اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة ام حمدة


  وفي أحد ممرات المستشفى جلس آل النعيمي بانتظار خروج الطبيبة من الغرفة التي أدخلوا بها مريم، ووقف سلطان مقابل باب الغرفة التي دلفت إليها حبيبته ومهجة قلبه.

متكئ على الجدار، وعيونه مصوبة للباب ينتظر أن يفتح كي يرى من سرقت قلبه بغفلة منه، هي هناك بعيدة عنه، تقبع خلف الجدران السميكة تمنعه من البقاء بجانبها، لحظات هي ليفرج الباب وتخرج الطبيبة وعلى وجهها علامة الرفض، وبادرت قائلة ما أن تحلق الجميع حولها:
" من هو زوجها؟؟ ".
اقترب سلطان منها وعلى ملامحه التعب والإرهاق فسألها بلهفة شعرت بها الطبيبة:
" كيف حالها يا دكتورة؟؟ ".
فغرت الطبيبة فاهها من رؤية هذه الوسامة الطاغية برجل واحد، وبالرغم من تعبه الظاهر إلا أن وسامته لم تضمحل بل زادته غموضا وجاذبية.
سعلت تجلي حنجرتها بعد أن شعرت بالإحراج من تحديقها برجل غريب، وكما أنه زوج امرأة أخرى فقالت تبعد الموقف المخجل عنها:
" أولا دعوني استفسر عن شيء ما، هل يمكن أن أعرف إن كانت المريضة قد صادفها شيء ما؟؟.. حزن أو صدمة أو شيء آخر؟ ".
ليجيبها والد سلطان بحزن:
" أجل يا دكتورة، فقد توفيت جدتها منذ بعض الوقت وكانت عزيزة على قلبها كثيرا ولم تتحمل رحيلها ".
هزت الطبيبة رأسها وقد لانت ملامحها قليلا فقالت بعملية اعتادتها:
" حسنا، فهمت. لكن من الآن وصاعدا يجب أن تبعدوها عما يعكر صفو صحتها، فحياة الأم وجنينها بخطر، لهذا يجب الحذر كي لا تنتكس حالتها، كما أنه يجب أن تأكل غذاء مفيدا وأن لا تهمل صحتها و.........".
قاطعها سلطان بتسلط موقفا إياها عن ثرثرتها:
" أعيدي ما قلته!!.. قلت الأم وجنينها!!.. هل ما سمعته صحيح؟!! ".
قطبت حاجبيها متعجبة سؤاله لتدرك حقيقة سؤاله:
" أنت لم تكن تعرف بحملها!! ".
ردد الكلمة خلفها:
" حامل... مريم حامل!! ".
ذهول، صدمة، ارتعش قلبه، ثم غمره الفرح وبعدها التفت إليها وعيناه تنطق بالسعادة قبل أن تهتف بها ملامحه.
" هل أنت متأكدة من هذا؟!! ".
" أجل سيدي، لا تقلق....هي بخير مع جنينها، فقط تحتاج للراحة التامة وبعدها ستعود صحتها كما كانت ".
صيحات الفرح انتشرت بين الجموع، والتهليلات والتبريكات طفقت تحوم حولهم، احتضن أقرب الناس إليه وقد جمعهما حبهما لشخص واحد.
" حامل... مريم حامل، ستصبح خالا يا محمد، وأنا سأصبح أبا، سأصبح أبا هذه المرة".
صرخ بها بأعلى صوته ليقهقه الجميع لفرحته، وأخذوا يحتضنونه ويقدمون له التهاني والتبريكات، ثم عاد يحادثها والفرحة لا تسعه:
" هي بخير مع الطفل، صحيح؟؟ ".
" أجل سيدي هما بخير، سأكتب بعض الأدوية والفيتامينات بما أن حملها قد شارف على بلوغه الشهر الثالث ".
صمت غلف وجهه بعد أن أبلغته بتقدم حملها وتبدل حاله من الفرح للسكون.
" هل يمكنني الدخول ورؤيتها؟؟ ".
" أجل يمكنك هذا، فهي مستيقظة ".
دخل الجميع وأولهم سلطان، اقترب من السرير ليطالعه وجهها الشاحب، وعلبة المحلول الملحي معلقة وممتدة منه أنبوب موصول بذراعها كي يعيد ما فقدته من سوائل لعدم تناولها للطعام.
رق قلبه لحالها وتطلع إليها بحنان ودفء وكأنما شعرت به يحدق بها حتى فتحت عيناها لتقابل عيناه، فبرقت مقلتيها بسعادة لكنه لم يبادلها الفرح بل كانت نظراته موشحة بحزن وألم، فخفت لمعانها وغرورقت عيناها بدموع متحجرة من الرفض الذي اعتمل بداخل حدقتيه.
انحنى ناحيتها وطبع قبلة سريعة على رأسها وابتعد ليتهافت الجميع لتقديم التهاني لها بخبر حملها، فاغتصبت ابتسامة آلمت فكها ولم تتطلع إليه طوال فترة بقاء عائلته معها، ومع رحيلهم علمت بأن المحاكمة قد أوشكت على البدء، ولم تطل ما أن أغلق الباب خلف آخر فرد من العائلة حتى بادرها بجمود بارد شعرت به يسري بداخلها فارتعش جسدها على اثر برودة عينيه:
" كنت تبتلعين حبوب منع الحمل، والطبيبة قالت بأنك قد شارفت على الشهر الثالث، كيف حدث هذا؟ ".
حاولت النهوض من رقدتها، أرادت أن توازيه بالمواجه، ولم يعجبها أن يكون مشرفا عليه بجسده العملاق لتبدوا قزمة بجانبه.
هب لمساعدتها ما أن رآها تحاول النهوض وعاتبها:
" يجب أن ترتاحي، الطبيبة قالت أن تلازمي الفراش ".
" لا عليك، أنا بخير ".
ناظرها للحظات ثم ابتعد عنها خشية أن يستسلم لعينيها الفاتنتان، لقد اكتفى من الخيانة والطعن بالظهر، وهذا الأمر جعله يشعر بالعجز، وكأن جبال رزحت على أكتافه، وكأن كتب عليه أن يطعن دائما بظهره، أدار وجهه بعيدا عنها، والتفت ينظر للنافذة، وقد غامت عيناه بألم، لم يعتقد بأن مريم أيضا ستغدر به وتخفي عنه معلومة بهذه الأهمية، لقد سرقت بهجته بهذا الحمل.
علمت ما يشعر به، وما يدور بخلده، تعلم بأنها مخطئة بإخفائها لأمر الحبوب لكنها معذورة بهذا، فصاحت:
" أنا لم أخدعك ولم أخن ثقتك ".
ابتسم باستهزاء وقال:
" واستغفالك لي، ما الذي تسمينه؟! ".
" ما فعلته كان رد اعتبار لنفسي ولكبريائي ".
التفت إليها هادرا:
" وقد اعتذرت لك عدة مرات على ما قلته ".
هز رأسه بضجر وهم وأكمل:
" لن أعيد مجريات الأحداث السابقة، بل أريد المهم!!.. كيف حدث وأن حملتي وأنا بيدي كنت أضع تلك الحبوب اللعينة بفمك؟! ".
كان الغضب قد تملكه، وعروق رقبته قد ظهرت تنبض بقوة جريان الدماء بأوردته لكنها لم تخف، بل تابعت بهدوء تخبره بكل شيء.
" أنا لم آخذ من تلك الحبوب سوى حبة واحدة فقط، كان هذا أول مرة عندما أحضرت العلبة وبعدها إذا كنت تذكر بعد كل حبة تضعها بفمي كنت أسارع للدخول لدورة المياه وهناك كنت أرميها من فمي ".
حاول أن يتذكر ولكنه لم يفلح فعاد يستفهم برفض لما فعلته من ورائه:
" لما لم تأخذيها وأنت من طلبها؟! ".
تطلعت ليديها التي كانت تعبث بشرشف السرير وقالت بابتسامة متكسرة:
" أردت أن أعرف كيف تريدني؟؟.. هل أردتني لنفسي أم أردت رحم لأطفالك؟؟.. كما على حسب معلوماتي أننا لم نستخدم الحماية من بداية زواجنا وبالتالي....".
ليكمل عنها:
" إمكانية حدوث حمل في شهر العسل وهذا ما حدث، حملت من أول يوم بزواجنا؟! ".
تلون وجهها وحاولت مداراته عن عينيه الشاخصتين عليها، زفرت بتعب ثم عادت تتكلم بإسهاب وندم على فعلتها:
" أنا أعتذر عما فعلته، بإخفاء عدم أخذي للحبوب، صدقني أردت أن أخبرك، لأعود وأتذكر كم آلمتني وجرحتني بكلماتك تلك ".
اقترب منها واضطجع بجانبها ليهمس:
" وأنا اعتذرت عما بدر مني!!.. لما لم تخبريني بعدم رغبتك بالاستمرار بأخذها؟! ".
سكتت غير قادرة على إجابته وترددت بإخباره ليكمل هو:
" أنت فقدت الثقة بي!! ".
أجابته بحزن اكتنف عينيها:
" أنا فقط لم أعرف ما هو مكاني بحياتك ".
سكتت قليلا ثم انحنت ناحيته، وأمسكت وجنته تجذب أنظاره ناحيتها، وقالت بعد فترة من التأمل بملامحه الوسيمة:
" صدقني أردت أن أخبرك، أن أقول لك بأني أريد حمل طفلك، بل أتوق لهذا لكن تعرف كم رأسي عنيدة ولا تلين بسرعة...أنا أعتذر عن إخفائي لعدم أخذي لتلك الحبوب "
" هل كنت تعلمين بحملك منذ البداية؟! ".
هزت رأسها يمنه ويسرة:
" لا لم أكن أعرف، وبعد فترة شككت بالأمر، وجرت أحداث جعلتني أنسى وأنشغل بتفكيري بإجراء اختبار لمعرفة صدق حدسي أم لا ".
سكت قليلا ثم قال:
" أنت أخبرت جدتي بحملك.. صحيح؟؟ ".
تجمعت دموع ألم عندما ذكر الجدة وهزت رأسها توافقه، اقترب منها واحتضنها هامسا من فوق رأسها:
" لا تبكي!!.. فأنا لا أريد رؤية دموعك فهي غالية علي، كما أن هذا يؤثر بصحتك وبصحة طفلي!! ".
ابتعد عنها وضع كفه الكبير على معدتها المسطحة برفق وحنان، ثم سألها:
" أنت لست غاضبة من حملك....صحيح؟؟ ".
تطلعت إليه لترى الخوف بمقلتيه هي السبب بهذا، برفضها بالسابق لحمل قطعة منه فتنهدت بحزن وقالت تستدعي مرحها وسعادتها:
" بل أنا أكاد أطير من الفرح من أنني سأصبح أم، وأنت هل تشعر بالسعادة؟؟ ".
احتضنها بالقرب من دقات قلبه الهادر وأجابها والسعادة تعود لتلون ملامحه
" بل أنا أتوق لحمله بين ذراعي من الآن ".
ابتعد عنها ومال ناحية ثغرها ليودي بكل حبه وأشواقه بقبلة أطارت صوابهما معا.

مرت الأيام وخرجت مريم من المشفى مع نصائح بالتزام الراحة، وعدم إجهاد نفسها، والابتعاد عن الضغوط النفسية، ونصب سلطان نفسه مراقبا لها، فداوم على إعطائها الأدوية، وأشرف على راحتها، وعلى طعامها، مما جعلها ساخطة تسلطه عليها، لم يهتم لانزعاجها بل واظب على رعايتها والاهتمام بصغيرته الغالية، ففرسه المتمردة تحمل بأحشائها قطعة منه.
كم حملت له هذه الصغيرة الفرح والسعادة بوجودها بحياته، ويشكر الله على هذه النعمة التي هباه بها.
***************************

مرت ثلاثة أشهر منذ وفاة الجدة، وطلاق سلمى واختفائها تماما عن الأنظار، وسكن محمد بمنزل العم والد سلطان، وعودة الأمور لطبيعتها المعتادة، وبروتينها الصاخب، كلٌ عاد لمزاولة أعماله... سلطان بمكتبه يمارس أعماله بالحفاظ على الأمن، ومريم عادت لجامعتها بعد معركة حامية الوطيس مع زوجها الخائف عليها حتى من نسمة الهواء الطائرة، لتخرج من المعركة كما العادة منتصرة عليه لكن كان عليها أن تتنازل قليلا وتوافق على قوانين وشروط وافقت عليها مجبرة، من أجل أن لا تتأخر بدراستها، فتخشى أن يضيع عنها فصل بحاله فهي بشهرها السادس وحالتها مستقرة، فلما التأجيل!! هي فقط تريد أن تتابع دراستها إلى أن تصل لشهورها الأخيرة وبعدها يمكنها أن تأخر دراستها.
وشقيقها عاد لإكمال ما فاته من دروس فهو الآن بمرحلته الأخيرة من الثانوية العامة، ويتمنى أن يحصل على نسبة عالية ليلتحق بالمدرسة العسكرية الجوية، فرغبته كبيرة بقيادة إحدى الطائرات الأباتشي.

كانت تقود سيارتها عائدة من جامعتها عندما اتصل بها زوجها سلطان كما اعتادت دوما بهذا الوقت، كي يطمئن عليها لخروجها من الجامعة ويحادثها إلى أن تصل للمنزل بسلامة وبعدها يعود لعمله مطمئن البال من أنها بأمان.
أمطرها بكلمات جعلتها تصرخ به وتهدده بإغلاق الخط إن لم يصن لسانه، فيعود ويشاكسها بأنه مضى على زواجهما ستة أشهر وهي ما تزال تخجل منه!!
انتبهت لمرآتها الأمامية على سيارة تضيء كشافاتها الأمامية تخبرها برغبتها بتجاوزها، فانتحت بسيارتها على الجانب الآخر وعادت تواصل حديثها مع حبيبها سلطان.
كان بالجهة الأخرى يستمع لصوتها الرنان، وضحكتها التي جلجلت قلبه وأسرته لمدى الحياة، اليوم قد عزم على إخبارها بحبه لها، اليوم سيعلن لها أنها قد أسرته بحبها وحنانها، بقوتها وشموخها، اليوم سيضع روحه وقلبه بين كفيها لتسلسله كيفما شاءت، فلم يعد هناك ما يمنعه عن حب حياته.
" مريوم حبيبتي!! ".
أجابه الصمت فعاد من جديد يناديها:
" هيا مريوم، أنا لم أقل ما يغضبك لتعاقبيني بالصمت، كنت أمزح معك فقط!! ".
صوت أنفاس متسارعة وصلته عبر الأثير، لتتسارع نبضات قلبه، وهواجس مخيفة تلاعبت بأعصابه وبعدها......
" قل وداعا لابنة عمك، فأنت لن تراها، ولن تسمع صوتها طوال حياتك ".

**********************
احم.... احم
أنا مب موجودة وسافرت للقمر أو أي كوكب ثاني ههههههههههههه



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close