأ الطبيب قائلًا:
_" فعلت سيدي، لكن ان كانت تابعة للاستخبارات فلديهم طرق خاصة في تأمين العميل ضد تلك المواد حيث يكون على درجة كبيرة من الوعي ولا يُدلي بشيء "
+
_" احقنها بها وسنعرف "
+
قالها وغادر في حين دلفا الاثنان لمكان لمار التي عادت تتظاهر بالقوة رغم ما تعانيه من ألم وإرهاق...
+
وقف الطبيب أمامها ورفع يده نحو الدماء التي تجمدت فوق شفتيها فأدارت رأسها ترفض لمسته فابتسم بوقاحة وقال:
_ " شرسة! أظنك عربية أليس كذلك؟ "
+
لم تجِبه سوى بنظرة مشمئزة استفزته فاقترب حتى التصق بها مستغلًا قيدها المتين مما جعلها تتحرك بعنف في محاولة بائسة لابعاده وهي تتلفظ بغضب صارخ:
_" ابتعد أيها الوغد، أقسم سأمزقك أجزاءً "
+
تعالت ضحكاته المستهزئة وهو يتعدى حدوده أكثر ويهتف بسخرية:
_" أريني كيف ستفعلينها..... توقفي عن الحراك واستم... "
+
لم يتم كلمته حتى صدح صوت التواء عنيف ارتجف له المكان،
+
توقف الزمن للحظة وتجمدت أنفاس لمار تُحدق في المشهد أمامها بذهول إذ دارت رأس الطبيب دورة شبه كاملة بفعل يدين قويتين أتت من خلفه مباشرةً لتخترق طقطقات العظام صمت الغرفة كأنها طبول حرب قبل أن يهوى جسده النجس مرتطمًا بالأرض كجثة هامدة...
1
لم تعد تعرف هل هذا حقيقي أم خدعة من عقلها؟!! حينها فقط رفعت بصرها ببطء، فرأت وجه الرجل الآخر خلف القناع وهُنا عاد العالَم للتحرك مرة أخرى، نزع سيف القناع الطبي بضيق، نعم كان هو كما توقعَت بالفعل...
+
_" جيت في الوقت المناسب "
+
قالتها وهي تتنفس الصعداء ببعض الضعف الذي انتابها أثر فعلة الحقير فرفع الآخر عينيه المشتعلة عن الجثة وتحولت نظراته للاعتذار وهو يقول:
_" آسف إني سيبته لحد ما قرب منك، كنت مستني إشارة بتعطيل المراقبة "
+
أنهى جملته وهو يشير نحو جهاز مراقبة صغير في أحد أركان المكان، وبعدها بدأ في فك قيودها معلنًا عن بدء العد التنازلي للمنظمة بمَن فيها....
2
-------------
+
كانت تقف في مطبخ صغير تجلي الصحون بعد عشاء جماعي في منزل السيدة نهال، سالي تجاورها وتتكلم بصوت هامس لا يصل سوى لشقيقتها المتلهفة على سماعه:
_" يا سهى بقى كل شوية تسأليني جابلك سيرة رحمة ولا لأ؟ وأنا أقولك لأ وترجعي تسألي تاني هكون بكذب يعني؟ "
+
زفرت سهى بضيق وهي تردف بفضول:
_" أومال يعني كان واقف معاها ليه لما شوفته؟ "
1
_" معرفش بقى ابقي اسأليه؟ "
+
دفعتها بخفه في رأسها وقالت:
_" طب كملي يا لمضة "
+
عادت الصغيرة تسترسل حديثها السابق:
_" المهم أنا سألته متضايق من ايه هو ماكنش عايز يقولي بس أنا زينت عليه، لحد ما عرفت انه ساب الشغل في الجزارة أتاري الخناقة اللي حصلت في الجزارة دي كانت أصلًا بينه وبين الراجل أبو شنب ده بتاع اللحمة عارفاه؟ "
+
ردت سهى بنفاذ صبر:
_" المعلم عباس انجزي قبل ما حد ييجي "
+
رمقتها سالي بإبتسامة خبيثة وهي تداعب ورقة الرشوة الأخوية التي أخرجتها لها سهى لتنقل لها أخبار نوح باستمرار:
_" بس ياستي هو قالي ماتقوليش لأمك ولا خالة نهال "
+
_" أيوة يعني ماقالش اتخانق معاه ليه لدرجة يمشي من الشغل؟"
+
هزت الصغيرة كتفيها بجهل:
_" معرش بقى أنا "
+
_" ايه يا بنات كل ده بتغسلوا في ماعونين؟! " كان هُتاف عتاب من الخارج فردت سهى بسرعة فهي تجاهد لكسب رضا أمها مرة أخرى وكم سعدت كونها عادت تتحدث معها بعد خصام طويل:
_" خلاص يا ماما بشطفهم وجايين "
+
بالخارج مصمصت عتاب شفتيها تقول براحة:
_" رجعت تقول ماما.... ربنا هديها قوي اليومين دول بس برضو مش قادرة أنسالها عملتها السودة "
1
أنزلت نهال كوب الشاي في طبقه ونهرتها محذرة:
_" احنا قولنا ايه؟.... السيرة دي ماتتفتحش تاني، غلطة والكل بيغلط، بنتك لسة صغيرة والحمد لله عرفت غلطها بدري وبتحاول تصلحه... يبقى ندعمها كدة ونبقى عاقلين لحد ما المية ترجع لمجاريها بينها وبين ابن خالها "
1
وافقتها عتاب ثم تساءلت بنبرة مشتاقة:
_" يا ترى ايه منعه ييجي على العشاء الليلة دي وعارفة لو سألته هيفضل يتحجج بالمذاكرة عشان ما يجتمعش بينا "
1
ضحكت نهال بيأس من تلك التي تتحدث وترد على ذاتها ثم قالت بعقلانية:
_" ما تظلمهوش يا عتاب السنة تقيلة ومحتاجة تركيز وهو كل ثانية في وقته محسوبة عليه ما هو وراه شغل مش متفرغ "
+
اقتنعت برد نهال وكادت تسكت لكن اعتدلت فور ما تذكرت ما يشغلها منذ فترة:
_" ألا بالحق يا أم عز "
+
لمعت عيني نهال فور سماعها للقب الذي يعرفه عنها الكثير من نساء الحارة لكن لا يعرفون حقيقته، أهو حبًا في الاسم فقط أم كان لديها طفل بنفس الاسم وتوفي صغيرًا؟!! فلا يعرف السرَّ سوى نوح فقط.
1
انتبهت لعتاب وهي تسأل في فضول:
_" نوح ماقالش اتعرف من فين على الجدع الغني ده اللي خرجه من حبسته؟ "
+
ابتسمت نهال ببشاشة فور تذكرها له وقالت بألفة:
_" قصدك عز ؟ "
+
_" سبحان الله هو طلع اسمه عز! "
+
أومأت نهال وهي تتحدث مبتسمة:
_" آه ياستي اسمه عز ، عشان كدة طلته خطفت قلبي مرتين، مرة عشان اسمه غالي عليا ومرة عشان اللي عمله مع نوح "
+
سكتت برهة ثم عادت تتحدث بحنين:
_" تعرفي إني حلمت بالجدع ده من فترة، كان شكله متغير شوية لكن كنت متأكدة في الحلم انه هو نفسه عز اللي ساعدني يوم ماجاتلي نوبة ربو .... بس الغريب بقى انه ماكانش واحد...."
+
تسرب الحزن لنبرتها لكن لم تختفِ ابتسامتها وهي تسترسل في حيرة:
_" كانوا اتنين تقولي فولة واتقسمت لكن اللي حازز في نفسي انهم كانوا بيبصولي... كأنهم بيعاتبوني وأنا مش فاهمة ليه ولحد دلوقتي كل ما أفتكر نظراتهم أزعل من نفسي كدة من غير سبب "
1
استغربت عتاب حلمها ذاك لكن قالت تُبسط عليها الأمر :
_" أحلام بقى يا أم عز ماتدقيش "
+
حركت رقبتها دون اقتناع وقالت:
_" ما أنا كنت فاكرة زيك لحد ما نوح فاجئني ان الراجل فعلًا ليه أخ توأم.... اسمه سيف "
+
_" لا ماتقوليش، شكل مكشوف عنك الحجاب يا نونة دا احنا نعملك زار"
1
قالتها عتاب بضحك فأخرجت نهال من تأثرها وضحكت هي الأخرى مُردفة:
_" يخرب عقلك انتِ مالك من يوم ما جوزك اختفى وانتِ بتجاكري وتضحكي على الخطوة "
+
تنهدت رافعة يديها بقلة حيلة وقالت:
_" عشان عارفة انه زي القطط بسبع أرواح وتلاقيه عايش حياته بالطول والعرض يبقى أنفك أنا بقى ياكشي ميرجعش لحد ما أطمن على بناتي وأكبرهم وأعلمهم بعيد عن مصايبه وفضايحه "
+
_" ربنا يهديه ليهم دا مهما كان أبوهم "
+
قاطع الحديث خبط الباب تزامنًا مع خروج الفتاتان من المطبخ لتركض سالي لتفتح وخلفها سهى... فجأة انقلبت الأجواء رأسًا على عقب...
+
_" نوح!! " هتفت بها سهى بفزع بينما صرخت سالي:
+
_" الحقي يا ماما نوح متعور "
1
هرولت السيدتان في ذعر، بينما خطى الشباب للداخل أحدهم يسنده والآخر يكتم دماء تتدفق من صدره بغزارة...
+
_" يالهوي ابني يا ناس جراله ايه!!! " كلمات صارخة خرجت من عتاب وهي تضرب على صدرها بمجرد أن أبصرت نوح
+
أما عن نهال فبهتت مكانها لكن كان تصرفها أكثر عقلانية وهي تردد بصوتها المرتعب:
_" يلا بينا على المستشفى حالًا "
+
أوقف هو تلك الهرجة التي ضربتهم بقوله شبه المتماسك:
_" مش رايح مستشفى يا خالة دخلينا بس عصام هيساعدني "
+
قالها وهو يشير نحو الشاب الذي يكتم دماؤه بقماشة قطنية ويده الأخرى بها حقيبة صغيرة..
+
اقتربت عتاب بسرعة تسنده وهي تقول بصوتها الباكي:
_" طب بسرعة ادخلوا دمك بيتصفى يا مراري كل يوم والتاني مصيبة شكل استغفر الله العظيم يارب "
3
بعد وقت كان المدعو عصام يخيط له الجرح بعملية متقنة نظرًا لكونه طالب بكلية الطب بينما سعيد صديقه كان يشرح للبقية ما حدث:
_" كنا بنلعب كورة وبعدين جه عيل صغير نادى على نوح فقالنا شوية وجاي ومشي معاه.... عشر دقايق لقيته بيكلمني بيقولي هات عصام وتعالي على أول الشارع... روحنا لقيناه مضروب ومتعور ورفض يروح المستشفى، عصام جري جاب أدواته من بيتهم ونوح كان مصمم ناخده على الأوضة اللي مأجرها بس زعقنا معاه عشان المكان بعيد وجبنها على هنا غصب "
+
كانت عتاب تدلك كفه تقبلها بين الحين والآخر وهي تتفوه بدعوات ملتاعة على من آذاه، بينما أسندت نهال رأسها بيدها في حزن وراحت عينيها نحو ذلك المغمض باستسلام حتى انتهى عصام من الخياطة ووقف يقول:
_" خدوه يا جماعة يمدد على فرشة مريحة وأنا هروح مع سعيد الصيدلية نجيب اللازم ونرجع "
+
ردت عتاب بامتنان:
_" ماشي يا بني ربنا يحميكم لشبابكم روحوا "
+
بينما خرجت خلفهما نهال تمدهم بالمال اللازم رغمًا عن اعتراضهم،
+
انتقلت سالي على الفور تأخذ مكان عصام جوار نوح بينما ظلت سهى واقفة تراقب من بعيد تلمع حدقتيها بالقلق والدموع حتى فتح هو عينيه وطالعها مباشرةً للحظات بنظرات لم تفسر مغزاها فقط تحدثت في تعلثم:
_" ألف سلامة يا نوح.. ربنا يخفف عنك "
+
بادلها بإبتسامة ضعيفة بها شيء من الحزن ثم نظر لسالي وقال حينما رآها تتمتم بهمسات:
_" بتعملي ايه؟ "
+
ردت ببراءة:
_" بقرالك قرآن عشان تخف بسرعة... مش انت موجوع؟"
+
اعتدل في جلسته وقد ظهر التألم فوق ملامحه لكنه نفى قائلًا:
_" كنت موجوع بس عصام حطلي بنج فمبقيتش حاسس بحاجة "
+
رمقته عتاب بعدم تصديق وصاحت تلومه بانفعال ناجم عن خوفها عليه:
_" كمان هتكدب! دا انت وشك متشلفط، ماتريحني وتقول من اللي عمل فيك كدة و ليه؟ "
+
تنهد بضيق واستسمحها قائلًا:
_" خلاص يا عمة اللي حصل حصل مش هتفرق مين اللي عملها؟ "
1
هنا ردت نهال بنبرة ضاجرة:
_" لا يا شيخ؟ ده تفرق ونص ولازم نبلغ عنه ونسجنه "
+
زفر بإرهاق ثم نطق يوضح وجهة نظره كالمغلوب على أمره :
_" هو أنا ناقص مشاكل في الحكومة دول مش بعيد يقبضوا عليا أنا "
1
أعادت كلماته شعور الذنب داخل سهى التي أخفضت رأسها واستأذنت لترحل متحججة بواجباتها المدرسية،
+
خطت للشارع تتجه لبيتهم المقابل وعينيها تفيض في صمت حتى أعاقت سيرها تلك الشمطاء التي أفزعتها هاتفة:
_" سهى "
+
_" بسم الله الرحمن الرحيم... ايه الرخامة دي يا شهد حد يطلع لحد في الضلمة كدة!! "
1
طالعتها باستنكار وقالت بلامبالاة:
_" سلامتك من الخضة ياختي، بعتلك كتير مابترديش "
+
نظرت لها الأخرى في شجاعة وقالت:
_" عشان مش عايزة أرد يا شهد ومادام مفيش حاجة ضرورية يبقى قلة الكلام أحسن "
+
أخرجت صوتًا ساخرًا متشدقة:
_" يا حلو!! ايه الوش الجديد ده بقى هو أنا كل يوم والتاني هفكرك احنا في مصيبة ايه!... الست كلمتني وقالتلي أوصلك تهديدها باللي هتعمله فيكِ لو فضلتي مطنشاها.. وبتقولك دخول الحمام مش زي خروجه "
+
لا تنكر أنها خافت وسيطر عليها الارتباك وهي ترد:
_" أنا أنا بس تليفوني شاشته بتعلق ومش عارفة أستخدمه "
+
رمقتها شهد بسخرية وخبطت على كتفها عدة مرات وهي تقول:
_" وماله أقول للريسة تبعتلك فلوس مقدمًا تيجبي واحد جديد بس انتِ تظبطي كدة وتعقلي "
+
أنهت كلامها الغريب على فتاة في سنها وعادت تمضغ العلكة بأسلوب مستفز بينما هزت سهى رأسها تتذكر تعليمات روزالين وهمست في استسلام:
_" ماشي "
+
رحلت لمنزلها دون أن تعطي فرصة لحديث اضافي بينما ظلت شهد تتابعها بنظرات ماكرة ثم مشت لبيتها في آخر الشارع وعندها ظهرت والدتها أمامها تستعلم بلهفة:
_" ها قالتلك ايه البت دي لانت ولا هتعملنا مشاكل معاهم "
1
ردت في غرور:
_" وهي تقدر ماتلينش عيب عليكِ دا أنا حافظاها وعجناها... بتتطلع تطلع وبعدين تنزل على مفيش "
+
حركت فمها بالتواء ثم هتفت ساخرة:
_" طب ادخلي ياختي وبلاش الشويتين دول، دا انتِ ما عرفتيش تسحبي البت السهنة التانية كنا استفادنا من الناحيتين"
+
كانت تتحدث بدناءة لا مثيل لها كأنها تأخذ بهؤلاء الفتيات في رحلة ترفيهية وليس للهاوية حيث تقضي على حاضرهن ومستقبلهن بالعمل كجزء من تشكيل إجرامي بشع لا يعرف للقيم ولا للأخلاق سبيل...
+
------------------
+
بعد ليلة كانت الأبشع في حياته، استمر يدعو داخله كل ثانية أن تخرج نتيجة التحليل لصالحه تنفي أي صلة تربطه بذاك الرجل، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، طُمست كامل آماله بعد اتصاله بالمعمل قبل دقائق ،
+
ساكن باستسلام تام أسفل المرَش، يترك قطرات الماء تتساقط وتغمر جسده تحاول تحريره من نفسه، البخار يملأ أرجاء الحمام حتى تشابكت أنفاسه الضعيفة مع دخانٍ خفي، والضوء الشاحب المنعكس من الجدار بدا كأنه يكشف ما حاول إخفاءه طويلًا.
+
خذلته ذاكرته وأسهبت تعرض ما يُجاهد لنسيانه ولو للحظة، طفولته التي تساقطت بين جدران ملجأ قاسٍ امتلأ بالضرب والحرمان والإهانة، ثم انتقل بمراهقته وشبابه نحو واقع مُلطخ بالدماء، والرصاص، والمهام المستحيلة التي دفنت قلبه حيًّا بين الاشتياق والفقد.
1
_" عز "
+
انفرجت عيناه على وقع اسمه، سحب نفسًا إلى عُمق صدره كغريق نجا للتو من ظُلمات البحر و أدار رأسه نحو باب المرحاض المغلق حيث طرقات صديقه تتردد.
+
خرج للصالون بعدما ارتدى ملابسه ليجد مصطفى واقفًا بيده بعض الأوراق التي يعرف حقيقتها جيدًا، فخرج صوته مُنهكًا فاقد للحياة مُدركًا أن السؤال ما هو إلا تحصيل حاصل:
_" الحمض النووي متطابق "
+
تنهد مصطفى وهو يومئ بعينيه في عجزٍ، عندها هز عز رأسه بلا اكتراث وقال ببرودٍ متجمد:
_" تمام شكرًا "
+
زفر مصطفى وتحدث سريعًا:
_" عز بلاها النبرة دي الله يكرمك، بلاش تسكت، اتكلم قول كل اللي في قلبك وأنا واللهِ ماهقاطعك بس ماتتظاهرش انك تمام "
+
حرك حاجبيه دون رد فعل كأنه لا يبالي فقط قال بجدية مثيرة للقلق:
_" اتحرك على شغلك يا مصطفى و لما عارف يفوق كلمني "
+
أمسك الآخر ذراعه ونطق برجاء:
_" عز عشان خاطري ما... "
+
_" ما خلاص يا بني آدم شايفني هقطع شراييني " هكذا صرخ به فجأة وقد احتدت ملامحه من شدة الغضب المكتوم داخله، ومصطفى خير مَن يعرف ذلك، لذا لم يكترث بعصبيته واقترب في تفهم وقَبَّل كتفه قائلًا:
_" تمام همشي ومش هعرف حد بوجودك هنا "
+
رماه عز بنظرة تشكيكية فأسرع يُقسم:
_" بالله ولا حتى اللوا شاكر ، كدة كدة ماحدش تاني عنده علم بالشقة دي غير أليكسي ومش هييجي في دماغه انك فيها... سلام "
+
غادر بعدما ترك الأوراق على المنضدة، في حين جلس أمامها عز وأراح ظهره للخلف يستنشق أنفاسه بوتيرة سريعة، أغمض عينيه وما مرت ثوانٍ حتى حاصره النوم وهو أكثر من مُرحب لكن...
+
_" هي الخرابة دي مفيهاش سكر؟ ماحبش القهوة سادة أنا "
1
جملة بصوتها الحانق جعلته يفتح عينيه على اتساعها ،التفت لمصدر الصوت بدهشة غامرة يُكذب ما سمعه، كانت تستند في وقفتها إلى باب المطبخ على بعد أمتار منه بينما تلعق كريمة الشوكولاتة من علبتها باستخدام اصبعها المنسوب ليدٍ ملفوفة برباط طبي، شعرها مبعثر قليلًا، وجهها ظاهر عليه بعض الازرقاق أما الأعجب يكمن في ملابسها الرجالية التي تفوق مقاسها بكثير مما يجعلها كالغريق داخلها...
1
تعرفون؟ لم تدم صدمته طويلًا كأنما اعتاد ظهورها من العدم كشبح يطارده أينما ذهب، عاد يريح جسده للأريكة وكذلك عاد يُغمض بهدوء تام..
1
شيعته هي بنظره مغتاظة من بروده ثم امتصت اصبعها وأغلقت العلبة بكل احترام وتحركت نحوه بخطوات عرجاء نتيجة إصابة خفيفة في قدمها...
+
_" مفيش حمدًا لله على السلامة طيب! ناكر الجميل قوي كدة؟!! " قالتها بامتعاض وهي ترتمي على أحد المقاعد جواره
+
سمعت زفير قوي منه ثم نبرته المُستاءة:
_" مين سمحلك تخرجي وعرفتي مكاني ازاي؟! "
+
همت تضع قدم فوق الأخرى لكن تراجعت بألم ضرب ساقها فصاحت متحسرة على ذاتها:
_" يا خسارة شبابك يا نور، منه لله اللي كان السبب، طب مين هيرضى يتجوز واحدة مدشدشة كدة، ضيعتوا مستقبلي يا شيخ روح ربنا ينتقم..."
4
_" نور! " لفظ اسمها بنبرة تحذيرية فعزفت عن دعوتها وأشاحت برأسها تهتف بحنق:
_" خلاص يا عم الفصيل هقول... الواد الأصفر ابن الزعيم الله يحرق أبوه سألته عنك فحكالي اللي حصل بالحرف فطلبت منه يحدد مكانك ويوصلني ليك... "
+
ثم أكملت كاذبة:
_" واديته اللي فيه النصيب فقام جابني هنا من قيمة نُصاية وعطاني نسخة من المفتاح كمان، حاكم القرش بيذل "
+
نظر لها بطرف عينيه فتظاهرت بالبراءة تؤكد:
_" مش مصدق إني دفعلته طب ورحمة أبوك وأبويا ماهددته ولا رفعت عليه سلاح ولا قعدت أصرخ وأعيط فصعبت عليه وأخدني على قد عقلي وجابني عندك "
1
منذ بصر وجهها وهو يعلم أنها باكية، بات يدرك حقيقة الهشاشة التي تخفيها خلف قناع القوة والمرح في أسوأ الظروف لكن شعور واحد ينقصه اتجاهها ولا يجد له في قلبه سبيل... الأخُوَّة!!!
+
_" ماعرفتنيش الحقيقة ليه يومها؟"
+
عادت تفتح علبة الشوكولا وردت في بساطة:
_" ماحستهاش الصراحة، أصل لا مؤاخذة أنا وانت ما يجمعناش أخوة!، ممكن نجتمع في عداوة، في عملية، في محكمة أسرى، لكن جو أخويا وأختشي دي ما تعديش على جمارك مخي"
+
خرج منه صوت ساخر مع نصف بسمة بائسة مندهش من رد فعلها الفاتر، يمكن أنها مثله تسنكر الحقيقة، ظل صافن في اللاشيء وهي تتابعه وتتلذذ بما في يديها حتى ملت وقالت بحنق:
_" ايه البؤس ده يا كينج المخابرات دا أنا قولت هجي ألاقيه مفرفش مع قصيدة الأسطى عبد الباسط التى تقول في مطلعها.... أنا مش عارفني أنا توهت مني أنا مش أنا... لا دي ملامحي ولا شكلي شكلي ولا .... "
+
_" بطلي جنان و فوقي للواقع يا بنت الديب " هكذا قاطعة بنبرة جامدة لا تُنذر بخير
2
لكن لم تبالِ بإطراءه وأضافت بتعالٍ:
_" يابني انت أصلًا تطول تخاويني... طب تصدق انت مش وش نعمة شكلك فقر ياض، زعلان عشان عارف الفاسد طلع أبوك ما بكرا يتكل وهنكوش على كل اللي حيلته يا شقيق وهنقب على وش الدنيا.... وابسط ياعم هتاخد ورث قدي مرتين"
+
غمزت بمرح في آخر كلامها وكأنها لا تدرِ خطورته الآن إن لم تصمت وتكف عن الثرثرة بل تجاهلت بركانه الخامد الذي بدأ في الثوران ونغزته في ركبته وهي تعتدل بحماس كأنها تُخطط لاغتيال أحدهم:
_" المهم قبل ما ده يحصل لازم نوقع بينه وبين الحية اللي اسمها نرجس دي عشان يطلقها وما تنطلناش في اللقمة أصل اللي زي دي م..."
+
_" ما تخرسي بقى!!! " اهتزت الجدران مع تلك الانتفاضة التي أحدثها بعدما احترق فتيل صبره وقد ركل المنضدة بكل ما عليا ليتناثر شظايا الزجاج حولهم تعكس تفتته الداخلي....
+
تصنمت مكانها ولم تقوَ على الحراك، فقط عيناها راحت نحوه تُسجل ما تراه للمرة الأولى منه، وجه معتم بالغضب، عروق بارزة تهدد بالانفجار، عينان حمراوان ضاع لونها خلف مياة فاترة تُسمى دموع، وصدر يتسع ويضيق بسرعة كأنه في سباق، هذا ما كانت تنتظره لكن بقى شيء واحد:
+
_" اتكلم يا عز "
+
خرجت منها برجاء مع تدفق مفاجئ لدموعها فوق وجنتيها تتوسله ألا يصمت، ولم يردها خائبة إذ اندفعت الكلمات على لسانه كالفيضان الذي انهار سده، خرجت جارفة كأنها تنتزع من روحه انتزاعًا:
_" عمري ما فكرت مين هو... مين ده اللي رماني قبل ما أفتح عينيا حتى أو أكمل يوم في حضنه، ولا سيبت نفسي أسرح في السبب اللي يخلي راجل يتخلى عن حتة منه بالشكل ده...... عارفة ليه؟؟ "
+
اشتد بكائها وهي تهزر رأسها بالنفي، بينما هو ارتجف فكه يحاول السيطرة وقد انخفضت نبرته بغتة واختنقت:
_" عشان كل اللي فكروا فيها قبلي تعبوا.... كرهوا نفسهم واتمنوا ماكانوش اتولدوا من الأساس .... كل العيال اللي حواليا كان عندهم فكرة من تلاتة، والتلاتة قادرين يحطموا أصلب قلب "
+
رفع يده بتشنج يعددهم فوق أصابعه بانهيار وشيك:
_" عيل أهلوا ماتوا ومالوش قرايب أو قرايبه مش عايزينه وسطهم وده كان أرحم احتمال فيهم.... أما الاحتمال التاني والمُثبت علميًا عند المجتمع العظيم بتاعنا... انه طفل ابن حرام أبوه وأمه غلطوا وجابوه وبعدين اتخلصوا منه عشان يكتموا الفضيحة... "
+
أعاد اللقب بتشنج يتذكر كل ما عاناه بسببه:
_" ابن حرام.... كلمة تخلي الطيب يتملي حقد وكره للعالم والناس ولما يبقى مجرم بسببهم يقولوا ما ده المُتوقع من ابن الحرام... "
+
سحب نفسًا غريق وهو يحرك شعره للخلف كأنه يتجهز لتقديم نفسه:
_" إنما بقى الاحتمال التالت اسمه الطفل المنبوذ.... اللي السيد الوالد وزوجته المصون على وش الدنيا وقادرين يعيشوه وسطهم عادي جدًا بس هما ماحبهوش الفكرة فرموه... بكل سهولة "
+
اقترب منها بحركة تلقائية يمسح دموعها كأنه يطلب تركيزها وهو يسترسل بحقيقة تهرب منها فسكتت الأنفاس وأدلى بها صريحة:
_" اللي هو أنا وانتِ يا نور... بس الفرق انك ماترمتيش في ملجأ.... احنا النوع التالت يا بنت الديب "
+
تجددت الدموع على خديها وهي تنظر له وينظر لها والأنين سيد الأصوات حولهم قبل أن تشاركه هي بتعديل صغير هامس:
_" أو النوع التاني "
+
لم تصله جملتها فرفع عينيه التي لاتزال تحمل دمعًا خائن تسألها عما تفوهت به للتو، فما كان ردها إلا أن انفجرت في بكاء من نوع آخر مرتفع الصدى حارق للروح،
+
ماذا تقول بحق الله؟ أنها اكتشفت على محض الصدفة أن الرجل المسمى أبيها لا يوافقها دمًا ، يستحيل أن تجمعهم علاقة! ليست ابنته وليس أبيها؟! كيف تخبره أنها بالفعل تقع تحت الاحتمال الثاني، مجرد خطيئة ارتكبتها والدتها التي باتت تشك أنها أمها حقًّا....
+
_" نور "
+
نادها في هدوء تجلى في نبرته فجأة بعدما فاق نسبيًّا من حالة الضعف التي تلبسته أمامها، مسح وجهه في سرعة ودنى منها على عجلة يتحدث محاولًا تهدأتها ظنًا منه أنه السبب:
_" اششش كل ده كان ماضي... يمكن ماينفعش ننكره بس مش لازم نتقبله، لا أنا ولا انتِ ملزمين نتقيد بيه "
+
لم تكن تسمعه ولم يكن يفهم حقيقة ما أصابها فقط اقشعر جسده حينما مدت يديها المرتعشة تتشبث في ذراعه و تهتف في توسل:
_" ماسيبتيش يا عز... بالله ماتسيبني ماعدش ليا غيرك... ماعدتش أعرف غيرك... انت الحقيقة الوحيدة اللي باقيالي "
+
لا يعرف من بحاجة للآخر أكثر، لكن اضطرب داخله من وقع رجائها، فأحاط يدها بكفه وشدد عليها كأنه يعدها بتلبية ما تريد، وانفرجت شفتيه تتحدث بحنانٍ مجهول المصدر عاهدًا على نفسه:
_" مش هيحصل.. هتلاقيني دايمًا جانبك... اطمني يا بنت الديب ده بقى فرض مش اختيار "
2
كان يشير في جملته الأخيرة على كونها أخته لكن لا يعلم أنه ضغط دون قصد فوق جرحها النازف،
+
كاد يضيف كلمات أخرى لكن تلاشت مع رنة صغيرة أعربت عن وصول رسالة على هاتفه، وليست أي رسالة بل صاعقة في هيئة مقطع فيديو جديد لصغيرته من قِبل فلاديمير أتبعه بجملة:
_" وجدتك نسيت أمرها سنايبر فأحببت تذكيرك... لا تنسى اجتماع آخر الأسبوع... أنتظرك "
1
----------------
+
لا أبالغ إن قلت أن صمته ذاك دام لأكثر من عشر ساعات واقف خلف باب الغرفة المحتجزة داخلها بلا حراك فقط يراقب كأنه اعتزل العالم... أما عن داخله فلا حديث يصف انصهاره، نيران الانتقام تكاد تحرقه واقفًا في اشتعال ذاتي لا يُلام عليه،
+
للمرة الثانية حبيبته هنا بسببهم، هو وابنه أصبحا نقطتين كالحتا السواد في قاموس انتقام شادي جبران، لو اطلع أحد على أفكاره الآن لفقد النطق من دمويتها....
+
تنبهت للطبيب أمامه يقول في هدوء:
_" طمنت الجماعة على حالتها بس عايز حضرتك في كلمتين عشان تكون فاهم الحالة كاملة "
+
ألقى نظرة مكسورة نحو سكر ومجدة المنهارة جانبه ومعهم بعض السيدات والرجال من الأهل والجيران، ثم عاد بوجهه غامض الملامح للطبيب ومشى معه نحو مكتبه...
+
بدأ الدكتور حديثه بنظرات مشفقة لكن صوته حازم:
_" للأسف الحالة مش بسيطة... تبين عندها كدمات وسحجات في كل جسمها تقريبًا، وفيه كسر في ضلع من الناحية اليسرى، وكسر بسيط في عظمة الساعد..... كمان فيه نزيف تحت الجلد في فروة الرأس، لكن الحمد لله الأشعة أثبتت إن مفيش نزيف في المخ... وكنا شاكّين في نزيف داخلي في البطن عملنا متابعة دقيقة واتضح إنه بسيط ووقف تلقائي.... دلوقتي الوضع بنسبة كبيرة مستقر "
+
مستقر!!!؟ أين الاستقرار هو لا يراه بل لا يرى شيء سوى مشهد جسدها المستسلم للأرض الصلبة بلا حراك وأمها تصرخ فوق رأسها وسط جمع من الناس الذين استطاعوا الدخول بعدما انصرف كمال برجاله ومعه بتول، لا يسمع غير صدى أنينها الخافت جوار أذنه وهو يحملها ويركض بها لأقرب مشفى تسعفها، خان أمانة أخيها مرتين، مرة بزواجه منها سرًّا، وهذه هي المرة الثانية بل الأفظع....
+
لملم شتاته وسأل بصوته المهزوز:
_" يعني.. هتفوق امتى؟ "
+
_"هتفوق إن شاء الله، بس خد بالك... هي مشكلتها الأكبر الصدمة العصبية، اللي اتعرضت له ممكن يخليها تفقد القدرة على الكلام مؤقتًا أو تبقى في حالة خوف دائم... جسديًا هتتعافى، لكن نفسيًا ممكن تحتاج رعاية طويلة "
+
نفس الحديث تكرر في موقفين مختلفين من طبيبين مختلفين، لكن الفرق أنها في المرة السابقة لم تتذكر شيء مما حدث لها أبدًا لكن الآن رأت وسمعت وعانت وستعاني لأجل غير معلوم...
+
بقي صامتًا حتى بدأت عينيه تتحرك بتردد لكن لا يستطع أن يمنع ذاته عن السؤال في ذلك الأمر الخطير، الذي وللعجب لم يذكره الطبيب أبدًا، أخفض صوته وعاد يستفسر بنبرة باهتة ممزوجة بالاحراج:
_"طيب... يا دكتور... يعني و... الحمل؟ "
+
عقد الرجل حاجبيه باستغراب وقال:
_" حمل ايه يا ابني؟! "
+
سكت ثوانٍ يستجمع كلماته وقبل أن يتعلثم في حروفه قائلًا:
_" هي... هي مراتي... وأنا كنت متصور أنها حامل و..."
قاطعه الطبيب بنفي قاطع وهو ينظر له مباشرة:
_" إحنا عملنا تحاليل دم كاملة مفيش أي حمل يبدو انكم كنتم متأملين على الفاضي، على العموم ربنا يقومها بالسلامة ويرزقكم بالخلف الصالح إن شاء الله "
+
كل ما سمع ورأى في كفة، وتلك الصدمة في كفة وحدها، رفع عيناه المتسعة للطبيب ونبس بعدم تصديق:
_" حضرتك متأكد!؟ "
+
أومأ بعينيه في يقين:
_" أيوة طبعًا متأكد دي حاجة ماتفوتش علينا احنا عملنالها فحص كامل وأنا عارف بقولك ايه "
+
يمكننا القول أن روحه عادت لمسكنها، جبال من الهموم ذابت ثلوجها عن صدره أخيرًا....
+
بعد وقت كان يجلس جوار مجدة وسكر الذي أخبره بنبرته المهمومة:
_" اتفتح محضر وكانوا جايين يحققوا بس الدكتور قالهم يستنوا لتاني يوم على ما تفوق... مش عارف منين طمنا عليها وقال مفيهاش حاجة ومنين مش هتفوق غير بكرا لسة؟! "
+
رد شادي باختصار:
_" المهم تفوق يا سكر بعد كدة كل واحد يشوف شغله "
+
تدخلت مجدة بنواحها الذي لم ينقطع:
_" آه يا بنتي آه... أقولك عليك ايه يا سيف يابني!!... كان مالنا ومال الناس دي بس كان مالنا!!! "
+
لم يعرف كيف يخبرها أن سيف ليس له دخل بعداوة ذلك الحقير مع سلمى فسكت بغلب، أما رأس الأفعى والسبب في كل ما حدث وقفت تردد ببجاحة وغل:
_" كله من بنت ستين الكلب اللي كنا لمينها في بيتنا، آه يا ناري لو ايدي تطولها "
+
لم تكن مجدة في حالة تسمح لها بالدفاع عن بتول وكذلك سكر فابتسمت منة في خبث كأنها انتصرت، ثم استأذنت ترد على اتصال وهمي لتقف في إحدى الزوايا بعيدًا عن الجميع.
+
تنحنحت تمثل البكاء وهي تفتح تسجيل صوتي مضمونه الماكر يقول:
_" الحقنا يا سيف الواطية اللي بليتنا بيها كلمت عمها ييجي ياخدها وجه برجالته كسروا البيت وضربوا خالتي وسلمى بين الحيا والموت... حرمة بيتك انداست في غيابك بسببها، ارجع بسرعة يا سيف كلنا محتاجينك.... "
2
---------------
+
كان بكر يعمل في تصليح أحد الأجهزة أمامه بينما يحتجز الهاتف بين أذنه وكتفه وهو يتحدث بعدم اقتناع:
_" ايه يا راجح الهبل ده يا راجح!! شكلك هتضطرني أبلغ عن مكانك وقتها بقى شيكو هيردلك عقلك بمعرفته"
+
سمع تأفف الآخر وهو يبرر:
_" هو أسبوع واحد يا بكر ماتحبكهاش مفيش غيرك يعرف يجهزلي الورق ده... اخدم أخوك ياض بقى ماتبقاش رزل "
+
استنكر الآخر بغضب مصطنع:
_" ياض و رزل!! هي حصلت! ماشي يا هلالي مصير الحي يتلاقى بس حافظ انت على حياتك اللي على كف عفريت دي وبعدين نتحاسب وأهو يكون صاحبك المخفي ظهر "
+
ضحك راجح بخفة وعاد يسأل:
_" شاكر برضو ماعرفكش غطسان فين؟ "
+
_" مقالش بس ناوي أوقع روزالين في الكلام واعرف عشان لو جيت للحق أنا قلقان عليه قوي.... ايه ده!! "
+
_" فيه ايه؟"
+
ترك بكر ما في يده بعدما سمع لصيحات عالية من الخارج فقال على عجل:
_" ده صوت ليلى، معلش اقفل دلوقتي... "
+
_" خد هنا ليلى مين؟ "
5
لكن كان بالفعل أغلق المكالمة وركض للخارج في قلق.....
+
-------------☆☆☆☆☆
+
يتبع...
+
على فكرة أراءكم في التعليقات بتحفزني أعجل في اللي بعده...
4
ماتنسوش التصويت ☆ وانتظروا الفصل الجاي خلال أسبوع
4
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا في كل بقاع الأرض دمتم في أمان الله
+
