اخر الروايات

رواية انتصر قلبي الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم قسمة الشبيني

رواية انتصر قلبي الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم قسمة الشبيني


الخاتمة

تمر الأيام فتقرب قلوب وتنفر قلوب ، البعض يحظى بسعادته والبعض الآخر يصر على شقاء روحه، السعادة لا يتم العثور عليها بيسر بين الطرقات، بل علينا أن نبذل الجهد للوصول إليها ثم نبذل المزيد للحفاظ عليها.

تعلم هبة سبب استدعاء والدتها لها على وجه السرعة فهى رغم مرور السنوات لا تيأس من دفعها لمتابعة حياتها كما تدعى ، هى تابعت حياتها بالفعل وقد ساندها جاد فى تأسيس عمل يخصها بعيداً تماماً عن مجال عمله وبدأت هى بروية تطور من نفسها فمنذ خمس سنوات افتتحت متجرها الخاص والذى أصرت أن يكون نشاطه الأساسى مشغولات الفضة و الهدايا الرمزية وكم تسعد بتقديم العروض للثنائيات بل واشتهر متجرها بتقديم خصومات خاصة لحديثى الزواج فهى تسعد برؤية الأحبة فى وفاق وتحيا بتقديم الدعم للعلاقات.

دخلت من الباب إلى حيث ينتظر والديها مباشرة لتلقى التحية ثم تجلس بالقرب من أبيها وقبل أن يفكر في الحديث بادرت سندس
_ اظن كده كفاية اوى يا هبة، داخلة فى ست سنين حزن وانت فى عز شبابك
ظهرت علامات الملل تكلل ملامح هبة ليبتسم عبدالقادر والذى تفهم موقف ابنته منذ فترة طويلة بل واحترم علاقتها شديدة الخصوصية بزوجها الراحل، أسعده أن تحمل ابنته هذا القدر من الوفاء وانا تحيا هذه الحالة الفريدة من العشق فرفضها القاطع للزواج مرات عديدة ليس بدافع الخوف على ابنها كما تدعى فى بعض الأحيان ولا لعدم ملائمة المتقدم لخطبتها فى البعض الآخر بل السبب الوحيد لرفضها هو عشقها زوجها لطالما أخبرتهم أنها لا تستطيع أن ترى رجلا غيره.

_ تانى يا ماما؟
_ تانى وتالت وعاشر ومش هرتاح غير لما اشوفك مرتاحة فى بيت جوزك
_ وحد قالك يا ماما أنى تعبانة؟ انا مرتاحة جدا وفى بيت جوزى فعلا
_ الله يرحمه، جوزك الله يرحمه والحى أبدى من الميت ولا انت هتدفنى عمرك معاه؟
_ هنرجع لنفس الأسئلة ونفس الكلام ونعيد ونزيد فى موضوع منتهى
_ لا مش منتهى ويا تفوقى لنفسك يا نفوقك غصب عنك، ابنك اللى بتربيه ده مسيره فى يوم يتجوز ويعيش حياته وانت تفضلى للوحدة والحزن وتموتى وحدانية زى عمتك.

إلتقى عينى هبة وأبيها برفض فى مواجهة نظرات سندس التى لم تتراجع

_ فى إيه مش دى الحقيقة؟
_ سيبى بنتك يا سندس تعيش حياتها زى ما هى عاوزة مادامت مابتغضبش ربنا ومرتاحة فى حياتها
_ بصوا بقا انتو الاتنين يا تيجى بكرة يا هبة تقعدى مع العريس وتشوفيه يا لا انت بنتى ولا اعرفك

أنهت حدتها بإنتفاضة لم تساعدها عليها حالتها الصحية لتتجه للداخل لتنظر هبة إلى أبيها

_ وبعدين يا بابا فى تحكمات ماما فى حياتى!
_ عذرها معاها يا هبة هى خايفة عليكى، صحيح خوف مالوش أساس بس مانقدرش نمنعها ده حقها خصوصا بعد ما عمتك الله يرحمها ما ماتت
_ انا عارفة يا بابا بس انا فعلا مش عاوزة اتجوز، انا راضية بحياتى وشغلى وابنى كل حياتى اقعد ليه مع واحد انا مش ناوية افكر فيه من الأساس
_ نص ساعة مش هيجرى حاجة يا حبيبتي وبعدين انت عارفة انى واقف جنبك فى أى قرار تاخديه لو شوفتى العريس وفضلتى على رأيك انا معاكى ، حصلت حاجة خليتك قررتى تغيرى حياتك انا بردو معاكى هتفضلى فى كل الأحوال بنتى اللى بفتخر بيها واسندها واتسند عليها.

تنهدت هبة بعدم اقتناع وهى تلحق أمها عازمة على مرضاتها برا بها فهى تعلم أن اختفاء هاني منذ سنوات ترك فجوة بصدر أمها خاصة وأن أمها تتبع عواطفها كأم دائما وشجارها المستمر معها لا يعنى بأى شكل سوى محبتها لها.

..................

دار جاد دورة أخرى بين جدران الغرفة وعينيه تراقب حبيبة التى غفت منذ ساعات، يقدر ما تبذله من جهد لأجله ولأجل طفليه، كان سعيداً للغاية حين حظى بثمرة عشقها له فى تتابع سريع أشفق عليها فعلياً من سرعة تتابعه تراجع عقله ذاتياً إلى الأعوام الماضية التى عاشها محاطا بعشق حبيبة التى لا تحرمه عطفها ورعايتها أبدا ، كانت نعم الزوجة التى يتمنى لنفسه ولا يظن أنه كان ليحظى بأفضل منها ساندته دائما برعاية وساندته كثيرا دون أن تعلم.

لقد هاتفه خاله اليوم يطلب منه الحضور غدا برفقة هبة حيث ستقابل رجلا تقدم لخطبتها، إنها المرة الأولى التى يطلب خاله منه أمر مماثل، علم دوما بتوافد الرجال لباب هبة وعلم أيضاً أنها ردتهم جميعا فما الذى استجد ليطلبه خاله؟

هل ارتضت لنفسها زوجا ؟

ربما لأنه أول من يتقدم لها بعد وفاة أمه!!

ماذا سيفعل إن قبلت؟

عادت عينيه لملامح حبيبة المستكينة الهادئة والتى يشع الأمان من ثناياها

هل يمكنه أن يعيد الكرة ويفكر في الزواج من هبة؟

هل يمكنه أن يجرح حبيبة بهذه الطريقة ؟؟

بالطبع لن يفعل فقد تصالح منذ سنوات مع عشقه القديم وحصر مشاعره فى الدور الذى تحتاجه دور الأخ ورغم أنه متمسك بمكانته تغالبه شياطين نفسه أحياناً وتوسوس له بمحاولة أخرى لكن محاولة أخرى تعنى فقدان حبيبة

يحتاجها بشدة فهو لم يعد يطيق هذا الصراع ولن يجتازه مرة أخرى ، اقترب بهدوء من الفراش يتلمس وجهها
_ حبيبة، حبيبة
_ فى إيه يا جاد مالك؟

صوت النعاس المسيطر على نبرتها لم ينجح في إخفاء القلق الذى ايقظه داخلها

_ ممكن تقعدى معايا شوية!

اعتدلت جالسة من فورها وهى تبتسم متخلية عن إظهار مخاوفها

_ اكون سعيدة جدا انى اصحى من النوم علشان اقعد معاك
_ بجد!!
_ طبعا علشان بتفكرنى بأول جوازنا

جلس بالقرب منها ليتسطح متوسدا حجرها كأنه أحد صغيريه متسائلاً

_ كنت بزهقك صح؟

اعادته سنوات للوراء وهى تبتسم بنفس الصفاء وكفها يتخلل خصلاته الناعمة

_ بالعكس أنا كنت بتبسط اوى لما تصحينى وتطلب منى اقعد معاك عارف ليه !

هز رأسه وعينيه تحيط ملامحها لتتابع
_ اول ما اتقدمت لى كنت عارفة انك هربان من جرح قلبك بسبب واحدة تانية

إلتقى حاجبيه وتبددت بشاشة ملامح وجهه بشكل واضح

_ مش صعب على قلب بيحب يحس بوجع اللى بيحبه بس مجرد انك فكرت تيجى لى انا كان حافز قوى ليا انى احارب علشان حبى اللى عشت سنين اخبيه من كل الناس، فترة خطوبتنا كانت قصيرة وانت كنت دايما محتار ومتردد مع كل كلمة وكل خطوة بس كان كفاية عندى انك رغم كل ترددك وخوفك موجود جمبى، اول جوازنا صراعك زاد وكنت بحس انك مش معايا اوقات بس لما كنت بتصحينى من النوم وتطلب منى اقعد معاك كنت بفرح اوى لانك كنت بتستخدم حبى تدافع بيه عن حبى

اعتدل جالسا ينظر لها بدهشة

_ انت بتقولى ايه!
_ بقول انى اسعد ست لانك حاربت نفسك علشان تحافظ عليا

هل كانت دائماً مطلعة على دواخل صدره بهذه البساطة، كانت ترى صراعه وهو يظن أنها لا تفعل، كانت تعلم معاناته وتسانده وهو يظنها لا تعلم!

_ مش سهل أبدا نتخلص من حب بيأذينا لانه مهما كان مؤذى هيفضل جوانا حليف ليه

لا يجد كلمات يعبر بها عن معاناته الفعلية هذه اللحظة ، وماذا كان ينتظر؟

لطالما كانت حبيبة هى الطرف الأكثر عطاء فى علاقتهما فلماذا يتعجب الآن أن تقدم المزيد؟

تسلل كفه وكأن له إرادة خاصة ليمسك كفها ويضغط عليه بقوة تعبر عما يجتاحه من مشاعر

_ انا بحبك اوى يا حبيبة
_ طب ما انا عارفة

ارتفع حاجبيه لهذه الثقة التى نطقت بها فهو نفسه لم يعترف بينه وبين نفسه مسبقا بحبه لها فكيف اطلعت هى على هذا الحب ؟

_ مش لازم تقول انك بتحبنى علشان اعرف كفاية اشوف خوفك عليا، رعايتك ليا، خوفك على مشاعرى ، حفظك لحقوقى كل ده تعبير عقلك عن حبك اللى قلبك كان بينكره
_ اناااا حبيبة!!
_ انت مش محتاج تقول حاجة يا جاد انت محتاج تعرف أن قلبى انتصر بس مش على قلبك انتصر على جرحك على وجعك على حدود كتير كانت بنا واختفت من غير ما تحس، قلبى انتصر بيك يا جاد مش عليك
_ بالراحة على قلبى يا حبيبة أنا مش اد قلبك

ضحكت وهى تجذبه لتتوسد ذراعه كما اعتادت أن تفعل منذ ليلة زواجهما الأولى عليه أن يعترف أنه ادمن هذا القرب ولا ينوى أن يبرأ منه، اعتاد أن يتخذ حلاوة هذا القرب ليسكن انين قلبه لكن دفئها تسلل من بين أضلعه ليزرع بصدره حياة جديدة .

حقا هبة كانت وستظل جزء من حياته للأبد لكن وجودها لم يكن كافياً مطلقاً ليشعر بهذه السكينة التى يمنحها له قرب حبيبة.

_ حتى اسمك مشتق من الحب ، انت كنت فرصة عمرى يا حبيبتى
_ حبيبتك؟
_ طبعا انت لكل الناس حبيبة وليا انا حبيبتى اللى هعيش عمرى كله مش هوفى حقها عليا .

أغمضت عينيها وهى بالفعل مكتفية فقد رأت صراعه اليوم وكم كانت تخشى أن يواجهه وحده، لازال يحتمى بعشقها له وهى ستدافع عنه حتى تسكن خفقات هذا القلب الذى يعشقه.

شدت نفسها إليه وكأنها بحاجة لمزيد من القرب لقد زرعت نفسها منذ سنوات بهذا الصدر لتمتد جذورها من بين شقوق الأضلع وها هي تسعد بإزهار ما قدمت، هى مطمئنة منذ اليوم ورغم ذلك لا بأس من المزيد من قربه الذى يسكن قلبها إليه.

................

جلس علاء منكب الرأس وقد ضاقت به السبل، مات أبيه الذى كان خط دفاعه الأول ليتعرض خلال السنة الأخيرة لعدة أزمات ليست بهينة وكانت كافية ليطلب منه مباشرة التنحى عن منصبه، لم يكن المنصب له يوماً سوى سلطة إضافية يحتمى خلفها وها هو فى سنة واحدة فقد أبيه وسلطته.

يعلم أن سلطان المال يوازى سلطان الحكم قوة وأن الحكم بلا مال يعنى زوال قريب لكنه طيلة عمره كان يجيد إدرار المال.

الوسيلة ليست أولى اهتماماته بل الكم الذى ستدره هذه الوسيلة من أموال.
وهذه الأزمة التى يمر بها ليست سوى محنة قوية هو أقوى منها وسيجتازها بلا شك، كان عليه فقط الحيطة بشكل أكبر فأعداءه كثر أولهم ذوى زوجته المغدورة ورغم ذلك لازال قادراً على ردعهم.

أما ناجى لم يكن فى حسابه مطلقاً ، ظن أنه لن يجرؤ على مجرد مهاجمته وهو بالفعل لم يواجهه بشكل شخصي منذ ذلك اليوم بالمقابر حين أعلن هو كشفه علاقته بزوجته.

لقد تأخر كثيراً في عقابه وها هو بما أقدم عليه من تفكيره فى إيذاءه يعجل بنهايته.

مرت خمس سنوات وناجى لا يستحق كل هذه المدة من الحياة.
اتجهت عينيه إلى الباب الذى دخل منه أحد حراسه

_ تمام يا باشا ساعة واحدة وهتسمع اخبار تبسطك
_ لو سبت خيط وراك انا بنفسى هوصلك المشنقة
_ اطمن سعادتك ده شغلى وانا احسن واحد يعمله
_ عارف علشان كده بتعامل معاك، راجع حسابك بعد نص ساعة

اتسعت ابتسامة هذا الشخص الذي لا يبدو للناظر له مثيراً للمخاوف أو حتى للشكوك، هو مجرد شخص معتدل البنية ملامحه هادئة وتشبه ملامح اغلب الناس بلا وسامة مفرطة ولا قسمات حادة.

.................

وقف ذلك الضخم فوق التل الذى يطل على روعة القاهرة فى هذا الوقت من اليوم، لقد من الله عليه بالتوبة وصلحت توبته.

اوصدت الحياة أبوابها أمام وجهه بعد أن صرفه علاء من عمله منذ سنوات ، لقد كان شاهداً على كل قذارته وجرائمه أيضاً لكنه يعجز عن النطق بأى مما رآه، ليس خوفاً من إدانة المجتمع بل خوف من بطش علاء.

المستبد مثله لا ينبغى معاداته أو المجاهرة بتحديه، كان العمل معه سبب رفض الكثيرين منحه فرصة عمل بعد أن صرفه، شعر أن الله يعاقبه حتى قبل أحدهم منحه فرصة فتشبث بها جيداً.

رب عمله الجديد رجل بكل معنى الكلمة ، تعلم معه أن مخافة الله أولى من مخافة الناس، تعلم منه أن طاعة الله اهم من طاعة المرؤوسين ، تعلم منه الكثير وقد كانت حسن معاملته سبباً في تفكيره بحياته السابقة ورؤية كل ما اقترفت يداه برؤية صريحة كانت كافية ليهرع إلى الله طالبا غفرانه.

تحسس جيبه ليخرج منه ورقة مطوية نظر إليها فقد عثر عليها بعد موت هاني ولم يفكر يوماً فى إعادتها لعلاء خوفاً من بطشه أولا ولعلمه أن علاء سرعان ما سيتخطى حزنه المزعوم ويعود لنفس قذارته وقد كان ما توقعه بأسرع مما توقع.

بدأت عينيه تقرأ الأسطر القليلة للمرة التى لا يمكنه تذكر عددها وكأنه يجلد نفسه بهذه الكلمات

"علاء
انا قررت أنهى حياتى مش بس علشان اهرب منك لكن علشان اهرب من نفسى، طول عمرى بقول أن من حقى اختار واخترت فعلا اللى مقتنع بيه بس انت وغيرك اجبرتونى اعمل حاجات انا مش عاوزها بس مش ده السبب اللى بيخلينى اهرب.
انا طول عمرى متعتى كانت أهم حاجة فى حياتى وبعرف اخد متعتى رغم اى حد بس بقيت اكره جسمى .
بكرهه لأنه بيتمتع باللى انا برفضه خلاص مابقتش قادر ارفض الإكراه.
لما الحراس بتوعك دخلوا عليا عاوزين يجبرونى عقلى كان رافض بشدة بس الرفض ده كان لشوية دقايق بس وبعد كده ابتدت متعتى تتحكم في رفضى وجسمى يقبل كل اللى بيعملوه بشره غريب
نفس اللى كان بيحصل معاك كنت بتطوع جسمى غصب عني وتخلينى اتمتع بقربك اللى برفضه.
صحيح انا دربت جسمى كتير اوى للمتعة بس دلوقتي بقا يخذلنى ويتمتع بكل انتهاك انا برفضه
خلاص كفاية انا هنهى حياتى دلوقتي ومش هسمح لحد يتحكم فيا تانى لا انت ولا اى راجل.
كان نفسي ارجع ل الكس ولابننا لانه حبنى بجد وكان مستعد يعمل علشانى حاجات كتير.
انت مش هتخلينى ارجع له وهو خلاص مش عاوزنى يبقا الحياة دلوقتي مالهاش قيمة انا مش هعيش أداة لمتعتك انت وغيرك.
لو اقدر ارجع بالزمن مش هسيب الكس ولا ابعد عنه رجعت البلد دى انتقم لنفسى بس انتقمت من نفسى.
أنا أنهى حياتى اكرم لى من الاستغلال بالشكل ده.

هاني

تنهد بضيق وهو يعيد الورقة إلى ظلمات جيبه، لم تفارق جيبه منذ عثر عليها لم يعرضها على رفاقه ولم يعلم بوجودها سواه، حين بدأ هاني يحاول العبث معه واللعب على وتر غرائزه لم يفكر في رفضه، كان يرى الفخ الذي يحاول هاني إيقاعه فيه ونصب له فخ آخر ظنا منه أنه يؤدبه، كان ورفاقه في تلك الليلة شديدى اللهجة مع ضحيتهم والذى اتضح لهم استمتاعه بما أقدموا عليه ليعدوه بوقاحة بإعادة الكره كلما اتيحت لهم الفرصة، لم يكن يظن أن هاني سيقدم على إنهاء حياته وقد فوجئ فعلياً بما حدث هو ورفاقه فقد قدموا له بعد جريمتهم فى حق أنفسهم برفقته عناية شخصية فائقة.

ربما كان موت هاني هو أول صفعة وجهت له ولا ينكر أنه صدم تماماً بالسبب التافه وراء إقدامه على إنهاء حياته بدلاً من محاولة إصلاحها.

رنين هاتفه أعاده للحياة لينظر إلى شاشته قبل أن يتجه فوراً إلى سيارته فهذا موعد عودته للعمل.

.......................

فتح ناجى عينيه يشعر بتثاقل شديد تعانيه اجفانه، الهواء ليس جيداً كما يبدو، تلفت حوله وقد تشوشت رؤيته تماماً ، هناك من يتسطح إلى جواره،

إنها إمرأة!

بدأ عقله يعود لبعض صحوته فعلى تلك الغافية العودة لبيتها وزوجها لما هى هنا بعد!!

حاول التحرك لكن جسده لا يستجيب

الهواء!!!

شئ ما يثقل أنفاسه بشدة.

حاول ملأ رئتيه بالهواء ليشعر بالمزيد من الدوار
انتفض مستدعيا كل قوته ليتحرك وقد تحرك الجزء العلوى من جسده بالفعل لينكب مرة أخرى على وجهه وقد كشفت عورته وعورة النائمة بالفراش .

لم يكن ستر نفسه هو أولى اهتماماته لكنه يجاهد بحثاً عن العودة للحياة.

لم يكن يدرك ما يحدث لكنه شعر بخوار غريب يخرج من صدره بدلاً من أنفاسه.

حاول الانتفاض مرة أخرى لكن خذله جسده الذى أسلم روحه بالفعل فى لحظات على هيئة لم يفكر يوماً فى مدى بشاعتها ليعيش عمره منتهكا للأعراض.

.....................

انتظار علاء كان قصير العمر ففى الصباح التالي تم اكتشاف جثمان ناجى ورفيقته بواسطة الخادمة التى تأتى فى الصباح فقط، سرعان ما انتشر الخبر ليتزعزع معه كل ما كان ناجى يحاول إثباته ضد علاء فشخص ضبط بالخيانة مع زوجة شخصية عامة وكلاهما ميت لن يدافع عنه أقرب الأقربين.

بل انقلب الوضع في نفس الصباح لصالح علاء بشكل جذري وكل من كان يحاول مؤازرة لناجى تراجع فوراً وأعلن عدم تضامنه مع القتيل الذى اثبت الطب الشرعي أنه ورفيقته ماتا نتيجة تسرب الغاز فى الشقة وهذا ما أخبرت به الخادمة فور وصولها أن ثمة انبعاث لرائحة غريبة لفت انتباهها لتتوخى الحذر وتفتح الشبابيك قبل أن تتفقد المكان حتى وجدت القتيلين.

دخل نفس الشخص لمكتب علاء الذى بدأ يشعر بالراحة لقرب رجوح كفته وانتصاره.

_ تمام يا باشا؟
_ تمام انا عاوز احتفل الليلة بالانجاز ده
_ تحت امرك حفلة كبيرة ولا على الضيق
_ انا وهو بس حتى الحراسة مش عاوزها
_ تأمر يا باشا .
_ انا رايح المجموعة عندى اجتماعات مهمة وانت شوف لى الموضوع ده

أتجه للخارج ممنيا نفسه بليلة حافلة بالمتعة التى حرم نفسه منها منذ اشهر نظرا لما يتعرض له من أزمات لكن أمامه عدة أيام حتى يفكر أحدهم فى مجرد النظر نحوه فحادث مقتل ناجى والحالة التى عثر عليه فيها ستشغل الجميع خاصة زوج رفيقته والذى هو لحسن الحظ شقيق زوجته الراحلة.
فلينعم ببعض الراحة والخصوصية فكل منهم منشغل فى تغطية فصائحه الخاصة.

................

وقف جاد أمام باب خاله كما وعده بالحضور وسرعان ما فتح هيثم الباب وملامحه تحمل عدم الرضا ليسرع فيحيط كتفيه

_ مالك يا هيثم!
_ مفيش

النبرة الحزينة التي يتحدث بها الصغير وضحت كل شيء لقد تخطى هيثم طور الطفولة مبكراً ورغم أن عمره قد تجاوز فقط العشر سنوات إلا أنه على قدر كبير من المسئولية.
غيرته لمجرد تقدم أحدهم لخطبة أمه تصرخ بعينيه ورغم أن جاد رآها تصنع العكس وهو يتجه ليلقى التحية على خاله وزوجته التى لم تعد ترحب به مطلقاً.

كانت هبة ترتدى نفس الرداء القاتم وخلا وجهها تماما من الزينة ليتضح أيضاً سبب غضب زوجة خاله.

جرت الأحداث بشكل سريع وحضر فى خلال دقائق شخص منمق ربما يماثل عمره جاد أو يصغره بعام أو عامين على أقصى تقدير، علم جاد أنه ارمل أيضاً وله من زوجته الراحلة فتاتين ولا يبحث عن الإنجاب لكنه علم بسهولة أن هذا مجرد مزعم ليبدو أمامهم بشكل أكثر رقى.

طلب منهم أن يتحدث إلى هبة ببعض الخصوصية ورغم أن ملامحها ترفض قبل أبيها.

جلست هبة برفض واضح ليبتسم محاولا التودد

_ ازيك يا مدام هبة؟
_ الحمدلله
_ اتمنى وجود بناتى مايكونش سبب ازعاج ليك بعد جوازنا!
_ حضرتك بتعتبر موافقتى ضمنية ولا إيه؟
_ لا مش قصدى طبعا أنا أتمنى توافقى
_ وهتقدر تتعامل مع انى بحب واحد تانى!!!!

ضربت الصدمة ملامحه وسطعت بقوة لتتابع دون أن تمنحه فرصة للحديث

_ انا بحب راجل واحد مش هحب غيره هو كان ومازال جوزى ياسر وهفضل لأخر نفس فيا احبه هو

استرخت ملامحه لحد ما بينما لم يكن هذا الاسترخاء ذو قيمة لهبة

_ جميل جدا وفاءك لزوجك الله يرحمه
_ لا ده مش وفاء لزوج مات ده حب لزوج عايش في دمى وافتكر ده سبب كافى لحضرتك للتراجع عن الجوازة دى انت واضح انسان مثقف ومحترم ومش هتقبل على نفسك ورجولتك تتجوز واحدة بتحب واحد غيرك.

عادت ملامحه تتعكر وهو يضبط سترته ثم يستقيم بهدوء

_ عن اذنك فرصة سعيدة انى اتعرفت على ست زيك

انتقل الغضب لملامح سندس ويبدو أن هبة تدرك أنها ستصب عليها هذا الغضب لتمسك كف ابنها وتتبع الزائر للخارج فورا

_ معلش يا بابا هيثم عنده مدرسة بدرى هنروح مع جاد

هز كتفيه بقلة حيلة وهو ينظر نحو خاله الذى أشار له ليغادر يتبعها مسرعاً.

إلتقط كف هيثم
_ مابقتش تيجى تلعب مع ياسر ويزيد ليه يا هيثم
_ عندى اختبارات شهرية يا عمو لما اخلص هجى العب معاهم
_ ماشى يا حبيبي، عاملة ايه يا هبة؟
_ الحمدلله يا جاد نفسى بس ماما تسبنى فى حالى
_ ماما هو عمو اللى كان عند جدو ده هيجى تانى؟
_ لا يا حبيبي
_ بجد طب هاتوا لنا ايس كريم علشان نحتفل انا وياسر ويزيد
_ مش كان فى اختبارات من ثانية واحدة؟
_ ماتخافش يا عمو انا مذاكر

انطلق الفتى نحو متجر المثلجات بينما اقترب جاد من هبة

_ هيثم بيغير عليك يا ام هيثم
_ عارفة
_ لو ده السبب لرفضك انا ممكن اتكلم معاه
_ لسه بتسأل السؤال ده يا جاد؟
_ انا بس عاوزك تعرفى انى جمبك فى أى قرار تاخديه
_ انت شبه بابا فى كل حاجة

ابتسم جاد وهو يتقدم ليدفع ثمن ما طلبه هيثم، أخبره قلبه أنها ستظل على وفاءها حقا لن يلومها إن غيرت موقفها ولا يحق له أن يفعل لكنها متمسكة بذكرى أخيه وهناك داخله جزء يسعد لذلك.
لطالما كانت هبة جزء من ياسر ولا يظن أن هناك رجلا قد يدفعها لتنفصل عنه.

.....................

تمايل علاء يضم خصر رفيقه الذى يلتصق به حرفيا وهذا الشعور يعجب علاء بالفعل، طالت علاقتهما لأكثر من ثلاث سنوات ولم يمله خلالها أبدا فهو ضليع فى التودد وبارع فى تغير نفسه ليتكيف مع وضع علاء الذى يغدق عليه أمواله ببذخ ليحافظ على اتزان علاقتهما

رفع له الكأس ليرتشف منه علاء ووجهه يحمل ابتسامته الخبيثة التى يفهم مغزاها جيداً لكنه لن يسمح ببداية اى شئ فى وقت قريب، أعاد رفع الكأس ليرتشف منه مجددا وتزداد تمايلات خصره وعلاء يجاريه ببراعة.

ابتعد وعلاء يعيد تقريبه بجذبه نحوه ليتصنع السقوط فوق صدره لكن دفعته لم تكن بالقوة التى تؤدى لسقوط شخص ببنية علاء وهو مستقر فوق صدره.

نهض فوراً بينما رفع علاء رأسه بجهد كبير وكأن أحدهم يجثم فوق صدره ويزهق أنفاسه على غفلة وفى لحظة بدأت نصال الألم تشق طريقها بين اضلعه ليحاول مرة أخرى أن يتحرك فيصدمه رفيقه

_ حبيبى أهدا ثوانى وكل حاجة هتخلص
_ انننن
_ هشششش ارتاح مش هتقدر تتكلم ولا تتحرك الفودكا مسمومة لو بتسمع كلامى وتشرب حاجة خفيفة كنت حسيت بالسم ولحقت نفسك. اوعا تزعل مني انت عارف انا بعشق الفلوس والصراحة اندفع فى رقبتك اكتر مما تتخيل، باى يا بيبى وسورى الرجالة هيجوا ينضفوا ماتاخدش بالك خليك فى موتك

أتجه للخارج تتبعه عينى علاء مع شعوره بالعجز، رأى اشباحا تتحرك حوله وقبل أن يدرك ما حوله زادت حرارة جسده فى لحظات حتى شعر بالاحتراق وسرعان ما تبدلت الحرارة لبرودة شديدة ثم سكن كل شيء.

................

جلس جاد في الصباح يتناول فطوره بشهية كبيرة وهو يطالع هاتفه

_ حبيبتي فين ياسر؟
_ نايم مع هيثم تحت دلوقتي هيثم يروح المدرسة وتلاقيه جاى
_ هو مش رايح حضانته
_ إجازة تلت ايام

توقف جاد عن تمرير شاشة الهاتف وتوقف فمه أيضاً عن مضغ الطعام واتضحت صدمته بينما عينيه تقرأ خبر العثور على جثمان شخصية مرموقة والمعاينة المبدأية ترجح شبهة جنائية في الوفاة

لن ينسى جاد هذا الوجه مطلقاً هو من أعاد إليه هيثم واعاد إليه الحياة أيضاً وقد تابع أخباره ولم يكن بحاجة للتيقن لكنه مؤكد رفيق هاني فترى اين الأخير بعد وفاته وهل له يد في ذلك!؟ سيظل لغز اختفاء هاني الذى فشلوا جميعاً فى العثور على أي أثر له هو أكثر ما عاشه غرابة فرسميا هاني لم يغادر البلاد وفعليا اختفى وكأنما تبخر بين ذرات الهواء.

_ مالك يا جاد! ايه اللى شدك اوى كده ؟
_ مفيش حبيبتي الأخبار بس فيها حاجات مزعجة
_ قولت لك ألف مرة بلاش تقرا اخبار وانت بتاكل
_ معاك حق اخر مرة

ابعد الهاتف عن مرمى عينيه محاولا إبعاد صورة علاء عن ذهنه ولم يكن بحاجة للمزيد من الجهد فسرعان ما امسكت كفه تسحبه فوراً من أفكاره

_ هو انا قولت لك قبل كده بحبك؟
_ مش فاكر ما تقولى تانى
_ بحبك
_ وانا عديت الحب يا حبيبة قلبي وطوق نجاتى بقولك ايه ما تيجى ناخد يومين إجازة ونسيب العيال مع هبة ونعمل شهر عسل جديد

_ موافقة طبعاً

الدفء الذى يضمهما معا أصبح ملاذاً لكل منهما، لكل إنسان قسم من السعادة يحصله بطريقة أو بأخرى ، طريق أحدهم للوصول لسعادته قد يكون طريق آخر للوصول لشقاءه فلا يجوز أن نسير جميعاً بنفس الدروب ، أحلامنا نراها جميلة لكنها ليست فى الواقع بنفس الروعة التى نظن بل وقد تكون مرعبة إن عايشناها
الحياة لا تسير على وتيرة واحدة ولا تتبع طريقاً واحد علينا فقط أن نتقبل أنفسنا ونتمسك بفرصنا الجيدة فقد تكون في المستقبل ملاذنا الأول والوحيد
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close