اخر الروايات

رواية انتصر قلبي الفصل السادس والعشرين 26 بقلم قسمة الشبيني

رواية انتصر قلبي الفصل السادس والعشرين 26 بقلم قسمة الشبيني


السادس بعد العشرين
والاخيررررررر /
انتفض قلب علاء وهو يسحب هاني بسرعة خارج المغطس صارخا بإسمه دون أن يستجيب أو يطرف له جفن، بدنه كتلة متجمدة وكأنه يجلس بهذه الوضعية منذ دهر مر تقطر الدماء من ثناياه فلم يتضح مصدرها بعد، حاول تحريك بدنه المتخشب بصعوبة ليحل إنعقاد ذراعيه فيظهر مصدر الدماء الغزيرة .

أعاد فحص معصميه وقد ذبحا بعمق قبل أن يحاول تحريكه أو إفاقته مجددا صارخا بإسمه قبل أن ينتفض راكضا للخارج دون أن يهتم للدماء التى لطخت ملابسه.
كان الحراس مجتمعين قرب الباب ليتساءل أحدهم
_ فى إيه سعادتك؟
_ انتو واقفين هنا لازمتكم ايه اخلقوا لى دكتور من تحت الأرض.

انفض جمعهم بينما عاد للداخل مبعثر الفكر بفوضاوية واضحة فهو لم يكن يتخيل هذه النهاية أو يتوقع بعد أن أصبح هاني بهذا القرب منه أن يلجأ لقتل نفسه .

...............

اعتدل جاد جالساً للمرة التى لا يعلم عددها، لقد أصبح النوم عزيزاً على اجفانه التى اعتادت شوقها إليه ، ليته يملك الراحة من معاناته .

تقدم ببطء حتى وقف أمام مرآته حيث ترك الشهود على تصنعه، رفع النظارة السوداء يدقق النظر إليها هل أصبح سجين سوادها ؟

وقبل أن يبحث عقله عن إجابة ومض سؤال ترى كيف ستستقبل حبيبة خبر إبصاره؟

وماذا سيكون رد فعلها إن علمت بتصنعه كل هذه المدة؟

اسرع عقله يضع صورتها أمام قلبه الذى يرفض تسليم راية عذابه لتتحرك عينيه فوراً لمواجهة انعكاسه بالمرآة فذلك الوميض الذى خصتها به عينيه يستحق المتابعة.

ترك نظارته مهملا أمرها وهو يعود للفراش ليسحب الهاتف حيث التقطت أمه العديد من الصور لحبيبة وكأنها تتضامن مع نفسه لمحاصرة قلبه بها.

اتسعت ابتسامته فهى لا تهتم بستر لهفة عينيها عن عدسات الكاميرا وكأنها واثقة من تحررها من تطفل عينيه .
دارت مقلتيه دورة كاملة وقلبه يتساءل: هل تبدو بهذه الجرأة فى كل اللقطات؟؟
تهكم عقله فوراً: تتساءل عن مدى جرأتها أم مدى روعتها ؟!

حسم جداله الداخلى وهو ينهض فوراً متجها للخارج يعلم أن أمه لا تحب وضع هاتفها بغرفة نومها متعللة بإزعاجه الشديد إذا ليبحث عن إجاباته الخاصة فوراً.

عاد يحمل هاتف أمه إلى حيث ترك هاتفه فى لحظات، بدأ عرض الصور على الجهازين ليسطع وميض عينيه لعدم تطابق هيئة حبيبة أو نظراتها

هى تخص وجوده بهذه اللهفة

نهدة فرت من قلبه تحمل الكثير من معاناته والكثير من حيرته قبل أن يستلقى فوق الفراش

_ هتاخدينى لفين يا حبيبة؟؟ حبيبة!! حتى اسمها من الحب!! انا ازاى ماكنتش شايفك العمر ده كله؟ الظاهر انى كنت أعمى وفتحت فعلا

نهدة أخرى تحمل بعضاً من الحنين فرت من قلبه ليغمض عينيه فى محاولة جديدة للهرب من الواقع .

السكون يغلف غرفته كما اعتاد ليفتح بابها ويقتحمه ياسر صارخاً اسمه
_ جاااد انت لسه نايم؟ مين هيودى هبة الكوافير ؟
_ طيب يا ياسر هقوم اهو لسه بدرى
_ بدرى من عمرك ، انت من أمته كسول كده اتحرك !

اعتدل جاد وكان ياسر يقف أمامه يرتدى نصف ملابسه فقط وفوق كتفه علقت منشفته بينما قام بحلاقة نصف ذقنه الأيمن فقط ليبدو بهيئة مضحكة للغاية فتعلو ضحكات جاد
_ إيه اللى انت عامله ده؟
_ يا جاد سيبك من اللى انا عامله وقوم مش هكمل حلاقة علشان تدخل الحمام
_ علشان ادخل الحمام وعلى علشان اوصل هبة؟
_ يا ربنا جاااد انت بارد النهاردة كده ليه؟

تحرك جاد ليسحب منشفة أخيه متهكما
_ كفاية انت حامى وسع يا عم ورايا مليون حاجة انا اخو العريس
_ مش لما العريس يخلص الأول!!

عادت ضحكات جاد ترفرف وهو يتجه للخارج بملامح صافية لتتلاشى الخلفية كذرات بالهواء ويتحرك بلا إرادة منه وكأنه أقحم بفيلم مصور لمشهد مختلف تماماً

أوقف السيارة ليضرب النفير فتعدو هبة نحوه وكأنها كانت تنتظره بلهفة وفى لحظة استقرت بجواره

_ اتأخرت ليه يا جاد ؟
_ هو انا هلاقيها منك ولا من جوزك ؟

تعالت ضحكاتها وهو يحرك السيارة لينظر إلى الخلف ملتقطا باقة من الزهور مبتسما

_ احلى بوكيه ورد لاحلى اخت فى الدنيا

ضمت الباقة وهو ينظر نحوها فعليا بسعادة لتعود الصور للتلاشى والتناثر مع النسمات مجهولة المصدر

تلفت ليجد اللون الأبيض محيطا به حتى ملابسه تحلت به وعلى مرمى البصر يتقدم منه شخص لم يتبين ملامحه فى البداية حتى اقترب لتصرخ لهفته
_ ياااسر

اقترب ياسر حتى رفع ذراعه رغم أنه الأقصر قامة ليحيط كتفى جاد

_ ده اللى كان لازم يحصل يا جاد
_ ياسر اناااا
_ قلوبنا مش بإدينا يا حبيبي مانقدرش نتحكم فيها بس نقدر نتحكم فى عقولنا، افكارنا، رؤيتنا وده اللى هنتحاسب عليه اللى نقدر عليه بلاش يا حبيبى تتعب قلبك ادعى ربنا يصلحه لانك تستحق السعادة يا جاد
_ انت زعلان مني يا ياسر؟
_ انا وانت زى عقلك وقلبك يا جاد ليل نهار يتخانقوا ومفيش واحد يستغنى عن التانى لأنهم فى النهاية واحد انت حتة منى انا عايش جواك يا جاد وجوه حبايبى ونفسى اشوفك فرحان

عاد التلاشى يتحكم في الصورة ليحاول جاد التمسك بذراع أخيه صارخاً
_ ياااسر

يجلس فوق الفراش بأنفاس متلاحقة مع دخول أمه المعبر عن فزعها
_ مالك يا جاد!!
_ حلم يا ماما
_ انت بتحلم بأخوك؟

اتجهت عينيه نحو محياها متمسكا بثباته بينما عبرت ملامحها عن الحزن لينتفض عن فراشه نحوها

_ ياسر عايش جوانا يا ماما ، عايش جوه حبايبه انا مش مصدق انى فكرت مجرد الفكرة اخرجه من قلب حبيبته، تعرفى يا ماما! صحيح انا وقفت حياتى من ساعة ما هبة اختارت ياسر بس عمرى ما بصيت لها ولا اتمنيتها لنفسى تانى غير بعد ما مات ماكنتش اعرف أن الحبايب بيعيشوا جوانا وأن ياسر هيفضل عايش جوه هبة، كان المفروض احترم مشاعرها لما واجهتنى بيها اكتر من مرة بس معلش كلنا بنغلط والحمدلله انى ماكابرتش فى الغلط .

ربتت أمه فوق صدره بمحبة ليرتفع حاجبيه متسائلا
_ هو انا مش هكتب كتابى بقا؟ ولا اقولك جوزينى وخلاص ينوبك ثواب فيا انا قربت اعنس ولا عنست باين ؟

اختلطت الضحكات وهو يضم أمه متجها للخارج
_ يعنى هتقول لحبيبة أنك بتشوف؟
_ امممم بعد كتب الكتاب اصل صراحة ممكن مامسكش نفسى من رد فعلها

عادت أمه تضحك وهى تدفعه ليتجه إلى المرحاض

_ جهزى الفطار يا ست الكل انا هصلى وانادى على النايمين فوق ولا اهل الكهف دول

وقفت مرفت تنظر إلى أثره الذى اختفى عن ناظريها بدهشة وقلبها يتساءل عن هذه الأحلام التى تراوده فتبدل أحواله ويربط بينها دائما نداءه باسم أخيه .

_ الكون أسراره بعلمه سبحانه، سبحانك يارب يا مغير الاحوال.

....................

وقف علاء أمام الجسد المسجى أمامه فوق الفراش وقد ستره الدثار عن عينيه ، لا يعلم متى غادر الطبيب أو كيف تركه هو يذهب دون أن يعيد إليه هاني!
اقترب منه حارسه بترقب

_ هنعمل ايه يا باشا ندفنه فين ؟

لم يجب علاء وكأنه لم يسمع ليتقدم اخر ويسحب زميله للخلف ثم يغادر الجميع تاركينه مع أحزانه
_ احنا كنا سايبينه كويس هو اللى عمل كده فى روحه هو حر
_ محدش فينا ليه دخل باللى حصل فعلا هو كان كويس وكان مبسوط كمان
_ وبعدين انت وهو اكتموا الباشا لو حس أن حد فينا جه جمب لعبته المفضلة هيمحينا من على وش الدنيا
_ طيب هنعمل ايه ؟
_ ولا حاجة هنستنى لما الباشا يفوق لنفسه وناخد جتته نخفيها واهو الباشا هياخد له كام يوم وينسى ويشوف له لعبة جديدة .

................

ركض هيثم مغادرا غرفة أمه التى أصبح يشاركها فيها معظم الليالى
_ عمو جاد بينادى يا ماما
_ استنى يا هيثم

لم تدركه وكان قد فتح باب الشقة متبادلا الصياح مع عمه بشكل استرعى دهشة هبة التى عادت للغرفة بحثا عن حجابها قبل أن تلحق به.

دخلت من الباب وكان هيثم يجلس بجوار عمه الذى يدغدغه فتصل ضحكات الصغير لقلوب الجميع راسمة البسمات فوق الأوجه لتمنحهما المزيد من وقت المرح وهى تتجه للمطبخ .
لاحظت تغيرا فى نظرات عمتها لكنها لم تحاول التطفل على أفكارها بل ساعدت بصمت حتى اجتمعوا حول الطاولة دون أن تخفى البشاشة عن ملامح جاد بشكل ملفت زاد من دهشة هبة عما يجرى هذا الصباح.
_ هبة اعملى حسابك تروحى مع حبيبة وهى بتشوف فستان كتب الكتاب انا هروح مع خالى النهاردة نحدد أقرب معاد.
_ عنيا يا جاد
_ تسلم عنيك وانا بقا هاخد استاذ هيثم ونشترى البدل
_ بدل؟
_ طبعا لازم انا وهيثم نلبس زى بعض . صح يا هيثم !
_ ايوه ومش هنوريكم البدل بتاعتنا
_ ده انتو متفقين بقا !

وقف هيثم فوق مقعده ليصل لقامة عمه وهو يهمس بكلمات ورغم أن هبة لا تسمعه إلا أن ابتسامتها تتسع وهى ترى أن صغيرها محاط بهذا القدر من العناية .

...................

غادرت سندس المطبخ متجهة إلى حيث يجلس زوجها يطالع التلفاز تحمل فنجان قهوته كما يحبها
_ القهوة يا عبدالقادر
_ بردو تعبتى نفسك يا سندس ؟ تعالى اقعدى الدكتور قال الحركة بحساب
_ هو انا عملت ايه يعنى ده فنجان قهوة

ابتسم بلا حماس وعادت عينيه للشاشة لكنها تشعر أن عينيه فقط تتابع بينما عقله لا يفعل

_ مالك يا عبدالقادر ؟
نظر لها دون أن يتحدث لتربت فوق كفه

_ لو مش هتكلم معايا هتكلم مع مين!!
_ صراحة قلقان على هاني، من يوم ما اتكلم اختفت كل أخباره

تبدلت ملامحها ليرفع الحزن رايته فهى تحاول التعايش بلا وجوده وربما يساعدها على ذلك فترة غيابه الطويلة واعتيادهم ذلك،
تشتاقه لا يمكنها أن تنكر
لكنها لا تحاول التعبير عن شوقها إليه

_ تعرف يا عبدالقادر نفسى فى إيه!!

احترم محاولتها لتغير مجرى الحديث فهو يقدر ما تعانيه بسبب حقيقة هاني ليجارى ما تقوم به

_ نفسك فى إيه يا سندس؟
_ نفسى نروح نعمل عمرة وندعى هناك يمكن ربنا يهديه
_ ( انك لا تهدى من احببت )

همس بينه وبين نفسه قبل أن يرفع رأسه مبتسما
_ نروح يا سندس ، بعد كتب كتاب جاد نروح ونرجع قبل الفرح
تغيرت ملامح سندس مرة أخرى ليضحك زوجها فزوجته لازالت تحمل جزء من عشقها للسيطرة وتسير مجرى الأحداث لكن أحيانا يكن للقدر رأى آخر وهو حتما الأصح لذا يجبرنا على الرضوخ وسرعان ما نرى أن الواقع افضل كثيراً مما تمنينا .

..................

لم يلجأ للخمر منذ فترة طويلة ربما منذ تعرف على هاني عبر وسائل التواصل بحساب وهمى، طالما كان يحصل على تطلباته بالحيلة خيفة حتى من وراء الشاشة الزرقاء ، لقد ملأ هاني فراغ حياته كله فلم يكن بحاجة للخمر أو لزوجته الراحلة أو للشاشة الزرقاء.

رفع رأسه الذى يغلفه الدوار ينظر إلى حراسه فور دخولهم
_ تمام يا باشا
_ بدلتى فين؟
_ نضفتها بنفسى يا باشا
_ وديها اى جمعية خيرية وخد كل اللى فى الاوضة جوه انا هغير الفرش كله، لا هغير الشاليه ده

لسانه المتثاقل بالأحرف ورأسه المترنح حالا بين ملاحظته النظرات التى تدور بين حراسه ليتنفسوا الصعداء بعد أن صرفهم ليلقى كأسه ملتقطا الزجاجة ثم يبدأ سكب محتواها فوق السجادة وهو يحدثها

_ انت لازم تتغيرى كمان عارفة ليه؟ علشان انا عاوز كده واللى انا عاوزه لازم يحصل ، بس انا ماكنتش عاوز هاني يسبنى دلوقتي ، ماكنتش عاوزه يسبنى خالص

رفع كفه ليضم شفتيه هامسا

_ هشششش بس ماتكلميش كتير انا عاوز انام
استلقى فوق الأريكة وسرعان ما غط فى نومه.

............

دارت حبيبة حول نفسها قبل أن تنظر إلى هبة التى رفعت ابهامها تؤكد روعة الفستان لتشير حبيبة نحو آخر
_ ولا ده هيكون احلى .

اتجهت نحو الفستان الآخر لكنها توقفت قبل أن تطاله يديها لتنظر مرة أخرى للمرأة

_ بس جاد بيحب اللون الأزرق اكتر

ضحكت هبة وهى تهز رأسها بحيرة

_ الحمدلله إن مامتك مش معانا

ضحكت حبيبة فهى تصرح أكثر من اللازم بمدى اطلاعها على شخصية جاد ودواخل نفسه ويفترض أن فترة خطبتهما القصيرة لا تسمح بكل هذا .

...........

تركت الفستان معلقا أمام عينيها وكأنها طفلة صغيرة تحتفل للمرة الأولى بثوب العيد ، وهل يمكن أن يحمل العيد سعادة أكثر مما تشعر به ؟

دخل محمود للغرفة بعد أن طرق بابها لتعتدل بجلستها وتختفى البشاشة وكأنها تعلم سبب زيارته لغرفتها

_ خلاص يا حبيبة مابقاش فى وقت دى آخر ليلة بس انا معاكى لحد اخر لحظة قبل كتب الكتاب
_ بابا انت ليه رافض جاد بالشكل ده ؟
_ يا بنتى انا مش رافضه هو راجل محترم بس انا خايف ماتتحمليش ظروفه . خايف تندمى ، كل ست فى الدنيا بتتمنى تشوف نفسها في عين الراجل اللي بتحبه ، هيجى عليك اوقات كتير تحتاجى نظرته، إحساسه ، دعمه هتحتاجى تشوفى نفسك بعينه علشان يقويكى
_ ومين قال إن كون الراجل مايشوفش يمنع كل المشاعر دى، ما ياما رجالة بتشوف وستاتهم محرومين من نظرة رضا أو عطف
_ انا خايف عليك يا حبيبة

اقتربت فور تختبئ بصدر ابيها الرحب

_ ماتخافش عليا يا بابا اللى اتربت فى بيت مليان حب زيى مايتخافش عليها.

...............

اختلفت دقات قلبه وهو يطالع صورته في المرآة ، يخشى رد فعلها بشكل هو نفسه لم يتوقعه، لم يظن أن مجرد التفكير فيما قد تفعله سيثير كل هذه الفوضى داخله.

ربما عليه أن يخبرها الحقيقة قبل عقد القران ، ربما تعتبر اخفاءه الحقيقة عنها تدليس وتحايل.

وربما تصبه بوابل من لهفة عينيها لن تصمد أمامه حصون نفسه مهما حاول تقوية دفاعاتها.

وهذا جل ما يخشاه ألا يصمد أمامها ليته أخبرها منذ البداية.
ليس الوقت ملائما للتمنى عليه أن يواجه ما سيحدث ويتقبل أى رد فعل فهو نفسه أصبح يرفض تخفيه عنها خلف هذه النظارة .
فتح الباب ليركض هيثم الذى أصبح منقذه الأول
_ عمو انا شبهك شوفتنى ؟

...............

ملامح الرفض كللت جبين سندس التى تجلس بجوار ابنتها في مقدمة الحضور من النساء وتتوسط حبيبة مجلسهن متألقة وقد توجت بسعادتها ويخيم الصمت على الجميع فى انتظار إنهاء مراسم العقد والتى لم تستغرق الكثير من الوقت لتعلو الزغاريد فتقمع الصمت داخل الصدور وتتسابق كلمات المباركة تعانق مسامع حبيبة التى لا تجد فرصة لتبادل الحوار فترسل ابتسامة صافية سفيرا عنها إلى قلوب الجميع.
وسط الصخب الذى شغل المدارك اقتربت سندس من ابنتها

_ مش كان المفروض تكونى مكانها؟
_ ماما انت بتقولى ايه؟
_ بقول اللى كان لازم يحصل ولا يعنى علشان ارملة؟ اهو اخد البكر تعملى حسابك يكون من نصيبك بردو
_ ماما !!
_ ما هو انت مش هتقعدى بالحزن عمرك كله
_ ماما لا ده وقت الكلام ده ولا مكانه

تأففت سندس لكنها اضطرت لرسم ابتسامة وهى تستقبل فاتن التى اقتربت منها

_ قاعدين لوحدكم ليه يا جماعة تعالوا قربوا جاد هيقعد هو وحبيبة فى الصالون واحنا نهيص شوية
_ معلش يا حبيبتي انت عارفة انا لسه تعبانة بس انا معاكم اهو
_ وانت يا هبة؟ مش تسمحى بردو اناديك باسمك؟
_ طبعا احنا بقينا أهل انا جاية هقعد جمبك

اتجهت هبة بصحبتها هرباً من حديث أمها الذى تراه بلا معنى لكنها لا تريد أن تسمعه أيضاً، لقد اختارت أمها أسوأ توقيت وأسوأ مكان للتحدث بأمر تتمنى هى أن تنهيه للأبد.

جلست بين الفتيات اللائى يتبادلن الرقص تحاول أن تجارى أجواء الفرح، هى سعيدة بالفعل لأجل جاد لكن ياسر يترآى لها بين الأوجه مثيراً حنين لم يهجرها إليه أبدا ومجددا حزن فراقه الذى لن يهجرها أبدا. تعلم أن الجميع يلاحظون الدموع التى تجاهد لقمعها وتعلم أيضاً أنهم سيتظاهرون بعدم الإنتباه.

................

طوى عصاه ووضعها جانبا فرغم أنها أغلقت باب الصالون إلا أن الضجيج بالخارج مزعج بشكل كبير ، سحبت طاولة صغيرة وجلست أمامه مباشرة ليضطرب كلياً فهو منذ دخل للمنزل يعد نفسه للحظة التى ينزع فيها حجاب عينيه معلنا إحاطته بكل تفاصيلها التى أصبح يحفظها فقد حصل على كل الوقت لمراقبة كاملة كانت تظن أنها تراقبه لكنه أيضاً كان يفعل.

_ مبارك يا حبيبة، إن شاء الله اقدر اكون الزوج اللى تتمنيه
_ انت فعلا الزوج اللى اتمنيته يا جاد
_ حبيبة انت جريئة اوى
_ تضايق لما اعبر عن مشاعرى بصراحة؟
_ لا طبعا انا عاوز كل حاجة بنا تكون بصراحة بس انا مش قادر اجارى صراحتك، انا لسه فى حياتى حاجات كتير انت مش عارفاها
_ المهم أننا متفقين على المبدأ ومع الوقت هنعرف كل حاجة عن بعض

لم يجد ما يجيبها به ليصمت مكرها يفكر في طريقة لكشف الحقيقة لكنها اقتربت منه بحذر وكأنها تنقش تفاصيله، ليس هذا القرب كالمرات السابقة عينيها أكثر جرأة ووجهها أكثر توردا.

_ لو قربتى كمان شوية مش هضمن رد فعلى

لن يفكر مجدداً حين يكون بصحبتها هذا قرار عقله الذى سيتبعه مستقبلاً فمجرد التفكير يعوقه عن تجديد العبث الذى يتولد داخله وهو بحاجة شديدة لأتباعه .

تلاقى حاجبيها بدهشة وكأنها لم تدرك ما قاله بشكل كامل وتركزت عينيها على نظارته محاولة اختراق حجابها الأسود للوصول لعينيه التى تظن أنها تنظر إليها مباشرة .
لم يرجف له جفن وكأنه يخشى خسارة تلك الفرصة حتى خرج صوتها أخيراً بدهشة ممتزجة بصدمة واضحة

_ انت شايفنى

لم يجد وقتا ليدرك إن كانت تتساءل ام تقرر فقد تراجعت بفوضى غريبة عنها أدت لإختلال توازنها لكنها لم تسقط بل تشبثت بذراعيه بلا تردد ليتشبث بها أيضاً بلا تفكير وتظل الأعين للحظات تتعانق بصمت مهيب

تبدد الضجيج ليغلف السكون جمعهما مانحا الفرصة لخفقات القلوب بالتعبير عن انتفاضات الاضطراب التى تجتاح الصدور.

_ جاد أبعد عنى

عليه أن يستجيب لها فقد وعد نفسه أن يفعل ، أقسم أن يستجيب لكل رغباتها ويتقبل أى رد فعل تبديه لكنه لم يتوقع أن تنفيذ وعده سيكون بهذه الصعوبة .

حاول يبدى يتماسك وهو يتراجع للخلف ببطء ليحافظ على توازنها بينما ابتعدت للاتجاه المعاكس.

لم تنظر نحوه بل اولته ظهرها لينزع النظارة بحدة ثم يلقيها فوق الطاولة وعينيه مثبتة على حبيبة ينتظر خطوتها التالية.

الإنتظار!!

لحظات منه قد تساوى عمرا طويلا خاصة إن كان ما يلى هذه اللحظات سيحدد مصير حياته.

لا تعلم هل تسعد لهذا الخبر ام تحزن لإخفاءه عنها ، ترى ما الذى دفعه لهذا؟
وهل هذا وقت ملائم للمسائلة؟؟

بالطبع لا.

لن تطرح فيض التساؤلات التى تصرخ برأسها، ستمنحه الوقت ليقص عليها ما يريده فقط، تعلم أن حياته قبل ارتباطه بها تعج بالاسرار وربما يود الاحتفاظ بها طى الكتمان .

_ حبيبة!!

لم يعد يطيق الانتظار ليبادر بحثاً عن بر أمان لقلبه لكنها لم تستجب لمحاولته الأولى ليتابع

_ حبيبة قولى حاجة

دارت على عقبيها

_ المفروض أسأل اسئلة كتير اوى بس انا عندى سؤال اهم منهم كلهم
_ ايه هو اسألى
_ ايه رأيك في الفستان؟

ارتفع حاجبيه معلنا عن عجزه عن فهم السؤال أو سببه أو توقيته لتظهر خيبة الأمل جلية في نبرتها

_ وحش؟؟
_ لا حلو اوي

هزة رأسه المؤيدة لكلماته أعادت رسم الابتسامة فوق شفتيها لتزداد دهشته

_ هو ده اهم سؤال؟
_ طبعا، انت بالنسبة لي بتشوف من اللحظة دى واهم حاجة عندى انك تشوفنى بأحسن صورة
_انت فعلا احسن صورة شافتها عنيا

تهرب عينيها من نظراته أمر مستحدث لا يألفه ويعترف أنه لم يعجبه تلك النظرات الشغوفة التى اختفت من عينيها رغم أنها كانت تشعره بالضيق إلا أنها كانت أيضاً تعكس مدى أهميته بالنسبة إليها ويبدو أنه سيشتاق لتلك النظرات التى تمنى فى بعض الأوقات التخلص منها.

ترك لها زمام الأمور لتفتح الباب بحماس وتنادى والديها ثم تعلن هذا الخبر السعيد ليرى تغيرا جذريا فى نظرات أبيها ومعاملته ومدى تقبله له، اخبرهما بالحقيقة أنه استيقظ من نومه ليكتشف أنه يبصر مع إغفال توقيت حدوث ذلك فهو لا يرى فعليا أن التوقيت ذو أهمية كبيرة فالأهم هو الحدث الذي سيغير حياة ابنتهما وسرعان ما انتشر الخبر بين الحضور ليتحرر اخيرا من تصنعه وأكاذيبه أخيراً يمكنه أن يحيا حياة سوية .

....................

جلست هبة بصحبة عمتها تشاهدان التلفاز منذ غادر هيثم ، انتظام الصغير في ارتياد الحضانة يؤثر عليها بشكل سلبى، تشعر بالوحدة فى غيابه طيلة الصباح وحتى الظهيرة ، عليها أن تجد وسيلة أخرى غير البقاء بالمنزل وانتظار عودته خاصة أنه اغلب بقية اليوم يقضيه بصحبة عمه الذى أصبح تواجده بالمنزل نادراً جدا.

فتح باب الشقة وتقدم جاد

_ اتفضلى يا طنط ، تعالى يا حبيبة

وقفت مرفت وكأنها تنتظر عودته لكن صوت خطوات صغيرة راكضة لفت انتباه الجميع حتى ظهر هيثم يعدو للداخل

_ ماااماااا
_ فى إيه مالك يا هيثم ايه رجعك؟
_ عمو مؤنس جه اخدنى من الحضانة

اتجهت الأعين نحو جاد لتظهر تلك الصناديق التى يحملها ثلاثتهم
_ كل عام وانت بخير يا هبة انت فاكرة هننسى عيد ميلادك
_ عيد ميلادى ؟؟

كانت الدهشة مسيطرة على نظراتها التى تتحرك بين الجميع، لم تنتبه هى نفسها لتاريخ اليوم ولم تتذكر أنه يوم مولدها، لقد فقدت الشغف بالاحتفال بأى مناسبة خاصة اعتادت أن يحيها ياسر

_ احلى بوكيه ورد لاحلى اخت فى الدنيا

قدم لها جاد الباقة الصغيرة التى يحمل فوق الصندوق لتتقدم أمه فتحمله متجهة للداخل

_ تعالى معايا يا حبيبة

قبل أن تتبعها حبيبة اقتربت من هبة تكفف تلك الدمعة التى فرت وهى تضم الزهور لصدرها

_ بلاش الدموع يا هبة احنا كلنا هنا علشان تفرحى

اومأت وعينيها متعلقة بجاد الذى حمل عن فاتن ما تحمله متجها للداخل

_ ماما انا جبت لك هدية

عادت بكل اهتمامها إلى الصغير الذى فتح حقيبته لكن أوقفه عمه

_ الهدية بعد الشمع يا هيثم
_ بس انا الأول

حملته هبة بسعادة غامرة

_ طبعا انت الأول

عادت حبيبة بسرعة تتجه نحو هبة
_ خلى هيثم مع عمه وتعالى معايا غيرى هدومك

لم تقاوم هبة مظاهر الفرح التى تسير نحو قلبها بتمهل بل سعت إليها أيضاً بنفس الحذر
وقفت بينهم وكأنها طفلة صغيرة تحتفل لأول مرة بيوم ميلادها ورغم أنها المرة الأولى التى تحتفل فيها بهذا اليوم بدون وجود ياسر إلا أنها تشعر بقربه منها.
أخرج هيثم من حقيبته كوبا أبيض اللون يحمل صورتها

_ تيته صبى لماما الشاى فى الهدية بتاعتى

أمسكت هبة الكوب الذى طبع عليه صورتها بسعادة فكيف تمكن الصغير من تحصيله ؟

_ على فكرة هدية هيثم هو اختارها بنفسه ودى هديتى انا وحبيبة

ابتسمت حبيبة وهى تتناول الهدية منه لتفتحها وتقترب من هبة فترفع كفه وتحيط معصمها بالسوار الذى نقش باسم حبيبها لتضمه هبة بلهفة لصدرها مع نظرة امتنان تحيط بها جاد وهى تراه أخيراً بهذا الصفاء الذى يستحق

_ كان نفسى عبدالقادر وسندس يكونوا هنا وقولت لجاد يستنى لما يرجعوا اخر الاسبوع مارضيش

_ انت كمان يا عمتى متفقة معاهم؟
_ هو احنا نعرف نعمل حاجة من غير ست الحبايب!

جلست هبة تحمل هيثم برفقة مرفت وفاتن وهى سعيدة تماما بقص ذكريات هذا اليوم وكيف كان ياسر يحوله دائما ليوم مميز للغاية بينما استأثر جاد برفقة حبيبة يتناولان الحلوى

_ هبة بتحب ياسر الله يرحمه جدا صعب تلاقى الحب ده دلوقتي

نظر جاد نحو تجمع النسوة ليبتسم فحين يتعلق الأمر بالحديث عن ياسر يفضل هيثم رفقة أمه وهذا يؤلمه فقد حرم الصغير باكراً جدا من أبيه فلم يحصل على قدر كاف من الذكريات بصحبته .

لم يكن يتخيل أن يكون حب ياسر وهبة مجرى الحديث بينه وبين حبيبة ولا يحب أن يكون أيضاً لذا عاد لها باهتمامه معبرا عن رغبته في تغير هذا الحوار محاولا التعبير عما تثيره داخله من أفكار صيبيانية

_ مش عاوزة تتفرجى على اوضتى؟
_ لا مش عاوزة

صدمته بالرد الفورى ليتصنع الألم بمبالغة مضحكة

_ كل تورتة
_ مش عاوز

أصبح يشتاق فعلياً للشغف الذى حرم منه بنظراتها لكنه لا يمكنه أن يطالب به، أسند رأسه إلى كفه وعينيه تحايطها تماماً

_ عاوزة اشوف شقتنا عملت اللى طلبته فيها زى ما انا عاوزة ولا لا
_ فى صنايعية فوق
_ وايه يعنى ؟
_ نطلع ازاى وفى رجالة غريبة
_ جاد انا مش فهماك
_ احسن

أزاحت الأطباق جانبا واقتربت منه نسبياً

_ انت بتغير عليا ؟
_ أرد وانت المسئولة ؟
_ ماتجاوبش سؤالى بسؤال وبطل تتهرب منى
_ عاوزة الصراحة! لو طلعت فوق مش هتنزلى
_ ليه هتحدفنى من البلكونة
_ هحدفك فى حضنى

رغم صوته الهامس شعرت أن جملته تتردد في الفضاء لتثير ترددا أقوى بصدرها فتحلق راية الحياء فوق محياها بينما أعلنت انقباضات كفها عن تأثرها لتنهره بخفوت

_ جاد اتلم
_ فى إيه مش انت مراتى عادى احضنك؟
_ فى احلامك
_ فى احلامى انت عايشة معايا من يوم كتب الكتاب
_ جااااد

ارتفعت نبرة صوتها لتلفت انتباه مرفت التى تساءلت

_ فى إيه يا ولاد بتتناقروا ليه؟
_ مفيش يا طنط
_ عاوزة تشوف الشغل اللى اتعمل فى الشقة وفى ناس فوق
_ الناس مشيوا قبل ما توصلوا بنص ساعة خلصوا اصلا وبكرة هجيب واحدة تنضف علشان نفرش يادوب نلحق تعالى يا حبيبة أنا هفرجك عليها تعالى يا فاتن معانا

تحركت من أمامه بسرعة ليظل مكانه لا يصدق أنه خسر هذه الفرصة ، زفر بضيق وهو ينظر حوله فلم يجد سوى هبة تجلس بصمت تتحسس الحروف المنقوشة على السوار وعينيها معلقة بالكوب الذى اختفت صورتها منه لتحل صورة ياسر مكانها فور امتلاءه بالشاى الساخن لقد كان تحويل الصورة فكرته وقد كانت فكرة جيدة فهى تبدو له سعيدة بذلك لذا قرر أن يتركها لتحظى بما تحب وتحرك بهدوء ليلحق حبيبة فهو بحاجة قربها.

....................

جلس عبدالقادر ينتظر زوجته التى ترتدى ملابسها بعدم رضا ليتوجها لزفاف جاد ، زاد غضبها حين عرضت عليهم هبة بسعادة ما أهداها إياه جاد وليس من عادة سندس أن تكبت غضبها لذا فهو معتاد على حدتها اللفظية التى لا تتجاوزه لذا هى بمأمن.

لكن أمر زوجته ليس هو كل ما يضايقه لقد طلب من بعض معارفه التأكد إن كان هاني قد غادر البلاد وأكد له الجميع أنه لم يفعل، هو غاضب منه لأقصى درجة ويرفضه لأقصى حد لكنه أيضاً لن يسمح بإيذاءه .
مرور الأيام وعدم محاولته التواصل مع أمه أو معه يزرع الشكوك بقلبه عن أمنه وسلامته .

_ ادينى خلصت ، هو كان لازم فرح ده اخوه مابقالوش سنة ، كان راعى خاطر أمه على الأقل
_ قولت لك ده مش فرح كبير هى عزومة على مركب فى النيل اكتر منها فرح
_ ماشى يا عبدالقادر ما انت لازم تدافع عن ابن اختك
_ يلا يا سندس هنتأخر لسه هنعدى على هبة
_ لا يا اخويا قال جاد صمم تركب عربية العريس ، بس انا دمى محرووووق
_ يعنى الحق عليه بيراعى خاطر بنتك!
_ هو كده بيراعى خاطرها لو بيراعيها كان اتجوزها هو أولى بابن اخوه
_ بنتك رفضته يا سندس بلاش نتكلم كتير كلامنا لا هيودى ولا هيجيب.

سارت دون أن تحاول إخفاء الغضب أو الحدة فكم تخشى أن تعيش هبة وحيدة مثل عمتها.

...............

تتعالى خفقات قلبه بشكل مزعج كلما ارتقيا معا درجة أخرى ، كان زفافهما بسيطا بناءً على طلبها هى الذى نقله أبيها إليه تريد أن تعتمر عوضاً عن حفل الزفاف وكم راقته الفكرة. هو نفسه ما كان يتمكن من الإحتفال بشكل كبير.

اغلق باب الشقة بعد أن عبرته ليرتجف قلبه فتسرى الرجفة بين دماءه التى تتزايد حرارتها.

لا يهيم بها عشقا وهو يعترف بذلك أمام نفسه، لكنه أيضاً منجذب نحوها بشدة ويكفيه هذا كبداية ، يعلم أنه بحاجة للمساعدة مساعدة من نفسه أولا ومن حبيبة ثانياً
لازال يجاهد قلبه الذى يغالبه، ليت أمره بيده ما تردد لحظة واحدة في إنهاء حيرته.

_ مالك يا جاد سرحان فى إيه ؟

انتبهت كل حواسه مع صوتها ليلتفت فكانت أمام باب الغرفة

_ أبدا مفيش انت واقفة هنا ليه ؟
_ انت اللى واقف مكانك ليه؟

ابتسم وتقدم نحوها وكأنها تقرأ أفكاره ، هو بالفعل وقف مكانه لسنوات وكان بحاجة لصوت ينزعه من حيرته، يشعر بالارتياح لما هو مقبل عليه فهى لن تتركه يقف مكانه مجددا.

................

أصرت مرفت عليها لتبيت معها ليلتها كما صحبت الصغير لغرفتها هى وكم كانت بحاجة للاختلاء بذكريات عمرها حيث تتركها كل صباح وتعود إليها فى المساء.

لا بأس ففى هذا المكان وهذه الغرفة العديد والعديد من ذكرياتها، كما هنا كانت تسكن أنفاسه.

ضمت صورته المجاورة للفراش لتضبط وضع الوسادة أمامها ثم أرخت الصورة عليها وجلست تقص عليه ما حدث كما كانت تفعل طيلة عمره.

_ الفرح كان حلو اوي يا ياسر، كان نفسى تكون معانا، جاد اخدنى معاه في العربية وجاب لى بوكيه ورد زى العروسة وكمان قالى انى احلى اخت فى الدنيا ، علطول زى ما قولت لك دلوقتي بيقولى انى احلى اخت فى الدنيا. انا فرحانة اوى يا ياسر علشان جاد اتجوز وعلشان دلوقتي بقيت أخته بجد، العروسة كانت زى القمر وجاد كمان كان بدر منور اما لو شوفته هو وهيثم مع بعض!! انا فرحانة كمان علشان هيثم ربنا عوضه بجاد، طبعا مفيش زى الأب بس أمر ربنا ، ماتخافش عليا انا حاربت كل الظروف وهفضل طول عمرى ليك انت وبس، انت مش جوزى وبس يا ياسر انت عمرى كله، دلوقتي معايا حليف قوى ومحدش هيقدر ياخدك منى، انتصر قلبي يا ياسر وانت انتصرت هنفضل طول عمرنا روح واحدة صحيح انا عايشة دلوقتي بنص روحى بس هفضل محافظة على عهد النص التاني ، كان نفسى نطلع عمرة زى جاد وحبيبة احنا ليه مافكرناش فيها خالص؟ كله نصيب، بس انت كنت اشطر منى وبتصلى بالليل ، انا كمان دلوقتي بصلى بالليل وادعى لك ، انا هنام دلوقتي ساعة واحدة علشان اصلى اوعى تنسى تزورنى فى الحلم، تصبح على خير.

جذبت الصورة وهى تتسطح فوق الفراش وتغمض عينيها لتسبح خلال لحظات فى عالم الأحلام كطفل صغير لا يحمل قلبه من هموم الدنيا مثقال ذرة.

..................

بدأت أنفاسه الثائرة تهدأ قليلاً ليشعر بها تسحب ذراعه تتوسده فينظر نحوها بدهشة ، لقد حاصرته الليلة بتلك النظرات التى اشتاق إليها منذ وعت بمراقبته لها.

الشغف.

احساس يجتاح المشاعر فى غمضة عين حين يعبر عن عشق صادق.

كل نظرة
كل همسة
كل نهدة لفحت قلبه منها تعبر عن مدى عشقها له، إحساسه بها لم يجربه مطلقاً ، احساس من فرط روعته يعجز عن التعبير عنه ويتمنى أن يحياه دائماً.

طبع شفتيه فوق جبينها الندى وهو يدثرها بدفئه فتعبر عن رغبتها فى هذا الدفء وهى تدس نفسها بين أضلعه .

_حبيبة
_ نعم
_ لو وقفت مكانى تانى نادى عليا انا كتير مابعرفش اتحرك لوحدى
_ لوحدك ده كان زمان دلوقتي انا معاك.

..................

إلتقط علاء هاتفه المزعج وهو يتمنى أن يحطمه لكنه يعلم أن المتصل أبيه وعدم الإجابة خيار غير متاح.

_ نعم يا بابا
_ وبعدين يا علاء انا مش قولت الشاليه ده يتباع وكفاية اللى حصل؟

نظر علاء بجواره ثم نهض فورا متجها للخارج خوفا من إزعاج رفيقه النائم

_ بابا انت بتراقبنى؟
_ انا زهقت من تغطية فضايحك، ولو وقعت في يوم محدش هيرحمك .
_ بابا انت طلبت الولد تربيه بعيد عنى ووافقت سبنى بقا اعيش حياتى بالشكل اللى يريحنى واطمن انا هعرف اغطى ورا نفسى انا مابقتش صغير.

ابعد الهاتف عن أذنه تاركا لأبيه المجال لتفريغ غضبه قبل أن ينهى الاتصال عازما على تغير طقم حراسته فمن المؤكد أن أحدهم يعمل لحساب أبيه.
أتجه للداخل فهو لن يضحى بوقت متعته الخاصة.

انتظروا الخاتمة 


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close