اخر الروايات

رواية عديل الروح الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم الكاتبة ام حمدة

رواية عديل الروح الفصل السابع والعشرين 27 والاخير بقلم الكاتبة ام حمدة


  

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفصل السابع والعشرون ( الأخير ) - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
************
الحب.. هو المشاعر والعواطف الجميلة التي يحملها القلب بين ثنايا أضلاعه، يخفيها ويحميها من كل من يريد تدمير تلك المعاني السامية والأحاسيس الرائعة التي تأخذك للسحاب وترفعك لأعالي السماء، فتنأى بك بعالمك الخاص، عالم وردي لا يعرفه سوى العاشقون.
القلب.. هو من يختار عديل روحه، ونصفه الآخر، كائن من كان، فقيرا أو غنيا، جميلا أو قبيحا، رشيقا أو بدينا، ليس هناك معادلة خاصة كي يستطيع به أن ينتقي من يريد، هو فقط يقع وينتهي الأمر.
الثقة.. هي مفتاح النجاح، ثق بنفسك ولو خالفك الآخرون.
أنظر للمستقبل بعيون مشرقة وقاتل بضراوة كي تنال ما تريد، وتستحقه بجدارة.
دع نفسك للحب ولا تهرب منه، بل تمسك به وبقوة، فالحياة لا تسري إلا به، فسايره... فحياتك ستتلون بألوان العشق والغرام، وستعيش بسعادة وهناء، فلا تخف منه، بل اخشى أن لا تجده فتغدوا حياتك باردة، قاتمة لا طعم لها.
ثق بنفسك بأنك تستحق الأفضل ولا تذود عنه، حتى لو سخروا منك، فأنت أدرى بما يحتويه قلبك من قوة للمحاربة من أجل أن تصبوا لهدفك.
النكبات والمآسي ليست لكسر ظهرك واغراقك بالهم، بل تلك هي اختبارات لمدى صبرك وثقتك بربك بأنه هو القادر على كل شيء، وأنه لكل حدث يحدث بحياتك له حكمة منه، فلا تقبع بالحزن، وتغرق نفسك برثاء النفس بأنك غير قادر على مواجهة طوفان الحياة، بل قف كالجبل بصلابته، وتحدى تلك الآلام، فما أقوى من شخص قد تعرقل بمطبات الحياة ثم عاد ينهض من جديد، دون أن يولي تلك المحنة أية فرصة لسحقه.
لا تنظر لشيء ما بعين واحدة، بل تطلع له بعدة أوجه، فربما تكون مخطئا بنظرتك الأولى، وربما الثانية تصيب، فلا تحكم للشخص من مظهره الخارجي، فالداخل دائما ما يكون مختلفا.
إذا فالصبر هو مفتاح الفرج، وأن الله مع الصابرين.
***********************
يركعان على الأرض دون أن يباليا بإتساخ ملابسهما بالأتربة والأوساخ، فما يفعلانه أغلى بكثير من شيء دنيوي قادرون على استبداله.
يرفعان يديهما بدعاء من قلب فقدا أغلى ما يملكان، دموع متحجرة بعيون أبت فراق ماساتها الثمينة، فقد مضى الوقت على فراقها لكن قلوبهم ما زالت متعلقة بها، فبكت رحيلها، وبكت غيابها، ذرفت دماء لتقطر وتنتحب خسارتها، جمعهما شخص واحد برباط واحد، فما السبيل لفكاكه حتى لو فرقهم الموت!!... فما بالقلب يظل بالقلب، حتى لو جار عليه الزمن، لكن يبقى الفراق صعبا، مرفوضا، خاصة لو كان شخصا قريبا منهم بشدة، بل توسد قلوبهم المُحِبة، فهي قد نثرت محبتها على الجميع، ووقفت بوجه من أراد أن يكسر هامتها، كانت قوية شجاعة مقدامة، لا تهاب المخاطر، فتلك هي شخصيتها، فأحبها الكل لقوة شكيمتها، وشموخ ليس من السهل امتلاكه، فهو يسري بالدم، يتوارثه أبا عن جد، فتخرج شخصية لم ترى لها مثيل.
نهض سلطان بعد فترة من الوقت غير قادر على تركها لوحدها لكنه مجبر على ذلك، فتلك هي سنة الحياة، فالموت حق على كل البشر.
تطلع للقبر بعيون غائمة بالمشاعر الحزينة والمتألمة، ما زال غير مصدق بأنها قد غادرتهم، وتركتهم لوحدهم يعانون أمر فراقها.
عاد يستغفر الله على تفكيره، ويتعوذ من الشيطان على تلاعبه برفض حكمة الله عز وجل "فكل نفس ذائقة الموت ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام".
ليس بيدهم شيء، سوى الدعاء لها بالرحمة والمغفرة.
تطلع للقبور من حوله وأخذ يدعوا لهم بالرحمة والمغفرة من كل الذنوب، ثم حرك رأسه بالاتجاه الآخر لينظر للفتى الجاثم على قبرها يذرف دمعاته غير عابئ بما يقال بأن على الرجل عدم اظهار مشاعره، فهو رجل قوي وصلب ويجب أن يتحكم بما يجيش بداخله، وأن البكاء وجد فقط للنساء.
هو يخالفهم الرأي... فمن لا يبدي أحاسيسه فهو شخص غير سوي، ناقص بعواطفه، بخيل بإظهارها، ستكون حياته عصيبة، داكنة اللون، ولن يجد السعادة التي يصبوا إليها .
أخرج دموعه فتلك التي تحت التراب تستحق بكاءه، تستحق حزنه، فكيف وهي عائلته، حياته، أمه، والده، شقيقته، وصديقته، كانت كل شيء بحياته ولم تبخل عليه بعواطفها وأمومتها، بحنانها ودفئها، لطالما احتوته ووقفت بجانبه، تنصحه وتقوده للطريق الصحيح، ليغدوا على ما هو عليه، كان هذا بفضل الله ثم بفضلها هي .
لمسة على كتفه تخبره بنهاية الزيارة، فقد شارفت الشمس على المغيب، ولا يجوز بعدها لكائن حي البقاء بهذا المكان، فهو يتطفل على باقي المخلوقات الأخرى .
مسح دموعه بكم دشداشته، ودعا لها بقلب صادق بجنات الخلد، ثم نهض يداري وجهه الحزين وتحرك ناحية قبريين آخرين ودعا لهما أيضا مثلما فعل على القبر الآخر، ثم ناظرا قبرا آخر بجانبهما ودعا لصاحب هذا القبر بغسله من كل الذنوب والخطايا، ورحل بعدها مع سلطان بخطوات وئيدة غير راغب على تركها وحدها تواجه ظلمة القبر لكن الآخر أمسك به يجره خلفه يمنعه مما يريد القيام به.
فتح له باب السيارة وأمره بالركوب، لينصاع لأوامره باستسلام وبعدها أغلق الباب عليه ثم دار حول السيارة، وقبل أن يفتح الباب ليستقل سيارته توجهت عيناه دون إرادة ناحية مكان تواجدها وترقرقت دمعاته لكنه منعها من الهطول، وأغلق عليها جفناه يخفيهما من ذلك الشاب الذي يجلس بهدوء وانكسار ظهر على ملامحه، فلا يريد أن يزيد من حزنه وألمه.
رمش عدة مرات يبعدها، يمنعها، يرفضها، فمن رحل قد رحل وعليهم أن يستمروا بالعيش ريثما يحين وقتهم .
استقل سيارته وانطلق بها خارجا من هذا المكان وظل الصمت حليفهم، فلا مجال للحديث بعد أن انتهوا من كلام القلب، فما أتعب من حروف القلب عندما تقال لنفس فارقوها دون ارادة، ولو استطاعوا لقدموا أرواحهم مناصفة بينهم ليستمروا بالعيش بينهم.
سهت عيناه بظلال الشوارع التي صنعتها أنوار الطرق المطلة من نافذة سيارته وفجأة تحولت وتغيرت وعكست له صور أخرى بشعة تهافتت عليه مشوه ظلال الطرق، صور قد سرقت الكثير من عمره، وجعلته رجلا هرما يكاد أن يرحل للعالم الأخر بعد غيابها عنه.
أفرج عن جفنيه يرفض الذهاب لذلك المكان الذي نآه وبقوة من ذاكرته، لكن تلك الصور أبت أن يتنعم براحة البال، فما انفكت تزوره بين الحين والآخر، مذكرة إياه بما حدث قبل أربعة أشهر، لتسحبه مجبرا على العودة لذلك الوقت العصيب، والسارق لنبضات القلب، وكاتم الأنفس .....
كانوا يسابقون الزمن لإيجادها، فبعد أن أعطاهم محمد الخيط حتى سارعوا بالبحث والتقصي عن مكان تواجد جاسم، ليصلهم الجواب بأنه قد اختفى، وهنا ثارت حممه، وتفجرت براكينه، وانتفضت مراجيله، كيف سهى عن ابن خالته؟؟.. كيف استطاع أن يأخذها من بين يده؟؟.. كم هو غبي وأحمق لثقته العمياء بنفسه، بأن جاسم غير قادر على ايذاء ذبابة، فما بالك بالبشر؟؟.
أراد أن يحطم رأسه المغرور لاستهانته للإشارات التي كان جاسم يرسلها له.
نظراته في تلك الرحلة للمزرعة كانت توحي بالمكر والغدر!!.. ملامحه الجامدة كانت تدعوا للحذر!!.. لكن لا... هو سلطان النعيمي الذي يعرف كل شيء، ويعلم عن كل تفصيله صغيرة، وأنظروا إليه الآن؟؟... فها هو يتخبط بدهاليز غبائه، وحبيبته هي من تعاني من تبعات غروره.
انخرط يساعد رجال الشرطة بالبحث بتعدد الأماكن التي من المتوقع أن يكون قد لجأ إليها للاختباء... فصادفهم الفراغ، فلجأوا لوالده ليستقصوا عنه، فصدم الوالد للاتهام الذي يوجه لولده جاسم، واعترض على ما يقولونه لكنه عاد يتذكر الأحداث الماضية لتصرفاته... كان غريب التصرفات، منطويا على نفسه، منعزلا عن الآخرين، كان قد انفصل عن زوجته فجأة دون أي سبب مقنع لرغبته بتركها، وعندما سأله عن أسبابه... قال له بغموض:
"بأنها لم تكن المرأة التي أرغب بالزواج منها، فمن أخترتها تنتظرني في مكان ما كي آتي وأخذها"
اتكئ الوالد على الجدار خلفه بهم وغم على ما آل إليه أحوال أبنائه، ابنته الكبيرة من زوجته الأولى المتوفاة تزوجت وابتعدت مع زوجها وأولادها لمكان بعيد عن مشاكلهم، وسلمى هربت مع والدتها لمكان لا يعرفه بعد فعلتها الشنيعة مع ابن خالتها، وابنته الصغرى وحبيبة قلبه سافرت مآثره الابتعاد عن هذا المكان الذي لم تجد فيه سوى الكراهية وحب الذات، والآن ابنه الوحيد...
كيف سلم أمانة برقبته لأم يعلم بأنها لن تصونها؟؟... كيف اتكل عليها بتربيتهم، وهو يعلم بأنها ليست على قدر المسؤولية؟؟... تنهد بزفرات عصيبة وهمس لنفسه لم تكن هي الوحيدة المخطئة، بل كان مشتركا معها بتلك الجريمة الشنيعة بحق أولاده، لقد أهملهم، وتركهم عرضة لمخاطر هذا العالم الموحش ليسحبهم بسهولة ويسر للطريق الآخر، زفر بضيق أنفاسا متحسرة نادمة لكن ما فائدة اللوم الآن فقد ضاع أولاده للأبد!!.
فما كان بيده سوى أن يخبرهم بما كان يفعله ابنه بالفترة الماضية، وما كان ينوي فعله، فلربما يستطيع أن ينقذه ويعيده للطريق القويم، ويطلب الصفح منهم.
سيارات الشرطة تسير بسرعة عالية متخطية اشارات المرور الحمراء، والسيارات المدنية تبتعد عنهم لخطورة الأمر الذي جعلهم يقودون بتلك السرعة الجنونية، كفيه جامدان على مقود السيارة ويكاد يطير بها إليها، فالخطر محدق بها، فابن خالته كان بخارج عقله، وأصبح خطر لنفسه ولمن حوله.
ملامحه غير مقروءة بالمرة، ووجهه مسود من الغضب، وبداخله رعود وعواصف تهدر بالويل والثبور لمن تعدى على ملكيته الخاصة، وبعقله أفكار وخطط بكيف سينتقم منه، وكيف سيزهق روحه بيديه المجردتين لأنه انتهك حرمة بيته، وفكر بسرقة ما ليس له به حق.
وصلوا للمكان المنشود بوقت قياسي، كانت مزرعة مهجورة قد اشتراها من فترة بسيطة ويتوسطها منزل صغير يبدوا من الخارج أنه مهلهل وقابل للسقوط بأي لحظة.
ترجل سلطان بسرعة راكضا ناحية المنزل فبمجرد وصولهم سمع طلق ناري دوى صوته بالخلاء الموحش، مبددا ظلمة الليل الحالكة السواد، مخبرا إياهم بأن روحا قد ودعت هذا العالم، لكن لمن هي؟؟... لا يعلمون!!.
جرى بأقسى ما يستطيع وقلبه قد فارقته نبضاته، فها هو ملك الموت يحوم بالأفوق مستعدا لينتشل الأرواح المغادرة من هذه الدنيا الفانية.
هل كتب عليه أن يفارق أحبائه بوقت واحد؟؟... ولم يستطع سوى أن يصرخ باسمها قبل أن تغادر دنياه بلا عودة:
"مريم..."
وكأن هناك تخاطر بالأفكار فقد كان محمد هو الآخر يعيش تلك اللحظات المريرة التي قاسوها بسعيهم للبحث عن شقيقته الغالية.
فناظر من خلال نافذة السيارة ليرى صور تسحب بسرعة وتحل مكانها أخرى، عاد يركز لما يراه لتغيم بشذرات الماضي الذي ما زال يسكن عقله وقلبه، فالفقد مؤلم ولن يشعر بما يعانيه سوى من اختبر تلك المشاعر.
فسافر إليها مكرها لتلك اللحظات التي أحس بها بأن روحه تكاد أن تلحق بمن غادره.....
ابن عمه يقود بل يطير بسيارته ناحية المكان الذي يختبئ به جاسم مع شقيقته، قلبه يطرق بقوة، وروحه تكاد أن تغادره من شدة كتمه لأنفاسه، وخياله يشطح بما سيفعله عندما يقع جاسم بين يده، لن يرحمه، وسيذيقه من كأس الألم الذي أذاقهم إياه!!.
وصلوا للمزرعة التي أرشدهم عليها والد جاسم، وما أن فتح بابه حتى باغتهم صوت جعل قلوبهم تتعلق بصدورهم، وانسحبت الدماء من شرايينهم، هل رحلت هي الأخرى؟؟... هل بخلت عليه بحضنها الدافئ لتلحق بوالدته؟؟...
ازدرد ريقه بصعوبة جعل حنجرته تتقرح من الكتلة الكبيرة التي ابتلعها، تحرك سلطان نبهه بأنه ليس بوقت العتاب، فربما ما يزال هناك نبض ينبض بداخلها، ومقاومة تمنعها من الرحيل.
فز من مكانه ولحق بمن سبقه وبنفس الوقت صرخوا باسمها:
"مريم...."
وعندما دخلوا للمنزل كانت الفاجعة بانتظارهم بتلك الغرفة المغلقة.
*************************
وقفت السيارة بالمكان المنشود، وتطلعوا للمنزل بعيون جامدة، كم شهد هذا المنزل من أحزان، وكم تهافتت عليه من المصائب والآلام، هذا المنزل كان قد احتوى الكثير من السعادة والأفراح، والفقد والترحال لكنه صمد بوجه الصعاب كأنه يخبرهم بأنه مهما تزلزل وتكالبت عليه الأحزان فإنه سيظل راسخا قويا بمكانه، ولن يتزحزح مهما كانت الشدائد التي تنهال عليه، وأن بعد العسر يسرى، وأن منزلهم ستعود إليه الأفراح من جديد، وسيملئ بالبهجة والسرور، فدوام الحال من المحال .
ترجلوا من السيارة وانطلقوا للداخل، فأطلق صوته الجهوري ينادي من بعيد لينبه أهل الدار بقدومهم، ودلف يسلم على الجميع وتبعه محمد مسلما على الكل ثم جلس بجانب أحد أبناء عمه أحمد وأخذ يتسامر معه مبعدا نفسه عن التفكير بها، فهي لن تحب ما يفعله بحاله، وكما نصحته من قبل:
"لو مت!!.. ابكي علي لكن لا تطل ببكائك، فالحزن هو المرض، بل تابع حياتك، فهي ستستمر بوجودي أو بدوني، وأبدا لا توقفها من أجل أي شخص، بل من أجلك أنت فقط".
شيعه العم بنظرات مهتمة ثم التفت لولده الجالس بجانبه يرتشف القهوة محدثا اياه :
"كيف حاله يا بني؟؟"
"لا تقلق يا أبي، سيكون بخير، فهو أقوى بكثير مما تتخيل"
"وأنت ما هي أخبارك؟؟"
فهمس:
"أنا على ما يرام يا أبي لا تقلق علي"
أجال بأنظاره على المتواجدين فشعر بالنقص، هناك شخص مفقود؟؟.. ويفتقده بشدة لحد الجنون، كيف لا يجن وهي قد امتلكته بالكل!!... كيف لا يشعر بحلاوة الحياة إن كانت صاحبته ليست بجانبه!!.. كيف يستطعم العيش دون رنات ضحكاتها، وصخب مشاكساتها، وعيونها المغوية!!... بل كيف يتنفس هواء لا تتنفسه هي؟؟؟.
فز من جلسته غير قادر على البقاء معهم دون أن تناظرها عيناه، دون أن يرى ابتسامتها الخجولة على محياها لجرأة عيونه.... فبراءتها تحي قلبه الميت، وتنتعش خلاياه بنشوة رؤية وجهها يتلون بالخجل عندما تعرف ما تجيل به أفكاره.
تنفس بعمق ثم زفره واتخذ قراره بالخروج من هنا وما كاد يتحرك حتى
فتح باب مدخل غرفة الجلوس، ليتوقف وينظر من القادم وبفتح الباب لفحته نسمات الهواء محملة بشذى عطر فواح، أسكر عقله وروحه، ودمر خلايا قلبه، وجعله يتراقص على عزف أوتار الكمان....
"وآه من أريج يعيد لقلب كان يموت باليوم ألف مرة، دون أن يمتع ناظريه بمرآها".
استنشق ذرات النسيم العليل ليعبق به رئتيه المتعطشة لرائحتها التي تنعش خلايا جسده، وسرى بأوردته كما المتعطش ليرتوي من أفيونه الذي أدمن عليه....
"وآه من ادمان لا شفاء منه".
رفع عيناه ناحية من ملكت قلبه ووجدانه، يمتع عسليتاه بمرآها على قيد الحياة، تتنفس هواءه، وتنام جواره ليتنعم بحرارة جسدها، وحنانها وحبها، كانت كالقمر المنير في ليلة ظلماء، كانت كشعاع النور الوهاج الذي أضاء حياته لتحولها بلمساتها الدافئة إلى عالم آخر استساغ العيش فيه وإلى الأبد.
بادلته النظرات بهيام وعشق شع من مقلتيها وهذه المرة لم تحاول إخفاءه، فلا مجال بعد الآن لمداراته.
رمته برصاصة قاتلة من بندقيتيها ومن ثم أشاحتها عنه بعد أن سرقت أنفاسه، واتجهت ناحية والدته وجلست بقربها، تحادثها، وتتهامس معها كأم وابنتها.
ثوان حتى عادت ترفع عيناها ناحيته كأن قلبها يخبرها بأن ترفعهما لتراه ما يزال يرميها بنظراته الحارقة، تكاد تأكلها وتلتهمها.
ابتلعت لعابها من كمية الحب الذي نطقت به مقلتيه، فأشاحت بوجهها عنه واعتنقت بنيتيها الأرض يخالها الشاهد أنها تتطلع لألوان الرخام لكنه لم يكن يعلم بأنها كانت تعاصر أحداث وصراعات كادت أن تخطف روحها ولولا عناية الله بها لكانت الآن بعداد الأموات.
كانت على وشك أن تفقد أحبائها وما كانت ستقدر على وداعهم أو أن تكون آخر صور هي لهم .
رمشت عدة مرات تزيحها من تفاصيل عقلها، لا تريد الذهاب لذلك المكان الموحش والقاسي، فمازالت إلى الآن تعاني من تبعات تلك الليلة المشؤومة لكن مع وجودها بوسط عائلتها وزوجها وشقيقها ساعدوها على النسيان وبالأخص وجوده بقربها أشعرها بالأمان، وهمساته الحنونة تخبرها بأنه هنا بجوارها ولن يبتعد عنها، كما وعدها، وهو دائم الإيفاء بوعوده، وكان نعم الرجل المخلص لكلمته.
عاد يجلس بمكانه ويحدجها بنظراته كأنه لا يريدها أن تغيب عن ناظريه بعد الآن، لا يريد أن يفقدها ويعيش تلك الأيام المقيتة التي مرت عليهم، جعلت أرواحهم معلقة... لا هي طالت السماء ولا توارت تحت التراب.
ولم يعرف بأن حبيبته أيضا كانت تعيش تلك اللحظات المؤلمة معه، فهي كانت بوسط تلك المعمعة، كانت تعيش تلك الدقائق والثواني بثقل وبيأس وبإحباط، وخوف سرى بداخلها مغذيا وسوسة الشيطان، فخيل إليها ما سيفعله جاسم بها وبـ حبيبها سلطان، وتتساءل.. هل ما قاله صحيح؟؟.. برغبته بالتخلص من زوجها فقط من أجل أن تكون له؟؟.
فعادت إلى تلك الأيام مرغمة بضغط من مركز ذاكرتها..........
كانت تجلس على الأرض بعد أن بزق تهديده بما سيفعله بحبيبها من أجل أن تكون له ثم تركها وخرج لتتلظى بنار الجمرات الحارقة، غير قادرة على الخروج وتحذير زوجها بما يضمره له ابن خالته، فتح الباب بعد فترة من خروجه فاعتقدت بأنه قد عاد ومعه الطعام كما قال لها لكن الزائر لم يكن هو بل كان شخصا مختلفا فهمست:
"سلمى..."
دخلت بعد أن أضاءت الغرفة ليشع النور موضحا الرؤية تماما ثم أغلقت الباب خلفها دون صوت، لم تكن سلمى من أخافها بل تلك المدية الحادة التي لمع نصلها بين يديها فعادت تسألها بذهول:
"ماذا تفعلين هنا؟؟... وكيف عرفتي مكاني؟؟... كما أنك كنت مسافرة!!"
اقتربت منها وعلى عيناها يقطر شرا لا حدود له، تنظر إليها بغضب جنوني، وبحقد خيالي، وكره ملئ جوفها، زحفت مريم للخلف خائفة من النظرة التي توسدت مقلتيها، ونهضت متكئة الجدار راغبة بالفرار منها، فمن أمامها لم تكن سلمى الرقيقة والمدللة، بل كانت أخرى طغى عليها الشيطان مغشيا عيناها من رؤية الواقع، وأن عليها المضي قدما بحياتها، فما مضى قد انتهى.
تراجعت مريم بحركة جانبية، وبحماية فطرية وضعت كفيها على بطنها فجذبت أنظار سلمى إليها، لتتوحش ملامحها وتتحول للشر المطلق، وتحول جمالها لقبح ليس له مثيل، فهسهست بفحيح مخيف:
"أنت قلتها، كنت مسافرة ولكني عدت الآن"
صمتت لبرهة وتجولت عيناها على جذع مريم المنتفخ، ثم استطردت قائلة:
"إذا... ما سمعته صحيح؟؟.. أنت تنتظرين طفلا من زوجي سلطان؟؟"
استجمعت مريم الباقي من قواها لتواجه سلمى، تعرف بأنها لن تقدر على مقاتلتها، وأن سلمى ستتغلب عليها بسهولة بسبب وضعها الصحي لهذا ارتدت قناع القوة كي تستطيع الصمود بوجه سلمى والمماطلة إلى أن يأتي شقيقها جاسم... ويا لغرابة هذا الأمر!!.. "فها هي تحتمي بسجانها من الموت المحقق"
أخذت نفسا عميقا ثم قالت تجيبها:
"لم يعد زوجك يا سلمى"
اقتربت منها أكثر صارخة وملوحة بالسكين أمامها :
"بلى هو زوجي أنا وأنت سرقته مني بحيلك القذرة مع جدتك العجوز الشمطاء"
تمالكت أعصابها من الرد عليها توقفها عن حدها فالوضع متأزم ويحتاج للتريث والتأني فقالت بهدوء:
"حاذري من ألفاظك، وتعقلي، كما أنني لم أسرق منك شيء يا سلمى!!"
هدرت بها بزعيق أصم أذنيها لقربها الشديد منها:
"لا... أنت من كان عليها أن تحاذر مني، ولم تتركي لي الخيار سوى بالتخلص منك، فبسببك أنت قد تدمرت حياتي ومستقبلي السعيد، بزوج ومنزل، وحياة رغيدة"
"لم أكن أنا من أفسد حياتك يا سلمى، بل أنت بنفسك من وقع صك نهاية زواجه بكذبك وخداعك، أنا لم أفعل ما يضرك"
أشاحت بنصل السكين أمام عيني مريم فتراجعت الأخرى بذعر مما قد تفعله بغمرة جنونها هذه.
"اخرسي... اخرسي.... أنت من هي الكاذبة والسارقة!!.. أنت تدمرين كل من هو سعيد!!... أنت غيورة وحاقدة!!.. شاهدتني سعيدة مع سلطان فأردت أن يكون لك ما لدي، فسعيت خلفه كي يراك وقد نجحت بإلقاء سحرك وشعوذتك أنت وتلك العجوز عليه، فهو أبدا لم يكن ليتطلع إليك أيتها البقرة السمينة"
ومع آخر كلمة رفعت سلمى السكين للأعلى وتقدمت تنوي بها طعن مريم لتزهق روحها، فرفعت مريم ذراعها تمسك قبضة سلمى قبل أن تهوي بها على جسدها وتخر طريحة الأرض، فدارت معركة بين المرأتين إحداهما يقودها جنونها والأخرى يقودها خوفها على صغيرها الذي لم يشاهد النور بعد.
أمسكتها بكل القوة التي تملكها، فما أقوى من أم ترى الخطر يحدق بصغيرها فتراها تتحول إلى أخرى كأنها تمتلك طاقة كامنة بداخلها تناديها بوقت حاجتها.
دفعت مريم سلمى للخلف لتصدم سلمى ظهرها بالجدار فصرخت متوجعة من شدة الألم، لكن هذا لم يثنيها عما تريد، أمسكت السكين بقوة بين أصابعها ودفعت برأسها ناحية مريم بضربة مؤلمة جعلتها تترنح وتفلت رسغي سلمى وتراجعت ممسكة برأسها، فكانت تلك فرصة سلمى الثمينة فإما الآن أو فلا.
أشهرت سكينها للأعلى ونطقت وهي تجري باتجاه مريم الغافلة عن تقدم سلمى ناحيتها:
" تشاهدي على نفسك، فموتك يناديك"
فتح الباب فجأة مرتدا للجدار صادرا منه صوتا عاليا جعل المرأتين تلتفتان إلى الرجل الذي دخل شاهرا سلاحه أمام المقتحم الذي شعر به يتسلل لعقر داره، ثم ما لبث أن فغر فاهه دهشتا ثم همس جازا على أسنانه بحنق من غبائه لإعلام شقيقته عما كان ينوي فعله مع مريم، وبالمكان الذي سيأخذه إليها، ولم يعلم بأنها ستطير عائدة بسرعة كي تنتقم من حبيبته.
"سلمى.... ما الذي تفعلينه هنا؟؟"
انتبه للسكين التي بيدها، ثم لمريم المتوجعة والخائفة، ليقطب حاجبيه بغضب بعد أن علم نيتها بالقدوم فاقترب منها آمرا إياها:
"أتركي السكين يا سلمى!!"
تراجعت للخلف وصرخت به:
"لا لن أتركها، جئت لأنتقم ممن كانت السبب بدماري!!"
"لا يا سلمى أنت بغبائك من أفسد حياتك"
"لا... هي من أفسدها"
واستدارت ناحية مريم التي تحركت بخفة مبتعدة عن سلمى قدر الامكان لتحافظ على حياتها وحياة صغيرها لكن سلمى انتبهت لما تريد فعله، فاستشاطت جنونا وجرت ناحيتها رافعة بسكينها تنوي غرسها بجسدها وبكل القوة التي تمتلكها فكان جاسم لها بالمرصاد، فقد استطاع أن يتحرك ناحيتها ممسكا برسغها ومعتصرا إياه بقوة إلى أن أفلتت السكين ودفعها عنه بقوة للخلف ليترك مسافة بينها وبين مريم.
"هل جننت يا سلمى؟؟... أتريدين قتل زوجتي؟؟"
"تلك تستحق الموت!!.. لقد دمرتني وستدمرك أنت أيضا، فهي تهدم كل ما تطاله يداها"
أشارت ناحية مريم وهي تهذر بالسباب واللعان عليها، فيعود جاسم نافيا ما تقوله، وظلت مريم تراقبهما بخوف، فجنونهما سيصيبها هي لا محال!!.
وبلحظة فارقة تغير كل شيء، وبرمشة عين وقع المصير، فقد غافلت سلمى شقيقها وانقضت عليه ممسكة المسدس بيدها وشهرته بسرعة ناحية من تكرهها.
خفقت القلوب مناديه بمن أحبتهم، وأسدلت الأجفان مستدعية صورهما، فلا تريد أن تكون آخر رؤية لها لمن لا يستحق، بل أرادت من اختزنت ملامحهما حافرة بداخلها اسمان لن يستطيع الزمن محوهما.
ولم تطل تلك الثواني فبعدها سمعت صوتها يخترق طبلة أذنيها قابضا خفقات قلبها بقبضة من حديد إلى أن توقفت نبضاته، لتشعر بعدها بالظلام الدامس يختطفها لعالمه الأسود ويبتلعها بدوامته.
عادت لواقعها وهي تنظر إليه بحب وعشق لم تعد تخفيه بل أعلنته عيناها تجهر به، وهدر به قلبها يصرخ بكم هي تهواه، وشفتيها نطقت بأعذب الألحان، بكلمات لطالما تمنت اخراجها من جوفها وكم كانت بهجتها كبيرة عندما همس بتلك الكلمة، كان وقعها شديدا عليها لدرجة أنها انتحبت على صدره، ارتخت ملامحها براحة نفسية، وابتسمت بحب لتسدل رموشها مسافرة لذلك اليوم الذي شهد على اعلان حبهما، يوم لن تنساه أبدا، يوم سيتخلد بذكراها للأبد، وكم كانت مرحبة بهذه الرحلة.....
فتحت عيناها على همسات ناعمة، آسرة تخللت أذنيها لينتعش ذلك الراقد خلف أضلاعها بوتيرة صاخبة معلنا إياها بأنها على قيد الحياة، رمشت عدة مرات تحاول أن تستوعب أين هي؟؟... هل توسد جسدها الثرى أم أنها ما تزال تتنفس هذا العالم؟؟..
عادت تغلق جفنيها متعبة منهكة، غير قادرة على بذل جهد آخر، فعاد صوته يحثها على النظر إليه، يشجعها على الافراج عن بندقيتيها فقد اشتاق للغوص بداخلهما، فتحتهما على مضض وتطلعت للسقف ثم أدارت رأسها باتجاه النداء، وصدمت بوجه وسيم بالقرب منها ويبتسم بسعادة لشيء ما أسره، جرت عيناها على صفحة ملامحه تستوعب هذا الكيان الجميل، وهذا الصرح الشامخ الذي تنطق به عيناه، بغض النظر من أنها ترسل إليها اشارات البهجة والسرور كأنه لا يصدق ما يراه الآن، عادت عيناها تلتهم وسامته الطاغية، تتشرب كم الحب الذي نطقت به، وهمست لنفسها...
" هل مت وصعدت روحي إلى الجنة والتقيت بأحدهم هناك؟؟"...
عادت تنفي ما صرحت بها نفسها الغبية من هراء، وعادت تستكشفه من جديد هي تعرفه، عيناها أخبرتها بهذا... فكم من المرات كانت تسترق النظرات إليه، قلبها هدر بها يخبرها بكم المرات التي لا تحصى بقصفه لرعود خافقة خلف أضلاعها فقط من مجرد رؤية ظله، ولم يمهلها الوقت لتستكشف المزيد فقد انقض على شفتيها يبثها قبلة الحياة، قبلة تعرفها وتذوقتها مرارا وتكرارا وطالبت بها دائما، معركة داومت على استمرارها وخوضها، نعم هي تعرفه، تعرف ساكن قلبها هو حبيب طفولتها، بطل مراهقتها، وعاشق نضوجها.
ابتعد عنها وهمس بمقابل شفتيها، قالها صريحة، قالها بكل الحب الذي يعتمل قلبه، قالها بكل الشوق للقياها بخير وأمان.
"أحبك يا مليكة قلبي، ومهجة فؤادي"
وعاد يحتضنها بالقرب من ثنايا أضلاعه فكما قال هنا مكانها.
تجمدت بين ذراعيه بعد أن همس بجملته، وحاولت أن تستوعب هل ما قاله حقيقة أم من نسج خيالها المتلهف لسماعها؟؟.. وكأنه استشعر ما تمر به من انكار ليعود ويكررها عدة مرات لتتشربها أذنيها، وتسري بمجرى دمها لتصل لمنبع حياتها، نبضة، ضخ الدم بقوة لتصبح نبضتين وعاد يضخ بأقوى من قبل لتتسارع نبضاتها متحولة لأعاصير تموج بداخلها، ظلت على حالها من جمود تنظر إليه فقط كأنها تنظر لمخلوق غريب من فضاء خارجي.
ابتسم إليها وانحنى يلثم شفتيها بقبلة يوقظها من تخشبها وبابتعاده كان السد قد انهار لتنتحب باكية سماعها أخيرا لاعترافه بحبه لها، هو يعشقها، ارتمت بجسدها على صدره متشبثة به ودموعها تتساقط أنهارا ووديانا على وجنتيها، تمسك بها هو الآخر وأخذ يعتذر تأخره بهذا الاعتراف
ظلت عدة دقائق متوسده صدره وبعدها ابتعدت عنه تتأمل ملامحه الحبيبة فعاد ينحني ناحيتها محتفظا وجهها بين كفيه وشفتيه تتحرك على وجهها تمسح دموعها المالحة، وشفتيه بين الحينة والفينة تنطق بكلمات الحب وكم هو متيم بها.
أبعدته عنها وقالت بكل يسر كأنها تكتم سرا عظيما انتظر طويلا اخراجه من صدرها لترتاح بعدها وتنام قريرة العين.
" أحبك، بل عشقتك دائما فأنت عديلي أنت عديل الروح"
جرت الأمور بعدها بسلاسة فقد أجرى عدة اتصالات وما هي إلا لحظات حتى امتلأت غرفتها بجميع أفراد العائلة يقدمون لها التهاني لسلامتها، شاهدته يقف بعيدا عنها وينظر إليها، كم آلمها قلبها لمرآه بهذا الشكل المريع، ملامحه الحزينة تنبئها بأنه عاش لحظات عصيبة بعد اختطافها.
رفعت ذراعها تناديه الاقتراب والارتماء بحضنها فلم يبقى له حضن سواه وهي لن تبخل عليه فيه.
اقترب منها ليسحبها لصدره ليشعر بها تنبض بالحياة، يتحقق من أنها لم تفارقه وأنه ليس بوحيد.
بعد فترة عاد الجميع لأعمالهم ومنازلهم على وعد بالعودة من جديد، لتخلى الغرفة فقط زوجها وشقيقها من بقي معها، ولم تنتظر طويلا فباشرت بسؤالهم عما جرى هناك، فهي لا تتذكر ما حدث بعد أن أطلقت سلمى الرصاصة؟؟.
تشابكت عينا محمد وسلطان وكأنهما عادا لذلك الزمن عندما سمعا صوت اطلاق النار وهرعوا بسرعة ناحية المنزل وقلوبهم قد تعلقت بخوف بمن يكون قد غادرهم.........
دفعوا الباب ليهالهم المنظر المروع مريم وجاسم يفترشون الأرض وسلمى ممسكة بالمسدس ومتجمدة بمكانها، وتتطلع بذهول للأمام كأنه قد أصابها العمى.
هرع محمد ناحية شقيقته يتلمسها بكل مكان ويبحث عن مخرج الدماء ليوقفها عن التدفق يمنعها الرحيل لكنه لم يجد من أين تخرج كل تلك الدماء؟؟.
تلفت حوله ليراها تخرج من جسد جاسم الممدد بجانب شقيقته، وعندما اقترب منه واضعا اصبعه على عرق رقبته وجده ميتا فيبدوا أن الرصاصة قد توسدت صدر جاسم عندما هب لحماية شقيقته ليخر صريعا.
رفع رأسه باحثا عن زوج شقيقته ليراه يقترب من سلمى ببطء مستغلا صدمتها وبسهولة أخذ منها المسدس دون أن تعترض وبعدها حدث شيء أثار اندهاشهم وصدمتهم بآن واحد.
فتساءلت مريم بدهشة:
"هل افتدى جاسم بروحه من أجلي؟؟"
فأجابها محمد غامزا إياها:
"أجل فالرجل كان متيم بحبك، من هو بقدرك يا شقيقتي فالكل يذوب بهواك"
تطلعت مريم من طرف جفنيها ناحية سلطان لترى الغضب مشتعل بمقلتيه، لا تعرف لما غضبه؟؟.. هل هو من مزاح شقيقها أم من شيء آخر؟؟.. ولم تعرف بأن هناك اعصار ناقم على موت غريمه بتلك السهولة، مات دون أن يروي ظمأة بسحق روحه بين كفيه كي يشعر بعدها براحة لانتقامه منه لمحاولته سلبه لروحه، فقالت تحاول اخراج الوحش الكاسر الذي اعتمل عيناه بتذكره للأحداث السابقة:
"أنت تعرف يا محمد بأن هذا القلب لا يسكنه سوى شخص واحد فقط وهو زوجي"
وكما السحر انفرجت أساريره وتشدق بابتسامة سعادة من تصريحها بأنه المالك الوحيد لقلبها.
ثم عادت مستفسرة:
"وسلمى ماذا حدث لها؟؟"
رفع محمد كتفه دون أن يبالي بما حدث لها فجل اهتمامه كان منصبا لسلامة شقيقته التي كانت روحها معلقة بين السماء والأرض بين الشقيقين المجنونين.
فتحدث سلطان مخبرا إياها ما حدث لابنة عمه، فلم يكن يتوقع بأن الشر قد تملكها تماما، وأنها كانت قادرة على القتل.
"سلمى تقبع بالقسم النفسي لحمايتها من أذية نفسها"
فهو يتذكر هذيانها وصراخها، ومحاولتها قتل نفسها لأنها أصابت شقيقها بدل مريم، فكانت تصرخ بأنها لم تكن تقصد شقيقها بل تلك اللعينة، لهذا اضطر الأطباء لحجزها بمستشفى الأمراض النفسية فقد تملكتها حالة غريبة بغسل يدها بشدة لدرجة اخراج الدماء منها، فاضطروا لربطها على سريرها.
سكت الجميع غير قادرين على قول أي شيء آخر فقد طوى تلك الصفحة من حياتهم للأبد .
ظل ينظر لوجهها الذي تلون بالخجل لتحديقه المستمر بها، وابتسامتها الجميلة تتوسد ثغرها لم يستطع البقاء جالسا بعيدا عنها دون أن يقدر على لمسها أو احتضانها، جسده يتوق للشعور بدفء بشرتها، وشعور شفتيه على شفتيها النديتين.

عادت عيناها تتجول على الجميع... أعمامها كم هي شاكرة لهما وقوفهما بجانبها هي وشقيقها، أبناء عمومتها كم هي ممتنة لهم وقوفهم مع شقيقها محمد بوقت اختفائها، زوجات أعمامها وبالأخص زوجة عمها أحمد كلمة شكر قليلة عليها لما فعلته معها بعد خروجها من المشفى بل كانت لمساتها الحانية قد احتوتها منذ أن كانت طفلة صغيرة.
أغمضت عيناها تنتعش من صدى صوت ضحكاتهم السعيدة، نعم هذه عائلتها، وهذه حياتها، وكم هي تحب عائلتها وتشكر الله عليها ليلا ونهارا وتدعوا لهم بطول العمر، وبالسعادة الدائمة.
سقط عليها ظلا عملاقا لترفع رأسها تتطلع لهذا الصرح الضخم الذي ملئ حياتها وجعلها غير قادرة على العيش بدونه، لقد كان كما وعدها من قبل بأنه سيكون والدها، شقيقها، زوجها، وحبيبها فأي زوجة تتمنى هذا بالرجل الذي ملك كيانها.
مال ناحية والدته مقبلا إياها على قمة رأسها ومعتذرا منها برغبته بأخذ زوجته لحاجتها للراحة كما أمرت الطبيبة، مد يده لتتلقفها بكل راحبة صدر ورفعها بيسر بالرغم من ضخامة جسدها، فقد أوشكت على وضع طفلهما فهي بشهرها التاسع الآن وبأي لحظة سيشرف ولي العهد ليخرج للعالم ويعلن عن نفسه.
خرجا معا كفه بكفها، وسارا جنبا بجنب متجهين ناحية منزلهما، وما أن دلفا للداخل وأغلق الباب حتى هوى بشفتيه على ثغرها مقتنصا قبلة أودى به عشقه الأبدي وهذه المرة لم يبخل بقولها، بل سكبها عليها كما غيث الرحمن الذي حمل معه كل الخير والبهجة والسرور.
"أحبك، بل أعشقك، وسأظل للأبد أسير حبك"
رفعت يدها تلفها حول رقبته تدنيه منها لتبادله شعوره وعواطفه، فسحبها يدنيها منه فاعترضهم بطنها المنتفخ لكنه لم يمنعهما من مواصلة ما يفعلونه، فالروح أبت الانفصال، وتوقهما لبعضهما لم يختفي بل ازداد عمقا، و بداخل كل منهما أوجدا لنفسيهما سلسلة مترابطة وقوية ومتينة يصعب كسرها.
افترقا عن وصالهما وتنفسا لهاثا بأريج أنفاسهما المعبقة برائحة مسكرة شجية، أراح جبهته على جبهتها وقبل أرنبة أنفها وعاد يهمس عند فمها:
"أعشقك بعدد ما أملكه من أنفاس"
أحاط وجهها بكفيه ثم اعتصر شفتيها بقبلة أودى بها كل ما يكنه لها من مشاعر وأحاسيس، قبلة سرقت أنفاسها وأشعلت نيرانها، قبلة أحست بها أن روحها تكاد تطير من فرط سعادتها، وقلبها رفرف طربا وقصفا لسماعه تلك الكلمات التي تمنتها وحلمت بها طويلا.
ترك منبع شهدها وعاد يهمس بالقرب منها يبثها أنفاسه الحارة، وروحه المتيمة، وعشقه الذي ينبض هادرا داخل أقفاصه صارخا بعلو صوته بأنه وقع صك ملكيته وأهداها لها عطية دون مقابل، فلم يعد هذا قلبه بل هو ملك لها تفعل به ما تريد.
"أحبك يا مهجة القلب، أحب كل ما يخصك، وأعشق تمردك، جنونك يشعرني بالحياة، أعشق طباعك الحادة، أحب الغوص بعينيك، فلا حياة لي دونك"
عاد يقبلها بحرارة وبقوة، جعل أطرافها تهتز غير قادرة على حمل جسدها المنتشي بلذة اعترافه
لتبادله الحب بأقوى منه هامسة بكل ما يموج بداخل صدرها من مشاعر جياشة خصته له وحده.
"وأنا لطالما عشقتك وكنت من ملك قلبي وروحي، ودائما... دائما سأحبك وللأبد"
تأملها بشغف طفق يلفهم بشرنقة وردية ملئت بالقلوب الملونة والمبهجة، ثم انحنا مقبلا ثغرها بنعومة متذوقا حلاوة اعترافها بوقوعها بهواه
قبلها برقة وحنان، قبلها بنشوة وعواطف مستعرة، لتنده منها آه من أعماق قلبها، فزاد من تقبيلها متعمقا فعادت تتأوه وهذه المرة بصوت عالي، جعل نيرانه تشتعل من حماسها ورغبتها التي أعلنتها جهرة، شعر بقبضة قوية تشد دشداشته وكفها الآخر يعتصر كتفه، وهنا ابتعد عنها ليهاله رؤية وجهها منقبض من الألم وقد غادرته دمائه، وما هي إلا لحظات حتى شاهد ملابسها تبتل بالمياه، تطلعوا لبعضهم بذهول وما هي إلا ثوان حتى أعلنت صرختها تعلن عن قرب قدوم طفلهما المنتظر.
انطلق الجميع للمشفى ليستقبلوا فردا جديدا ينظم لأسرة آل النعيمي، فحل عليهم... "خالد بن سلطان بن أحمد النعيمي"، ناشرا البهجة والسرور لأفراد العائلة.
**************


وبعد مرور 7 سنوات ........

وقف محمد مع أبناء عمومته خارج منزل عمه يتسامرون ويتحدثون بأمور العمل والسياسة والرياضة والتجارة.
جذب انتباههم وقوف سيارة من نوع بي ام دبليو سوداء بالقرب من منزلهم، فتح الباب لتترجل منها فتاة أقل ما يقال عنها أنها خرجت من مجلة لعارضات الأزياء.. بشعرها البني الذي تتخلله خصلا شقراء بتسريحته البوف تتوسطه سلسلة على شكل نجوم فضية، ووجه منحوت مثل ريشة رسام ماهر" فسبحان الله من سواها" وذقن مرفوعة تنطق بالتحدي، وتمتلك عيون ناعسة كالمها بجمالها، تحيطها غابة سوداء كثيفة من الرموش الطويلة، وأنف مستدق، وأما الشفاه فتلك حكاية ثانية، فهي تلك التي يتغزل بها الشعراء، ويتقاتل من أجلها النبلاء، شفتين تبدوان كثمرة الفراولة، بلونها الأحمر الشهي، ينادي لمن يراها بقضمها وعدم تركها إلى أن يمتص كل رحيق شهدها، وجسد يشبه آلهة الجمال فينوس، ترتدي فستان صيفي أبيض اللون ذا طبعات من الورود الصفراء قصير يصل لما فوق الركبة، وارتدت تحته ليكنز ضيق أبيض اللون، وحذاء ذا رقبة عالية أسود اللون، وشيلة سوداء تتوسد كتفها لترفل خصلاتها مع نسمات الصيف الخفيفة، وعباءة مفتوحة تطير للخلف مع هبوب الهواء لتظهر ما ترتديه من ملابس ضيقة تحدد مفاتنها المغرية بشكل تجعل كل الرجال يسيل لعابهم ويتمنون لو أن تلك المرأة تكون من نصيبهم.
تقدمت ناحيتهم ليعتدل الجميع مهندمين من ملابسهم وعماماتهم ما عدى محمد الذي ظل متكئا على اطار الباب، مناظرا إياها باشمئزاز من هيأتها التي لا تقل عن عاهرة غايتها اغواء صنف آدم.
اقتربت منهم ليشيح بوجهه عنها بعيدا يستغفر الله على هذا المنكر الذي أمامه وينادي بالخطيئة، ويتعجبون من ابن آدم عندما يخون!!.. ألا يعلمون بأن حواء هي أساس الخطيئة؟؟.. وباب الفسق والفجور بين يديها؟؟. هي السبب بما يحدث من تفكك أسري، وزيادة نسبة الطلاق، وإلخ من الأمور، وكلها تدور حولها هي.
لم تفتها نظرة التقزز التي رماها عليها، ولا اشاحته لوجهه كي لا يراها، تأملته من تحت رموشها الناعسة... بحمدانيته الحمراء التي لفها حول رأسه مخفيا ما تحته من كثافة شعره الأسود، عيونه الكحيلة الحادة كالصقر، ويعلوها حاجبين كثيفين يعانقان بعضهما بتقطيبه غاضبة، وأنف يشبه السيف بحدته، ولحية جذابة أحاطت وجنتيه وشفتيه الممتلئتين بطريقة مرتبة، وجسد عضلي تكاد دشداشته أن تتمزق من نفور عضلات صدره.
أدارت عيناها للجهة الأخرى تحمي نفسها من هذه الوسامة الطاغية التي لم ترى لها بحياتها مثيل، ثم ابتسمت مظهرة لؤلؤها الأبيض الثمين ما إن اقتربت منهم، ليتخشب الجميع بمكانهم، فابتسامتها خلبت ألبابهم وكأنها رمتهم بسحرها ليفغروا أفواههم ببلاهة.
"هاي قايز.."
فأجابوها بتوتر:
"ها... نعم... أجل.. هاي"
ضحكت بدلال وسخرية من حالهم، فقد اعتادت تلك النظرات كثيرا، ولم تعد تكترث لها، فسألتهم ببحة صوتها الرنان ولم تعرف بأنها أذابتهم لحد التوتر وسببت بارتفاع درجة حرارة أجسادهم.
"هل يمكنني العبور؟؟"
"ها ؟؟"
"أريد الدخول لزيارة أهل البيت وأنتم........."
أشارت إليهم تخبرهم بأنهم يقفون حاجزا يمنعون مرورها، فابتعدوا على الفور دون ارادة فهمست إليهم بدلال:
"ثانكس بوي، باي.. سييو"
لوحت لهم وسارت بينهم كأميرة إلى أن وصلت لجانبه لتصفعه رائحة عطرها القوية التي نفذت لأنفه متسللة لأوردته حاملة إياها لكامل جسده إلى أن وصلت لمن يقع خلف قضبان سجنه.
التقت عيناهما... هو بتحدي وغرور وشموخ، تنطق به ملامحه العربية، وهي بعزة نفس وكبرياء لم ينخ، بل طالعته بعلياء كما الطاووس عندما يتباهى بريشه الزاهي الألوان، رفعت ذقنها بغرور وعبرت من جانبه بعد أن رمته بابتسامة قاتلة.
"وضحى... حبيبة قلبي"
التفتت لمحدثتها لتبتسم بسعادة صادقة محبة لتلك المرأة التي لم تتخلى عنها كما تخلى عنها الجميع.
"خالتي... لقد اشتقت إليك كثيرا"
حاول تذكر إن كان لزوجة عمه أي شقيقات غير أم سلمى لكنه لم يفلح، وبعدها كمن ضربته صاعقة همس بغضب مستعر، ونار عادت تشتعل من حطبها الخامد:
"وضحى.... وضحى... شقيقة سلمى الصغرى"

تم بحمد الله

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close